وما كان ليكون هذا التدريج بغير تفريق الآيات في التنزيل.
ومن محاسنها نسخ الحكم عند انتهاء المصلحة التي اقتضت تشريعه وانقضاء زمنها لحكم آخر أنسب منه للبقاء في الأزمان.
كما كان في آيتي المتوفى عنها في سورة البقرة (١).
وما كان ذلك ليأتي إلاّ بتفريق الآيات في الإنزال.
وكانت الوقائع تقع، والحوادث تحدث، والشبه تعرض، والاعتراضات ترد .. فكانت الآيات تنزل بما تتطلبه تلك الوقائع من بيان، وما تقتضيه تلك الحوادث من أحكام، وما تستدعيه تلك الشبه من رد، وتلك الاعتراضات من إبطال، إلى غير ما ذكرنا من:
مقتضيات نزول الآيات المعروفة بأسباب النزول.
وفي بيان الواقعة عند وقوعها، وذكر حكم الحادثة عند حدوثها، ورد الشبهة عند عروضها، وإبطال الاعتراض عند وروده- ما فيه من تأثير في النفوس، ووقع في القلوب، ورسوخ في العقول، وجلاء في البيان، وبلاغة في التطبيق، واستيلاء على السامعين.
وما كان هذا كله ليأتي لولا تفريق الآيات في التنزيل، وترتيلها وتنضيدها هذا الترتيل العجيب، وهذا التنضيد الغريب، الذي بلغ الغاية من الحسن والمنفعة، حتى أنه ليصح أن يعد وحده وجهاً من وجوه الإعجاز.
حظنا من العمل بهذه الحكمة:
أن نقرأ القرآن ونتفهمه، حتى تكون آياته على طرف ألسنتنا، ومعانيه نصب أعيننا، لنطبق آياته على أحوالنا، وننزلها عليها كما كانت تنزل على الأحوال والوقائع.
فإذا حدث مرض قلبي أو اجتماعي طلبنا دواءه في القرآن وطبقناه عليه.
وإذا عرضت شبهة أو ورد اعتراض، طلبنا فيه الرد والإبطال.
وإذا نزلت نازلة طلبنا فيه حكمها، وهكذا نذهب في تطبيقه وتنزيله على الشؤون والأحوال إلى أقصى حد يمكننا.
إقتداء:
انظر إلى هذه الحكمة في هذا الترتيل: كيف كان تنزل [[آياته]] على حسب الوقائع؟
أليس في هذا قدوة صالحة لأئمة الجُمَع وخطبائها: في توخيهم بخطبهم الوقائع النازلة، وتطبيقهم خطبهم على مقتضى الحال؟
بلى والله، بلى والله!
стр. 177
ولقد كانت الخطبة النبوية، والخطب السلفية كلها على هذا المنوال، تشتمل مع الوعظ والتذكير على ما يقتضيه الحال.
وأما هذه الخطب المحفوظة المتلوة على الأحقاب والأجيال فما هي إلاّ مظهر من مظاهر قصورنا وجمودنا.
فإلى الله المشتكى وبه المستعان.
...
الحق والبيان في آيات القرآن
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣].
لما رد تعالى اعتراضاتهم، وأبطل شبهاتهم .. أخبر تعالى بأنه لا يزال القرآن كذلك: يدمغ باطلهم بحقه فيزهقه، ويصدع غشاء تمويههم بصادق بيانه فيمزقه؛ لطمأنة قلب نبيه- ﵌ وتثبيته ووعد له بدوام النصر والتأييد.
(المثل) هو الشبه. هذا أصله، ثم يطلق على الكلام الذي قيل أول ما قيل في مقام، ثم لحسنه وإيجازه حفظ وجرى على الألسنة، وصار يقال في كل مقام يشابه مقاله الأصلي الذي قيل فيه أولاً لمشابهة المقام الثاني للمقام الأول.
ثم صار يطلق أيضاً على كل كلام فيه بيان لشيء وتصوير له، سواء أطابق ذلك البيان والتصوير الواقع وأتى بالحق، أم لم يطابق الواقع ولم يأت الحق. وهذا المعنى هو المراد هنا.
فإن المشركين جاءوا بكلمات في حق الله تعالى، وفي حق كتابه، وفي حق ملائكته، وفي حق نبيه لم يطابقوا فيها الواقع، ولا أتوا فيها بحق:
كقولهم في الله وملائكته: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١].
وفي نبيه: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧].
وفي القرآن: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان:٥]. ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢].
فهذه هي أمثالهم التي ضربوها فضلوا.
وجاء القرآن بعد كلماتهم الباطلة بكلمات الحق الدامغة مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [الفرقان: ٦]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
فهذه هي أمثال الله التي جاءت بالحق وأحسن تفسيرا.
стр. 178
(التفسير): الكشف عن المعنى .
وصلت الجملة لمشاركتها لما قبلها في الخبرية، والمخبر عنهم والموضوع المتحدث عنه مما جاءوا به من الباطل، وما رد عليهم من الحق.
وجملة ﴿جئناك﴾ خالية من كاف الخطاب المفعول في: ﴿لا يأتونك﴾. والحصر بالنفي وإلاّ في تلك الحال- والتقدير: ولا يأتونك بمثل في حال من أحوالك إلاّ في حال مجيئنا لك بالحق وأحسن تفسيراً.
والتعبير بالمضارع في ﴿يأتونك﴾ يفيد الحدوث وتجدد الإتيان منهم.
والتعبير بالماضي في ﴿جئناك﴾ مع أنه في معنى المستقبل يفيد تحقق المجيء، وهو المناسب لمقام الوعد والتثبيت.
المعنى:
ولا يأتيك يا محمد، هؤلاء المشركون وأمثالهم، بكلام يحسنونه ويزخرفونه، يصورون به شبهة باطلة، أو اعتراضاً فاسداً، إلاّ جئناك بالكلام الحق الذي يدمغ باطلهم، ويدحض شبههم وينقض اعتراضهم، ويكون أحسن بياناً وأكمل تفصيلاً.
إهتداء:
إذا تتبعت آيات القرآن وجدتها قد أتت بالعدد الوافر من شُبَه الضالين واعتراضاتهم، ونقضتها بالحق الواضح والبيان الكاشف في أوجز لفظ وأقربه وأبلغه.
وهذا قسم عظيم جليل من علوم القرآن يتحتم على رجال الدعوة والإرشاد أن يكون لهم به فضل عناية، ومزيد دراية وخبرة.
ولا نحسب شبهة ترد على الإسلام، إلاّ وفي القرآن العظيم ردها بهذا الوعد الصادق من هذه الآية الكريمة.
فعلينا عند ورود كل شبهة من كل ذي ضلالة أن نفزع إلى آي القرآن، ولا إخالنا إذا أخلصنا القصد وأحسنا النظر إلاّ واجديها فيها.
وكيف لا نجدها في آيات ربنا التي هي الحق وأحسن تفسيراً؟!
إقتداء:
لنقتد بالقرآن فيما نأتي به من كلام في مقام الحجاج، أو مقام الإرشاد.
فلنتوخ دائماً الحق الثابت بالبرهان أو بالعيان، ولنفسره أحسن التفسير ولنشرحه أكمل الشرح، ولنقربه إلى الأذهان غاية التقريب.
وهذا يستدعي صحة الإدراك، وجودة الفهم ومتانة العلم لتصور الحق ومعرفته.
стр. 179
ويستدعي حسن البيان وعلوم اللسان لتصوير الحق وتجليته والدفاع عنه.
فللإقتداء بالقرآن في الإتيان بالحق وأحسن بيان، علينا أن نحصل هذه كلها، ونتدرب فيها، ونتمرن عليها، حتى نبلغ إلى ما قدر لنا منها.
هذا ما على أهل الدعوة والإرشاد، وخدمة الإسلام والقرآن.
فأما ما على عموم المسلمين من هذا الإقتداء: فهو دوام القصد إلى الإتيان بالحق، وبذل الجهد في التعبير بأحسن لفظ وأقربه.
ومن أخلص قصده في شيء وجعله من وكده أُعين- بإذن الله تعالى- عليه.
...
حشر الكفار إلى النار
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ [الفرقان: ٣٤].
لما أبطل شبههم، بيّنَ مآلهم وجزاءهم.
(الحشر) السوق والجمع، (المكان) المنزل، (والسبيل) الطريق.
فصلت الجملة (١) لأنها بيان لحالهم في الآخرة، وهو غير الموضوع المتقدم.
عرف المسند إليه بالإشارة في قوله: ﴿أولئك شر مكانًا﴾؛ للتنبيه على أن المشار إليه وهو "الذين" المتقدم، حقيق بما بعد إسم الإشارة من قوله: ﴿شر مكانًا وأضل سبيلاً﴾؛ بسبب ما اتصف به المشار إليه المتقدم، مما دلت عليه الصلة، وهو حشرهم على وجوههم إلى جهنم، الذي ما أصابهم إلاّ بما قدمت أيديهم. في الحقيقة هم أحقاء بكونهم شراً مكاناً، وأضل سبيلاً، بسبب ما أداهم إلى ذلك الحشر، فاكتفي بذكر المسبب عن السبب (٢).
وأفعل التفضيل (٣) لم يذكر معه المفضل عليه؛ ليفيد أن مكانهم شر مكان من أمكنة الشر، وسبيلهم أضل سبيل من سبل الضلال.
وإسناد الضلال للسبيل مجاز.
المعنى:
هؤلاء المشركون القائلون للمقالات المتقدمة، ومن كان على شاكلتهم في الكفر والعناد
стр. 180
الذين يجمعون ويساقون إلى جهنم مقلوبين على وجوههم: أولئك شر مكاناً ومستقرا، فإنهم أهل النار، وأضل طريقاً فإنهم سلكوا طريق الكفر الذي أداهم إلى ذلك المستقر.
حديث:
أخرج الشيخان عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- أن رجلًا قال: «يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه؛ قال- ﵌: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟!» (١).
فقه:
من هذا الحديث علمنا: أنه يجب فيما يرد من الأخبار عن اليوم الآخر أن يحمل على ظاهره، ولو كان غير معتاد في الدنيا؛ لأن أحوال العالم الآخر لا تقاس على أحوال هذا العالم.
توجيه:
رفعوا وجوههم في الدنيا عن السجود لله، فأذل الله تلك الوجوه فمشوا عليها في المحشر.
ورفعوا رؤوسهم كبراً عن الحق، فنكسها الله يوم القيامة.
ومشوا في طريق النظر والاستدلال مشياً مقلوباً، فمشوا في الآخرة مشياً مقلوباً.
فكان ما نالهم من سوء تلك الحال جزاء وفاقاً لما أتوا من قبح الأعمال، وما ربك بظلام للعبيد.
تحذير:
فيما يذكره الله- تعالى- من هذا الجزاء العادل، تخويف عظيم لنا من سوء الأعمال التي تؤدي إلى سوء الجزاء، وخصوصا من مثل ما ذكر فيما تقدم من ترك السجود والكبر على الحق والنظر المقلوب.
عصمنا الله والمسلمين أجمعين بالعلم والدين، وهدانا سنن المرسلين آمين يا رب العالمين.
...
من إكرام الله تعالى عبده تحميله أعباء الرسالة وحده
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ [الفرقان: ٥١].
قد استفيد من الآيات المتقدمة ما كان يكابده النبي- ﵌ من إذاية
стр. 181
قومه، وما كان يلقاه من مكابرتهم للحق، وتعنتهم بالباطل، وقد أحاط به الأعداء من كل جانب، ولقيته العقبات من كل ناحية، وما كان يعانيه من الجهد الجهيد في إنذارهم، وتبليغ دين الله تعالى إليهم.
وهو في ذلك كله جاهد في القيام بتبليغ الأمانة، ناهض بأعباء الرسالة، ماض في تلك السبيل، ليس معه من نذير.
وقد كان ذلك مما تتفسخ له القوى البشرية لولا تأييد من الله، فأراد تعالى في هذه الآية أن يثبته في مقامه، ويؤنسه في انفراده؛ فيبين له أن تخصيصه بالقيام هذا المقام العظيم، هو لأجل تعظيمه وتكريمه، وتخصيصه بالأجر الكثير، والثواب الذي ليس له من مثيل.
(البعث) الإرسال.
(القرية) منازل الناس حيث يقيمون ويكونون مجتمعاً كبيراً أو صغيراً.
(النذير) المخوف من الوقوع في الشر والهلاك.
مفعول المشيئة محذوف قياسا، وتقدير الكلام: ولو شئنا أن نبعث. والبعث في كل قرية منتف بحكم لو، لأنها هنا تدل على امتناع جوابها لامتناع شرطها.
المعنى:
لو أردنا لأرسلنا في كل بلدة ومصر رسولاً، ينذرهم ويخوفهم من حلول نقمتنا بهم، بكفرهم بنا، ومعصيتهم لنا، فيخف عنك عبء ما حملت، ويسقط عنك بذلك تعب كثير.
ولكنا لم نرد ذلك، وحملناك أنت وحدك أعباء وأثقال النذارة لجميع القرى؛ ليظهر فضلك بعموم رسالتك؛ ويعظم أجرك بعظم جهادك وصبرك؛ ويكثر ثوابك بكثرة من يؤمن بك، ومن تود وتعمل ليؤمن بك.
حديث:
صح عن النبي- ﵌ أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهم أحد قبلي،
كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود،
وأحلّت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي،
وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً؛ فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان،
ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر،
وأعطيتُ الشفاعة».
هكذا جاء هذا الحديث عن جابر بن عبد الله في صحيح مسلم (١).
стр. 182
وجاء فيه من طريق أبي هريرة زيادة: «وختم بي النبيون» (١)
فتعميم رسالته وختم النبوة به في الحديث الصحيح من طريقيه من مقتضى معنى الآية: فإنه لما عممت رسالته، ولم يكن معه رسول في حياته، وختمت به النبوة، فلا يكون كذلك بعد وفاته. ثبتت له كرامة الخصوصية، وعظمة المنزلة، وجزالة المثوبة، وهو ما كنا بيناه في معنى الآية.
وما أحسن التفسير عندما تعضده الأحاديث الصحاح!!.
تأس ورجاء:
قد ثبت في السنة ما يكون من كثرة الجهل، وموت السنة، وانتشار البدعة؛ وقد أيد ذلك الواقع والمشاهدة.
فإذا كان دعاة العلم والسنة وخصوم الجهل والبدعة، فلا بد أن يكونوا قليلاً من العدد الكثير. خصوصا في مبدإ أمرهم وأول دعوتهم، ولا بد أن يلقوا ما يلقون، ويقاسوا ما يقاسون. ومما يثبت قلوبهم في عظيم مواقفهم: تأسيهم بالنبي- ﵌ الذي جاء وحده بالحق، والناس كلهم على الباطل، فما زال يجاهد حتى لقي ربه.
ومما يثبت قلوبهم أيضاً: رجاؤهم- إذا أخلصوا النية وأحسنوا الإقتداء- فيما يكون لهم من الثواب كذلك فيمن اهتدى بهم، وفيمن بذلوا جهدهم في هدايته، وكانت لهم الرغبة العظيمة في إيصال الخير إليه وإن لم يرجع إليهم.
...
عدم طاعة الكافرين والجهاد بالقرآن العظيم
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢].
لما بين له ما خصصه به من الكرامة، دعاه إلى مقابلة ذلك بعدم طاعة أهل الكفر، والثبات على جهادهم بالقرآن.
(الفاء) تفريعية. و (الطاعة) الامتثال للطلب.
و (الجهاد) بذل الجهد من ناحيتك في مقابلة من هو باذل جهده في الناحية المقابلة لك، هذا مقتضى صيغة فعال.
﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ مصدر مبين للنوع المطلوب بصفته، وهي ﴿كَبِيرًا﴾.
стр. 183
المعنى:
لما أكرمناك بعموم رسالتك، وختم النبوة بك فقابل هذه النعمة بإخلاص الطاعة لربك.
ولا تطع الكافرين أعداء الله وأعداءك، في أي شيء يدعونك إليه من مقتضيات كفرهم: كالرجوع إليهم، والسكوت عن بعض كفرهم.
وابذل كل جهدك في دعوتهم للدين الحق، ومقاومة ما هم عليه من الباطل بالقرآن العظيم، وجاهدهم بهذا القرآن جهاداً كبيراً، بتحمل كل ما يأتيك من ناحيتهم من بلاء وإذاية والصبر عليه، والثبات على الدعوة والمقاومة.
تعميم:
كما لا تجوز طاعة الكافرين في شيء مما يمليه عليهم كفرهم، كذلك لا تجوز طاعة العصاة في شيء مما تمليه عليهم معصيتهم، لأن الجميع فيه مخالفة لدين الله.
وكما يجاهد أهل الكفر بالقرآن العظيم الجهاد الكبيرة كذلك يجاهد به أهل المعصية لأنه كتاب الهداية لكل ضال، والدعوة لكل مرشد.
وفي ذكر الكافرين تنبيه على العصاة على التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لاشتراكهم في العلة وهي المخالفة.
إقتداء:
ما كان النبي- ﵌ ليطيع الكافرين، وإنما جاء هذا النهي تهييجاً له على تمام مخالفتهم ومعاكستهم في جميع مناحي ومظاهر كفرهم.
والخطاب وإن كان له فالحكم شامل لأمته، فلا يجوز للمسلم أن يطيع كافراً أو عاصياً في أي شيء من نواحي الكفر، ونواحي المعصية.
وكما أن الجهاد بالقرآن العظيم هو فرض عليه، فكذلك هو فرض على أمته هكذا على الإجمال. وعند التفصيل تجده فرضاً على الدعاة والمرشدين الذين يقومون بهذا الفرض الكفائي على المسلمين.
فالنبي- ﵌ قدوة لأمته فيما اشتملت عليه الآية من نهي وأمر.
استدلال:
هذه الآية نص صريح في أن الجهاد في الدعوة إلى الله وإحقاق الحق من الدين، وإبطال الباطل من شبه المشبهين وضلالات الضالين، وإنكار الجاحدين، هو بالقرآن العظيم.
ففيه بيان العقائد وأدلتها، ورد الشبه عنها.
وفيه بيان الأخلاق محاسنها ومساويها، وطرق الوصول إلى التحلي بالأولى، والتخلي عن الثانية ومعالجتها.
стр. 184
وفيه أصول الأحكام وعللها.
وهكذا فيه كل ما يحتاج إليه المجاهد به في دين الله.
فيستفاد منها كما يستفاد من آيات أخرى غيرها، أن على الدعاة والمرشدين أن تكون دعوتهم وإرشادهم بالقرآن العظيم.
ميزان:
عندما يختلف عليك الدعاة، الذين يدعي كل منهم أنه يدعوك إلى الله تعالى، فانظر: من يدعوك بالقرآن إلى القرآن، ومثله ما صح من السنة لأنها تفسيره وبيانه، فاتبعه لأنه هو المتبع للنبي- ﵌ في دعوته وجهاده بالقرآن، والمتمثل لما دلت عليه أمثال هذه الآية الكريمة من آيات القرآن.
نعمة ومنقبة:
قد سمّى الله تعالى الجهاد بالقرآن جهاداً كبيراً. وفي هذا منقبة كبرى للقائمين بالدعوة إلى الله بالقرآن العظيم. وفي ذلك نعمة عظيمة من الله عليهم حيث يسرهم لهذا الجهاد، حتى ليصح أن يسموا بهذا الإسم الشريف "مجاهدون". فحق عليهم أن يقدروا هذه النعمة، ويؤدوا شكرها بالقول والعمل، والإخلاص والصبر والثبات واليقين.
جعلنا الله والمسلمين منهم وحشرنا في زمرتهم أجمعين.
...
تعاقب الليل والنهار للتفكير والعمل
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢].
لما سأل المشركون بقولهم: ﴿وما الرحمن﴾؟ كما يسألون عن المجهول! ذكر لهم القرآن ما يعرفهم به من عظيم آياته، وجلائل إنعاماته، التي هي من آثار رحمته؛ فذكر لهم بروج السماء، والشمس والقمر، ثم ذكر لهم تعاقب الليل والنهار.
﴿خلفة﴾ يقولون: خلفت الفاكهة بعضها بعضاً خلفاً- بالتحريك وخلفة، إذا صارت خلفاً من الأولى. وخلف زيد عمراً يخلفه إذا جاء بعده في مكانه. فالخلفة مصدر. وهو لما كان على وزن فعلة دال على الهيئة كالركبة بمعنى الهيئة من الركوب، فالخلفة إذن هيئة من الخلوف. فإذا قلت: خلفه خلفاً أو خلوفاً .. فقد أردت مطلق الحدث، وإذا قلت: خلفه خلفة فقد أردت هيئة خاصة من المخلوف.
(التذكر) قبول التذكير، فإن مخلوقات الله مذكرات للعبد بربه. فتذكره هو قبوله ذلك التذكير، واعتباره واتعاظه به.
стр. 185
(الشكور) مصدر شكر بمعنى القيام بعبادته وطاعته، لأجل نعمه.
﴿أو﴾ للتفضيل والتنويع؛ لأن المستفيدين من اختلاف الليل والنهار هم المتذاكرون والشاكرون، فلا تمنع من أن يكون الشخص الواحد متذكراً شاكراً في آن واحد.
﴿خلفة﴾ مفعول ثان لجعل، على معنى جعلها ذوي خلفة. وفي الإخبار تقول: الليل والنهار خلفة، والرجلان خلفة على هذا المعنى ، أي يخلف أحدهما الآخر.
وكان مفرداً على الاثنين لأنه مصدر (١).
والجار في ﴿لمن أراد﴾ يتعلق بـ ﴿جعل﴾ وكان الجعل لهما، لأنهما المستفيدان منه، ولم يكرر الإسم الموصول لأن الشخص الواحد يمكن أن يتصف بالصفتين معاً.
وكرر فعل الإرادة لأنها لا بد منها في التذكر وفي الشكر.
وقيل: ﴿أن يذكر﴾ ليفيد المضارع الحدوث والتجدد، فإن الغفلة مستولية على الإنسان، والآيات المرئية ما تزال تحدث له التذكر وتجدده له.
وقيل: ﴿شكوراً﴾ لمناسبة رؤوس الآي.
المعنى:
يقول تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار، ووضعهما يختلفان ويتعاقبان على هيئة مخصوصة في التخالف والتعاقب؛ ليستفيد من ذلك العباد.
من أراد أن يتذكر فيعتبر بما فيهما من انتقال وتغير ونظام وتقدير. ويستدل بذلك على وجود خالقهما، وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته، ورحمته بمخلوقاته.
أو أراد أن يشكر؛ فيقوم بعبادة خالقه المنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها التي منها هذا الاختلاف والتعاقب بين هذين الوقتين، الذي لا يصلح حال الإنسان، ولا تنتظم أعماله ولا يستقيم عمرانه إلاّ به.
فقه لغوي:
اختيرت لفظة الخلفة هنا، لدلالتها على الهيئة، فتكون منبهة على هيئة هذا الاختلاف، بالطول والقصر المختلفين في جهات من الأرض. وذلك منبه على أسباب هذا الاختلاف من وضع جرم الأرض وجرم الشمس.
وذلك كله من آيات الله الدالة عليه، وبتلك الهيئة من الاختلاف المقدر المنظم عظمت النعمة على البشر، وشملتهم الرحمة.
فكانت هذه اللفظة الواحدة منبهة على ما في اختلاف الليل والنهار من آية دالة، ومن نعمة عامة وهكذا جميع ألفاظ القرآن في أنتقائها لمواضعها.
стр. 186
فقه شرعي:
لما كان جعل الليل والنهار خلفة لأجل التذكر والعمل، كان كل واحد منهما صالحاً للعمل الذي يعمل في صاحبه. فمن فاته عمل بالليل أتى به في النهار، ومن فاته عمل بالنهار أتى به في الليل. وهذا إذا كان من العادات فهو على سبيل التدارك، وإذا كان من العبادات فهو على سبيل القضاء.
وقد روى ابن جرير- بسند حسن (١): «أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب- ﵁ فقال: فاتتني الصلاة الليلة! فقال: أدرك ما فاتك من ليلتها في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكوراً».
ومن هذا ما رواه مسلم والأربعة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﵌: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» (٢).
فقه قرآني:
حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها، مبنية على الأركان الثلاثة:
الإرادة، والفكر، والعمل.
وهي المذكورات في هذه الآية، لأن التذكر بالتفكر والشكر بالعمل. فاستفادة الإنسان مما خلقه الله له، وجعله لأجله، لا تكون إلاّ بهذه الثلاثة.
وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لا بد للإنسان منها:
فالعمل متوقف على البدن.
والفكر متوقف على العقل.
والإرادة متوقفة على الخلق.
فالتفكير الصحيح من العقل الصحيح، والإرادة القوية من الخلق المتين، والعمل المفيد من البدن السليم.
فلهذا كان الإنسان مأموراً بالمحافظة على هذه الثلاثة: عقله، وخلقه، وبدنه، ودفع المضار عنها، فيثقف عقله بالعلم، ويقوم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقوي بدنه بتنظيم الغذاء، وتوقي الأذى، والتريض على العمل.
стр. 187
موعظة:
قال الإمام ابن العربي: سمعت ذا نشمند الأكبر- يعني الغزالي- يقول:
«إن الله خلق العبد حياً عالماً وبذلك كماله. وسلط عليه آفة النوم، وضرورة الحدث، ونقصان الخلقة، إذن الكمال للأول الخالق.
فما أمكن الرجل من دفع النوم، بقلة الأكل، والسهر في الطاعة فليفعل.
ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة، ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغواً.
وينام نحو سدس النهار راحة فيذهب له ثلثاه، ويبقى له من العمر عشرون سنة.
ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية، ولا يتلف عمره سهرة في لذة باقية، عند الغني الوفي، الذي ليس بعديم ولا ظلوم».اهـ.
سلوك:
حافظ على العبادات في أوقاتها، واقض ما فاتك.
واربط أعمالك بأوقاتها، وتدارك ما فاتك.
ووجه قصدك إلى ما ترى من آيات الله متفكراً.
ووجه قصدك في جميع أعمالك لله سامعاً مطيعاً- تكن عبداً ذاكراً شاكراً سعيداً- إن شاء الله- في الدارين.
وفقنا الله إلى ذلك والمسلمين أجمعين.
...
القرآن يصف عباد الرحمن
الصفة الأولى والثانية:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣].
لما تجاهل المشركون الرحمن، واستكبروا عن السجود له، عرفهم القرآن بالرحمن: بخلقه، وتدبيره وإنعامه، كما مضى في الآيات المتقدمة.
ثم عرفهم بعباده الذين عرفوه بذلك، فآمنوا به، وخضعوا له، بما اشتملت عليه هذه الآيات من صفاتهم.
وكما كانت مخلوقات الله المذكورة سابقاً دالة عليه، ومعرفة به، بما فيها من آثار قدرته وآثار
стр. 188
رحمته، كذلك كان عباده المذكورون أدلة عليه، ومعرفين به، بأقوالهم، وأفعالهم، وهديهم، وسلوكهم ومظاهر آثار رحمة الله عليهم.
فذكروا بعد ذلك تلك المخلوقات، وذكرت هي قبلهم؛ لأنها كانت أدلة لهم، والدليل سابق على المستدل، سبق المستفاد منه على المستفيد.
وفي تعريف القرآن لعباد الرحمن بعد تعريفه بالرحمن، تشريف كبير لهم، وتبكيت لأولئك المتجاهلين المتكبرين.
ووجه آخر في المناسبة، وهو أنه لما ذكر التذكر والشكر في الليل والنهار في الآية المتقدمة، ذكر صفات المتذكرين الشاكرين، وما أثمره لهم تذكرهم وشكرهم، ترغيباً في التذكر والشكر. وقولهم للجاهلين سلاماً من مقتضى هونهم ورفقهم، فلذلك قرن به وعطف عليه.
﴿عباد﴾ جمع عبد بمعنى المملوك الذليل الخاضع، أو جمع عابد كصاحب وصحاب، وتاجر وتجار: بمعنى المطيع والقائم بما يرضي ربه، والأول هنا أظهر.
﴿الرحمن﴾ المنعم الذي تتجدد نعمه في كل آن.
﴿يمشون على الأرض﴾ يتنقلون عليها.
﴿هونًا﴾ هان الأمر يهون هونًا بمعنى سهل. ومنه ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي سهل. وشيء هين على وزن فعل أي سهل، ويقال هين بالتخفيف.
ومن صفات المؤمن أنه هين لين، من الهون بمعنى السهولة في أخلاقه ومعاملته.
وفي مسند أحمد عن ابن مسعود مرفوعاً: «حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس» (١).
وهو على ما فسرنا من السهولة في أخلاقه ومعاملته، وذلك هو الذي يقربه من الناس.
وفسر الهون في الآية بالحلم، والوقار، والسكينة، والتواضع والطاعة، وكلها ترجع إلى السهولة واللين.
وفسر بعدم الفساد في الأرض، وعدم التجبر والتكبر، لأنها كلها أضداد للسهولة واللين.
﴿خاطبهم﴾ كلهم ﴿الجاهلون﴾ السفهاء القليلو الأدب السيئو الأخلاق. والجهل ضد العلم، ويطلق بمعنى السفه والطيش؛ لأنهما عنه ينشآن.
ومنه قول الشاعر.
стр. 189
أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا (١)
ومنه ﴿الجاهلون﴾ في الآية.
﴿سلاماً﴾ السلام كالسلامة معناهما: التعري من الآفات والمكروهات.
وصلت الجملة بما قبلها بالواو، لاشتراكهما في القصد وهو التعريف بالرحمن وبعباده. وعباد مبتدأ، والذين خبر.
وأضاف العباد للرحمن تخصيصاً لهم وتفصيلاً وتقريباً، وفيه تعريض بأولئك المتجاهلين المتكبرين المبعدين.
وهوناً منصوباً على أنه مفعول مطلق، والتقدير مشياً هوناً أو على أنه حال من فاعل يمشون، أي هينين. ومجيء المصدر حالاً كثير، ولمصدريته أفراد والموصوف جمع، نظير الزيدون عدل.
و ﴿يمشون على الأرض هونا﴾ تركيب كنائي، أريد به معناه، ولازم معناه:
فهم يمشون هينين برفق وتثبت، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً، هذا أصل المعنى وهو مراد.
ومراد أيضاً لازمه وهو سهولتهم وتواضعهم وعدم تكبرهم ورفقهم في الأمور وبعدهم عن الإفساد.
ومراد لازم آخر أيضاً: وهو سيرهم في الحياة وتصرفهم في جميع الأمور، ومعاملتهم للناس، فإذا كانوا أهل رفق وسهولة في مشيتهم في الأرض، فكذلك هم أهل رفق وسهولة في الأمور الأخرى مما ذكرنا؛ لأن الرفق والسهولة خلق فيهم، فكما هو في المشي هو في غيره.
وكانت الصلة بالمضارع (٢) ليفيد التجدد، فإن المشي هو في الأرض ضروري للإنسان.
وكان المعطوف على الصلة بصورة الشرط (٣)؛ لأن خطاب الجاهلين لهم ليس مما يكون دائماً.
وكان التعليق بلذا لأن مخاطبة الجاهلين لهم بالسوء أمر محقق.
ومتى سلم أهل العلم والدين من الجاهلين؟!!
стр. 190
ولم يذكر ما يخاطبهم به الجاهلون للعلم بأن خطاب الجاهل أي السفيه لا يكون إلاّ سوءاً مما يمليه عليه جهله وسفهه.
ونصب ﴿سلاماً﴾ على أنه مفعول مطلق والتقدير: قالوا قولاً سلاماً، أي ذا سلام، فيشمل كل قول فيه سلامة من الأذى والمكروه: كسلام عليكم، ويغفر الله لكم، وسامحكم الله، ونحو ذلك.
أو نصب على أنه مفعول به، أي قالوا هذا اللفظ سلاماً نفسه.
المعنى:
يقول تعالى: وعباد الرحمن ومماليكه القائمون بحق العبودية له، هم أهل الرفق والسهولة الذين يمشون على الأرض هينين في مشيهم، وفي معالجتهم لشؤون الحياة، ومعاملتهم للناس لحلمهم وتواضعهم، غير مستكبرين ولا متجبرين، ولا ساعين في الأرض بالفساد.
وإذا خاطبهم السفهاء بما لا ينبغي من الخطاب قابلوهم بالحلم، وقالوا لهم: سلاماً، لأنهم سلموا من الجهل؛ فسلم المخاطب لهم من أن يجهلوا عليه ولو جهلوا؛ أو قالوا لهم من الكلام ما فيه سلامة من الأذى والمكروه.
الأحكام:
في الآية استحباب الرفق في المشي، وكراهية العنف والاضطراب؛ ومن العنف الضرب بالرجل والخفق بالنعل، فإذا كانا بعجب وخيلاء فهو حرام.
وفيها الإغضاء عن الجاهل ومقابلة كلمته السيئة بالكلام الحسن وكراهة مجاراته في خطابه ومماثلته، وإذا كان في ذلك فتنة أو مفسدة محققة كان حرامًا.
تمييز:
ليس من الهون في المشي التثاقل والتماوت فيه.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لجماعة رآهم كذلك: «لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله».
وأن عائشة ﵂، رأت قوماً يتماوتون، فسألت عنهم؛ فقيل لها: هؤلاء قوم من القراء. فقالت: لقد كان عمر من القراء، وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع.
وكان مشيه- ﵁ إلى السرعة خلقة لا تكلفاً. والخير في الوسط.
وليس هون المشي وحده يعرفك بأن صاحبه من عباد الرحمن، فرب ماش هوناً رويداً وهو ذئب أطلس (١). ولكن بالهون في المشي، وبما ذكرنا في فصل التراكيب والمعنى من لوازمه.
стр. 191
بيان وردّ:
اشتملت الآية على بيان الأدب في معاملة الجاهلين من أفراد الناس، سواء أكانوا مسلمين أم غيرهم.
وما اشتملت عليه من الأدب قد جاء في آيات كثير: مثل: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
فهو أدب مشروع مؤكد وحكم دائم محكم، وهو في معاملات الأفراد كما ترى.
فلا ينافي ما شرع من الحرب عند وجود أسبابها، وتوفر شروطها بين الأمم والجماعات. وهي من الأمور العامة كما ترى.
فبطل قول من زعم أن هذه الآية بالنسبة لغير المسلم منسوخة بآية السيف، لأن هذه الآية ثابت حكمها في حال وآية السيف ثابت حكمها في حال أخرى، فلا تنسخ إحداهما الأخرى. وما أكثر ما قتلت أحكام بآية السيف هذه! وهي عند التحقيق غير معارضة لها؛ لمباينة حالها لحالها.
تمثيل واستدلال:
جاء في الصحيح من طرق مجموع ألفاظها:
أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْيَهُودِ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ- ﵌ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ (والسام الموت) ففهمتها عائشة- ﵂ فقالت: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ- ﵌:- مَهْلاً يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؛ فَقَالَ لَهَا: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؛ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ: قد قلت: «وَعَلَيْكُمْ» فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ (لأنه دعاء بحق) وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ (١) (لأنه دعاء بباطل وظلم).
فقد خاطبه هؤلاء الجاهلون بالسوء فقال لهم كلمة سالمة من القبح، ليس فيها لفظ الإذاية، وهو السام، بعيدة عن الإفحاش، خالصة للرفق، فهي من العقول السلام: أي ذي السلام من مقتضى الآية على الوجه الأول من وجهيها.
стр. 192
ففي الحديث مثال لقول السلام في خطاب الجاهل، ودليل على عموم الحكم وإحكامه.
سؤال وجوابه:
على الوجه الثاني في الآية وهو أنه يقول للجاهل سلاماً، يقال: هل يسلم عليه إذا كان كافراً؟.
فيقال: نعم؛ كما قال إبراهيم لأبيه ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾. وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤]. ولم يستثن إلاّ قوله لأبيه: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾.
نعم هو سلام موادعة ومتاركة، لا سلام تحية وكرامة.
لطيفة تاريخية:
قالوا: إن إبراهيم ابن المهدي العباسي كان منحرفاً عن علي بن أبي طالب- ﵁ فرآه في النوم قد تقدمه لعبور قنطرة، فقال له إبراهيم:
«إنما تدعي هذا الأمر يعني الخلافة بامرأة، يعني فاطمة- ﵂ ونحن أحق به منك. وحكى إبراهيم رؤياه للمأمون، وقال له: فما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه!
فقال له المأمون: فما أجابك به؛ قال كان يقول لي:"سلاماً سلاماً" فنبهه المأمون على هذه الآية، وقال: يا عم، قد أجابك بأبلغ جواب! فخزي إبراهيم واستحيا. اهـ.
فرضي الله عن الإمام الهاشمي ما أبلغه حياً وميتاً!!
توجيه وسلوك:
القول السلام محمود ومطلوب في كل حال، وإنما خصت حالة خطاب الجاهل، لأنها الحالة التي تثور فيها ثائرة الغضب بما يكون من سفهه ومهاترته.
فعلى المؤمن أن يكون حاضر البال بهذه الآية عندما تسوق إليه الأقدار جاهلاً، فيخاطبه بما لا يرضيه حتى يسلم من شره، ويكسر من شرته (١)، فيسلم له عرضه ومروءته ودينه، ويسلم ذلك الجاهل أيضا من اللجاج في الشر والتمادي فيه.
فيكون المؤمن بقوله السلام، وتأدبه بأدب القرآن قد حصل السلامة للجميع.
وأعظم به من فضل وأجر في الدنيا والدين.
وفقنا الله لذلك والمسلمين أجمعين.
стр. 193
الصفة الثالثة:
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤].
لما ذكر فيما تقدم سلوكهم مع الخلق ذكر في هذه الآية سلوكهم في القيام بعبادة الحق. وفيما تقدم بيان حالهم عند اختلاطهم بالعباد، وفي هذه بيان حالهم عند تفردهم لرب العباد.
﴿يبيتون﴾ من البيتوتة، وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم. ويقابلها الظلول وهو أن يدركك النهار.
(السُّجَّدُ) جمع ساجد. (والقيام) جمع قائم، وهو من الأوزان التي يشترك فيها المصدر والجمع.
﴿الذين﴾ عطف على الخبر الأول، وأعيد لفظ ﴿الذين﴾ لاستقلال الحالة الثانية عن الأولى.
وقدم الجار ليفيد تخصيص عبادتهم بربهم ويفيد الكلام عبادتهم وإخلاصهم.
وقدم ﴿سجداً﴾ لأن السجود أقرب أحوال العبد للرب، لحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (١).
ووقع ﴿قياماً﴾ في موقعه مناسباً للفاصلة.
المعنى:
ومن صفات عباد الرحمن أنهم يحيون الليل، فيبيتون يصلون لربهم، يراوحون بين السجود والقيام.
بيان وترغيب:
هذه الآية من آيات الحث على قيام الليل، مثل قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
وقد بينت السنة المطهرة مقداره. فثبت في الموطأ من طريق أبي سلمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن رسول الله ﵌، ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على
стр. 194
إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً» (١).
والسلام بعد كل ركعتين لحديث: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٢).
وثبت عند مسلم (٣) من طريق سعد بن هشام، عنها (٤) بأنه كان يفتتح صلاته بالليل بركعتين خفيفتين، فتلك ثلاث عشرة.
وقد ثبت ذلك في الموطأ من طريق عروة عنها، قالت:
«كان رسول الله- ﵌ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة» (٥).
وهذا هو الغالب من أحواله، وقد كان يصلي أقل منه في بعض الأحوال.
فقد ثبت عند البخاري من طريق مسروق عنها: «أن صلاته- ﵌ بالليل سبع، وتسع، وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر» (٦).
ومثل ما جاء عن عائشة من انتهاء ركعاته إلى ثلاث عشرة جاء في الموطأ (٧) من حديث ابن عباس.
стр. 195
وجاء فيه أيضاً من حديث زيد بن خالد الجهني (١).
وفي هذه السنة العملية الثابتة بيان للقدر الأكمل، الذي يكون به العبد ممن يصدق عليهم هذا الوصف من صفات عباد الرحمان.
الصفة الرابعة:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان: ٦٥، ٦٦].
لما ذكر حسن سلوكهم مع الخلق، واجتهادهم في عبادة الحق، ذكر خوفهم من ربهم، واعتمادهم عليه في نجاتهم، وعدم اعتزازهم بأعمالهم، فهم يأتون ما يأتون من محاسن الأعمال، ولا يعتمدون إلاّ على الكبير المتعال.
(الغرام) مادة (غ ر م) تدور على معنى الملازمة مع الثقل والشدة، ولذا فسر الغرام بالشر، وبالعذاب، وبالهلاك الملازم.
﴿ساءت﴾، بمعنى قبحت، مثل بئس لإنشاء الذم.
﴿المستقر﴾ محل الإقامة أي البقاء.
﴿ساءت﴾ فاعلة الضمير المخصوص بالذم.
و ﴿مستقراً ومقاماً﴾ تمييز مفسر للضمير.
وجملة ﴿إن عذابها﴾ تعليل للجملة الدعائية، وفصلت عنها لكمال الانقطاع بينهما.
وجملة: ﴿إنها ساءت﴾ مؤكدة لمضمون الجملة قبلها مع اختلاف في المعنى: فإن ما أفادته الأولى من فداحة عذابها وملازمته، أكدته الثانية بما أفاده من مقامه ومستقرها، ففصلت عنها لما بينهما من كمال الاتصال نظير: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢].
والتأكيد فيها بـ"إنّ"، لأنه قد لوح وأشير في الكلام السابق إلى هذا الخبر، وشأن السامع لهذا أن يستشرف له استشراف المتردد الطالب، فينزل منزلة المتردد فيؤكد له الخبر.
ووجه التلويح بهذا الخبر: أنه لما سئل صرف عذاب جهنم كان هذا مشيرًا، إلى قبح هذا العذاب وشدته. فهذا نظير ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧].
المعنى:
من صفاتهم أنهم يدعون الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم؛ لأن عذابها عذاب
стр. 196
شديد، فادح، ملح، ملازم. ولأنها بئست المستقر الذي يستقر ويثبت فيه، وبئست المقام الذي يقام ويمكث فيه.
...
رد واستدلال:
زعم قوم أن أكمل أحوال العابد، أن يعبد الله تعالى لا طمعاً في جنته، ولا خوفاً من ناره.
وهذه الآية وغيرها رد قاطع عليهم.
ومثلها قول إبراهيم- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، وفي نصوص لا تحصى كثرة.
وزعموا أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه، أو طمع في ثوابه. وأخطاؤا فيما زعموا:
فإن العبادة مبناها الخضوع والذل والافتقار، والشعور بالحاجة والاضطرار. وإظهار العبد هذه العبودية بأتمها، ومن أتم مظهر لها، أن يخاف، ويطمع، كما يذل، ويخضع؛ ففي إظهار كمال نقص العبودية القيام بحق الإجلال والتعظيم للربوبية.
ولهذا كان الأنبياء- عليهم وآلهم الصلاة والسلام- هم أشد الخلق تعظيماً لله، وأكثرهم خوفاً من الله، وتعوذاً من عذاب الله، وسؤالًا لما عند الله، وكفى بهم حجة وقدوة.
وإن هذه المقالة (١) تكاد تُفضي إلى طرح الرجاء والخوف، وعليهما مبنى الأعمال، لما فيهما من ظهور العبودية بالذل والاحتياج.
ومن دعاء القنوت الثابت المحفوظ: «وإليك نسعى ونحفد (٢)، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد» وهذا ضروري في الدين.
ولكن مثل هذه المقالة إنما يجر إليها:
الغلو وقلة الفقه في الدين، وفي الكتاب والسنة، وما كان عليه هَدْيُ السابقين الأولين.
إعتبار ونصيحة:
إن جهنم هي أقبح مستقر وأقبح مقام.
وإن الدنيا هي مطية الآخرة؛ فمن ساء مستقره ومقامه في الدنيا، ساء كذلك مستقره ومقامه في الآخرة.
وإن ملازمة العذاب في الآخرة على قدر ملازمة المعاصي في الدنيا؛ فمن لازمها بالكفر،
стр. 197
ومات عليه، دامت له تلك الملازمة، ومن لازمها بالإصرار على الكبائر كانت له، على حسب تلك الملازمة.
فعلى العاقل أن يحسن مقره ومقامه، وأن يجتنب كل موطن تلحقه فيه الملامة، وأن يجتنب مجالس السوء والبدعة، ويلازم مجالس الطاعة والسنة.
وأن يسرع بالتوبة مفارقاً الذنوب، وألا يصر على شيء من القبائح والعيوب.
وأن يكون سريع الرجوع إلى الله ولو عظم ذنبه وبلواه، فالله يحب التوابين ويغفر للأوابين جعلنا منهم أجمعين آمين.
أيهما أكمل:
العبادة مع رجاء الثواب وخوف العقاب؟ أم العبادة دونهما؟
زيادة بيان على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.
تمهيد:
قد قال قوم: إن العبادة دون رجاء ثواب ولا خوف عقاب هي أكمل العبادات!.
وأنكرنا مقالتهم فيما كتبناه على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ فيما سبق.
وقلنا في الإنكار عليهم:
"وزعموا" أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه، أو طمع في ثوابه، ((وأخطأوا فيما زعموا)).
وذكرنا إثر ذلك بعض الأدلة التي اعتمدنا عليها.
...
وبعد أن مضى على ذلك ثلاثة أشهر كاملة!! نشر الشيخ المولود الحافظي مقالًا رداً علينا، دون أن يذكر جميع أدلتنا، ودون أن يتعرض لنقضها في سندها أو متنها، أو عدم انطباقها، أو إفادتها لما سبقت لإفادته، ودون أن يعارضها بمثلها في الرتبة والدلالة.
وأطال بما بعضه خارج عن محل النزاع، وبعضه هو نفس الدعوى المحتاجة إلى الاستدلال. فرأينا- إثر إطلاعنا على مقاله- أن نعود لذكر أدلتنا التي اعتمدنا عليها فيما اخترناه: من أن وضع العبادة الشرعية، على رجاء الثواب وخوف العقاب، وبيان دلالتها على المدعى. ثم نتكلم على بعض ما في مقاله، فنقول:
стр. 198
حقيقة العبادة:
إن العبادة هي غاية الذل والخضوع، مع الشعور بغاية الضعف والافتقار. ومن مقتضى الضعف أن يخاف ويَوْجَلَ، ومن مقتضى الافتقار أن يرجو ويطمع:
١ - فخوف العبد من عقاب ربه، هو من مقتضى اعترافه بضعفه وقوة ربه، وشهوده لعزته وقهره، وعموم تصرفه في خلقه، وأنه لا معقب لحكمه، وأنه لا يؤمن من مكروهه.
٢ - وطمعه في ثوابه، هو من مقتضى اعترافه بحاجته وفقره وغنى ربه، وفضله، وتصديقه بوعده؛ فهو يعبده ويخاف ألا يقبل عبادته، ويخشى نقمته. ويعبده ويرجو رحمته، وينتظر مثوبته. وفي عبادته هذه إظهار لغاية العبودية بنقصها وحاجتها، وقيام بحق التعظيم والإجلال للربوبية، والاعتراف لذلك المقام بالقدرة والعزة، والغنى والرحمة والكمال.
فوضعت العبادة في الدين على خوف العقاب، ورجاء الثواب، لما في ذلك من إظهار غاية عبودية العبد بضعفه وافتقاره، أمام ربه الغني الرحيم القوي المتين.
الأدلة:
والدليل على هذا ستسمعه، من الكتاب، والسنة، وأقوال السلف:
أولاً: أما الكتاب: فقوله تعالى:
١ - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥، ١٦، ١٧].
ووجه الدليل من الآية:
أن هؤلاء المذكورين فيها، هم الكمل من عباد الله الصالحين، بدليل حديث أبي هريرة- ﵁ المروي في الصحيح- قال: قال رسول الله- ﵌: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ» (١).
ثُمَّ قَرَأَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ومع كمالهم لم تتجرد عبادتهم من الخوف والطمع.
стр. 199
ووجه آخر:
وهو أن الله تعالى ذكر لنا عبادتهم؛ لنعرف العبادة الشرعية كيف تكون؛ فذكرها مع الخوف والطمع، فعرفنا أن العبادة وضعت في الشرع على ذلك.
ووجه ثالث:
وهو أنه تعالى ذكر لنا صفاتهم وعبادتهم؛ لنقتدي بهم فيها، فعلم أن العبادة التي يدعونا ربنا إليها هي العبادة خوفاً وطمعاً.
٢ - ومثل هذه الآية:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٤].
ووجه الدليل منها كالتي قبلها.
وتزيد عليها ببيان صريح دعائهم وطلبهم الوقاية من النار، وغفران وتكفير السيئات.
٣ - ومثلها قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].
ووجه الدليل منها كالتي قبلها.
٤ - ومثلها قوله تعالى:
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ٧ - ١٠].
ووجه الدليل منها مثل ما تقدم وتزيد ببيان أن خوف اليوم العبوس لا ينافي الإطعام لوجه الله.
٥ - ومثلها قوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢].
стр. 200
ووجه الدليل كما تقدم، وفيها أيضاً بيان أن خوف سوء الحساب لا ينافي الصبى ابتغاء وجه الله تعالى.
٦ - ومثلها قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]، ووجه الدليل كما تقدم.
ومعنى الآية: أنهم يعطون ما أعطوا من أعمال البر والطاعات، وقلوبهم خائفة من أنهم راجعون إلى ربهم، فيخافون ألا تقبل منهم. ففيها بيان أنهم كانوا يعملون راجين قبول الأعمال، خائفين من عدم قبولها.
فهؤلاء هم الكمل من عباد الله، وهذه هي عبادتهم في صريح هذه الآيات الكريمة التي ذكرت فيها صفاتهم.
وكلها بكثرتها وصراحتها دالة دلالة قطعية لما قلناه: من أن العبادة الشرعية موضوعة على رجاء الثواب والخوف من العقاب؛ إذ ذلك هو أظهر مظاهر العبودية بذلها وخضوعها، وضعفها وحاجتها وفقرها، وحالتها المباينة غاية المباينة لمقام الربوبية، مقام ذي الجلال والإكرام.
ولا تجد في القرآن العظيم، آية واحدة دالة دلالة صريحة على ذكر عبادة- هكذا- دون خوف أو طمع.
٧ - ونزيد على الآيات المتقدمة، آية دالة على حال عبادة المعصومين عليهم الصلاة والسلام، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
ووجه الدليل في الآية: أن إبراهيم ﵇ أخبر عن نفسه بصيغة المضارع، المفيد للتجدد، أنه يطمع من الله أن يغفر له خطيئته؛ فدل ذلك على أنه كان في عبادته طامعاً. ومعلوم أنه معصوم، وأنه مؤمن من العذاب، وأن ما سماه خطيئة هو بالنسبة إلى مقامه الرفيع من باب: "حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ" (١).
ومع ذلك كله فالمقصود من الدليل حاصل، وهو أنه خاف المؤاخذة- المؤاخذة اللائقة بمقامه- وطمع في الغفران، وكانت عبادته على الطمع والخوف.
ولا يقال: إنه كان معلماً للناس؛ لأنه إخبار عن نفسه، وخبره صدق ثابت، فلا بد أن يكون كما أخبر.
стр. 201
ثانياً: وأما من السنة فمنها:
١ - دعاء القنوت المشهور: «نَرْجُو رَحْمَتَكَ ونَخْشَى عَذَابَكَ إنَّ عَذَابَكَ الجِدُّ».
ووجه الدليل منه: أن الصلاة أشرف أحوال العبد وأجل مقاماته، وأعظم عباداته، وقد علم أن يدعو فيها هذا الدعاء الصريح، في رجاء الرحمة وخوف العذاب، وما كان ذلك إلاّ لأن العبادة الشرعية موضوعة عليهما.
٢ - ومنها حديث:
«وَأَمَّا السُّجُودُ فَادْعُوا فِيهِ فَقَمِنٌ (١) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» وهو حديث صحيح (٢).
وفي الصحيح أيضاً: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (٣).
ووجه الدليل: أن أقرب أحوال العبد من ربه السجود، وهو محل للدعاء، والداعي يرجو القبول، ويخاف المنع، فالعبادة في أقرب أحوال العبد موضوعة على الرجاء والخوف.
٣ - ومنها الحديث الصحيح:
«إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ. اللهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلتَ.
فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» (٤).
ووجه الدليل منه: أنه تعليم لما يقوله المسلم فيما قد يكون آخر حال يلقي عليه ربه، ولا ينبغي أن يلقاه إلاّ على أكمل حال؛ فعلمنا هذا الدعاء الصريح في الرغبة والرهبة ليقوله المؤمن، ولو كان من أكمل الكمل.
стр. 202
فدل على أن الرغبة والرهبة عليهما وضعت العبادة في جميع الأحوال.
٤ - ومنها الحديث الصحيح:
قالت عائشة- ﵂: «كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ- ﵌ فَفَقَدْتُهُ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ (١)، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ (٢) أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (٣).
ووجه الدليل: أنه في الحال التي هو فيها أقرب ما يكون من ربه، وهي حالة سجوده، استعاذ برضى الله من سخطه، [[وبعافيته]] من عقوبته.
ثم لما لم يستطع الاحاطة بأفعاله، رد الأمر لذاته، فاستعاذ به منه. وهو في الجميع مستعيذ، والمستعيذ طالب، والطالب راج وطامع في نيل المطلوب. فلم يفارق عبادته الرجاء والطمع حتى في هذه الحالة التي بينه وبين ربه، لأنه كان ساجداً في جنح الليل، دون حضور أحد من الناس، إلاّ عائشة التي كانت نائمة واستيقظت، فاطلعت عليه في تلك الحال.
٥ - ومنها الحديث الصحيح عن ابن عباس- ﵁ الذي كان يعلمهم رسول الله- ﵌ إياه كان يعلمهم السورة من القرآن رواه مالك وفيه: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (٤).
ووجه الدليل منه: أنه علمهم هذه الاستعاذة الصريحة في الخوف والرجاء كسائر ما علمهم من الدعوات المبنية عليهما.
وهكذا تجد جميع دعواته المأثورة على الرغبة، والرهبة، والرجاء والخوف. ولا تجد دعاء واحداً علمهم فيه أن يتوجهوا إلى الله تعالى، دون رغبة ولا رهبة، ولا رجاء ولا خوف.
стр. 203
ولو كانت العبادة الخالية من الطمع والخوف هي أكمل العبادة ... لكان بيَّنها لهم بياناً شافياً صريحاً، كعادته في بيان الكمالات، وهو الحريص على دلالتهم على كل خير. فكيف لا يدلهم على هذا المقام بصريح المقال، لو كان من الكمال، بحيث يدعي لها بعض الناس؟؟!
النتيجة:
فقد بان بما ذكرنا توارد آيات الكتاب، وأحاديث السنة في صراحة وجلاء على مشروعية العبادة، مقرونة بالرغبة والرهبة، والرجاء والخوف.
ولم نظفر بآية واحدة، أو حديث واحد، فيه التصريح بمشروعيتها مجردة منهما، فضلًا عن أنها أكمل منها معهما.
وما كنا لنترك أدلة الكتاب والسنة الصريحة لرأي أحد كائناً من كان.
٦ - وإننا نورد فيما يلي حديثا من صحيح البخاري، يبين لنا كيف كان الصحابة- سادة هذه الأمة- يعبدون الله تعالى، يرجون قبول أعمالهم لديه:
«قال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري. قال لي عبد الله بن عمر:
هل تدري ما قال أبي لأبيك؛ قال قلت: لا.
قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله- ﵌ وهجرتنا معه، وجهادنا وعملنا كله معه يرد لنا، وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافاً: رأساً برأس؟
قال أبي- يعني أبا موسى - لا والله؛ قد جاهدنا بعد رسول الله- ﵌ وصلينا، وصمنا، وعملنا خيرا كثيراً، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجو ذلك.
فقال أبي- يعني عمر- لكني أنا، والذي نفس عمر بيده، لوددت أن ذلك يرده لنا، وأن كل شيء عملناه بعد أن نجونا منه كفافاً رأساً برأس.
فقلت- أبو بردة-: إن أباك والله خير من أبي» (١).
ووجه الدليل: عملهم على الرجاء، وخوفهم من عدم القبول، والعقاب على المخالفة، وإن اختلفا فيما اختلفا فيه.
ولا نجد في كلام واحد منهم، أنه كان يجرد عبادته عن الطمع والخوف، وما كان المقام الأكمل لقوتهم وهم أفقه الناس في الدين، وأحرصهم على الخير. هذه هي أدلتنا فيما ذهبنا إليه، ورددنا على مخالفيه.
وهي أكثر من هذا عدًّا في كتاب الله وسنة رسوله، وفيما ذكرناه كفاية- إن شاء الله- لمن
стр. 204
نصح وأنصف، وأخلص الإيمان بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
...
والآن نعطف بالكلام على مقال الشيخ ونحصره في مواضع:
١ - أنكرنا على من زعموا أن مرتبة العبادة العليا- أن يعبد الله تعالى لذاته، دون الطمع في ثوابه، ولا الخوف من عقابه، ونسبنا إليهم الخطأ.
ولما وجدنا آيات الكتاب وأحاديث السنة طافحة، بأن عبادة الله مقرونة بالخوف والطمع كما قدمنا، نسبنا خطأهم إلى قلة التفقه في الدين أي في أدلة الدين، وهي الآيات والأحاديث المذكورة.
وما عسى أن يقال فيمن لم تكفه تلك الآيات والأحاديث كلها، على صراحتها واتفاقها، إلا أنه لم يتفقه فيها؟
ولما لم نجد آية واحدة ولا حديثاً واحداً يصرح بمدعاهم .. حملناهم على الغلو.
هذا كله دون أن نصرح بشخص ولا بطائفة؛ لأن الكلام مع القول والدليل.
فأبى حضرته إلاّ أن يحمل كلامنا على طائفة مخصوصة يحب هو اليوم التظاهر بالدفاع عنها، ثم تطرق من ذلك إلى رمينا بما يناسب غرضه من الجراءة وقلة النصيحة، والتطاول على الأئمة ... إلى ما يريد أن يصفنا به؛ ليقول القارىء إن حضرته موصوف بضده، وربك أعلم بتلك الأوصاف وأهلها!!
٢ - كان استدلالنا بآية ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، على الوجه الذين بيناه فيما تقدم، دون أن نذكر الحصر، ولا أن نشير إليه، ولا من مقتضى موضوعنا أن نقصر عباد الرحمن على تلك الصفات.
لكن حضرته أخذ يقرر في قواعد الحصر الضرورية عند المبتدئين، وخرج من ذلك إلى أن الآية لا حصر فيها، وأننا تسرعنا، وما تدبرنا، ولم نحسن تطبيق قواعد العلوم على موضوع النزاع!!
وفي الحق: أن حضرته هو الذي لم يحسن تنزيل ما طول به في الحصر على كلام لم ندع فيه الحصر، ولم نستدل به، وإنما استدللنا بالآية مثل ما استدللنا بغيرها على الوجه الذي تقدم، وعلى ما معه من الوجوه.
٣ - ما في كلام الإمام الرازي، من أن الله مستحق للعبادة لذاته، وأنه لو أمر بالعبادة بلا ثواب ولا عقاب لوجبت .. فهو حق مسلم، وليس هو موضوع النزاع، إذ موضوع النزاع:
هل العبادة مع الخوف والرجاء أكمل؛ أم العبادة دونهما؟
стр. 205
وما فيه من أن «من عبد الله للثواب والعقاب .. فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، والله واسطة»:
إذا كان يعني به أنه عبد الله للثواب من حيث ذاته، والعقاب من حيث ذاته، دون امتثال للأمر، وتوجه للرب .. فهذا ليس كلامنا فيه.
وإن كان يعني أنه يعبد للثواب والعقاب من حيث أن العبادة الشرعية موضوعة على رجاء الثواب وخوف العقاب .. فهو يعبد الله امتثالاً لأمره فكلامه ممنوع؛ لأن العبادة هي التوجه بالطاعة لله امتثالاً لأمره، وقياماً بحقه، مع الشعور بالضعف والذل أمام قوة وعز الربويية، وذلك يبعث على الخوف المأمور به، ومع الشعور بالفقر والحاجة أمام غنى وفضل الربوبية، وذلك على الرجاء المأمور به.
فالمعبود في الحقيقة والواقع هو المتوجه إليه بالطاعة، وهو الله تعالى؛ لا الثواب الذي تعلق به الرجاء، ولا العقاب الذي تعلق به الخوف.
وكيف يكون الثواب هو المعبود، والعقاب هو المعبود، والله هو الذي شرعهما؟! فهل يشرع عبادة غيره؟!
وما هذا إلاّ من عدم التأمل في مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]. أي شأنه أن يحذر ومن حقه أن يحذر.
وهل هذا إلاّ من عدم التفقه في قوله تعالى- في أم القرآن والسبع المثاني التي يناجي بها المصلي ربه، وهو في أعظم عبادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. فإن المستعين طالب للإعانة، والطالب راج قبول طلبه خائف من عدم قبوله.
وقوله تعالى فيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. طلباً كذلك، فليتفقه المتفقهون في كلام رب العالمين.
٤ - ونقل كلام الإمام الرازي في باب المحبة قوله:
«وأما العارفون، فقد قالوا: يحب الله تعالى لذاته، وأما حب خدمته وحب ثوابه فدرجة نازلة».
ونحن نقول: إن الذات الأقدس الموصوف بالكمالات، المفيض للإنعامات .. تتعلق به قلوب المحبين، موصوفاً بكمالاته وإنعاماته التي منها ثوابه وجزاؤه، وتلك المحبة تبعث على خدمته بطاعته، والتقرب إليه بأنواع العبادات.
وأما عبادة الذات مجرداً عن الإنعامات- فهو نوع من التعطيل في الاعتقاد، والتقصير في الشهود.
стр. 206
وإذا كانت المحبة عملًا من أعمال العبد القلبية التي يتقرب بها إلى الله .. فهي عبادة.
وقد بينا بالأدلة المتقدمة أن العبادة في الإسلام، موضوعة على مصاحبة الرجاء والخوف، والمحب للرب ذي الجلال والإكرام، والبطش والإنعام- لا يغيب عن إجلاله بالخوف والتذلل له بالطمع، كحاله في سائر العبادات.
٥ - ونقل من كلام النيسابوري قوله: «المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة».
ونرد عليه:
(أ) فإن كان مراده: أن نظرهم على المعبود أي اعتمادهم في القبول على المعبود لا على العبادة- فهذا حق، وليس كلامنا فيه.
(ب) وإن كان مراده: أن نظرهم على المعبود أي توجههم إلى المعبود دون العبادة- فهذا أيضاً حق؛ لأن العبادة متوجه بها إليها، وليس كلامنا في هذا.
(ج) وإن كان مراده: دون تقرب بالعبادة، فهذا باطل، لأن الله تعالى قال: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي ما يقربكم إليه من طاعته.
(د) وإن كان مراده: دون شعور بالعبادة، فهذا أيضاً باطل؛ لأن العابد ينوي العبادة ويقصد بها القربة، ويتوجه بها مخلصاً فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فكيف يكون لا شعور له بها؟
وأما قوله: «وعلى المنعم لا على النعمة».
(أ) فإن أراد: أن المتقرب إليه هو الله المنعم دون النعمة- فهذا حق، وليس كلامنا فيه.
(ب) وإن أراد: أن رجاء نعمة الثواب حين التوجه لله والتقرب إليه بالطاعة ينافي التقرب إلى المنعم، ويعد تقرباً للنعمة- فهذا هو الذي أبطلناه بالأدلة السابقة، ونقضناه في الموضع الثالث.
(ج) وإن أراد: أن ذكر العبد لنعم الله عليه مخل بكمال عبادته- فهذا باطل أيضاً؛ لأن عبادة الله شكرا على ما آتى من النعم، وطلبا للمزيد من أرفع المقامات. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠]. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩]، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبرا هيم: ٧].
٦ - استدل النيسابوري:
«بأنه قيل لبني إسرائيل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾. ولأمة محمد ﴿اذْكُرُونِي﴾».
وهذا منقوض بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾
стр. 207
[آل عمران: ١٠٣]. وقوله: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود﴾ [الأحزاب: ٩].
٧ - نقل من كلام النيسابوري ما يفيد:
«أن عبادة الله لكونه إلهاً، وكون المخلوق عبداً، لا يكون معها رغبة في الثواب، ولا رهبة من العقاب، وأنها هي أعلى الرتب».
ونحن نقول: من مقتضى شعورك بعبوديتك .. شعورك بضعفك وفقرك، وأن من مقتضى علمك بالله، شهودك لقوته وفضله. وذاك الشعور، وهذا الشهود، يبعثان فيك الرجاء والخوف؛ فتكون وأنت تعبده لأنه إله، ولأنك عبد راج خائف.
ودعوى تجرد العبادة عنهما، قد أبطلناها بالأدلة السابقة.
٨ - نقل قول الإمام ابن العربي:
«أمر الله عباده بعبادته، وهي أداء الطاعة بصفة القربة، وذلك بإخلاص النية؛ بتجريد العمل عن كل شيء إلاّ لوجهه، وذلك هو الإخلاص الذي تقدم بيانه».
ثم زعم هو من عنده:
«أن من مقتضى تجريد العمل عن كل شيء: تجريده من رجاء الثواب، وخوف العقاب. وأن الإخلاص هو ما كان لوجه الله لكونه إلها لا غير».
وهذا صريح منه في أن رجاء الثواب وخوف العقاب ينافيان الإخلاص، وهو باطل لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]. فخافوا وعملهم لوجه الله بنص القرآن.
وروى الأئمة في الصحيح أن أبا طلحة قال: يا رسول الله، إني أسمع الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ -[آل عمران: ٩٢]. وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها (١) عند الله، فضعها حيث أراك الله.
فقال رسول الله ﵌: «بخ (٢)، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ (٣)» (٤)!!
стр. 208
فأقره على قوله: أرجو برها وذخرها. ولم يقل له: إن هذا مناف للإخلاص، كما يقول الشيخ وهو (يسمبط ويشنبط) (١) في كلام الإمام ابن العربي.
ثم ما لك- يا أخي- ولابن العربي؟!
حسبك ابن سينا وأمثاله، الذين يحاولون تطبيق العبادة الإسلامية على الفلسفة اليونانية، والآراء الأفلاطونية.
أما ابن العربي فهو حكيم إسلامي، وفقيه قرآني، وعالم سني- حقيقي- لا يبني أنظاره إلاّ على أصول الإسلام، ودلائل الكتاب والسنة. وهناك كلامه في إرادة المأذون فيه مع العبادة من أمور الدنيا، به الرجاء والخوف.
واسمع كلامه الصريح من الدليل الصحيح، في الرد على مثل زعمك: قال على قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].: "المسألة الثانية، قال علماؤنا: في هذا دليل على جواز التجارة في الحج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا، ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافاً للفراء في أن الحج دون تجارة أفضل أجرا".
وقال على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب: ٢٩].: "وهذا يدل على أن العبد يعمل محبة في الله ورسوله لذاتيهما وفي الدار الآخرة لما فيها من منفعة الثواب".
٩ - ونقل كلاماً للإمام الغزالي في المحبة، وقدمنا في الموضع الثامن الكلام على مثله، وبينا أن المحبة عبادة، وأنها موضوعة كسائر العبادات الشرعية على الرجاء والخوف بالأدلة المتقدمة.
١٠ - وقال: وكان من دعائه ﵌:
«اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ الْأَشْياءِ إلَيَّ، وَاجْعَلْ خَشْيَتَكَ أَخْوَفَ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي، وَاقْطَعْ عَنِّي حَاجَاتِ الدُّنْيَا بِالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ» وقد تقرر: أن خوفه خوف إجلال وتعظيم، لا خوف النار والعقاب اهـ.
ونقول: إن خوف الإجلال لا يخرج به العبد عن ضعف وذل العبودية، ومشاهدة قوة وفضل الربوبية، فلا يتجرد خوفه الإجلالي عن خوف المؤاخذة: المؤاخذة التي ليست ناراً ولا عذاباً، ولكنها مؤاخذة مناسبة لذلك المقام العالي.
بدليل أن إبراهيم- ﵊، وهو مثل نبينا عليه الصلاة السلام في العصمة، وعدم التعذيب بالنار والعقاب، وقد خاف المؤاخذة- فقال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي
стр. 209
يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، ولا خطيئة له، ولجميع الأنبياء والمرسلين، لا من الكبائر ولا من الصغائر على كل حال.
وبدليل أنه هو ﵊ قال:
«وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»، رواه البخاري (١). وليس هذا لذنب لا صغير ولا كبير، وإنما لعلمه بالله، وعظيم حقه وشدة تعظيمه لربه؛ فيخاف المؤاخذة، فيطلب المغفرة.
فَبَانَ بهذا أن خوف الإجلال لا يتجرد عن خوف المؤاخذة.
وبعد هذا البيان، نقول لحضرته: لا تستدل بالحديث دون بيان رتبته، ولا ذكر لمخرجه، وما هكذا يكون استدلال الأمناء من العلماء، وإنه يرمي الأحاديث هكذا مهملة، اختلط الحق بالباطل، وتجرأ على السنة النبوية الغبي والجاهل، حتى بلغ الأمر إلى نسبة الأحاديث إلى كتب الإسلام المتفق عليها ولا وجود لها فيها!
أما نحن:
فلا نعرف هذا الدعاء في الصحاح المتداولة عندنا، فليتك تبين من أين جئت به؛ حتى نعرف مقدار ما تعتمد في احتجاجك عليه.
١١ - وقال: للأنبياء عليهم الصلاة والسلام حالتان:
(أ) حالة مع الله تعالى لا يرون فيها غير جلاله وعظمته.
(ب) وحالة مع الخلق .. يستغفرون ويستعيذون من النار وسوء المنقلب، وفتنة القبر والدجال، ويطلبون الرحمة والثواب والجنان اهـ.
قد بينا أن رؤية جلال الله مما يبعث على الخوف من المؤاخذة، كما مضى عن ابراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فلا يتجردون عن الخوف: خوف الإجلال وخوف المؤاخذة في حالتهم مع الله. وقد دل حديث عائشة الذي قدمناه .. أن النبي- ﵌، كان في سجوده في جوف الليل، والناس نيام فيما بينه وبين ربه- استعاذ برضا الله من سخطه، وبمعافاته من عقابه. فكانوا يستعيذون ويرجون ويخافون في حالتهم مع الله.
وأما حالتهم مع الناس فإنهم كانوا يعلمون، وكانوا يخبرون عن أنفسهم بخوفهم وطمعهم.
كما أخبر إبراهيم ﵊ بطمعه، وأخبر محمد ﵊ أصحابه بأنه أتقاهم لله، وأخوفهم له، وأخبر عن استغفاره لربه، وإخبارهم حق صدق لا شك فيه.
ولا يجوز أن يقال:
стр. 210
إنهم قالوه لمجرد التعليم، وهو في الواقع لا حقيقة له؛ إذ الإخبار عن النفس بشيء أنه كان وهو لم يكن .. هو الكذب الذي عصمهم الله منه، ونزههم عنه، ولو تفطن حضرته لهذا لما قال ما قال!!
١٢ - وذكر حديث الإحسان:
«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (١).
وهذا الحديث يقتضي دوام المراقبة لله عند كل حركة وسكون، حتى لا تكون من العبد مخالفة فيهما، وحتى يأتي بعبادته على غاية الإتقان في صورتها وأتم الإخلاص بها.
وقد علمت أن مقتضى العبادة الشرعية الشعور بضعف وذل وفقر العبودية أمام عز وقوة وفضل الربوبية؛ فينبعث الرجاء والخوف في العابد، وهما مما يحملانه على تمام الإحسان في العبادة: بإتقانها والإخلاص فيها.
ثم من مقتضى مراقبة الله تعالى، مشاهدته: أي مشاهدة جلاله وجماله؛ جلاله بصفات القهر والبطش والملك والسلطان، وجماله بصفات الفضل والرحمة والإحسان؛ وبصدق المشاهدة لصفات الجلال يخاف العبد ويخشى؛ وبصدق المشاهدة لصفات الجمال يرجو ويطمع. فصدق الشهود لا بد معه من الرجاء والخوف.
وإذا غاب العبد عن الشعور بالموجودات، فإنه لا يغيب عن مشاهدة جلال وجمال الذات، الباعثين للخوف والرجاء. وإذا لم يشهدهما وزعم أنه يشهد الذات مجرداً .. فإنه لم يكن في الحقيقة مشاهداً، بل كان غافلًا معطلاً جامداً.
وأما غيبوبة العابد عن نفسه- إن كانت- فإنها حالة عارضة غير ثابتة، وليست مشروعة لا بنص من آية ولا من حديث، فضلاً عن أن تكون فاضلة كاملة.
فالحديث دل على المراقبة والمشاهدة الشرعيتين، اللتين يكون العبد عابدا ًالعبادة الشرعية، الموضوعة على الرجاء والخوف حسب الأدلة المتقدمة.
١٣ - ونقل كلام ابن سينا في كتاب الإشارات وكلام شراحه، وهو مثل ما تقدم لنا إبطاله بأدلة الكتاب والسنة، والشرح بهما لمعنى العبادة المشروعة.
وإذا كنا نبحث عن العبادة التي شرعها الله لعباده على لسان رسوله .. فإننا لا نعرفها إلاّ من الكتاب والسنة، وقد قدمنا من أدلتها ما جلى المسألة للعيان، وأغنى فيها عن كل كلام.
стр. 211
الخلاصة:
١ - إن العبادة المشروعة هي القصد إلى الطاعة، مع الشعور بضعف العبد وذله، وحاجته وفقره، ومشاهدته لجلال ربه وقدرته وعزته، وجماله وفضله ورحمته؛ فيكون بتلك المشاهدة خائفاً من عقابه أو مؤاخذته راجياً لثوابه وانعامه.
٢ - وإن هذه العبادة هي عبادة الكُمَّلِ من عباد الله الذين وصفهم بأفضل صفاتهم في كتابه، وهي عبادة أنبيائه ورسله، الذين ذكر عبادتهم القرآن، وهي عبادة محمد- صلى الله عليه وآله رسلم- التي دلت عليها صحاح الأثار، وعبادة أصحابه الثابتة النقول.
٣ - وخلصنا من هذا إلى أن العبادة المجردة من الخوف والرجاء- منافية لصدق مشاهدة الجلال والجمال، مخالفة لعبادة الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين. وأنه لم يرد فيها نص صريح من كتاب أو سنة، مثل واحد من الأدلة المتقدمة المتكاثرة.
وأنها ما دامت كذلك ليس لنا أن نعدها مشروعة، فضلاً عن أن نعدها كاملة، فضلاً عن أن ندعي أنها أكمل؛ لأن مشروعية الشيء لا تثبت إلاّ بدليل صحيح صريح.
وأتى لنا ذلك في العبادة المجردة عن الرجاء والخوف؟!
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والحمد لله رب العالمين.
غرة رمضان ١٣٥١ هـ.
...
الصفة الخامسة:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].
مضى وصفهم بأنهم يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وترب النفس على استصغار الدنيا وما فيها، وعلى تعظيم الرب والوقوف عند حدوده. فلا يعظمن شيء من الدنيا عند أهل الصلاة فيمسكوا عن بذله في الحق، ولا يستهويهم شيء منها فينتهكوا لأجله حدود الله وحرماته.
ولما كان المال هو أعز شيء في هذه الدنيا، وهو أعظم سبب لنيل مبتغياتها، وصفوا بأنهم في تصرفاتهم فيه على أكمل حال، وهي حالة العدل، التي أثمرتها لهم الصلاة، فلا يمسكونه عن حق، ولا يبذلونه في باطل.
﴿أنفقوا﴾ بذلوا المال في وجه من الوجه.
(الإسراف) مجاوزة الحد المشروع، (الإقتار) التقتير، التضييق.
(القوام) العدل بين الشيئين، أي المعتدل ما بينهما. وسمي العدل بين الشيئين قواماً، لاستقامة طرفيه واعتدالهما، فلا إلى هذا ولا إلى ذاك.
стр. 212
﴿وكان﴾ أي هو، أي إنفاقهم المفهوم من أنفقوا، ﴿بين ذلك﴾ خبر كان، و ﴿قوامًا﴾ حال مؤكدة. فلو قيل: وكان بين ذلك لكان كافياً، ولكن أكد بـ ﴿قوامًا﴾، لما فيه من صريح اللفظ المفهم للعدل، والإنفاق يكون ولا يكون والشأن أن يكون؛ ولهذا علق، وكان التعليق بـ "إذا". وقدم نفي السرف على نفي التقتير؛ لأن الإسراف شرهما، ففيه مجاوزة الحدود، وضياع المال، وفي التقتير مفسدته مع بقاء المال فينفقه في الخير، وقد يبقى لغيره فينتفع به.
المعنى:
إذا أنفقوا أموالهم لم يتجاوزوا الحد المشروع، ولم يضيقوا فيقصروا في القدر المطلوب. وكان إنفاقهم بين التجاوز والتضييق، عدلاً مستو لا إفراط فيه ولا تفريط.
وصفهم بالقصد الذي هو وسط بين الغلو والتقصير، وهو الحالة بين الحالتين، والحسنة بين السيئتين.
تحديد:
الإسراف مذموم فهو ما كان في منهي عنه نهي تحريم، أو كراهة، أو في مباح قد يؤدي إليهما.
فالأول: كمن أولم وليمة أنفق فيها جميع ماله، وأصبح بعدها هو وأهله للضيعة والحاجة.
والثاني: كمن أولم وليمة دعته إلى الاستدانة، وإن كان يظن القدرة على الأداء، لأن الدين محذر ومستعاذ منه.
والثالث: كالاستمرار على إيلام الولائم مع القدرة عليها في الحال، مما قد يؤدي إلى الأمرين المذكورين في المآل.
والتقتير مذموم أيضاً:
فهو ما كان إمساكاً عن مأمور به أمر وجوب.
أو استحباب.
أو عن مباح يؤدي إليهما.
فالأول: كمن يمسك عن أهله شحاً حتى يذيقهم ألم الجوع والبرد.
والثاني: كمن لا يذيقهم بعض الطيبات التي يخص بها نفسه من السوق.
والثالث: كمن يمسك عن تطييب خاطر زوجته ببعض الكماليات مع قدرته عليها، مما قد يفسد قلب زوجته عليه، أو يحملها على ما لا يرضيه.
والقوام العدل هو الممدوح:
فهو أن ينفق في الواجب والمندوب، وما يؤدي إليهما، ويمسك عن المحرم والمكروه وما يؤدي إليهما، ويتسع في الحلال دون مداومة في الأوقات، واستيفاء لجميع اللذات واستهتار بالمشتهيات.
стр. 213
تطبيق:
حالة وطننا في الأعم الأغلب في الولائم والمآتم لا تخلو من السرف فيها، الذي يؤدي إلى التقتير من بعدها فيكون الإثم قد أصاب صاحبها بنوعيه، وأحاط به من ناحيتيه، والشر يجر إلى الشر، والإثم يهدي إلى مثله، وعلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين علق كثير ممن سمعناهم يشكون هذه الحالة- آمالهم في معالجتها، خصوصاً في المآتم. حقق الله الأمال.
وثم نوع آخر موجود في غالب القطر، وبكثر في بعض الجبال.
وهو أن بعض المأمورين من شيوخ الطوائف، يأتون بثلة من أتباعهم، فينزلون على المنتمين إليهم من ضعفاء الناس، فيذبح لهم العناق إن كانت، ويستدين لشرائها إن لم تكن، ويفرغ المزاود، ويكنس لهم ما في البيت، ويصبح معدماً فقيراً مديناً، ويصبح من يومه صبيته يتضاغون، ويمسي أهل ذلك البيت المسكين يطحنهم البؤس، ويميتهم الشقاء ميتات متعددة في اليوم.
وشر ما في هذا الشر أنه يرتكب باسم الدين، ويحسبه الجهال أنه قربة لرب العالمين: فأما إذا جاء وقت شد الرحال إلى الأحياء والأموات، وتقديم النذور والزيارات، فحدث هنالك عن أنواع السرف والكلفات، والتضييع للحقوق والواجبات.
نصيحة:
فيا ليت الذين تأتيهم تلك الوفود ويسألونهم فرداً فرداً عن حالهم، ومن أين بما جاؤوهم به من أموالهم؛ فعساهم أن يطلعوا على بؤس أولئك المساكين فترق لهم قلوبهم، ويرجعوا إليهم مالهم أو يزيدوهم من عندهم، وليقتصروا على من يجدونهم أهل قدرة على ما دفعوه لهم من أموالهم. فهذه نصيحة إذا عملوا بها خففت من الشر والبؤس عن الزائرين، ومن الإثم واللوم عن المزورين.
فهل بها من عاملين؟ وفقنا الله والمسلمين.
الصفة السادسة والسابعة والثامنة:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
ثبت في الصحيحن- واللفظ لمسلم (١) - أن عبد الله بن مسعود قال:
стр. 214
«قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر [عند الله]. (١)؟
قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك.
قال: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك مخافة من أن يطعم معك.
قال: قلت: ثم أي؟
قال: أن تزاني حليلة جارك.
فأنزل الله [ ]. (١) تصديقها: ﴿الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ... ﴾» (٢).
المطابقة بين الآية وسبب نزولها:
تواردت الآية والحديث في الإثم الأول على شيء واحد، وتواردا أيضاً في الثاني والثالث. إلاّ أن في الحديث ذكر فرد من العام هو شر أفراده وأكبرها إثماً، وفي الآية ذكر العام.
ولا شك أن شر قتل النفس هو قتل الولد، لما في ذلك زيادة على قتل النفس من الخروج عن حنان الفطرة، وارتكاب ضد ما توجبه الرعاية والكفالة، وسوء الظن بالله المتكفل برزق الخليقة. كما أن الزنا بحليلة الجار، هو شر أفراد الزنا لما فيه زيادة على الزنا من انتهاك حرمة الجار، وخيانة الأمانة، فإنهم ما تجاوروا حتى أمن بعضهم بعضاً، وإدخال الفساد على أساس التكوين الاجتماعي في الناس وهو التجاور والتقارب.
لما أثبت لهم أصول الطاعات في الآيات المتقدمة، نفى عنهم أمهات المعاصي في هذه الآية؛ تنبيهاً على أن الإيمان الكامل هو ما تثبت معه الطاعات وتنتفي المعاصي، وذلك هو غاية الامتثال للأوامر والنواهي.
وفيه تعريض بما كان عليه المشركون من الاتصاف بهذه المعاصي من دعائهم آلهتهم مع الله، وقتلهم النفس وارتكابهم فاحشة الزنا.
وقدم إثبات الطاعات على انتفاء المعاصي؛ تنبيهاً على أن من راض نفسه على الطاعة ودانت نفسه بالإخبات والانقياد للأوامر الشرعية، ضعفت منه أو زالت دواعي الشر والفساد، فانكف عن المعصية.
نكتة استطرادية:
فمن هنا نعلم أن على المسلم الذي يعمل لتزكية نفسه، أن يواظب على الطاعات بأنواعها،
стр. 215
وأن يجتهد في حصول الأنس بها، والخشوع فيها؛ فإن ذلك زيادة على ما يثبت فيه من أصول الخير، يقلع منه أصول الشر ويميت منه بواعثه.
قامت الشريعة على المحافظة على حقوق الله، وحقوق عباده، وحق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ فمن دعا مع الله غيره، وأشرك به سواه، فقد أبطل حق الله وأعدم عبادته. ومن قتل النفس فقد تعدى على أول حق جعله الله لعباده بفضله، وهو حق الوجود، وعمل على إبطال وجودهم وفناء نوعهم وزوال عبادتهم، فلهذا قرن قتل النفس بدعاء غير الله معه.
ولما كان الزنا فيه بطلان النسب وفساد الخلق والجسد، وذلك مؤد إلى الاضمحلال والزوال، والشرور والأهوال، قرن بقتل النفس فذلك قتل حقيقي، وهذا قتل معنوي.
(الدعاء) هو النداء لطلب أمر أو تنبيه عليه.
(الإله) هو المعبود.
(حرم الله النفس) جعل لها حرمة ومنعة، فلا يجوز التعدي عليها. ومادة (ح ر م) تفيد المنع في جميع تصاريفها.
(الحق) هو الثابت من مقتضيات القتل في الشرع.
وصف النفس بالإسم الموصول المعروف الصلة؛ لأن تحريم الله لها أمر مركوز في النفوس، معروف للبشر بما جاءهم من جميع الشرائع. وكان النفي للفعل بصيغة المضارع للإشارة إلى استمرار ذلك النفي.
المعنى:
والذين لا يدعون ولا يعبدون مع الله إلها آخر، فيشركون به سواه في عبادتهم إياه، ولكنهم يخلصون له العبادة، ويفردونه بالطاعة، ويوحدونه في ربوبيته وألوهيته.
ولا يقتلون النفس التي جعل الله لها حرمة، وحرم قتلها بالسبب إلاّ الحق الثابت في دين الله المعارض لحرمتها، المقتضي لقتلها بالزنا بعد الإحصان، أو الكفر بعد الإيمان، أو القتل للنفس العمد العدوان.
ولا يزنون فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج.
...
مزيد بيان لتوحيد الرحمن:
ما يزال الذكر الحكيم يسمي العبادة دعاء ويعبر به عنها؛ ذلك لأنه عبادة، فعبر عن النوع ببعض أفراده، وإنما اختير هذا الفرد ليعبر به عن النوع؛ لأن الدعاء مخ العبادة وخلاصتها؛ فإن العابد يظهر ذله أمام عز المعبود، وفقره أمام غناه، وعجزه أمام قدرته، وتمام تعظيمه له وخضوعه بين يديه. ويعرب عن ذلك بلسانه بدعائه وندائه وطلبه منه حوائجه.
فالدعاء هو المظهر الدال على ذلك كله. ولهذا كان مخ عبادته.