← Тафсир

Тафсир · id 9532

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (416 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخلاصة: ١ - إن العبادة المشروعة هي القصد إلى الطاعة، مع الشعور بضعف العبد وذله، وحاجته وفقره، ومشاهدته لجلال ربه وقدرته وعزته، وجماله وفضله ورحمته؛ فيكون بتلك المشاهدة خائفاً من عقابه أو مؤاخذته راجياً لثوابه وانعامه. ٢ - وإن هذه العبادة هي عبادة الكُمَّلِ من عباد الله الذين وصفهم بأفضل صفاتهم في كتابه، وهي عبادة أنبيائه ورسله، الذين ذكر عبادتهم القرآن، وهي عبادة محمد- صلى الله عليه وآله رسلم- التي دلت عليها صحاح الأثار، وعبادة أصحابه الثابتة النقول. ٣ - وخلصنا من هذا إلى أن العبادة المجردة من الخوف والرجاء- منافية لصدق مشاهدة الجلال والجمال، مخالفة لعبادة الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين. وأنه لم يرد فيها نص صريح من كتاب أو سنة، مثل واحد من الأدلة المتقدمة المتكاثرة. وأنها ما دامت كذلك ليس لنا أن نعدها مشروعة، فضلاً عن أن نعدها كاملة، فضلاً عن أن ندعي أنها أكمل؛ لأن مشروعية الشيء لا تثبت إلاّ بدليل صحيح صريح. وأتى لنا ذلك في العبادة المجردة عن الرجاء والخوف؟! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والحمد لله رب العالمين. غرة رمضان ١٣٥١ هـ. ... الصفة الخامسة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]. مضى وصفهم بأنهم يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وترب النفس على استصغار الدنيا وما فيها، وعلى تعظيم الرب والوقوف عند حدوده. فلا يعظمن شيء من الدنيا عند أهل الصلاة فيمسكوا عن بذله في الحق، ولا يستهويهم شيء منها فينتهكوا لأجله حدود الله وحرماته. ولما كان المال هو أعز شيء في هذه الدنيا، وهو أعظم سبب لنيل مبتغياتها، وصفوا بأنهم في تصرفاتهم فيه على أكمل حال، وهي حالة العدل، التي أثمرتها لهم الصلاة، فلا يمسكونه عن حق، ولا يبذلونه في باطل. ﴿أنفقوا﴾ بذلوا المال في وجه من الوجه. (الإسراف) مجاوزة الحد المشروع، (الإقتار) التقتير، التضييق. (القوام) العدل بين الشيئين، أي المعتدل ما بينهما. وسمي العدل بين الشيئين قواماً، لاستقامة طرفيه واعتدالهما، فلا إلى هذا ولا إلى ذاك.

стр. 212

﴿وكان﴾ أي هو، أي إنفاقهم المفهوم من أنفقوا، ﴿بين ذلك﴾ خبر كان، و ﴿قوامًا﴾ حال مؤكدة. فلو قيل: وكان بين ذلك لكان كافياً، ولكن أكد بـ ﴿قوامًا﴾، لما فيه من صريح اللفظ المفهم للعدل، والإنفاق يكون ولا يكون والشأن أن يكون؛ ولهذا علق، وكان التعليق بـ "إذا". وقدم نفي السرف على نفي التقتير؛ لأن الإسراف شرهما، ففيه مجاوزة الحدود، وضياع المال، وفي التقتير مفسدته مع بقاء المال فينفقه في الخير، وقد يبقى لغيره فينتفع به. المعنى: إذا أنفقوا أموالهم لم يتجاوزوا الحد المشروع، ولم يضيقوا فيقصروا في القدر المطلوب. وكان إنفاقهم بين التجاوز والتضييق، عدلاً مستو لا إفراط فيه ولا تفريط. وصفهم بالقصد الذي هو وسط بين الغلو والتقصير، وهو الحالة بين الحالتين، والحسنة بين السيئتين. تحديد: الإسراف مذموم فهو ما كان في منهي عنه نهي تحريم، أو كراهة، أو في مباح قد يؤدي إليهما. فالأول: كمن أولم وليمة أنفق فيها جميع ماله، وأصبح بعدها هو وأهله للضيعة والحاجة. والثاني: كمن أولم وليمة دعته إلى الاستدانة، وإن كان يظن القدرة على الأداء، لأن الدين محذر ومستعاذ منه. والثالث: كالاستمرار على إيلام الولائم مع القدرة عليها في الحال، مما قد يؤدي إلى الأمرين المذكورين في المآل. والتقتير مذموم أيضاً: فهو ما كان إمساكاً عن مأمور به أمر وجوب. أو استحباب. أو عن مباح يؤدي إليهما. فالأول: كمن يمسك عن أهله شحاً حتى يذيقهم ألم الجوع والبرد. والثاني: كمن لا يذيقهم بعض الطيبات التي يخص بها نفسه من السوق. والثالث: كمن يمسك عن تطييب خاطر زوجته ببعض الكماليات مع قدرته عليها، مما قد يفسد قلب زوجته عليه، أو يحملها على ما لا يرضيه. والقوام العدل هو الممدوح: فهو أن ينفق في الواجب والمندوب، وما يؤدي إليهما، ويمسك عن المحرم والمكروه وما يؤدي إليهما، ويتسع في الحلال دون مداومة في الأوقات، واستيفاء لجميع اللذات واستهتار بالمشتهيات.

стр. 213

تطبيق: حالة وطننا في الأعم الأغلب في الولائم والمآتم لا تخلو من السرف فيها، الذي يؤدي إلى التقتير من بعدها فيكون الإثم قد أصاب صاحبها بنوعيه، وأحاط به من ناحيتيه، والشر يجر إلى الشر، والإثم يهدي إلى مثله، وعلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين علق كثير ممن سمعناهم يشكون هذه الحالة- آمالهم في معالجتها، خصوصاً في المآتم. حقق الله الأمال. وثم نوع آخر موجود في غالب القطر، وبكثر في بعض الجبال. وهو أن بعض المأمورين من شيوخ الطوائف، يأتون بثلة من أتباعهم، فينزلون على المنتمين إليهم من ضعفاء الناس، فيذبح لهم العناق إن كانت، ويستدين لشرائها إن لم تكن، ويفرغ المزاود، ويكنس لهم ما في البيت، ويصبح معدماً فقيراً مديناً، ويصبح من يومه صبيته يتضاغون، ويمسي أهل ذلك البيت المسكين يطحنهم البؤس، ويميتهم الشقاء ميتات متعددة في اليوم. وشر ما في هذا الشر أنه يرتكب باسم الدين، ويحسبه الجهال أنه قربة لرب العالمين: فأما إذا جاء وقت شد الرحال إلى الأحياء والأموات، وتقديم النذور والزيارات، فحدث هنالك عن أنواع السرف والكلفات، والتضييع للحقوق والواجبات. نصيحة: فيا ليت الذين تأتيهم تلك الوفود ويسألونهم فرداً فرداً عن حالهم، ومن أين بما جاؤوهم به من أموالهم؛ فعساهم أن يطلعوا على بؤس أولئك المساكين فترق لهم قلوبهم، ويرجعوا إليهم مالهم أو يزيدوهم من عندهم، وليقتصروا على من يجدونهم أهل قدرة على ما دفعوه لهم من أموالهم. فهذه نصيحة إذا عملوا بها خففت من الشر والبؤس عن الزائرين، ومن الإثم واللوم عن المزورين. فهل بها من عاملين؟ وفقنا الله والمسلمين. الصفة السادسة والسابعة والثامنة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. ثبت في الصحيحن- واللفظ لمسلم (١) - أن عبد الله بن مسعود قال:

стр. 214

«قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر [عند الله]. (١)؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة من أن يطعم معك. قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك. فأنزل الله [ ]. (١) تصديقها: ﴿الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ... ﴾» (٢). المطابقة بين الآية وسبب نزولها: تواردت الآية والحديث في الإثم الأول على شيء واحد، وتواردا أيضاً في الثاني والثالث. إلاّ أن في الحديث ذكر فرد من العام هو شر أفراده وأكبرها إثماً، وفي الآية ذكر العام. ولا شك أن شر قتل النفس هو قتل الولد، لما في ذلك زيادة على قتل النفس من الخروج عن حنان الفطرة، وارتكاب ضد ما توجبه الرعاية والكفالة، وسوء الظن بالله المتكفل برزق الخليقة. كما أن الزنا بحليلة الجار، هو شر أفراد الزنا لما فيه زيادة على الزنا من انتهاك حرمة الجار، وخيانة الأمانة، فإنهم ما تجاوروا حتى أمن بعضهم بعضاً، وإدخال الفساد على أساس التكوين الاجتماعي في الناس وهو التجاور والتقارب. لما أثبت لهم أصول الطاعات في الآيات المتقدمة، نفى عنهم أمهات المعاصي في هذه الآية؛ تنبيهاً على أن الإيمان الكامل هو ما تثبت معه الطاعات وتنتفي المعاصي، وذلك هو غاية الامتثال للأوامر والنواهي. وفيه تعريض بما كان عليه المشركون من الاتصاف بهذه المعاصي من دعائهم آلهتهم مع الله، وقتلهم النفس وارتكابهم فاحشة الزنا. وقدم إثبات الطاعات على انتفاء المعاصي؛ تنبيهاً على أن من راض نفسه على الطاعة ودانت نفسه بالإخبات والانقياد للأوامر الشرعية، ضعفت منه أو زالت دواعي الشر والفساد، فانكف عن المعصية. نكتة استطرادية: فمن هنا نعلم أن على المسلم الذي يعمل لتزكية نفسه، أن يواظب على الطاعات بأنواعها،

стр. 215

وأن يجتهد في حصول الأنس بها، والخشوع فيها؛ فإن ذلك زيادة على ما يثبت فيه من أصول الخير، يقلع منه أصول الشر ويميت منه بواعثه. قامت الشريعة على المحافظة على حقوق الله، وحقوق عباده، وحق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ فمن دعا مع الله غيره، وأشرك به سواه، فقد أبطل حق الله وأعدم عبادته. ومن قتل النفس فقد تعدى على أول حق جعله الله لعباده بفضله، وهو حق الوجود، وعمل على إبطال وجودهم وفناء نوعهم وزوال عبادتهم، فلهذا قرن قتل النفس بدعاء غير الله معه. ولما كان الزنا فيه بطلان النسب وفساد الخلق والجسد، وذلك مؤد إلى الاضمحلال والزوال، والشرور والأهوال، قرن بقتل النفس فذلك قتل حقيقي، وهذا قتل معنوي. (الدعاء) هو النداء لطلب أمر أو تنبيه عليه. (الإله) هو المعبود. (حرم الله النفس) جعل لها حرمة ومنعة، فلا يجوز التعدي عليها. ومادة (ح ر م) تفيد المنع في جميع تصاريفها. (الحق) هو الثابت من مقتضيات القتل في الشرع. وصف النفس بالإسم الموصول المعروف الصلة؛ لأن تحريم الله لها أمر مركوز في النفوس، معروف للبشر بما جاءهم من جميع الشرائع. وكان النفي للفعل بصيغة المضارع للإشارة إلى استمرار ذلك النفي. المعنى: والذين لا يدعون ولا يعبدون مع الله إلها آخر، فيشركون به سواه في عبادتهم إياه، ولكنهم يخلصون له العبادة، ويفردونه بالطاعة، ويوحدونه في ربوبيته وألوهيته. ولا يقتلون النفس التي جعل الله لها حرمة، وحرم قتلها بالسبب إلاّ الحق الثابت في دين الله المعارض لحرمتها، المقتضي لقتلها بالزنا بعد الإحصان، أو الكفر بعد الإيمان، أو القتل للنفس العمد العدوان. ولا يزنون فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج. ... مزيد بيان لتوحيد الرحمن: ما يزال الذكر الحكيم يسمي العبادة دعاء ويعبر به عنها؛ ذلك لأنه عبادة، فعبر عن النوع ببعض أفراده، وإنما اختير هذا الفرد ليعبر به عن النوع؛ لأن الدعاء مخ العبادة وخلاصتها؛ فإن العابد يظهر ذله أمام عز المعبود، وفقره أمام غناه، وعجزه أمام قدرته، وتمام تعظيمه له وخضوعه بين يديه. ويعرب عن ذلك بلسانه بدعائه وندائه وطلبه منه حوائجه. فالدعاء هو المظهر الدال على ذلك كله. ولهذا كان مخ عبادته.

стр. 216

وقد جاء التنبيه على هذا في السنة المطهرة: فعن النعمان بن بشير- ﵁ قال: قال رسول الله- ﵌: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. رواه أحمد والترمذي وأبو داود ﵏ والنسائي وابن ماجة (١). وعن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» رواه الترمذي (٢) ﵀. فتطابق الأثر والنظر على أن الدعاء عبادة فمن دعا غير الله فقد عبده وإن كان هو لا يسمي دعاءه لغير الله عبادة؛ فالحقيقة لا ترتفع بعدم تسميته لها باسمها وتسميته لها بغير اسمها، والعبرة بتسمية الشرع التي عرفناها من الحديثين المتقدمين لا بتسميته. لما ثبت أن الدعاء عبادة فالداعي عابد، والمدعو معبود، والمعبود إلاه؛ فمن دعا شيئاً فقد اتخذه إلهه؛ لأنه فعل له ما لا يفعل إلاّ للإله؛ فهو وإن لم يسمّه إلهاً بقوله فقد سماه بفعله؛ ألا ترى إلى أهل الكتاب لما اتبعوا أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم- وهما لا يكونان إلاّ من الرب الحق العالم بالمصالح- قال الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٣١]. وإن كانوا لا يسمونهم فحكم عليهم بفعلهم، ولم يعتبر منهم عدم التسمية لهم أرباباً بألسنتهم. فكذلك يقال فيمن دعا شيئاً أنه اتخذه إلها نظراً لفعله وهو دعاؤه ولا عبرة بعدم تسميته له إلهاً بلسانه. وفي حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي وغيره، أنه قال للنبي- ﵌ لما سمعه يقرأ هذه الآية (٣): "إنهم لم يكونوا يعبدونهم؟ ". فقال رسول الله ﵌: «أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئاً حرموه، وإذا أحلوا لهم شيئاً أحلوه؟» قال: "قلت نعم" قال: «فتلك عبادتهم إياهم» (٤). قال الإمام الجصّاص: ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلاّ من جهة العالم بالمصالح، ثم

стр. 217

قلد هؤلاء أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم، وقبلوه منهم، وتركوا أمر الله تعالى فيما حرم وحلل، صاروا متخذين لهم أرباباً إذ نزلوهم في قبول ذلك منهم منزلة الأرباب اهـ. وعلى وزانه تقول: لما كان الدعاء عبادة، والعبادة لا تكون إلاّ للإله، كان الداعي لشيء من المخلوقات متخذاً إياه إلهاً، لما نزله بدعائه إياه منزلة الإله، سواء دعاه وحده دون الله، أو دعاه مع الله. والعياذ بالله. تحذير وإرشاد: ما أكثر ما تسمع في دعاء الناس "يا ربي والشيخ"، "يا ربي وناس ربي"، "يا ربي والناس الملاح". وهذا من دعاء غير الله، فإياك أيها المسلم وإياه، وادع الله ربك وخالقك وحده وحده وحده، وأنف الشرك راغم. ... الوعيد على فعل هذه الموبقات ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]. إذا أمر القرآن بشيء ذكر فائدته وثمرته للعباد في الدارين، وكذلك إذا نهى عن شيء ذكر مضرته وسوء عاقبته عليهم فيهما. فلما ذكر في صدر الآية نفي تلك المعاصي عن عباد الرحمن الذي يفيد النهي عنها ذكر هذا الوعيد لبيان سوء عاقبتها وقبح أثرها. نكتة استطرادية: هذه هي سنة القرآن في التربية، وهي أنجح الطرق في جعل المأمور والمنهي، يتمثل للأمر والنهي من كل نفسه، ويعمل لتنفيذهما بعقله وإرادته. فالتربية التي تنبني على امتثال الأمر والنهي من غير المعصوم، والانقياد لهما انقياداً أعمى- مخالفة لتربية القرآن. والخير كله في اتباع القرآن، في جميع ما يفيده القرآن. اسم الإشارة راجع للثلاثة المذكورة من قبل. ﴿يلق﴾ يقابل ويصادف. ﴿أثامًا﴾ عقاباً جزاء على إثمه فالأثام جزاء الإثم. ﴿يضاعف﴾ يزاد له على الأصل فيعذب عذابين أو أنواعاً من العذاب. ﴿يخلد﴾ يبقى. وطول البقاء يسمى خلوداً. كما قالت العرب في أثافي الصخور: خوالد، لطول بقائها بعد دروس الأطلال لا لدوام بقائها؛ إذ لا دوام لها.

стр. 218

وعلى هذا قول المخبل السعدي: إِلَّا رَمَاداً هَامِداً دَفَعَتْ ... عَنْهُ الرِّيَاحَ خَوَالِدٌ سُحْمُ (المهان) الذليل المحتقر الذي يفعل به ما يذله ويحقره. ﴿يضاعف﴾ بدل من ﴿يلق﴾، بدل كل من كل. قال الخليل: لأن مضاعفة العذاب هى لقي الأثام. وعندي أنه بدل بعض من كل، لأن لقي العذاب على تلك الآثام يكون في الدنيا والآخرة، ومضاعفة العذاب والخلود فيه تكون في الآخرة، وبهذا تكون الآية قد أفادت أن المرتكب لما تقدم من المعاصي- الشرك وقتل النفس والزنا- ينال جزاءه دنيا، وأخرى، وعذاب الآخرة المضاعف المستمر أشد وأبقى. وهذا هو الجاري على سنة القرآن في التخويف بسوء عاقبة المعصية عاجلا وآجلا، والتنبيه على أن الآجل أشد وأفدح من العاجل. المعنى: ومن يأت هذه الأفعال؛ فدعا مع الله إلها آخر، أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق، أو زنا، فإنه يلقى وينال جزاء معصيته في دنياه، وجزاءها في أخراه، ويكون عذابه عليها في الآخرة مضاعفاً مزيداً عليه أنواع أخرى، ويستمر فيه باقياً ذليلاً محقراً. توجيه: إنما ضوعف لأهل هذه الكبائر العذاب. لأن كل كبيرة منها مضاعفة المفاسد والشرور. ففي دعاء غير الله الجهل بالله، والكفر بنعمة الله، والإبطال لحق الله. وفي قتل النفس تأييم وتيتيم وتأليم لغير من قتل وفتح لباب شر بين أولياء القاتل والمقتول، وتَعَدٍّ على جميع النوع، وتهوين لهذا الجرم الكبير. وفي الزنا جناية على النسل المقطوع، وعلى من أدخل عليهم من الزنا من ليس منهم، وعلى أصحاب الإرث في خروج حقهم لغيرهم، وغير ما ذكرنا في جميعها كثير، فكانت المضاعفة من باب جعل الجزاء من جنس العمل، وهو من مقتضى الحكمة والعدل. تذكير: يذكرنا القرآن بمضاعفة العذاب على كبائر الآثام، لنذكر عندما تحدثنا أنفسنا بالمعصية سوء عاقبتها، وتعدد شرورها، وتشعب مفاسدها، ومضاعفة العذاب بحسب ذلك عليها، لنزدجر وننكف، فنسلم من الشر المتراكم، والعذاب المضاعف، ونفوز بأجر التذكر وثمرة التذكير. جعلنا الله والمسلمين ممن انتفع بالذكرى، وسلم من فتن الدنيا والأخرى، بمنه وكرمه آمين.

стр. 219

إستثناء التائبين من المذنبين ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠]. أخرج الشيخان عن ابن عباس- ﵄ واللفظ لمسلم (١)، قال ابن عباس: «نزلت هذه الآية بمكة ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ... مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]. فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التى حرم الله، وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. [قال: فأما من دخل في الإسلام وعَقَله ثم قَتَلَ فلا توبة له]. (٢)» (٣). لما ذكر تعالى عظائم الذنوب وأكبر كبائرها، وتوعد بالوعيد الشديد عليها، عقبها بذكر التوبة منها، ورغب فيها؛ لينبه عباده على طريق الرجوع إليه، وأن من تاب منهم إلى الله تاب الله عليه. (التوبة) الرجوع إلى الله، أي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وذلك بالندم على ما فات، والعزم على عدم العود إليه، وهذان من عمل القلب. وبالإقلاع عما هو ملتبس به، وهذا من عمل الجوارح. (الإيمان) عندما يذكر مع الأعمال يراد به تصديق القلب ويقينه واطمئنانه بعقائد الحق. والعمل الصالح هو العمل الطيب المشروع من طاعة الله على العباد، سواء كان من عمل الباطن وهو عمل القلب أو من عمل الظاهر وهو عمل الجوارح. والعمل الصالح من ثمرات الإيمان الدال وجودها على وجوده، وكمالها على كماله، ونقصها على نقصه، وعدمها على اضطرابه ووشك انحلاله واضمحلاله. (التبديل) التحويل فتجعل الحسنة مكان السيئة. (الغفور) الستار للذنوب، المتجاوز عنها. (الرحيم) المنعم الدائم الإنعام.

стр. 220

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ استثناء من يفعل، استثناء متصلاً لأن الذي يتوب من جملة من فعل، والفاء في ﴿فأولئك﴾ تفريعية، لتفرع التبديل على التوبة، وعاطفة الجملة أولئك على جملة استثنى، التي قامت مقامها إلا. كما عطفت عليها الجملة الأخيرة جملة وكان، ونظير هذا من يقم منكم فله درهم إلاّ زيداً فله درهمان. المعنى: يستثنى من ذلك الوعيد الشديد بمضاعفة العذاب والخلود فيه مهاناً، من رجع إلى الله عن الشرك وقتل النفس والزنا بالتوبة الصادقة، وشفع توبته بالعمل الصالح الدال على صدق تلك التوبة، فهؤلاء بتوبتهم وعملهم الصالح يقلبهم الله ويجعل مكان سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً يتجاوز عن ذنوب عباده؛ فقد تجاوز عما كان منهم من شرك أو قتل أو زنا. رحيماً منعماً على عباده، فقد أنعم عليهم بالحسنات مكان ما تقدم من سيئاتهم. ترتيب وتوجيه: يكون العاصي في غمرات معصيته، فإذا ذكر الله، ووفقه الله أسف على حاله ورجع إلى ربه، وهذه أول الدرجات في توبته، فإذا استشعر قلبه اليقين، واطمأن قلبه بذكر الله صمم على الإعراض عن المعصية، والإقبال على الطاعة؛ فإذا كان صادقاً في هذا العزم، فلا بد أن يظهر أثر ذلك على عمله، فلهذا روعيت الحالة الأولى فذكرت التوبة، والثانية فذكر الإيمان، والثالثة فذكر عمل صالح. تأييد وإقتداء: روى الأئمة عن كعب بن مالك- ﵁ أحد الثلاثة الذين خلفوا (١). وأنه لما جلس بين يدي النبي- ﵌ بعدما تاب الله عليه. قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي إلى الله، وإلى رسول الله ﵌. فقال رسول الله- ﵌: «أمسك بعض مالك فهو خير لك». قال: فقلت: فإنني أمسك سهمي الذي بخيبر (٢). فهذا الصحابي الجليل رأى أن من توبته أن يعمل هذا العمل الصالح ليكون دليلاً على صدق توبته، كما اقتضته الآية فتأيد بفهمه ما قدمنا، وكان خير قدوة للتائبين. وجوه التبديل: لما كانت السيئة لا تنقلب حسنة كان معنى التبديل هو جعل الحسنة مكان السيئة.

стр. 221

وهذا على وجوه: أولها: محو السيئات الماضية بالتوبة، وكتابة حسنة التوبة وما فيها من عمل باطن وظاهر كما تقدم. وثانيها: تركه المعصية وإتيانه بالعمل الصالح، حتى صار يعمل الصالحات بعدما كان يعمل السيئات. وثالثها: أن نفسه كانت بالمعصية مظلمة شريرة فتصير بالتوبة والعمل الصالح منيرة خيرة. فالتبديل في الكتب والعمل وحالة النفس. مسألتان أصوليتان الأولى: هل يخرج غير التائب من النار؟ استثنى الله التائب من مضاعفة العذاب والخلود فيه مهانًا، فبقي غير التائب للخلود. والخلود كما قدمناه في الآية السابقة طول البقاء، ولا يقتضي التأبيد وقد لا يكون؛ فمع التأبيد لا خروج ومع عدمه الخروج. وغير التائب الذي بقي للخلود المطلق في الآية هو: المشرك والقاتل والزاني. فأما المشرك فلا خروج له من النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (١) -[النساء: ٤٨ و١١٦]. وأما القاتل والزاني إذا كانا من أهل الإيمان فإنمها يخرجان بعد شديد العذاب بما معهما من الإيمان؛ لأحاديث صحيحة، منها ما رواه الشيخان عن أنس ﵁: «يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة. ثم يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برَّة. ثم يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» (٢). زاد البخاري في رواية قتادة عن أنس: «من إيمان» مكان «خير» وهذا من عدل الله ورحمته، فإنه أذاقهم من العذاب الشديد والهوان المخزي جزاءهم، ثم أخرجهم من النار، وما أضاع عليهم إيمانهم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم.

стр. 222

الثانية: هل لقاتل النفس ظلمًا وعدوانًا من توبة؟ ذهب ابن عباس في المشهور عنه، الذي رواه الشيخان (١) أوغيرهما: أنه لا توبة له. وقال في هذه الآية: إنها نزلت في المشركين، وذكر سبب نزولها كما تقدم. وقال- إثره- أما من دخل في الإسلام وعقله، ثم قُتل فلا توبة له (٢). وقال في هذه الآية: إنها آية مكية نسختها آية مدنية وهي آية الفرقان (٣): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. ومراده بالنسخ التخصيص: يعني أن لفظة "من" في ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عامة، تشمل القاتل فتقضي بعمومها أن له توبة. وأن آية الفرقان التى جاءت في القاتل خصصتها وأخرجته من عمومها. قال ابن رشد- بنقل الأبيّ-: وإلى هذا ذهب مالك لأنه قال: "لا يؤمن القاتل وإن تاب". قال ابن رشد: وهذا لأن القتل فيه حق لله، وحق للمقتول، وشرط التوبة من مظالم العباد رد التبعات أو التحلل، وهذا لا سبيل للقاتل إليه إلاّ بأن يعفو عنه المقتول قبل القتل. وذهب جمهور السلف، وأهل السنة: إلى أن للقاتل توبة، ونظروا في هذه الآية إلى عموم لفظها لا إلى خصوص سبب نزولها، وجعلوا عموم ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾ في آية الفرقان مخصصاً بمن تاب، المستثنى في هذه الآية. فابن عباس خصص من تاب بمن يقتل. وهم عكسوا فخصصوا من يقتل بمن تاب. ويرجح تخصيصهم العمومات الدالة على قبول التوبة من كل مذنب مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١]. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. وقوله: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]. وحديث: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٤) في عمومات كثيرة. والظاهر إذا كثرت تفيد القطع. قدوة في الفتوى: قال ابن رشد: كان ابن شهاب (٥) إذا سئل يستفهم السائل ويطاوله، فإن ظهر له أنه لم يقتل يفتيه بأنه لا توبة له، وإن تعرف بأنه قتل أفتاه بأن التوبة تصح.

стр. 223

قال ابن رشد: وإنه لحسن من الفتوى، فهكذا ينبغي مراعاة الأحوال في تنزيل الأقوال، فإن من لم يقتل يجب التشديد عليه وسد الباب في وجهه، ومن قتل ينبغي ترغيبه في الرجوع إلى الله. وفي مراعاة هذا الأصل والإقتداء بهذا الإمام فوائد كثيرة في الحث عل الخير، والكف عن الشر، والحكيم من ينزل الأشياء في منازلها، كانت أعمالاً أو كانت أقوالاً. ترهيب: ما أعظم هذا الذنب وما أكبره!! ونعوذ بالله من ذنب اختلف أئمة السلف في قبول توبة مرتكبه، وقد أجمعوا على قبول توبة الكافر. ولعظم شأن الدماء؛ كانت أول ما يقص فيه يوم القيامة بين الخلق (١). فإياك أيها الأخ أن تلقى الله تعالى بمشاركة في سفك قطرة من دم ظلماً ولو بكلمة، فإن الأمر صعب، والموقف خطير!! ... بشارة التائبين إلى رب العالمين ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧١]. لما أفادت الآية السابقة أن التوبة تمحو السيئات، جاءت هذه الآية إثرها تبين ما لأهلها من جزيل الإنعامات، وعظيم الدرجات. (المتاب): مصدر كالمرجع. خالف جواب الشرط وهو (يتوب) فعل الشرط وهو ﴿تاب﴾ بمتعلقه وهو ﴿إلى الله﴾، ومعموله وهو ﴿متابًا﴾. وعبر بالمضارع في الجواب ليفيد التجدد باعتبار تجدد المثوبات للراجعين إلى الله. ونون ﴿متابًا﴾ تنوين تفخيم وتعظيم.

стр. 224

المعنى: ومن تاب التوبة الصادقة، وعمل عملاً صالحاً دليلاً على صدق توبته، فإنه يرجع إلى الله الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحسن لقاءهم ويجزل ثوابهم- رجوعاً وأي رجوع: رجوع العز والتكريم إلى الحليم الكريم!. ترغيب: دعا الله بهذا عباده المذنبين حتى لا يتسرب القنوط إلى قلويهم، وهو محرم عليهم، ولا يحول بينهم وبين خالقهم ذنب وإن عظم. ورغبهم في التوبة بأنها رجوع إليه وكفى، وأن الرجوع إليه فيه من الخير والشرف فوق ما تصوره الألفاظ. فما أحلمه من رب كريم، وما أرحمه بعباده المذنبين! فهذا داعي الله فأجيبوه، وهذا باب الله فلجوه؛ فإنكم مهما رجعتم إليه لا تطردوا، ومهما قصدتم إليه تقبلوا وتكرموا. اللهم فكما فتحت لنا بابك فوفقنا إليه، وتب علينا لنتوب، إنك أنت التواب الرحيم. ... الصفة التاسعة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. لما وصفهم بالصفات المتقدمة الدالة كلها على كمال أخلاقهم، واستقامة أعمالهم في ظواهرهم وبواطنهم، بانبنائها على قوة إِيمانهم وصحة علمهم، فكانوا أهل الحق المتصفين به في علمهم وعملهم، القائمين عليه في جميع أحوالهم- وصفهم هنا ببعدهم عن الباطل ومشاهده ومجانبتهم لأهله. (الشهود): هو الحضور الذي يكون فيه إدراك بالحواس أو بالبصيرة. و (الشهادة): هي الإخبار عن علم حصل عن شهود. و ﴿لَا يَشْهَدُونَ﴾ يحتمل أن يكون من الشهود، وأن يكون من الشهادة. و ﴿الزُّورَ﴾ أصله الميل ويطلق على الكذب، لأنه ميل عن الحقيقة، وعلى كل باطل من الأقوال والأعمال، لأنه ميل عن الحق. إذا كان ﴿لَا يَشْهَدُونَ﴾ بمعنى لا يحضرون، فالزور مفعول به. وإذا كان بمعنى لا يخبرون فالزور مفعول مطلق بعد حذف المضاف. والأصل: ولا يشهدون شهادة الزور. المعنى: على الاحتمال الأول: والذين لا يحضرون مشاهدة الباطل والإثم في كل مجلس تتعدى فيه الحدود، أو تنتهك فيه الحرمات، أو يحكم فيه بالجور أو تعظم فيه الطواغيت، أو يدعى فيه بدعوى

стр. 225

الجاهلية، أو تُحْيَى فيه معالم الوثنية، أو تطمس فيه السنة النبوية، أو يدعى فيه أحد مع الله، أو يضرع إلى سواه. وعلى الاحتمال الثاني: والذين لا يشهدون شهادة الزور ولا يخبرون إلاّ بالحق الواقع. ترجيع وترجيح: يلزم من أنهم لا يشهدون مشاهدة الباطل أنهم لا يشهدون بالزور لوجهين: الأول: لأنهم إذا كانوا لا يحضرون مجالس الباطل فبالأحرى أنهم لا يقولونه. والثاني: أن مشهد شهادة الزور من مشاهد الباطل التي لا يحضرونها؛ فيكون الوجه الأول أولى لأنه أشمل. توسع في البيان: على أنه من بلاغة القرآن أن تأتي مثل هذه الآيات بوجوه من الاحتمالات متناسبات غير متناقضات؛ فتكون الآية الواحدة بتلك الاحتمالات كأنها آيات: نظير مجيء الآية بقراءتين، فتكون كآيتين مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. وقوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) [المائدة: ٥]. بالنصب عطفاً على الوجه فيفيد غسل الأرجل، وتلك هي الحالة الأصيلة العامة. وبالخفض عطفاً على الرؤوس فيفيد مسح الأرجل وتلك هي حالة الرخصة عند لبس الخفاف. فتكون هذه الآية باحتمالها مفيدة تنزههم عن شهود الباطل، وعن شهادته. موعظة: قال جار الله (٢) في الكشاف، عن هؤلاء الموصوفين من عباد الرحمن: «إنهم ينفرون عن محاضر الكذابين، ومجالس الخطائين فلا يحضرونها، ولا يقربونها؛ تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله؛ وصيانة لدينهم عما يمثله لأن مشاهدة الباطل شركة فيه. ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة: هم شركاء فاعليه في الإثم، لأن حضورهم دليل الرضا به وسبب وجوده والزيادة فيه؛ لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه» اهـ. وهذا كما قال؛ فإن حضور مشاهد الباطل إقرار لأهلها عليها، وترك للنهي عن المنكر. وقد قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٨].

стр. 226

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. فتعم الآية كل ظالم، فلا تجوز لأحد مجالستهم مع ترك النكير عليهم، ولا يكفي أن ينكر ويجلس؛ لأنه يكون ببقائه معهم قد أظهر ما يدل على الرضا بفعلهم، ونقض بالفعل إنكاره عليهم بالقول. وروى الطبراني والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عباس- ﵄ قال: قال رسول الله- ﵌: «لا يقفن أحدكم موقفاً يقتل فيه رجل ظلماً، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه» (١). فأخبر أن اللعنة تنزل على الحاضرين لعدم دفعهم، واقتضى أنهم غير راضين بقلوبهم، وأحرى إذا رضوا. فلا يجوز من هذا الحديث وغيره حضور الظلم والقبائح مع عدم دفعها، ولو مع عدم الرظا بها. وروى الشيخان عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله- ﵌ قال لأصحابه لما وصلوا الحجر- ديار ثمود: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلاّ أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم» (٢). فإذا كان هذا فيمن ماتوا من أهل العذاب، فمثلهم مجالس أهل السوء والفساد، فإذا نزلت اللعنة والعذاب عمتهم ومن كان معهم. وشهادة الزور المرادة بالنص على الوجه الثاني (٣)، أو اللزوم على الوجه الأولى (٤) من أكبر الذنوب إثماً، وشر الكبائر مفسدة تنقلب بها الحقائق، وتضيع بها الحقوق، وتبطل المعاملات، وتزول الثقة بين الناس، وتتعرض النفوس والأموال والأعراض للأذى والشر، وتنعدم طمأنينة الناس على ما يعلمون من أنفسهم. وصح عنه- عليه وآله الصلاة والسلام- أنه قال:

стр. 227

«ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؛ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور. وكان متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا- شفقة عليه- ليته سكت» (١). فجلس لها، وبقي يكررها، لعظم شرها، وكبر مفسدتها، وعظم الإثم فيها على حسب ذلك منها. أعاذنا الله والمسلمين منها ومن كل زور. ... الصفة العاشرة: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢]. نفى عنهم فيما تقدم حضور مشاهد الزور، وأخبر هنا أنهم لا يقفون عند اللغو عندما يمرون عليه، تَرَقيا في وصفهم بالبعد عن الباطل والإثم والعبث، ومجانبة أهله. (اللغو) مصدر لغا يلغو أي قال باطلًا فهو القول الباطل، ومثله الفعل الباطل من كل ما لا فائدة فيه، ولا نتيجة له، مما شأنه أن يلغى ويطرح. و (الكريم): الخالص العنصر فهو الزكي غير المتدنس، ومن مقتضى ذلك حسن أخلاقه، واستقامة أعماله، وسلامته من الرذائل. (كرامًا) حال من فاعل ﴿مروا﴾ الثاني، ليبين وصفهم عند المرور. المعنى: وإذا مروا في طريقهم بقول يقال، أو فعل يفعل مما لا فائدة فيه جاوزوه معرضين عنه، أزكياء غير متدنسين بشيء منه، ولا ملتفتين لأهله. موعظة: في الإقبال على اللغو شغل للبال به، وتكدير للخاطر بظلمته، وتضييع للوقت فيه، ولكل كلمة تسمعها أو فعلة تشهدها أثر في حياتك وإن قل. وقد يعقبها ضدها فتزول بعدما شغلت وعطلت. وقد يردفها مثلها فتثبت وتنمو وتسوء عاقبتها ولو بعد حين. وبقدر ما تلتفت إلى اللغو تلتفت عن كرمك، وبقدر ما يعلق بك منه ينقص من ذكائك.

стр. 228

وبقدر ما تتساهل بالوقوف عليه تقرب من الدخول فيه، وإذا دخلت فيه واستأنست بأهله جرك إلى الزور وعظائم الأمور. وللشر أسباب متواصلة، وأنساب متصلة يؤدي بعضها إلى بعض، فينتقل المغرور الغافل من خفيها إلى جليها، ومن صغيرها إلى كبيرها. فالحازم من لم يسامح نفسه في قليلها، ويباعد كل البعد عنها وعن أهلها، وقد هدتنا هذه الآيات لنهتدي، وذكرت عباد الرحمن لنقتدي. ... الصفة الحادية عشرة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. لما وصفهم فيما تقدم بإعراضهم عن الباطل، ومجانبتهم لأهله، وبعدهم عنه، وصفهم هنا بإقبالهم على الحق، وإكبابهم عليه، متفهمين مستبصرين. ﴿ذكروا﴾ وعظوا ونبهوا. ﴿بآيات ربهم﴾ هي آيات القرآن، وفيها التذكير بآيات الأكوان التى ترى بالعيان. (الخرور) هو السقوط كسقوط الساجد. (الأصم) فاقد حاسة السمع، أو الذي لا يتدبر ما يسمع فلا ينتفع به، وهو المراد هنا. و (الأعمى) فاقد حاسة البصر، أو الذي لا يعتبر فيما يبصر فلا ينتفع به، ويكون الأعمى بمعنى فاقد الإدراك القلبي وهو عمى البصيرة، وما هنا يحتمل الوجهين الأخيرين. عبربـ (إذا) لأن التذكير مما هو واقع محقق كالذي يسمع من القرآن في الصلاة ومن الخطب في الجمع. وبنى الفعل للنائب لأن التذكير بالآيات يجب قبوله من أي مذكر كان. و ﴿صماً وعمياناً﴾ حال من الواو ضمير الجماعة في ﴿لم يخروا﴾، والنفي منصب على الحال التي هي قيد في الكلام. وإذا كان الكلام مقيداً بقيد كما هنا، فإن النفي ينصب على ذلك القيد في غالب الاستعمال العربي. ونظيره: ما رأيت زيداً راكباً نفياً للركوب لا للرؤية. ولا يلقاني مسلماً نفياً للسلام لا للقاء. فلم ينف عنهم الخرور، وإنما نفى عنهم الصمم والعمى عند الخرور. المعنى: ومن صفات عباد الرحمن: أنهم إذا ذكرهم مذكر بآية ربهم التي أنزلها على نبيهم- صلى الله

стр. 229

عليه وآله وسلم- بما فيها من ذكر مخلوقاته وإنعاماته، وأيامه في أوليائه وأعدائه، ووعده ووعيده، وترغيبه وترهيبه- أقبلوا عليها، وأكبوا على سماعها، بآذان واعية، وأبصار راعية، وقلوب حاضرة، وعقول متدبرة. لا كمن يقبلون عليها ويكبون على سماعها، ولكنهم لا يسمعون ولا يبصرون، لأنهم لا يعقلون ولا يتدبرون. عموم الحاجة للتذكير: بعدما ذكر تعالى من صفات عباد الرحمن ما ذكر .. ذكر استماعهم للتذكير، تنبيهاً على أن التذكير محتاج إليه في كل حال، فإذا كان الموصوفون بتلك الصفات يحتاجون إليه فغيرهم أولى، وذلك لأن الغفلة من طبع الإنسان، ودوام الغفلة صدأ القلوب، وصقالها هو التذكير. قبول التذكير من كل مذكر: كما تقبل كلمة الحق من كل قائل، كذلك يقبل التذكير من كل مذكر، ولو كان المذكِّر من أكمل العباد، والمذكِّر من أوساطهم، أو أدناهم. وفي عباد الرحمن المذكورين في استماعهم إذا ذكروا من أي مذكر- القدوة الحسنة. ما يكون به التذكير: قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فالتذكير بآيات القرآن والأحاديث النبوية، هذا هو التذكير المشروع المتبوع، والدواء الناجع المجرب. ولذلك تجد مواعظ السلف كلها مبنية عليه راجعة إليه والنصح لله ولرسوله وللمسلمين في لزوم ذلك والسير عليه. أقسام الناس عند التذكير: الناس عند تلاوة آيات القرآن على قسمين: (أ) معرضين. (ب) ومقبلين. فالمعرضون غير المؤمنين. والمقبلون على قسمين: (أ) مقبلين بظاهرهم دون باطنهم. (ب) ومقبلين بظاهرهم وباطنهم. فالمقبلون بظاهرهم دون باطنهم هم المنافقون. والمقبلون بظاهرهم وباطنهم على قسمين: (أ) مستمعين، مستبصرين، حاضرين، متدبرين. (ب) وغافلين غير متدبرين غير سامعين ولا مبصرين.

стр. 230

والأقسام كلها مذمومة إلاّ قسم المقبلين بظواهرهم وبواطنهم، المستمعين المستبصرين. وهذا القسم هو الذي وصف به عباد الرحمن، فكانوا مباينين لأهل الإعراض من الكافرين والمنافقين، ولأهل الغفلة، وعدم التدبر من المؤمنين. تحذير وتنبيه: قد صورت الآية حالة المؤمن بالقرآن الذي ينكب عليه، ويتلقاه بالقبول، ثم لا يتفهمه ولا يتدبره، بحالة الأصم الأعمى في عدم انتفاعه بما انكب عليه، تقبيحاً لعدم التفهم والتدبر من المؤمن للآيات، وتحذيراً منه وتنبيهاً على أن الانتفاع بالقرآن الذي تتفتح به البصائر، وتتسع به المدارك، وتتهذب به الأخلاق، وتتزكى به النفوس، وتتقوم به الأعمال، وتستقيم به الأحوال؛ إنما يكون بتفهمه، وتدبره، دون مجرد الانكباب عليه بلا تفهم ولا تدبر. أمر وإرشاد: الآيات الدالة على طلب التدبر والتفهم لآيات القرآن العظيم كثيرة، منها الآية المتقدمة، ومنها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فعلينا أن نحضر قلوبنا عند سماعها، ونستعمل عقولنا في فهمها، ونحمل أنفسنا على الاتعاظ بها، فإذا صدقت النية وأخلص التوجه فتح على العبد من وجوه العلم والعمل- بإذن الله- بما لم يكن له في بال. وإن الله وصف هذا الكتاب بأنه مبارك؛ لزيادة خيراته وتيسيره للذاكرين- ترغيبا لنا في فهمه وتدبره، واستنزال الخيرات واستزادة البركات منه. فأقبل- يا أخي- على القرآن: على استماعه وعلى تفهمه، والزم ذلك حتى يصير عادة لك وملكة فيك .. تر من فضل الله وإقباله عليه ما يدنيك- إن شاء الله- ويعليك، ويعود بالخير الجزيل عليك. والله نسأل لنا ولكم الإقبال على الله بتلاوة وتدبر كتابه، والتأدب بجميع آدابه، حتى نحشر في زمرة أحبابه، بمنه وكرمه آمين. الصفة الثانية عشرة: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]. لما وصفهم في الآيات المتقدمة، بما دل على أنهم أهل خير وكمال في أنفسهم .. وصفهم في هذه بما دل على محبتهم الخير والكمال لغيرهم من قرابتهم: أزواجهم، وذريتهم، ومن سواهم. وقدم الأزواج على الذرية لأنهم ألصق ولأنهم الأصل.

стр. 231

فقه هذه المناسبة: فطر الإنسان على محبته لنفسه، لتحمله هذه الفطرة على المحافظة عليها، والدفاع عنها، وتكميلها بكل وجوه الكمال. وكان من مقتضى هذه المحبة رغبته في الوجود والبقاء، ومما هو قوة في وجوده ومظهر لبقائه أن يرى الناس على فكره وصفاته وأحواله، فيرى نفسه ممثلة في غيره، وأفكاره وصفاته وأحواله باقية ببقاء الناس. فالخير الكامل من طبعه، ومن مقتضى فطرته .. أنه يحب انتشار الخير والكمال في الناس. والشرير الناقص من طبعه ومن مقتضى فطرته أنه يحب انتشار الشر والنقص فيهم. فلذا كان لازماً لتتميم وصف عباد الرحمن ذكر محبتهم الخير والكمال لغيرهم. ميزان من هذه المناسبة: قد تخفى عليك دخيلة نفس الإنسان فيمكنك أن تعرفها بما يجري به لسانه، فإذا جرت كلماته بمحبة انتشار الخير والكمال فهو من أهلهما، وإذا جرت بالضد فهو على الضد؛ فما يحب الإنسان انتشاره هو الدليل على صفات نفسه، وهو ميزان تزنه به في الشر والخير، والنقص والكمال. (الهبة) العطاء من غير عوض، ولا تكون على الحقيقة التامة إلاّ من الله، فهو الغني الوهاب. (من) ابتدائية فمن ناحية الأزواج والذرية تكون قرة الأعين. (الأزواج) جمع زوج، وهو يصدق على الرجل والمرأة، والنساء شقائق الرجال وهذا الدعاء كما يكون من المؤمنين يكون من المؤمنات. كما تصدق الآيات المتقدمة على الموصوفين من الصنفين بتلك الصفات. (الذرية) من تناسل منهم من أبنائهم وبناتهم. وقرئت بالإفراد لاتحادها في أصل النسل، وبالجمع لاختلافها في الفروع والأنساب. ﴿قرة أعين﴾: بردها إن كانت من القر وهو البرد، وسكونها إن كانت من القرور بمعنى الاستقرار. (الإمام) هو المتبع المقتدى به، وأفرد، لأن المراد به الجنس، وحسن الإفراد من جهة اللفظ لوقوعه فاصلة على وزان ما قبلها وما بعدها. ومن جهة المعنى أن أئمة الهدى كنفس واحدة، لاتحاد طريقهم بالسير على الصراط المستقيم، واتحاد وجهتهم بالقصد إلى الله تعالى وحده. ﴿قرة أعين﴾ تركيب كنائي فإذا كانت القرة من القر فهو كناية عن السرور، لأن العين في حالة السرور باردة، وإذا سالت منها دموع في حالة الفرح كانت باردة. وإذا كان الإنسان في حالة حزن فالعين تكون سخنة؛ بسبب ثورة النفس وآلامها التي تثير الحرارة، فإذا سالت منها دموع الحزن كانت سخنة.

стр. 232

ومما يقال على هذا: أقر الله عين المحق، وأسخن عين المبطل. وجاء عليه قول أبي تمام: فَأَمَّا عُيُونُ الْعَاشِقِينَ فَأَسْخَنَتْ ... وَأَمَّا عُيُونُ الشَّامِتِينَ فَقَرَّتْ فقرة أعينهم على هذا، كناية عن سرورهم بأزواجهم وذريتهم، بما هم عليه من الخير والكمال وإعانتهم لهم عليهما. وإذا كانت القرة من القرور، فهي كناية عن سكون النفس بحصولها على ما يرضيها من الأزواج والذرية. ومعنى هذا أن النفس إذا لم تحصل على ما يرضيها، تعلقت بما عند غيرها وتشوقت إليه، فتمتد إليه العين، ويطمح إليه البصر. وإذا حصلت على ما يرضيها زالت عن ذلك التعلق وانكفت عن التشوف؛ فسكنت العين فلم تمتد إلى غير ما عندها، ولم يطمح البصر إليه؛ ولهذا كما كان قرور العين كناية عن رضى النفس وسكونها كان امتداد العين كناية عن اضطراب النفس وتشوفها وتعلقها. وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٣١]. فقرة أعينهم على هذا كناية عن رضى أنفسهم بما يكون لهم من أزواج وذرية، موصوفين بالصفات المرضية، من طاعة الله في القيام بوظائف الدين والدنيا، وإعانتهم لهم على القيام بها. المعنى: ومن صفات عباد الرحمن أنهم يدعون ربهم، يسألونه أن يهب لهم أزواجاً وذريةً، تقر بهم أعينهم، بأن يكونوا موصوفين بمثل صفاتهم سائرين على منهاجهم، معينين لهم على ما هم عليه، ويسألونه أن يكونوا على أكمل حال في العلم والعمل والاستقامة، يقتدي بهم فيها المتقون. الأحكام: الأول: التزوج وطلب النسل هو السنة: سنة النبي- ﵌ وسنة أصحابه عليهم الرضوان، وسنة عباد الرحمن، وليس من شريعته الحنيفية السمحة؛ الرهبانية، والتبتل. وقد رأى قوم من الزهاد رجحان الانقطاع إلى العبادة على التزوج والاشتغال بالسعي على الزوج والذرية، فرد عليهم أئمة الدين والفتوى بأن في التزوج اتباعاً للسنة، وفي السعي على الأهل ما هو من أعظم العبادة. وفي التزوج تكثير سواد الأمة والمدافعين عن الملة والقائمين بمصالح الدين والدنيا، وفي هذا ما فيه من الأجر والمثوبة.

стр. 233

وفي التبتل مخالفة السنة، وانقطاع النسل، وضعف الأمة وتعطيل المصالح، وخراب العمران، وكفى بهذا كله شراً وفساداً!! الثاني: سؤال العبد من ربه أن يهب له من الزوج والذرية ما تقر به عينه، يقتضي سعيه بقدر استطاعته لتحصيل ذلك فيهما، ليقوم بالسببين المشروعين من السعي والدعاء. فعليه أن يختار ويجتهد عندما يريد التزوج. وأن يقصد إلى ذات الدين (١). وفي اختياره واجتهاده في جانب الزوجة سعي في اختيار الولد؛ فإن الزوجة الصالحة شأنها أن تربي أولادها على الخير والصلاح. ثم عليه أن يقوم بتعليم زوجه وأولاده وتهذيبهم وإرشادهم، فيكون قد قام بما عليه في الابتداء والاستمرار، مع دوام التضرع إلى الله تعالى والابتهال. الثالث: ما تقر به الأعين يحصل به الفرح والسرور؛ فالفرح والسرور بما هو خير وطاعة من حيث أنه نعمة من الله وفضل- محمود ومشروع. الرابع: طلب الرتب العليا في الخير والكمال والسبق إليها والتقدم فيها، مما يدعونا إليه الله، ويرغبنا بمثل هذه الآية فيه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، والمائدة: ٤٨].؛ لأن طلب الكمال كمال؛ ولأن من كانت غايته الرتب العليا، إن لم يصل إلى أعلاها لم ينحط عن أدناها، وإن لم يساو أهلها لم يبعد عنها. ومن لم يطلب الكمال بقي في النقص، ومن لم تكن له غاية سامية قصر في السعي، وتوانى في العمل. فالمؤمن يطلب أسمى الغايات حتى إذا لم يصل لم يبعد، وحتى يكون في مظنة الوصول بصحة القصد وصدق النية. الخامس: من الدين الإقتداء بأهل العلم والعمل والاستقامة في الهَدْي والسمت.

стр. 234

السادس: لا يكون الإمام إلاّ تقياً فاق غيره في التقوى. السابع: إن إقتداء المتقين بأئمتهم إنما هو في التقوى؛ لأنهم ما كانوا أئمة إلاّ بها، فالآية أفادت: أن المتقين يقتدون بأئمتهم، وأن أئمتهم متقون مثلهم، وأكمل منهم التقوى، وأن إقتداءهم بهم في التقوى لا في غيرها؛ فمن حاد عنها فلا إمامة له. تمييز: الخَيِّرُ الكامل، المقدم في الخير والكمال، المقتدى به فيهما إذا طلب الإمامة من حيث الخير والكمال نفسهما، ومن حيث حمل الناس عليهما بالقدوة الصالحة له فيهما؛ لأن فعل الخير والاتصاف بالكمال دعوة إليهما بالعمل، وهي أبلغ من الدعوة بالقول؛ ومن حيث انتشارهما في الناس وسعادة الناس بها. إذا طلب الإمامة من هذه الحيثيات فطلبه مشروع محمود، وهو طلب عباد الرحمن المذكور في الآية. وإذا طلب الإمامة والتقدم لأجل الترأس والتقدم، فهذا طلب مذموم من عمل المتكبرين لا من عمل المتقين. فعلى الداعي أن يميز هذا التمييز ليخلص القصد في دعائه ويكون على صواب فيه. كلمة عظيمة من إمام عظيم: قال مجاهد (١) التابعي الجليل الثقة الثبت المفسر الكبير: «أئمة، نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا». ذكره البخاري (٢)، ورواه ابن جرير بسند صحيح (٣). يعني أن الذين يقتدي بهم الناس من بعدهم هم الذين كانوا يقتدون بسلفهم الصالح من قبلهم. فالذين أحدثوا في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح لم يقتدوا بمن قبلهم، فليسوا أهلاً لأن يقتدي بهم من بعدهم. فكل من اخترع وابتدع في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح فهو ساقط عن رتبة الإمامة فيه

стр. 235

سلوك وإقتداء: كان الأعرابي الجاهل المشرك يأتي للنبي- ﵌ فيؤمن به، ويصحبه يتعلم منه الدين، ويأخذ عنه الهدى، فيستنير عقله بعقائد الحق، وتتزكى نفسه بصفات الفضل، وتستقيم أعماله على طريق الهدى؛ فيرجع إلى قومه هادياً مهدياً، إماماً يقتدى به ويؤخذ عنه كما اقتدى هو بالنبي- ﵌ وأخذ عنه. فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك، فيحضر مجالس العلم التي تذكره بآيات الله، وأحاديث رسوله ما يصحح عقيدته، ويزكي نفسه، ويقوِّم عمله. وليطبق ما يسمعه على نفسه، وليجاهد في تنفيذه على ظاهره وباطنه، وليداوم على هذا، حتى يبلغ إلى ما قدر له من كمال فيه، فيرجع وهو قد صار قدوة لغيره في حاله وسلوكه. وطلبة علم الدين، الذين وهبوا نفوسهم لله، وقصروا أعمارهم على طلب العلم لدعوة الخلق إلى الله، هم المطالبون- على الأخص- بهذا السلوك ليصلوا إلى إمامة الحق، وهداية الخلق على أكمل حالة، ومن أقرب طريق. فاللهم وفقنا، واهدنا إلى سنة نبينا، إذا اقتدينا وإذا اقتدي بنا. آمين يا رب العالمين. ... جزاء عباد الرحمن ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٧٥ و ٧٦]. لما ذكر في الآيات المتقدمة صفاتهم وأعمالهم، ذكر ما أعد لهم من عظيم الجزاء على تلك الأعمال، تنبيهاً على ما وضعه تعالى، بمشيئته وحكمته ورحمته، من الارتباط بين هذه الأعمال، وهذا الجزاء، وإفضائها إليه، إفضاء السبب لمسببه؛ ليسعى الراجون لهذا الجزاء من طريق هذه الصفات وهذه الأعمال، كما يسعى لسائر المسببات من طريق أسبابها، وتؤتي جميع الأمور من أبوابها. وفي هذا حث لأهل هذه الأعمال على التمسك بما هم به عاملون. وتنبيه لأهل الغرور على بطلان ما هم به مغترون، والكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني (١).

стр. 236

﴿يجزون﴾ يعطون في مقابلة أعمالهم. ﴿الغرفة﴾ البيت الأعلى فوق بيت، وأل فيه للجنس، فيصدق بالمتعدد. ﴿صبروا﴾ حبسوا نفوسهم. والباء فيه سببية. ﴿يلقون﴾ من لقوا بمعنى يجدون، ويلقون من لقى بمعنى تلقيهم الملائكة أي تقابلهم وتتلقاهم. ﴿تحية﴾ دعاء بالحياة. ﴿سلاماً﴾ دعاء بالسلامة. ﴿خالدين﴾ باقين. ﴿مستقراً﴾ هو المكان الذي ينتهي إليه من غيره ويثبت فيه. ﴿مقاماً﴾، هو المكان يقام ويمكث فيه. جملة ﴿أولئك﴾ مستأنفة، فإن تلك الصفات والأعمال تشوق السامع إلى معرفة مآلهم، وثمرة أعمالهم، فيسأل عنهما؛ فكانت الجملة جواباً لذلك السؤال المقدر. وعرف المسند إليه (١) بالإشارة تنبيهاً على استحقاقه للمسند (٢) كان بما تقدم من صفات. وجملة ﴿حسنت﴾ مستأنفة بيانية؛ لأن من عرف حالتهم من الحياة والسلامة والبقاء، يتشوق لمعرفة حال مكان هذه الحياة السالمة الباقية، فيسأل عنه؛ فوقعت جملة ﴿حسنت﴾ موقع الجواب عن هذا السؤال المقدر. وهي إنشائية أفادت إنشاء مدح الغرف بالحسن، وتعظيم ذلك الحسن. وقدم المستقر؛ لأن أول الحلول استقرار، والمقام ببقاء الاستقرار واستمرار المكث. المعنى: أولئك الذين ذكرت صفاتهم وأفعالهم، يعطون جزاء أعمالهم البيوت العلالي في الجنة، بسبب صبرهم، وحبسهم لأنفسهم على الطاعات والمجاهدات وكفهم لها عن المعاصي والشهوات. وتتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام، باقين في هذا النعيم المقيم، وسكنى علالي الجنة التي هي أحسن مستقر ينتهي إليها الإنسان ومقام يمكث فيه. تطبيق حديث وفقهه: روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله- ﵌ قال:

стр. 237

«إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري (١) الغابر (٢) في الأفق من المشرق والمغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى،- والذي نفسي بيده- رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (٣). فهذا الحديث بين أن أهل الغرف هم أكمل المؤمنين، وأعلاهم درجة في الجنة بهذا المقدار من البعد، فهم الموصوفون بالصفات المذكورة في الآية المتقدمة على أتمها. ومن لم يكن مثلهم فيها لم يكن في منازلهم التي جوزوا بها عليها، وكان على حسب حظه من الإيمان، في منزلة من منازل أهل الجنة الذين يتراءون أهل الغرف. فدرجات أهل الجنة في منازلهم على حسب سلوكهم في أعمالهم: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١، ٢٢]. دلالة: دلت الآية على السبب الذي أفضى بهم إلى هذا الجزاء العظيم، وهو أعمالهم. ودلت على السبب الذي تمكنوا به من القيام بهذه الأعمال، وهو الصبر لقوله تعالى: ﴿بما صبروا﴾. ومن أعظم الحكمة معرفة الأسباب والمسببات، وارتباط بعضها ببعض، فلا ينهض بامتثال المأمورات وترك المنهيات إلاّ من صبر، والصبر خلق من الأخلاق التي تتربى وتنمو بالمران والدوام، فواجب على المكلف أن يجعل تربية نفسه عليه، وتعويدها به من أكبر همه، إذ لا يقوم بالتكاليف الشرعية إلاّ به؛ بل ولا يستطيع الحياة في هذه الدار الدنيا الموضوعة على المحنة والابتلاء إلا إذا تمسك بسببه. بيان القرآن للقرآن: في هذه الآية: أنهم يلقون تحية وسلاماً؛ وقد بين من يتلقاهم بذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [النحل: ٩٧]. فالملائكة هم

стр. 238

الذين يتلقونهم في السلام، والدعاء لهم بالطيب، وهو مما يدخل في التحية؛ لأن من طيبهم طيب حياتهم. وما أكثر ما تجد في القرآن!!، فاجعله من بالك تهتد- إن شاء الله- إليه. إقتداء ورجاء: هؤلاء السالكون، وما ذكر من أعمالهم وأحوالهم هو سلوكهم؛ ولما سلكوا الصراط المستقيم، بالعمل المستقيم، انتهى بهم السير إلى أحسن قرار ومقام، إلى دار النعيم المقيم، في جوار الرحمن الرحيم. فإذا اشتقت إلى نهايتهم فتمسك ببدايتهم، وزن أعمالك بأعمالهم، وأحوالك بأحوالهم، فإذا جعلت ذلك من همك، وحملت عليه نفسك بصادق عزمك، وصبرت كما صبروا رجوت أن تظفر بما ظفروا. فالله نسأل لنا ولك وللمسلمين صحة الإقتداء، وصدق الرجاء، وحسن الجزاء. [[﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]] ... قيمة العباد عند ربهم بقدر عبادتهم ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ [الفرقان: ٧٧]. قد أفادت الآية السابقة كمال حال عباد الرحمن في نفوسهم وعقولهم، وأخلاقهم، وأعمالهم، وأفادت عظيم منزلتهم عند ربهم، ورفيع ما أعد لهم من درجاتهم، جزاء على صالحاتهم وحسناتهم. وجات هذه الآية تفيد أن ذلك المقام العظيم الذي كان عند ربهم، إنما هو بسبب عبادتهم. وتعلن للناس أن عبادتهم هي الشيء الوحيد، الذي يكون لهم به قدر وقيمة عند ربهم، وبدونها لا يكون لهم وزن عند خالقهم، ولا يكونون شيئاً يبالى به. وأن من كذب وخلع بتكذيبه ربقة العبادة، فقد حقت عليه كلمة العذاب، وهو واقع به لا محالة. ﴿ما يعبأ بكم﴾ ما يبالى بكم. (العبء) هو الثقل فما عبأت به: بمعنى ما كان له عندي وزن ولا مقدار. وعبأت به: كان له عندي وزن ومقدار. وعدي بالباء لأنه بمعنى ما باليت. ﴿دعاؤكم﴾ عبادتكم من إطلاق الجزء على الكل. ﴿كذبتم﴾ كفرتم فلم تعبدوا.

стр. 239

﴿لزاماً﴾ ملازماً، وأصل اللزام مصدر لازم واختير هنا للتنبيه على أن بين المكذبين والعذاب ملازمة من الطرفين: فهم بتكذيبهم قد ألزموا أنفسهم العذاب فلازمهم العذاب. جواب ﴿لولا﴾ محذوف لدلالة ما تقدم، وتقدير الكلام: لولا دعاؤكم ما عبأ بكم. وجملة ﴿فقد كذبتم﴾ واقعة موقع التعليل لكلام مقدر تقديره- والله أعلم-: لا يعبأ بكم فقد كذبتم، أي لأنكم قد كذبتم، فالفاء تعليلية. وأما جملة ﴿فسوف يكون﴾ فمتسببة عما قبلها، فالفاء فيها سببية. وضمير ﴿يكون﴾ عائد على العذاب المفهوم من المقام. المعنى: قل للذين أرسلت إليهم: ما يبالي بكم ربي، ولا يعبأ بكم، ولا يكون لكم عنده وزر، لولا إيمانكم وعبادتكم. فإذا كذبتم وكفرتم، فهو لا يعبأ بكم، وسوف يكون العذاب ملازماً لكم بسبب تكذيبكم. تحرير في المخاطب: المخاطبون هم الذين كذبوا، ثم إن ما لحقهم بسبب التكذيب من العذاب الملازم فهو خاص بهم، وبالمكذبين أمثالهم. وما كان موجهاً لهم من جهة أنهم عباد- وهو أن الله لا يعبأ بهم لولا دعاؤهم- فهو عالم لجميع العباد لمماثلتهم لهم في العبودية لله، واستغناء الله عنهم، وفرض العبادة عليهم، وعدم التقدير لهم إلاّ بها. تفسير أثري: أخرج البخاري في كتاب التفسير، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "خمس قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام". ورواه في مواضيع أخرى من صحيحه (١). وعني بالدخان المذكور، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. وبالقمر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. وبالبطشة المذكورة، في: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]. وباللزام المذكور في هذه الآية. وفسر ابن مسعود البطشة الكبرى بيوم بدر، وفسر اللزام به أيضاً (٢). فهي في الحقيقة أربع وعدها خمسا باعتبار الوصفين البطش والملازمة.

стр. 240

وفسر الحسن (١) اللزام بعذاب يوم القيامة. ومن عادة السلف أنهم يفسرون اللفظ بما يدخل في عمومه دون قصد للقصر عليه. ولا منافاة حينئذ بين التفسيرين، فيكونون قد توعدوا على تكذيبهم بلزوم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ترهيب: رتب لزوم العذاب على التكذيب، فأعظم العذاب الأكمل التكذيب، وهو تكذيب الكفر. ثم أصناف العذاب لازمة لتكذيب العصيان بالعدل والحكمة في التقسيم والترتيب. استنباط: لما كانت مقادير العباد عند ربهم بحسب عبادتهم، فالأنبياء- ﵈ أعلى الناس منزلة عند الله فهم أعظمهم عبادة لله، وهم أتقاهم له وأشدهم خشية منه. وقد قال النبي ﵌ فيما رواه مالك وغيره: «والله إني أرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي» (٢). وقال أيضا: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده» (٣). سؤال استطرادي وجوابه: كيف يخشى وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟

стр. 241

أجاب العلماء عن هذا بأجوبة: ١ - منها أنه لا يخشى العقاب، ولكنه يخشى العتاب. ٢ - ومنها قول الأكثر؛ أنه غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، بشرط امتثاله لما أمر به. ذكر هذين ابن العربي في "القبس". ٣ - ومنها أنها خشية الإجلال، ومشاهدة عظمة الربوبية، وأنه لا يجب عليه تعالى شيء. وهذان الحديثان الصحيحان من الأدلة الصريحة عند أهل العلم، على أن العبادة الشرعية الإسلامية لا تتجرد من الخوف، حتى عبادة أفضل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين. تعليل: الإنسان مهيأ للكمال بما فيه من الجزء النوراني العلوي، وهو روحه. ومعرض للسقوط والنقصان بما فيه من أخلاط عناصر جزئه الأرضي الظلماني، وهو جسده. ولا يخلص من كدرات جثمانه ولا ينجو من أسباب نقصانه إلاّ بعبادة ربه، التي بها صفاء عقله، وزكاء نفسه، وطهارة بدنه في ظاهره وباطنه. فبعبادة ربه يكمل فيرقى في مراتب الكمال، ويدنو من الملأ الأعلى، عند الرب الأعلى ذي الجلال والإكرام. فالله طيب لا يقبل إلاّ الطيب، وإليه يصعد الكلم الطيب، ولا طيب ولا كمال إلاّ للعابدين، فلا قيمة ولا قبول لغيرهم عند رب العالمين. إرشاد وتحذير: قد بين لك الطريق الذي يوصلك إلى مولاك ويرقيك في مراتب كمالك وعلاك، وما هو إلاّ عبادة ربك: فكن عبدا له في اختيارك واضطرارك وفي جميع أحوالك. واحذر أن تعتمد على شيء غير عبادته. واحذر أن تتوجه بشيء من عبادتك لغيره. ومن عبادتك- بل هو مخ عبادتك- دعاؤك وسؤالك واستغاثتك .. فإياك إياك أن تتوجه منه بشيء لغيره. فكن دائما عبداً لله، وكن دائماً عبداً له وحده، فذلك حقه عليك، وذلك السبب الوحيد الذي ينجيك ويعليك. والله نسأل أن يقصرنا على عبادته، ويديمنا على الإخلاص في التوجه إليه، حتى نلقاه على ملة الإسلام، وهدى عباده الصالحين، آمين يا رب العالمين.

стр. 242

القسم الثالث في سورة النمل في هذا القسم ستة فصول، تحتوي على هذه المواضيع: ١ - ملك النبوة مجمع الحق والخير، ومظهر الجمال والقوة. ٢ - طبيعة ملك النبوة، وطبيعة ملك البشر. ٣ - العلم. ٤ - إرث النبوة. ٥ - جند سليمان. ٦ - وادي النمل. ٧ - شكر النعم. ٨ - قصة الهدهد. ٩ - الملكة بلقيس. ١٠ - السجود لله وحده.

стр. 243

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة الفصل الأول ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ [النمل: ١]. تمهيد: (النبوة): منزلة من الكمال التام البشري، يهىء الله لها من يشاء من عباده، فيكون بذلك مستعداً لتلقي الوحي والاتصال بعالم الملائكة، ولتحمل أعباء ما يلقي إليه وتكاليف تبليغه بالقول والعمل، وتحمل كل بلاء يلقاه في سبيل ذلك التبليغ. و (الملك): ولاية على المجتمع لحفظ نظامه، تقتضي عموم النظر، وشمول التصرف في روابط الناس، ومعاملاتهم وتصرفاتهم، وتسييرهم في ذلك كله على أصول عادلة توصل كل أحد إلى حقه، وتكفه عن حق غيره، ليعيشوا في رخاء وسلام، ويبلغوا غاية ما يستطيعون من متع الحياة. وقد يتصف الشخص بالنبوة دون الملك؛ فيكون مبلغاً عن الله، ولا يكون له التنفيذ والإدارة والتنظيم. وقد يتصف الشخص بالملك دون النبوة.

стр. 244

وقد وجد الشخصان في (شمويل) و (طالوت)، فكان الأول نبياً، وكان الثاني ملكاً كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وقد يجمع بينهما مثل داود وسليمان ﵉. ثم إن (الملك) قد تكون الأصول التي يستند إِليها مستمدة من أوضاع البشر، لحفظ مصالحهم في الحياة الدنيا؛ فيكون ملكاً بشرياً، وقد تكون تلك الأصول مستمدة من وحي الله؛ بما فيه حفظ مصالح العباد في الدنيا، وتحصيل سعادتهم فيها وفي الأخرى، فيكون ملك نبوة. من طبيعة ملك النبوة: ١ - إلتزام الحق ونصرته حيثما كان بإقامة ميزان العدل في القول والحكم والشهادة بين الناس أجمعين، المعادين والموالين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائد ٥: ٨]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. ٢ - وبالوفاء بالعقود والعهود بين الأفراد والجماعات، كما قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا .. ﴾ [النحل: ٩١]. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]. وبغير هذا من وجوه التزام الحق ونصرته. ٣ - وبث الخير بين الناس بنشر الهداية والإحسان دون تمييز بين الأجناس والألوان، كما قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. ٤ - ومن طبيعته الدعوة إلى القوة والتنويه بها وبناء الحياة عليها، لكن في نطاق العدل والرحمة ولدفاع المعتدين، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وقبلها: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥، ٥٧]. فقوة الحديد لحفظ الكتاب والميزان وحمل الناس عليهما. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا

стр. 245

اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٣٩، ٤٠]. ٥ - ومن طبيعته الدعوة إلى الجمال والتحبيب به في جميع مظاهر الحياة، لكن في نطاق الفضيلة والعفاف، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣]. ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦]. ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٧]، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. من طبيعة الملك البشري: الملك البشري، وإن روعيت في أوضاعه هذه الأصول الأربعة، إلاّ أنه: ١ - لا يقيم ميزان العدل بين أبناء المملكة وغيرهم: فنراه يكيل لهؤلاء بمكيال ولهؤلاء بمكيال. ولا يرعى من العهود- في الغالب- إلاّ ما يعارض مصلحته أو تلزمه بمراعاته قوة خصمه. ٢ - كما أنه يكاد يقصر بره وإحسانه على أبناء جلدته، ومن كانوا من جنسه ولونه. ٣ - كما أنه يبني أمره على القوة المطلقة فتندفع من رغباته إلى أقصى ما يمكنها أن تصل إليه. فيكون البغي والتساقط (١) [[التسلط]] (*) والعدوان. ٤ - كما أنه تستهويه زينة الحياة الدنيا وزخارفها، فتمتد يده إليها حيثما وجدها، فتتنازعها الأيدي بالقوة والحيلة، وتذهب في أقانيها (٢) الشهوات بالناس إلى النقص والرذيلة. ... ثم إن من طبيعة الملك من حيث أنه ملك- سواء أكان بشرياً أم نبوياً- مظاهر الأبهة والجمال والقوة والفخامة؛ لما جبل عليه الخلق من اعتبار المظاهر والتأثر بها. وهذا إذا كان في الحق فهو عمود مطلوب، وإذا كان للباطل والبغي والتعظيم النفسي فمذموم متروك.

стр. 246

ومن الأول أمر النى- ﵌ وعمه العباس- ﵁ أن يحبس أبا سفيان عند خطم (١) الجبل، حتى تمر عليه كتائب المسلمين؛ وذلك لإدخال الرعب على قلبه بما يرى من النظام والقوة. فحبسه العباس، فجعلت الكتائب تمر به، فيسأل العباس عن كل كتيبة، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان؟ حتى مرّ رسول الله- ﵌ في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلاّ الحدق (٢) من الحديد؛ فقال: من هؤلاء؛ فقال العباس: هذا رسول الله- ﵌ في المهاجرين والأنصار. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً. قال العباس: فقلت له: إنها النبوة، فقال: فنعم إذن. قصد أبو سفيان عظمة الملك القاهر التي كان يعرفها من الأكاسرة وأمثالهم، فنفى ذلك العباس ورده إلى النبوة، التي هي أصل تلك القوة، وذلك الملك النبوي المستند إلى الوحي الإلهي، ولم يرد نفي الملك جملة. ومنه (٣) ما كان من معاوية بالشام: لما قدم عليه عمر وجده في أبهة من الجند والعدة، فاستنكر ذلك، وقال له: أكسروية يا معاوية؟! فاعتذر معاوية بأنهم في ثغر تجاه العدو، وأنهم في حاجة إلى مباهاة العدو بزينة الحرب والجهاد، فسكت عمر وأقره. فذلك المظهر من مظاهر طبيعة الملك من حيث هو ملك، وإنما أنكره عمر لما خاف فيه من تعظم واستعلاء وإعجاب؛ فلما كان للحق والمصلحة أقره. ومن أقوى الأدلة على أن تلك المظاهر إذا كانت للحق والمصلحة فهي محمودة مطلوبة، ما قصه الله علينا في هذه الآيات عن ملك سليمان نبي الله ﵊. ... نعم في مسند أحمد أن النبي- ﵌ خير بين أن يكون نبياً ملكاً أو

стр. 247

يكون نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً (١). وكان ذلك تواضعاً منه. ولا ينفي هذا أنه- ﵌ كما كان مبلغاً عن الله ﵎، كان قائماً على الحكم والتنفيذ وإدارة الشؤون العامة، وتنظيم المجتمع، مما يسمى ملكاً نبوياً مستنداً إلى الوحي الإلهى؛ لأن التحيز راجع إلى حالته الشخصية الكريمة، فخير بين أن يكون لشخصه من مظاهر الملك مثل ما كان سليمان، أو لا تكون له تلك المظاهر، فاختار ألاّ تكون، وأن يكون مظهره مظهراً عادياً مثل مظهر العبد العادي. كما أن سليمان- ﷺ الذي كان ملكاً نبياً لم ينف عنه العبودية، وإنما ينفي عنه مظهرها العادي. فهما حالتان للقائمين على الملك جائزتان، كان على إحداهما سليمان، وعلى الأخرى محمد عليهما الصلاة والسلام. وحالة أفضل النبيين أفضل الحالتين. وقد اختار عمر ﵁ الفضلى، وأقر معاوية على الفاضلة الأخرى. ... ولما كان محمد ﷺ جاء بملك النبوة، كان القرآن العظيم جامعاً للأصول التي ينبنى عليها ذلك الملك، وجاء فيه مثل هذه الآيات التي نكتب عليها، ليبين صورة ملك النبوة، ومظهراً صادقاً من مظاهره فيما قصت علينا من ملك سليمان ﵇. وهي ثلاثون آية، من الآية الخامسة عشرة من سورة النمل، إلى الآية الرابعة والأربعين منها: الفصل الأول الآية الأولى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل: ١٥]. ﴿علمًا﴾ نوعاً عظيماً ممتازاً من العلم جمعا به بين الملك والنبوة، وقاما بأمر الحكم والهداية. ﴿وقالا﴾ قولهما متسبب وناشىء عن العلم، لكنه لو قيل: "فقالا" بالفاء، لما أفاد أن غير

стр. 248

القول تسبب منهما عن العلم. ولما عطف بالواو دل على أن هنالك أعمالًا كثيرة عظيمة كانت منهما في طاعة الله وشكره، نشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا. ﴿فضلنا﴾ أعطانا ما فقنا به غيرنا. ﴿على كثير﴾ فهنالك كثير لم يفضلا عليه ممن ساواهما أو فاقهما. ﴿من عباده المؤمنين﴾ ففضلا بين أهل الفضل، فكانا من أفضل الفاضلين، وذلك بما أعطيا من النبوة وملكها. المعنى: يخبرنا الله- تعالى- عما أعطى لهذين النبيين الكريمين من هذا الخير العظيم، وعما كان منهما من الشكر له، والمعرفة بعظيم قدر عطائه، وإظهار السرور به، مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه، ومن إعلانها ما كان لله عليهما من نعمة التفضيل العظيمة بحمده والثناء عليه. تنويه وتأصيل: قد ابتدأ الحديث عن الملك العظيم بذكر (العلم)، وقدمت النعمة به على سائر النعم، تنويهًا بشأن العلم، وتنبيهاً على أنه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدنيا والأخرى، وأنه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا، وأن الممالك إنما تنبني عليه وتشاد، وأن الملك إنما ينظم به ويساس، وأن كل ما لم يبن عليه فهو على شفا جرف هار، وأنه هو سياج المملكة ودرعها، وهو سلاحها الحقيقي، وبه دفاعها، وأن كل مملكة لم تحم به فهي عرضة للانقراض والانقضاض. إحماض (١): قال أبو الطيب المتنبي: أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيهِنَّ كَالْقُبَلِ نعم إن محبي الممالك الصادقين في محبتها، والذين تصلح لهم ويصلحون لها، هم الذين يستعذبون في سبيلها الموت، ويكون الطعن عندهم مثل القبل على ثغور الحسان. فأما الممالك التي تبنى على السيف فبالسيف تهدم، وما يشاد على القوة فبالقوة يؤخذ. وإنما أعلى الممالك وأثبتها ما بني على العلم، وحمي بالسيف. وإنما يبلغ السيف وطره ويؤثر أثره، إذا كان العلم من ورائه. ولكن أبا الطيب- شاعر الرجولة والبطولة، شاعر المعارك والمطامع- لا يرى أمامه إلاّ الحرب، وآلات الطعن والضرب فلا يمكن أن يقول- وقد غمرته لذة الانتصار، واستولت نشوة الغلب والظفر على لبه وخياله- إلاّ ما قال.

стр. 249

فقه وأدب: يجوز لمن أنعم الله عليه بنعمه وفضله بفضيلة أن يفرح بتلك النعمة ويظهر فرحه بها، في معرض حمد الله عليها، من حيث أنها كرامة من الله، لا من حيث أنها مزية من مزاياه فاق بها سواه، مثل فعل هذين النبيين الكريمين، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. وكثيراً ما يكون التفات المرء إلى نفسه حاجباً له عن غيره، فيذكر من شأنه ما أفرحه، ويسكت عن غيره، وفيهم من هو مثله ومن يفوقه، فقد يجر هذا إلى عجب بنفسه، وغمط لحق من عداه. فلهذا كان من أدب مقام الفرح بنعمة الله وحمده عليها، ذكر نعمته العامة عليه وعلى غيره، والإشارة إلى من فضلوا عليه؛ فيكبح من نفسه بتذكيرها بقصورها، ويرضي الله باعترافه لذي الفضل بفضله، وحكمة الله وعدله، وبوقوفه كواحد ممن أنعم عليهم من عباده. إرشاد وإشادة: أذكار الأنبياء- صلوات الله عليهم- من حمد وتسبيح وتهليل وغيرها أفضل الأذكار، وأجمعها وأسلمها. وقد اشتمل الكتاب العزيز على كثير منها. فعلى المسلم الحريص على الخير بها علماً وعملاً؛ فقد رأيت ما يحف بإظهار الفرح بنعمة الله من مخاطر إذا لم يتنبه لها، وقد جاء هذا الحمد النبوي محصلاً للقصد، سالماً من كل خطرة بعباراته الموزونة الشاملة، التي لا يصدر مثلها إلاّ منهم لكمال علمهم وأدبهم، عليهم الصلاة والسلام. الفصل الثاني الآية الثانية ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦]. (الإرث) انتقال ما كان للميت إلى الحي، فيقوم فيه الوارث مقام الموروث، سواء أكان مالاً أو ملكاً أو علماً أو مجداً. والمراد هنا الملك والنبوة. ﴿علمنا﴾ أعطينا العلم، ولم يذكر المعلم- وهو الله- للعلم به فإن هذا التعليم ليس من معتاد البشر، ولا من طرقهم.

стр. 250

﴿منطق الطير﴾ نطقها وهو تصويتها، وقد يطلق النطق على كل ما يصوت به الحيوان، فالحيوان ناطق، والجماد صامت. ﴿وأوتينا﴾ أعطينا، والنون في الفعلين للعظمة إذ هي حالته التي هو عليها. ﴿من كل شيء﴾ هو على معنى التكثير، أو على معنى العموم الحقيقي، فيما تقتضيه تلك العظمة، مما يؤتاه الأنبياء والملوك. ﴿الفضل﴾ الزيادة. ﴿المبين﴾ الظاهر الذي لا خفاء به. المعنى: قام سليمان مقام أبيه داود عليهما الصلاة والسلام، فكان في بني إسرائيل من بعد نبياً ملكاً. وأراد سليمان أن يشهر نعمة الله عليه وينوه بها ويدعو قومه إلى الإيمان به وطاعته؛ فدعا الناس وذكر لهم ما خصه الله به من علم منطق الطير، وعظائم الأمور، مما هو خارق للعادة معجز للبشر، آية على نبوته. وتحداهم بذلك الفضل الذي امتاز به عن جميع الناس، وهو مشاهد لهم لا يمكنهم إنكاره كما لا تمكنهم معارضته. فقه وتحقيق: من ميزة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أنهم يخرجون من الدنيا دون أن يعلقوا بشيء منها، فلا يورثون ديناراً ولا درهماً وإنما يورثون العلم. وفي الصحيح «إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (١). فلم يرث سليمان من داود مالاً، وإنما ورث ما نوه به من العلم والملك، وما دل عليه ذلك من النبوة، وقد خصصه الله بذلك دون بقية إخوته. تفرقة: الشيء الموروث إن كان من أمور الدنيا وأعراضها ومتناولات الأبدان ومتصرفاتها، فإنه ينتقل بذاته من الميت إلى الحي، وينقطع عنه ملك الميت. وما كان من صفات الروح فإنه لا يفارق الميت- لبقاء الروح- وإنما يقوم الحي مقام الميت في أداء ما كان يؤديه الميت من أعمال متصفاً بمثل ما كان متصفاً به الميت، متحلياً بمثل حليته.
следующие страницы →