← Тафсир

Тафсир · id 9532

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (416 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومن الأول أمر النى- ﵌ وعمه العباس- ﵁ أن يحبس أبا سفيان عند خطم (١) الجبل، حتى تمر عليه كتائب المسلمين؛ وذلك لإدخال الرعب على قلبه بما يرى من النظام والقوة. فحبسه العباس، فجعلت الكتائب تمر به، فيسأل العباس عن كل كتيبة، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان؟ حتى مرّ رسول الله- ﵌ في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلاّ الحدق (٢) من الحديد؛ فقال: من هؤلاء؛ فقال العباس: هذا رسول الله- ﵌ في المهاجرين والأنصار. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً. قال العباس: فقلت له: إنها النبوة، فقال: فنعم إذن. قصد أبو سفيان عظمة الملك القاهر التي كان يعرفها من الأكاسرة وأمثالهم، فنفى ذلك العباس ورده إلى النبوة، التي هي أصل تلك القوة، وذلك الملك النبوي المستند إلى الوحي الإلهي، ولم يرد نفي الملك جملة. ومنه (٣) ما كان من معاوية بالشام: لما قدم عليه عمر وجده في أبهة من الجند والعدة، فاستنكر ذلك، وقال له: أكسروية يا معاوية؟! فاعتذر معاوية بأنهم في ثغر تجاه العدو، وأنهم في حاجة إلى مباهاة العدو بزينة الحرب والجهاد، فسكت عمر وأقره. فذلك المظهر من مظاهر طبيعة الملك من حيث هو ملك، وإنما أنكره عمر لما خاف فيه من تعظم واستعلاء وإعجاب؛ فلما كان للحق والمصلحة أقره. ومن أقوى الأدلة على أن تلك المظاهر إذا كانت للحق والمصلحة فهي محمودة مطلوبة، ما قصه الله علينا في هذه الآيات عن ملك سليمان نبي الله ﵊. ... نعم في مسند أحمد أن النبي- ﵌ خير بين أن يكون نبياً ملكاً أو

стр. 247

يكون نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً (١). وكان ذلك تواضعاً منه. ولا ينفي هذا أنه- ﵌ كما كان مبلغاً عن الله ﵎، كان قائماً على الحكم والتنفيذ وإدارة الشؤون العامة، وتنظيم المجتمع، مما يسمى ملكاً نبوياً مستنداً إلى الوحي الإلهى؛ لأن التحيز راجع إلى حالته الشخصية الكريمة، فخير بين أن يكون لشخصه من مظاهر الملك مثل ما كان سليمان، أو لا تكون له تلك المظاهر، فاختار ألاّ تكون، وأن يكون مظهره مظهراً عادياً مثل مظهر العبد العادي. كما أن سليمان- ﷺ الذي كان ملكاً نبياً لم ينف عنه العبودية، وإنما ينفي عنه مظهرها العادي. فهما حالتان للقائمين على الملك جائزتان، كان على إحداهما سليمان، وعلى الأخرى محمد عليهما الصلاة والسلام. وحالة أفضل النبيين أفضل الحالتين. وقد اختار عمر ﵁ الفضلى، وأقر معاوية على الفاضلة الأخرى. ... ولما كان محمد ﷺ جاء بملك النبوة، كان القرآن العظيم جامعاً للأصول التي ينبنى عليها ذلك الملك، وجاء فيه مثل هذه الآيات التي نكتب عليها، ليبين صورة ملك النبوة، ومظهراً صادقاً من مظاهره فيما قصت علينا من ملك سليمان ﵇. وهي ثلاثون آية، من الآية الخامسة عشرة من سورة النمل، إلى الآية الرابعة والأربعين منها: الفصل الأول الآية الأولى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ [النمل: ١٥]. ﴿علمًا﴾ نوعاً عظيماً ممتازاً من العلم جمعا به بين الملك والنبوة، وقاما بأمر الحكم والهداية. ﴿وقالا﴾ قولهما متسبب وناشىء عن العلم، لكنه لو قيل: "فقالا" بالفاء، لما أفاد أن غير

стр. 248

القول تسبب منهما عن العلم. ولما عطف بالواو دل على أن هنالك أعمالًا كثيرة عظيمة كانت منهما في طاعة الله وشكره، نشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا. ﴿فضلنا﴾ أعطانا ما فقنا به غيرنا. ﴿على كثير﴾ فهنالك كثير لم يفضلا عليه ممن ساواهما أو فاقهما. ﴿من عباده المؤمنين﴾ ففضلا بين أهل الفضل، فكانا من أفضل الفاضلين، وذلك بما أعطيا من النبوة وملكها. المعنى: يخبرنا الله- تعالى- عما أعطى لهذين النبيين الكريمين من هذا الخير العظيم، وعما كان منهما من الشكر له، والمعرفة بعظيم قدر عطائه، وإظهار السرور به، مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه، ومن إعلانها ما كان لله عليهما من نعمة التفضيل العظيمة بحمده والثناء عليه. تنويه وتأصيل: قد ابتدأ الحديث عن الملك العظيم بذكر (العلم)، وقدمت النعمة به على سائر النعم، تنويهًا بشأن العلم، وتنبيهاً على أنه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدنيا والأخرى، وأنه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا، وأن الممالك إنما تنبني عليه وتشاد، وأن الملك إنما ينظم به ويساس، وأن كل ما لم يبن عليه فهو على شفا جرف هار، وأنه هو سياج المملكة ودرعها، وهو سلاحها الحقيقي، وبه دفاعها، وأن كل مملكة لم تحم به فهي عرضة للانقراض والانقضاض. إحماض (١): قال أبو الطيب المتنبي: أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيهِنَّ كَالْقُبَلِ نعم إن محبي الممالك الصادقين في محبتها، والذين تصلح لهم ويصلحون لها، هم الذين يستعذبون في سبيلها الموت، ويكون الطعن عندهم مثل القبل على ثغور الحسان. فأما الممالك التي تبنى على السيف فبالسيف تهدم، وما يشاد على القوة فبالقوة يؤخذ. وإنما أعلى الممالك وأثبتها ما بني على العلم، وحمي بالسيف. وإنما يبلغ السيف وطره ويؤثر أثره، إذا كان العلم من ورائه. ولكن أبا الطيب- شاعر الرجولة والبطولة، شاعر المعارك والمطامع- لا يرى أمامه إلاّ الحرب، وآلات الطعن والضرب فلا يمكن أن يقول- وقد غمرته لذة الانتصار، واستولت نشوة الغلب والظفر على لبه وخياله- إلاّ ما قال.

стр. 249

فقه وأدب: يجوز لمن أنعم الله عليه بنعمه وفضله بفضيلة أن يفرح بتلك النعمة ويظهر فرحه بها، في معرض حمد الله عليها، من حيث أنها كرامة من الله، لا من حيث أنها مزية من مزاياه فاق بها سواه، مثل فعل هذين النبيين الكريمين، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. وكثيراً ما يكون التفات المرء إلى نفسه حاجباً له عن غيره، فيذكر من شأنه ما أفرحه، ويسكت عن غيره، وفيهم من هو مثله ومن يفوقه، فقد يجر هذا إلى عجب بنفسه، وغمط لحق من عداه. فلهذا كان من أدب مقام الفرح بنعمة الله وحمده عليها، ذكر نعمته العامة عليه وعلى غيره، والإشارة إلى من فضلوا عليه؛ فيكبح من نفسه بتذكيرها بقصورها، ويرضي الله باعترافه لذي الفضل بفضله، وحكمة الله وعدله، وبوقوفه كواحد ممن أنعم عليهم من عباده. إرشاد وإشادة: أذكار الأنبياء- صلوات الله عليهم- من حمد وتسبيح وتهليل وغيرها أفضل الأذكار، وأجمعها وأسلمها. وقد اشتمل الكتاب العزيز على كثير منها. فعلى المسلم الحريص على الخير بها علماً وعملاً؛ فقد رأيت ما يحف بإظهار الفرح بنعمة الله من مخاطر إذا لم يتنبه لها، وقد جاء هذا الحمد النبوي محصلاً للقصد، سالماً من كل خطرة بعباراته الموزونة الشاملة، التي لا يصدر مثلها إلاّ منهم لكمال علمهم وأدبهم، عليهم الصلاة والسلام. الفصل الثاني الآية الثانية ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦]. (الإرث) انتقال ما كان للميت إلى الحي، فيقوم فيه الوارث مقام الموروث، سواء أكان مالاً أو ملكاً أو علماً أو مجداً. والمراد هنا الملك والنبوة. ﴿علمنا﴾ أعطينا العلم، ولم يذكر المعلم- وهو الله- للعلم به فإن هذا التعليم ليس من معتاد البشر، ولا من طرقهم.

стр. 250

﴿منطق الطير﴾ نطقها وهو تصويتها، وقد يطلق النطق على كل ما يصوت به الحيوان، فالحيوان ناطق، والجماد صامت. ﴿وأوتينا﴾ أعطينا، والنون في الفعلين للعظمة إذ هي حالته التي هو عليها. ﴿من كل شيء﴾ هو على معنى التكثير، أو على معنى العموم الحقيقي، فيما تقتضيه تلك العظمة، مما يؤتاه الأنبياء والملوك. ﴿الفضل﴾ الزيادة. ﴿المبين﴾ الظاهر الذي لا خفاء به. المعنى: قام سليمان مقام أبيه داود عليهما الصلاة والسلام، فكان في بني إسرائيل من بعد نبياً ملكاً. وأراد سليمان أن يشهر نعمة الله عليه وينوه بها ويدعو قومه إلى الإيمان به وطاعته؛ فدعا الناس وذكر لهم ما خصه الله به من علم منطق الطير، وعظائم الأمور، مما هو خارق للعادة معجز للبشر، آية على نبوته. وتحداهم بذلك الفضل الذي امتاز به عن جميع الناس، وهو مشاهد لهم لا يمكنهم إنكاره كما لا تمكنهم معارضته. فقه وتحقيق: من ميزة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أنهم يخرجون من الدنيا دون أن يعلقوا بشيء منها، فلا يورثون ديناراً ولا درهماً وإنما يورثون العلم. وفي الصحيح «إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (١). فلم يرث سليمان من داود مالاً، وإنما ورث ما نوه به من العلم والملك، وما دل عليه ذلك من النبوة، وقد خصصه الله بذلك دون بقية إخوته. تفرقة: الشيء الموروث إن كان من أمور الدنيا وأعراضها ومتناولات الأبدان ومتصرفاتها، فإنه ينتقل بذاته من الميت إلى الحي، وينقطع عنه ملك الميت. وما كان من صفات الروح فإنه لا يفارق الميت- لبقاء الروح- وإنما يقوم الحي مقام الميت في أداء ما كان يؤديه الميت من أعمال متصفاً بمثل ما كان متصفاً به الميت، متحلياً بمثل حليته.

стр. 251

فإرث سليمان للملك هو من المعنى الأول فداود بعد موته لم يبق ملكاً، وإرثه للعلم والنبوة هو من المعنى الثاني فداود بعد موته على علمه ونبوته. تفرقة أخرى: إذا كان الموروث مالاً فإنه يستحق بالقرابة شرعاً. وإذا كان علماً أو نبوة أو ملكاً فإنها لا تستحق بها. فلم يرث سليمان من داود ما ورثه منه لأنه ابنه، وإنما كان ذلك تفضلاً من الله ونعمة، ولهذا لما دعا سليمان الناس لم يذكر لهم أبوة داود، وإنما ذكر لهم ما كان به أهلاً لمقامه، مما خصه الله به من علم وقوة، ومظاهر الملك ومعجزة النبوة. عجائب الخلقة وحكمة العربية: للحيوانات كلها (١) فهم وإدراك وأصوات تدل بها على ما في نفسها، وتتفاهم بها أجناسها بعضها عن بعض. ومن تلك الأصوات ما يكون أخفى من أن يصل إليه سمعنا؛ ومنها ما نسمعه، ومما نسمعه ما نفهم مرادها به ومنه ما لا نفهمه، فلا نسمع صوت النملة ولكننا نسمع صوت الهرة- مثلاً- ونميز بين صوتها الذي تدل به على غضبها، وصوتها الذي تدل به على طلبها. وفي مملكة النمل ومملكة النحل- مثلاً- من النظام والترتيب والتقدير والتدبير، ما لا يبقى معه شك فيما لهذه الحيوانات من إدراك وتمييز، وما بينها من تفاهم، بل كثير من الحيوانات تصير بالترويض تفهم عنا كثيراً من العبارات والإشارات، وتأتي بالأعمال العجيبة طبق ما يراد منها وتدل عليه فهذا أصل ما بلغت إليه من إدراكها ونطقها اللذين أخبر بها القرآن. وتلك الغاية من الإدراك والنطق، لا سبيل لنا إليها لاختلاف الخلقة وجهل مدلولات الأصوات. وقد أدركها سليمان- ﵇ بتعليم من الله كرامة له، وآية على نبوته، ومعجزة للناس. فمن حكمة اللغة العربية الشريفة، أن سمت أصوات الحيوانات نطقاً، كما سمت- في المتعارف- اللفظ الذي يعبر به عما في الضمير نطقاً، لأن الأصوات لغير الإنسان تقوم مقام الألفاظ للإنسان، فهي طريق تفاهمها وطريق فهم ما يمكن للإنسان فهمه عنها. فلله هذه اللغة ما أعمق غورها! وما أدق تعبيرها. نظر وإيمان: قد شوهد بالعيان في أنواع من الحيوانات: حسن تدبيرها لأمر معاشها، ودقة سعيها في

стр. 252

جلب منافعها، ودفع مضارها، فمن الجائز أن يصل إدراكها بالفطرة إلى ما وراء ذلك من وجود خالقها ورازقها. وهذا هو الذي أخبرنا به القرآن في هذه الآيات من أمر النملة وأمر الهدهد الآتيين من بعد. فنحن مؤمنون لجوازه عقلاً، وثبوته سمعاً، مثل سائر السمعيات. تمييز: قد شارك الحيوان الإنسان في الإدراك والتمييز، وبلغ إدراكه إلى معرفة وجود خالقه ورازقه، ولكن الإنسان يمتاز عنه بقوة التحليل والتركيب لكل ما يصل إليه حسه وإدراكه، وتطبيق ذلك على كل ما تمتدّ إليه قدرته ويكون في متناول يده، فمن ذلك التركيب والتحليل والتطبيق تغلب على عناصر الطبيعة، وتمكن من ناصيتها، واستعمال حيوانها وجمادها في مصلحته، ورقي أطوار التقدم في حياته، ولفقدان الحيوان- غير الإنسان (١) - هذه القوة بقي في طور واحد من حياته ومعيشته. فإدراك الحيوان فطري إلهامي يعطاه من أول الخلقة، والإنسان يعطى أصل الإدراك الإجمالي، ثم بتلك القوة يتسع أفق إدراكه، ويستمر في درجات التقدم. وهذه القوة التي يمتاز بها الإنسان هي العقل، وهي التي ساد بها هذا العالم الفاني. توجيه: ذكر سليمان ﵇ منطق الطير، وهو قد علم منطق غير الطير أيضا فقد فهم نطق النملة، ذلك لأن الحيوانات- غير الإنسان- مراتب: الزاحفة، والماشية، والطائرة، وأشرفها الطائرة (٢)، فاقتصر على الطير تنبيهاً بالأعلى على الأدنى. تنزيه وتبيين: عبر سليمان ﵇ عن نفسه بنون العظمة، ونوه بذلك الفضل المبين، وما كان ﵇ ليتعظم بسلطان، ولا ليتطاول بفضل؛ فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- أشد الخلق تواضعا لله وأرحمهم بعباده. وإنما أراد تعظيم نعمة الله في عيون الناس، وتفخيم ملك النبوة في قلوب الرعية؛ ليملأ نفوسهم بالجلال والهيبة، فيدعوهم ذلك إلى الإيمان والطاعة، فينتظم الملك، ويهنأ العيش، وتمتد بهم أسباب السعادة إلى خير الدنيا والآخرة، وهذا هو الذي توخاه سليمان ﵇ من المصلحة بإظهار العظمة. ولذا لم يقل: "عَلمت". ولا:"لي" و"عندي كل شيء". ولم يقل"فضلي" فهو فضل من علمه وآتاه فضله به عمن سواه.

стр. 253

ترغيب وإقتداء: يذكر الله- تعالى- لنا في شأن هذا النبي الكريم ما أعطاه من علم، وما مكنه منه من عظيم الأشياء. ترغيباً لنا في طلب العلم، والسعي في تحصيل كل ما بنا حاجة إليه من أمور الدنيا. وتشويقاً لنا إلى ما في هذا الكون من عوالم الجماد، وعوالم الأحياء. وبعثا لهممنا على التحلي بأسباب العظمة من العلم والقوة. وحثاً لنا على تشييد الملك العظيم الفخم على سنن ملك النبوة. فقد كان سليمان ﵇ نبياً، وما كان ملكه ذلك إلاّ بإذن الله ورضاه، فهو فيما ذكره الله من أمره قدوة وأي قدوة مثل سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين. الفصل الثالث الآية الثالثة ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧]. (الحشر) الجمع من أماكن متفرقة. (جنوده) هم المنتظمون في سلك عسكريته، فجمعوا له عند الحاجة إليهم في سفر أراده. (يوزعون) يكفون عن الخروج عن النظام في السير، فيمنع أولهم من سبق آخرهم، وآخرهم من التأخر عن سابقهم، ويمنعون من الخروج عن الصفوف إلى اليمين أو الشمال، لأن وزعه عن الشيء معناه كفه عنه. وفي ترتيب الجنود في الذكر مراعاة الأقوى، وأعلاهم في ذلك الجن، ثم الإنس، ثم الطير. وفاعل (حشرهم) الأعوان الحاشرون. وفاعل (وزع) هم الضباط المنظمون. المعنى: كان لسليمان- ﵊ من الجن والإنس والطير جنود معينون معروفون يتركب منهم عسكره. يكونون متفرقين، فإذا عرض أمر جمعهم. وكان له أعوان يعرفون أولئك الجنود ويعرفون أماكنهم، فهم الذين يجمعونهم عند الحاجة إليهم.

стр. 254

فأراد سليمان أن يسافر، فأمر أعوانه بجمع الجنود فجمعوهم له. فلما اجتمعوا تولى رؤساؤهم تنظيمهم فساروا مع سليمان في كثرة ونظام، يتولى أولئك الرؤساء تنظيمهم في سيرهم ويمنعونهم من الخروج عن النظام. تفصيل: كما أن للإنس من يعرفهم من أعوان سليمان ومن ينظمهم من رؤسائهم، كذلك يكون للجن، وكذلك يكون للطير. وسلطة سليمان على الجن وتسخيره لهم وسلطته على الطير وفهمه لها وفهمها عنه معجزة له، وخصوصية ملك لم يَنْبَغِ لأحد من بعده!! تاريخ وقدرة: تفيدنا الآية صورة تامة لنظام الجندية في ملك سليمان. فقد كان الجنود يسرحون من الخدمة ويجمعون عند الحاجة. وكانت أعيانهم معروفة مضبوطة. وكانت لهم هيئة تعرفهم وتضبطهم وتجمعهم عند الحاجة. وكان لهم ضباط يتولون تنظيمهم. وكان النظام محكماً لضبط تلك الكثرة ومنعها من الاضطراب والاختلال والفوضى. تعرض علينا الآية هذه الصورة التاريخية والواقعية تعليما لنا، وتربية على الجندية المضبوطة المنظمة. ولا شك أن الخلفاء الأولين قد عملوا على ذلك في تنظيم جيوشهم، إنَّ مثل هذه الآية كان له الأثر البليغ السريع في نفوس العرب لما أسلموا. فسرعان ما تحولوا إلى جنود منظمة مما لم يكن معروفا عندهم في الجاهلية. وبقيت الآية على الدهر مذكرة لنا بأن النظام أساس كل مجتمع واجتماع، وأن القوة والكثرة وحدهما لا تغنيان بدون نظام، وأن النظام لا بد له من رجال أكفاء يقومون به ويحملون الجموع عليه، وأولئك هم الوازعون. طبيعة وشريعة: في عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان نجد الطبيعة- بصنع الله- تستخلص الأعلى من الأدنى، والأقوى من الأضعف، فتجد الممتاز من أصل الخلق وبانتخاب الطبيعة في هذه العوالم الثلاث، كما تجد الذهب في المعدن وتجد الزهر والثمر في النجم (١) والشجر، وتجد الملكة من النمل والنحل مثلاً.

стр. 255

فالإنسان لم يخرج عن هذا القانون الطبيعي. ففيه الممتازون الذين يحتاج إليهم النوع الإنساني في صلاح حاله ومآله. ومنهم الذين يتولون حكمه وتنظيمه في أممه ومجتمعاته وجماعاته؛ فالهيئة الحاكمة والأفراد المنظمون والقادة المسيرون من ضروريات المجتمع الإنساني ومقررات الشرع الإسلامي، مثل ما في هذه الآية من أمر الوازعين. ولما ولي الحسن البصري القضاء قال: «لا بد للسلطان من وزعة» أي أعوان يكفون الناس عن الشر والفساد، ويتولون تربيتهم وتنظيمهم. وفي رواية: «لا بد للناس من وازع» - أي كاف- يكف بعضهم عن بعض، وهو الحاكم وأعوانه. وفي حديث ذكره أهل الغريب: من يزع السلطان وعقابه الدنيوي أكثر ممن يكفهم عن الشر الوعد والوعيد في القرآن (١). وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]. الآية الرابعة ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ [النمل: ١٨]. ﴿أتوا على وادي النمل﴾ هبطوا إليه من مكان أعلى منه، وهو بالشام أو بالحجاز، لم تتوقف العبرة على تعيينه فلم يعين، وأضيف للنمل لكثرته فيه. ﴿نملة﴾ لفظها مؤنث، ومعناها محتمل مثل شاة وحمامة.

стр. 256

﴿مساكنكم﴾ هي قرى النمل التي يسكنها تحت وجه الأرض، المحكمة الوضع والتركيب والتقسيم. ولذلك قيل فيها: مساكن، ولم يقل غيران (١). ﴿لا يحطمنكم﴾ لا يكسرنكم بالحوافر والأقدام. ﴿لا يشعرون﴾ لا يحسون بوجودكم. الإتيان بـ"إذا" وجوابها، لإفادة أن قولها كان بسبب إتيانهم عند أول ما أتوا. ﴿لا يحطمنكم﴾ نهتهم عن أن يحطمهم، والحطم ليس من فعلهم حتى ينهوا عنه، وإنما المعنى: لا تكونوا خارج مساكنكم فيحطمكم، فنهتهم عن السبب، والمراد النهي عن السبب، لما في ذلك من الإيجاز المناسب لسرعة الإنذار لسرعة النجاة، ولما في ذكر المسبب- وهو الحطم- من التخويف الحامل على الإسراع إلى الدخول. والجملة مؤكدة للأولى فكأنها قالت: ادخلوا مساكنكم لا تبقوا خارجها. ونظير التركيب في التعبير بالمسبب عن المسبب: لا أرينك ههنا؛ أي لا تكن هنا فأراك. المعنى: سار سليمان ﷺ في تلك الجنود العظيمة يحيط به الإنس والجن وتظلّلهم الطير، حتى هبطوا على وادي النمل، فرأتهم كبيرة النمل وقائدته، فصاحت في بني جنسها، فنادتهم للتنبيه، وأرشدتهم إلى طريق النجاة: بأمرهم الدخول في مساكنهم، وحذرتهم من الهلاك بحطم سليمان وجنوده لهم عن [عدم]. (٢) شعور منهم، فلا يكون اللوم عليهم، وإنما اللوم على النمل إذْ (٣) لم يسرع بالدخول. عبرة وتعليم: عاطفة الجنسية غريزة طبيعية: فهذه النملة لم تهتم بنفسها فتنجو بمفردها. ولم ينسها هول ما رأت من عظمة ذلك الجند إنذار بني جنسها؛ إذ كانت تدرك بفطرتها أن لا حياة لها بدونهم، ولا نجاة لها إذا لم تنج معهم، فانذرتهم في أشد ساعات الخطر أبلغ الإنذار. ولم ينسها الخوف على نفسها وعلى بني جنسها من الخطر الداهم، أن تذكر عذر سليمان وجنده. فهذا يعلمنا أن لا حياة للشخص إلاّ بحياة قومه، ولا نجاة لهم إلاّ بنجاتهم، وأن لا خير لهم فيه إلاّ إذا شعر بأنه جزء منهم.

стр. 257

ومظهر هذا الشعور أن يحرص على خيرهم كما يحرص على نفسه، وألا يكون اهتمامه بها دون اهتمامه بهم. واجب القائد والزعيم: هذه النملة هي كبيرة النمل، فقد كان عندها من قوة الإحساس ما أدركت به الخطر قبل غيرها، فبادرت بالإنذار. فلا يصلح لقيادة الأمة وزعامتها إلاّ من كان عنده من بعد النظر، وصدق الحدس، وصائب الفراسة، وقوة الإدراك للأمور قبل وقوعها، ما يمتاز به عن غيره، ويكون سريع الإنذار بما يحس وما يتوقع. عظة بالغة: هذه نملة وفت لقومها، وأدت نحوهم واجبها!! فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو قومه؟! هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه، ولا يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهماً لقومه، فيسكت ويتعامى، ولمن يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم. آه ما أحوجنا- معشر المسلمين- إلى أمثال هذه النملة! الآية الخامسة ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩]. (التبسم) انفراج الشفتين على الأسنان، وقد يكون للغضب، وقد يكون للسخرية، وقد يكون للضحك، وهو الأكثر، وهو بدايته؛ ولهذا قيد بـ"ضاحكًا". ﴿أوزعني أن أشكر﴾ ألهمني شكر نعمتك. وتحقيقه في اللغة والتصريف، أنك تقول: وزعت الشيء أي كففته وأوزعني الله الشيء أي جعلني أزع ذلك الشيء أي أكفه. كما تقول: ركبت الفرس وأركبني زيد الفرس، أي جعلني أركبه، فأوزعني شكر نعمتك: أي اجعلني أزع أي أكف شكر نعمتك، أي أمنعه من أن يذهب عني وينفلت مني، فالمقصود: اجعلني ملازما لشكرك فلا أنفك لك شاكراً. ﴿نعمتك﴾ عام يشمل كل نعمة لله عليه وعلى والديه.

стр. 258

﴿وأن أعمل﴾ معطوف على ﴿أن أشكر﴾ فيقدر مثل تقديره. ﴿ترضاه﴾ وصف مؤكد وقد يكون للتقييد على ما سيأتي، لأن العمل الصالح يرضى عنه الله، وإنما ذكر الوصف؛ ليفيد أن رضى الله مقصود بالعمل الصالح. ﴿أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ اجعلني معهم. وأكمل الصالحين الأنبياء والمرسلون صلى الله وسلم عليهم أجمعين. وتحقيقه: أن الصالحين بما امتازوا به من كمال صاروا كأنهم في حمى خاص بهم، لا يدخل عليهم فيه إلاّ من كان مثلهم، فلهم مقامهم في الرفيق الأعلى، ولهم منازلهم في الجنة، ولهم ذكرهم الطيب عند الله وعند العباد. وهذه المنازل والمقامات لا يدخلها العبد إلاّ برحمة من الله بتيسير لأسبابها، وتفضل عظيم. المعنى: لما سمع سليمان- ﵊ كلام النملة تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ السرور والتعجب من قولها، وطلب من ربه- تعالى- أن يلهمه شكر ما أنعم به عليه وعلى والديه، وأن يلهمه عملاً صالحاً ينال به رضاه، وطلب منه تعالى أن يجعله في الصالحين، بأن يثبت اسمه بينهم، ويقرن ذكره بذكرهم، ويلحقه بهم، ويسكنه الجنة معهم، بما يغمره به من رحمته وفضله وإحسانه. توجيه: وصدور ذلك الإنذار البليغ من مثل تلك النملة في ضعفها وصغرها طريف مستظرف، ككل شيء يصدر من حيث لا ينتظر صدوره منه، فهذا مبعث تعجب سليمان ﷺ . وشهادة النملة له ولجنوده بأنهم لو وطئوا النمل لوطئوه عن غير شعور، فهم لرحمتهم وشفقتهم وارتباطهم بزمام التقوى وأخذهم بالعدل لا يتعمدون التعدي على أضعف المخلوقات العجماء. هذه الشهادة أدخلت السرور على سليمان ﷺ لما دلت عليه من ثبوت هذا الوصف العظيم له ولجنده، وظهوره منهم واشتهارهم به. كما بعث سروره شعوره بما آتاه الله من الملك العظيم والعلم الذي لم يؤته غيره، حتى فهم ما همست به النملة، وهي من الحكل (١) الذي ليس له صوت يستبان في حال من الأحوال. أدب من سرّته النعمة: نعم الله على العبد تدخل عليه السرور بجبلة الفطرة، والفرح بنعمة الله من الاعتراف بفضله والإكبار لنواله. ومن أدب العبد- حينئذ- أن يسأل الله التوفيق لشكر تلك النعمة بصرفها في الطاعة،

стр. 259

والتوفيق بشكرها، بما يقوم به من أعمال صالحة في رضى الله، كما فعل سليمان ﷺ . إذا أنعم الله على الأبوين بنعمة الإيمان والصلاح، فهي نعمة على ولدهما إذا اتبعهما، وتكون تلك النعمة من الله عليهما سيما في حسن تربيتهما له وتوجيهه في الوجهة الصالحة. كما أن نعمة الله على الولد هي نعمة على والديه فهو من أثرهما، ومثل حسناته في ميزانهما، لأنهما أصل ذلك وسببه، ويدعو له الناس، فيدعون لهما ويدعو هو لهما، وقد يؤذن له فيشفع لهما. فالنعمة على الوالد هي نعمة مزدوجة بينهما، ولهذا ذكر سليمان ﷺ نعمة الله على والديه مع نعمته عليه. الغاية المطلوبة: إن شعور العبد برضى الله عنه، هو أعظم لذة روحية تعجز عن تصويرها الألسن. وإحلال الرضوان على أهل الجنة أكبر من كل ما في الجنة من نعيم؛ فالغاية التي يسعى إليها الساعون ويعمل لها العاملون هي رضى الله. فالعمل الصالح ترتضيه العقول، وتستعذبه الفطر، ولكنه لا يفيد صاحبه إذا لم يبغ به مرضاة الله؛ ولهذا قال سليمان ﷺ : ﴿ترضاه﴾. جمع وتحقيق: قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. فأفاد أن الأعمال سبب في دخول الجنة. وفي هذه الآية: ﴿وأدخلني برحمتك﴾ فأفاد أن الدخول بالرحمة ولا منافاة ما بينهما. فالأعمال سبب شرعي لدخول الجنة، والهداية إليه والتوفيق فيه وقبوله هو رحمة من الله جزاء؛ لأنه لا ينتفع به؛ إذ هو الغني عن خلقه، وإنما تفضل فجعله سبباً في نيل ثوابه، ثم تفضل فجعل الجزاء مضاعفاً إلى عشرة أضعاف كثيرة، إلى الموفي للصابرين أجرهم بغير حساب. دقيقة روحية: إن الأرواح النورانية الطاهرة السامية لا لذة لها حقيقية في هذا العالم الفاني المادي المنحط، وإنما لذتها الحقيقية في عالمها العالي الأقدس، وفي الرفيق الأعلى الأطهر، وفي معاشرة أمثالها من النفوس الطيبة الزكية، في ذلك القدس الأسنى، فهي دائمة الشوق إليه، والانجذاب نحوه. ولذا كان من دعوات الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- الدخول في الصالحين واللحوق بهم؛ مثل قول سليمان هنا، وقول إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]. وقول يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٥١]. وفقنا الله لشكر ما مَنَّ به من سابق النعمة، وللقيام فيما بقي من العمر بواجب الخدمة، وختم لنا باللحوق بعباده الصالحين آمين.

стр. 260

الفصل الرابع الآية السادسة ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)﴾ [النمل: ٢٠]. ﴿تفقد﴾ التفقد تطلبك ما فقدته وغاب عنك، وتعرفك أحواله. ﴿لا أرى﴾ لا أبصر. ﴿الهدهد﴾، هو (تبيب) وهو طائر صغير الجرم منتن الريح ليس من كرام الطير، ولا من سباعها. ﴿ما لي لا أرى﴾؟ استفهم عما حصل له فمنعه من الرؤية، حيث ظن أولًا أن الهدهد كان حاضراً، وإنما هو لم يره. ﴿أم كان من الغائبين﴾؛ استفهم عن غيبته حيث ظن ثانياً أنه غائب فاستفهم عن صحة ما ظن، فكلمة أم فيها إضراب، وفيها استفهام، فأضرب إضراب انتقال من ظن إلى ظن. ﴿كان من الغائبين﴾؛ تعريض بقبح فعله، لما انحط عن شرف الحضور، وكان من الغائبين. المعنى: تطلب سليمان- ﵇ معرفة ما غاب عنه من أحوال الطير فلم ير الهدهد، وأخذ يتساءل فظن أن شيئاً ستره عنه فلم يره، ولما لم يكن شيء من ذلك، ظن أنه كان غائباً غير حاضر، وذلك هو الظن الأخير الذي حصل به اليقين. تعليم وقدوة: من حق الرعية على راعيها أن يتفقدها، ويتعرف أحوالها؛ إذ هو مسؤول عن الجليل والدقيق منها. يباشر بنفسه ما استطاع مباشرته منها، ويضع الوسائل التي تطلعه على ما غاب عليه منها. وينيط بأهل الخبرة والمقدرة والأمانة تفقد أحوالها حتى تكون أحوال كل ناحية معروفة مباشرة لمن كلف بها. فهذا سليمان على عظمة ملكه واتساع جيشه وكثرة أتباعه، قد تولى التفقد بنفسه، ولم يهمل أمر الهدهد على صغره وصغر مكانه.

стр. 261

وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «لو أن سخلة (١) بشاطىء الفرات يأخذها الذئب ليسأل عنها عمر». وهذا التفقد والتعرف هو على كل راع في الأمم والجماعات والأسر والرفاق وكل من كانت له رعية. تعليل وتحرير: تفقد سليمان جنس ما معه من الطير للتعرف كما ذكرنا، وذِكْرُ الطير هو الذي تعلقت به القصة، وليس في السكوت عن غير الطير ما يدل على أنه لم يتفقده. فالتفقد لم يكن للهدهد بخصوصه، وإنما لما تفقد جنس الطير فقده ولم يجده، فقال ما قال. فلا وجه لسؤال من سأل: كيف تفقد الهدهد من بين سائر الطير. تدقيق لغوي وغوص علمي: سأل سليمان عن حال نفسه، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ ولم يسأل عن حال الهدهد فيقل: ما للهدهد لا أراه؛ فأنكر حال نفسه قبل أن ينكر حال غيره. فنقل الحافظ الإمام ابن العربي عن الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري شيخ الصوفية في زمانه قال: «إنما قال ما لي لا أرى لأنه اعتبر حال نفسه إذ علم أنه أوتي الملك العظيم، وسخر له الخلق، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العمل، فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصر في حق الشكر فلأجله سلبها؛ فجعل يتفقد نفسه، فقال: ما لي». وكذلك تفعل شيوخ الصوفية إذا فقدوا آمالهم تفقدوا أعمالهم. هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض؟! توجيه: مثل هذه المعاني الدقيقة القرآنية الجليلة النفيسة من مثل هذا الإمام الجليل من أجل علوم القرآن وذخائره. إذ هي معاني صحيحة في نفسها. ومأخوذه من التركيب القرآني أخذاً عربياً صحيحاً. ولها ما يشهد لها من أدلة الشرع. وكل ما استجمع هذه الشروط الثلاثة فهو صحيح مقبول.

стр. 262

ومنه فهم عمر وابن عباس- ﵄ أجل رسول الله- ﵌ من سورة النصر (١). أما ما لم تتوفر فيه الشروط المذكورة، وخصوصاً الأول والثاني؛ فهو الذي لا يجوز في تفسير كلام الله، وهو كثير في التفاسير المنسوبة لبعض الصوفية: كتفسير ابن عبد الرحمن السلمي من المتقدمين، والتفسير المنسوب لابن عربي من المتأخرين. الآية السابعة ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ [النمل: ٢١]. ﴿عذاباً شديداً﴾ بنتف ريشه، هكذا فسره ابن عباس وجماعة من التابعين (٢). ﴿بسلطان مبين﴾ بحجة قاطعة توضح عذره في غيبته. سميت الحجة سلطاناً لما لها من السلطة على العقل في إخضاعه. أفادت "أو" أن المحلوف على حصوله هو أحد الثلاثة، فإذا حصلت الحجة فلا تعذيب ولا ذبح، ولو لم تحصل لفعل أحدهما. وقدم التعذيب لأنه أشد من القتل، وحالة الغضب تقتضي تقديم الأشد. المعنى: يقسم سليمان على معاقبة الهدهد- وقد تحقق غيبته- بالتعذيب أو بالذبح، إذا (٣) لم يأته بالحجة التي تبين عذره في تلك الغيبة، ولا يستثني للعفو ولا يجعل سبباً لسلامته من العقوبة إلاّ الحجة.

стр. 263

توجيه واستنباط: ليس في الآية ما يفهم خصوص نتف الريش من لفظ العذاب الشديد، وإنما فهم ابن عباس- ﵁ وأئمة من التابعين ذلك بالنظر العقلي والاعتبار؛ فإن نتف ريشه يعطل خاصية الطيران فيه، فيتحول من حياة الطير إلى حياة دواب الأرض، وذلك نوع من المسخ، وقد علم أن المسخ في القرآن أشنع عقوبة في الدنيا، فلهذا فسروا العذاب الشديد بنتف الريش. والإنسان خاصيته التفكير في أفق العلم الواسع الرحيب، فمن حرم إنساناً- فرداً أو جماعة- من العلم فقد حرمه من خصوصية الإنسانية، وحوله إلى عيشة العجماوات، وذلك نوع من المسخ، فهو عذاب شديد، وأي عذاب شديد؟! كان هذا الهدهد من جنود سليمان التي حشرت له، وقد كان في مكانه الذي عين له وأقيم فيه، فلما فارق وترك الفرجة في صفه وأوقع الخلل في جنسه استحق العقاب الصارم الذي لا هوادة فيه. وهذا أصل في صرامة أحكام الجندية وشدتها؛ لعظم المسؤولية التي تحملتها وتوقف سلامة الجميع على قيامها بها، وعظم الخطر الذي يعم الجميع إذا أخلت بها. تقدير العقوبة: جرم الهدهد صغير، وما كلف إلاّ بما يستطيعه من الوقوف في مكانه والبقاء في مركزه، ولكن جرمه بإخلاله بهذا الواجب كان جرماً كبيراً؛ فإن الخلل الصغير مجلبة للخلل الكبير، فقدرت عقوبته على حسب كبر ذنبه لا على حسب صغر ذاته. تنبيه وإرشاد: كل واحد في قومه أو في جماعته هو المسؤول عنهم من ناحيته، مما يقوم به من عمل حسب كفاءته واستطاعته، فعليه أن يحفظ مركزه ولا يدع الخطر يدخل، ولا الخلل يقع من جهته؛ فإنه إذا قصر في ذلك وترك مكانه فتح ثغرة الفساد على قومه وجماعته، وأوجد السبيل لتسرب الهلاك إليهم. وزوال حجر صغير من السد المقام لصد السيل يفضي إلى خراب السد بتمامه. فإخلال أي أحد بمركزه- ولو كان أصغر المراكز- مؤد إلى الضرر العام. وثبات كل واحد في مركزه وقيامه بحراسته هو مظهر النظام والتضامن وهما أساس القوة. الحق فوق كل أحد: لقد أغضب سليمان غياب الهدهد، فلذا توعده هذا الوعيد، وأكده هذا التأكيد، ولكن سلطان سليمان في قوته وملكه ومكانته يجب أن يخضع لسلطان آخر هو أعظم من سلطانه: هو سلطان الحق، والحق فوق كل أحد، وملك سليمان ملك حق، فلا بد له من الخضوع لسلطان الحجة، ليقيم ميزان العدل، والعدل أساس الملك، وسياج العمران. اهـ.

стр. 264

الفصل الخامس الآية الثامنة ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ [النمل: ٢٢]. ﴿مكث﴾ أقام. وقرأ عاصم بفتح الكاف. ﴿غير﴾ صفة زمان محذوف فالتقدير زماناً غير بعيد. فاعل (مكث) هو الهدهد مثل فاعل قال الآتي. ﴿أحطت﴾، الإحاطة بالشيء، عقلياً هي العلم به من جميع نواحيه. ﴿سبأ﴾ اسم مدينة باليمن، سميت باسم سبأ جد العرب اليمانية حمير وغيرها، وصرفه الجمهور على اعتبار المكان، ومنه من الصرف المكي والبصري على اعتبار البلدة (١). ﴿بنبأ﴾ النبأ الخبر الذي له شأن وخطورة. و (اليقين) المحقق؛ جعله نفس اليقين مبالغة في تحققه. وفي الكلام إيجاز بالحذف إذ المعنى: فجاء الهدهد فسأله سليمان ﵇ عن سبب مغيبه فقال: ... المعنى: لم تطل غيبة الهدهد عن مركزه في جنود سليمان، فلم يلبث في غيبته إلاّ زماناً قصيراً، وكان سؤال سليمان عن غيبته فور رجوعه، فأسرع بالجواب والاعتذار عن الغيبة، والدفاع عن نفسه، فقال: اطلعت على شيء لم تطلع أنت عليه، وعرفته من جميع نواحيه، وقد أتيتك من بلدة سبأ بخبر خطير، ذي شأن عظيم تيقنته غاية اليقين. توجيه واستنباط: كان في جواب الهدهد حجة بينة لسبب غيابه، وذلك لأنه لم يذهب عابثاً، ولا لغرض خاص به، وإنما ذهب مستطلعاً مكتشفاً، فحصَّل علماً، وجاء بخبر عظيم في زمن قصير، فرجحت هذه الفوائد العظيمة بتركه لمركزه في الجند فسقطت عنه المؤاخذة. فإن قيل: إن أصل مفارقته لمركزه دون استئذان كان مخالفة يستوجب عليها العقوبة؟

стр. 265

فالجواب أن هذه المخالفة كانت لقصد حسن وهو الاستطلاع، وأثمرت خيراً، فاستحق العفو عن تلك المخالفة التي كانت عن نظر، ولم تكن عن تهاون وانتهاك للحرمة. فإن قيل: ما الذي أوقع في نفس الهدهد رغبته في طلب ما طلب؟ فالجواب: أنه يجوز أن يكون قد مر باليمن من مكان بعيد ببصره الحاد، فرغب في المعرفة، أو أن يكون قد مر باليمن من قبل، ولم يتحقق من حالها فأراد أن يتحقق. وهذه الآية مأخذ من مآخذ الأصل القائل: إن المخالف للأمر عن غير انتهاك للحرمة لا يؤاخذ بتلك المخالفة. ومن فروع هذا الأصل سقوط الكفارة عمن أفطر رمضان متعمِّدًا (١) متأولاً تأويلاً قريباً. عزة العلم وسلطانه: ابتدأ الهدهد جوابه معتزاً بما أحاط به من العلم، متجملاً بما حصل منه، مظهراً لارتفاع منزلته به، متحصناً به من العقاب. ولم تمنعه عظمة سليمان- ﵇ من إظهار علمه وإعلان اختصاصه به دون سليمان. أدب وإقتداء: قد سمع سليمان هذا الهدهد وأقره عليه، فللصغير أن يقول للكبير وللحقير أن يقول للجليل: علمت ما لم تعلم، وعندي ما ليس عندك؛ إِذا كان من ذلك على يقين، وكان لقصد صحيح. ومن أدب من قيل له ذلك ولو كان كبيراً جليلاً أن يتقبل ذلك، ولا يبادر برده، وعليه أن ينظر فيه ليعرف مقدار صدق قائده فيقبله أو يرده بعد النظر والتأمل؛ إذ قد يكون في أصغر مخلوقات الله وأحقرها من يحيط علماً بما لم يحط مثل سليمان- ﵇ في علمه وحكمته، واتساع مدركاته. وكفى بمثل هذا زاجراً لكل ذي علم عن الإعجاب بعلمه، والاعزاز بسعة اطلاعه، والترفع عن الاستفادة ممن دونه. مدرك عقيدة: لا يعلم أحد من الأنبياء- ﵈ شيئاً مما غاب عنه إلاّ بإعلام الله، فليس لهم كشف عام عن جميع ما في الكون، وإنما يعلمون منه ما أطلعهم الله عليه. ومن مدارك ذلك هذه القصة: فإن سليمان ﵇، لم يكن يعلم من مملكة سبأ شيئاً حتى أطلعه الله عليه بواسطة الهدهد.

стр. 266

وإذا كان هذا حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فغيرهم من عباد الله الصالحين من باب أحرى وأولى. تحقيق تاريخي: رويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست على شيء من الصحة، ومعظمها من الإسرائيليات الباطلة التي امتلأت بها كتب التفسير، مما تلقى من غير تثبت ولا تمحيص، من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، وروى شيئاً من ذلك الحاكم في مستدركه، وصرح الذهبي ببطلانه. ومن هذه المبالغات الباطلة أنه ملك الأرض كلها مشارقها ومغاربها، فهذه مملكة عظيمة بسبأ كانت مستقلة عنه، ومجهولة لديه، على قرب ما بين عاصمتها باليمن وعاصمته بالشام. الفصل السادس الآية التاسعة ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣]. ﴿وجدت﴾ أصبت ﴿امرأة﴾ هي بلقيس بإجماع المفسرين والمؤرخين. ﴿تملكهم﴾ تتولى أمرهم ملكة عليهم. وعبر بالمضارع تصويراً للحال العجيب وهو أن تتولى ملكهم امرأة. وعاد الضمير على سبأ ضمير جمع مذكر (١) على معنى القوم، إذ كانوا يسمون باسم أبيهم، فذكر لفظ سبأ أولًا بمعنى المدينة (٢) وأعيد عليه الضمير بمعنى القوم على أسلوب الاستخدام. ﴿من كل شيء﴾ لفظ عام أريد به كل ما تحتاج إليه، من أشياء الملك والسلطان والقوة والعمران. ﴿عرش﴾ هو سرير الملك الذي تجلس عليه ﴿عظيم﴾ في كبره وقوته وحسنه. المعنى: يقول الهدهد لسليمان- ﵊ مبيناً الخبر العظيم الذي جاء به: إني وجدت أولئك القوم الذين يسكنون تلك المدينة، قد جعلوا امرأة ملكة عليهم، وقد

стр. 267

أعطيت تلك الملكة كل ما تحتاج إليه (١) في نظام ملكها وعظمته، ومن مظاهر تلك العظمة السرير العظيم الذي تجلس عليه بين أهل مملكتها. عظمة المملكة العربية اليمنية: كانت بلقيس ملكة على اليمن، في منتصف القرن العاشر قبل الميلاد. وقد كانت ملكة عظيمة على مملكة عظيمة راقية. والهدهد الذي شاهد ملك سليمان وعظمته، قد استعظم ملكها وعرشها، وعظمة العرش عنوان عظمة الملك، فلذا خصصه الهدهد بالذكر، ورغب سليمان في الإتيان به. تفوق العرب على الإسرائيليين: كل ذلك الرقي وتلك العظمة بلغتها المملكة العربية اليمنية بنفسها، من تفكيرها وعملها من قرون بعيدة. فأما الإسرائيليون- وهم إذ ذاك في القرن الخامس من تاريخهم- فإنهم لم يبلغوا في ذلك العهد إلى شيء من ذلك. وما كان لسليمان من بناءات ومنشآت فهو مما صنعته له الجن والشياطين، كما جاء في آيات من القرآن عديدة. ولم يترك بنو إسرائيل من الآثار ما يدل على شيء ذي بال من الفن والقوة. فأما ما تركته اليمن فهو شيء كثير قائم مشاهد والاكتشافات ما زالت تظهر منه شيئاً فشيئاً. ولاية المرأة الملك: ثبت عن النبي- ﵌ أنه قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٢). قاله لما بلغه أن الفرس ملكوا عليهم امرأة، فاقتضى هذا ألا تلي المرأة ولاية ولا إمارة ولا قضاء. وأيدت هذا النص الصحيح السنة العملية، فأخذ به جمهور أئمة الإسلام، وجاءت روايات عليلة عن بعضهم، لم يلتفت إليها، ولم يعمل بها. تعليل: لا تصلح المرأة للولاية.

стр. 268

من ناحية خلقتها النفسية، فقد أعطيت من الرقة والعطف والرأفة ما أضعف فيها الحزم والصرامة اللازمين للولاية. وفي اشتغالها بالولاية إخلال بوظيفتها الطبيعية الاجتماعية التي لا يقوم مقامها فيها سواها وهي القيام على مملكة البيت، وتدبير شؤونه، وحفظ النسل، بالاعتناء بالحمل والولادة وتربية الأولاد. دفع اعتراض: في تواريخ الأمم نساء تولين الملك، ومن المشهورات في الأمم الإسلامية: شجرة الدر في العصر الأيوبي، ومنهن من قضت آخر حياتها في الملك، وازدهر ملك قومها في عهدها. فما معنى نفي الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة؟ هذا اعتراض بأمر واقع، ولكنه لا يرد علينا. لأن الفلاح المنفي هو الفلاح في لسان الشرع، وهو تحصيل خير الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ازدهار الملك أن يكون القوم في مرضاة الله، ومن لم يكن في طاعة الله فليس من المفلحين، ولو كان في أحسن حال فيما يبدو من أمر دنياه. على أن أكثر من ولوا أمرهم امرأة من الأمم إذا قابلهم مثلهم، كانت عاقبتهم أن يغلبوا. الآية العاشرة ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ [النمل: ٢٤]. ﴿من دون الله﴾ تجاوزوا عبادة الله إلى عبادة الشمس. ﴿زين﴾ حسن، ﴿أعمالهم﴾ سجودهم للشمس وغيره من أعمال كفرهم. ﴿فصدهم﴾ صرفهم صرفاً شديداً. ﴿السبيل﴾ هو الطريق الوحيد المعهود للنجاة وهو توحيد الله. ﴿لا يهتدون﴾ لا يكون منهم سلوك في طريق الحق والسداد. جملة ﴿وجدتها﴾ مستأنفة للبيان جواباً على تقدير سؤال فالكلام السابق بين حالتها من ناحية الدنيا، فتشوقت نفس السامع إلى معرفة حالتها من ناحية الدين. وعدم اهتدائهم مسبب عن صد الشيطان لهم، وصده مسبب عن تزييفه لأعمالهم، هذا ما تفيده (الفاء) (١).

стр. 269

المعنى: وجدتها وقومها مجوساً يعبدون الشمس فيسجدون لها، ولا يسجدون لله. وقد تمكن الشيطان منهم فحسن في أعينهم أعمالهم، فصرفهم عن عبادة الله وتوحيده، مع ظهور الدلائل ووضوح الآيات؛ فثبتوا على ضلالهم: لا يكون منهم اهتداء لطريق النجاة الظاهر، في حال من الأحوال. سلاح الشيطان وأصل الضلال: محبة الإنسان نفسه غريزة من غرائزه، وهو محتاج إليها ليجلب لنفسه حاجتها ويدفع عنها ما يضر بها، ويسعى في تكميلها. هذه هي الناحية النافعة والمفيدة من هذه الغريزة. ولكنها من جهة أخرى هي مدخل من أعظم مداخل الشيطان على الإنسان، فيحسن له أعماله، وهو لمحبة نفسه يحب أعماله ويغتر بها؛ فيذهب مع هواه في تلك الأعمال على غير هدى ولا بيان، فيهلك هلاكاً بعيداً. فاستحسان المرء لأعماله هو أصل ضلاله، وتزيين الشيطان لتلك الأعمال هو أحد أسلحة الشيطان. الوقاية: فعلى المرأ أن يتهم نفسه في كل ما تدعوه إليه، وأن يزن جميع أعماله بميزان الشرع الدقيق، خصوصاً ماتشتد رغبته فيه، ويعظم حسنه في عينيه. الآية الحادية عشرة ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ [النمل: ٢٥]. ﴿ألا يسجدوا﴾ عدم سجودهم، فـ"أنْ" مصدرية، و"لا" نافية، وهو بدل بعض من أعمالهم خصص بالذكر لأنه أصل كفرهم ومبعث فساد أعمالهم. ﴿الخبء﴾ الشيء المخبوء، فَعْل بمعنى مفعول، يقال: خبأت الشيء أخبؤه خبأً، بمعنى: سترته عن العيون. فالخبء يشمل كل ما احتوته السموات والأرض مما يبرزه الله للخلق لمنفعتهم فتشاهده العيون مثل المطر والنبات، أو تدركه العقول، مثل بدائع الخلق، ودقائق الصنع.

стр. 270

ومنه ما يكشفه الله لعلماء الأكوان من أسرار الخلقة عندما يستعملون عقولهم ووسائلهم العلمية، فيأتون بما فيه نفع للعباد ورقي للعمران. (ما يخفون) ما يكتمون في أنفسهم أو عن غيرهم. (ويعلنون) يظهرون للناس. المعنى: زين لهم الشيطان من أعمالهم على الخصوص عدم سجودهم لله، الذي أقام عليهم الحجة، بما يخرجه لهم من الخيرات المختبئات في السموات والأرض: من أمطار السماء، ونبات الأرض، مما يدل على عظيم قدرته، ولطف علمه الذي أحاط بما ببواطن الأشياء وظواهرها، وبما تنطوي عليه السرائر، أو تواريه الستائر، وبما هو ظاهر للعموم. إستدلال وتوجيه: السجود مظهر لغاية الذل والخضوع والانقياد والاستسلام، وتلك أصل العبادة. ولا يستحقها من العبد إلاّ من هو- حقيقة- المنعم الغني الكامل القوي، وما هو إلاّ خالقه؛ فاستدل على استحقاق الله السجود دون غيره، بما ذكر من إخراجه الخبء، ويشمل علمه لما خفي وما علن. وذلك متضمن لكماله وإنعامه وشمول علمه وعموم سلطانه. ... انبنى على أن السجود عبادة، ولا يستحقها إلاّ الخالق تحريم السجود للمخلوق، فلا يجوز أن يعظم به أحد أحداً، ولو لم يقصد به العبادة. أما إذا قصد به العبادة فهو الكفر البواح. تحذير: كثيراً ما رأينا في الرسوم التي تنشرها الصحف أناساً من المسلمين راكعين، أو مقاربين للسجود لذي سلطان. فعلى المسلم أن يحذر من ذلك فلا يفعله، ولا ينحني لأحد من الخلق، وأن ينكره إذا رآه. تشويق القرآن إلى علوم الأكوان: من أساليب الهداية القرآنية إلى العلوم الكونية، أن يعرض علينا القرآن صوراً من العالم العلوي والسفلي، في بيان بديع جذاب، يشوقنا إلى التأمل فيها، والعمق في أسرارها. وهنا يذكر لنا ما خبأه في السموات والأرض لنشتاق إليه، وننبعث في البحث عنه، واستجلاء حقائقه، ومنافعه؛ بدافع غريزة حب الاستطلاع، ومعرفة المجهول. وبمثل هذا انبعث أسلافنا في خدمة العلم، واستثمار ما في الكون، إلى أقصى ما استطاعوا، ومهدوا بذلك السبيل لمن جاء بعدهم.

стр. 271

ولن نعز عزهم إلاّ إذا فهمنا الدين فهمهم وخدمنا العلم خدمتهم. ترتيب في الاستدلال: إخراج الخبء لا يكون إلاّ من العالم بذلك الخبء، الذي أحاط علمه به في حال ستره، وفي حال ظهوره، فيدل ذلك على شمول علمه لما ظهر وما بطن، ومنه ما يخفون وما يعلنون، ولذلك عطفه عليه؛ لترتبه عليه، ترتب المدلول على دليله. الآية الثانية عشرة ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢٦]. ﴿العرش﴾ مخلوق عظيم من عالم الغيب، أعظم من السموات والأرض. الموصوف بتلك الصفات، والمنعم بتلك الإنعامات، المستحق للسجود منهم- وقد زين لهم الشيطان عدم السجود له- هو الله الذي لا معبود غيره، ولا يستحق العبادة سواه؛ خالق المخلوقات كلها، والمالك لها، والمدبر لأمرها، والمتصرف فيها، من أصغر مخلوق إلى أعظم مخلوق، وهو عرشه العظيم، الذي فاق كل ما نرى من عالم الشهادة. توجيه الترتيب: لما ذكر استحقاقه للعبادة بكمالاته وإنعاماته، ذكر أن لا مستحق للعبادة غيره، إذ لا يشاركه في تلك الكمالات والإنعامات سواه؛ فكأن الجملة كالنتيجة لما قبلها. ولما ذكر وحدانيته في الألوهية فلا يعبد سواه، ذكر وحدانيته في الربوبية، بانفراده بالخلق والملك والتصرف والتدبر لهذا المخلوق العظيم، ونبه به على ما دونه من المخلوقات. ولما كان الحديث على عظمة ملك العباد: ملك النبوة وغيره، ذكر عظمة ملك الله، التي تصغر إزاءها كل عظمة. قد يتماتل اللفظان، ولكن يجب أن يعبر كل واحد بمعنى لائق بالمقام الذي قيل فيه. فلقد جاء في حق سليمان ﵇: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، ووصف الهدهد بلقيس بأنها ﴿أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:].٢٣، ولما كان المتحدث عنه أولًا هو سليمان، فكل شيء يعم ما يحتاج إليه من أمر النبوة وملك النبوة. كما أنه قد قال عنها: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وقال عن الله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، النمل: ٨٦]. فعرش عظيم بين عروش الملوك.

стр. 272

وعرش الله عظمته أعظم من السموات والأرض. وهكذا لا بد من اعتبار المقام في فهم الكلام. للعبرة والقدرة: قد ألهم الله الحيوانات إلى ما قد يخفى عن بعض العقلاء، مضى منا كلام عن هذا فيما تقدم من هذه الآيات الكريمة. وهذا الهدهد بين الهداهد (١)، فله إلهام خاص، يقتضيه تخصيصه بهذا الموقف، واتصاله بسليمان ﵇، وزمن الأنبياء زمن خرق العوائد، وظهور الآيات. وقد كان في حسن بيانه، وترتيب أخباره، وبديع تهديه، عبارة بالغة لأولي الألباب. فقد تحصن بالعلم، ونوه بالنبأ المتيقن، وفصل النبأ فشرح حاليها الدنيوية والدينية، وتنقل من تشويق إلى تشويق أبلغ منه. فكان متثبتاً فيما أخبر، بارعاً فيما صور، مستدلاً فيما قرر، وفيما أنكر، بصيراً بكيد الشيطان للإنسان، متفطناً للأنبياء الضلالات بعضها على بعض، خبيراً بترتيب الأدلة وحسن الاستنتاج. وفيما ذكر الله لنا من هذه العبر البالغة من هذا الحيوان الأعجم حث لنا على- أن نسلك- عندما نخبر ونبين، أو نبحث وننظر، أو نستدل ونرتب ونعلل- أن نسلك هذا المسلك. وإذا كان الله- تعالى- قد بعث غرابًا، ليتعلم منه ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه (٢)، فكذلك ذكر لنا أمر هذه الهدهد الممتاز بين الهداهد لنقتدي به، تنبيهاً لنا على أخذ العلم من كل أحد، والاستفادة من كل مخلوق، والشعور دائماً بالنقص للسلامة من شر أدواء الإنسان: العجب، والكبر، والغرور ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. لمحة نفيسة: الظواهر دلائل البواطن: فالمرء يعرف من سبحات (٣) وجهه، وفلتات لسانه. وكثيراً ما تدل كلماته على مهنته أو فكرته وعقيدته، كما تدل هيئته أو لبسته وشمائله. وما يباشره المرء تنطبع به نفسه، ويصطبغ خياله، فيجري على لسانه في تشبيهاته وتمثيلاته وفنون قوله، فقد تختلف العبارات عن شيء واحد في وقت واحد باختلاف نفسيات المتكلمين عليه.

стр. 273

وقد عرف الهدهد بين الطيور بثقوب البصر، والاهتداء إلى الماء في جوف الأرض، خصوصاً هدهد سليمان الممتاز بين الهداهد، فلما استدل ذكر من صنع الله ما هو أقرب إليه، وأغلب عليه، وهو إخراج الخبء الذي منه الماء المخبوء في جوف الأرض. إشارة علمية: دلالة الصنعة على الصانع نظرية عقلية قطعية. فكل ذي صنعة، في مكنته أن يستدل بصنعته عن وجود خالق هذا العالم وكماله؛ يشاهد أن صنعته ما كانت إلاّ به، وبما له من قدرة فيها، وعلم بها؛ فهداه ذلك إلى أن هذا العالم ما كان إلاّ من خالق قادر عالم. فالهدهد ذكر ما هو من عمله في الاستدلال على وجود الخالق تعالى ووحدانيته، ومثله كل ذي صنعة. وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ

стр. 274

القسم الرابع في سورة يس في هذا القسم: ١ - يس والقول في فواتح السور، والفائدة العلمية. لطف الله في جعل حد للعقل. خفاء بعض الأحكام ووجهه. قيام الحجة على الإنسان بما عرف. ٢ - الحكمة في هذه الآيات. ٣ - العقائد وأدلتها من هذه الآيات. ٤ - الوحي مصدر الإسلام. ٥ - الإسلام دين العز والرحمة. ٦ - النذارة ثمرة الرسالة. ٧ - لا يؤمن من سبق في علم الله عدم إيمانه. ٨ - لا حجة لمن مات على كفره، بما سبق من علم الله فيه. ٩ - تمثيل حال المعرضين عن الحق المعاندين فيه. ١٠ - من استوى عنده الإنذار وعدمه، لا يرجى منه إيمان. ١١ - الحياة بعد الموت. ١٢ - إحصاء الأعمال. ١٣ - الإحصاء العام في الكتاب الإمام.

стр. 275

المرسل والرسالة والرسول والمرسل إليهم ﴿يس (١)﴾ (فاتحة سورة يس) تمهيد: مثل هذا اللفظ مما افتتحت به بعض سور القرآن للعلماء فيه طريقتان: الطريقة الأولى: أنه لفظ له معنى يعلمه الله، فهو من المتشابه الذي لا يعلمه الراسخون، وإنما يؤمنون به، ويردون علمه إلى عالمه. سؤال وجوابه: القرآن أنزل للبيان، ولا بيان إلاّ بالإفهام، فكيف يكون في القرآن لفظ لا يُفهم له معنى؛ والجواب: أن عدم فهم معنى من بضع عشرة كلمة افتتحت بها بعض السور، لا يخل ببيان القرآن، لما أنزل لبيانه من عقائد وآداب وأحكام وغيرها من مقاصد القرآن. توجيه وتنظير: إن الله تعالى أعطانا العقل، الذي به ندرك الآيات التي نصبها لنا؛ لنستدل بها على وجوده ووحدانيته وقدرته، وعلمه وحكمته، ولطفه ورحمته. وبالنظر في هذه الآيات نصل- بتيسير الله- بعقولنا إلى إدراك بدائع عجيبة، وأسرار غريبة، ما تزال تتجلى لنا ما دمنا نتأمل فيها، ونعتبر بها. وما يزال الإنسان يكتشف منها حقائق مضت عليها أزمان، وهو يعدّها من المحال، ويجتني منها فوائد ما كانت تخطر له- في أحقابه الماضية- على بال. غير أن استجلاء هذه الحقائق، واستحصال هذه الفوائد من الآيات الكونية- على نفاستها وعظيم نفعها- محفوف بخطر الإعجاب بذلك العقل؛ حتى يحسب أنه محيط بالحقائق كلها، وأن مدركاتها يقينيات بأسرها. فيؤديه حسبانه الأول (١) إلى الفتنة بالمدركات، فيحسب أن لا شيء بعدها فقد يخرج إلى إنكار خالقها. ويؤديه حسبانه الثاني (٢) إلى الذهاب في ظنونه وأوهامه وفرضياته، إلى غايات لا نسب بين اليقين وبينها.

стр. 276

فكان من لطف الله بالإنسان أن جعل لعقله حداً يقف عنده، وينتهي إليه، ليسلم من هذا الخطر: خطر الإعجاب بالعقل. ففي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف العقول حيارى أمامها، وقد تشهد آثارها، ولا تستطيع أن تعرف كنهها، كحقيقة الكهرباء في الكون، وحقيقة الروح والعقل في الإنسان. فمثل هذه الحقائق المنغلقة التي يرتد عقل الإنسان إليه عنها خاسئاً وهو حسير، هي التي تعرفه بقدره، وبعظمة هذا الكون، وفخامة أمره، فيقف بعقله عند حد النظر والاعتبار، والاستدلال ببديع الصنعة وعظيم النعمة على حكمة الله البالغة، ومنته السابغة، دون خلط للأوهام بالحقائق، ولا فتنة بالمخلوق عن الخالق. هذه الحقائق التي خفيت عن العقل البشري، فلم يدرك كنهها، لم تقدح في دلالة آيات الأكوان، على ما دلت عليه من وجود الخالق ووحدانيته، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وفضله، وإحسانه، ورحمته. فكذلك لم يقدح في بيان القرآن ودلالة آياته، خفاء معاني بضع عشرة كلمة من كلماته. وكما كان خفاء تلك الحقائق في الآيات الكونية، إيقافاً للعقل عند حده، وتعريفاً له بقدره، وتنبيهاً له على عظم آيات ربه؛ كذلك كان خفاء هذه المعاني في الآيات القرآنية لمثل ذلك. ونظير الآيات الكونية والآيات الكلامية في هذا الجلاء العام، والخفاء الخاص .. جملة من الأحكام: كعدد الصلوات، والركعات، والسجدات، التي خفيت على العقول حكمتها، وقد ظهرت الحكم الكثيرة الجلية في سائر أحكام الشريعة غيرها. ولم يقدح في حكمة الشريعة في أحكامها، خفاء ما خفي في بعضها. كما لم يقدح خفاء ما خفي من حقائق الآيات الكونية، ومعاني الآيات الكلامية في دلالتها وبيانها. والحكمة هنا في هذه الأحكام هي الحكمة المتقدمة فيهما. ونظير الآيات الكونية، والآيات الكلامية، والأحكام الشرعية، في هذا الخفاء الجزئي تصرفات الله في خلقه بمجاري أقداره. فقد تظهر حكمة الله فيها، وقد تخفى. وقد تخفى دهراً وتظهر بعد مدة. وقد نبهنا الله على هذه الحقيقة، بما قص علينا في قصة يوسف ﵇، وما كان مجهولًا من حكم قدر الله في مبدإ أمره، وما ظهر من تلك الحكم الباهرة للقدر في آخر أمره. وبما قصه علينا في قصة أم موسى- ﵇ لما أوحى إليها بقذفه في اليم، وعدم الخوف عليه، وما كان من عواقب أمره.

стр. 277

وكما لا ينفي الحكمة عن تدبير الله عدم ظهورها .. كذلك لا ينفي الحكمة عن شرعه عدم فهمها، ولا يقدح في دلالة الآيات وبيانها، عدم إدراك كنهها، أو عدم فهم معناها. ففي خلق الله، وفي شرع الله، وفي قدر الله، وفي كلام الله، ما يخفى على العقول إدراك حقيقته، أو حكمته، أو معناه، لطفاً من الله بالإنسان وتنبيهاً له. وقد قامت الحجة عليه فيما جهل بما عرف، وتجلت له بدائع الخلقة وجلائل النعمة فيما ظهر، فآمن بوجود مثلها فيما خفي. إذ الرب الحكيم الرحيم، لا يكون منه إلاّ ما هو حكمة، وفيه نعمة. فكان الإنسان (١) في القسم الأول (٢) مدركاً مستدلاً معتبراً، قد استعمل عقله فأداه إلى الإيمان واليقين فيما ظهر. وكان في القسم الثاني (٣) مصدقاً مذعناً لربه صاغراً، قد أدرك الحجة فآمن بالغيب فيما استتر، فجمع بين النظر والاستدلال، والتسليم والإذعان. فهذا توجيه وجود لفظ من كتاب الله لا نفهم معناه- عند من يقول به- ببيان حكمته، مع تنظيره بمثله في خلق الله وشرعه وقدره. بناء العمل على هذا العلم: قد رأيت كيف يقف العقل عاجزاً أمام بعض أسرار الخلق والقدر والشرع. والقرآن مع يقينه بما علم منها أن ما عجز عن إدراكه، ما هو إلاّ مثل ما عرف في كماله في الحق والحكمة والنعمة؛ إذ الجميع- ما عرف وما عجز عنه- من إله واحد حكيم خبير، رحمن رحيم. فليذكر الناظر في خلق الله، وقدره، وشرعه، وكلامه، دائماً هذه الحقيقة: وهي ثبوت الحق والحكمة والنعمة في جميعها، وإمكان عجز عقله في بعض المواضع والأحوال عن إدراكها؛ فيكون عمله في خلق الله هو النظر والبحث والتحليل والاكتشاف، واستجلاء الحقائق الكونية، واستخراج الفوائد العلمية والعملية، إلى أقصى حد توصله إليه معلوماته وآلاته. حتى إذا انتهى إلى مشكل استغلق عليه اعترف بعجزه، ولم يرتكب من الأوهام والفروض البعيدة ما يكسو الحقيقة ظلمة، ويوقع الباحث من بعده في ضلالة أو حيرة. فكثيراً ما كانت الفروض الوهمية الموضوعة موضع اليقينيات، سبباً في صد العقول عن النظر، وطول أمد الخطأ والجهل (٤).

стр. 278

ويكون عمله في قدر الله هو الاعتبار في تصاريف القدر، واتعاظ بأحوال البشر، واستحصال قواعد الحياة من سير الحياة. فإذا رأى من تصاريف القدر ما لم يعرف وجهه ولم يتبين له ما فيه من عدل وحكمة وإحسان ورحمة ... فليذكر عجزه، وليذكر ظهور ما خفي عنه من مثل ذلك في وقت، ثم ظهر له؛ فيوقن أن هذا مثله، وأنه إذا طالت به الأيام قد يظهر له من وجهه ما خفي منه، فيتلقاه الآن بالتسليم والتنزيه، راداً علمه إلى الله تعالى، مفوضاً أمره إليه. ويكون عمله في شرع الله هو الفهم لنصوص الآيات والأحاديث، ومقاصد الشرع وكلام أئمة السلف، وتحصيل الأحكام وحكمها، والعقائد وأدلتها، والآداب وفوائدها، والمفاسد وأضرارها. حتى إذا بلغ إلى حكم لم يعرف حكمته وقضاء لم يدر علته، ذكر عجزه فوقف عنده، فلم يكن من المرتابين ولا من المتكلفين. ولم يمنعه عجزه عن تعليل وتبين وجه ذلك القليل عن المضي في التفهم والتدبر لما بقي له من الكثير. ويكون عمله في كتاب الله هو التفهم والتدبر لآياته، والتفطن لتنبيهاته، ووجوه دلالاته، واستثارة علومه من منطوقه ومفهومه، على ما دلت عليه لغة العرب في منظومها ومنثورها، وما جاء من التفاسير المأثورة، وما نقل من مفهوم الأئمة الموثوق بعلمهم وأمانتهم، المشهود لهم بذلك من أمثالهم. فإذا وقف أمام المتشابه رده إلى المحكم، وإذا انتهى إلى فواتح السور ذكر عجزه فآمن بما لها من معنى، وقال: الله به أعلم. فبهذا السير النظري، والعمل العلمي المبني على اليقين بعدل الخالق ﷻ ، وحكمته ورحمته في خلقه، وقدره وشرعه وكلامه، ومعرفة العبد بقدره ومقامه، يزداد السائر على مقتضاه إيماناً وعلماً، وفوائد جمة، ويسلم من الغرور والأوهام والفتنة. وهو سبيل الراسخين الذين يقولون فيما لا يفهمونه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. ... الطريقة الثانية: وذهبت جماعة من أهل العلم، من السلف والخلف، إلى أن هذه الفواتح قد فهمت العرب المراد منها، ولذلك لم تعترض على البيان بها، ولا طعنت في عربيته بعدم فهمها، وإن كنا لا نجد في كلامها ما نعرف به المعنى الذي فهمته منها. وممن ذهب إلى ذلك الإمام أبو بكر بن العربي، فقال في كتاب (القبس على موطأ مالك بن أنس):

стр. 279

«وليست من المتشابه الذي لا يعلمه إلاّ الله، فإن محمداً- ﵌ لو خاطب الكفار منها بما لا يفهم لكان ذلك أقوى أسبابها في الطعن عليه، وكانوا يقولون: هذا يتكلم بما لا نفهم، وهو يدعي أنه بلسان عربي مبين، وما حمعسق في اللسان؟! وما كهيعص في الكلام؟. فدل أنهم فهموا الغرض وعرفوا المقصود». إختلاف المتأولين: أ- منهم طائفة تكلمت على كل لفظ من ألفاظ الفواتح، وذكرت له معنى، واختلفوا في تلك المعاني التي ذكروها، وهي كما ذكر الإمام ابن العربي: «لا سبيل إلى تمييز واحد منها بدليل لأنه معدوم، ولا بأثر لأنه غير منقول. ولا تطمئن إلى شيء منها القلوب التي عاشت على اليقين. ولا تسلم واحداً منها العقول التي اعتادت قفو (١) العلم على نور الدليل». ب- ومنهم طائفة أخذتها كلها بوجه واحد، فقال بعض: إنها حروف تنبيه تقرع الأسماع، فتلفت السامعين إلى الاستماع والتدبر؛ لما اشتملت عليه السورة من الأحكام والعقائد والآداب وغيرها، من مقاصد القرآن. فهي نظير (ألا والهاء) في مألوف الاستعمال. ج- وقال بعضهم: إنها حروف تعجيز وإفحام وتقريع؛ لأن القرآن الذي عجزوا عن معارضته، من هذه الحروف وأخواتها تركبت كلماته فكأنما يقال لهم: ما هذا الذي عجزتم عنه إلاّ كلام من جنس كلامكم، وما ركبت كلماته إلاّ مما ركبت منه كلماتكم، وهذا لعجزهم أفضح، ولتقريعهم أوجع. ومما يؤيد هذا أن أكثر هذه الفواتح ذكر بعده الكتاب المعجز وصفاته مثل قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ و ٢]، ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١ - ٣]، ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١ و ٢]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١١]، ﴿اتر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]، ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص: ١ و ٢]، ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١ و ٢]، ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: ١و ٢]. وغيرها،

стр. 280

الفائدة العملية: قد افتتحت هذه السور من القرآن العظيم بكلمات التنبيه، وجاءت أول سورة منه بعد الفاتحة مفتتحة به. فلتكن عند قراءته في انتباه، وإقبال على استيعاب لفظه، وتفهم معناه، فإن التالي للقرآن والسامع له في حضرة الرب على بساط القرب، والغفلة في هذا المقام من قلة الأدب. ومن قل أدبه في مقام الإحسان والكرامة، استوجب أضعاف ما يستوجبه غيره من العتب والملامة، وتعرض لموجبات الحسرة والندامة. فالله نسأل أن يجعلنا من قرآنه على انتباه واستحضار، آناء الليل وأطراف النهار، العاملين به بالعشي والإنبكار، إنه الجواد الكريم الستار. تابع المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليهم: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ [يس: ٢ - ٦]. ﴿الحكيم﴾: هو الموصوف بالحكمة، وأصل اللفظ من حكم بمعنى أمسك، فالحكمة هي العلم الصحيح الذي يمسك صاحبه عن الجهالات والضلالات والسفالات، فيكون ذا إدراك للحقائق قويم وخلق كريم، وعمل مستقيم لا يحكم إلاّ عن تفكير، ولا يقول إلاّ عن علم، ولا يفعل إلاّ على بصيرة؛ فإذا نظر أصاب، وإذا فعل أصاب، وإذا نطق أتى بفصل الخطاب. ووصف القرآن بالحكيم، لأنه هو العلم الصحيح المثمر لهذا كله، و (الصراط المستقيم) هو دين الإسلام الذي جاء به جميع المرسلين قبل النبي ﷺ . ﴿تنزيل﴾ بمعنى منزل، وهو الصراط المستقيم. ﴿العزيز﴾ الغالب الممنع الذي لا نظير له. ﴿الرحيم﴾ المنعم الدائم الإنعام والإحسان. ﴿الإنذار﴾ الإعلام بوقوع ما يُخاف منه، وهو الهلاك والعذاب العاجل والآجل. و ﴿الغافل﴾ عن الشيء: التارك له المعرض عنه مع حضوره لديه لاشتغال باله بسواه. المعنى: أقسم الله تعالى بالقرآن الحكيم على أن محمداً ﷺ من المرسلين رداً على من قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ في حال أنه على دين الإسلام الذي بعثه الله، ثابتاً عليه في عقده وقوله وفعله وجميع أمره.

стр. 281

وأخبر تعالى أن هذا الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ نزله عليه القوي الغالب الذي لا يغالب، العديم الشبه والنظير، والمنعم الدائم الإنعام المستمر الإحسان. وبين تعالى أنه كان من المرسلين لينذر الأمة العربية، ويُعلمها سوء عاقبة ما هي عليه من الشرك والضلال. تلك الأمة التي ما أُنذر آباؤها، فهي مشتغلة بما توارثته من آبائها من عبادة الأوثان وارتكاب الإثم والعدوان، وأنكل الضلال والخسران، معرضة عن توحيد خالق الأرض والسموات، وعن النظر فيما نصب للدلالة عليه من الآيات، طال عليها أمد الجهالة، واستولت عليها أسباب الضلالة، فتمكنت منها الغفلة التمكن التام؛ فذهبت في أوديتها البعيدة المدى، كالأنعام أو أضل من الأنعام. ... أصل المعرفة والسلوك من هذه الآية الكريمة: خلق الله الخلق حنفاء موحدين، فأتتهم الشياطن فأضلتهم عن سواء السبيل، فمن رحمته- تعالى- بهم أن أرسل إليهم رجالاً منهم لهدايتهم، وأنزل عليهم كتبا منه لدلالتهم. فالله هو المرسل، تلك الكتب هي رسائله، وأولئك الرجال هم رسله، والخلق هم المرسل إليهم. المعرفة: فللمرسِل العلو والكمال، وله الخلق والأمر، ومنه الرحمة والعدل والإحسان والفضل، وله الربوبية والألوهية دون شريك ولا مثال. وفي تلك الرسائل الحق والحكمة، والنور المُخرج من كل ظلمة، والفرقان في كل شبهة، والفصل في كل خصومة، بها تفتح البصائر، وتطهر الضمائر، وتعرف طريق الحق والهدى من طرائق الباطل والضلال. ولأولئك الرسل- عليهم الصلاة والسلام- أكمل ما يمكن للإنسان من كمال، وأكمل المعرفة بالمرسِل- تعالى- وأعظم الخشية له، وأكمل الرحمة بالخلق، وأشد الشفقة عليهم، وأكمل العلم بما جاءوا به، وأعظم التمسك به، وأكثر الاتباع له. فلا كمال إلاّ بالإقتداء بهم، ولا نجاة إلاّ باتباعهم، ولا وصول إلى الله تعالى إلاّ باقتفاء آثارهم. وللمرسَل إليهم عجز المخلوق وضعفه أمام خالقه، وحاجته وافتقاره إليه، وعليه حق عبادته وطاعته والرجاء لفضله، والخوف من عقابه والفكر في آياته ومخلوقاته، والنهوض للعمل في مرضاته، واستثمار أنكل نعمائه، والشكر له على جميع آلائه. فبمعرفة هذه الأربعة حق معرفتها، ومعرفة مقام كل واحد منها وما له فيه؛ كمال الإنسان العلمي، الذي هو أصل كماله العملي، والشرط اللازم فيه.

стр. 282

وقد اشتملت هذه الآيات على هذه الأربعة في حق الأمة المحمدية: فالمرسِل هو ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. والرسالة هي: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. والرسول هو محمد ﷺ المخاطب بـ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. والمرسل إليهم هم العرب الذين: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. ... تمهيد: لما ضل الخلق عن طريق الحق والكمال، الذي يوصلهم إليه: إلى مرضاته والفوز بما لديه، أرسل إليهم الرسل ليعرفوهم بأن ذلك الطريق هو الإسلام، ويكونوا أدلتهم في السير، وقادتهم إلى الغاية، وأنزل عليهم الكتب لينيروا لهم بها الطريق، ويقودوهم على بصيرة، ويزكوهم على البيضاء ليلها كنهارها (١)، لا يهلك عليها إلاّ من ظلم نفسه فحاد عن السواء، أو تخلف عن القافلة فكان من الهالكين. فالقافلة هم الخلق، والطريق هو الإسلام، والأدلة هم الرسل، والمصابيح هي الكتب، والغاية هو الله ﷻ . السلوك: فعلى من يريد النجاة من المهالك والفوز بأسنى المطالب وأعلى المراتب، أن ينضم إلى القافلة الربانية، يتعاون مع أفرادها، ويقوم بحق الرفقة فيها، ويعدّ نفسه جزءاً منها: لا سلامة له (٢) إلاّ بسلامتها؛ فهو يحب لكل واحد منها ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، ويهديه إلى ما يهديها إليه من خير؛ ويقيه مما يقيها منه من سوء. وأن يطيع أولئك الأدلة، ويقتفي آثارهم، وينزل بنزولهم، ويرتحل بارتحالهم، وأن يرجع في معرفة وجوه السير وأصنافه وأوقاته ومنازله إليهم، دون أدنى اعتراض ولا مخالفة. ويقابل ما يتحملونه من مشاق الدلالة ومتاعب القيادة بغاية ما يستطيع من الأدب معهم، والتعظيم والانقياد لهم، والمحبة فيهم، وحسن الثناء عليهم، وطلب عظيم الجزاء من الله تعالى لهم على عظيم إحسانهم. وأن يلزم ذلك الطريق، ويسير في سوائه غير مائل إلى جنباته، ولا ذاهب في بنيَّاته (٣).

стр. 283

لا مُفْرِطًا في السير يسبق الرفقة فينفرد بلا دليل ولا مُفَرِّطًا (١) فيه فيتخلف عنها بلا معين، نمطاً وسطاً مع الجماعة، لا من الغلاة ولا مع المقصرين. وأن يستنير بما رفعه أولئك الأدلة من مصابيح الهداية، وأن يسير تحت أنوارها الساطعة، مفتح البصر للاستضاءة بها، غير مغلق الأجفان عنها، متعرفاً بها أديم الأرض، وموقع قدمه منها. وأن يعرف عظيم الغاية التي هو سائر إليها، فيقصر همه كله في الوصول إليها، ويحضرها قلبه في كل لحظات سيره ليسرع مع الرفعة إليها، وتخف عليه (٢) مشاق الطريق واتعابها، ويعذب لديه كل ألم في الانتهاء إليها. فبسلوك هذا الطريق القويم، بدلالة الرسول الكريم، وأنوار الكتاب المبين، إلى رب العالمين الرحمن الرحيم- كمال الإنسان العملي المبني على الكمال العلمي. وقد اشتملت هذه الآيات على ذكر السالكين، وهم المنذرون، وعلى الدليل وهو الرسول ﵌، وعلى الطريق وهو "الصراط المستقيم" المنزل من الله، وعلى ما يبين الطريق، وهو القرآن الحكيم. ... الحكمة في هذه الآيات: قال ابن وهب: سمعت مالك- ﵁ يقول: «الحكمة الفقه في دين الله والعمل به». ففي الفقه في دين الله الكمال العلمي، وفي العمل به الكمال العملي. وهذه الآيات- على إيجازها- قد اشتملت على أصول ما به كمال الإنسان العلمي، وكماله العملي، اللذان بهما كماله الروحي والبدني، ونعيمه الدنيوي والآخروي. وما كماله العلمي وكماله العملي إلاّ بالمعرفة الصحيحة، والسلوك المستقيم، وهما اللذان تقدم [في]. (٣) الفصل السابق بيانهما. وفسر مالك الحكمة بهما؛ إذ الفقه في دين الله هو المعرفة الصحيحة، والعمل به هو السلوك المستقيم، وهما الحكمة التي وصف به في الآية الأولى القرآن العظيم؛ لأنه كتاب العلم والعمل اللذين لا يكون بدونهما حكيم.

стр. 284

فكما اشتملت هذه الآيات على أصول الحكمة، دلت على أصلها ومأخذها، وما يكون الإنسان بعلمه والعمل بما فيه من أهلها، وهو القرآن الحكيم. توجيه القسم في الآيات: أقسم الله بالقرآن الحكيم على أن محمداً- ﵌ من المرسلين، لينذر الغافلين حال أنه على صراط عظيم مستقيم، منزل من العزيز الرحيم؛ لأن القرآن هو كتاب محمد- ﵌ الذي كان يتخلق به، ويهتدي بما فيه، وينذر به، ويدعو إليه ويبينه للناس بقوله وفعله، وهو برهانه وحجته، وآيته ومعجزته. كما أنه كتاب الإسلام الذي هو الصراط المستقيم. فيه حجته ودلائله، فيه أحكامه وحكمه، فيه آدابه وشمائله. فيه بيان حقيقته وما هو منه، ونفي ما ليس منه عنه. فيه بيان تاريخه وتاريخ الإنسانية معه. فيه ذكر أوليائه وحسن بلائهم في سبيله، وحسن أثره فيهم، والعود بالعاقبة المحمودة عليهم، وذكر أعدائه وجهدهم في مقاومته، وسقوط شبههم أمام حجته، وذهاب باطلهم أمام حقه، وشدة أخذه لهم على ظلمهم، ونزول نقمته بهم، وحلول دائرة السوء عليهم. فيه الإسلام كله، فمن طلبه فيه وجده ونجا به؛ ومن طلبه في غيره ضل وكان من الهالكين. ... عقائد وأدلتها من هذه الآيات: العقيدة الأولى: محمد ﵌ رسول الله. دليلها الأول: القرآن الحكيم الذي جاء به رجل أمي، ما قرأ ولا كتب، ولا دارس العلماء، ولا عرف الكتب. و دليلها الثاني: موافقة دعوته- ﵌ لدعوة المرسلين- صلوات الله عليهم- إلى عبادة الله وحده، وتصديق ما جاءهم به من عنده، دون أن يسألهم على ذلك أجراً، وهذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فهو من المرسلين من جهة إرساله؛ لأنه منهم في أقواله وأفعاله نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]. و دليلها الثالث: هذا الدين الكامل الجامع، الذي هدي به النوع الإنساني أفراداً وجماعات إلى ما فيه

стр. 285

سعادته، فأطلق فكره، وسدد نظره، وقوم عقائده، وهذب أخلاقه، ونظم اجتماعه، ووضع له قواعد الحياة والعمران على العدل والإحسان، ووجههم إلى خالقهم، وما أعد لهم عنده من النعيم المقيم والرضوان التام. و دليلها الرابع: سلوكه هو في حياته على الصراط المستقيم، من يوم عرف الدنيا حتى فارقها؛ فكان يمثله على أكمل وجه، ولا يُخل بشيء منه، ثابتاً عليه، لا يحيد قيد شعرة عنه، دون أن تحفظ عنه زلة، ولا تعرف منه في القيام به والدعوة إليه فترة (١)، ولا تقف أمامه قوة، ولا ترد له حادثة عزمه، ولا تحمله على هوادة فيه رغبة ولا رهبة، ولا تبدل حاله رخاء ولا شدة. فكان في كرم خلقه، وتمام زهده، وعظيم تألهه (٢) وتوجهه لربه، بعدما فتح الله له الفتح المبين، ودخل الناس أفواجاً في الدين. كما كان أيام كان وحيداً بين أعظم أعدائه من المشركين، وما هذا من شأن البشر وطبعهم لولا عصمة وتأييد رب العالمين. العقيدة الثانية: القرآن كلام الله ووحيه: ودليلها: أنه حكيم، فما فيه من العلم وأصول العمل، لا يمكن أن يكون إلاّ عند الله، في عقائده ودلائلها وأحكامه وحكمها وآدابه وفوائدها. الى ما فيه من حقائق كونية، كانت مجهولة عند جميع البشر، وما عرفت لهم إلاّ في هذا العصر الأخير. ومن أشهرها: مسألة الزوجية الموجودة في جميع هذا الكون حتى أصغر جزء منه، وهو الجوهر الفرد المركب من قوتين: موجبة وسالبة. جاءت هذه المسألة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. ومنها مسألة حياة النبات، التي جاءت في مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ومنها مسألة تلاقح النباتات بواسطة الرياح التي تنقل مادة التكوين من الذكر إلى الأنثى، جاءت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. فهذه حقائق
следующие страницы →