← Тафсир

Тафсир · id 9532

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (416 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأخبر تعالى أن هذا الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ نزله عليه القوي الغالب الذي لا يغالب، العديم الشبه والنظير، والمنعم الدائم الإنعام المستمر الإحسان. وبين تعالى أنه كان من المرسلين لينذر الأمة العربية، ويُعلمها سوء عاقبة ما هي عليه من الشرك والضلال. تلك الأمة التي ما أُنذر آباؤها، فهي مشتغلة بما توارثته من آبائها من عبادة الأوثان وارتكاب الإثم والعدوان، وأنكل الضلال والخسران، معرضة عن توحيد خالق الأرض والسموات، وعن النظر فيما نصب للدلالة عليه من الآيات، طال عليها أمد الجهالة، واستولت عليها أسباب الضلالة، فتمكنت منها الغفلة التمكن التام؛ فذهبت في أوديتها البعيدة المدى، كالأنعام أو أضل من الأنعام. ... أصل المعرفة والسلوك من هذه الآية الكريمة: خلق الله الخلق حنفاء موحدين، فأتتهم الشياطن فأضلتهم عن سواء السبيل، فمن رحمته- تعالى- بهم أن أرسل إليهم رجالاً منهم لهدايتهم، وأنزل عليهم كتبا منه لدلالتهم. فالله هو المرسل، تلك الكتب هي رسائله، وأولئك الرجال هم رسله، والخلق هم المرسل إليهم. المعرفة: فللمرسِل العلو والكمال، وله الخلق والأمر، ومنه الرحمة والعدل والإحسان والفضل، وله الربوبية والألوهية دون شريك ولا مثال. وفي تلك الرسائل الحق والحكمة، والنور المُخرج من كل ظلمة، والفرقان في كل شبهة، والفصل في كل خصومة، بها تفتح البصائر، وتطهر الضمائر، وتعرف طريق الحق والهدى من طرائق الباطل والضلال. ولأولئك الرسل- عليهم الصلاة والسلام- أكمل ما يمكن للإنسان من كمال، وأكمل المعرفة بالمرسِل- تعالى- وأعظم الخشية له، وأكمل الرحمة بالخلق، وأشد الشفقة عليهم، وأكمل العلم بما جاءوا به، وأعظم التمسك به، وأكثر الاتباع له. فلا كمال إلاّ بالإقتداء بهم، ولا نجاة إلاّ باتباعهم، ولا وصول إلى الله تعالى إلاّ باقتفاء آثارهم. وللمرسَل إليهم عجز المخلوق وضعفه أمام خالقه، وحاجته وافتقاره إليه، وعليه حق عبادته وطاعته والرجاء لفضله، والخوف من عقابه والفكر في آياته ومخلوقاته، والنهوض للعمل في مرضاته، واستثمار أنكل نعمائه، والشكر له على جميع آلائه. فبمعرفة هذه الأربعة حق معرفتها، ومعرفة مقام كل واحد منها وما له فيه؛ كمال الإنسان العلمي، الذي هو أصل كماله العملي، والشرط اللازم فيه.

стр. 282

وقد اشتملت هذه الآيات على هذه الأربعة في حق الأمة المحمدية: فالمرسِل هو ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. والرسالة هي: ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. والرسول هو محمد ﷺ المخاطب بـ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. والمرسل إليهم هم العرب الذين: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. ... تمهيد: لما ضل الخلق عن طريق الحق والكمال، الذي يوصلهم إليه: إلى مرضاته والفوز بما لديه، أرسل إليهم الرسل ليعرفوهم بأن ذلك الطريق هو الإسلام، ويكونوا أدلتهم في السير، وقادتهم إلى الغاية، وأنزل عليهم الكتب لينيروا لهم بها الطريق، ويقودوهم على بصيرة، ويزكوهم على البيضاء ليلها كنهارها (١)، لا يهلك عليها إلاّ من ظلم نفسه فحاد عن السواء، أو تخلف عن القافلة فكان من الهالكين. فالقافلة هم الخلق، والطريق هو الإسلام، والأدلة هم الرسل، والمصابيح هي الكتب، والغاية هو الله ﷻ . السلوك: فعلى من يريد النجاة من المهالك والفوز بأسنى المطالب وأعلى المراتب، أن ينضم إلى القافلة الربانية، يتعاون مع أفرادها، ويقوم بحق الرفقة فيها، ويعدّ نفسه جزءاً منها: لا سلامة له (٢) إلاّ بسلامتها؛ فهو يحب لكل واحد منها ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، ويهديه إلى ما يهديها إليه من خير؛ ويقيه مما يقيها منه من سوء. وأن يطيع أولئك الأدلة، ويقتفي آثارهم، وينزل بنزولهم، ويرتحل بارتحالهم، وأن يرجع في معرفة وجوه السير وأصنافه وأوقاته ومنازله إليهم، دون أدنى اعتراض ولا مخالفة. ويقابل ما يتحملونه من مشاق الدلالة ومتاعب القيادة بغاية ما يستطيع من الأدب معهم، والتعظيم والانقياد لهم، والمحبة فيهم، وحسن الثناء عليهم، وطلب عظيم الجزاء من الله تعالى لهم على عظيم إحسانهم. وأن يلزم ذلك الطريق، ويسير في سوائه غير مائل إلى جنباته، ولا ذاهب في بنيَّاته (٣).

стр. 283

لا مُفْرِطًا في السير يسبق الرفقة فينفرد بلا دليل ولا مُفَرِّطًا (١) فيه فيتخلف عنها بلا معين، نمطاً وسطاً مع الجماعة، لا من الغلاة ولا مع المقصرين. وأن يستنير بما رفعه أولئك الأدلة من مصابيح الهداية، وأن يسير تحت أنوارها الساطعة، مفتح البصر للاستضاءة بها، غير مغلق الأجفان عنها، متعرفاً بها أديم الأرض، وموقع قدمه منها. وأن يعرف عظيم الغاية التي هو سائر إليها، فيقصر همه كله في الوصول إليها، ويحضرها قلبه في كل لحظات سيره ليسرع مع الرفعة إليها، وتخف عليه (٢) مشاق الطريق واتعابها، ويعذب لديه كل ألم في الانتهاء إليها. فبسلوك هذا الطريق القويم، بدلالة الرسول الكريم، وأنوار الكتاب المبين، إلى رب العالمين الرحمن الرحيم- كمال الإنسان العملي المبني على الكمال العلمي. وقد اشتملت هذه الآيات على ذكر السالكين، وهم المنذرون، وعلى الدليل وهو الرسول ﵌، وعلى الطريق وهو "الصراط المستقيم" المنزل من الله، وعلى ما يبين الطريق، وهو القرآن الحكيم. ... الحكمة في هذه الآيات: قال ابن وهب: سمعت مالك- ﵁ يقول: «الحكمة الفقه في دين الله والعمل به». ففي الفقه في دين الله الكمال العلمي، وفي العمل به الكمال العملي. وهذه الآيات- على إيجازها- قد اشتملت على أصول ما به كمال الإنسان العلمي، وكماله العملي، اللذان بهما كماله الروحي والبدني، ونعيمه الدنيوي والآخروي. وما كماله العلمي وكماله العملي إلاّ بالمعرفة الصحيحة، والسلوك المستقيم، وهما اللذان تقدم [في]. (٣) الفصل السابق بيانهما. وفسر مالك الحكمة بهما؛ إذ الفقه في دين الله هو المعرفة الصحيحة، والعمل به هو السلوك المستقيم، وهما الحكمة التي وصف به في الآية الأولى القرآن العظيم؛ لأنه كتاب العلم والعمل اللذين لا يكون بدونهما حكيم.

стр. 284

فكما اشتملت هذه الآيات على أصول الحكمة، دلت على أصلها ومأخذها، وما يكون الإنسان بعلمه والعمل بما فيه من أهلها، وهو القرآن الحكيم. توجيه القسم في الآيات: أقسم الله بالقرآن الحكيم على أن محمداً- ﵌ من المرسلين، لينذر الغافلين حال أنه على صراط عظيم مستقيم، منزل من العزيز الرحيم؛ لأن القرآن هو كتاب محمد- ﵌ الذي كان يتخلق به، ويهتدي بما فيه، وينذر به، ويدعو إليه ويبينه للناس بقوله وفعله، وهو برهانه وحجته، وآيته ومعجزته. كما أنه كتاب الإسلام الذي هو الصراط المستقيم. فيه حجته ودلائله، فيه أحكامه وحكمه، فيه آدابه وشمائله. فيه بيان حقيقته وما هو منه، ونفي ما ليس منه عنه. فيه بيان تاريخه وتاريخ الإنسانية معه. فيه ذكر أوليائه وحسن بلائهم في سبيله، وحسن أثره فيهم، والعود بالعاقبة المحمودة عليهم، وذكر أعدائه وجهدهم في مقاومته، وسقوط شبههم أمام حجته، وذهاب باطلهم أمام حقه، وشدة أخذه لهم على ظلمهم، ونزول نقمته بهم، وحلول دائرة السوء عليهم. فيه الإسلام كله، فمن طلبه فيه وجده ونجا به؛ ومن طلبه في غيره ضل وكان من الهالكين. ... عقائد وأدلتها من هذه الآيات: العقيدة الأولى: محمد ﵌ رسول الله. دليلها الأول: القرآن الحكيم الذي جاء به رجل أمي، ما قرأ ولا كتب، ولا دارس العلماء، ولا عرف الكتب. و دليلها الثاني: موافقة دعوته- ﵌ لدعوة المرسلين- صلوات الله عليهم- إلى عبادة الله وحده، وتصديق ما جاءهم به من عنده، دون أن يسألهم على ذلك أجراً، وهذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فهو من المرسلين من جهة إرساله؛ لأنه منهم في أقواله وأفعاله نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]. و دليلها الثالث: هذا الدين الكامل الجامع، الذي هدي به النوع الإنساني أفراداً وجماعات إلى ما فيه

стр. 285

سعادته، فأطلق فكره، وسدد نظره، وقوم عقائده، وهذب أخلاقه، ونظم اجتماعه، ووضع له قواعد الحياة والعمران على العدل والإحسان، ووجههم إلى خالقهم، وما أعد لهم عنده من النعيم المقيم والرضوان التام. و دليلها الرابع: سلوكه هو في حياته على الصراط المستقيم، من يوم عرف الدنيا حتى فارقها؛ فكان يمثله على أكمل وجه، ولا يُخل بشيء منه، ثابتاً عليه، لا يحيد قيد شعرة عنه، دون أن تحفظ عنه زلة، ولا تعرف منه في القيام به والدعوة إليه فترة (١)، ولا تقف أمامه قوة، ولا ترد له حادثة عزمه، ولا تحمله على هوادة فيه رغبة ولا رهبة، ولا تبدل حاله رخاء ولا شدة. فكان في كرم خلقه، وتمام زهده، وعظيم تألهه (٢) وتوجهه لربه، بعدما فتح الله له الفتح المبين، ودخل الناس أفواجاً في الدين. كما كان أيام كان وحيداً بين أعظم أعدائه من المشركين، وما هذا من شأن البشر وطبعهم لولا عصمة وتأييد رب العالمين. العقيدة الثانية: القرآن كلام الله ووحيه: ودليلها: أنه حكيم، فما فيه من العلم وأصول العمل، لا يمكن أن يكون إلاّ عند الله، في عقائده ودلائلها وأحكامه وحكمها وآدابه وفوائدها. الى ما فيه من حقائق كونية، كانت مجهولة عند جميع البشر، وما عرفت لهم إلاّ في هذا العصر الأخير. ومن أشهرها: مسألة الزوجية الموجودة في جميع هذا الكون حتى أصغر جزء منه، وهو الجوهر الفرد المركب من قوتين: موجبة وسالبة. جاءت هذه المسألة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. ومنها مسألة حياة النبات، التي جاءت في مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ومنها مسألة تلاقح النباتات بواسطة الرياح التي تنقل مادة التكوين من الذكر إلى الأنثى، جاءت في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. فهذه حقائق

стр. 286

علمية كونية، أجمع عليها علماء العصر أنها من المكتشفات الحديثة، ولم تكن معلومة عند أحد من الخلق قبل اكتشافها، ولا كانت عندهم الآلات الموصلة إلى معرفتها. وكفى بهذا القلّ من الكثر دليلاً على أن هذا القرآن ما كان إلاّ من عند الله الذي خلق الأشياء، ويعلم حقائقها. العقيدة الثالثة: الإسلام دين الله الذي شرعه وارتضاه: و دليلها مستفاد من وصفه بأنه صراط مستقيم، فهو تشريع تام عام لجميع أعمال الإنسان: أعمال قلبه، وأعمال لسانه، وأعمال جوارحه، وجميع معاملاته الخاصة والعامة بين أفراده وأممه، ولا تخرج كلية من كلياته ولا جزئية من جزئياته عن هذا الأصل العام، المتجلي في جميع الأحكام، وهو "الحق والخير والعدل والإحسان". ... وقد وضع عقلاء الأمم شرائع في بعض نواحي أعمال الإنسان، ولكنها بإجماع المتشرعين لا تخلو من نقص واعوجاج واضطراب، فهم ما يفتئون يتعبونها بالتكميل والتقويم والتعديل على مر الأيام. ولو عرضت كل حكم من أحكامه على الأصل العام الذي ذكرناه، لوجدته منطبقاً عليه ظاهراً فيه، حتى ما خفي وجهه على الأمم الأجنبية من الإسلام أيام تأخرها قد ظهر لها فضله ونفعه أيام تقدمها فجاء كبراء عقلائها يعترفون فيها بصواب ما شرعه فيها الإسلام. ثم هم يعجزون عن تطبيقها على أممهم، للعادة الغالبة والوراثة القديمة، منها مسألة الطلاق، وتعدد الزوجات، وتحريم الربا تحريماً باتاً. فكم من عالم غير مسلم، صرح بأن الحق والعدل والخير للإنسانية في هذه المسائل، هو ما شرعه الإسلام، على الوجه الذي شرعه الإسلام. بهذه الاستقامة التامة العامة المضطردة، في شرع ما جاء به رجل أمي، من أمة أمية جاهلية، يجزم كل عاقل بأنه ليس من وضع العباد، وإنما هو من وضع خالق العباد. ... الوحي مصدر الإسلام جملة ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ بينت وجه استقامة ذلك الصراط الذي هو الإسلام، بأنه تنزيل العزيز الرحيم. وأفادت أن جميع هذا الدين وحي من الله منزل على نبيه ﵌؛ وهذا لأن مرجع الإسلام في أصوله وفروعه إلى القرآن، وهو وحي من الله، وإلى السنة النبوية، وهي وحي أيضا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٢، ٣].

стр. 287

وكل دليل من أدلة الشريعة فإنه يرجع إلى هذين الأصلين، ولا يقبل إلاّ إذا قبلاه ودلا عليه. وكل شيء ينسب للإسلام، ولا أصل له فيهما، فهو مردود على قائله. وقد قال ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١). الإسلام دين العز والرحمة: ذكر من أسمائه تعالى في هذا الموطن ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، للتنبيه على أن هذا الدين الذي نزله الرب الموصوف بالعزة والرحمة، هو دين عزة ورحمة. ومن مقتضى العزة القوة والمنعة والرفعة، ومن مقتضى الرحمة الفضل والخير والمصلحة، وهذه كلها متجلية في أحكام الإسلام. والعدل والإحسان اللذان أمر الله بهما وانبنت أحكام الإسلام عليهما لا يكونان إلاّ عن العزة والرحمة فالذليل لا ينهض بالحكم، ولا يقيم ميزان العدل، والقاسي لا يكون منه إحسان. إهتداء واقتداء: فالمسلم المتحقق بالإسم المهتدي بهدايته، لا يكون إلاّ عزيزا رحيماً. فالذلة من المسلم نقص في إسلامه، والقساوة مثلها نقص فيه. وقد ذكر الله تعالى سادات المسلمين في عزتهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]. وذكرهم في رحمتهم فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. ونعم القدوة هم لجميع المسلمين. النذارة ثمرة الرسالة: كان من المرسلين (٢) لينذر الغافلين. فالأول كمال، والثاني تكميل. وقد فطر الله رسله- عليهم الصلاة والسلام- على الرحمة وحب الخير؛ فكانوا أحرص الناس على نجاة الناس وكمالهم وسعادتهم، فصبروا على تكذيبهم وإذايتهم، حتى أدوا أمانة الله إليهم، وأقاموا حجته عليهم، وكان الله ينجيهم ومن آمن بهم، وينزل عقوبته بالمكذبين لهم، وينصرهم عليهم؛ فأعلم محمداً ﵌، بأنه من المرسلين لينذر- ليتأسى بهم، ويصبر صبرهم، ويرجو من نصر الله له وإهلاك أعدائه ما كان منه تعالى لهم.

стр. 288

إقتداء: العلماء ورثة الأنبياء. وما ورث الأنبياء ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، والعلم مستمد من الرسالة، فعلى أهله واجب التبليغ والنذارة، والصبر على ما في طريق ذلك من الأذى والبلايا، والعطف على الخلق والرحمة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. التدريج في الإنذار: أرسل الله محمداً- ﵌ للعالمين بشيراً ونذيراً. ودرجه في النذارة على مقتضى الحكمة، من القريب إلى البعيد. فأمره بإنذار عشيرته بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فصعد الصفا فنادى بطون قريش حتى نادى العباس عمه، وصفية عمته، وفاطمة ابنته، وقال لهم: «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» (١). وأمره بإنذار من حول مكة من العرب بقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]. على الوجه الأقرب في معنى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ المؤيد بصدر الكلام وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧]. ومثلها في إنذار العرب ما في هذه الآية، وهو قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦]. فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في المواسم (٢). وأمره بتعميم الإنذار بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فأرسل رسله إلى الأمم تحمل كتبه إلى ملوكها بالدعوة إلى الإسلام، وكان ذلك هو الإنذار العام. الدفاع أشكال: قد كان النبي يُرسَل إلى قومه خاصة، وأرسل نبينا ﵌ إلى الناس عامة، بمثل قوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، أي بالقرآن كل من بلغه القرآن. ولا

стр. 289

يشكل على ذلك مثل ما تقدم من الآيات في إنذار عشيرته الأقربين، وقومه العرب، لأنه ابتدأ بهما، لحكمة التدريج، وحق القريب، لا للتخصيص بدليل ما جاء من آيات التعميم. إقتداء: هكذا على المرء أن يبدأ في الإرشاد والهداية بأقرب الناس إليه، ثم من بعدهم على التدريج. وعندما يقوم كل واحد منا بإرشاد أهله وأقرب الناس إليه، لا نلبث أن نرى الخير قد انتشر في الجميع: فمن الأُسَرِ تتركب الأمة؛ فعندما يعنى كل واحد بأسرته ترتقي الأمة كلها بارتقاء أسرها، كارتقاء أي كل بارتقاء أجزائه؛ فيكون المعتني بأسرته في الوقت نفسه معتنياً بأمته. وعندما يقصد بخدمة أسرته خدمة أمته يثاب ثواب خادم الجميع: أسرته بالفعل، وأمته بالقصد، أو أسرته مباشرة وأمته بواسطة، وكل هذا مما يثاب المرء شرعاً عليه. إستطراد واستنباط: لما كان العرب لم يأتهم نذير قبل النبي- ﵌ بنص هذه الآية وغيرها، فهم في فترتهم (١) ناجون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ولقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. وغيرهما، وكلها آيات وقواطع في نجاة أهل الفترة. ولا يستثنى من ذلك إلاّ من جاء فيهم نص ثابت خاص: كعمرو بن لحي أول من سَيَّبَ السوائب، وبدل في شريعة إبراهيم وغير، وحلل للعرب وحرم. فأبوا النبي- ﵌ ناجيان بعموم هذه الأدلة. ولا يعارض تلك القواطع حديث مسلم عن أنس ﵁: أن رجلًا قال للنبي- ﵌: يا رسول الله، أين أبي؛ قال: «في النار». فلما قَفَّى (٢) الرجل دعاه، فقال: «إن أبي وأباك في النار» (٣)، لأنه خبر آحاد (٤)، فلا يعارض القواطع. وهو قابل للتأويل بحمل الأب على العم مجازاً، يحسنه المشاكلة اللفظية، ومناسبته لجبر خاطر الرجل، وذلك من رحمته ﷺ وكريم أخلاقه.

стр. 290

سبب الغفلة ودواؤها: أفادت الفاء في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ أن غفلتهم تسببت عن عدم إنذارهم؛ فكل أمة انقطع عنها الإنذار وترك فيها التذكير واقعة في الغفلة لا محالة. ولما كان ترك الإنذار والتذكير موقعاً في الغفلة، فالإنذار والتذكير يزيلانها؛ فقد عرفتنا الآية الكريمة بسبب الغفلة وبعلاجها لنحذر سببها ونعالج أنفسنا وغيرنا بعلاجها. تطبيق: كان الناس منذ زمن قريب لا يسمعون ولا يسمع منهم لفظ الاهتداء بهداية القرآن العظيم، والإقتداء بهدي الرسول الكريم، ﵌، والسير بسيرة السلف الصالح، في النهوض بأعباء الدنيا والدين، وهم- إلاّ قليلاً- عن هذا غافلون. أما اليوم بعد أن نهض العلماء المصلحون بواجبهم (١)، ونشروا دعوة الحق في قومهم، فقد أصبح ذلك معروفاً عند أكثر الناس، وفي متناول الناس بجميع طبقاتهم. وإنا لنرجو من فضل الله المزيد، ونشاهد ذلك والحمد لله كل يوم يزيد، فالحمد لله على ما علّم وألهم وبصر ويسّر، ونسأله دوام التوفيق والتسديد يا رب العالمين. ... لا يؤمن من سبق في علم الله عدم إيمانه ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ [يس:٧ - ١١]. علم الله أن نبيه- ﵌ يقوم بالنذارة لقومه ويبذل غاية جهده في تنبيههم من الغفلة، وإنقاذهم من الهلكة. وعلم أنهم لا يؤمن به إلاّ أقلهم، وعلم أن ذلك يكون من أعظم ما يؤلم النبي- ﵌ لشدة حرصه على إيمانهم، وعظيم شفقته عليهم، ولعدم ظهور ثمرة ما بذله من جهد في هدايتهم. فأراد- تعالى- أن يقوي قلب نبيه- ﵌ على تحمل ذلك بإعلامه به

стр. 291

من أول الأمر، إذ ليس المؤلم المتوقع كالمؤلم الذي يصدم عن مفاجأة، وأعظم منه الذي يصدم مع توقع ضده، كما هنا: فإن المتوقع منهم بعد الإنذار البالغ بالبرهان الساطع، هو إيمان أكثرهم لا كفره. ﴿حَقَّ﴾ وجب وثبت. ﴿الْقَوْلُ﴾ قول الله فيهم بما سبق في علمه أنهم لا يؤمنون. ﴿فَهُمْ﴾ أي أكثرهم. نفى الإيمان عنهم نفياً مؤكداً بالإخبار عن ضميرهم بجملة لا يؤمنون. وقرنت الجملة بالفاء السببية؛ لتفيد أن من سبق في علم الله عدم إيمانه لا يرجى إيمانه بحال؛ فارتباط الثاني بالأول ارتباط لا انفكاك له. المعنى: لقد وجد وثبت ما سبق في علم الله، في أكثرهم، وما كان في قوله بعدم إيمانهم؛ فلا يرجى من ذلك الأكثر- الذي سبق في علم الله عدم إيمانه- إيمان. سؤال: ما مات النبي- ﵌ حتى عَرَجَ (١) الإسلام جزيرة العرب ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ولا شك أن الذين ماتوا على الكفر هم الأقل بالنسبة لمن آمنوا، فما معنى قوله تعالى: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾؟. جوابه: الذين قام النبي- ﵌ بإنذارهم وأقام بين ظهرانيهم مكرراً للنذارة عليهم صباح مساء، مدة ثلاث عشرة سنة، هم أهل مكة؛ فهم الذين تتعين إرادتهم من الضمير في قوله تعالى: ﴿أَكْثَرِهِمْ﴾ ولا شك أن أكثر من أنذرهم النبي- ﵌ من أهل مكة ماتوا على الكفر. سؤال على هذا الجواب: هذا يقتضي أن المراد بلفظة "قوماً" المتقدمة: أهل مكة مع أن المفسرين فسروها بالعرب. جوابه: نسلم بهذا، ويكون تفسير "قوماً" بالعرب نظراً لمماثلتهم لأهل مكة في وجوب إنذارهم، باعتبار مشاركتهم لهم في الوصف، وهو غفلتهم لعدم إنذار آبائهم. لا حجة لمن مات على كفره بما سبق من علم الله فيه: قامت حجة الله على خلقه بما ركب فيهم من عقل، وما مكنهم من اختيار، وما نصب لهم (٢) من آيات مشاهدات، وما أرسل إليهم من رسل بآيات بينات.

стр. 292

وهذه كلها أمور معلومة لديهم، ضرورية عندهم، لا يستطيعون أن ينكروا شيئاً منهاة فلا يمكنهم أن يجحدوا ما عندهم من عقل ومن اختيار، ولا أن ينفوا ما يشاهدونه من الآيات في المخلوقات، ولا أن ينكروا مجيء الرسل إليهم وما تلوا عليهم من آيات. وبهذه الأشياء قامت حجة الله عليهم، وكان جزاؤهم على ما اختاروه بعدها لأنفسهم. فأما ما سبق من علم الله فهو أمر مغيب عنهم، غير مؤثر فيهم؛ لأن العلم ليس من صفات التأثير ولا دافع لهم، فليس لهم أن يحتجوا به لأنفسهم؛ لأنهم لم يعملوا لأجله، كيف وهو مغيب منهم؛ وإنما عملوا باختيارهم الذي يجدونه بالضرورة من أنفسهم. توجيه للترتيب: تقوم حجة الله على العبد أولاً. ويعمل هو- كاسبا ومكتسبا- باختياره ثانياً. ويظهر لنا ما سبق من علم الله فيه بعد أن اختار ما اختار ثالثاً. ولهذا قدمت النذارة وما يرتبط بها على هذه الآية التي فيها بيان ما سبق من علم الله فيهم. تقريب: قد يكون لرجل ولدان هو عالم بنفسيتهما، وأخلاقهما، وسيرتهما. ثم يأمرهما بأمر فيه الخير لهما، وهو يعلم- بما علم من أحدهما- أنه يمتثل، ويعلم- بما علم من الآخر- أنه يخالف. ويقول لأهل بيته: إن فلاناً سيمتثل، وإن فلانا سيخالف. فيظهر ما قاله وما علمه في كل واحد منهما؛ فجازى الممتثل على طاعته، وجازى المخالف على عصيانه. فلا شك أن هذا الرجل قد أحسن إلى ولديه بما أمرهما به من خير، وفعل ما تقتضيه أبوته من النصح والإرشاد، ولا يقدح في ذلك علمه بما سيكون منهما. كما أن هذين الولدين قد نال كل واحد منهما ما سبق دون أن يكون للمخالف منهما حجة على مخالفته بما كان يعلمه منه أبوه. لله المثل الأعلى، فقد أحاط بكل شيء علماً، فعلم من سيطيعه ومن سيعصي. ولكنه الحكم العدل، فلم يكن ليجازيهم على سابق علمه فيهم، الذي لا دخل لهم فيه. بل جعل جزاءهم بعد إقامة الحجة عليهم بما يكون من اختيارهم، ليكون جزاؤهم على ما عملوا وما قدمت ايديهم وما لهم دخل فيه بالكسب والاكتساب.

стр. 293

تعليم: أرأيت كيف أن الله- تعالى- لم يجاز الخلق على مقتضى علمه فيهم، وهو العلم الذي لا يتخلف، وإنما جعل جزاءهم على أعمالهم. فهذا تعليم لنا كيف تكون معاملتنا بعضنا لبعض؛ فلا نجازي على مجرد الظن، بل ولا على مجرد اليقين؛ وإنما تكون المجازاة بعد صدور الأعمال. فرُبّ شخص قدرت فيه الخير أو الشر، ففعل ضد ما قدرت؛ فلو جازيته قبل الفعل لما طابق جزاؤك موضعه، ولنال كل ما لا يستحقه. فالحكمة والعدل والمصلحة في ربط المجازاة بالأعمال، وهذا ما كان من الله في مجازاة خلقه، وهذا ما ينبغي أن نربط به المجازاة بيننا. ... تمثيل حال المعرضين عن الحق المعاندين فيه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس:٨ و ٩]. لما ذكر عدم إيمانهم، وكان مبدأ ذلك بإعراضهم عن الحق واختيارهم الكفر على الإيمان، ذكر ما عاقبهم الله به من منعهم عن الخير ودوام الإعراض عنه. (الغل) ما يجعل في العنق محيطًا به. (الذقن) مجمع اللحيين، ملتقى عظميهما تحت الفم. ﴿مُقْمَحُونَ﴾ رافعون رؤوسهم. يقال: قمح البعير قموحاً إذا رفع رأسه عند الحوض وامتنع عن الشرب. ويقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا لضيقه. (السد) الحاجز بين الشيئين. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ جعلنا عليهم غشاء أي غطاء، أحاط بجميع الذات فمنع العيون من الإبصار. ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ أي الأغلال منتهية من أسفل الأعناق إلى الأذقان. وهذا كناية عن عرضها، ولذا فرع عليه ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. وفرع عدم إبصارهم على جعل سد أمامهم وسد خلفهم؛ لالتزاق السدين بهم، وضغطهما عليهم، فكما لا يستطيعون معهما تحركًا لا يستطيعون إبصاراً. وكيف يبصر من وجهه ملتزق بالحائط مثلاً؟

стр. 294

المعنى: إنا جعلنا في أعناق هؤلاء الذين لا يؤمنون أغلالًا ضيقة عريضة، تركتهم رافعين رؤوسهم عن مناهل الإيمان، لا يستطيعون أن يطأطئوا رؤوسهم إليها فيرتووا. وجعلنا أمامهم حجاباً وخلفهم حجاباً محيطين وملتزقين بهم ومغطين لجميع ذواتهم، فلا يستطيعون معهما تحركاً ولا إبصاراً. توجيه التمثيل: دعوا إلى الإيمان والتوحيد ومكارم الأخلاق، وهذه أمور مدرك حسنها بالفطرة السليمة، فهي كالماء الذي تقبل عليه الحيوانات بفطرتها، فلما أعرضوا عنها شبهوا بالإبل المقمحة عن الماء. ثم إن هذه الأمور كما يدرك حسنها بالفطرة السليمة، تدرك باستعمال النظر فيما بين يدي الإنسان من الآيات التي يراها ويشاهدها، وما خلفه من أيام الله في الأمم التي بلغته أخبارها وأنباؤها. فلما أعرضوا عما يرون وما قد سمعوا شبهوا بمن جعل بين سدين ملزقين ومحيطين به، فجمد في مكانه؛ فلا هو يتحرك إلى ناحية ولا هو يبصر شيئاً. ترهيب: كل ما دعا إليه الإسلام من عقائد وأخلاق وأعمال، فهو مما تقبله الفطر السليمة، وتدركه العقول بالنظر الصحيح. فمن قابل دعوة الإسلام بالإعراض والعناد، وخالف فطرته، وعاكس عقله، كان حقيقاً بهذا العقاب الشديد من طمس البصيرة، والطبع على القلب؛ فذكر الله لنا هذه العقوبة بهذا التمثيل البليغ، الذي صورها في أبشع وأفظع صورة؛ ليحذرنا من الإعراض عن الحق والعناد له، ويخوفنا بعاقبة ذلك على أهله. تعليم: لكل إنسان فطرته وعقله، فعلينا إذا دعينا إلى شيء أن نعرضه عليهما راجعين إلى الفطرة الإنسانية وإلى العقل البشري منزهين عن الأغراض والأهواء والأوهام والشبهات. فإذا كان هلاك هؤلاء بعدم الاستفادة منهما، فإن النجاة عندما تعرض الأمور بالرجوع إليهما. ونجد القرآن العظيم يخاطب العقل والفطرة؛ ليعلمنا الرجوع إليهما والاستفادة منهما. ***

стр. 295

من استوى عنده الانذار وعدم الانذار لا يرجى منه إيمان: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [بس:١٠]. لما ذكر- تعالى- عدم إيمانهم لما سبق من علم الله فيهم ذكر هنا سبباً آخر لذلك، وهو استواء الإنذار وعدمه لديهم. ذكر هذا السبب إثر ما تقدم من وصف حالهم في شدة الإعراض، للتنبيه على أن من فسدت فطرته، وانطمس عقله، يستوي عنده الإنذار وعدمه، فلا يكون منه إيمان على كل حال. ﴿سواء﴾ بمعنى مستو. والهمزة الأولى (١) أصلها للاستفهام، وليس مراداً هنا، وتسمى في مثل هذا التركيب همزة التسوية، لوقوعها بعد لفظها، ودخولها على الأول من أمرين يراد التسوية ما بينهما. وهي حينئذ من أدوات السبك ولذا يكون تأويل الكلام هكذا: سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك. المعنى: إن أكثر أهل مكة الذين حكم الله بعدم إيمانهم، بلغوا من شدة الإعراض والعناد إلى حيث استوى عندهم الضدان: الإنذار وعدم الإنذار، فمحقق منهم عدم الإيمان ومأيوس من صدوره من ناحيتهم. تحذير: يذكر الله- تعالى- حالة هؤلاء الذين استوى عندهم الشيء وضده، يحذرنا منها، ومما يؤدي إليها، من إهمال الفطرة وترك النظر. فإن الإنسان إنما يمتاز على بقية الحيوان بتمييزه بين الحقائق بالفطرة والفكرة، وإدراكه الفوارق ما بينها. فإذا سلب هذه المزية التحق بالعجماوات؛ بل كانت العجماوات خيراً منه لبقاء فطرتها سليمة لإدراك ما فيها استعداداً لإدراكه. ... تجديد الإنذار للمنتفعين به وتبشيرهم: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ [يس: ١١]. لما ذكر تعالى المأيوس من انتفاعهم بإنذار النبي- ﵌ ذكر الذين ينتفعون به تأنيساً له بهم، وتقوية له بظهور ثمرة إنذاره فيهم.

стр. 296

﴿الذكر﴾ القرآن. وهو من أسمائه التي تكررت في التنزيل، و"ال" فيه العهد. ﴿الغيب﴾ الخلوة عندما يغيب الإنسان عن عيون البشر. (التبشير) الإخبار بما يسر. (المغفرة) سترة الذنب بالتجاوز عنه وعدم المؤاخذة به. (الأجر) الجزاء على العمل. (الكريم) الطيب الشريف في نفسه الدافع في إثره الذي لا يشوب ذاته نقص ولا منفعته ضرر. وأفاد المضارع في ﴿تنذر﴾ تجديد الإنذار للمتبعين، وذكر اسم ﴿الرحمن﴾ ليفيد التركيب أنهم يخشونه مع العلم برحمته، وذلك يقتضي جمعهم بين الخوف والرجاء. ذكر المنتفعين بعد المأيوس من انتفاعهم، ترقية من الأدنى إلى الأعلى، ولأنهم كالزبدة التي يحصل عليها بعد طرح غيرها، ولإراحة القلب من أولئك، لتتوجه العناية التامة إلى هؤلاء. وذكرت الخشية بعد الاتباع لأنها لا تحصل إلاّ به. وجيء بعد بالتبشير مقروناً بالفاء، لأنه إنما يكون لأهل الاتباع والخشية، بسبب اتباعهم وخشيتهم. وذكر الأجر بعد المغفرة لأن التحلية بعد التخلية، والتزين بعد إزالة الأدران. المعنى: إنما يتجدد إنذارك وينتفع به الذين آمنوا، وهم الذين اتبعوا القرآن وخافوا الله في خلواتهم، لصدق إيمانهم خاشين نقمته، راجين رحمته. وهؤلاء كما تنذرهم وينتفعون بإنذارك، بشرهم- على اتباعهم للقرآن، وخشيتهم بالغيب للرحمن- بمغفرة ذنوبهم، وجزاء- شريفًا رفيعًا طيبًا نافعًا (١) لا نقص فيه ولا تنغيص- على أعمالهم. دفع إشكال: أمر النبي- ﵌ بالإنذار العام، ثم كان ممن أنذرهم قوم مأيوس منهم، وهؤلاء هم المراد بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ ... الآيات، وهم الذين جاء فيهم قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩]. إذ لا فائدة من إنذارهم. وكان قوم آخرون آمنوا وهؤلاء هم المرادون بقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ الآية. فلا منافاة بين قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ الذي يقتضي التعميم، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ الذي

стр. 297

يقتضي التخصيص؛ لأن الأول في مقام الإنذار العام، والثاني في مقام تجديد الإنذار والانتفاع به، وأما الإعراض فلا يكون إلاّ عن المأيوس منه من الكافرين. إرشاد: طريق السلوك الشرعي إنما هي اتباع القرآن، وأكمل أحوال العبد أن يخشى الله ويرجو رحمته. وأهل الاتباع والخشية لا يستغنون عن تجديد الإنذار، وذلك بدوام التذكير المشروع في الإسلام، وتذكير المؤمنين بإنذارهم وتبشيرهم؛ فلا يَأْمَنُون (١) من عذاب الله ولا يقنطون من رحمته. صفة المؤمن من هذه الآيات: المؤمن الكامل هو من سلمت فطرته، وصح إدراكه، واتبع القرآن في عقده، وخلقه، وعمله، واستوت خلوته وجلوته، وسره وعلنه؛ وعبد الله راجياً رحمته، خائفاً عذابه، يخيفه الإنذار، وترجيه البشرى بالمغفرة والأجر الكريم. ثبتنا الله والمسلمين على الايمان مع هذه الصفات إلى الممات، آمين يا رب العالمين. ... الحياة بعد الموت ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس:١٢]. اشتملت الآيات المتقدمة على ذكر الرسول وصفته، ورسالته التي جاء بها- وهي القرآن- ووصفها، والمرسل وهو العزيز الرحيم، والمرسل إليهم، وتعميم بالنذارة، وانقسامهم إلى معرضين معاندين، ومقبلين متبعين؛ فجاءت هذه الآية مشتملة على ما تكون فيه نتيجة ذلك وثمرته، وهو يوم القيامة. ووجه آخر (٢) وهو أن أمهات أصول العقائد ثلاثة: الإيمان بالله، والإيمان برسول الله، والإيمان باليوم الآخر. وقد انتظمت الآيات المتقدمة تقرير الأصل الثاني (٣) بالقسم عليه (٤) على ما تقدم من البيان، وانتظمت الأصل الأول (٥) ضمنًا بذكر العزيز الرحيم (٦). فجاءت هذه الآية لتقرير الأصل الثالث (٧).

стр. 298

سؤال: كيف يذكر الأصل الأول- وهو الأصل الأول- إلاّ بما ذكر به من الذكر الضمني؟ الجواب: ذلك لأمرين: الأول: أن هذه الأصول الثلاثة تذكر في أول السور، غير أن بعض السور تخصص بالحديث على بعض الأصول أكثر من غيره، ولا يذكر فيها غيره إلاّ ضمنًا كما هنا. الثاني: أن تقرير الأصل الثاني هو تقرير للأصل الأول؛ إذ جميع دلائل النبوة، دلائل على وجود الخالق وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته. (الإحياء): إيجاد الحياة في الجسم؛ ولا يكون إلاّ من الله. و (الميت): الجسم الذي يقبل الحياة ولا حياة فيه، سواء أكانت فيه وزالت، أم لم تكن فيه بعد كالجنين قبل نفخ الروح فيه. أكدت الجملة لأن الخطاب مع منكري البعث والنشور، وأكد إسم "إنّ" (١) بـ"نحن" ليفيد الاختصاص، فهو المحيي دون غيره. وعبر بـ ﴿نحيي﴾ فعلاً مضارعاً ليفيد تجديد الإحياء واستمراره، فيشمل إحياءه للأجنة في الدنيا، وإحياءه الثاني في الأخرى. وكثيراً ما جاء في القرآن الاستدلال على الإحياء الثاني بالإحياء الأول؛ فتكون كلمة ﴿نحيي﴾ قد اشتملت على العقيدة وهى الإحياء الثاني، ودليلها وهو الإحياء الأول. المعنى: يعرف الله- تعالى- عباده بأنه هو الذي يحيي الموتى دون غيره، ويذكرهم بما يشاهدونه من ذلك فيهم، وهم أجنة في بطون أمهاتهم؛ فيؤمنون بأنه يحييهم كذلك بعد موتهم، فيستعدون من حياتهم الأولى لحياتهم الثانية. ... إحصاء الأعمال المباشرة وغير المباشرة: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. لما أعلم الخلق بأنهم يحيون بعد الموت، أعلمهم بأن أعمالهم المباشرة وغير المباشرة مكتوبة عليهم؛ لأن حياتهم بعد الموت، لنيل جزاء ما كتب عليهم من أعمالهم. (قدم الشيء): جعله قدامه. وأعمال المرء التي يباشرها قدمها قبله في طريقه إِلى الآخرة، فهي محفوظة حتى يلحقها.

стр. 299

و (الأثر) ما يحصل من العمل، كالذي يحصل على وجه التراب من وضع الأقدام ويبقي بعد رفعها الإنسان ما يحصل من أعماله التي باشرها. عبر بـ ﴿نَكْتُبُ﴾ مضارعاً ليفيد التجدد والاستمرار، فما من عمل أو أثر يتجدد إلاّ ويكتب. وأسند الكتابة إليه، والكاتبون الملائكة، لأنهم بأمره يكتبون. المعنى: يعلم الله- تعالى- عباده بأنه يكتب كل أعمالهم التي يعملونها ويباشرونها بأنفسهم. ويكتب كذلك ما يعمله غيرهم، إذا كان متسبباً عن أعمالهم وأثراً لها. تنظير: مثل هذه الآية- في الدلالة على أن العبد مؤاخذ بما عمل مباشرة، وما عمله غيره، وكان من آثار عمله- قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]. فالذي أخره، هو أثره المذكور في (١) هذه الآية. تأييد وبيان: في صحيح مسلم من طريق جابر (٢) بن عبد الله- ﵄ قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله- ﵌ عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حبة، فحث الناس على الصدقة فأبطأوا عنه؛ حتى رؤي ذلك في وجهه .. قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عُرف السرور في وجهه، فقال رسول الله- ﵌: «من سن في الإسلام سنّة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (٣). وفيه من طريق أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله- صلى الله عليه رآله وسلم- قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.

стр. 300

ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (١). فتأيد بهذين الحديثين فهم المعنى المتقدم من الآية، وهو أن العبد له وعليه من آثار أعماله مما لم يباشره بنفسه، مثل ما له وما عليه من أعماله التي يباشرها. وبيَّن الحديث الأول: أن ما تسبب عن عمل المرء يعد أثراً لعمله عندما يعمل به في حياته مثلما يعمل به بعد مماته، إذ الذي جاء بالصرة أولاً قد تسبب في مجيئه مجيء من بعده على إثره، والحديث سيق في شأنهم؛ فتكون حالتهم أول ما يشمل. كما بين الحديث الثاني: أن أثر القول كأثر الفعل، إذ الكل عمل. وبين الحديثان: أن نيل المرء جزاء عمله الذي لم يباشره لا ينقص من جزاء العامل المباشر شيئا. تنبيه: من صورة الواقعة التي ورد فيها الحديث الأول علمنا: أن المراد بمن سن سنة حسنة أو سيئة، هو من ابتدأ طريقاً من الخير في أعمال البر والإحسان، وما ينتفع به الناس من شئون الحياة. ولا يشمل ذلك ما يحدثه المحدثون من البدع في العبادات من الزيادات والاختراعات، إذ الزيادة على ما وضعه الشرع من العبادات وحدده افتيات (٢) عليه واستنقاص له؛ وهذه هي البدعة التي قال فيها النبي- ﵌ «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٣). تحذير: على العاقل- وقد علم أنه محاسب على أفعاله وعلى آثار أقواله- ألاّ يفعل فعلاً ولا يقول قولاً حتى ينظر في عواقبه، فقد تكون تلك العواقب أضر عليه من أصل القول وأصل الفعل؛ فقد يقول القول مرة، ويفعل الفعل مرة، ثم يقتدي به فيه آلاف عديدة في أزمنة متطاولة. حقاً إن هذا لشيء تنخلع منه القلوب، وترتعد منه الفرائص، وصدق القائل من السلف ﵃: "السعيد من ماتت معه سيئاته".

стр. 301

الإحصاء العام في الكتاب الإمام: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. لما أعلم العباد بأنه يكتب لهم وعليهم أعمالهم، أعلمهم بأنه تعالى قد كتب كل الأشياء لا خصوص أعمالهم تعميماً بعد تخصيص. (الإحصاء) تحصيل الشيء بالعد وضبطه والإحاطة به. (الإمام) ما يؤتم ويقتدى به، والكتاب إمام لأنه يتبع فيؤخذ بما فيه ويعتمد عليه. و (المبين) المظهر لما فيه، فكل ما فيه ظاهر فيه. أصل الكلام: أحصينا كل شيء أحصيناه. فحذف أحصينا الأول لدلالة الثاني، فكان هذا أقوى في ثبوت الإحصاء ووقوعه على كل شيء. المعنى: يعلم الله عباده بأنه حصل كل شيء من ذوات وأقوال وأفعال، وجميع ما كان في العالم وما يكون، وأثبته فرداً فرداً في كتاب إمام معتمد، مظهر للأشياء التي فيه، فهي ثابتة ظاهرة جلية. اعتبار: فقد أحاط الله بكل شيء علماً، فهو غني بعلمه عن هذه الكتابة، ولكنه جعل هذا الكتاب إظهاراً لعظمة ملكه وليعلم عباده الضبط والإحصاء في جميع أمورهم وليبالغوا في محاسبة أنفسهم وليعلموا أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم (١)، فيزول من قلوبهم الخوف من الحوادث والمخلوقات وتعظم ثقتهم بالله. وفي ذلك أعظم قوة في هذه الحياة، وأكبر راحة للقلب من صروفها. نسأل الله سبحانه أن يقوي قلوبنا بالإيمان، وأن يريحنا باليقين، وأن يعيذنا من الخوف إلاّ منه، ومن الخضوع إلاّ له آمين يا رب العالمين.

стр. 302

القسم الخامس آيات بيِّنات في هذا القسم: ١ - سبيل السعادة والنجاة. ٢ - كيف تكون الدعوة إلى الله، والدفاع عنها. ٣ - دعوة أهل الكتاب. ٤ - الإجتماع العام للأمر الهام، وارتباط الجماعة بأمر الإمام. ٥ - الود من إكرام الله لأولياء الله. ٦ - حسن التلقي، وطلب المزيد. ٧ - من وعد الله للصالحين. ٨ - دفاع الله عن المؤمنين. ٩ - أكل الحلال والعمل الصالح. ١٠ - الفرار إلى الله، والفرار من الله.

стр. 303

١ - سبيل السعادة والنجاة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف:١٠٨]. تمهيد: خلق الله [تعالى]. محمداً- ﵌ أكمل الناس، وجعله قدوتهم، وفرض عليهم اتباعه والائتساء به (١)، فلا نجاة لهم من المهالك والمعاطب، ولا وصول لهم إلى السعادة في دنياهم وأخراهم، ومغفرة خالقهم ورضوانه- إلاّ باقتفاء آثاره والسير في سبيله. فلهذا أمر الله نبيه- ﵌ أن يبين سبيله بياناً عاماً للناس، لتتضح المحجة للمهتدين، وتقوم الحجة على الهالكين. أمره أن يبينها البيان الذي يصيرها مشاهدة بالعيان، ويشير إليها كما يشار إلى سائر المشاهدات، فقال له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾. ثم بين سبيله بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الله على بصيرة، وتنزيه الله تعالى، والبراءة من المشركين، فقال: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الدعوة إلى الله: فالنبي- ﵌ من يوم بعثه الله إلى آخر لحظة من حياته، كان يدعو الناس كلهم إلى الله، بأقواله وأفعاله وتقريراته وجميع مواقفه في سائر مشاهده. وكانت دعوته هذه بوجوهها كلها واضحة جلية لا خفاء بها، كما قال- ﵌: «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» (٢)، فكانت مشاهدة معينة، كما أشير إليها في الآية إشارة المعين المشاهد.

стр. 304

كان يدعو إلى دين الله، ويبين هو ذلك الدين ويمثله: يدعو إلى عبادة الله وتوحيده وطاعته، ويشاهد الناس تلك العبادة والتوحيد والطاعة، فكان- ﵌ كله دعوة إلى الله. فما دعا إلى نفسه؛ فقد مات ودرعه مرهونة في دَيْن. وما دعا إلى قومه، فقد كان يقول: «لا فضل لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلاّ بتقوى الله» (١). كان يدعو الناس كلهم، إذ هو رسول الله إلى الناس كلهم، فكتب الكتب وأرسل الرسل، فبلغت دعوته إلى الأمم وملوك الأمم. كان يدعو الكافرين كما يدعو المؤمنين، يدعو أولئك إلى الدخول في دين الله ويدعو هؤلاء إلى القيام بدين الله، فلم ينقطع يوماً عن الإنذار والتبشير والوعظ والتذكير. كان يدعو إلى الله على بينة وحجة يحصل بها الإدراك التام للعقل، حتى يصير الأمر المدرك واضحاً لديه كوضوح الأمر المشاهد بالبصر، فهو على بينة ويقين من كل ما يقول ويفعل، وفي كل ما يدعو من وجوه الدعوة إلى الله في حياته كلها، وفي جميع أحواله. وكانت دعوته المبنية على الحجة والبرهان، مشتملة على الحق والبرهان، فكان يستشهد بالعقل، ويعتضد بالعلم، ويستنصر بالوجدان، ويحتج بأيام الله في الأمم الخالية، وما استفاض من أخبارها، وبقي من آثارها من أنباء الأولين، وما يمر الناس عليه ﴿مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٦]. على كل مسلم أن يكون داعياً إلى الله: لقد كان في بيان أن الدعوة إلى الله هي سبيل محمد- ﵌ ما يفيد أن على أتباعه- وهو قدوتهم ولهم فيه الأسوة الحسنة- أن تكون الدعوة إلى الله سبيلهم. ولكن لتأكيد هذا عليهم وبيان أنه من مقتضى كونهم أتباعه وأن أتباعهم له لا يتم إلاّ به- جاء التصريح بذلك هكذا: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فالمسلمون أفراداً وجماعات، عليهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله، وأن تكون دعوتهم على بينة وحجة وإيمان ويقين، وأن تكون دعوتهم وفقاً لدعوته، وتبعاً لها. ماهية الدعوة: ١ - فمن الدعوة إلى الله: دروس العلوم كلها، مما يفقه في دين الله، ويعرف بعظمة الله وآثار قدرته، ويدل على رحمة الله وأنواع نعمته.

стр. 305

فالفقيه الذي يبين حكم الله وحكمته، دل إلى الله. والطبيب المشرح الذي يبين دقائق العضو ومنفعته دل إلى الله. ومثلهما كل مبين في كل علم وعمل. ٢ - ومن الدعوة إلى الله: بيان حجج الإسلام، ودفع الشبه عنه، ونشر محاسنه بين الأجانب عنه ليدخلوا فيه، وبين مزعزعي العقيدة من أبنائه ليثبتوا عليه. ٣ - ومن الدعوة إلى الله: مجالس الوعظ والتذكير، لتعريف المسلمين بدينهم، وتربيتهم في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم على ما جاء به، وتحبيبهم فيه، ببيان ما فيه من خير وسعادة لهم. وتحذيرهم مما أدخل من محدثات عليه هي سبب كل شقاوة وشر لحقهم. وبيان أنه ما من سبب مما تسعد به البشرية أفرادها وأممها إلاّ بيّنه لهم ودعاهم إليه، وما من سبب مما تشقى به البشرية أفرادها وأممها إلاّ بيّنه لهم ونهاهم عنه. وبيان أنه لولا عقيدته المتأصلة فيهم، وبقاياه الباقية لديهم، ومظاهره القائمة بهم، لما بقيت لهم- وهم المجردون من كل قوة- بقية، ولتلاشت أشلاؤهم- وهم الأموات- في الأمم الحية. ٤ - ومن الدعوة إلى الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء، وإنما يتنوع الواجب بحسب رتبة الاستطاعة: فيجب باليد، فإن لم يستطع فباللسان، فإن لم يستطع فبالقلب، وهو أضعف الإيمان (١)، وأقل الأعمال في هذا المقام. ٥ - ومن الدعوة إلى الله: ظهور المسلمين- أفراداً وجماعات- بما في دينهم من عفة وفضيلة، وإحسان ورحمة وعلم وعمل وصدق وأمانة؛ فذلك أعظم مرغب للأجانب في الإسلام، كما كان ضده أعظم منفر لهم عنه، وما انتشر الإسلام أول أمره بين الأمم، إلاّ لأن الداعين إليه كانوا يدعون بالأعمال، كما يدعون بالقول، وما زالت الأعمال عياراً على الأقوال. ٦ - ومن الدعوة إلى الله: بعث البعثات إلى الأمم غير المسلمة، ونشر الكتب بألسنتها، وبعث المرشدين إلى عواصم الأمم المسلمة لهدايتهم وتفقيههم. وكل هذا من الدعوة إلى الله ثابتة أصوله في سنة النبي- ﵌ وسنة السلف الصالح من بعده. فعلى كل مسلم أن يقوم بما استطاع منه في كل وجه من وجوهه، وليعلم أن الدعوة إلى الله على بصيرة هي سبيل نبيه- ﵌ وسبيل إخوانه الأنبياء صلوات الله عليهم من قبله.

стр. 306

فلم يكن المسلم ليدع من هذا المقام الشريف- مقام خلافة النبوة- شيئاً من حظه، وإذا كان هذا المقام ثابتاً لكل مسلم ومسلمة، وحقا القيام به- بقدر الاستطاعة- على كل مسلم ومسلمة- فأهل العلم به أولى وهو عليهم أحق، وهم المسؤولون عنه قبل جميع الناس. وما أصاب المسلمين ما أصابهم إلاّ يوم قعد أهل العلم عن هذا الواجب عليهم. وإذا عادوا إلى القيام به- وقد عادوا والحمد لله- أوشك- إن شاء الله- أن ينجلي عن المسلمين مصابهم. تفرقة: ليس كل من زعم أنه يدعو إلى الله يكون صادقاً في دعواه، فلا بد من التفرقة بين الصادقين والكاذبين. والفرق بينهما- مستفاد من الآية- بوجهين: الأول: أن الصادق لا يتحدث عن نفسه، فلا يستطيع أن ينسى نفسه في أقواله وأعماله. وهذا الفرق من قوله تعالى: ﴿إِلَى اللهِ﴾. الثاني: أن الصادق يعتمد على الحجة والبرهان، فلا تجد في كلامه كذباً ولا تلبيساً ولا ادعاء مجرداً، ولا تقع من سلوكه في دعوته على التواء ولا تناقض ولا اضطراب. وأما الكاذب فإنه بخلافه: فإنه يلقي دعاويه مجردة ويحاول تدعيمها بكل ما تصل إليه يده، ولا يزال لذلك في حنايا وتعاريج لا تزيده إلاّ بعداً عن الصراط المستقيم. وهذا الفرق من قوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾. مباحث لفظية: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ يتعلق بـ ﴿أدعو﴾، واختيرت ﴿على﴾ لتدل على تمام التمكن و ﴿أنا﴾ تأكيد للضمير المستتر في ﴿أدعو﴾، ونكتته الإعلان بنفسه في مقام الدعوة، وشأن الداعي على بصيرة أن يجهر بدعوته ولا يستسر بها، واتصال اللفظ الدال عليه باللفظ الدال على اتباعه كما تتصل بدعوته. وشأن الصورة اللفظية مطابقة الصورة الخارجية والكلام تصوير للواقع. ﴿من﴾ تفيد العموم لكل تابع، وأكملهم في الاتباع أكملهم في الدعوة؛ لأن الموصول يفيد التعليل بصلته، فهم يدعون لأنهم متبعون. تنزيه الله تعالى: الإعتراف بوجود خالق للكون يكاد يكون غريزة مركوزة في الفطرة، ويكاد لا تكون لمنكريه- عناداً- نسبة عددية بين البشر. ولكن أكثر المعترفين بوجوده قد نسبوا إليه ما لا يجوز عليه، ولا يليق بجلاله: من الصاحبة

стр. 307

والولد، والمادة والصورة، والحلول، والشريك في التصرف في الكون، والشريك في التوجه والضراعة إليه، والسؤال منه والاتكال عليه. فأرسل الله الرسل ليبينوا للخلق تنزهه عن ذلك كله. وكان من سبيل محمد- ﵌ أنه يدعو الخلق إلى الله، وينزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون وتخيله المتخيلون، وهو معنى قوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللهِ﴾. فهو يدعوهم إلى الله الذي قد عرفوا وجوده بفطرتهم، وعرفوا أنه هو خالق الكون وخالقهم، لا يسميه إلاّ بما سمى به نفسه، ولا يصفه إلاّ بما وصف به نفسه، ويعرفهم بآثار قدرته، ومواقع رحمته، ومظاهر حكمته، وآيات ربوبيته وألوهيته، ووحدانيته في جلاله وسلطانه، وينزهه عن المشابهة والمماثلة لشيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وهذا التنزيه- وإن كان داخلاً في الدعوة إلى الله فإنه- خصص بالذكر، لعظم شأنه؛ فإنه ما عرف الله من شبهه بخلقه، أو نسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو أشرك به سواه. وإن ضلال أكثر الخلق جاءهم من هذه الناحية. فمن أعظم وجوه الدعوة وألزمها، تنزيه الله تعالى عن الشبيه والشريك، وكل ما لا يليق. والمسلمون المتبعون لنبيهم- ﵌ في الدعوة إلى الله على بصيرة، متبعون له في هذا التنزيه: عقداً، وقولًا، وعملاً، وإعلاناً، ودعوة. مباحث لفظية: ﴿سبحان﴾ منصوب بفعل محذوف تقديره أسبح أي أنزه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أدعو﴾، فهي من بيان القبيل. البراءة من المشركين: الأمة التي بعث منها النبي- ﵌ وهي أول أمة دعاها إلى الله، هي الأمة العربية، وهي أمة كانت مشركة تعرف أن الله خلقها ورزقها، وتعبد مع ذلك أوثانها: تزعم أنها تقربها إلى الله، وتتوسط لها لديه!! فكان النبي- ﵌ كما يدعو إلى الله وينزهه، يعلن براءته من المشركين، وأنه ليس منهم: براءة من عقيدتهم، وأقوال وأعمال شركهم. فهو مباين لهم في العقد، والقول، والعمل مباينة الضد للضد. فكما باين التوحيد الشرك، باين هو المشركين، وذلك معنى قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهذه البراءة والمباينة- وإن كانت مستفادة من أنه يدعو إلى الله وينزهه- فإنها نص عليها بالتصريح، لتأكيد أمر مباينة المشركين، والبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره جلية وخفية.

стр. 308

في جميع مظاهر شركهم، حتى في صورة القول، كما "شاء الله وشاء فلان". فلا يقال: "وشاء فلان" كما جاء في حديث (١) بيناه في جزء من الأجزاء الماضية. أو في صورة الفعل: كأن يسوق بقرة أو شاة مثلاً إلى ضريح من الأضرحة، ليذبحها عنده، فإنه ضلال كما قاله "الشيخ الدردير في باب النذر". فضلاً عن عقائدهم: كاعتقاد أن هناك ديواناً من عباد الله يتصرف في ملك الله وأن المذنب لا يدعو الله وإنما يسأل من يعتقد فيه الخير من الأموات، وذلك الميت يدعو له الله!! لتأكيد أمر المباينة للمشركين في هذا كله نص عليها بالتصريح كما قلنا، وللبعد عن الشرك بجميع وجوهه وصوره وجليه وخفيه. والمباينة والتبري لازمة من كل كفر وضلال، وذلك مستفاد من الدعوة إلى الله وتنزيهه. وإنما خصص المشركين لما تقدم ولأن الشرك هو شرك الكفر وأقبحه. ولما كانت هذه المباينة والبراءة داخلة في الدعوة إلى الله وتنزيهه، فالمسلمون المتبعون لنبيهم- ﵌ كما يدعون إلى الله على بصيرة، وينزهونه؛ يباينون المشركين في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم، ويطرحون الشرك بجميع وجوهه، ويعلنون براءتهم وانتفاءهم من المشركين. والحمد لله رب العالمين. ... ٢ - كيف تكون الدعوة إلى الله والدفاع عنها ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. سبيل الرسل ﷻ : شرع الله لعباده- بما أنزل من كتابه، وما كان من بيان رسوله- ما فيه استنارة عقولهم، وزكاء نفوسهم، واستقامة أعمالهم. وسماه سبيلاً ليلتزموه في جميع مراحل سيرهم في هذه الحياة، ليفضي بهم إلى الغاية المقصودة، وهي السعادة الأبدية قي الحياة الأخرى. وأضافه إلى نفسه، ليعلموا أنه هو وضعه، وأنه لا شيء يوصل إلى رضوانه سواه.

стр. 309

وذكر من أسمائه الرب؛ ليعلموا أن الرب الذي خلقهم وصورهم (١)، ولطف بهم في جميع أطوار خلقهم ومراحل تكوينهم: هو الذي وضع لهم هذه السبيل لطفاً منه بهم، وإحساناً إليهم، لينهجوها في مراحل حياتهم، فكما كان رحيماً بهم في خلقه، كان رحيماً بهم في شرعه، فيسيروا فيها عن رغبة ومحبة فيها ومع شكر له وشوق إليه. وأمر نبيه- ﵇ أن يدعو الناس أجمعين- وحذف معمول "ادع" لإفادة العموم- إلى هذه السبيل، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾. إهتداء: أمر الله نبيه- ﵌ أن يدعو إلى سبيل ربه، وهو الأمين المعصوم فما ترك شيئاً من سبيل ربه إلاّ دعا إليه، فعرفنا بهذا أن ما لم يدع إليه محمد- ﵌ فليس من سبيل الرب ﷻ ؛ فاهتدينا بهذا- وأمثاله كثير- إلى الفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ودعاة الله ودعاة الشيطان. فمن دعا إلى ما دعا إليه النبي- ﵌ فهو من دعاة الله، يدعو إلى الحق والهدى. ومن دعا إلى ما لم يدع إليه محمد- ﵌ فهو من دعاة الشيطان يدعو إلى الباطل والضلال. إقتداء: فالمسلم المتبع للنبي- ﵌ لا يألو جهداً في الدعوة إلى كل ما عرف من سبيل ربه، وبقيام كل واحد من المسلمين بهذه الدعوة بما استطاع، تتضح السبيل للسالكين، ويعم العلم بها عند المسلمين، وتخلو سبل الباطل على دعاتها من الشياطين. أركان الدعوة: ١ - الداعي، وهو النبي ﵌. ٢ - والمدعو، وهم جميع الناس. ٣ - والمدعو إليه، وهو سبيل الرب ﷻ . والدعوة إلى سبيله الموصل إليه دعوة إليه، فالمدعو إليه في الحقيقة هو الله تعالى. ٤ - والبيان عن الدعوة. وتجيء الآيات القرآنية منها ما هو حديث وبيان عن الداعي، ومنها ما هو حديث وبيان عن المدعو إليه، ومنها ما هو حديث وبيان عن بيان الدعوة. وتتضمن كل آية جاءت في واحد الذكر أوجه الإشارة للثلاثة الأخرى، وهذه الآية الكريمة

стр. 310

جاءت في بيان كيفية الدعوة، وبماذا تؤدى؟ وكيف يدافع عنها؟ مع ذكر الداعي والمدعو إليه؛ فقال تعالى: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. (الحكمة) هي العلم الصحيح الثابت، المثمر للعمل المتقن المبني على ذلك العلم. فالعقائد الحقة والحقائق العلمية الراسخة في النفس رسوخاً تظهر آثاره على الأقوال والأعمال- حكمة. والأعمال المستقيمة، والكلمات الطيبة التي أثمرتها تلك العقائد- حكمة. والأخلاق الكريمة كالحلم والأناة- وهي علم وعمل نفسي- حكمة. والبيان عن هذا كله بالكلام الواضح الجامع- حكمة؛ تسمية للدال باسم المدلول. إستدلال واستنتاج: في سورة الإسراء ثمان عشرة آية، جمعت أصول الهداية، من قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]. الى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩]. وقد جمعت تلك الآيات كل ما ذكرنا من العقائد الحقة، والحقائق العلمية، والأعمال المستقيمة والكلمات الطيبة، والأخلاق الكريمة. وسمى الله ذلك كله حكمة فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩]. وقال النبي ﷺ : «إن من الشعر حكمة» (١) وذلك لأن من الشعر ما فيه بيان عن عقيدة حق، أو خلق كريم، أو عمل صالح، أو علم وتجربة: كشعر أمية بن أبي الصلت، الذي قال فيه النبي- ﵌ «كاد أن يسلم» (٢). وككلمة لبيد ﵁:* ألا كل شيء ما خلا الله باطل (٣) * التي قال فيها ﷺ :

стр. 311

«أصدق كلمة قالها الشاعر» (١). فالحكمة التي أمر الله نبيه- ﵌ أن يدعو الناس إلى سبيل ربه بها، هي البيان الجامع الواضح للعقائد بأدلتها، والحقائق ببراهينها، والأخلاق الكريمة بمحاسنها، ومقابح أضدادها، والأعمال الصالحة: من أعمال القلب واللسان والجوارح بمنافعها ومضارّ خلافها. وهكذا كان بيانه لهذه الأشياء كلها؛ بما صح من أحاديثه وجوامع كلمه، وهكذا هو بيان القرآن لها كلها، حيثما كانت من آياته. فآيات القرآن وأحاديثه- ﵌ في بيان هذه الأشياء البيان المذكور- هما الحكمة التي كان يدعو إلى سبيل ربه بها. وتلك الأشياء كلها هي أيضا حكمة وهي التي كان يعلمها كما في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ من دل إلى الحكمة بالحكمة، ومعلم للحكمة بالحكمة. إهتداء واقتداء: هدتنا الآية الكريمة إلى أسلوب الدعوة: وهو الحكمة، وتجلت هذه الحكمة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فعلينا أن نلزمها جهدنا حيثما دعونا، ونقتدي باساليب القرآن والسنة في دعوتنا، فيما يحصل الفهم واليقين، والفقه في الدين والرغبة في العمل والدوام عليه. وها نحن قد بلغ الحال بنا إلى ما بلغ إليه من الجهل بحقائق الدين، والجمود في فهمه، والإعراض عن العمل به، والفتور في العمل. فحق على أهل الدعوة إلى الله- وخصوصاً المعلمين- أن يقاوموا ما بيَّنَّا من جهل وجمود وإعراض وفتور، بالتزام البيان للحقائق العلمية بأدلتها، والعقائد ببراهينها، والأخلاق بمحاسنها، والأعمال بمصالحها. وقد وجد الأخذ بهذه الأساليب القرآنية- والحمد لله- وأخذ أثرها- بفضل الله- يظهر في

стр. 312

الناس بقدر الأخذ بها، ويوشك أن تتجدد بذلك في المسلمين حياة إن شاء الله (١). الموعظة الحسنة: الوعظ والموعظة، الكلام الملين للقلب، بما فيه من ترغيب وترهيب فيحمل السامع- إذا اتعظ وقبل الوعظ، وأثر فيه- على فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه. وقد يطلق على نفس الأمر والنهي. الإستدلال: ففي حديث العرباض (٢) الذي رواه الترمذي وغيره: "وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت (٣) منها القلوب، وذرفت (٤) منها العيون" (٥) فقد خطب فيهم خطبة كان لها هذا الأثر في قلوبهم، فهذه حقيقة الموعظة. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦]. أي يؤمرون به. وقال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧]. أي ينهاكم. فهذا من إطلاق الوعظ على الأمر والنهي؛ لأن شأن الأمر والنهي أن يقترن بما يحمل على امتثاله من الترغيب والترهيب. بماذا تكون الموعظة: يكون الوعظ بذكر أيام الله في الأمم الخالية، وباليوم الآخر، وما يتقدمه، وما يكون فيه من مواقف الخلق وعواقبهم، ومصيرهم إلى الجنة أو النار، وما في الجنة من نعيم، وما في النار عن عذاب أليم، وبوعد الله ووعيده، وهذه أكثر ما يكون بها الوعظ. ويكون بغيرها كتذكير الإنسان بأحوال نفسه، ليعامل غيره بما يحب أن يعامل به، وهو من أدق فنون الوعظ وأبلغها، مثل قوله تعالى وقد نهى أن يقال لمن ألقى السلام لست مؤمنا- ﴿كَذَلِكَ

стр. 313

كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]. وقوله تعالى- وقد أمر بالعفو والصفح- ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. تفريق بالتمثيل: يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤]. هذه حكمة. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. هذه موعظة. ويقول تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]. هذه أيضاً موعظة. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤]. هذه حكمة، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤]، هذه موعظة. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠]. هذه حكمة. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. هذه موعظة؟ وهكذا تمتزج المواعظ الحسنة بالحكم البالغة في آيات القرآن العظيم، فتتبعها في جميع سوره تجدها، وتدبرها تقع منها على علوم جمة، وأسرار غزيرة. حسن الموعظة: الموعظة التي تحصل المقصود منها: من ترقيق للقلوب، للحمل على الامتثال لما فيه خير الدنيا والآخرة هي الموعظة الحسنة. وإنما يحصل المقصود منها إذا حسن لفظها؛ بوضوح دلالته على معناها، وحسن معناها بعظيم وقعه في النفوس، فعذبت في الأسماع، واستقرت في القلوب، وبلغت مبلغها من دواخل النفس البشرية، فأثارت الرغبة والرهبة، وبعثت الرجاء والخوف، بلا تقنيط من رحمة الله، ولا تأمين من مكره، وانبعثت عن إيمان ويقين، ونادت بحماس وتأثر، فتلقتها النفس من النفس، وتلقفها القلب من القلب، إلاّ نفساً أحاطت بها الظلمة، وقلباً عَمَى عليه الران (١). عافى الله قلوب المؤمنين. تطبيق واستدلال: كل هذا تجده في مواعظ القرآن، وفيما صح من مواعظ النبي، ﵌. وكان- ﵌ كما جاء في الصحيح: «إذا خطب، وذكر الساعة اشتد غضبه

стр. 314

وعلا صوته، واحمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، كأنه منذر جيش يقول صبحكم، ومساكم، وكان يقصر خطبه في بلاغة وإيجاز» (١). إهتداء واقتداء: هدتنا الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها إلى أن من الموعظة ما هو حسن، وهو الذي تكون به الدعوة، ومنها ما هو ليس بحسن فيتجنب. وبينت مواعظ القرآن، ومواعظ النبي- ﵌ ذلك الحسن. فعلينا أن نلتزمه؛ لأنه هو الذي تبلغ به الموعظة غايتها، وتثمر بإذن الله ثمرتها. وعلينا أن نجتنب كل ما خالفه مما يعدم ثمرة الموعظة كتعقيد ألفاظها؛ أو يقلبها إلى ضد المقصود منها، كذكر الأثار الواهية التي فيها أعظم الجزاء على أقل الأعمال. تحذير: أكثر الخطباء في الجمعات اليوم في قطرنا يخطبون الناس بخطب معقدة، مسجعة طويلة، من مخلفات الماضي، لا يراعى فيها شيء من أحوال الحاضر وأمراض السامعين، تلقى بترنم وتلحين، أو غمغمة وتمطيط، ثم كثيراً ما تختم بالأحاديث المنكرات، أو الموضوعات. هذه حالة بدعية في شعيرة من أعظم الشعاثر الإسلامية، سد بها أهلها باباً عظيماً من الخير فتحه الإسلام، وعطلوا بها الوعظ والإرشاد وهو ركن عظيم من أركان الإسلام. فحذار أيها المؤمن من أن تكون مثلهم إذا وقفت خطيباً في الناس. وحذار من أن تترك طريقة القرآن والمواعظ النبوية إلى ما أحدثه المحدثون. ورحم الله أبا الحسن- كرم الله وجهه- فقد قال: "الفقيه كل الفقيه كل الفقيه، من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكره، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه". الجدال بالتي هي أحسن: لا بد أن يجد داعية الحق معارضة من دعاة الباطل، وأن يلقى منهم مشاغبة بالتشبهات، واستطالة بالأذى والسفاهة؛ فيضطر إلى رد باطلهم وإبطال شغبهم، ودحض شبههم، وهذا هو جدالهم ومدافعتهم الذي أمر به نبيه ﵌ بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ ... ﴾ (٢).

стр. 315

ولما كان أهل الباطل لا يجدون في تأييد باطلهم إلاّ الكلمات الباطلة يموهون بها، والكلمات البذيئة القبيحة يتخذون سلاحاً منها، ولا يسلكون في مجادلتهم إلاّ الطرق الملتوية المتناقضة، فيتعسفون فيها ويهربون إليها؛ لما كان هذا شأنهم، أمر الله نبيه- ﵌. أن يجتنب كلماتهم الباطلة والقبيحة، وطرائقهم المتناقضة والملتوية. وأن يلتزم في جدالهم كلمة الحق والكلمات الطيبة البريئة. وأن يسلك في مدافعتهم طريق الرفق والرجاحة والوقار، دون فحش ولا طيش ولا فظاظة. وهذه الطريقة في الجدال هي التي هي أحسن من غيرها، في لفظها ومعناها، ومظهرها وتأثيرها، وإفضائها للمقصود من إفحام المبطل وجلبه، ورد شره عن الناس، وإطلاعهم على نقصه، وسوء قصده. وهذه هي الطريقة التي أمر الله نبيه- ﵌ بالجدال بها في قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. إهتداء واقتداء: هدتنا الآية الكريمة إلى الطريقة المحمودة المشروعة في الجدال. وفي آيات القرآن بيان لهذه الطريقة البيان التام، فإنه كما لم يترك القرآن عقيدة من عقائد الإسلام إلاّ بينها وأوضح دليلها، ولا أصلاً من أصول أحكامه أو أصول آدابه إلاّ بينه واحتج له وذكر حكمته وثمرته، كذلك لم يترك شبهة من شبه الباطل إلاّ ردها بالطريقة الحسنة التي أمر بها. وجاءت السنة النبوية الكريمة، والسيرة المحمدية الشريفة، مطبقة لذلك ومنفذة له. فالكتاب والسنة، فيهما البيان الكافي الشافي للجدال بالتي هى أحسن، كما فيهما البيان الشافي الكافي للحكمة والموعظة الحسنة. فعلينا أن نطلب هذا كله من الكتاب والسنة، ونجهد في تتبعه وأخذه واستنباطه منهما، وندأب على العمل بما نجده، والتحلي به، والإلتزام له، من هذه الأصول الثلاثة في الدعوة والدفاع عنها. أحكام وتنزيل: أمر الله بالدعوة وبالجدال على الوجه المذكور، فكلاهما واجب على المسلمين أن يقوموا به. فكما يجب لسبيل الرب ﷻ ، أن تعرف بالبيان بالحكمة، وأن تحب بالترغيب بالموعظة الحسنة؛ كذلك يجب أن يدافع من يصدون عنها بالتي هي أحسن، إذ لا قيام لشيء من الحق إلاّ بهذه الثلاث. غير أن الدعوة بوجهيها والجدال ليستا في منزلة واحدة في القصد والدوام: فإن المقصود بالذات هو الدعوة، وأما الجدال فإنه غير مقصود بالذات، وإنما يجب عند وجود المعارض بالشبهة،

стр. 316

والصادّ بالباطل عن سبيل الله؛ فالدعوة بوجهيها أصل قائم دائم، والجدال يكون عند وجود ما يقتضيه، ولهذا كانت الدعوة بوجهيها محمودة على كل حال، وكان الجدال مذموماً في بعض الأحوال؛ وذلك فيما إذا استعمل عند عدم الحاجة إليه، فيكون حينئذ شاغلًا عن الدعوة ومؤديًا (١) - في الأكثر- إلى الفساد والفتنة. فإذا كان جدالًا لمجرد الغلبة والظهور، فهو شر كله. وأشد شراً منه إذا كان لمدافعة الحق بالباطل. وفي هذه الأقسام الممنوعة جاء مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]. وقوله ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» (٢) ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. تحذير: المدافعة والمغالبة من فطرة الإنسان، ولهذا كان الإنسان أكثر شيء جدلاً. غير أن التربية الدينية هي التي تضبط خلقه، وتقوم فطرته، فتجعل جداله بالحق عن الحق. فلنحذر من أن يطغى علينا خلق المدافعة والمغالبة، فنذهب في الجدل شر مذاهبه، وتصير الخصومة لنا خلقاً، ومن صارت الخصومة له خلقاً أصبح يندفع معها في كل شيء، ولأدنى شيء، ولا يبالي بحق ولا باطل، وإنما يريد الغلب بأي وجه كان، وهذا هو الذي قال فيه النبي صلى اله عليه وآله وسلم: «إن أبغض الرجال إلى الله الألذ الخصم» (٣). ومن ضبط نفسه وراقب ربه، لا يجادل إذا جادل إلاّ عن الحق وبالتي هي أحسن. علينا الدعوة والجدال، وإلى الله الهدى والضلال، والمجازاة على الأعمال: الدعوة بوجهيها يجب أن تكون عامة، والجدال على وجهه عام مثلها. ثم يكون حظ كل أحد من الهدى والضلال على حسب استعداده وقابليته، وما سبق عليه

стр. 317

من أمر ربه، وتكون مجازاته على ذلك للخالق، الذي هو العالم بمن خرج عن طريقه وأعرض عن هداه، وبالذين قبلوا هداه فاهتدوا وساروا في سبيله. والعدل الحقيقي التام في الجزاء، إنما يكون ممن يعلم السر والعلن، وليس ذلك إلاّ لله، فلا يكون الجزاء على الهدى والضلال من سواه؛ ولهذا ختمت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. ثمرة: ثمرة العلم بهذا: أن الداعي يدعو ولا ينقطع عن الدعوة ولو لم يتبعه أحد، لأنه يعلم أن أمر الهدى والضلال إلى الله، وإنما عليه البلاغ. وأنه يصبر على ما يلقى من إعراض وعناد وكيد وأذى، دون أن يجازي بالمثل، أو يفتر في دعوته من أذاه؛ لعلمه بأن الذي يجازي إنما هو الله. جعلنا الله والمسلمين من الدعاة إلى سبيله كما أمر، الصابرين المحتسبين أمام من آمن وشكر، ومن جحد وكفر؛ غير منتظرين إلاّ جزاءه، ولا متكلين إِلا عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... ٣ - دعوة أهل الكتاب ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ و ١٦]. تمهيد: أرسل الله محمداً- ﵌ لجميع الأمم؛ فكانت رسالته عامة، وكانت دعوته عامة مثلها. وجاءت آيات القرآن بالدعوة العامة في مقامات، وبالدعوة الخاصة لبعض من شملتهم الدعوة العامة في مقامات أخرى. ولما أرسل الله محمداً- ﵌ كان الخلق قسمين: أهل كتاب- وهم اليهود والنصارى- وغيرهم. وكان أشرف القسمين أهل الكتاب؛ بما عندهم من النصيب من الكتاب الذي أوتوه على نسيانهم لحظ منه، وتحريفهم لما حرفوا. وكانوا أولى القسمين باتباع محمد- ﵌ بما عرفوا قبله من الكتب والأنبياء. فلهذا وذاك كانت توجه إليهم الدعوة الخاصة بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ إلى آخر الآيتين.

стр. 318

وفي ندائهم- ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ تشريف وتعظيم لهم بإضافتهم للكتاب، وبعث لهم على قبول ما جاء به محمد- ﵌ لأنه جاء بكتاب وهم أهل الكتاب، واحتجاج عليهم بأن الإيمان بالكتاب الذي عندهم يقتضي الإيمان بالكتاب الذي جاء به لأنه من جنسه. أدب وإقتداء: هذا هو أدب الإسلام في دعوة غير أهله، ليعلمنا كيف ينبغي أن نختار عند الدعوة لأحد أحسن ما يدعى به، وكيف ننتقي ما يناسب ما نريد دعوته إليه: فدعاء الشخص بما يحب مما يلفته إليك، ويفتح لك سمعه وقلبه، ودعاؤه بما يكره يكون أول حائل يبعد بينك وبينه، وإذا كان هذا الأدب عاماً في كل تداع وتخاطب، فأحق الناس بمراعاته هم الدعاة إلى الله، والمبينون لدينه سواء دعوا المسلمين أو غير المسلمين. بيانه لهم حجته عليهم: كانت كتبهم مقصورة على أحبارهم ورهبانهم، مخفية عندهم لا تصل إليها أيدي عامتهم؛ فكانوا لا يظهرون منها إلاّ ما يشاءون، ولا تعرف عامتهم منها إلاّ ما أظهروا، فجاءهم رسول الله- ﵌ وهو أمي من أمة أمية، يبين لهم بما أنزله الله عليه، وأوحى إليه به، من آيات الله وحججه وأحكامه وكلمات رسله، فيما عندهم مما هو حجة عليهم مقداراً كثيراً، ويتجاوز عن كثير. فيما عندهم من ذكر قبائح أسلافهم وذمهم، وما لقي رسول الله- ﵌ من عنتهم (١) وشرهم وأذاهم. فكان هذا البيان العليم وهذا الخلق الكريم من هذا النبي الأمي كافياً أن يعرفهم بنبوته وصدق دعوته ونهوض حجته؛ ولهذا ذكر الله هذا البيان وهذا التجاوز في أول صفاته، لما أخبرهم بمجيئه إليهم بقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. تمثيل: في أول الإصحاح العشرين من سفر اللاوين التصريح برجم الزناة، فأبطل أحبارهم هذا الحكم وعوضوه بغيره من التخفيف، وكتموا النص؛ فبينه لهم النبي- ﵌ والقصة مشهورة في كتب السنن. جاءت صفات النبي- ﵌ التي لا تنطبق على غيره فكتموها، مثل قول عيسى ﷺ في الفقرة الثانية عشرة وما بعدها في الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنا: "إِنَّ لِي أُمُوراً أَيْضاً لِأَقُولَ لَكُمْ، وَلَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُوَن أَنْ تَحْتَمِلُوا الْآنَ إِمَامَتِي، جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِن نَّفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٌ، ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا هُوَ لِي وَيُخْبِرُكُمْ". صرح عيسى ﵇ بأن الله هو الإله وحده، وأن عيسى رسوله، فكتموها وقالوا فيه ما قالوا.

стр. 319

وجاء في الفقرة الثانية من الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا، قول عيسى ﵇: "وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ أَن يَّعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِي وَحْدَكَ، وَشُمُوعُ الْمَسِيحِ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ". وأمثال هذا فيما عندهم كثير. أدب واقتداء: على الداعي إلى الله والمناظر في العلم، أن يقصد إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإقناع الخصم بالحق وجلبه إليه؛ فيقتصر من كل حديثه على ما يحصل له ذلك، ويتجنب ذكر العيوب والمثالب، ولو كانت هنالك عيوب ومثالب؛ إقتداء بهذا الأدب القرآني النبوي في التجاوز مما في القوم عن كثير، وفي ذكر العيوب والمثالب خروج عن القصد وبعد عن الأدب، وتَعَدٍّ على الخصم وإبعاد له، وتنفير عن الاستماع والقبول، وهما المقصود من الدعوة والمناظرة: نعمة الإظهار والبيان ... بالرسول والقرآن ولقد كان الناس: أهل الكتاب وغيرهم، قبل بعثة النبي- ﵌ في ظلام من الجهل وبأنبيائه وبشرعه، ومن الجهل بآيات الله في أنفسهم وفي الكون، ومن الجهل بنعم الله عليهم (١) في أنفسهم بالعقل والفكر والاستعداد للخير والكمال، وفي العالم المسخر لهم بما أودع فيه من مرافق العيش والعمران والحياة، ومن الجهل بقيمة أنفسهم الإنسانية وكرامتها وحريتها. فلما بعث الله محمداً- ﵌ كان بقوله وبفعله وبسيرته معرفاً للخلق بما كانوا يجهلون؛ فكان نوراً سطع في ذلك الظلام الحالك فبدده عن البصائر. وكما أن النور الكوني يجلو الموجودات الكونية للأبصار فكذلك كان محمد ﷺ ذلك النور الرباني، يجلو تلك الحقائق للبصائر. وكما أن النور الكوني يظهر الموجودات الكونية، فلا يحرم منها إلاّ معدوم البصر، فكذلك كان محمد- ﵌ ذلك النور الرباني، مجلياً للحقائق للبشرية كلها، ولا يحرم من إدراكها إلاّ مطموسو البصائر، الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وكما كان محمد- ﵌ نوراً تنبعث من أقواله وأفعاله وسيرته الأشعة الكاشفة للحقائق- كذلك كان الكتاب الكريم الذي أنزله الله عليه، يبين بسوره وآياته وكلماته تلك الحقائق أجلى بيان. فبمحمد ﵌، وكتابه، تمت نعمة الله تعالى على البشرية كلها، بإظهار

стр. 320

وبيان كل ما تحتاج إلى إظهاره وبيانه. ولما دعا الله إلى تصديق رسوله بالحجة العلمية الخُلقية من بيانه وتجاوزه ذكر بهذه النعمة العظمى في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. ... محمد ﷺ والقرآن نور وبيان: في هذه الآية وصف محمد- ﵌ بأنه نور، ووصف القرآن بأنه مبين، وفي آيات أخرى وصف القرآن بأنه نور، كقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]. ووصف الرسول بأنه مبين كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وهذا ليبين لنا الله تعالى أن إظهار النبي- ﵌ وبيانه وإظهار القرآن وبيانه واحد. وقد صدقت عائشة ﵂ لما سئلت عن خلق النبي- ﵌ فقالت: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ (١) " (٢). نستفيد من هذا- أولاً- أن السنة النبوية والقرآن لا يتعارضان، ولهذا يُرَدُّ خبر الواحد إذا خالف القطعي من القرآن. وثانياً- أن فقه القرآن يتوقف على فقه حياة النبي- ﵌ وسنته، وفقه حياته- ﵌ يتوقف على القرآن، وفقه الإسلام يتوقف على فقههما. إقتداء: هذا نبينا- ﵌ نور وبيان، وهذا كتابنا نور وبيان؛ فالمسلم المؤمن بهما المتبع لهما له حظه من هذا البيان: فهو على ما يسر له من العلم ولو ضئيلا يبينه وينشره، يعرف به الجاهل ويرشد به الضال، وهو بذاك وبعمله الصالح كالنور يشع على من حوله، وتتسع دائرة إشعاعه وتضيق بحسب ما عنده من علم وعمل. فعلى المسلم أن يعلم هذا من نفسه، ويعمل عليه، ويضرع إلى الله دائما في دعواته أن يمدّه بنوره، وليدع بدعاء النبي- ﵌ الذي كان يدعو به في ذلك وهو: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن
следующие страницы →