والصادّ بالباطل عن سبيل الله؛ فالدعوة بوجهيها أصل قائم دائم، والجدال يكون عند وجود ما يقتضيه، ولهذا كانت الدعوة بوجهيها محمودة على كل حال، وكان الجدال مذموماً في بعض الأحوال؛ وذلك فيما إذا استعمل عند عدم الحاجة إليه، فيكون حينئذ شاغلًا عن الدعوة ومؤديًا (١) - في الأكثر- إلى الفساد والفتنة.
فإذا كان جدالًا لمجرد الغلبة والظهور، فهو شر كله. وأشد شراً منه إذا كان لمدافعة الحق بالباطل.
وفي هذه الأقسام الممنوعة جاء مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]. وقوله ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» (٢) ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
تحذير:
المدافعة والمغالبة من فطرة الإنسان، ولهذا كان الإنسان أكثر شيء جدلاً. غير أن التربية الدينية هي التي تضبط خلقه، وتقوم فطرته، فتجعل جداله بالحق عن الحق.
فلنحذر من أن يطغى علينا خلق المدافعة والمغالبة، فنذهب في الجدل شر مذاهبه، وتصير الخصومة لنا خلقاً، ومن صارت الخصومة له خلقاً أصبح يندفع معها في كل شيء، ولأدنى شيء، ولا يبالي بحق ولا باطل، وإنما يريد الغلب بأي وجه كان، وهذا هو الذي قال فيه النبي صلى اله عليه وآله وسلم:
«إن أبغض الرجال إلى الله الألذ الخصم» (٣).
ومن ضبط نفسه وراقب ربه، لا يجادل إذا جادل إلاّ عن الحق وبالتي هي أحسن.
علينا الدعوة والجدال، وإلى الله الهدى والضلال، والمجازاة على الأعمال:
الدعوة بوجهيها يجب أن تكون عامة، والجدال على وجهه عام مثلها.
ثم يكون حظ كل أحد من الهدى والضلال على حسب استعداده وقابليته، وما سبق عليه
стр. 317
من أمر ربه، وتكون مجازاته على ذلك للخالق، الذي هو العالم بمن خرج عن طريقه وأعرض عن هداه، وبالذين قبلوا هداه فاهتدوا وساروا في سبيله.
والعدل الحقيقي التام في الجزاء، إنما يكون ممن يعلم السر والعلن، وليس ذلك إلاّ لله، فلا يكون الجزاء على الهدى والضلال من سواه؛ ولهذا ختمت هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ثمرة:
ثمرة العلم بهذا:
أن الداعي يدعو ولا ينقطع عن الدعوة ولو لم يتبعه أحد، لأنه يعلم أن أمر الهدى والضلال إلى الله، وإنما عليه البلاغ. وأنه يصبر على ما يلقى من إعراض وعناد وكيد وأذى، دون أن يجازي بالمثل، أو يفتر في دعوته من أذاه؛ لعلمه بأن الذي يجازي إنما هو الله.
جعلنا الله والمسلمين من الدعاة إلى سبيله كما أمر، الصابرين المحتسبين أمام من آمن وشكر، ومن جحد وكفر؛ غير منتظرين إلاّ جزاءه، ولا متكلين إِلا عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
...
٣ - دعوة أهل الكتاب
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ و ١٦].
تمهيد:
أرسل الله محمداً- ﵌ لجميع الأمم؛ فكانت رسالته عامة، وكانت دعوته عامة مثلها.
وجاءت آيات القرآن بالدعوة العامة في مقامات، وبالدعوة الخاصة لبعض من شملتهم الدعوة العامة في مقامات أخرى.
ولما أرسل الله محمداً- ﵌ كان الخلق قسمين: أهل كتاب- وهم اليهود والنصارى- وغيرهم. وكان أشرف القسمين أهل الكتاب؛ بما عندهم من النصيب من الكتاب الذي أوتوه على نسيانهم لحظ منه، وتحريفهم لما حرفوا. وكانوا أولى القسمين باتباع محمد- ﵌ بما عرفوا قبله من الكتب والأنبياء. فلهذا وذاك كانت توجه إليهم الدعوة الخاصة بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ إلى آخر الآيتين.
стр. 318
وفي ندائهم- ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ تشريف وتعظيم لهم بإضافتهم للكتاب، وبعث لهم على قبول ما جاء به محمد- ﵌ لأنه جاء بكتاب وهم أهل الكتاب، واحتجاج عليهم بأن الإيمان بالكتاب الذي عندهم يقتضي الإيمان بالكتاب الذي جاء به لأنه من جنسه.
أدب وإقتداء:
هذا هو أدب الإسلام في دعوة غير أهله، ليعلمنا كيف ينبغي أن نختار عند الدعوة لأحد أحسن ما يدعى به، وكيف ننتقي ما يناسب ما نريد دعوته إليه: فدعاء الشخص بما يحب مما يلفته إليك، ويفتح لك سمعه وقلبه، ودعاؤه بما يكره يكون أول حائل يبعد بينك وبينه، وإذا كان هذا الأدب عاماً في كل تداع وتخاطب، فأحق الناس بمراعاته هم الدعاة إلى الله، والمبينون لدينه سواء دعوا المسلمين أو غير المسلمين.
بيانه لهم حجته عليهم:
كانت كتبهم مقصورة على أحبارهم ورهبانهم، مخفية عندهم لا تصل إليها أيدي عامتهم؛ فكانوا لا يظهرون منها إلاّ ما يشاءون، ولا تعرف عامتهم منها إلاّ ما أظهروا، فجاءهم رسول الله- ﵌ وهو أمي من أمة أمية، يبين لهم بما أنزله الله عليه، وأوحى إليه به، من آيات الله وحججه وأحكامه وكلمات رسله، فيما عندهم مما هو حجة عليهم مقداراً كثيراً، ويتجاوز عن كثير. فيما عندهم من ذكر قبائح أسلافهم وذمهم، وما لقي رسول الله- ﵌ من عنتهم (١) وشرهم وأذاهم.
فكان هذا البيان العليم وهذا الخلق الكريم من هذا النبي الأمي كافياً أن يعرفهم بنبوته وصدق دعوته ونهوض حجته؛ ولهذا ذكر الله هذا البيان وهذا التجاوز في أول صفاته، لما أخبرهم بمجيئه إليهم بقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
تمثيل:
في أول الإصحاح العشرين من سفر اللاوين التصريح برجم الزناة، فأبطل أحبارهم هذا الحكم وعوضوه بغيره من التخفيف، وكتموا النص؛ فبينه لهم النبي- ﵌ والقصة مشهورة في كتب السنن.
جاءت صفات النبي- ﵌ التي لا تنطبق على غيره فكتموها، مثل قول عيسى ﷺ في الفقرة الثانية عشرة وما بعدها في الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنا: "إِنَّ لِي أُمُوراً أَيْضاً لِأَقُولَ لَكُمْ، وَلَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُوَن أَنْ تَحْتَمِلُوا الْآنَ إِمَامَتِي، جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِن نَّفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٌ، ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا هُوَ لِي وَيُخْبِرُكُمْ".
صرح عيسى ﵇ بأن الله هو الإله وحده، وأن عيسى رسوله، فكتموها وقالوا فيه ما قالوا.
стр. 319
وجاء في الفقرة الثانية من الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا، قول عيسى ﵇:
"وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ أَن يَّعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِي وَحْدَكَ، وَشُمُوعُ الْمَسِيحِ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ".
وأمثال هذا فيما عندهم كثير.
أدب واقتداء:
على الداعي إلى الله والمناظر في العلم، أن يقصد إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإقناع الخصم بالحق وجلبه إليه؛ فيقتصر من كل حديثه على ما يحصل له ذلك، ويتجنب ذكر العيوب والمثالب، ولو كانت هنالك عيوب ومثالب؛ إقتداء بهذا الأدب القرآني النبوي في التجاوز مما في القوم عن كثير، وفي ذكر العيوب والمثالب خروج عن القصد وبعد عن الأدب، وتَعَدٍّ على الخصم وإبعاد له، وتنفير عن الاستماع والقبول، وهما المقصود من الدعوة والمناظرة:
نعمة الإظهار والبيان ... بالرسول والقرآن
ولقد كان الناس: أهل الكتاب وغيرهم، قبل بعثة النبي- ﵌ في ظلام من الجهل وبأنبيائه وبشرعه، ومن الجهل بآيات الله في أنفسهم وفي الكون، ومن الجهل بنعم الله عليهم (١) في أنفسهم بالعقل والفكر والاستعداد للخير والكمال، وفي العالم المسخر لهم بما أودع فيه من مرافق العيش والعمران والحياة، ومن الجهل بقيمة أنفسهم الإنسانية وكرامتها وحريتها.
فلما بعث الله محمداً- ﵌ كان بقوله وبفعله وبسيرته معرفاً للخلق بما كانوا يجهلون؛ فكان نوراً سطع في ذلك الظلام الحالك فبدده عن البصائر.
وكما أن النور الكوني يجلو الموجودات الكونية للأبصار فكذلك كان محمد ﷺ ذلك النور الرباني، يجلو تلك الحقائق للبصائر.
وكما أن النور الكوني يظهر الموجودات الكونية، فلا يحرم منها إلاّ معدوم البصر، فكذلك كان محمد- ﵌ ذلك النور الرباني، مجلياً للحقائق للبشرية كلها، ولا يحرم من إدراكها إلاّ مطموسو البصائر، الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم.
وكما كان محمد- ﵌ نوراً تنبعث من أقواله وأفعاله وسيرته الأشعة الكاشفة للحقائق- كذلك كان الكتاب الكريم الذي أنزله الله عليه، يبين بسوره وآياته وكلماته تلك الحقائق أجلى بيان.
فبمحمد ﵌، وكتابه، تمت نعمة الله تعالى على البشرية كلها، بإظهار
стр. 320
وبيان كل ما تحتاج إلى إظهاره وبيانه. ولما دعا الله إلى تصديق رسوله بالحجة العلمية الخُلقية من بيانه وتجاوزه ذكر بهذه النعمة العظمى في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
...
محمد ﷺ والقرآن نور وبيان:
في هذه الآية وصف محمد- ﵌ بأنه نور، ووصف القرآن بأنه مبين، وفي آيات أخرى وصف القرآن بأنه نور، كقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]. ووصف الرسول بأنه مبين كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
وهذا ليبين لنا الله تعالى أن إظهار النبي- ﵌ وبيانه وإظهار القرآن وبيانه واحد.
وقد صدقت عائشة ﵂ لما سئلت عن خلق النبي- ﵌ فقالت: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ (١) " (٢).
نستفيد من هذا- أولاً- أن السنة النبوية والقرآن لا يتعارضان، ولهذا يُرَدُّ خبر الواحد إذا خالف القطعي من القرآن.
وثانياً- أن فقه القرآن يتوقف على فقه حياة النبي- ﵌ وسنته، وفقه حياته- ﵌ يتوقف على القرآن، وفقه الإسلام يتوقف على فقههما.
إقتداء:
هذا نبينا- ﵌ نور وبيان، وهذا كتابنا نور وبيان؛ فالمسلم المؤمن بهما المتبع لهما له حظه من هذا البيان: فهو على ما يسر له من العلم ولو ضئيلا يبينه وينشره، يعرف به الجاهل ويرشد به الضال، وهو بذاك وبعمله الصالح كالنور يشع على من حوله، وتتسع دائرة إشعاعه وتضيق بحسب ما عنده من علم وعمل.
فعلى المسلم أن يعلم هذا من نفسه، ويعمل عليه، ويضرع إلى الله دائما في دعواته أن يمدّه بنوره، وليدع بدعاء النبي- ﵌ الذي كان يدعو به في ذلك وهو: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن
стр. 321
يساري نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، واجعل لي نوراً" (١).
...
الهداية نوعان:
قد دل الله الخلق برسوله وبكتابه على ما فيه كمالهم وسعادتهم، ومرضاة خالقهم.
وهذه هي هداية الدلالة، وهي من فضل الله العام للناس أجمعين، وبها وبما يجده كل عاقل في نفسه من التمكن والاختيار قامت حجة الله على العبد.
ثم يسر من شاء- وهو الحكيم العدل- إلى العمل بما دل عليه من أسباب السعادة والكمال، وهذه هي دلالة التوفيق، وهي من فضل الله الخاص بمن قبلوا دلالته، وأقبلوا على ما آتاهم من عنده؛ فآمنوا برسوله والنور الذي أنزل معه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
أما الذين أعرضوا عن ذكره وزاغوا عما دلهم عليه، فأولئك يخذلهم ويحرمهم من ذلك التيسير، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
فالمقبلون على الله القابلون لما أتاهم من عنده هدوا دلالة وتوفيقاً.
والذين أعرضوا قامت عليهم الحجة بالدلالة، وحرموا من التوفيق جزاء إعراضهم.
بماذا تكون الهداية:
كما أنعم الله على عباده بالهداية إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم، كذلك أنعم عليهم فبين لهم ما تكون به الهداية حتى يكونوا على بينة فيما به يهتدون؛ إذ من طلب الهدى في غير ما جعله الله سبب الهدى كان على ضلال مبين فلذا بين تعالى أن هدايته لخلقه إنما تكون برسوله وكتابه، فيتمسك بها من يريد الهدى، وليحكم على من لم يهتد بها بالزيغ والضلال.
ولما كانا في حكم شيء واحد في الهداية يصدق كل واحد منهما الآخر- جاء بالضمير مفرداً في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾.
لمن تكون الهداية:
أما هداية الدلالة والإرشاد وحدها، فهي كما تقدم عامة. وأما هداية الدلالة والإرشاد مع التوفيق والتسديد، فهي للذين اتبعوا ما جاء من عند الله: من رسوله وكتابه، وكانوا باتباعهم لها
стр. 322
متبعين لرضوانه، المقتضي لقبوله مثوبته وكرامته لهم، ولم يتبعوا أهواءهم ومألوفاتهم وما ألفوا عليه آباءهم ولا أهواء الناس ورضاهم، فكان اتباعهم لرضوان الله سببا في دوام إرشادهم وتوفيقهم، وبقدر ما يكون ازدياد اتباعهم، يكون توفيقهم؛ إذ قوة السبب تقتضي قوة المسبب، والخير يهدي إلى الخير والهدي يزداد بالاهتداء.
وهذا الربط الشرعي بين التوفيق والاتباع، يقتضي الربط ما بين ضديهما: الإعراض والخذلان، وأنه بقدر ما يكون الإعراض عن الهدى، يكون الخذلان والحرمان، والشر يدعو بعضه إلى بعض، والسيئة تجر السيئة.
وقد أفاد تخصيص التوفيق بأهل الاتباع، وجعل التوفيق مسبباً عنه- بما في صلة الموصول من التعليل- قوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾.
إلى ماذا تكون الهداية ؟
فشؤون الشخص في نفسه، وشؤونه فيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين بنيه، وفيما بينه وبين أقاربه، وفي بيته، وبين جيرانه، وفيما بينه وبين من تربطه به علاقة من علاقات الحياة ومصالحها، وشؤون الجماعات وشؤون الأمم فيما بينها.
كل هذه الشؤون سبل وطرق في الحياة، تسلك ويسار عليها؛ للبلوغ إلى الغايات المقصودة منها مما به صلاح الفرد والمجموع؛ وكلها إن سلكت بعلم وحكمة وعدل وإحسان، كانت سبل سلامة ونجاة، وإلاّ كانت سبل هلاك، فيحتاج العبد فيها إلى إرشاد وتوفيق من الله تعالى.
وقد منّ الله- بفضله- على العباد بهذا النبي الكريم، والكتاب العظيم، فمن آمن بهما واتبعهما ففيهما ما يهديه إلى كل ما يحتاج إليه في كل سبيل من تلك السبل في الحياة. وباتباعهما- واتباعهما اتباع لرضوان الله- يوفقه الله ويسدده في سلوك تلك السبل- الفردية والجماعية والأممية- إلى ما يفضي به إلى السلامة والنجاة. وتكون تلك السبل كلها له سبل سلام، أي سلامة ونجاة، لأنها أفضت به بإرشاد الله وتوفيقه، جزاء لاتباعه وتصديقه إليها، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].
...
الإخراج من حالات الحيرة إلى حالة الاطمئنان:
تمر على العبد أحوال يكون فيها متحيراً مرتبكاً كمن يكون في ظلام؛ منها حالة الكفر والإنكار، وليس لمنكر الحق المتمسك بالهوى والمقلد للآباء من دليل يطمئن به ولا يقين بالمصير الذي ينتهي إليه.
ومنها حالة الشك، ومنها حالة اعتراض الشبهات، ومنها حالة ثوران الشهوات. وكما أن الله يرشد ويوفق من اتبعوا رضوانه طرق السلامة والنجاة بالرسول- ﵌ والقرآن، كذلك يخرجهم بهما باتباعهما والاهتداء بهما من ظلمات الكفر والشك والشبهات
стр. 323
والشهوات، وما فيها من حيرة وعماية إلى الحالة التي تطمئن فيها القلوب، كما تطمئن في النور عندما يسطع فيبدد سدول الظلام.
فباتباعهما فقط تطمئن القلوب بالإيمان واليقين، فتضمحل أمامها الشبهات، وتكسر سلطان الشهوات، فتلك الأحوال العديدة الظلمانية التي يكون فيها من أعرض عنهما، أو خالفهما، يخرج منها إلى الحالة النورانية الوحيدة، وهي حالة من آمن بهما واتبعهما كما قال تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [المائدة: ١٦].
على العبد أن يقبل ما فيه كماله وسعادته، ومرضاة خالقه، مما هداه الله إليه برسوله وكتابه، وجعل قبوله له سبباً في توفيقه وإخراجه من الظلمات إلى النور، وعليه أن يعتقد أنه لا ينال شيئا من التوفيق وحظًّا من النور إلاّ بإذن الله، أي إرادته وتيسيره، فلا يعتمد على نفسه ولا على أعماله، وإنما يكون اعتماده على الله، فيحمله ذلك على الاجتهاد في العمل، وعدم العجب به، ودوام التوجه إلى الله، وصدق الرجاء فيه، والخوف من عقابه، ودوام المراقبة له.
ولأجل لزوم هذا الاعتماد على الله الميسر للأسباب، الذي لا يكون في ملكه إلاّ ما أراد- قرن قوله: ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
الإسلام هو السبيل الجامع العام:
ما جاء به النبي- ﵌ والقرآن العظيم، هو دين الله الإسلام، فكل ما دل الله عليه الخلق بهما، وما وفق إليه العلم والعمل باتباعهما، فهو من الإسلام. ولهذا لما ذكر- تعالى- إرشاده وتوفيقه للذين اتبعوا رضوانه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ذكر إرشاده وتوفيقه لهم إلى الطريق المستوي، الموصل إلى الكمال والسعادة، ومرضاة الله الجامع لذلك كله بقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله لازم دائماً:
إن الحاجة إلى إرشاد الله وتوفيقه دائمة متجددة، فكل عمل من أعمال الإنسان وكل حالة من أحواله هو محتاج فيه إلى هداية الله ودلالته؛ ليعرف ما يرضاه الله منه مما لا يرضاه.
وهو محتاج فيه إلى توفيق الله وتيسيره ليقوم بما يرضاه منه، وشرّعه له ودلّه عليه، ولن يزال العبد- غير المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم) - تغشاه ظلمات الشبهات والشهوات، فيحتاج إلى دلالة الله وتوفيقه، ليخرج منها إلى نور الإيمان والاستقامة.
فالعبد محتاج دائماً إلى الرجوع إلى كتاب الله، وما ثبت من سنة نبيه- ﵌ ليهتدي إلى ما يرضي الله، مما شرّعه له من أحواله وأفعاله، وإلى ما يدفع عنه شبهاته، وينقذه من شهواته.
ومحتاج إلى التوسل بذلك الرجوع إليهما وذلك الاتباع لهما إلى الله، ليفتح له أبواب المعرفة، ويمد له أسباب التوفيق، وهذا هو القصد من صيغة المضارع، المفيدة للتجدد، في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ و ﴿يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
стр. 324
جعلنا الله من المتبعين لرضوانه، الرجاعين لكتابه وسنة رسوله، الفائزين منهما بالهداية لخير غاية، بإذنه وفضله، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
...
٤ - الاجتماع العام للأمر الهام وارتباط الجماعة بأمر الإمام
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣﴾ [النور:٦٢ و٦٣].
(الأمر الجامع) هو الحادث الذي يتطلب الاجتماع بطبيعته، فيجمع الإمام الناس من أجله، من ذوي الرأي والمعرفة بمثله، والخبرة والتجربة فيه، من كل ما يعم نفعه أو ضرره، من أمور السلم والحرب، وشؤون الحياة والاجتماع، ليتشاوروا فيما بينهم، ويستضيء بعضهم برأي بعض.
و (الاستئذان) هو طلب الإذن من الإمام بمفارقة الاجتماع لعذر قاض بالمفارقة.
المعنى:
يأمر الله المؤمنين إذا كانوا مع رسوله- ﵌ على أمر جامع ألا يفارقوا مجلسه كلهم أو بعضهم إلاّ بإذنه. وأكد هذا الأمر بما وطأ له من ذكر الإيمان بالله ورسوله، تنبيها على أنه من مقتضاهما. وبقرنه بهما، وجعله ثالثاً لها، تعظيماً لشأنه، وتنبيهاً على ملازمته لهما ممن صدق فيهما؛ حتى كان غير المستأذنين لا إيمان لهم.
وبإعادته في الجملة الثانية، ببيان أن الذين يستأذنون هم دون غيرهم الثابتون في إيمانهم، المستمرون عليه، تعريضاً بالذين لا يستأذنون وتقبيحا لحالهم بأنهم لا ثبات لهم في الإيمان، ولا استمرار منهم على العمل به، فليسوا بالمؤمنين، ولا بالذين يؤمنون.
ثم جعل الخيار لرسوله في الإذن وعدم الإذن لهم إذا استأذنوه لبعض شأنهم، تعظيماً لأمر الاجتماع، وتعظيماً للصالح العام، وتوكيداً لحق الإمام على الجماعة لحفظ الاجتماع وتتميم الأعمال. ثم أمره أن يستغفر لهم، فقد يكون العذر دون الاضطرار، وقد يكون ما فاته من بركات الاجتماع، وحسنات المشاركة فيه بالرأي والاهتمام، وتكثير السواد- بسبب ذنب كان منهم في أمر غير الاجتماع، وأكد هذا الأمر بأنه الكثير المغفرة لعباده الدائم الرحمة بهم.
стр. 325
الأحكام:
لما كان الاجتماع شرع للمصلحة، والذهاب بدون استئذان حرم للمفسدة؛ فالمشروعية والتحريم دائمان بدوام المصلحة والمفسدة.
فأحكام الآية مستمرة الأحكام عامة للمسلمين، في كل زمان وكل مكان، مع أئمتهم وقادتهم المقدمين منهم فيهم، في كل ما يعرض من اجتماع لصالح عام.
ف من أحكام الآية الكريمة:
١ - أن على أئمة المسلمين وذوي القيادة فيهم، إِذا نزل بهم أمر هام أن يجمعوا جماعة المسلمين الذين يرجى منهم الرأي والعمل فيما نزل، فلا يجوز لهم أن يهملوا أمرهم ولا أن يستبدوا عليهم.
٢ - وأن على المسلمين أن يجتمعوا إليهم ويكونوا معهم، يظاهرونهم ويؤيدونهم، وينصحون لهم، فلا يجوز لهم أن يتخلفوا عنهم، ولا أن يخذلوهم.
٣ - وأن على المجتمعين ألا يذهب واحد منهم إلاّ بإذن.
٤ - وألا يستأذن إلاّ لعذر ببعض الشأن.
٥ - وأن على الإمام أن ينظر في الإذن وعدمه، فيفعل ما هو أولى.
بيان مراد ودفع اغترار واعتراض:
تجد في آيات القرآن العظيم أخباراً ووعوداً من الله- تعالى- للمؤمنين. ولربما حسب- من لا يعلم- أنها تشمل كل من كان على أصل الإيمان، من اعتقاده مع بعض أعماله، وإن فرط في كثير من أصول الأعمال.
فيبين الله تعالى في هذه الآية وأمثالها مراده بالمؤمنين عند إطلاق لفظ المؤمنين في تلك الأخبار والوعود، حتى لا يغتر المفرطون ولا يعترض الجاهلون.
توجيه وإرشاد:
إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كان لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة، متساندة في العمل عن فكر وعزيمة؛ ولهذا قرن الله في هذه الآية بين الإيمان بالله ورسوله، والحديث عن الجماعة وما يتعلق بالاجتماع، فيرشدنا هذا إلى خطر أمر الاجتماع ونظامه، ولزوم الحرص والمحافظة عليه، كأصل لازم للقيام بمقتضيات الإيمان وحفظ عمود الإسلام.
موعظة:
ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلاّ بإهمالهم لأمر الاجتماع ونظامه: إما باستبداد أئمتهم وقادتهم، وإما بانتشار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم، وجهلهم بما يفرضه عليهم، وما
стр. 326
ذاك إلاّ من سكوت علمائهم وقعودهم عن القيام بواجبهم: في مقاومة المستبدين وتعليم الجاهلين، وبث روح الإسلام الإنساني السامي في المسلمين.
فعلى أهل العلم- وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إرث النبوة فيهم- أن يقوموا بما أرشدت إليه هذه الآية الكريمة؛ فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع والشورى، في كل ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم، حتى لا يستبد بهم مستبد، ولا يتخلف منهم متوان، وحتى يظهر الخاذل لهم ممن ينتسب إليهم، فينبذ ويطرح ويستغنى عنه بالله وبالمؤمنين.
موازنة وترجيح:
هنالك المصلحة العامة وهنالك المصلحة الخاصة، ومحال أن تساوى هذه بتلك: انظر إلى الذكر الحكيم كيف عبر عن الأولى بالأمر الجامع، وفي هذا ما فيه من تفخيم. وعبر عن الثانية ببعض الشأن، وفي هذا ما فيه من التحقير والتقليل.
وفي قرنها بالاستغفار تنبيه على ترجيح الأولى على الثانية، وأنها ما كانت تعتبر إلاّ على وجه الرخصة، والاستغراق في الاهتمام والتدبير للمصلحة العامة أحق وأولى.
إمتثال ورجاء:
لنجعل المصلحة العامة غايتنا والمقدمة عندنا، حتى لا يكون- إن شاء الله- في مصالحنا الخاصة ما يصرفنا أو يشغلنا عنها، راجين من الله تعالى أن يعيننا على ما قصدنا، وأن يوفقنا إلى استعمال كل مصلحة خاصة لنا في مصلحة عامة لنا ولإخواننا، إنه نعم الموفق ونعم المعين.
...
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. لما بينت الآية السابقة وجوب الاستئذان عند إرادة الانصراف من مجلسه، ﵊، بينت هذه الآية وجوب تلبية دعوته إذا دعا، وفضحت حالة الذين يتسللون غير مستأذنين، وحذرت من فعلهم، وأوعدت الوعيد الشديد للمخالفين أمثالهم.
(الدعاء) النداء وطلب الإقبال للحضور. ﴿بَيْنَكُمْ﴾ في اعتقادكم ومعاملتكم.
﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ يذهبون قليلا قليلاً من الجماعة متخفين.
﴿لِوَاذًا﴾ ملاوذة، بأن يلوذ هذا بهذا ويلوذ هذا بهذا متستراً به حتى لا يرى عند خروجه.
﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ فليتيقظ وليتحرز؛ وذلك باجتناب المخالفة.
﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يصدون ويعرضون عن طريقته وسنته ومنهاجه، وما كان عليه من سير في الحياة.
(الفتنة) البلاء بأنواع النقم أو بنعم تستدرج إلى النقم. هذا معنى الفتنة هنا لأنها ذكرت في مساق الوعيد.
стр. 327
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
المعنى:
لا تنزلوا دعاء الرسول لكم إذا دعاكم إلى الحضور عنده، منزلة دعاء بعضكم بعضاً للحضور؛ فتحسبون أنفسكم مخيرين إن شئتم أجبتم وإن شئتم تخلفتم! فتارة تجيبون وتارة تتخلفون. فإجابة دعوته، والإسراع إليه واجب محتم عليكم، والتخلف أو التباطؤ- لغير عذر واضح- محرم عليكم؛ ذلك لأنه إذا دعاكم لا يدعوكم إلاّ لمصلحة قطعية وخير محقق يعود عليكم في أمر الدين أو أمر الدنيا، ففي تخلفِكم أو [[تباطئِكم]] تفويت، أو تعطيل أو تثبيط.
وإذا حضرتم مجلسه فابقوا كلكم عنده ولا تذهبوا من مجلسه واحداً واحداً، أو اثنين اثنين، يتستر بعضكم ببعض عند الخروج حتى لا يراه الناس، ولا يراه الرسول، فإن الله يعلم قطعاً أولئك الذين يخرجون متسللين متسترين بعضهم ببعض، فإذا نجوا من ملام الرسول، فإنهم لا ينجون من عذاب الله.
وإذا كان الله عالماً بصنعهم ومفارقتهم لمجلس رسوله، وثلمهم لجماعته وصدهم وإعراضهم عما هم عليه هو ومن معه- فهو معاقبهم على ما ارتكبوا بالبلايا، يصبّها عليهم في الدنيا، أو العذاب الأليم ينزله بهم في الأخرى، أو يجمع لهم ما بينهما.
فليجتنب أولئك المخالفون لأمره هذه الفتنة وهذا العذاب، وليحذروا منهما، وما ذلك إلاّ بترك المخالفة والإقلاع عنها، والرجوع إلى الموافقة والاتباع.
تنظير وتعميم:
أمراء المسلمين وقادتهم، ومن يتولون أمراً من أمورهم العامة، تجب دعوتهم إذا دعوا لأمر عام وشأن مما يرتبط بما في عهدتهم من أمر الناس، وشرع إليهم، ولا يتسلل من مجالسهم، ذلك لما لهم من حق الخلافة عن الرسول- ﵌ فيما كان يقوم به من أمر الناس، وتدبير شؤونهم، وضبط نظامهم، ورعاية مصالحهم.
ميزان:
كل الأقوال والأعمال توزن بأقواله وأعماله، وكل الأحوال والسير توزن بسيرته وحاله: فما وافقها فهو الحق والخير والهدى، وهو الذي يقبل من كائن من كان، وما خالفها فهو الباطل والشر والضلال، وهو الذي يرد على صاحبه كائناً من كان.
وقد ثبت أنه ﵌ قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).
стр. 328
وجوه الفتنة وسببها:
مخالفة السنة النبوية والهدي المحمدي، وما كان عليه رسول الله- ﵌ في تنفيذ شرع الله وتطبيق أحكامه، وتمثيل الإسلام تمثيلاً عملياً- تلك المخالفة هي سبب كل بلاء لحق المسلمين حتى اليوم، بحكم صريح هذه الآية. وقد ذكر المفسرون في تفسير الفتنة أشياء على وجه التمثيل لا على وجه الحصر والتحديد، فذكروا الكفر، والقتل، والاستدراج بالنعم، وقسوة القلب من معرفة المعروف والمنكر، والطبع على القلب حتى لا يفقه شيئاً.
وكل هذا قد أصاب المسلمين بسبب مخالفتهم.
أعظم الفتنة:
غير أن أعظم الفتنة- فيما نرى- هو ما قاله الإمام جعفر الصادق: "أن يسلط عليهم سلطان جائر" فإنه إذا جار السلطان- وهو من له السلطة في تدبير أمر الأمة والتصرف في شؤونها- فسد كل شيء: فسدت القلوب والعقول والأخلاق والأعمال والأحوال، وانحطت الأمة في دينها ودنياها إلى أحط الدرجات، ولحقها من جرائه كل شر وبلاء وهلاك.
ثم يتفاوت ذلك الفساد بحسب ذلك الجور في قدره وسعته ومدة بقائه. هذا إذا كان ذلك الجائر من جنسها ويدين- بحسب ظواهره- دينها، فكيف إذا لم يكن من جنسها ولا دينها في شيء!!
حقاً إن أعظم ما لحق الأمم الإسلامية من الشر والهلاك كله جاءها على السلاطين الجائرين منها ومن غيرها.
وهذا ما يشهد به تاريخها في ماضيها وحاضرها.
فما أصدق كلمة جعفر الصادق، وما أعمق نظره فيها!!
ومن أحق بمثلها من بيت النبوة ومعدن الحكمة؟! عليهم الرضوان والرحمة.
تطبيق وتحذير:
من أبين المخالفة عن أمره وأقبحها الزيادة في العبادة التي تعبد لله بها على ما مضى من سنته فيها، وإحداث محدثات على وجه العبادة في مواطن مرت عليه ولم يتعبد بمثل ذلك المحدث فيها.
وكلا هذين زيادة وإحداث وابتداع مذموم، يكون مرتكبه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعة لم يهتد إليها رسول الله ﵌ وسبق إلى فضيلة قصر رسول الله ﵌ عنها. وكفى بهذا وحده فتنة وبلاء، دع ما يجر (١) إليه من بلايا أخرى.
وقد طبق الإمام مالك- ﵁ هذه الآية الكريمة على هؤلاء المتزيدين، أحسن تطبيق وأبلغه وأردعه، لمن كان له فهم وإيمان.
стр. 329
روى الإمام إبن العربي- ﵀ بسنده المتصل إلى سفيان بن عيينة ﵀، "قال: سمعت مالك بن أنس- وأتاه رجل- فقال:
يا أبا عبد الله من أين أحرم؛ قال: من ذي الحليفة (١)، من حيث أحرم رسول الله ﵌.
فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل.
قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة.
قال وأي فتنة في هذا؛ إنما هي أميال أزيدها.
قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﵌؟! إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ".
فليتأمل المسلمون- وخصوصاً المنتسبين إلى مذهب مالك- في فقه هذا الإمام العظيم، ووقوفه عند حدود الله، وليحذروا من عاقبة المتزيدين المتغالين.
بوارق أمل:
لقد شعر المسلمون عموماً بالبلايا والمحن التي لحقتهم، وفي أولها سيف الجور المنصب على رؤوسهم، وأدرك المصلحون منهم أن سبب ذلك هو مخالفتهم عن أمر نبيهم ﵌، فأخذت صيحات الإصلاح ترتفع في جوانب العالم الإسلامي في جميع جهات المعمورة، تدعو الناس إلى معالجة أدوائهم بقطع سببها واجتثاث أصلها. وما ذلك إلاّ بالرجوع إلى ما كان عليه محمد ﵊، وما مضت عليه القرون الثلاثة المشهود لها منه بالخير في الإسلام (٢).
وقد حفظ الله علينا ذلك بما أن تمسكنا به لن نضل أبداً- كما في الحديث الصحيح- "الكتاب والسنة" (٣) وذلك هو الإسلام الصحيح الذي أنقذ الله به العالم أولاً، ولا نجاة للعالم مما هو فيه اليوم إلاّ إذا أنقذه الله به ثانياً.
стр. 330
وقد أخذ المسلمون يصيخون (*) أسماعهم ويستجيبون- أفواجاً أفواجاً- لداعي الإصلاح أينما دعاهم. وفي ذلك- والحمد لله- ما يقوي الرجاء والأمل، ويبعث على الجد والعمل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣].
...
٥ - الود من إكرام الله لأولياء الله
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
سبب النزول، ووعد السابقين:
كان السابقون الأولون من المؤمنين في أول الإسلام بمكة مبغوضين من أهل مكة المشركين، مهجورين منهم، مزهوداً فيهم.
ومن أشد الألام على النفس وأشقها أن يعيش الإنسان بين قومه مبغوضاً مهجوراً، مزهوداً فيه، خصوصاً مثل تلك النفوس الحية الأبية.
فأنزل الله هذه الآية تأنيساً لأولئك السادة، ووعداً لهم بأن تلك الحالة لا تدوم، وأنه سيجعل لهم وداً، فيصيرون محبوبين مرغوباً فيهم.
وقد حقق الله وعده: فكان أولئك النفر بعد، السادة المقدمين من أقوامهم وعشائرهم، لسبقهم وفضلهم. وكانوا- وهم قادة الجيوش في الفتوحات الإسلامية- المحبوبين هم وجيوشهم، المرغوب فيهم من الأمم التي فتحوها؛ لعدلهم ورحمتهم، ورفعهم لنير الاستعباد الديني والدنيوي، الذي كانت تئن تحته تلك الأمم.
وأثبت التاريخ أن بعض الأمم الأجنبية دعتهم إلى إنقاذها من أيدي رؤسائها.
فكانت هذه الآية من آيات الإعجاز بالإعلام بما يتحقق في الاستقبال مما هو كالمحال في الحال فكان على وفق ما قال.
عموم الوعد لعموم اللفظ:
الإيمان، وهو التصديق الصادق المثمر للأعمال. والأعمال الصالحة، وهي المستقيمة النافعة المبنية على ذلك الإيمان- هما اللذان جعلهما الله سبباً في تحقيق جعل هذا الود، لما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ فيعم ذلك كل أهل الإيمان والعمل الصالح، وهم أولياء الله و ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
سبب الود وسبب الجعل:
تكسب مودة الناس بأسباب متعارفة بينهم منها القرابة، ومنها الصداقة، ومنها صنائع المعروف، ومآثر الإحسان.
стр. 331
أما هذا الود الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فسببه جعل من الله له في قلوب العباد لهم، دون تردد منهم ولا توقف على تلك الأسباب، فيودهم من لم يكن بينه وبينهم علاقة نسب أو صداقة، ولا وصل إليه منهم معروف، فهذا نوع من الود خاص يكرمهم الله به، وينعم عليهم به الرحمن من جملة نعمه التي يحدثها ويجددها لهم، زيادة على ما يقتضيه الإيمان والعمل الصالح- ومنه الإحسان- من مودة القلوب.
أما سبب هذا الجعل والوضع والإيجاد من الله لهذا الود والإكرام به، فهو الإيمان والعمل الصالح، وهما سبب لإكرامات كثيرة من الله تعالى، هذا الجعل للود منها.
بشارة وتثبيت:
في الآية من سبب نزولها بشارة لدعاة الحق، وأنصار السنة، ومرشدي الأمم، عندما يقومون بدعوة القرآن في عشائرهم، ويلقون منهم النفور والإعراض والبغض والإنكار، ويجدون أنفسهم غرباء بينهم يعاديهم من كانوا أحبابهم، ويقاطعهم أقرب الناس قرابة إليهم، ويصبح يؤذيهم من كان يحميهم ويدافع عنهم.
في الآية بشارة لهم بأن تلك الحالة لا تدوم، وأنهم سيكون لهم على كلمة الحق مؤيدون، وفي الله محبون، وسيكون لهم ود في القلوب، ممن يعرفون وممن لا يعرفون.
وفيها أيضاً تثبيت لهم في تلك الغربة ووحشة الإنفراد بما يكون لهم من أنس الود، وأي ود هو!! ود يكون من جعل الرحمن.
دفع إشكال:
الآية منظور فيها إلى مجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وغالبهم، فلا يشكل علينا أن منهم من يموت في غربة الحق، قبل أن يكون له على الحق أنصاره، ومنهم من يموت غير معروف من الناس.
كما أن الود الذي يجعل لهم غير منظور فيه للعموم.
فلا يشكل ببغض من يبغضهم تعصباً لهوى، أو تقليداً لضال، أو حرصاً على منفعة، ومحافظة على جاه أو منصب أو مال.
تفسير نبوي:
قال رسول الله ﷺ : «إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل. ثم ينادى في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبداً؛ دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل. ثم ينادي (جبريل) في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضو فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» (١).
стр. 332
رواه بهذا اللفظ مسلم ورواه البخاري وغيرهما.
وزاد الطبراني: ثم قرأ رسول الله- ﵌ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
فارتبط الحديث بالآية بزيادة الطبراني. وبيّن النبي ﵌ بقراءة الآية أن هذا القبول الذي يجعل لمن أحبه الله في أهل الأرض- والمراد بهم من يعرفونه منهم- هو نوع الود المذكور في الآية، وبيّن أن أهل القبول في الأرض محبوبون في أهل السماء قبل أهل الأرض، وبين أن سبب ذلك القبول هو محبة الله لهم؛ فمن أحبهم حببهم لعباده.
ولما كان سبب القبول محبة الله لهم بيّن- ﵌ أن بغض الله سبب في بغض الخلق لهم، إذ ما تسبب عن أحد الضدين يتسبب عن الآخر ضده.
ولما كانت محبة الله مسببة عن الإيمان والعمل الصالح، فبغض الله مسبب عن ضدهما؛ إذ ما تسبب عنه أحد الضدين يتسبب عن ضده الضد الآخر.
وكما كان ذلك الود والقبول يكون شيئاً زائداً على ما تقتضيه أسباب الود بين الناس، كذلك تكون هذه البغضاء التي يهين الله بها ويعاقب من يشاء، زيادة على ما تقتضيه أسباب البغضاء بينهم؛ فيكون هذا الذي وضعت له البغضاء- والعياذ بالله- مبغوضاً حتى ممن لم يكن منه إليه شيء من أسباب البغض.
تبيين وتعيين:
قد يكون الأتباع والمحبون والراغبون لأهل الحق ولأهل الباطل، لأئمة الهدى ولرؤوس الضلال، لدعاة الإتباع ولدعاة الإبتداع.
ولكن أهل المحبة من الله والود والقبول من العباد، هم أهل الحق، وأئمة الهدى، ودعاة الإتباع للكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالحون، لا لأنفسهم والتحزب لهم، وجلب النفع لهم، والذي يعينهم لهذه الكرامة دون غيرهم هو اتباعهم للنبي- ﵌ في سيرته ودعوته، وما كانت دعوته إلاّ للقرآن وبالقرآن، دون أن يسأل على ذلك من أجر. وهذا لأن الود والقبول عند العباد مسببان عن محبة الله للعبد، ومحبة الله لا تكون إلاّ للمتبعين للنبي ﵌، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فكرامة الود والقبول إنما هي للمتبعين له- ﵌ فأما غيرهم فما يكون لهم من قبول (١) عند أمثالهم، فهو فتنة وبلاء عليهم.
إرشاد:
أفادت الآية الكريمة والحديث الشريف، أن على المسلم أن يتمسك بالإيمان والعمل
стр. 333
الصالح، والاتباع للنبي ﵌، ولو كان في قوم انفرد بينهم بذلك وحده. ولا يستوحش من انفراده بينهم؛ فحسبه رضى الله ومحبته، وكفى بهما أنسًا.
وليثق بأنه- إن صدق وأمد الله في عمره- يكون له ود وقبول في عباد الله، وأنس بمن يحبهم ويحبونه لله، وتلك المحبة النافعة الدائمة والصلة المتينة الجامعة، التي تجمع بين أهلها في الدنيا والآخرة.
جعلنا الله والمسلمين من العاملين له المتحابين فيه.
...
٦ - حسن التلقي وطلب المزيد
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
من أدب المتعلم:
لا حياة إلاّ بالعلم، وإنما العلم بالتعلم، فلن يكون عالماً إلاّ من كان متعلماً، كما لن يصلح معلماً إلاّ من قد كان متعلماً.
ومحمد- ﵌ الذي بعثه الله معلماً كان أيضاً متعلماً: علمه الله بلسان جبريل، فكان متعلماً عن جبريل عن رب العالمين، ثم كان معلماً للناس أجمعين.
أرأيت أصل العلم ومن معلموه ومتعلموه؟
ثم أرأيت شرف رتبة التعلم والتعليم؟!
لا جرم كان لرتبة التعلم آدابها ولرتبة التعليم آدابها. وكان محمد- ﵌ أكمل الخلق في آدابهما؛ بما أدبه الله، وأنزل عليه من الآيات فيهما، مثل آيتنا اليوم وغيرها.
لزوم الصمت عند السماع:
كان النبي- ﵌ إذا أنزل عليه جبريل- ﵇ بالوحي وقوله عليه، قرأ معه وساوقه (١) في القراءة. وكان ذلك منه- ﵌ لحرصه على حفظه وعدم نسيانه، حتى يبلغه كما أنزل عليه.
ولأن تعلق قلبه بما يسمع من جبريل، وامتلاءه به، واستيلاء ذلك المسموع على لبه، يدعوه إلى النطق به، لما بين القلب واللسان من الارتباط، ولأن شوقه إلى ذلك المسموع ومحبته ورغبته فيه، تبعثه على التعجل بقراءته.
стр. 334
غير أن القراءة عند السماع، وقبل تمام الإلقاء، تمنع تمام الوعي، لأن عمل اللسان بالنطق يضعف عمل القلب بالوعي والحفظ، فلذا نهى الله تعالى نبيه- ﵌ عن أن يعجل بقراءة القرآن عند سماعه من جبريل، من قبل أن يقضى ويتمم إليه وحيه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
تأكيد الصمت بكف اللسان:
لا يتم تفرغ القلب للوعي إلاّ بسكون اللسان، فلا يكفي في تفرغه ترك القراءة الجهرية عند السماع حتى ينكف اللسان عن الحركة، فلا تكون قراءة لا جهراً ولا سراً، فلذا أكد الله تعالى طلب ترك القراءة بالنهي عن تحريك اللسان فقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].
ثم بين أن الله يجمعه في قلبه- ﵌ بالحفظ، وأنه يطلق بقراءته لسانه بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. أي قراءتك إياه.
ثم أمره أن يتبع قراءة جبريل إذا قرأه عليه، فيقرأه كما قرأه بعد فراغه، بقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. أي فإذا قرأه جبريل وفرغ منه فاتبع قراءته فاقرأه كما قرأه. وأنه تعالى يبينه بأقوال نبيه- ﵌ وأفعاله بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩].
هذا الأدب أدب عام:
إنما المقصود من الكلام البيان عن المراد، وإنما المقصود من السماع وعي الكلام ليفهم المراد. فكما كان على المتعلم أن يسكت حتى يفرغ معلمه من القدر المرتبط بعضه ببعض، مما يلقيه إليه المعلم، حتى يفرغ المعلم من لقائه، كذلك على المناظر أن يستمع لمناظره حتى يستوفي دعواه وحجته.
وعلى كل قارىء لكتاب أن يستوفي ما يرتبط بعضه ببعض منه، ثم يبدي رأيه فيه.
وعلى كل مستمع لمتكلم كذلك.
فبهذا الأدب يتم وعي المتعلم فيحفظ، وفهم المناظر فيرد ويقبل، وفهم القارىء فيعرف ما يأخذ ويترك، وفهم السامع لتحصل فائدة الاستماع.
وبترك هذا الأدب كثيراً ما يقع سوء الوعي أو سوء الفهم، وفوات القصد من المناظرة والقراءة أو الكلام.
دوام [[التعلم]] للازدياد من العلم
يتعلم الإنسان حتى يصير عالماً ويصير معلماً، ولكنه مهما حاز من العلم وبلغ من درجة فيه، ومهما قضى من حياته في التعليم وتوسع فيه وتكمل، فلن يزال بحاجة إلى العلم، ولن تزال أمامه فيما علمه أشياء مجهولة يحتاج إليها.
стр. 335
فعليه أبداً أن يتعلم، وأن يطلب المزيد، ولذا أمر الله نبيه- ﵌ وهو المعلم الأعظم- أن يطلب من الله- وهو الذي علمه ما لم يكن يعلم- أن يزيده علماً فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
تحذير واقتداء:
ما أكثر ما رأينا من قطعهم ما حصلوا عليه من علم، عن العلم؛ فوقف بهم عند ما انتهوا إليه، [[فجمدوا]] وأكسبهم الغرور بما عندهم، فتعظموا وتكلموا فيما لم يعلموا، فضلوا وأضلوا، وكانوا على أنفسهم وعلى الناس شر فتنة وأعظم بلاء.
فبمثل هذه الآية الكريمة يداوي نفسه من ابتلى بهذا المرض، فيقلع عن جموده وغروره، ويزداد مما ليس عنده علم ما لم يعلم. ويحذر من أن يقف على طلب العلم ما دام فيه زمن من الحياة ويقتدي بهذا النبي الكريم- ﵌ فلن يزال يطلب من الله تعالى أن يزيده علمًا (١) بما ييسر له من خزائن رحمته، وما يلقيه في قلبه من نور، وما يجعل له من فرقان، وما يوفقه الله إليه من أصل ذلك كله، وهو تقوى الله، والعمل بما علمه.
نسأل الله لنا والمسلمين العلم النافع، والعمل الصالح. فهو ولي الهداية والتوفيق.
...
٧ - من وعد الله للصالحين
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
لما مضى في السورة ذكر الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وأممهم، وختم الحديث عنهم بذكر الساعة وقربها ومقدّماتها، وأحوال الخلق يوم القيامة- جاء في هذه الآية ذكر الأمة التي جاءت بعد تلك الأمم كلها، وهي أمة محمد ﵌.
وإنما كانت هذه الآية في أمة محمد؛ لأنه لما تكلم على الأمم الخالية لم يسبق الكلام إلاّ عليها؛ فخوطبت بما قضاه الله وكتبه من إرث الصالحين الأرض.
والمخاطبون بهذه الآية المكية هم المؤمنون بالله، الموحدون له، المتبعون لرسوله- محمد ﵌ المصدق لجميع الرسل صلوات الله عليهم، وهم أصحاب النبي- ﵌ وهم الصالحون الموجودون يوم ذاك على وجه الأرض، فكانت الآية إعلاماً بما كتبه الله لهم، ووعداً بإرثهم الأرض.
﴿الزَّبُورِ﴾ بمعنى المزبور أي المكتوب، والمراد به جنس ما أنزله الله من الوحي على رسله
стр. 336
عليهم الصلاة والسلام، وأمر بكتابته. وقرأ حمزة: "الزُّبُور" جمع زُبُر، أي كتاب؛ فعينت هذه القراءة أن المراد بالزبور في القراءة الأولى الكتب المنزلة، لا خصوص زبور داود ﵇.
﴿الذكر﴾ المراد به هنا اللوح المحفوظ، الذي كتب الله فيه كل شيء قبل أن يخلق الخلق. وجاءت تسميته بالذكر، فيما رواه البخاري في مواضع من صحيحه، عن عمران بن حصين ﵁، قال:
قال رسول الله- ﵌: «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض» (١).
ومما كتبه في الذكر ما أنزله على رسله عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى:
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢].
﴿الأرض﴾ جنس الأرض الدنيوية، لأن هذا اللفظ موضوع لها، فإذا أطلق انصرف إليها، وبهذا فسرها ابن عباس من طريق علي بن [أبي]. (٢) طلحة وهي أصح طرقه (٣).
﴿يرثها﴾ تنتقل إليهم من يد غيرهم، وأصل الإرث الانتقال من سالف إلى خالف، وقد يطلق في غير هذا الموضع على أصل التمليك مجازاً.
﴿الصالحون﴾ الصالح من كل شيء هو ما استقام نظامه، فحصلت منفعته. وضده الفاسد، وهو ما اختل نظامه فبطلت منفعته، ويظهر هذا من تتبع مواقع الاستعمال:
فإذا قالوا: هذه آلة صالحة، عنوا أنها محصلة للمنفعة المرادة منهاة لانتظام أجزائها.
وإذا قالوا: آلة فاسدة، عنوا أنها لا تحصل المنفعة لاختلال في تركيبها. والصالح في لسان الشرع- قرآنًا وسنة- لم يخرج عن هذا المعنى حيثما جاء: فالصالح هو من استنار قلبه بالإيمان والعقائد الحقة، وزكت نفسه بالفضيلة والأخلاق الحميدة، واستقامت أعماله وطابت أقواله؛ فكان مصدر خير ونفع لنفسه وللناس: استقام نظامه في عقده وخلقه وقوله وعمله، فعظمت وزكت منفعته، وهذا هو معنى الصالحين حيثما جاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٤)، وكما في حديث التشهد "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (٥).
стр. 337
وقد بين القرآن من هم الصالحون بياناً شافياً كافياً بذكر صفاتهم، مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣، ١١٤].
المعنى:
يخبرنا الله تعالى أنه كتب في الكتب، التي أنزلها على رسله من بعد ما كتب في اللوح المحفوظ، الذي هو أصل تلك الكتب، أن الأرض يرثها ويملكها عباده الصالحون كل العقائد الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والأعمال المستقيمة، الذين ينفعون العباد والبلاد.
تطبيق:
خاطب الله بهذه الآية المؤمنين بمكة، وهم في قلة عَدَدٍ وعُدَدٍ، يعدهم بذلك- لا بطريق صريح- أنهم يرثون الأرض ويكون لهم فيها القوة والنفوذ، ويبعثهم بتعليق الوعد بوصف الصلاح على التمسك به والازدياد منه والاستمرار عليه.
ثم صرح لهم بالوعد بعد في سورة النور، وهي مدنية، بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
وقد حقق الله لهم هذا الوعد: ففتح لهم الفتوح، وأورثهم ملك كسرى وقيصر، ومد ملكهم في الشرق والغرب، وأولئك الذين كانوا في قلة وخوف يوم نزلت الآية المكية هم الذين شاهدوا ذلك النصر وتلك الفتوح وترأسوا ذلك الملك العريض.
تعميم وتقييد:
علق الوعد بالوصف وهو الصلاح؛ ليعلم أنه وعد عام، ولتعلم كل أمة صالحة أنها نائلة حظها- ولا محالة- من هذا الوعد.
واقتضى هذا التعليق بالوصف أيضاً تقييده بأهله، فإذا زال وصف الصلاح من أمة زال من يدها ما ورثت.
стр. 338
ونظير هذا التقييد قوله في آية النور: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
تنظير:
مثل هذه الآية فيما تضمنته من الوعد الذي يقوّي به قلوبهم، ويثبت إيمانهم، ويظهر به صدق نبيه ﵌، بما أعلمه به من غيب، أحاديث صحيحة كقول النبي- ﵌ لخبّاب (١) ﵁ وقد لقي الصحابة من المشركين شدة، فسأله أن يدعو. فقال له النبي- ﵌: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه. وليُتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلاّ الله» (٢).
وكقوله- ﵌ لعدي بن حاتم ﵁: «فإن طالت بك حياة لترين الظغينة (٣) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلاّ الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى» (٤).
وقد امتدت به الحياة حتى رأى ذلك. ومثل هذا أحاديث أخرى في الصحيح، فقد تطابقت الآيات والأحاديث في هذا الوعد.
وقد صدق الله وعده لعباده الصالحين، وصدق نبيه ﵌، بما لم يكن يعلمه أحد، ولا يرى شيئاً من أسبابه، بل لا يرى إلاّ ما هو مناف له؛ ولكن العاقبة للمتقين.
إشكال وحله:
قال أناس: إن أرض الدنيا كما يستولي عليها الصالحون، ويستولي عليها غيرهم. والأرض التي لا يرثها إلاّ الصالحون هي أرض الجنة؛ فيجب تأويل الآية بها.
стр. 339
والجواب:
أن هذا التأويل إنما يحتاج إليه أن لو كانت الآية هكذا: "إن الأرض لا يرثها إلاّ عبادي الصالحون" بطريق الحصر فيهم.
أما لما كانت الآية لا حصر فيها فلا حاجة إلى هذا التأويل، بل في لفظ الإرث وربطه بوصف الصلاح دلالة على أنها كانت لغيرهم فانتقلت إليهم، وأنها تزول مع زوال وصف الصلاح. وقد جاء التنبيه على أن الأرض يرثها الصالحون وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
فيرثها الصالحون نعمة، ويرثها غيرهم فتنة ونقمة، كل ذلك حسب مشيئة الحكيم الخبير.
إيراد وجوابه:
قد يقال: فما هي الفائدة إذاً في تخصيص الصالحين بالذكر في الآية؟.
والجواب:
١ - إن هذه الآية خوطب بها أول الناس الصحابة بمكة، وهم الصالحون في الأرض، ليعلموا ما وعدهم الله به، وليعلموا أن قوة الباطل إلى ضعف وأن ضعف الحق إلى قوة.
٢ - ولأن شأن الصالحين -إذا كانوا- أن يكونوا قليلاً سيما أول أمرهم، فهم بحاجة إلى أن يعلموا هذا الوعد، ليزدادوا إيماناً وقوة وثباتاً.
٣ - ولأن الخلق مفتونون بالكثرة في العدد والعدة غافلون عن القوة الروحية والأخلاقية، وما ينشأ عنهما من استقامة، لا يحسبون لذلك حساباً؛ فيحتاجون إلى العلم بأن الصالحين نائلون حظهم من هذا الوعد، وإن كانوا قلة في الناس. و ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
تحذير من تحريف:
رأى بعض الناس المدنية الغربية المسيطرة اليوم على الأرض- وهي مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها، فالقوة عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان- فقالوا: إن رجال هذه المدينة هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض، وزعموا أن المراد بـ ﴿الصالحون﴾ في الآية: الصالحون لعمارة الأرض.
فيالله للقرآن، وللإنسان، من هذا التحريف السخيف!! كان عمارة الأرض هي كل شيء؛ ولو ضلت العقائد، وفسدت الأخلاق، واعوجت الأعمال وساءت الأحوال، وعذبت الإنسانية بالأزمات الخانقة، وروعت بالفتن والحروب المخربة الجارفة، وهددت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها والمدنية من أساسها.
هذه هي بلايا الإنسانية التي يشكو منها أبناء هذه المدنية المادية التي عمرت الأرض وأفسدت
стр. 340
الإنسان، ثم يريد هذا المحرف أن يطبق عليها آية القرآن: كتاب الحق والعدل والرحمة والإحسان، وإصلاح الإنسان ليصلح العمران.
فأما الصالحون، فهو لفظ قرآني كما قدمناه، وقد شرف أهله بإضافتهم إلى الله في قوله ﴿عبادي﴾ فحمله على الصالحين لعمارة الأرض تحريف للكلم عن مواضعه أبشع التحريف وأبطله، فليحذر المؤمن منه ومن مثله من تحريفات المبطلين والمفتونين.
موعظة وإرشاد:
فعلى الأمم التي تريد أن تنال حظها من هذا الوعد، أن تصلح أنفسها الصلاح الذي بينه القرآن. فأما إذا لم يكن لها حظ من ذلك الصلاح فلا حظ لها من هذا الوعد وإن دانت بالإسلام.
ولله سنن نافذة بمقتضى حكمته ومشيئته في ملك الأرض وسيادة الأمم: يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. من أخذ بنوع من تلك السنن بلغت به وبلغ بها إلى ما قدر له من عز وذل وسعادة وشقاء وشدة ورخاء، وكل محاولة لصدها عن غايتها- وهو آخذ بها- مقضي عليها بالفشل.
سنة الله، ومن ذا يبدلها أو يحولها؛ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]، ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩].
...
٨ - دفاع الله عن المؤمنين
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨].
دفع الشيء، صده ورده، والدفاع عن الشرع، حمايته بصد ما يؤذيه عنه. وقرىء في المتواتر "يدفع"، وقرىء ﴿يدافع﴾، وهو بمعنى يدفع، ولكنه أريد قوة الدفع فجيء بـ"يفاعل"، الذي يقتضي المغالبة في أصله؛ لأن دفع المغالب أقوى وأبلغ، أو لأن ما يهيئه الله من أسباب الدفع التي يباشرونها، مقابلة لما يقصدهم به أضدادهم، فكان الدفع من الجانبين.
(خان) إذا ضيع ما جعل في حفظه وعدته، والخوّان الكثير التضييع لما استحفظ.
و (الكفور) الكثير الجحود للنعم، فلا يعزف بها أو لا يؤدي شكرها.
عندما يكون المؤمنون في قلة وضعف، وأعداؤهم قي كثرة وقوة- كالحالة التي كان عليها المؤمنون يوم نزلت الآية بعد الهجرة- تشك النفوس في سلامتهم من كيد عدوهم؛ فلذا جاء هذا الخبر مؤكداً بـ"إِنَّ ".
ولكون هذا الدفع متجدداً جيء بالفعل مضارعاً.
стр. 341
ولبيان سبب الدفع جيء بالجملة المستأنفة بعد الجملة الأولى، وأكدتا بـ"إن"، لأن الأولى تحمل المخاطب على أن يسأل سؤال المتردد: هل هؤلاء المدفوعون أعداء مبغوضون؛ فأجيب بالتأكيد.
وحذف مفعول يدافع، ليعم كل ما يدفع؛ فشمل كيد جميع الكائدين.
التفسير:
هذا من الله- تعالى- خبر حق ووعد صدق للمؤمنين، بأنه يرد عنهم كيد أعدائهم، ويبطل مكرهم، ويكف ضرهم، وإن عظم ذلك منهم وكثر.
وإن هذا منه لهم متكرر متجدد؛ ذلك لأنهم بإيمانهم حافظوا على أمانة الله عندهم، وعهده لديهم، واعترفوا بنعمه وشكروها، فأحبهم الله ورضي عنهم، فأيدهم ونصرهم، ودافع عنهم. ولأن أعداءهم ضيعوا أمانة الله عندهم، بارتكاب المنهيات، وترك المأمورات، وجحدوا وحدانيته أو نبوة نبيه- ﵌ أو ما جاءهم به من شرعه، فأبغضهم ورد كيدهم مغلوبين مدحورين.
تحرير في التعليل:
إن الحب من الله والبغض كسائر أفعاله لا تقع إلاّ على وجه الحق والعدل والسداد، وهذا أمر واجب لأفعال الرب الحكيم.
فالمؤمنون أحبهم ونصرهم لإيمانهم، وأعداؤهم أبغضهم وخذلهم لخيانتهم وكفرهم.
واقتضت هذه المقابلة أن الخيانة والكفر من صفات أضدادهم، وليست من صفاتهم.
فإيمانهم مستلزم لأمانتهم بحفظ عهد الله عندهم: في نفوسهم، وعقولهم، وأبدانهم، وجميع ما لديهم على جميع أحوالهم، ومستلزم لاعترافهم بنعم الله وشكره عليها، باستعمالها في طاعته وطلب المزيد من بره.
وأمانتهم هذه وشكره هي مظهر ايمانهم الذي يميزهم عن أضدادهم، ويدل على صدقهم في ذلك الإيمان، ورسوخه في قلوبهم.
فإذا عدمت منهم الأمانة فخانوا الله والرسول وخانوا أماناتهم، وفشت الفواحش والمناكر والبدع فيهم، وصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وإذا بطروا نعم الله عندهم فعطلوا منها ما عطلوا بجهلهم وكسلهم وقعودهم عن الخير، وأسباب الحياة والسعادة، واستعملوا منها ما استعملوا في الشر والفساد واتباع الشهوات- إذا كانوا هكذا فقد استوجبوا غضب الله وبغضه ونقمته، وحرموا نصرته ودفاعه، وكانوا هم الظالمين.
خيانة دون خيانة وكفر دون كفر:
وإنما يخرج المرء عن أصل الإسلام بما كان في أصل العقيدة لا بما كان في الأعمال، إلاّ عملاً يدل دلالة ظاهرة على فساد العقيدة وانحلالها.
стр. 342
وعلى هذا عقد البخاري- ﵀ في الجامع الصحيح أبوابًا في ظلم دون ظلم (١)، وكفر دون كفر.
تطبيق:
لما كان المسلمون أهل الإيمان الصادق والشكر والأمانة، دافع الله عنهم، وقد شهد التاريخ بذلك من الله لهم فلما خانوا وكفروا تركهم ومَكَّنَ منهم.
ولكنه برحمته وعدله لم ينس لهم أصل إسلامهم، فأبقى لهم أصل وجودهم الذاتي، وهم لحم على وضم (٢) بين الأمم، لا يستطيعون دفعاً عن أنفسهم.
وأبقى لهم أصل وجودهم الروحي بكتابه المتلو بين ظهرانيهم، رغم إعراضهم عن تدبره وهجرهم لما فيه- عساهم يرجعون.
تنبيه وتحذير:
كل عمل لا يحل فهو خيانة، وإن كان بأدنى إشارة، وقد نبه الله على هذا بقوله ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾، [غافر: ١٩]. وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل والإشارة بطرف العين فيما يحرم.
وأعظم الخيانة بعد الكفر خيانة العامة، لأن الذنب يعظم بعظم أثره وانتشار ضرره. ولهذا جاء ما جاء من الوعيد الشديد فيمن ولي أمراً من أمور المسلمين فغشهم ولم ينصح لهم.
فحق على المسلم أن يحذر من الخيانة دقيقها وجليلها، وخصوصاً ما اتصل بالناس منها، ويتنبه من أقل كلمة وأدنى إشارة توقعه في خطرها.
سؤال وجوابه:
فإن قيل: قد نجد من عباد الله المؤمنين من يصيبه البلاء والشدة، فيعذب وقد يقتل: "وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ" (٣).
وقد أصاب المؤمنين يوم أحد ويوم حنين ما أصابهم؟
فالجواب:
إن دفع الله يكون بأسباب وأنواع، وعلى وجوه تختلف بحسب الحكمة، ولا تخلو كلها من دفاع، فإن ما يصيب المؤمنين من البلاء في أفرادهم وجماعتهم هو ابتلاء يكسبهم القوة والجلد،
стр. 343
ويقوي فيهم خلق الصبر والثبات وينبههم إلى مواطن الضعف فيهم أو ناحية التقصي منهم، فيتداركوا أمرهم بالإصلاح والمتاب، فإذا هم بعد ذلك الابتلاء أصلب عوداً، وأطهر قلوباً، وأكثر خبرة، وأمنع جانباً.
وإن في صبر الصابر منهم وقد نزل به البلاء الذي لا يقدر على دفعه، والظلم الذي لا يقدر على إزالته.- لبعثًا للقوة في نفس غيره ممن يأتسي به، وضعفاً في قلب ظالمه، وفي كليهما دفع من الله عن المؤمنين.
مشاهدة وتوصية:
نعرف في حياتنا مواطن ما نجونا فيها إلاّ بدفع الله، وبطل كيد الكائدين فيها بمحض صنع الله، وقد كنا فيها- فيما نرى- على شيء من العمل لله. فكيف بمن كانت أعمالهم كلها لله؟
وهذه المشاهدة التي شاهدنا- ولا نشك أن من غيرنا من شاهد مثلنا أو أكثر منا- توجب علينا أن نوصي بالإيمان بالله والمحافظة على عهده والثقة به، فإن ذلك يحقق وعد الله بالدفع، وينيل أهله العزة والحفظ.
فعلى المسلم أن يعمل لذلك، ويعتد به ثقة بالله وصادق وعده. والله لا يخلف الميعاد.
...
٩ - أكل الحلال والعمل الصالح
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
(الطيب) ما صلح واعتدل في نفسه، وسلم من كل ما يفسده ويخرجه عن اعتداله وأصل خلقته، فكان مستلذاً للنفوس، سواء أكان مما يدرك بالسمع، أو بالبصر، أو بالذوق، أو بالشم، أو باللمس، أو بالعقل.
فالطيب هو اللذيذ لذة حسية أو عقلية، ويقابله الخبيث وهو المستقذر حساً أو عقلاً، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فما أحل الله إلاّ الطيب المستلذ، وما حرم إلاّ الخبيث المستقذر.
فلهذا صار الطيب في لسان الشرع يجيء كثيراً بمعنى الحلال، ويكون ضده الخبيث بمعنى الحرام، ومنه ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي المحللات، فملك غيرك وإن كان مستلذاً في الحس، فإنه ليس طيباً لك شرعاً؛ وذلك لأنه مستقذر من العقل بما فيه عند تناوله بدون إذن صاحبه من التعدي المستقبح في العقل.
وقد يجيء الطيب بمعنى الجيد والخبيث بمعنى الرديء وعليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
стр. 344
(الصالح) هو المستقيم النافع وهو فعل المأمورات وترك المنهيات، وتناول المباحات من حيث أنها مباحات، أو وسائل لفعل المأمورات وترك المنهيات.
للاهتمام بالمأمور به قدمت قبل الأمر جملة النداء، ولأن هذا المأمور به مما يجب عليهم تبليغه نودوا بلفظ الرسل.
ولأن كل واحد منهم أوحى الله إليه بهذا النداء والأمر في زمانه كان النداء والأمر للجميع.
وقد دخل في الجمع عيسى- ﵊ الذي كان الحديث عليه في الآية التي قبل هذه وهي: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
كما دخل في الجمع محمد- ﵌ الذي نزلت عليه هذه الآية.
ولأن المقصود من الأكل- وهو الغذاء واللذة- يحصل ببعض قيل "من الطيب" بـ"من" التبعيضية.
ولما كان المخاطب بأكل الحلال والعمل الصالح شأنه أن تستشرف (١) نفسه لتعيين ثمرة ذلك، جاء الخبر مؤكداً بـ" إنّ" في ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وعلم الله مستلزم لجزائه للعاملين، فكان كناية عن الجزاء وفي الكناية عن الجزاء بالعلم تفخيم لهذا الجزاء وتعظيم، فهو جزاء الله العليم وكفى به.
التفسير:
خلق الإنسان مركباً من روح وبدن، وإنما بقاء بدنه بالغذاء وإنما كمال روحه بالعمل.
فأمر الله بالأكل لبقاء البدن، واشترط أن يكون من الطيبات، لأنها هي التي تغذي ولا تؤذي، أما الخبائث ففيها الأذى ويتفه أو يعدم منها الغذاء.
وأمر بالعمل الصالح الذي فيه ذكاء للنفس ونفع لها في العاجل والآجل وخير للعباد والبلاد.
وأخبر بعلمه بعمل العاملين؛ ليجتهدوا في العمل ويخلصوا له فيه، وينتظروا جزاءهم من عنده.
والدين كله عمل صالح وتوحيد خالص، وقد انتظمتهما الآية تصريحاً في العمل واستلزاماً في التوحيد، وبين- تعالى- بهذه الآية أن هذا الذي اشتملت عليه هو دين الله لجميع الأمم، أوصى به رسله- صلوات الله وسلامه عليهم- ليبلغوه لخلقه، فهو حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه.
стр. 345
توجيه الترتيب:
تتوقف الأعمال على سلامة الأبدان، فكانت المحافظة على الأبدان من الواجبات، ولهذا قدم الأمر بالأكل على الأمر بالعمل.
فليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أحلها الله كما حرم غلاة المتصوفة اللحم.
وليس من الإسلام تضعيف الأبدان وتعذيبها كما يفعله متصوفة الهنادك، ومن قلدهم من المنتسبين للإسلام.
والميزان العدل في ذلك هو ما كان عليه النبي- ﵌ وأصحابه ﵃، وقد بين ذلك أئمة السنة والأثر ﵏، وقد جوده مالك ﵁ فى كتاب الجامع (١) من الموطأ.
وفي تقديم الأكل من الطيبات على العمل الصالح تنبيه على أنه هو الذي يثمرها لأن الغذاء الطيب يصلح عليه القلب والبدن، فتصلح الأعمال، كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن، فتفسد الأعمال.
بيان نبوي:
خرج مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «أيها الناس، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلاّ طيباً. وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» (٢).
فبين الحديث الشريف أن الله طيب أي منزه عن النقص في ذاته وصفاته وأفعاله، تنعم العقول والأرواح بمعرفته- كما يليق به- ومحبته.
وأنه لا يقبل من الأعمال إلاّ طيباً أي صالحاً في نفسه خالصاً من شوائب المخالفة والرياء والشرك.
وبين أن الشرع عام للرسل وللأمم، ولا يستثنى من هذا إلاّ ما دل الدليل على اختصاصه بالرسل.
وبين أن أكل الحلال هو الذي يثمر قبول الدعاء «الدعاء هو مخ العبادة» (٣)، فإذا رُدّ عليه
стр. 346
فقد ردت عليه عبادته، فكان هذا البيان النبوي على مقتضى ما أفاده ترتيب الأمرين في الآية.
تكميل:
في آية الرسل (١) الأمر بالأكل من الطيبات، والأمر بالعمل الصالح، واستلزام الأمر بالإخلاص.
وفي آية المؤمنون (٢) الأمر بالأكل من الطيبات والأمر بالشكر، والتصريح بلزوم توحيده تعالى في العبادة، لأن تمامها هكذا: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
واقتصر في الحديث على الأمر بالأكل من الطيبات، إما لأن الكلام كان في الحث على أكل الحلال، وإما لأن الراوي اختصر الرواية.
الإهتداء:
على المؤمن أن يتحرى في مأكله ومشربه- وكل ما به قوام ذاته- الحلال الطيب، يمتثل بذلك أمر الله، ويقصد التوصل به إلى العمل الصالح.
وعليه أن يتحرى في فعله وتركه أمر الله ونهيه، حتى يكون عمله عملًا صالحاً طيباً متقبلاً.
يمتثل بذلك أمر الله، ويقصد قبول عبادته ودعائه لديه.
والمتحري للحق والخير جدير بالتوفيق إليه وكثرة إصابته.
رزقنا الله والمسلمين التحري لطاعته، والتوفيق لمرضاته، والتأدب بكتابه آمين.
...
١٠ - الفرار إلى الله
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٥٠].
تمهيد:
المقصود الأساسي من الآيات هو تحذير الخلق من الهلاك، وترغيبهم في النجاة، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بالفرار إلى الله، فمهد لذلك بالآيات الثلاث الأول للترغيب فيه، وختم بالخامسة لبيان الفرار الصحيح المنجي عند الله.
الآية الأولى:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾
стр. 347
﴿السماء﴾ هي الجرم الأعظم الذي أحاط بالأجرام السابحة في الفضاء كلها، وعلا عليها.
﴿بنيناها﴾ ضممنا أجزاءها بعضها إلى بعض بغاية الدقة والإحكام، فكانت كالقبة فوق الجمع.
﴿بأيد﴾ بقوة.
﴿لموسعون﴾، لمقتدرون ومطيقون؛ على احتمال أن يكون من الوسع بمعنى القدرة والطاقة، أو لموسعون ومبعدون بين أرجائها على احتمال أن يكون من السعة.
وقدمت السماء، لأنها المشاهد المحسوس الذي تقم به الحجة، وليقع البناء عليها مرتين:
على لفظها وعلى ضميرها، لأن الأصل: وبنينا السماء بنيناها، لتحقيق أنها مبنية، وأن بناءها لم يكن إلاّ من الله القادر الحكيم، ولذلك علق بالفعل قوله: ﴿بأيد﴾.
والجملة الحالية تدل على أن الإيساع ثابت له عند البناء، فذلك البناء العظيم لم ينقص من قدرته، أو يمنع من توسيعه.
المعنى:
إن هذه القبة التي أحاطت بكم من جميع الأرجاء، نحن بنيناها بقدرتنا ذلك البناء المحكم المتقن، بنيناها ونحن على قوتنا وقدرتنا نقدر على بناء أعظم منها لو شئنا، ونحن على قدرتنا وطاقتنا في إفاضة الخيرات والبركات منها عليكم.
هذا على أنه من الوسع.
أو بنيناها وقد وسعنا أديمها حتى أحاطت بهذه الأجرام السابحة التي منها ما لا يكون معه جرم الكرة الأرضية إلاّ كحمصة فوق مائدة كبيرة.
هذا على أنه من السعة.
تحقيق آية كونية من الآيات القرآنية:
السماء في اللغة هي كل ما علاك؛ فكل ما علا الأرض من سحب وطبقات هواء وكواكب تسبح في الفضاء، وما وراء ذلك من القبة المحيطة الكبرى هو للأرض سماء، وكل هذه متقنة الصنع محكمة الوضع متلاحمة الأجزاء، مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً مقدراً بالمسافات المدققة التي لا يكون معها تصادم ولا ارتخاء. ووضعها على هذه الصورة المنظمة المحكمة هو البناء، وعليها كلها ينبغي أن يحمل لفظ الآية المتقدمة.
وقد جاء لفظ السماء في القرآن مراداً به القبة المحيطة في مثل:
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦].
وجاء مراداً به السحاب في مثل ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [الزخرف: ١١]. فإن
стр. 348
المطر ينزل من السحاب لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣].
وجاء مراداً به طبقات الجو في مثل: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣]. والبرد يتكون في طبقات الجو.
والمتتبع لمواقع لفظة السماء من الكتاب العزيز يتحقق هذا.
...
الآية الثانية:
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾.
﴿الأرض﴾ هي هذه الكرة التي نعيش عليها.
﴿فرشناها﴾ بسطناها بزينتها ومنافعها.
﴿الماهدون﴾ من مهد الشيء وضعه وسواه وهيأه للنوم والجلوس والراحة.
ويجري في تقديم الأرض ما تقدم في تقديم السماء.
ومن يسير على هذا البساط المفروش (١)، ويطلع على ما هي فيه من أسباب الحياة لكل ما فيه من حيوان لا يتمالك أن ينطق بالمدح والثناء على من هيأ هذه التهيئة، ومهد هذا التمهيد، ولذا قرنت الجملة الأخيرة بالفاء فقيل: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾.
ولا يعني فرش الأرض عن مهدها؛ لأن المهد يتضمن ما حصل فيها من مرافق ومواد وأسباب للعيش على أديمها والتنعم بخيراتها.
المعنى:
إن الأرض التي أنتم متمكنون من الوجود على ظهرها، والسير في مناكبها والانتفاع بخيراتها، نحن فرشناها لكم، وهيأنا لكم أسباب الحياة والسعادة فيها، على أكمل وجه وأنفعه وأبدعه، مما نستحق به منكم الحمد والثناء.
دقيقة كونية في الآية القرآنية:
شأن الفراش أن يكون ما تحته لا يصلح للجلوس والنوم عليه. وما تحت وجه الأرض هو كذلك لا يصلح للحياة فيه؛ فإن تحت القشرة العليا من الأرض، المواد المصهورة، والمياه المعدنية، والأبخرة الحارة، مما تنطق به البراكين المنتشرة على وجه الأرض في أماكن عديدة؛ فكانت القشرة العليا من الأرض مثل الفراش تماماً.
стр. 349
الآية الثالثة:
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿من كل شيء﴾ من كل جنس من الأجناس.
﴿خلفنا﴾ كونا.
﴿زوجين﴾ فردين متباينين، يكمل أحدهما الآخر، في عالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد.
﴿تذكرون﴾ تذكرون ما أودع في فطرته من المعرفة، لما تنظرون بعقولكم في عجائب الخلق؛ فتدركون ما له ﷻ من الألوهية والربوبية والوحداينة.
وقدم ﴿من كل شيء﴾ لأن الأشياء هي المستبدل بها، ولبعث الهمم على النظر فيها.
المعنى:
إنا خلقنا الأشياء التي تشاهدونها على الزوجية والتركيب من شيئين متضادين، لتكونوا بحيث يرجى منكم أن تعلموا أن النقص والعجز عَمَّ المخلوقات كلها، لحاجة كل شيء منها إلى ضده، وقصوره بنفسه.
فالقدرة والكمال للخالق وحده، فلا يستحق العبادة سواه، فاعبدوه ووحدوه.
توسع في التذكر:
النظر في الأزواج مُفْضٍ للعلم بما ذكرنا، وللعلم بأن الخلق غير صادر عن طبيعة الأشياء:
فإن النار- مثلا- لا يصدر عنها التبريد والتسخين؛ لأن السبب لا ينتج الضدين.
فالمخلوقات كلها صادرة بطريق الخلق عن فاعل مختار.
وللعلم بوجوه كثيرة من إحاطة علمه، وشمول حكمته، وعموم نعمته.
إذا نظر العاقل في هذه الأزواج وفكر انكشفت له وجوه سر دلائل الربوبية والألوهية والتوحيد، وإذا حصل الانكشاف الأول تبعته انكشافات، فإذا حصل منه التذكر أفضى به إلى تلك الوجوه الكثيرة. ولهذا نزل الفعل منزلة اللازم لا يراد منه إلاّ حصول الحدث.
...
آية كونية في الآية القرآنية:
من الأزواج ما هو ظاهر مشاهد معلوم من قديم مثل السماء والأرض، والليل والنهار، والحر والبرد، والذكر والأنثى في الحيوان وبعض النبات.
ومنها ما كشفه العلم بما مهد الله له من أسباب كالجزء الموجب والجزء السالب في القوة الكهربائية وفي الذرة التي هي أصل التكوين، فلا فردية إلاّ لخالق هذه الأزواج كلها، الذي أنبأنا
стр. 350
بها قبل أن تصل إلى تمام معرفتها العقول، فكان من معجزات القرآن العلمية التي يفسرها الزمان بتقدم الإنسان في العلم والعمران.
لما كانت السماء متلاحمة الأجزاء في العلاء، ثابتة على حالة مستمرة في هذه الدنيا على البقاء، ناسبها لفظ البناء.
ولما كانت مظهر العظمة (١) والجلال، ناسبها لفظ القوة (٢).
ولما كانت الأرض يطرأ عليها التبديل والتغيير بما ينقص البحر من أطرافها، وبما قد يتحول من سهولها وجبالها، وبما يتعاقب عليها من حرث وغراسة وخصب وجدب، ناسبها لفظ الفراش الذي يبسط ويطوى، ويبدل ويغير.
ولما كانت أسباب الانتفاع بها الميسرة ضرورية للحياة عليها وكلها مهيأة، وكثير منها مشاهد، وغيره معد يتوصل إليه بالبحث والاستنباط ناسب ذكر التمهيد.
ولما كانت الأزواج مكونًا بعضها من بعض ناسبها لفظ الخلق.
ولما كان النظر في الزوجين هو نظر في أساس التكوين لتلك المذكورات السابقة- وهو محصل للعلم الذي يحصل من النظر فيها- قرن بلفظ التذكر.
...
الآية الرابعة:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
(الفاء) للترتيب، لأن ما قبلها على ما فيه من عظمة وكمال وجمال، فهي مخلوقة موسومة بسمة العجز والنقصان، فلا يصلح شيء منها للتعويل عليه، فلم يبق إلاّ الخالق القادر ذو الجلال والإكرام، فهو الذي يفر إليه دون جميع المخلوقات.
(فروا) اهربوا. (النذير) المعلم بما فيه هلاك لتجنب الأسباب المؤدية إليه.
(المبين) الذين يوضح ما أنذر منه والأسباب المؤدية إليه، والوسائل المنجية منه، مع إقامة الحجة على صدقه ونصحه.
وقدم ﴿لكم﴾ ليفيد اهتمامه بهم، وذلك ليجلبهم إليه فيستمعوا لنصحه، وبعده ﴿منه﴾ ليبين مصدر رسالته، وذلك ليبين لهم أنه مأمور، فلا يستكبروا عن قبول دعوته.
وأكد الجملة (٣) لأنهم في مقام التردد أو الإنكار.
стр. 351
المعنى:
هذه المخلوقات كلها عاجزة في نفسها مفتقرة- ابتداء ودواماً- إلى خالقها، فاهربوا من شرها إلى خالقها، فهو الذي ينجيكم من شرها ويهديكم إلى خيرها، ولا تغتروا بشيء منها، فإنها لاتملك حفظاً لنفسها فكيف تملكه لغيرها.
إنني أحذركم الهلاك إذا اغتررتم بها، وقطعتكم عن خالقها ولم تهربوا إلى الله منها، وقد أبنت لكم مصدر الهلاك وطريق النجاة.
نكتة التنويع:
جاءت الثلاث آيات الأول كما يكون قولها من الله.
وجاءت هذه الآية كما يكون قولها من النبي ﷺ تنويعاً للخطاب وتفنناً، فإنه لما كان في هذه الآية، هو المقصود حول أسلوب الكلام من الإخبار إلى الأمر؛ تجديداً لنشاط [[السامع]]، وبعثاً لاهتمام المخاطبين، وحَثًّا لهم وتوكيداً عليهم.
وفيه تنبيه على أن ما يقوله النبي- صلى اله عليه وآله وسلم- مثل ما يقوله الله في وجوب الإيمان والامتثال.
بيان وتوحيد:
هذا العالم بسمائه وأرضه وأزواجه، هو فتنة للإنسان بما فيه من لذائذ ومن جمال، وما فيه من قوة وما فيه من سلطان.
وقد ركبت في الإنسان شهواته وأهواؤه، وسلط عليه الشيطان يغويه ويزين له.
فكل هذا العالم إذا ذهب فيه الإنسان مع أهوائه وشهواته تحت إغواء الشيطان وتزيينه، فإنه يحط إلى أسفل سافلين، ويصير عبداً لأهوائه وشهواته وشيطانه، ولكل ما فتنه من العالم وذهب بلبه، وقد ينتهي به ذلك إلى عبادته من دون خالقه.
فالعالم بهذا الاعتبار شر وبلاء وهلاك يجب الفرار والهروب منه، ولا يكون هذا الفرار منه إلاّ إلى خالقه بالإيمان به، والتصديق لرسله، والدخول تحت شرعه، فبذلك يعرف الإنسان كيف يجعل حداً لأهوائه وشهواته، وكيف يضبطها بنطاق الشرع وزمامه، وكيف يدفع عنه كيد شيطانه، وكيف يتناول سماء العالم وأرضه وأزواجه بيد الشرع، فيعرف ما فيها من نعمة وحكمة، فيستغلها بهداية الشرع مفرقاً علمياً وعملياً بين منافعها ومضارها، فيعظم بها انتفاعه ويزداد فيها اطلاعه واكتشافه، فتتضاعف عليه منها الخيرات والبركات، ويزداد علمه وعرفانه، ويقوى يقينه وإيمانه، ويعظم لله بره وشكرانه.
فيكون له ذلك العالم جنة الدنيا، وقنطرة لجنة الأخرى، ويفوز من الدارين بالمبتغى. كل هذا بفراره من المخلوقات إلى خالقها، فسلم من شرها، وفاز بخيرها.
стр. 352
فمن هرب من المخلوقات إلى خالقها نجا، ومن فر من الخالق إلى شيء من مخلوقاته كان من الهالكين.
إرشاد وتعميم:
كل ما يصيب الإنسان من محن الدنيا ومصائبها وأمراضها وخصوماتها ومن جميع بلائها، لا ينجيه من شيء منه إلاّ فراره إلى الله.
ففي العدالة الشرعية ما يقطع كل نزاع، وفي المواعظ الدينية ما يهون كل مصاب، وفي الهداية القرآنية والسيرة النبوية ما ينير كل سبيل من سبل النجاة والسعادة في الحياة.
يعرف ذلك الفقهاء القرآنيون السنيون.
واسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
تنبيه على وهم:
ليس الفرار من الأمراض بمعالجتها ومن المصائب بمقاومتها فراراً من الله؛ لأن الأمراض هو قدّرها والأدوية هو وضعها، ودعا إلى استعمالها، والتعالج بها.
وكذلك المصائب وما شرع من أسباب مقاومتها، فكلها منه بقدره، والإنسان مأمور منه بأن يعالج ويقاوم، فما فر من قدره إلاّ إلى قدره.
ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر- ﵄ في قصة الوباء: "أفراراً من قدر الله يا عمر؟
قال عمر: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله" (١) وفي الحقيقة كان الفرار من شر في مخلوق إلى الله يرجو منه الخير في غيره.
تحذير من جهالة:
ليس المقصود بالفرار من الدنيا ترك السعي والعمل، وتعاطي الأسباب المشروعة لتحصيل القوت، ورغد العيش، وتوسيع العمران، وتشييد المدنية.
بل المقصود الفرار من شرورها وفتنتها، وتناول ذلك كله على الوجه المشروع هو من الفرار إليه، والدخول تحت شرعه كما قدمناه.
وقد ضل قوم فزعموا ذلك طاعة وعبادة، فعطلوا الأسباب، وخالفوا الشريعة، وحادوا عما ثبت من السنة، وفيهم سئل إمام الحديث والسنة أحمد بن حنبل ﵀؛ سئل عن القائل: أجلس لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؛ فقال: "هذا رجل جهل العلم: أما سمع قول النبي-
стр. 353
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي» " (١) "؛ وقوله: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (٣).
وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم وبهم القدوة.
تطبيق:
إذا رأينا طائفتين من المؤمنين تنازعتا فأما إحداهما فالتجأت إلى السلطان تستغيثه، وتستعين به، وتحطب في حبله، فأغاثها وانتقم لها، وأمدها وقربها وأدناها.
وأما الأخرى فلم تستغث إلاّ بالله ولم تستنصر إلاّ به، ولم تعتمد إلاّ عليه، ولم تعمل إلاّ فيما يرضيه من نشر هداية الإسلام، وما فيها من خير عام لجميع الأنام، وتحملت في سبيل ذلك كل ما تسببت لها فيه الطائفة الأخرى ومن تولته وهربت إليه.
إذا رأينا هاتين الطائفتين عرفنا منهما- يقيناً- الفارة من الله، والفارة إليه؛ فكنا- إن كنا مؤمنين- مع من فر إلى الله.
الآية الخامسة:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿ولا تجعلوا﴾ ولا تضعوا من عند أنفسكم ما لا وجود له.
﴿إلها﴾ معبوداً تخضعون له، وترجون منه التصرف في الكون، ليجلب لكم النفع ويدفع عنكم الضر. وتقدمت ألفاظ ما بَعْدُ في الآية السابقة.
المعنى:
ولا تجعلوا في فراركم إلى الله شيئاً معه من مخلوقات تعتمدون عليه، وتلتجئون إليه، فتكونوا قد أشركتم به سواه. فإنني أحذركم ما في ذلكم من هلاككم بالشرك الذي لا يقبل الله معه من عمل، وإنني قد أبنت لكم لزوم توحيده في الفرار إليه، كما بينت لكم لزوم ذلك الفرار.
أعاد ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مع الآية الخامسة، ليبين لهم أن عبادة الله مع الإشراك به كتعطيل عبادته؛ فهلاك المشرك كهلاك الجاحد، والنجاة أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا لا في ربوبيته ولا في ألوهيته.
стр. 354
تنبيه وتحذير:
جاء في الحديث فيما رواه أصحاب السنن: "أن الدعاء هو العبادة" (١)، فمن دعا غير الله فقد عبده ومن دعا مخلوقاً مع الخالق فقد أشرك.
فإذا دعوت فادع ربك ولا تدع معه أحداً.
وكيف تدعو من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟!
وإذا توسلت فتوسل بأعمالك بإيمانك وتوحيدك، وباتباعك لمحمد ﵌، ومحبتك فيه، واعتقادك ما له عند الله من عظيم المنزلة وسمو المقام عليه وعلى آله الصلاة وا لسلام.
بيان نبوي قولي:
قال ﵊ فيما يقال عند النوم:
«لا ملجأ ولا منجى منك إلاّ إليك» (٢).
والملجأ هو المهرب الذي يهرب إليه، والمنجى هو مكان النجاة؛ فبين لنا أنه لا يكون الهرب إلاّ إلى الله، ولا تكون النجاة إلاّ بالهرب إليه، فمن هرب لغيره كان من الهالكين.
كما بين لنا أن كل ما يجري في هذا العالم، فهو بخلقه بقدره؛ فلا مهرب ولا نجاة مما خلق وقدر إلاّ إليه.
بيان نبوي عملي:
روى أحمد وابن جرير عن حذيفة بن اليمان، أن رسول الله- ﵌ كان إذا حزبه أمر صلى وفزع للصلاة (٣)؛ يعني إذا نزل به مهم أو أصابه غم فزع للصلاة.
فبين لنا بالفعل أن الفرار إلى الله بالتلبس بطاعته، وصدق التوجه إليه والدعاء والتضرع والخشوع له، والاستسلام لدينه وشرعه والإخلاص في عبادته والاعتماد عليه.
وذلك كله موجود على أكمله في الصلاة التي هي عمود الدين، ومظهر كماله.
جعلنا الله والمسلمين من الفارين إليه والمقبولين لديه. آمين.
стр. 355
القسم السادس تفسير المعوذتين
في هذا القسم:
١ - استهلال، وتمهيد.
٢ - من المعوذات.
٣ - فضل المعوذتين، وسر الختم بهما.
٤ - رب الفلق.
٥ - الشر وأقسامه.
٦ - الغاسق وقيده. والنفاثات في العقد.
٧ - الحاسد والحسد.
٨ - لفظ الناس ولم اختير.
٩ - الخناس ضعيف.
١٠ - شيطان الإنس وشيطان الجن.
١١ - الوسوسة، ومحلها.