← Тафсир

Тафсир · id 9532

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (416 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المعنى: هذه المخلوقات كلها عاجزة في نفسها مفتقرة- ابتداء ودواماً- إلى خالقها، فاهربوا من شرها إلى خالقها، فهو الذي ينجيكم من شرها ويهديكم إلى خيرها، ولا تغتروا بشيء منها، فإنها لاتملك حفظاً لنفسها فكيف تملكه لغيرها. إنني أحذركم الهلاك إذا اغتررتم بها، وقطعتكم عن خالقها ولم تهربوا إلى الله منها، وقد أبنت لكم مصدر الهلاك وطريق النجاة. نكتة التنويع: جاءت الثلاث آيات الأول كما يكون قولها من الله. وجاءت هذه الآية كما يكون قولها من النبي ﷺ تنويعاً للخطاب وتفنناً، فإنه لما كان في هذه الآية، هو المقصود حول أسلوب الكلام من الإخبار إلى الأمر؛ تجديداً لنشاط [[السامع]]، وبعثاً لاهتمام المخاطبين، وحَثًّا لهم وتوكيداً عليهم. وفيه تنبيه على أن ما يقوله النبي- صلى اله عليه وآله وسلم- مثل ما يقوله الله في وجوب الإيمان والامتثال. بيان وتوحيد: هذا العالم بسمائه وأرضه وأزواجه، هو فتنة للإنسان بما فيه من لذائذ ومن جمال، وما فيه من قوة وما فيه من سلطان. وقد ركبت في الإنسان شهواته وأهواؤه، وسلط عليه الشيطان يغويه ويزين له. فكل هذا العالم إذا ذهب فيه الإنسان مع أهوائه وشهواته تحت إغواء الشيطان وتزيينه، فإنه يحط إلى أسفل سافلين، ويصير عبداً لأهوائه وشهواته وشيطانه، ولكل ما فتنه من العالم وذهب بلبه، وقد ينتهي به ذلك إلى عبادته من دون خالقه. فالعالم بهذا الاعتبار شر وبلاء وهلاك يجب الفرار والهروب منه، ولا يكون هذا الفرار منه إلاّ إلى خالقه بالإيمان به، والتصديق لرسله، والدخول تحت شرعه، فبذلك يعرف الإنسان كيف يجعل حداً لأهوائه وشهواته، وكيف يضبطها بنطاق الشرع وزمامه، وكيف يدفع عنه كيد شيطانه، وكيف يتناول سماء العالم وأرضه وأزواجه بيد الشرع، فيعرف ما فيها من نعمة وحكمة، فيستغلها بهداية الشرع مفرقاً علمياً وعملياً بين منافعها ومضارها، فيعظم بها انتفاعه ويزداد فيها اطلاعه واكتشافه، فتتضاعف عليه منها الخيرات والبركات، ويزداد علمه وعرفانه، ويقوى يقينه وإيمانه، ويعظم لله بره وشكرانه. فيكون له ذلك العالم جنة الدنيا، وقنطرة لجنة الأخرى، ويفوز من الدارين بالمبتغى. كل هذا بفراره من المخلوقات إلى خالقها، فسلم من شرها، وفاز بخيرها.

стр. 352

فمن هرب من المخلوقات إلى خالقها نجا، ومن فر من الخالق إلى شيء من مخلوقاته كان من الهالكين. إرشاد وتعميم: كل ما يصيب الإنسان من محن الدنيا ومصائبها وأمراضها وخصوماتها ومن جميع بلائها، لا ينجيه من شيء منه إلاّ فراره إلى الله. ففي العدالة الشرعية ما يقطع كل نزاع، وفي المواعظ الدينية ما يهون كل مصاب، وفي الهداية القرآنية والسيرة النبوية ما ينير كل سبيل من سبل النجاة والسعادة في الحياة. يعرف ذلك الفقهاء القرآنيون السنيون. واسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. تنبيه على وهم: ليس الفرار من الأمراض بمعالجتها ومن المصائب بمقاومتها فراراً من الله؛ لأن الأمراض هو قدّرها والأدوية هو وضعها، ودعا إلى استعمالها، والتعالج بها. وكذلك المصائب وما شرع من أسباب مقاومتها، فكلها منه بقدره، والإنسان مأمور منه بأن يعالج ويقاوم، فما فر من قدره إلاّ إلى قدره. ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر- ﵄ في قصة الوباء: "أفراراً من قدر الله يا عمر؟ قال عمر: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله" (١) وفي الحقيقة كان الفرار من شر في مخلوق إلى الله يرجو منه الخير في غيره. تحذير من جهالة: ليس المقصود بالفرار من الدنيا ترك السعي والعمل، وتعاطي الأسباب المشروعة لتحصيل القوت، ورغد العيش، وتوسيع العمران، وتشييد المدنية. بل المقصود الفرار من شرورها وفتنتها، وتناول ذلك كله على الوجه المشروع هو من الفرار إليه، والدخول تحت شرعه كما قدمناه. وقد ضل قوم فزعموا ذلك طاعة وعبادة، فعطلوا الأسباب، وخالفوا الشريعة، وحادوا عما ثبت من السنة، وفيهم سئل إمام الحديث والسنة أحمد بن حنبل ﵀؛ سئل عن القائل: أجلس لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؛ فقال: "هذا رجل جهل العلم: أما سمع قول النبي-

стр. 353

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي» " (١) "؛ وقوله: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (٣). وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم وبهم القدوة. تطبيق: إذا رأينا طائفتين من المؤمنين تنازعتا فأما إحداهما فالتجأت إلى السلطان تستغيثه، وتستعين به، وتحطب في حبله، فأغاثها وانتقم لها، وأمدها وقربها وأدناها. وأما الأخرى فلم تستغث إلاّ بالله ولم تستنصر إلاّ به، ولم تعتمد إلاّ عليه، ولم تعمل إلاّ فيما يرضيه من نشر هداية الإسلام، وما فيها من خير عام لجميع الأنام، وتحملت في سبيل ذلك كل ما تسببت لها فيه الطائفة الأخرى ومن تولته وهربت إليه. إذا رأينا هاتين الطائفتين عرفنا منهما- يقيناً- الفارة من الله، والفارة إليه؛ فكنا- إن كنا مؤمنين- مع من فر إلى الله. الآية الخامسة: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿ولا تجعلوا﴾ ولا تضعوا من عند أنفسكم ما لا وجود له. ﴿إلها﴾ معبوداً تخضعون له، وترجون منه التصرف في الكون، ليجلب لكم النفع ويدفع عنكم الضر. وتقدمت ألفاظ ما بَعْدُ في الآية السابقة. المعنى: ولا تجعلوا في فراركم إلى الله شيئاً معه من مخلوقات تعتمدون عليه، وتلتجئون إليه، فتكونوا قد أشركتم به سواه. فإنني أحذركم ما في ذلكم من هلاككم بالشرك الذي لا يقبل الله معه من عمل، وإنني قد أبنت لكم لزوم توحيده في الفرار إليه، كما بينت لكم لزوم ذلك الفرار. أعاد ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مع الآية الخامسة، ليبين لهم أن عبادة الله مع الإشراك به كتعطيل عبادته؛ فهلاك المشرك كهلاك الجاحد، والنجاة أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا لا في ربوبيته ولا في ألوهيته.

стр. 354

تنبيه وتحذير: جاء في الحديث فيما رواه أصحاب السنن: "أن الدعاء هو العبادة" (١)، فمن دعا غير الله فقد عبده ومن دعا مخلوقاً مع الخالق فقد أشرك. فإذا دعوت فادع ربك ولا تدع معه أحداً. وكيف تدعو من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟! وإذا توسلت فتوسل بأعمالك بإيمانك وتوحيدك، وباتباعك لمحمد ﵌، ومحبتك فيه، واعتقادك ما له عند الله من عظيم المنزلة وسمو المقام عليه وعلى آله الصلاة وا لسلام. بيان نبوي قولي: قال ﵊ فيما يقال عند النوم: «لا ملجأ ولا منجى منك إلاّ إليك» (٢). والملجأ هو المهرب الذي يهرب إليه، والمنجى هو مكان النجاة؛ فبين لنا أنه لا يكون الهرب إلاّ إلى الله، ولا تكون النجاة إلاّ بالهرب إليه، فمن هرب لغيره كان من الهالكين. كما بين لنا أن كل ما يجري في هذا العالم، فهو بخلقه بقدره؛ فلا مهرب ولا نجاة مما خلق وقدر إلاّ إليه. بيان نبوي عملي: روى أحمد وابن جرير عن حذيفة بن اليمان، أن رسول الله- ﵌ كان إذا حزبه أمر صلى وفزع للصلاة (٣)؛ يعني إذا نزل به مهم أو أصابه غم فزع للصلاة. فبين لنا بالفعل أن الفرار إلى الله بالتلبس بطاعته، وصدق التوجه إليه والدعاء والتضرع والخشوع له، والاستسلام لدينه وشرعه والإخلاص في عبادته والاعتماد عليه. وذلك كله موجود على أكمله في الصلاة التي هي عمود الدين، ومظهر كماله. جعلنا الله والمسلمين من الفارين إليه والمقبولين لديه. آمين.

стр. 355

القسم السادس تفسير المعوذتين في هذا القسم: ١ - استهلال، وتمهيد. ٢ - من المعوذات. ٣ - فضل المعوذتين، وسر الختم بهما. ٤ - رب الفلق. ٥ - الشر وأقسامه. ٦ - الغاسق وقيده. والنفاثات في العقد. ٧ - الحاسد والحسد. ٨ - لفظ الناس ولم اختير. ٩ - الخناس ضعيف. ١٠ - شيطان الإنس وشيطان الجن. ١١ - الوسوسة، ومحلها.

стр. 356

سورة الفلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [سورة الفلق]. إستهلال: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحمد لله، إن الحمد لله نحمده ونشكره ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد فما له من مضل. ونشهد أن لا إله إلاّ الله، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. تمهيد: بني هذا الكون الدنيوي على أن يقترن فيه الخير بالشر، وأن يتصلا، وأن يشتبها، وأن يحيطا بالإنسان من جميع جهاته، فتكون أعماله الكسبية في الحياة مكتنفة بهما، دائرة بينهما، موصوفة بأحدهما. ولا بد في ذلك من قدر الله، ومن سننه العامة في هذا العالم الإنساني. وحكمته المبينة في وحيه: هي ابتلاء خلقه، ليجازوا على ما يكون من كسبهم وسلوكهم، بعد أن وهبهم العقل والتمييز، وأكمل عليهم نعمته بهداية الدين عدلاً منه تعالى ورحمة. وحكمة أخرى: وهي تمرين هذا الإنسان في حياته، العلمية والعملية، وتدريب فكره على اختيار الأنفع على النافع، والنافع على الضار، ثم سوق الجوارح إلى العمل على ذلك الترتيب وترويضها عليه. والإنسان يكتسب القوة والدربة بتمرسه على ما يلقاه من الخير والشر بعمله وبفكره. وللفكر الإنساني عمل سابق لأعمال الجوارح المجترحة، وسائق لها ومهيء لما يظهر أنه من بدواتها.

стр. 357

وهذا العمل الفكري تظهر قوته في نواح: منها- وهو أهمها- التمييز بين الخير والشر، وأدق منه التمييز بين خير الخيرين، وشر الشرين؛ فإن الخير درجات وأنواع؛ والشر كذلك دركات وأنواع. والإنسان في هذا الخضم الذي تلاطمت أمواجه، وفي هذا الفضاء الذي تشابهت أفواجه، محتاج إلى معونة إلهية في تمييز الخير من الشر، وقد أمده الله بهذه المعونة من دينه الحق. ومحتاج إلى تأييد إلهي يعصمه من الشر ويقيه من الوقوع فيه عن جهالة أو عمد. وقد هداه الله إلى أسبابه ووسائله بما شرع له من المنبهات عند طروق الغفلة، والمبصرات عند عروض الشبهة، والمعوذات المحصنات عند إلمام لمة الشيطان، وطواف طائفة. ومن هذه المعوذات: عقائد تدفع عن صاحبها الشكوك، وهي شر. وحقائق تقي صاحبها الوهم، وهو شر. وعبادات تربي مقيمها على الخير، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر. وأعمال تثبت فاعلها على الحق. وأقوال يمليها القلب- العامر بتقوى الله والخوف من مقامه- على الألسنة لتكون شهادة لها، أو عنواناً عليها، والألسنة تراجمة القلوب. فكان مما شرع الله لنا في كتابه وعلى لسان نبيه التعوذ باللسان من الشر والباطل. وأنزل الله عليه هاتين السورتين وفيهما الاستعاذة بالله من أنواع من الشرور هن أمهات لما عداهن. وكان نبينا ﵇ يكثر التعوذ باسم الله وكلماته من أنواع أخرى من الشرور مفصلة في صحاح السنة. فضل المعوذتين: أما السورتان فيكفي في فضلهما ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير خير منهن قط؛ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس» (١). وفي رواية أخرى في مسلم (٢) عنه تسميتهما بالمعوذتين، وفي رواية أبي أسامة في مسلم أيضاً وصف عقبة ابن عامر، بأنه كان من رفعاء أصحاب محمد ﷺ (٣)؛ فتسمية هاتين السورتن بالمعوذتين تسمية نبوية مأثورة، كأسماء جميع سور القرآن.

стр. 358

وقد يقال: المعوذات ويراد بها ما يشمل سورة الإخلاص. وكفى بما فيها من أصول العقائد معاذاً من الشرك، وهو أصل الشرور كلها. وحديث مسلم هو أصح ما ورد في نزولهما. وأما ما يذكر في نزولها في قصة سحر النبي- ﵌ فإن ذلك لم يصح سبباً لنزولها. وإن كان لقصة السحر وصاحبها لبيد بن الأعصم أصل ثابت في الصحيح. وقد تساهل كثير من المفسرين في حشر هذا السبب في تفسيرهما وفي حشر كثير مما لم يصح في فضائلهما، ولنا فيما صح غنية فيما لم يصح. وهذه الخيرية التي أثبتها لهما حديث عقبة عند مسلم هي خيرية نسبية في ناحية مخصوصة، وهي ناحية التعوذ بهما من الشرور العامة والخاصة المذكورة فيها. ودليل هذه النسبية ما أخرجه النسائي في سننه عن ابن عابس الجهني أن رسول الله- ﵌ قال له: «يا ابن عابس، ألا أدلك (أو ألا أخبرك) بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؛ قال: بلى يا رسول الله. قال: قل: أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس هاتين السورتين» (١). فبين- ﵌ أن خيريتهما وأفضليتهما من جهة ما تشتملان عليه من معنى التعوذ وهو من المعاني الداخلة في دائرة ما كلفنا الله به. سر الختم بهما: ولهاتين السورتين خصوصية غير المناسبات التي يذكرونها في ارتباط بعض السور بالبعض، ويستخرجون منها بالتدبر ما لا يحصى من الأنواع، وهذه الخصوصية هي ختم القرآن بهما. وترتيب السور توقيفي، ليس من صنيع جامعي المصحف كما ذكره السيوطي في الإتقان وجماعة. يستطيع دارس القرآن ومتدبره ومتقلبه، بالذهن المشرق والقريحة الصافية، أن يستخرج من الحكم في هذا الختم بهما أنواعاً. ولكن أجلاها وأوضحها: أنهما ختم على كنوز القرآن في نفس المؤمن، وتحصين لهذه النعم المنشأة له من القرآن عليه أن يكدرها عليه كيد كائد، أو حسد حاسد، فإن من أوتي الشيء الكريم، ورزق النعمة الهنية، هو الذي تمتد إليه أيدي الأشرار وألسنتهم بالسوء، وتقذفه عيونهم بالشرر، وتتطلع إليه نفوسهم بالحسد والبغضاء، ويشتد عليه تكالبهم، سعياً في سلبه منه، أو تكديره عليه. وبقدر النعمة يكون الحسد، وعلى مقدار [[نفاسة]] ما تملك، تكون هدفاً لمكائد الكائدين، وتأتيك البلايا من حيث تدري ولا تدري.

стр. 359

ومن أوتي القرآن فقد طوي الوحي بين جنبيه، وأتي الخير الكثير، فهو لذلك مرمى أعين الحاسدين، ومهوى أفئدة الكائدين؛ فكان حقيقاً، وقد ختم القرآن حفظاً أو مدارسة أو تلاوة، أن يلتجىء إلى الله طالباً منه الحفظ والتحصين من شر كل كيد وحسد يصيبه على هذا الخير العظيم، الذي كمل له هذه النعمة الشاملة التي تمت عليه. هذه حكمة. ب- والأخرى: هي أن من أوتي القرآن وتفقه فيه، فقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وأحاط بالعلم من أطرافه، وملك كنزه الذي لا ينفد. وأن من آفات العلم اغترار صاحبه به، وقد يتمادى به الغرور حتى يسول له أن ما أوتيه من العلم كافٍ في وقايته من الأضرار، ونجاته من الأشرار، فكان من رحمة الله بصاحب القرآن، ولطف تأديبه له، وحسن عنايته به، أن ختم بهاتين السورتين كتابه؛ لتكونا آخر ما يستوقف القارىء المتفقه، وينبهه إلى أن في العلم والحكمة مسألة لم يتعلمها إلى الآن، وهي: أنه مهما امتد في العلم باعه، واشتد بالحكمة اطلاعه: فإنه لا يستغني عن الله، ولا بد له من الالتجاء إليه، والاعتصام به، يستدفع به شر الأشرار، وحسد الحاسد. وكفى بهذه التربية قامعاً للغرور، وإنه لشر الشرور. هذه هي المناسبة العامة بين جميع القرآن مرتباً ترتيبه التوقيفي، وبين هاتين السورتين في اتحاد موضعهما. وأما المناسبة الخاصة بين السورتن وبين سورة الاخلاص، فهي: أن سورة الإخلاص قد عرفت الخلق بخالقهم بما فيها من التوحيد والتنزيه والتمجيد؛ فإذا قرأت القرآن وتدبرته على ترتيبه، ووجدت توحيد الله منبثاً في آياته وسوره، متجلياً ذلك التجلي الباهر بما عرضه وصوره، ساداً ببراهينه على النفوس كل ثنية وكل مطلع- كانت آخر مرحلة يقطعها فكرك من مراحل التوحيد في القرآن، هذه السورة المعجزة على قصرها، فكأنها توكيد لما امتلأت به نفسك من معاني التوحيد، وكأنها وصية مودع مشفق بمهم يخشى عليك نسيانه؛ فيعمد فيها من الكلام إلى ما قل ودل ولم يمل. ومن صدقك في توحيدك لله في ربوبيته وإلهيته أن تنقطع عن هذا الكون وتكون منه وكأنك لست منه بصدق معاملتك لله، وإخلاص توحيدك إياه، فأنت وقد آمنت وصدقت، وخرجت من سورة الإخلاص متشبعا بمعانيها، ومنها معنى الصمد- تستشعر أن العالم كله عجز وقصور، وأن خيراته مكدرة بالشرور، وأن لا ملجأ إلاّ ذلك الفرد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فتجيء المعوذتان بعد الإخلاص مبينتين لذلك الإلتجاء الذي هو من تمام التوحيد. ولأجل هذه المناسبة والارتباط بين السور الثلاثة جمع بينهن في التسمية:

стр. 360

ففي الصحيح عن عائشة- ﵂ "أن النبي ﷺ كان ينفث عن نفسه بالمعوذات" (١). وسياق النسائي (٢) لحديث عقبة بن عامر المتقدم: "أن رسول الله ﷺ قرأ وقرأت معه في الإخلاص، ثم: قل أعوذ ب رب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس. فلما ختمهن، قال: «ما تعوذ بمثلهن أحد» ". وكما جمع ﷺ بينهن في التسمية والتعوذ، جمع بينهن عملياً في قراءة الوتر. هذا إجمال المناسبة الخاصة بين السور الثلاث. ... رب الفلق: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. الأمر المفرد للنبي ﵇. ومن حسن الأدب في مقدرات القرآن، أن تقدر في مثل هذا الأمر: أيها الرسول، أو أيها النبي، لأنهما الوصفان اللذان نطق بهما القرآن في نداء النبي ﵊، وأن لا نقدر يا محمد كما هو جار على الألسنة وفي التصانيف؛ فإن القرآن لم يخاطبه باسمه. والأمر لنبينا أمر لنا، لأننا المقصودون بالتكليف، ولا دليل على الخصوصية، فهو في قوة: قل أنت، وقل لأمتك يقولون. و ﴿أعوذ﴾ أستجير وألتجىء، ويتعدى هو وجميع تصاريفه بالباء كـ"أستجير". والعوذ والعياذ مصدران منه كالصوم والصيام. وفي القرآن مما جاء على المعنى اللغوي: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]. ومن كلام العرب: قد استعذت بمعاذ. و (الرب) الخالق المكون المربي، ومواقع استعمال هذه الكلمة في القرآن هي التي تكشف كل الكشف عن معناها الكامل. و ﴿الفلق﴾ الفجر المفلوق المفري. ومن لطائف هذه اللغة الشريفة: أن الفتح، والفلح، والفجر، والفلق، والفرق، والفتق، والفرى والفأ، والفقأ، والفقه ... كلها ذات دلالات واحدة، وتخصيصها بمتعلقاتها باب من فقه اللغة عظيم.

стр. 361

ومما وصف به ربنا نفسه في القرآن ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، و ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]، فهما من أسمائه تعالى. ومواقع هذه الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب في القرآن، كمواقع أسماء المخلوقات التي أقسم بها الله؛ كلاهما عجيب معجز. فكل لفظة تستعمل في المقام الذي يناسبها وتناسبه، وكل لفظة تبعث في الأسلوب الذي وقعت فيه متانة وقوة، وفي معناها وضوحاً وجلاء. وسر إضافة الفلق إلى "رب" هنا: أن الفجر بمعناه العرفي هو تشقق الظلمة عن النور، فإن الليل يكون مجتمع الظلمات مسدول الأوراق، فإذا جاء الصبح حصل الانفراق، والذي يبقى بعد ذلك الانفلاق هو النور الذي نفى الظلمة، ولا ينفي ظلمات الشر والضلال والباطل إلاّ أنوار الخير والهدى والحق من خالقها وفالق أنوارها. وكما أضيف الفلق بمعنى الفجر إلى كلمة "رب" هنا، أقسم به في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾. ... الشر: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. من كل مخلوق فيه شر، فلا يدخل في عمومه إلاّ كل شرير من أي العوالم كان، كما يدخل في عموم المناطق كل ذي نطق، أو من شر كل مخلوق. ومن مخلوقات الله ما هو خير محض كالأنبياء والملائكة. ومعلوم أن المخلوقات كلها خلقت بحق ولحكمة، فهي في نفسها خير. فإن كان لا ينشأ من أعمالها أو آثارها إلاّ الخير فهي الخير المحض، وإن كان ينشأ عنها الشر أحياناً أو دائماً، فعملها هو الشر، وهو المستعاذ منه. وتصبح نسبة هذا القسم إلى الله من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين؛ لا من حيث الرضا والتكليف؛ فالله لا يرضى بالشر ولا يكلف به. وقصارى إبليس وهو مادة الشر في هذا الوجود، أن يزين الشر ويلبسه بالخير. فالشر بيد الله خلقة وحكمة، لا رضا وتكليفاً. والخير بيد الله خلقة وحكمة ونعمة وأمراً. وقد يكون الشر ذاتياً لا ينفك، وقد يكون نسبياً: باعتبار حالة تعرض واتجاه بقصد. ونعم الله على عباده قد تنقلب عليهم شراً وبلاء بسبب سوء تصرفهم فيها: كالمال الذي سماه الله خيراً في القرآن- يكسبه صاحبه من الوجوه المشروعة، ويتحرى رضا الله في جمعه وتفريقه؛ فيكون خيراً بذاته وبعمل صاحبه.

стр. 362

ويتصرف فيه بعكس ذلك فيكون شراً لا من ذاته، بل من عمل صاحبه. وهذا العالم الإنساني المكلف، هو الذي يتجلى الخير والشر في أعماله، ويتصلان بحياته اتصالًا وثيقاً. وإنما عيب عليه وقبح منه، لأنه قادر على تمييزه واجتنابه، ومكلف بذلك. وقد وضح له الدين قوانين ثابتة للخير والشر، وأوضح له أن الخير ما نفع، وأن الشر ما أضر. ولكنه وإن أوتي قوة التمييز لم يؤت قوة الاستعصام، ابتلاءً من الله. فأما المخذول فيأتي الشر عامداً متعمداً، هو يعلم أنه شر، وأما الموفق فيواقع الشر في مواقف يشتبه عليه فيها الخير بالشر ويعسر التمييز. والخير والشر لا يوزنان بميزان حسي يستوي الناس كلهم في إدراكه، وقد تدق الفوارق بينهما حتى تخفى. وفي هذه المواقف يجب الإلتجاء إلى الله ليرينا الخير خيراً، ويكشف لبصائرنا عن حقائق الشر فلا يلتبس علينا شيء بشيء. وبعد أن يوجه الاضطرار نفوسنا هذا التوجيه الصحيح، تندفع ألسنتنا وتقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وبهذا تظهر المناسبة الدقيقة بين "ربّ" و"الفلق". ١ - فإن رب الناس ومربيهم وسائقهم إلى ما يكمل وجودهم، هو الذي تنكشف لعلمه سرائرهم، والفلق نور يكشف للعيان كل المبصرات فترى على حقائقها ومقاديرها، لا يزيغ البصر في شيء منها ولا يطغى، والإنسان مهما يكن عالما فقد تخفى عليه حقائق من المعقولات فيزيغ فكره ويطغى. ٢ - ومناسبة أخرى، وهي أن الشر ظلام، وقد أجرى الله في فطر البشر تصور الشر كالظلام، وأجرى على ألسنتهم تشبيه الشر بالظلام: ذلك أن ما يلابس إحساسهم من الأنس بالنور والبشاشة له، هو عين ما يلابسه من الأنس والبشاشة للخير، وأن ما يضايقهم من وحشة الظلام وتوقع الهلاك فيه، هو عين ما يضايقهم من ذلك الشر. هذا كله في الشر على عمومه، ثم خصص تعالى من هذا العموم ثلاثة أنواع من الشر، لشدة تعلقها بحياة الإنسان وكثرة عروضها له، ويجيء أكثرها من أخيه الإنسان، ورتبها ترتيباً بديعاً لا يستغرب في جنب بلاغة القرآن، ودقته في رعاية المراتب وتنسيقها في عرض الأذهان. هذه هي الثلاثة: الغاسق إذا وقب. والنفاثات في العقد. والحاسد إذا حسد. و (الغاسق) الليل المظلم، والمراد هنا المصيبة تطرق ليلاً وعلى غرة.

стр. 363

و ﴿وقب﴾ دخل في الوقب وهو النقرة في الشيء. و ﴿النفاثات﴾ السواحر ينفثن الريق، واللفظ جمع نفاثة كثيرة النفث. و ﴿العقد﴾ جمع عقدة بيان لعادة السواحر المعروفة، من عقد الخيوط ونفث الريق عليها. والجامع بين الثلاثة هو اشتراكها في الخفاء: فإن الغاسق ظلام تخفى فيه الشرور، والنفاثات مبني أمرهن على الاخفاء تحييلاً وإبهاماً، والحسد داء دفين. فالثلاثة كما ترون شرها خفي، وكل شر يخفى عمله أو يخفى أثره يجل خطبه ويعظم خطره، فيعسر التوقي منه والاحتياط له، لأنك تتَّقي ما يظهر ويستعلن، لا ما يخفى ويستتر، لا جرم كانت الثلاثة جديرة بالتخصيص. أما نكتة الترتيب: فإن الليل ليس شراً في نفسه، ولا الشر من عمله، وإنما هو ظرف للشرور، والعلاقة بين الشيء وظرفه مكينة في النفوس قوية في الاعتبار، مسببة للحكم على أحدهما بحكم الآخر. بخلاف النفاثات والحساد، فإن الشر من عملهما ومن وصفهما، ولانطباعهما عليه صار ذاتياً لهما، ولا شك أن الشر الذاتي أمكن من العرضي. كما أن بين الإثنين تفاوتاً في ذاتية الشر وقوته، وعسر التوقي منه: فالنفاثات وإن كن يتحرين إخفاء عملهن، ولكنه مما يمكن ظهوره وافتضاحه- بخلاف الحاسد فإنه يخفي شره ويبالغ فيظهر بمظهر الخير فشره أشد، والتوقي منه أعسر، ففي الترتيب بين الثلاثة ترق من الأخف إلى الأشد. ومن جهة أخرى نجد التناسب ظاهراً بين الثلاثة: الغاسق والنفاثات والحاسد، فإن الجميع ظلام: ظلام الزمن، وظلام السحر، وظلام الحسد. وفي تقييد الغاسق بالوقوب احتمالان كلاهما صحيح مفيد المراد: الأول: أن وقوب الغاسق عبارة عن اعتكار الظلم وتكاثفها فكان بعض أجزائها يدخل بعضاً. والظلام يبدأ خفيفاً مشوباً بأسفار من الشفق، أو من طبيعة الأرض، ثم يشتد ويَحْلَوْلِكُ حتى يغطي على كل شيء، فتلك التغطية هي الوقوب. والوقوب على هذا الاحتمال منظور فيه إلى ظرفه الزماني. وفائدة القيد حينئذ، أن تلك الحالة المصورة بهذه الجملة، هي التي تقع فيها الشرور من الآدميين وغيرهم، فالطارق يطرق، والسارق يسرق، والحيات تنهش، والضواري تفترس، وظلام الليل يستر ذلك كله، ويعين عليه، ويعوق عن الاستصراخ والاستنجاد. والعرب تقول فيما يشير إلى هذا: "اللَّيْلِ أَخْفَى لِلْوَيْلِ".

стр. 364

فالمستعاذ منه على هذا الاحتمال: شر يقع في زمان. والاحتمال الثاني: أن الوقوب في حقيقته هو دخول شيء في شيء دخولًا حسياً، فيقتضي ظرفاً مكانياً، وما هذا الظرف إلاّ الأبنية والمساكن، والظلام حين يهجم يدخل المساكن فيملأها، ويكون دخوله فيها أبين من دخوله في الفضاء، وملؤه إياها أشد. فالوقوب على هذا منظور فيه إلى ظرفه المكاني، لأن الشرور التي ترتكب في البيوت حين يغمرها الظلام أكثر مما يرتكب منها في الفضاء، خصوصاً من الآدميين، والمستعاذ منه على هذا الاحتمال شر يقع في مكان. وعلى الاحتمالين لما كان الليل معواناً لذوي الشر على شرهم، أضيف الشر إليه واستعيذ بالله منه. النفاثات: و (النفاثات) صفة إما للنفوس فتشمل الرجال والنساء، وتكون الاستعاذة من شر كل من يتعاطى هذا الفعل رجلاً كان أو امرأة، وإما للنساء. وخصصن بذلك لأن وقوع هذا الفعل منهن أكثر، وهن به أشهر. والنفث إخراج الهواء من الفم مدفوعاً بالنفس بدون بصاق، أو مع قليل منه تتطاير ذراته وهو دون التفل. والنفث وإن كان عاماً لكنه اشتهر فيما يفعله السحرة، يعقدون خيطاً ويتمتمون عليه برقى معروفة عندهم، وينفثون على عقدة منه بقصد إيصال الشر من نفوسهم الخبيثة إلى نفس المسحور، وما هم بضارين به من أحد إلاّ بإذن الله. وما أمرنا الله بالاستعاذة من شره إلاّ لأنه يؤثر في بعض النفوس القابلة للتأثر به حاشا النفوس المعصومة، كنفوس الأنبياء فإن شرور الدنيا وأسواءها لا تعدو أبدانهم إلى أرواحهم. ولا يتعاصى على هذه القاعدة ما ورد في سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﵌، وما يوهمه لفظ الرواية، فإن ذلك كله لا يخرج عن التأثر البدني. الإعتقاد الصحيح: ونحن نعتقد ديناً أن تأثير المؤثرات هو من وضع الله وحده. ونقطع علماً وتجربة أن للقوى النفسية تأثيراً أعظم من تأثير القوى الجسمانية. وأن من مظاهر هذا التأثير النفساني تأثير العين في المعيون، وتأثير التنويم في المنوم. وأن التأثير والتأثر النفسانيين يختلفان باختلاف النفوس الفاعلة والمنفعلة قوة وضعفاً. وأن تأثير العين ليس من ذاتها، وإنما هو من النفس التي من وراء العين.

стр. 365

ولو كان التأثير من ذات العين لكانت كل عين ناظرة تحدث ذلك الأثر، وأن هذا التأثير لون من ألوان النفس: فإن كانت خيرة كان تأثيرها خيراً، وإن كانت شريرة كان شراً. فالنفث المذكور في الآية إن أثر فإنما يؤثر بالقوة النفسية التي من ورائه. والساحر لا ينفث من نفسه الخبيثة إلاّ نفث الشر؛ لأن الشر هو صفته الطبيعية، كالحية لا تنفث الترياق، وإنما تنفث السم، وكالعدو يلقاك بطعن الأسل لا بطعم العسل؛ إذ كان ذلك من طبيعة العداوة. هذا نفث الشر من النفوس الشريرة كنفوس السحرة. وأما النفوس الخيرة الطيبة، كنفوس المؤمنين فإنها تنفث الخير للخير. وفي الصحيح عن عائشة- ﵂ "أن النبي ﵌ كان إذا أوى إلى فراشه جمع بين كفيه ثم نفث فيهما وهو يقرأ المعوذتين ثم مسح بهما ما استطاع من بدنه يبدأ برأسه ووجهه يفعل ذلك ثلاث مرات" (١). فهذا نفث الخير من خير نفس خلقها الله. ثم قالت في تمامه: "فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك" (٢). وفي رواية: "كان يقرأ بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهذا، وأمسح بيد نفسه رجاء بركتها" (٣). وفي رواية مسلم (٤) عنه "أنه كان يفعل ذلك إذا مرض أحد أهله". فهذه الأحاديث- ثابتة صحيحة- تثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المعوذات، وينفث حين القراءة نفث الخير قطعاً. وتبين لنا أن كل نفس تنفث ما وقر فيها. وأن النفث إيصال للقوة الروحانية إلى ما يراد وصول الأثر إليه، وهي دليلنا على ما أسلفنا من أن في النفث خيراً وشراً، ولولاها لما كان النفث إلاّ من فعل السحرة. والنفوس إذا استفزها شيء من ملابستها، تتفشى فيها الروحانية وتضطرب، فكأنها بذلك النفث تنفض جزءاً من روحانيتها على نفس أخرى، أو على بدن. وكأن تحريك اللسان بقراءة أو غيرها إثارة لتلك الروحانية، واستدعاء لها، حتى تتصل بالريق الذي ينفث، كما يتصل السيال الكهربائي بشيء مادي. وقد علمنا أن السحرة لا ينفثون نفثاً مجرداً، بل يغمغمون برقى شيطانية وأسماء أرواح خبيثة.

стр. 366

ومن الشواهد لنفث الريق، ما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله- ﵌ كان إذا إشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة، أو جرح، قال النبي بإصبعه هكذا:- تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل (١) - ثم رفعها، وقال: "بسم الله تربة أرضنا بريقة (٢) بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا" (٣). ... (بعد رواية الأستاذ لهذا الحديث، سكت لحظة كمن يستجمع خواطره، ثم اندفع فقال ما معناه بتوسع) (٤): إن القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة، فلا يستقل بتفسيره إلاّ الزمن. وكذلك كلام نبينا- ﵌ المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع، لم تفهم أسرارها ومغازيها إلاّ بتعاقب الأزمنة، وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون. وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن، ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله- ﵌ في وصف القرآن: «لا تنقضي عجائبه» (٥). والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونها بالفكر الخامد والفهم الجامد، إنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم. وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات: لم يأت مصداقها أو تأويلها بعدة يعنون أنه آت، وأن الآتي به حوادث الزمان، ووقائع الأكوان، وكل عالم بعدهم فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه.

стр. 367

هذا الخبر عند الناس: ولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق متقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم: أية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي- ﵌ من أسبابه في هذا الحديث؟ فماذا تراهم يقولون؟ ١ - يقول المتخلف القاصر: تربة المدينة بريق النبي- ﵌ شفاء ما بعده من شفاء. ٢ - ويقول الطبيب المستغرب: هذا محال، في التراب مكروب، وفي الريق مكروب، فأنى يشفيان مريضاً أو ينفسان عن مكروب؟! ٣ - ويقول الكيماوي: ها هنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل. ٤ - ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية: آمنا بأن محمداً رسول الله، فقد علم الناس من قبل أربعة عشر قرناً أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه، تشفي من القروح والجروح، ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقداً من المحبة والإخلاص له، وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به، وليقرر لهم من منن الوطن منّة كانوا عنها غافلين، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تشفي فليس هذا الحديث إرشاداً لمعنى طبي، ولكنه درس في الوطنية عظيم. ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقى والطب، فإنه بباب "حب الوطن" أشبه. وما نرى رافع العقيرة بقوله: أَلَا لَيْتَ شِعْرِيْ هَلْ أَبِيْتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيْلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْماً مِيَاهَ مِجَنَّةٍ ... وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيْلُ (١) إلاّ سائرًا على شعاعه . وما ترى ذلك الغريب المريض الذي سئل فيم شفاؤك؟

стр. 368

فقال: شمة من تربة إصطخر، وشربة من ماء نهاوند، إلاّ من تلامذة هذا الدرس. ولقد زادنا (١) إيماناً به بعد إيمان أنه يقول: تربة أرضنا، بريقة بعضنا. ولم يقل: تربة الأرض بريق بني آدم فليس السر في تربة وريق ومرض. ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا- فهذه- والله ربنا- صخرة الأساس في بناء الوحدة الوطنية والقومية، لا ما يتبجح به المفتونون. ٥ - ويقول الروحانيون: إن هناك روحاً طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها، وتغذى بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوها وهوائها، من ريقه منفوثة نفث الخير، من نفس مؤمنة قوية الروحانية طيبتها، فيكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني. وإذا تجلت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب. ٦ - ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذه الأصول كاسمها أصول. وهكذا، تأتي بعض المتون من كلام الله، وكلام رسوله، معجزة للعقول فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون- والعلوم حرف العقول. والزمان من وراء الكل يصيح: أن انتظروا .... ... الحاسد والحسد: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. الحاسد، الذي قامت به صفة الحسد، وهو الذي يحب أن تسلب النعم من غيره، وقد تلج به هذه الصفة الذميمة فتزيد له سلب النعم حتى من نفسه إذا توقف على ذلك سلبها من غيره، فهو لا يحب الخير لأحد ويتمنى ألا يبقى على وجه الأرض منعم عليه. وإنما ينشأ الحسد من العجب وحب الذات، فتسول له نفسه أن غيره ليس أهلاً لنعم الله، وكفى بهذا معاداة للمنعم. والحسد شر تلازمه شرور: العجب، والاحتقار، والكبر. وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها: حسد آدم عجباً بنفسه فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. ورآه لا يستحق السجود احتقاراً له، فقال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾؟! [الإسراء: ٦٢].

стр. 369

ثم تكبر ولم يسجد ورضي باللعنة والخزي. ولا أشنع من صفة يكون إبليس فيها إماماً!! والحسد شر على صاحبه قبل غيره، لأنه يأكل قلبه، ويؤرق جفنه، ويقضّ مضجعه ولا يكون شراً على غيره، إلاّ إذا ظهرت آثاره بأن كان قادراً على الإضرار، أو ساعياً فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ والمتمني للشيء لا يمنعه من إتيانه إلاّ العجز. وأعظم ما ينمي الحسد ويغذيه امتداد العين إلى ما متع الله به عباده من متاع المال والبنين ونعمة العافية والعلم والجاه والحكم. وقد نهى الله نبيه عن مد العين إلى ما عند الغير فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. وفي هذه الآية مع النهي إرشاد إلى علاج الحسد، فإن الحسد مرض نفساني معضل، ولكنه كغيره من الأمراض النفسية يعالج. وقد وصف الحكماء له أنواعاً من العلاج، فصلتها كتب السنة وكتب الفقه النفسي ككتاب الإحياء (١) للغزالي. ... سورة الناس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [سورة الناس]. تمهيد: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها (هي المعوذتان)، وعلمنا أنها تسمية نبوية، وقد جرت هذه الصفة مجرى الإسم لها. أما الإسم الخاص بهذه السورة فهو (الناس) كما أن الإسم الخاص بالسورة الأولى (الفلق). والمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف، وهو المعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام، ومن ثلاثة أنواع (٢) منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر. وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد لكنه سبب في شرور كثيرة.

стр. 370

النفوس الشريرة: والمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام: ١ - قسم يصدر عنه الضرر ويعمله. ٢ - وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه، وهو شر من الأول. ٣ - وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح، ومالك هديها، وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله (١). فهو يحسن له الأشياء القبيحة ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح وإرادة الخير. ويزين للإنسان كل ما يرد به من القبائح، ويأتيه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله قريباً منه متصلاً بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح، حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك. ولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطراً، وأكثر شراً، وأخسر عاقبة، خصص التعوذ منه بسورة كاملة. ﴿رَبِّ النَّاسِ﴾ هو مربيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود وما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما مَنَّ به عليهم فيما ينفعهم: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥]. وأصله من رَبَّهُ يَرُبُّهُ ربًّا إذا قام على نشأته وتعهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال، ولفظه لفظ المصدر، ولكن معناه معنى اسم الفاعل: كالعدل يراد به العادل. و ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم، ويشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والآخروية. و ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية. وبلاغة الترتيب، إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني. فالأول: طور التربية والإعداد وهما من مظاهر الربوبية. والثاني: طور القوة والتدبير وهما من مظاهر الملك. والثالث: طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية.

стр. 371

المستعاذ منه: المستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره وما شرع له لمنفعته وصلاحه، وتارة بما يفسد عليه عبوديته له وهي أشرف علائقه به وأقوى صلاته. وجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها، وبما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوة الموسوسة. مثل قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. أو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وبين خالقه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. وكقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]. وكقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. فهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله؛ بإفساد العقيدة الصحيحة فيه أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها. و (الرب) رب الناس وغيرهم، بل رب العالمين. وإنما خص الناس بالذكر: ١ - لأنهم هم هدفه ومرمى وسوسته، ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه، ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجه الخطاب، وإليهم يساق التحذير. وهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما؛ فأمر الله بالاستعاذة منها هو تصليح إلهي لبني آدم، لتثبيت سنة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم. ٢ - ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربوبين، وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال. وقد ضلوا بالفعل في ربوبية الله وفي ألوهيته: ضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين، ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ويصدونهم بذلك عما شرع الله. وضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء. واختير لفظ الناس، من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية، لأنه ينوس ويضطرب وينساق. وهي صفات يلزمها التوجه، ويسهل التوجيه، فلا غنى لصاحبها عن توفيق

стр. 372

الله للوجهة الصالحة، والتسديد فيها، ما دام لا يملك لنفسه ذلك، وما دام محاسباً عليه، وما دامت هناك قوة مسلطة تنزع به إلى الشر. ففي تخصيص الناس بالذكر، تنبيه إلى أنهم أحوج المربوبين إلى تأييد الله وأحقهم بطلب ذلك منه؛ وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد. ولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه، لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم، وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جُنّة من استعباد الأقوياء. ويجوز- إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها- أن تحمل كلمة (الناس) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس، وهو الأماثل والأخيار منهم الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب: فإنهم كثيرا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد، أو الأفراد الكاملين في حقيقته، وإن كان هذا من المجاز في كلامهم؛ وقد حملوا على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]. ونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس توضيح المعنى، وإلفات النفس إليه، وإيقاظ شعورها به، والتسجيل على الناس بأن لهم ربا هو مالكهم وإلههم. من شر الوسواس: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾. (الوسواس) هنا صفة الموسوس، وإن خالف المعهود في أبنية الصفات أو هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال والزلزلة. وأصل هذه الكملة دائر على معنى الخفاء والعرب تسمي حركة الحلي وسواساً (١) وهذا المعنى واضح في المراد هنا؛ فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الإنس يتحرى الإخفاء ما استطاع ويحكم الحيلة في ذلك، ولا يرمي رميته إلاّ في الخلوات. وان الناس ليعرفون عرفاناً ضرورياً من الفرق بين المصلحين والمفسدين: أن الأولين يصدعون بكملة الحق مجلجلة، ويرسلون صيحته داوية، ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق. وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا، ويستترون إذا فعلوا، ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية، ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.

стр. 373

الخناس: ﴿الْخَنَّاسِ﴾ وصف مبالغة في الخانس من الخنوس، وهو التأخر بعد التقدم، ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس: أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي إغراقاً في الكيد، وتقصياً في التطور، حتى يبلغ مراده. فالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كراً وفراً، وهجوماً وانتهازاً. واستطراداً على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]. يرشدنا بذلك لنعد لكل حالة من حالاته عدتها، ولنضيق عليه المسالك التي يسلكها. كما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد، لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام، وإنما هو كالذباب: تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية، ثم دواليك حتى تمل أو يمل. وأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد، فهو مبالغة في التحذير منه؛ لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره. ... الوسوسة ومحلها: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾. قال: "يُوَسْوِسُ" بالمضارع إشعاراً بعد إشعار بتجدد الوسوسة منه وعدم انقطاعها. وقال: "فِي صُدُورِ النَّاسِ" والصدر ملتقى حنايا الأضلع ومستوح القوى التي كان الإنسان إنساناً بها، ومجمع المُضَغ (١) التي تحمل تلك القوى، والقلب واحد منها، فالقلب غير الصدر، وإنما هو فيه، ولذلك قال: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ومواقع استعمال القرآن لكلمة الصدر مفرداً وجمعاً- فالحكم عليها بالشرح، والحرج، والضيق، والشفاء، والإخفاء، والإكناد- ترشدنا إلى أنه ليس المراد منه الصورة المادية، ولا أجزاءها المادية، إنما المراد القوى النفسية المستودعة فيه، وأن الوسواس الخناس، يوجه كيده ووسوسته دائما إلى هذه القلعة التي هي الصدر؛ لأنها مجمع القوى. وقال: "فِي صُدُورِ النَّاسِ"، ولم يقل في قلوب الناس؛ لأن القلب مجلى العقل ومقر الإيمان، وقد يكون محصنا بالإيمان فلا يستطيع الوسواس أن يظهره ولا يستطيع له نقباً. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْجِنَّةِ﴾ جماعة الجن وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس، لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين (٢).

стр. 374

واستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون، في قوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. ولما كان الموسوسون فريقين متعاونين على الشر، ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذة من شر الوسوسة، ليلتئم طرفا الكلام، ويحصل التقصي الوصفي المستعاذ به والمستعاذ منه. وقد قسم القرآن الشياطين، وهم القائمون بوظيفة الوسوسة إلى قسمين: شياطن الإنس، وشياطين الجن. وذكر بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول. وشياطن الجن ميسر للشر. فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله. ومن شياطن الإنس بطانة السوء وقرين السوء. القرين: وورد في الآثار أن لكل إنسان قريناً من الجن (١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. وقال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وهو من باب توزيع الجمع على الجمع: أي لكل واحد قرين. فهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن، ثم لا يخلو من قرين أو قرناء من الإنس، يزينون له ما بين يديه وما خلفه، ويصدونه عن ذكر الله. فماذا يصنع؛ ما عليه إلاّ أن يلتجيء إلى الله، ويستعيذ به ويتذكر، فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ، وإنما يؤخذ إذا كان غافلاً، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. دقائق بلاغية: ومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة، أنه يقدم أولاً الإسمين المتلازمين في آية، لسر من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ولا يؤخر ذلك المقام في آية أخرى، لسر آخر: فيقدم السماء على الأرض في مقام، ويؤخرها عليها في مقام آخر. ومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن في آية الأنعام (٢)، لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء، وهي من الإنس أظهر، ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح. وفي آية "الناس" قدم الجنة على الناس، لأن الحديث عن الوسوسة، وهي من شياطين الجن

стр. 375

أخفى وأدق، وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمر: فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد، فيربى عليه ويكون شراً منه، لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به؛ ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جني لإنسي، ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولد منها فتن، ويتمادى شرها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل. وهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفل كان شراً محضاً، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملأ الأعلى، وأوشك أن يكون خيراً محضاً، لولا أن العصمة لم تكتب إلاّ لطائفة منه، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فالإنسان إذا انحط يكون شراً من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك- أعني جنس الإنسان- ومن هذا الجنس، كان محمد- ﵌ أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال. وأخيراً ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 376

القسم السابع العرب في القرآن في هذا القسم: وفي هذه المحاضرة (١) القيمة: ١ - واجب المسلمين العناية بتاريخهم ومدنيتهم. ٢ - خصائص الطبيعة العربية. ٣ - السر في اختيار العرب للرسالة. ٤ - معلومات مغلوطة عن العرب. ٥ - إرم ذات العماد وحضارتها. ٦ - أمة ثمود وحضارتها. ٧ - قصة ملكة سبأ، والعبرة منها.

стр. 377

واجب المسلمين العناية بتاريخهم ومدنيتهم: حق على كل من يدين بالإسلام ويهتدي بهدي القرآن أن يعتني بتاريخ العرب ومدنيتهم، وما كان من دولهم وخصائصهم قبل الإسلام، وذلك لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام، ولعناية القرآن بهم، ولاختيار الله لهم لتبليغ دين الإسلام، وما فيه من آداب وحكم وفضائل إلى أمم الأرض. فأما أنهم قد ارتبط تاريخهم بالإسلام، فلأن العرب هيئوا تاريخياً لأجل أن ينهضوا بأعباء هذه الرسالة الإسلامية العالمية، ولأن الله- الحكم العدل الذي يضع الأشياء في مواضعها بحكمة، ويأمرنا أن ننزل الناس منازلهم في شريعته- ما كان ليجعل هذه الرسالة العظيمة لغير أمة عظيمة: إذ لا ينهض بالجليل من الأعمال إلاّ الجليل من الأمم والرجال، ولا يقوم بالعظائم إلاّ العظام من الناس. وأما عناية القرآن بالعرب، فلأجل تربيتهم، لأنهم هم الذين هيئوا لتبليغ الرسالة، فيجب أن يأخذوا حظهم كاملاً من التربية قبل الناس كلهم، ولهذا نجد كثيرا من الآيات القرآنية في مراميها البعيدة .. إصلاحاً لحال العرب، وتطهيراً لمجتمعهم، وإثارة لمعاني العزة والشرف في نفوسهم. ومن هذا الباب: الآيات التي يذكر بها العرب أن القرآن أنزل بلسانهم مثل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢]. والذين يعقلون القرآن قبل الناس كلهم هم العرب. ومن أولى القصد إلى العرب والعناية بلسانهم، وتنبيههم إلى أن القرآن أنزل بلسانهم دون جميع الألسنة- جلبًا لهم، حتى يعلموا أنه أنزل لهم وفيهم، قبل الناس كلهم. إن العرب قوم يعتزون بقوميتهم، وهم قوم ذوو عزة وإباء، خصوصاً في الجاهلية؛ فكان من حكمة القرآن أن يجلب نافرهم، ويقرب بعيدهم؛ بأن هذا القرآن أنزل بلسانهم. ومن هذا الباب توسعة الله في قراءة القرآن على سبعة أحرف، وهي اللهجات التي تجتمع على صميم العربية، وتختلف في غير ذلك. وسع عليهم في ذلك لتشعر كل قبيلة أن هذا القرآن قرآنها؛ لأن اللسان الذي نزل به لسانها. وهذا هو ما يقصده القرآن. ومن هذا الباب أيضاً إشعارهم بأن صاحب الرسالة منهم:

стр. 378

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. خصائص الطبيعة العربية: فمن الطبيعة العربية الخالصة: أنها لا تخضع للأجنبي في شيء، لا في لغتها ولا في شيء من مقوماتها. ولذلك نرى القرآن يذكرها بالشرف، ويحدثها كثيراً عن أمة اليهود التي لا يناديها إلاّ بيا بني إسرائيل؛ تذكيراً لها بجدها الذي هو مناط فخرها كل ذلك لأنها أمة تحيا بالشرف والسمو والعلو. ويذكرها بالذكر وهو في لسانها الشهرة الطائرة والثناء المستفيض، يقول تعالى لنبيه وهو يعني القرآن: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤]. والأنبياء لم يبعثوا إلاّ في مناسب الشرف، ومنابع القوة، ومنابت العزة ليبنى المجد الطريف من الدين على المجد التليد من أحساب الأمة وأنسابها وشرفها وعزتها، وما كان لها من مناقب تلتئم مع أصول الدين. فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ليشعرهم أن عليهم من الواجبات في مقابلة هذا الشرف الذي أعطوه ما ليس على غيرهم، ولا شك أن ثمن المجد غال!! وهذا الشرط الذي ذكره الله، وذكر به العرب هو شرط واجب الاعتبار والتنفيذ، لأن الأمة التي لا تؤدي ثمن المجد لا تحافظ عليه، ثم هي أمة لا يعتمد عليها في النهوض بنفسها ولا بغيرها. وإنما ذكرهم الله بذلك لينهضوا بالأمم على ذلك الأساس، وهو إحياء الشرف الإنساني في نفوسها، وليعاملوها على ذلك الأساس بالعدل والرحمة والتكريم. وما ذكر القرآن العرب بتكريم بني آدم وخلقهم في أحسن تقويم، إلاّ ليعاملوهم على هذه القاعدة التي وضعها الخالق. وإن أعداء البشرية اليوم وقبل اليوم، يعمدون إلى قتل الشرف من النفوس، ليستذلوا من هذا النوع ما أعز الله، ويهينوا منه ما كرم الله. والخلاصة: أن عناية القرآن بإحياء الشرف في نفوس العرب ضرورية لإعدادهم لما هيئوا له من سياسة البشر.

стр. 379

وبهذا نستعين على فهم السر والحكمة في اختيار الله للعرب للنهوض بهذه الرسالة الإسلامية العالمية، واصطفائه إياهم لإنقاذ العالم مما كان فيه من شر وباطل. وهذا السر هو أن ما كانوا عليه من شرف النفس وعزتها والاعتداد بها هو الذي هيأهم لذلك، ولو كانوا أذلاء لما تهيأوا لذلك العمل العظيم. الفروق بين العرب وإسرائيل: وانظروا واعتبروا ذلك، بحال أمة هي أقرب أمة إلى العرب، وهي أمة إسرائيل: فإنها لم تُهيَّأ لانقاذ غيرها، وانما هيئت لإنقاذ نفسها فقط؛ لأن مقوماتها النفسية لم تصل بها إلى الدرجة العليا؛ ولذلك عانى موسى ما عانى مما قصه القرآن علينا؛ لنعتبر به في الحكم على الأمم. ولا حاجة إلى التطويل في الحديث عن بني إسرائيل، فإن القرآن قد فصل لنا شؤونهم تفصيلاً، وإنما أنبهكم على هذا الفارق الجوهري بين الأمتين. وقد تقولون: إن بني إسرائيل اختارهم الله وفضلهم على العالمين. والجواب الذي يشهد له الواقع أنه اختارهم لينقذوا أنفسهم من استعباد فرعون، وليكونوا مظهراً للنبوة والدين في أول أطوارهما، وأضيق أدوارهما؛ وهذا هو الواقع. فإن الأمة العربية استطاعت أن تنهض بالعالم كله، وأن تظهر دين الله على الدين كله. وأما بنو إسرائيل فإنهم ما استطاعوا أن ينهضوا بأنفسهم إلاّ بعد موسى بزمن، مع اتصال حبل النبوة ومعاداة الوحي الإلهي ومراوحته لهم. فالأمتان العربية والإسرائيلية متمايزتان بالأثر، ومتمايزتان بحديث القرآن عنهما. وإذا تلمسنا الحكمة المقصودة من اختيار الله لبني إسرائيل مع أنهم غير مستعدين للقيام بنهضة عالمية عامة، وجدنا تلك الحكمة في القرآن مجلوة في أبلغ بيان، في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦]. فالسر المتجلي من هذه الآية: هو أن الله أراد بما صنع لبني إسرائيل وبما قال لهم أن يعلم هذا الإنسان من سنن الله في كونه ما لم يكن يعلم، وهو إخراج الضد من الضد، وإخراج الحي من الميت، وإنقاذ الأمة الضعيفة التي لا تملك شيئاً من وسائل القوة الروحية، ولا من وسائل القوة المادية- من استعباد الأقوياء المتألهين. فهو مثل عملي ضربه الله لخلاص أضعف الضعفاء من مخلب أقوى الأقوياء. وجعل المستضعفين أئمة وارثين، وسادة غالبين. والتمكين لهم في الأرض، وإرادة الأقوياء المستعلين في الأرض عاقبة باطلهم، لكيلا ييأس المستضعفون في الأرض من روح الله. وقد قال موسى لبني إسرائيل تمكيناً لهذا المعنى في نفوسهم:

стр. 380

﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. وإلى هذا المثل العملي تشير الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. السر في اختيار العرب للرسالة العامة: وأما العرب فإنهم اختيروا لوظيفة عالمية عامة لما فيهم شرف متأصل، واستعداد كامل، وصفات مهيأة. ولهذا كان منبع الرسالة بمكة، وشأنها عند العرب هو شأنها!! فهم مجمعون على تقديسها. ولأنها في وسط الجزيرة وصميمها، ووسط الجزيرة بعيد كل البعد عن المؤثرات الخارجية في الطباع والألسنة، تلك المؤثرات التي يجلبها الاحتكاك بالأجانب والاختلاط بهم. وكل أطراف الجزيرة لم تخل من لوثة في الطباع، وعجمة في الألسنة جاءت من الاختلاط بالأجنبي، ولا أضر على مقومات الأمم من العروق الدساسة. فاليمن دخلتها الدخائل الأجنبية من الحبشة والفرس على طباع أهلها وألسنتهم. والشام ومشارفه كانت مشرفة على الاستعجام. والعراق والجزيرة لم يسلما من التأثر بالطباع الفارسية. فكانت هذه الأطراف تنطوي على عروبة مزعزعة للمقومات، ولم يحافظ على الطبع العربي الصميم إلاّ صميم الجزيرة ومنه مكة التي ظهر فيها الإسلام. وهذا الوسط وإن كان عريقاً في الصفات التي تسمى العصر لأجلها جاهلياً؛ ولكنه كان بعيداً عن الذل الذي يقتل العزة والشرف من النفوس؛ والجاهل يمكن أن تعلمه، والجافي يمكن أن تهذبه .. ولكن الذليل الذي نشأ على الذل يعسر أو يتعذر أن تغرس في نفسه الذليلة المهينة عزة وإباء وشهامة تلحقه بالرجال. هذا توجيه موجز مقرب لاختيار الله تعالى العرب للنهوض بالرسالة العامة. وشيء آخر يرتبط بهذا: وهو أن الله كما اختار العرب للنهوض بالعالم كذلك اختار لسانهم ليكون لسان هذه الرسالة، وترجمان هذه النهضة، ولا عجب في هذا؛ فاللسان الذي اتسع للوحي الإلهي لا يضيق أبداً بهذه النهضة العالمية مهما اتسعت آفاقها وزخرت علومها.

стр. 381

وهذا جانب لا أتحدث عنه فقد كفانا مؤنته أخونا الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي في محاضرته التي سمعتموها بالأمس (١). معلومات مغلوطة عن العرب: قلنا في أول كلمتنا: إن العناية بالعرب حق على كل مسلم لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام. فما هو حظ العرب من القرآن من الناحية التاريخية بعد أن سمعتم هذه التوجيهات العامة؟ العرب مظلومون في التاريخ، فإن الناس يعتقدون ويعرفون أن العرب كانوا همجاً لا يصلحون لدنيا ولا دين حتى جاء الإسلام فاهتدوا به، فأخرجهم من الظلمات [[إلى]] النور. هكذا يتخيل الناس العرب بهذه الصورة المشوهة، ويزيد هذا التخيل رسوخاً، ما هو مستفيض في آيات القرآن من تقبيح ما كان عليه العرب؛ ليحذرنا من جاهلية أخرى بعد جاهليتهم. حقيقة العرب: والحقيقة التي يجب أن أذيعها في هذا الموقف هي: إن القرآن وحده هو الذي أنصف العرب، والناس بعد نزول القرآن قصروا في نظرتهم التاريخية إلى العرب، فنشأ ذلك التخيل الجائر عن القصد. والتاريخ يجب ألا ينظر من جهة واحدة، بل ينظر من جهات متعددة وفي العرب نواح تجتبى ونواح تجتنب، وجهات تذم [[وتقبح]]، وجهات يثنى عليها وتمدح. وهذه هي طريقة القرآن بعينها: فهو يعيب على العرب رذائلهم النفسية كالوثنية، ونقائصهم الفعلية كالقسوة والقتل، وينوّه بصفاتهم الإنسانية التي شادوا بها مدنياتهم السالفة، واستحقوا بها النهوض بمدنية المدنيات. ١ - أمة عاد ولنذكر عاداً: فهي أمة عربية ذات تاريخ قديم، ومدنية باذخة ذكرها القرآن، فذكرها بالقوة والصولة وعزة الجانب، ونعى عليها الصفات الذميمة التي تنشأ عن القوة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].

стр. 382

فالنظرة التاريخية المجردة في هذه الآية وفيما ورد في موضوعها ترينا أن عاداً بلغت من القوة والعظمة مبلغاً لم تبلغه أمة من أمم الأرض في زمنها. حتى أن الله جل شأنه لم يتحدى قولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ إلاّ بقوته الإلهية، التي تذعن كل مخلوق ولو كانت في أمم الأرض إذ ذاك أمة أقوى منهم ... لكان الأبلغ أن يتحداهم بها. وإن أمة تقول هذه الكلمة بحالها أو مقالها .. لهي أمة معتدة بقوتها وعظمتها!! ومن هذه الآية وحدها نستفيد أن عاداً كانت أشد الأمم قوة، وأنها ما بلغت هذه الدرجة من القوة إلاّ بمؤهلات جنسية طبيعية للملك، وتعمير الأرض، وأن تلك المؤهلات فيها وفي غيرها من شعوب العرب هي التي أعدتهم للنهوض بالرسالة الإلهية. وإن القرآن لا ينكر عليهم هذه المؤهلات، وإنما ينكر عليهم لوازمها ولا ينكر عليهم القوة والعظمة، وإنما ينكر عليهم أن يجعلوها ذرائع للباطل والبغي ومحادة الله؛ بدليل قوله لهذه الأمة: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].؛ فهو يضمن لهم أنهم إن آمنوا وعملوا الصالحات يزيد قوتهم تمكيناً وبقاء. ومحال أن ينكر القرآن على الناس القوة وهو الداعي إليها والمنفر من الضعف، وإنما شرع القرآن بجنب الدعوة إلى القوة أن تكون للحق وللخير وللرحمة والعدل. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣١]. فإن هذه الآية- زيادة عن إفادتها لمعنى ما قدمناه- تكشف لنا نواحي من تاريخ هذه الأمة العربية، ومبلغ مدنيتها وتعميرها: فهي تدل على أنهم كانوا بصراء بعلم تخطيط المدن والأبنية، وهو علم لا يستحكم إلاّ باستحكام الحضارة في الأمة، ومأخذ هذا من قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ ... ﴾. والآية في قوله: ﴿آيَةً﴾ هي بناء شامخ، يدل على قوتهم، أو هي آية هادية للسائرين؛ وهي على كل حال بناء عظيم يدل على عظمتهم وقوتهم، وما زالت عظمة البناء تدل على عظمة الباني. ولم ينكر عليهم نبيهم نفس البناء الذي هو مظهر القوة، وإنما أنكر عليهم الغاية المقصودة لهم من ذلك البناء الشامخ. فمحط الإنكار قوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾. ولا شك أن كل بناء شامخ لا يكون لغاية شريفة محمودة، فهو عبث ولهو باطل. و"المصانع" يقول المفسرون: إنها مجاري المياه، أو هي القصور، وعلى القولين فهي دليل معرفتهم بفن التعمير علماً وعملاً، وبلوغهم فيه مبلغاً عظيماً، فهي من شواهدنا على ما سقنا الحديث إليه. ولكن ليت شعري، ما الذي صرف المفسرين اللفظيين عن معنى (المصنع) اللفظي الاشتقاقي؟!

стр. 383

والذي أفهمه ولا أعدل عنه، هو أن المصانع جمع مصنع من الصنع، كالمعامل جمع معمل من العمل، وأنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران. وهل كثير على أمة أن توصف بما وصفت فيه في الآية- أن تكون لها مصانع بمعناها العرفي عندنا؛ بلى؛ وإن المصانع لأول لازم من لوازم العمران، وأول نتيجة من نتائجه. ولا أغرب من تفسير هؤلاء المفسرين للمصانع، إلاّ تفسير بعضهم للسائحين والسائحات: بالصائمين والصائمات! والحق: أن السائحين هم الرحالون والرواد للاطلاع والاكتشاف والاعتبار. والقرآن الذي يحث على السير في الأرض والنظر في آثار الأمم الخالية .. حقيق بأن يحشر السائحين في زمرة العابدين والحامدين والراكعين والساجدين. فربما كانت فائدة السياحة أتم وأعم من فائدة بعض الركوع والسجود. ولا يقولن قائل: إذا كانت المصانع ما فهمتم .. فلماذا يقبحها لهم وينكرها عليهم؟ والجواب: فإنه لم ينكرها عليهم لذاتها، وإنما أنكر عليهم غاياتها وثمراتها، فإن المصانع التي تشيد على القسوة لا تحمد في مبدأ ولا غاية. وأي عاقل يرتاب في أن غالبية المصانع اليوم هي أدوات عذاب لا رحمة، ووسائل تدمير لا تعمير؟؟ فهل تحمدها على عمومها؛ وإن كانت دلائل حضارة ومدنية؟؟!! ومن محامد المصانع أن تشاد لنفع البشر ولرحمتهم، ومن لوازم ذلك أن نراعي فيها حقوق العامل على أساس أنه إنسان لا آلة!! ... ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ لا بد لكل أمة تسود وتقوى من بطش. ولكن البطش فيه ما هو حق، بأن يكون انتصافاً وقصاصاً، وإقامة لقسطاس العدل بين الناس. وفيه ما هو بطش الجبارين، والجبار هو الذي يجبرك على أن تعمل بإرادته لا بإرادتك، فبطشه إنما يكون انتقاما لكبريائه وجبروته وإرضاء لظلمه وعتوه، وتنفيذا لإرادته الجائرة التي لا تبنى على شورى، وإنما تبنى على التشهي وهوى النفس؛ لذلك لم ينقم منهم البطش لأنه بطش ... وإنما نقم بطش الجبابرة الذي كله ظلم.

стр. 384

٢ - إرم ذات العماد وحضارتها وفي القرآن ما هو كالتتمة لبحثنا عن حضارة العرب، وكالعلاقة لحضارة عاد بعينها، وهي حكاية عاد إرم ذات العماد. فهذا الوصف البليغ الذي تقرؤه في سورة الفجر صريح بألفاظه ومعانيه في أنه وصف لحضارة عمرانية لا نظير لها: فالعماد لا تكون إلاّ في القصور والأبنية الباذخة والمدن المخططة على نظام محكم. وقد قال تعالى وهو العالم بكل شيء إنه لم يخلق مثلها في البلاد. ومدينة هذا وصفها لا تشيدها إلاّ أمة لا نظير لها في القوة وآثار الحضارة، يتبع بعضها بعضاً في الضخامة والعظم والوصف القرآني لها، وإن سيق للاتعاظ بعاقبتهم، يدل البحث التاريخي على أنهم بلغوا في الحضارة غاية لا وراءها. وهم أمة عربية، فهذه المدينة شيدت في جزيرة العرب لا محالة. وإن الأقرب في التذكير بهم والاتعاظ بمصيرهم أن تكون الرؤية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ علمية؛ لأن التذكير عام لمن تتيسر له رؤية العين ولمن لم تتيسر له. ولو ائتمرت الأمم الإسلامية بأوامر القرآن، لنشأ فيها رواد يرودون الجزيرة، ويجوبون مجاهلها، ولو فعلوا لأمكن أن يعزوا على آثار هذه المدينة في أرض عاد، وهي معروفة، ويجمعوا بين الرؤية البصرية، والرؤية العلمية، وبين العلم والاتعاظ. وإننا لا نعبأ في مقام البحث العلمي بما حف هذه الحكاية من أساطير، ولا بما وقع فيه شيخ المؤرخين ابن خلدون حينما تعرض لنقض تلك الأساطير. ٣ - أمة ثمود وحضارتها وأمة أخرى من الأمم العربية، وهي (ثمود)، وهي أمة عربية، نلعنها بلعن القرآن لها، ولكننا نذكرها بما ذكرها به القرآن من قوة وتعمير وحضارة. فصالح رسول هذه الأمة- ﷺ يقول في دعوتها إلى الله وتعريفها بنعمه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. فآية أمة لا تعمر الأرض إلاّ إذا ملكت وسائل التعمير وهى كثيرة، ومجموعها هو ما نسميه الحضارة أو المدنية. وقد كشفت لنا عن هذا الاستعمار الثمودي عدة آيات بليغة الوصف، ولكن أبلغها وصفاً وأدقها تصويراً قوله تعالى:

стр. 385

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾؟ [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٩]. أما المغزى الذي سيقت هذه الآية لأجله فهو الإنكار عليهم: كيف يستعينون بنعم الله التي يسرها لهم على الكفر به؟. وإنذارهم أن الكفر بها وبمؤتيها .. سيكون سبباً في زوالها. وفي ضمن هذا عرفنا حالتهم التي كانوا عليها في تعمير الأرض: وهي حالة أمة بلغت النهاية في الحضارة المادية وفنونها. من زرع الأرض وتلوينها بأصناف الشجر منظمة. وتقسيم المياه على تلك الغروس إلى ما يستلزمها كل ذلك من علم بحال الأرض وطبائعها. وأحوال الأشجار المغترسة وطبائعها. وأحوال الفصول الزمنية، وأحوال الجو، وأحوال التلقيح والآبار والجَني. وعلم بأصناف التمتع من مناظر، ومجالس، ومقامات ومآكل. ثم القيام على حفظ ذلك العمران من إفساد الأيدي السارقة. وكل هذا مما يستلزمه وصف القرآن لحالهم، لأجل تذكيرهم والتذكير بهم. وقد ذكرهم القرآن في مواضع بإتقانهم لنحت الحجر والشجر آيتا الحضارة المبصرتان. ومن يعرف الحضارة الرومانية بهذا الوطن يعرف أنها ما قامت إلاّ على نحت الحجر وغرس الشجر. وإن نحت الحجر ليستدعي حاسة فنية خاصة، ويستدعي مع ذلك قوة بدنية؛ وقد نعتهم القرآن في نحتهم للحجر بحالة ملابسة: فوصفهم مرة بأنهم "آمنون" ومرة بأنهم "فرهون" والفاره هو الذي يعمل بنشاط وخفة، ولا يأتيه ذلك إلاّ من خبرته بما يعمل، وعلمه بدقائقه واعتياده له. ومعنى هذا أن أصول هذه الصناعة التي اشتهر بها المصريون القدماء، والرومان، قد رسخت فيهم. ولكن التاريخ المنقول ظلم العرب وبخسهم حقهم كما قلت لكم!! هاتان أمتان من الأمم العربية أثبت القرآن حالهما، فكان لنا مصدراً تاريخياً معصوماً في إثبات حضارة الشعوب العربية التي برزت فيها الأمم. ... حضارة اليمن ولننتقل الآن إلى ناحية أخرى من نواحي الجزيرة، وهي اليمن التي عرفها اليونان وغيرهم، وعرفوا المدنيات التي قامت فيها، فسموها بالعربية السعيدة.

стр. 386

وإننا إذا انتقلنا إلى هذه الناحية من الجزيرة: نجد العز القدموس (١)، والمجد الباذخ، والماضي الزاهر لهذه الأمة التي نفتخر بالانتساب إليها، ونباهي الأمم بمدنياتها بالحق والبرهان. وإننا في حديثنا عن اليمن لا نخرج عن شواهد القرآن: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ [سبأ: ١٥ - ١٩]. ليس المقام مقام تبسط في وجوه البلاغة المعجزة التي تنطوي عليها هذه الآيات: فقد استوعبت تاريخ أمة في سطور، وصورت لنا أطواراً اجتماعية كاملة في جمل قليلة أبدع تصوير، ووصفت لنا بعض خصائص الحضارة والبداوة في جمل جامعة، لا أظن غير اللسان العربب يتسع لحملها: كقوله ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾، وكقوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾، وكقوله: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. حتى إذا وصل القارىء إلى مصير الأمة التي سمع ما هاله من وصفها، واجهه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. وأدركه الغرق في لجج البلاغة الزاخرة. اللهم إن السلامة في الساحل، وإننا لا نعدو موضوعنا، وهو تصوير حضارة العرب مما يحكيه القرآن عنها في معرض بيان مصائرها حين كفرت بأنعم الله وبرسله. الآيات صريحة في أن مدنية سبأ كانت مدنية زاهرة مستكملة الأدوات. ومن قرأ القرآن بعقله فهم ما نفهم من آياته، وعلم ما نعلم أن مدن سبأ كانت عامرة بالبساتين عن يمين وشمال. ويمين من؛ وشمال من؛ إنه ولا شك يمين السائر في تلك المدن أو الأراضي وشماله. ومعنى هذا: أن طرق السير كانت منظمة تبعاً لتنظيم الغروس عن يمينها وشمالها. والاكتشافات الأثرية اليوم التي كان لليمن حظ ضئيل منها- وإن كان على غير يد أهلها- تشهد بأن أمم الحضارات اليمنية كانت من أسبق الأمم إلى بناء السدود المنيعة، لحصر المياه والانتفاع بها في تعمير الأرض، وإقامة السدود لا تتم بالفكر البدوي، والعمل اليدوي، بل تتوقف على علوم

стр. 387

فكرية .. منها الهندسة، والهندسة تتوقف ثمراتها على علم كثيرة، وعلوم العمران كعروق البدن يمد بعضها بعضاً، فهي مترابطة متماسكة متلاحمة، فما يكون السبئيون بلغوا في الهندسة مبلغاً أقاموا به سد مأرب؛ حتى يبلغوا في غيره من علوم العمران ذلك المبلغ. ولكن لما كفروا بأنعم الله واستعملوها في ما يسخطه، سلط الله عليهم من الأسباب ما خرب عمرانهم، وأباد حضارتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. ويقول في وصف عمرانهم: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ يعني أن عمرانهم لم يكن محدوداً وإنما كان متصلاً بعضه ببعضه. فالقرى والمدن يظهر بعضها من بعضها لقربها وتلاحمها، فلا يكاد المسافر يبرح مدينة حتى تبدو له أعلام الأخرى، ولا يكون هذا إلاّ إذا كان العمران متصلاً، وهذا هو معنى الظهور في الآية فهو ظهور خاص. وتقدير السير هو أن يكون منظماً ومن لوازمه أن تكون الأوقات مضبوطة بالساعات، والطرق محدودة بالعلامات التي تضبط المسافة. وقوله تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ يرشدنا إلى امتداد العمران مسافة الليالي والأيام، وأن الأمن كان ماداً رواقه على هذا العمران ولا يتم العمران إلاّ بالأمن. ولكن فات القوم أن يحصنوا هذه المدنية الزاخرة بسياج الإيمان، والشكر، والفضيلة، والعدل- وكل مدنية لم تحصن بهؤلاء فمصيرها إلى الخراب. والناس من قديم مفتونون بعظمة المظاهر، يحسبون أنها خالدة بعظمتها باقية بذاتها، فالقرآن يذكر لنا كثيراً من مصائر الأمم، حتى لا نغتر بمظاهرها، وحتى نعلم أن سنة الله لا تتخلف في الآخرين، كما لم تتخلف في الأولين. وأما قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ فإن المفسرين السطحيين يحملونه على ظاهره وأي عاقل يطلب بعد الأسفار؟! والحقيقة أنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، وإنما هو نتيجة أعمالهم، ومن عمل عملاً يفضي إلى نتيجة لازمة؛ فإن العربية تعبر عن تلك النتيجة بأنها قوله، وهذا نحو من أنحاء العربية الطريفة. ولا زال الناس- على عاميتهم- يقولون فيمن عمل عملاً يستحق عليه الضرب أو القتل: إنه يقول اقتلني أو اضربني وهو لم يقل ذلك، وإنما أعماله هي التي تدعو إلى ذلك. فالمعنى: أن أعمالهم هي التي طلبت جزاءها اللازم لها المرتبط بها ارتباط اللازم بالملزوم والدال بالمدلول، فكأن ألسنتهم قالت ذلك، ويؤيد هذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨، ١٣٩].؛ لأن الجزاء أثر للفعل فهو مرتبط به. ولا يقولن قائل: إن القول يقع مدلوله قي القلب حالاً، ولا كذلك العمل، فقد يتأخر

стр. 388

جزاؤه طويلًا؛ لأن الجزاء إذا كان محقق الوقوع يصير كأنه حاصل بالفعل، وكل عاقل يقطع بأنه إذا وقع الظلم من الظالم ... فقد استحق عليه الجزاء، ولا يلاحظ مسافة ما بين الظلم وجزائه. أما المباعدة بين أسفارهم التي اقتضاها كفرهم بأنعم الله فهي كناية عن محو العمران، وخراب القرى التي كانت ظاهرة متقاربة، حتى لا يبقى منها إلاّ القليل فيتباعد ذلك القليل بالطبع بخراب الكثير. وأين العمران المتلاحم الذي يرتاح فيه المسافر لضبط المسافة، وتعدد المشاهد ... من الخراب الذي يوحش النفس فيزيد المسافة بعداً على بعد؟؟!!. ... قصة ملكة سبأ والعبرة منها وملكة سبأ وعرشها العظيم وملكها، وما قصه القرآن من نبئها أعظم وأروع. فمخبر سليمان- ﵇ يقول عنها: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وما وصف عرش ملكة سبأ بالعظيم عند سليمان نبي الله الذي سخر له الجن والريح، إلاّ وهو في نفسه عظيم. العبر من القصة: إن في قصة ملكة سبأ في القرآن لدرساً تتفجر منه ينابيع العظة والعبرة وإرشاداً إلى ما تقوم به الأمم. ولولا أن هذا الخطاب قد طال ... لآثرنا منها العبر وآثرنا بها العبر. ولكن لا يفوتنا أن نختلس منها إرشادات، وما عليكم بعد ذلك إلاّ أن تتدبروا الآية، ففيها: ١ - نظام الشورى صريحاً لا مواربة فيه. ٢ - وأن بناء الأمم إنما يعتمد على القوة، وقد تكون مؤنثة فلا بد أن يسندها بأس شديد. ٣ - وأن الملأ هم الأشراف وأهل الرأي، وهم أعضاء المجالس الشورية ولعلهم كانوا بالانتخاب الطبيعي أو الوراثي، وهو لا يكون إلاّ في الأمم التي شبت عن [[طوق]] البداوة. ولعل كاتباً من كتابنا يتناول هذا البحث، بحث الانتخاب في الإسلام، ولئن استرشد القرآن في هذا الباب ليرشدنه. أيها الإخوان: هذه مدنيات ضخمة، غَبَرَتْ في هذه الأمة التي أهلها الله لحمل الرسالة الإلهية إلى العالم. وهذه بعض خصائص هذه الأمة، التي هيّأها الله للنهوض بالعالم، وانقاذه من شرور الوثنية وبنيانها، ومن ضلال العبودية بجميع أصنافها.

стр. 389

وإن القومية العربية موضوع متسع الأطراف، وليس من الممكن الإحاطة به في مثل هذا الخطاب. وحسبي أن أكون قد خدمتها من هذه الناحية التي هي خدمة للاسلام والقرآن. وعليكم السلام. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 390

فهرس تفسير ابن باديس
следующие страницы →