← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فإن اشتبه عليه البغض، فهو لاشتباه الطريقين، وتماثل الصورتين، كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري: في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع، ويقصد فيه التسهل، ويسلك الطريقة الكتابية، / ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض المعاني، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحترى وألفاظه. ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبى نواس [من سبك مسلم] (١) ، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، وينبهه ديباجة (٢) شعر البحتري، وكثرة مائه، وبديع رونقه، وبهجة كلامه، إلا فيما يسترسل فيه، فيشتبه بشعر (٣) ابن الرومي، ويحركه ما لشعر (٤) أبي نواس من الحلاوة، والرقة، والرشاقة، والسلاسة، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم. وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف، وبين شعر امرئ القيس، وبين شعر النابغة وزهير، وبين شعر جرير والأخطل، والبعيث والفرزدق. وكل له منهج معروف، وطريق مألوف. ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين طبقة من بعده (٥) ، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " وبين رسائل أهل عصره ومن بعده من برع في صنعة الرسائل، / وتقدم في شأوها، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين، [و] حتى خلص لنفسه طريقة (٦) ، وأنشأ لنفسه منهاجاً، فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع، وتارة طريقة الأصل، وبرع في ذلك باقتداره، وتقدم بحذقه، ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقة من طريق غيره، وإن كان قد يشتبه البعض، ويدق القليل، وتغمض الاطراف، وتشذ النواحى.

стр. 212

وقد يتقارب (١) سبك نفر من شعراء عصر، وتتدانى رسائل كتاب دهر، حتى تشتبه اشتباهاً شديدا، وتتماثل تماثلا قريبا، فيغمض الاصل (٢) . وقد يتشاكل الفرع والاصل، وذلك فيما لا يتعذر دراك (٣) أمده، ولا يتصعب طلاب شأوه، ولا يمنع بلوغ غايته، والوصول إلى نهايته، لأن الذي ينفق من الفصل (٤) بين أهل الزمان إذا تفاضلوا [في سبق] (٥) ، وتفاوتوا في مضمار، فصل قريب، وأمر يسير. وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ و [لا] سارق (٦) / المعاني، ولا من يخترعها، ولا من يلم بها، ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم به، ولا من يخترع الكلام اختراعاً، ويبتدهه ابتداهاً، ممن يروى (٧) فيه، ويجيل الفكر في تنقيحه، ويصبر عليه، حتى يتخلص له ما يريد، وحتى يتكرر نظره فيه. قال أبو عبيدة: سمعت أبا عمرو يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين (٨) . وكان زهير يسمى كبر شعره " الحوليات المنقحة ". وقال عدي ابن الرقاع: وقصيدة قد بت أجمع بينها * حتى أقوِّم ميلها وسنادها (٩) نظر المثقف في كعوب قناته * حتى يقيم ثقافه مُنآدها وكقول سويد بن كراع: أبيت بأبواب القوافي كأنما * أصادي بها سربا من الوحش نزعا (١٠)

стр. 213

ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر، ونفاذ الطبع وسرعة / النظم، يرتجل القول ارتجالاً، ويطبعه (١) عفواً صفواً، فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم، وجاهدوا خواطرهم. وكذلك لا [يمكن أن] (٢) يخفى عليهم الكلام العلوى، واللفظ الملوكى، كما لا يخفى عليهم الكلام العامي، واللفظ السوقى، ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا، ويعطفونه - كيف تصرف - حقوقه، ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم، من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره، ولا يساهمه سواه. ألا تراهم وصفوا زهيراً بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر (٣) ، قاله أبو عبيدة (٤) ؟ وروى أن الفرزدق انتحل بيتاً من شعر جرير، وقال: هذا يشبه شعري. فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن، وهذا كما يعلم البزاز أن (٥) هذا الديباج عمل بتستر (٦) ، وهذا / لم يعمل بتستر، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان، ومن نسج فلان دون فلان، حتى لا يخفى عليه، وإن كان قد يخفى على غيره. ثم إنهم يعلمون أيضاً من له سمت بنفسه، ورفت برأسه، ومن يقتدي في الألفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره، ويجعل سواه قدوة له، ومن يلم في الأحوال بمذهب غيره، ويطور (٧) في الاحيان [بجنبات كلامه] (٨) . وهذه أمور ممهدة عند العلماء، وأسباب معروفة عند الأدباء، وكما يقولون: إن " البحتري " يغير على " أبي تمام " إغارة، ويأخذ منه صريحاً وإشارة،

стр. 214

ويستأنس بالأخذ منه بخلاف (١) ما يستأنس بالأخذ من غيره، ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه، وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم، وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى. وما الذي نفع " المتنبي " جحوده الأخذ، وإنكاره معرفة " الطائيين " وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهاراً، أو ألمّ بهما فيه سراراً؟ ! / وأما ما لم يأخذ عن الغير، ولكن سلك النمط، وراعى النهج، فهم يعرفونه، ويقولون: هذا أشبه به من التمر بالتمرة، وأقرب إليه من الماء إلى الماء، وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة، فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه، وسلك في غير جانبه (٢) ، قيل: بينهما ما بين السماء والارض، وماب ين النجم والنون (٣) ، وما بين المشرق والمغرب. * * * وإنما أطلت عليك، ووضعت جميعه بين يديك، لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله، وغامضه وجليه، وقريبه وبعيده، ومعوجه ومستقيمه. فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول، وهو قريب متناول، من أمر يخرج عن أجناس كلامهم، ويبعد عما هو في عرفهم، ويفوت مواقع قدرهم؟ ! وإذا اشتبه ذلك، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة، أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه (٤) بينهم ولا يتجاوزونه، فلكلامهم سبل مضبوطة، وطرق معروفة محصورة. وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا / الشأن، فيدعي أنه أشعر من البحتري، ويتوهم أنه أدق مسلكاً من أبي نواس، وأحسن طريقاً من مسلم! وأنت تعلم أنهما متباعدان، وتتحقق أنهما لا يجتمعان

стр. 215

ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار (١) صاحبه، ويطالع ضياء نجمه، ويراعى خفوق (٢) جناحه وهو راكد في موضعه، ولا يضر البحترى ظنه، ولا يلحقه بشأوه وهمه (٣) . فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد، فصاحة القرآن وموقع بلاغته، وعجيب براعته - فما عليك منه، إنما يخبر عن نقصه (٤) ، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح (٥) بسخافة فهمه، وركاكة عقله. وإنما قدمنا (٦) ما قدمناه في هذا الفصل، لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، أمر لا يجوز غيره، ولا يحتمل سواه، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ولا يخيل عند (٧) أخي معرفة، كما يعرف الفصل بين طبائع (٨) الشعراء / من أهل الجاهلية، وبين المخضرمين، وبين المحدثين، ويميز بين من يجري على شاكلة طبعه وغريزة نفسه، وبين من يشتغل بالتكلف والتصنع، وبين من يصير التكلف له كالمطبوع، وبين من كان مطبوعه كالمتعمل (٩) المصنوع. هيهات هيهات! ! هذا أمر - وإن دقّ - فله قوم يقتلون علماَ، وأهل يحيطون به فهماً، ويعرفونه (١٠) إليك إن شئت، ويصورونه لديك إن أردت، ويجلونه على خواطرك إن أحببت، ويعرفونه لفطنتك إن حاولت، وقد قال القائل: للحرب والضرب أقوامٌ لها خُلِقُوا * وللدواوين كتّابٌ وحُسَّابُ ولكل عمل رجال، ولكل صنعة ناس، وفي كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط، ولكل قد قل من يميز في هذا الفن خاصة، وذهب من يحصل في هذا الشأن، إلا قليلا! فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها - من التناهى في معرفة الفصاحات،

стр. 216

والتحقق (١) بمجاري البلاغات - فإنما يكفيك التأمل، ويغنيك التصور. وإن كنت في الصنعة مرمداً، وفي المعرفة بها متوسطاً، فلا بد / لك من التقليد، ولا غنى بك عن التسليم. إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها. فإن أراد أن نقرب عليه أمرا (٢) ، ونفسح له طريقا، ونفتح له بابا - ليعرف به إعجاز القرآن - فإنا نضع بين يديه الأمثلة، ونعرض عليه الأساليب، ونصور له صور (٣) كل قبيل من النظم والنثر، ونحضره (٤) من كل فن من القول شيئاً يتأمله حق تأمله، ويراعيه حق رعايته (٥) ، فيستدل استدلال العالم، ويستدرك استدراك (٦) الناقد، ويقع (٧) له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية، الطالع عن الإلهية، الجامع بين الحكم والحكم، والأخبار عن الغيوب والغائبات، والمتضمن لمصالح الدنيا والدين، والمستوعب لجلية اليقين، والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها بالألفاظ الشريفة، على تفننها وتصرفها. ونعمد إلى شئ من الشعر المجمع عليه، فنبين وجه النقص فيه، وندل على انحطاط رتبته، ووقوع أبواب الخلل فيه، حتى إذا تأمل ذلك، وتأمل ما نذكره - من تفصيل إعجاز القرآن وفصاحته، وعجيب براعته - انكشف له واتضح، وثبت / ما وصفناه لديه ووضح، وليعرف حدود " البلاغة "، ومواقع البيان " والبراعة " ووجه التقدم في " الفصاحة ". وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين (٨) : أن الفارسي سئل، فقيل له: ما " البلاغة "؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل. وسئل اليوناني عنها؟ فقال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. وسئل الرومي عنها؟ فقال: حسن الاقتضاب عند البداهة (٩) ، والغزازة يوم الاطالة.

стр. 217

وسئل الهندي عنها؟ فقال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقال مرة (١) : التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات (٢) القول، وقلة الخرق بما (٣) التبس من المعاني، أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر. وزينته (٤) أن تكون الشمائل موزونة، والالفاظ معدلة، واللهجة نقية (٥) ، وأن (٦) لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ويكون في قواه فضل (٧) التصرف في كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، و [لا] يصفيها كل التصفية، و [لا] يهذبها بغاية التهذيب (٨) . وأما " البراعة " فهى فيما يذكر (٩) أهل اللغة: الحذق بطريقة الكلام وتجويده، وقد يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة. وأما " الفصاحة " فقد اختلفوا فيها: فمنهم من عبر عن معناها بأنه: ما كان جزل اللفظ، حسن المعنى. وقد قيل: معناها: الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس، على عبارات جلية، ومعان نقية بهية. * * * والذي يصور عندك ما ضمنا تصويره، ويحصل لديك (١٠) معرفته - إذا كنت في صنعة الأدب متوسطاً، وفى علم العربية متبينا (١١) - / أن تنظر أو لا في

стр. 218

في نظم القرآن، ثم في شئ من كلام النبي ﷺ ، فتعرف الفصل بين النظمين، والفرق بين الكلامين. فإن تبين لك الفصل، ووقعت على جلية الأمر وحقيقة الفرق - فقد أدركت الغرض، وصادفت المقصد. وإن لم تفهم الفرق، ولم تقع (١) على الفصل - فلا بد لك من التقليد، وعلمت أنك من جملة العامة، وإن سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان.

стр. 219

/ خطبة للنبي ﷺ روى طلحة بن عبيد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب على منبره يقول: " ألا أيها (١) الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربكم - بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية - تُرزقوا وتُؤجروا وتُنصروا. واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في عامي هذا، في شهري هذا، إلى يوم القيامة: حياتي ومن بعد (٢) موتي، فمن تركها وله إمام - فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا برله. ألا ولا يؤمُ أعرابي مهاجراً، ألا ولا يؤمُ فاجرٌ مؤمناً، إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه ولا سوطه ". / خطبة له ﷺ " أيها (٣) الناسُ، إن لكم معالم، فانتهوا (٤) إلى معالمكم، وإن لكم نهايةَ، فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى، لا يدري ما اللهُ صانعٌ فيه، وبين أجلٍ قد بقي، لا يدري ما اللهُ تعالى قاضٍ عليه فيه. فليأخذِ العبدُ لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرتهِ، ومن الشبيبةِ (٥) . قبلَ الكِبَرَ، ومن الحياة قبل الموت.

стр. 220

والذي نفسُ محمدٍ بيده: ما بعد الموت من مستعتبٍ، ولا بعدَ الدنيا دارٌ، إلا الجنةُ أو النار ". خطبة له ﷺ " إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيآت أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك (١) له. / إن أحسنَ الحديث كتابُ الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن (٢) الحديث وأبلغه. أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تَمَلُّوا كلامَ الله وذكرَهُ، ولا تقسو عليه قلوبُكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. اتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله ". خطبة له ﷺ في أيام التشريق قال بعد حمد الله: " أيها الناس، أتدرون (٣) في أي شهر أنتم؟ وفي أي يوم أنتم؟ وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام. قال: ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرْمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونَهُ. ثم قال: اسمعوا منى تعيشوا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا.

стр. 221

/ ألا إنه لا يحلُّ مالُ امرئ مسلم إلا بطيبِ نفسٍ منه. ألا إن كل دمِ ومالِ ومأثرةِ كانت في الجاهلية، تحت قدمي هذه، ألا وإن أولَ دمِ وُضع دمُ ربيعةَ بن الحارث بن عبد المطلب - كان مسترضعا في بنى ليث، فقتلته هذيل (١) -. ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوعٌ، ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ربا يُوضع: ربا عمي العباس، لكم (رءوس أموالكم، لا تَظْلِمُون ولا تُظْلَمُون) . ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض (منها أربعةٌ حرم، ذلك الدينُ القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم) . ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض (٣) . / ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينكم (٤) . اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوانِ (٥) ، لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً، ولكم عليهن حق: أن لا يُوطِئنَ فرشَكم أحداً غيركم، فإن خفتم نشوزَّهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباَ غير مبرح، ولهن رزقُهُن وكسوتُهُن بالمعروف، فإنما أخذتموهن بأمانة الله تعالى، واستحللتم فروجهن بكلمة الله.

стр. 222

ألا ومن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. ثم بسط يده، فقال: ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ليبلغِ الشاهدُ الغائبَ، فربَّ مبلغٍ أبلغُ من سامع ". / خطبته ﷺ يوم فتح مكة وقف على باب الكعبة، ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق (١) وعدَهُ، ونصرَ عبدَهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدَه. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يُدعى - فهو تحت قدميَّ هاتين، إلا سدانة البيتِ، وسقاية الحاج. ألا وقتيل الخطأ العمد بالسوط والعصا - فيه الدية مغلظة، منها أربعون خلفة (٢) ، في بطونها أولادها. يا معشر قريشٍ، إن الله قد أذهب عنكم نخوةَ الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم خلق من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) (٣) . يا معشر قريشِ - أو يا أهل مكة - ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ [كريم. ثم] قال: فاذهبوا فأنتم الطُلَقَاءُ ". خطبته ﷺ بالخيف وروى زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ خطب / بالخيف من منى، فقال (٤) :

стр. 223

" نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها (١) ، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حاملِ فقهٍ لا فقَه له، وربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا يغُلُّ (٢) عليهن قلب المؤمن: اخلاصُ العمل لله، والنصيحةُ لأولي الأمر، ولزوم الجماعة، إن دعوتهم تكون من ورائه. ومن كان همُّهُ الآخرةَ: جمع الله شمله، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمةٌ. ومن كان همه الدنيا: فرَّق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما كُتِبَ له ". / خطبة له ﷺ رواها أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال (٣) : خطب بعد العصر، فقال: " ألا إن الدنيا خَضِرَةٌ حُلوة (٤) ، ألا وإن الله مستخلفُكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء. ألا لا يمنعنَّ رجلاً مخافةُ الناس، أن يقول الحق إذا علمه.

стр. 224

قال: ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حُمرةٌ على أطراف السَّعَف، فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى، إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى ". كتاب النبي ﷺ إلى ملك فارس " من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأدعوك / بدعاء الله تعالى، فإني أنا رسولُ الله إلى الناس كافةً، لأُنذِرَ من كان حياً، ويحق القول على الكافرين. فأسلم تَسْلَم ". كتاب له ﷺ إلى النجاشي " من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة: سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الملكَ القدوسَ السلام المؤمن المهيمن. وأشهد أن عيسى ابن مريم روحُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول (١) الطيبة، فحملت بعيسى، فحملته من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني. وإني أدعوك وجنودَك إلى الله تعالى، فقد (٢) بلغتُ ونصحت، فاقبلوا نُصحي. والسلام على من اتبع الهدى ".

стр. 225

نسخة عهد الصلح مع (١) قريش عام الحديبية " هذا (٢) ما صالح عليه محمد بن عبد الله ﷺ ، سهيل / ابن عمرو: اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين (٣) ، يأمن فيها الناس، ويكف (٤) بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله ﷺ من قريش (٥) بغير إذن (٦) وليِّه، ردَّه عليهم. ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله ﷺ ، لم يردوه عليه (٧) ، وإن بيننا عيبةً مكفوفة (٨) وأنه لا إسلال (٩) ، ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله ﷺ وعقده / دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، وأنك ترجعُ عنا عامَك هذا، فلا تدخل علينا مكة، فإذا كان عاماً قابلاً خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً، وأن معك سلاح الراكب، والسيوف في القُرُب (١٠) ، فلا تدخلها بغير هذا " * * * ولا أطول عليك، وأقتصر على ما ألقيته إليك (١١) ، فإن كان لك في الصنعة حظ، أو كان لك في هذا المعنى حس، أو كنت تضرب في الادب

стр. 226

بسهم، أو في العربية بقسط - وإن قلَّ ذلك السهم، أو نقص ذلك النصيب - فما أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن، وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول، صلى الله ﷺ ، في خطبه ورسائله، وما عساك تسمعه من كلامه، ويتساقط إليك من ألفاظه، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بوناً بعيداً، وأمداً مديداً، وميداناً واسعاً، ومكانا شاسعا. * * * فإن قلت: لعله أن يكون تعمل للقرآن، وتصنع لنظمه، وشبه عليك الشيطان ذلك من خبثه - فتثبت في نفسك، وارجع إلى عقلك، / واجمع لُبَّك، وتيقن أن الخطب يحتشد لها في المواقف العظام، والمحافل الكبار، والمواسم الضخام، ولا يتجوز فيها، ولا يستهان بها، والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه (١) ، ويشمر لها عن جد واجتهاد، فكيف يقع بها الاخلال؟ وكيف تعرض (٢) للتفريط؟ فستعلم، لا محالة أن نظم القرآن من الأمر الإلهي، وأن كلام النبي ﷺ من الامر النبوى. فإذا أردت زيادة في التبين (٣) وتقدماً في التعرف، وإشرافا على الجلية وفوزاً بمحكم القضية، فتأمل - هداك الله - ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء، لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا - من خطب النبي ﷺ واحد، وسبكها سبك غير مختلف، وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره، ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين، وبين (٤) شعر الشاعرين، وذلك أمر له مقدار معروف، وحد - ينتهى إليه - مضبوط.

стр. 227

فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمي منهاج، ولجملته طريق (١) / وتبينت (٢) ما يمكن فيه من (٣) التفاوت - نظرت إلى نظم القرآن نظرة أخرى، وتأملته مرة ثانية، فتراعي بعد موقعه، وعالي محله وموضعه، وحكمت بواجب من اليقين، وثلج (٤) الصدر بأصل الدين. / خطبة لأبي بكر الصديق ﵁ قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (٥) : " أما بعد، فإني وليت أمركم، ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن، وسنّ النبي ﷺ ، وعلمنا فعلمنا. واعلموا أن أكيس الكَيْس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف، حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي، حتى آخذ منه الحق. أيها الناس، إنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني " (٦) . عهد لأبي بكر الصديق إلى عمر ﵄ بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وآخر / عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، ساعة يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر.

стр. 228

إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل: فذاك ظني به، ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت لكم (١) ، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (٢) . * * * وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رحمة الله عليه، قال: دخلت على أبي بكر الصديق ﵁، في علته التي مات فيها، فقلت: أراك بارئاً يا خليفة رسول الله، فقال: أما إني - على ذلك - لشديد الوجع، ولما لقيت منكم - يا معشر المهاجرين - أشد عليَّ من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورِم (٣) أنفه أن يكون له الأمر من دونه. والله لتتخذُن نضائد (٤) الديباج، وستور الحرير، ولتألُمنَّ النوم / على الصوف الأذربي (٥) ، كما يألم أحدكم النوم على حَسَك السعدان (٦) ، والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب رقبته في غير حد، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا. يا هادي الطريق جرت (٧) ، إنما هو - والله - الفجر أو البجر (٨) .

стр. 229

قال: فقلت: خفِّض عليك يا خليفة رسول الله، صلى الله ﷺ ، فإن هذا يهيضك (١) إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحاً مصلحاً، لا تأسى على شئ فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك، فما رأيت إلا خيراً. وله خطب ومقامات مشهورة اقتصرنا منها على ما نقلنا، منها قصة السقيفة. * * * / نسخة كتاب كتبه (٢) أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، ﵃: سلام الله عليك، فإنَّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنا عهدناك وأمر نفسك لك (٣) مهم، فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها، وأسودها، يجلس بين يديك الصديق والعدو، والشريف والوضيع، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت - يا عمر - عند ذلك، فإنا نحذرك يوما تعنوا فيه الوجوه، وتجِبُ فيه القلوب. وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الامة يرجع (٤) في آخر زمانها: أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، وأنا نعوذ بالله أن تَنْزِلَ كتابنا سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك، والسلام. فكتب إليهما: من عمر بن الخطاب، إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل: سلام عليكما، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو (٥) . / أما بعد، فقد جاءني كتابكما، تزعمان أنه بلغكما أني وليت أمر هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين يدى الصديق والعدو، والشريف والوضيع، وكتبتما:

стр. 230

أن أنظر كيف أنت يا عمر عند ذلك؟ وإنه لا حول ولا قوة لعمر - عند ذلك - إلا الله. وكتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا، وقديماً كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس: يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود: حتى يصير الناس إلى منازلهم، من الجنة أو النار، ثم توفّى كل نفسٍ بما كسبت، إن الله سريع الحساب. وكتبتما تزعمان أن أمر هذه الامة يرجع في آخر زمانها: أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بذاك، وليس هذا ذلك الزمان، ولكن زمان ذلك (١) حين تظهر الرغبة والرهبة، فتكون رغبة بعض الناس إلى بعض إصلاح دينهم، ورهبة بعض الناس إصلاح دنياهم. وكتبتما تعوذانني بالله أن أنزل كتابكما مني سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما، وإنما كتبتما نصيحة لي، وقد صدقتكما، فتعهداني منكما بكتاب، ولا غنى بي عنكما (٢) . / عهد من عهود عمر ﵁ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن قيس (٣) : سلام عليك. أما بعد، فإن القضاء: فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس (٤) بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك (٥) ، ولا ييأس ضعيف (٦) من عدلك.

стр. 231

البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراما، أو حرم حلالا. ولا يمنعنك (١) قضاء قضيته بالأمس - فراجعت فيه عقلك، وهُديت لرشدك - أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. / الفهمَ الفهمَ، فيما تلجلج في صدرك (٢) ، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقِس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أشبهها، بالحق. واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة - أمداً (٣) ينتهي إليه، فإن أحضر بينة، أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك، وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظَنيناً في ولاء أو نسب (٤) ، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ بالايمان والببنات (٥) . وإياك والغَلَق (٦) والضجر، والتأذي بالخصوم، والتنكر عند / الخصومات (٧)

стр. 232

فإن الحق في مواطن الحق يعظِّم الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته، وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلَّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله (١) ، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام. ولعمر ﵁ خطب مشهورة مذكورة في التاريخ، لم ننقلها اختصاراً. * * * ومن كلام عثمان بن عفان ﵁ خطبة له (٢) رضى الله عنه قال: إن لكل شئ آفة، وإن لكل نعمة عاهة، وإن عاهة (٣) هذا الدين عيّابون ظنانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون / ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، طَغَام (٤) مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم النازح. لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي، ولكنه وقمكم وقمعكم، وزجركم زجر النعام المخزَّمة (٥) . والله إني لأقرب ناصراً، وأعز نفراً (٦) ، وأقمن - إن قلت: هلم - أن تجاب دعوتي، من عمر. هل تفقدون من حقوقكم شيئا؟ فما لى لا أفعل في الحق ما أشاء؟ إذاً فلم كنت إماما؟ !

стр. 233

كتابة إلى علي حين حصر ﵁ ما أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وطمع فيَّ من لا يدفع عن نفسه. فإذا أتاك كتابي هذا: فأقبل إلى، على كنت أم لى. / فإن كنت مأكولا: فكن خيرآكل * وإلا فأدركني ولمّا أُمزَّقِ (٢) * * * ومن كلام علي بن أبى طالب ﵁ قال: لما قبض أبو بكر ﵁ ارتجت المدينة بالبكاء، كيوم قبض النبي ﷺ ، وجاء عليّ باكياً مسترجعاً (٣) ، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر، فقال: رحمك (٤) الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله ﷺ وأنسه، وثقته وموضع سره، كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله، وأحوطهم على رسول الله (٥) ، وأثبتهم (٦) على الاسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، / وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله (٧) ﷺ سنناً (٨) وهدياً، ورحمة وفضلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده.

стр. 234

فجزاك (١) الله عن الإسلام وعن رسوله خيراً، كنت عنده بمنزلة السمع والبصر. صدقت رسول الله، ﷺ ، حين كذّبه الناس، فسماك في تنزيله صديقا، فقال: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (٢) . وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة، ثاني اثنين وصاحبه (٣) في الغار، والمنزل عليه السكينة والوقار، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وفى أمته - أحسن الخلافة - حين ارتد الناس، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، وقمت بالامر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا (٤) ، مضيت بنور إذ وقفوا، واتبعوك فهدوا. / وكنت أصوبهم منطقا، وأطولهم صمتاً، وأبلغهم قولاً، وأكثرهم رأياً، وأشجعهم نفساً، وأعرفهم بالأمور، وأشرفهم عملاً. كنت للدين يَعْسُوباً (٥) ، أولاً: حين نفر عنه الناس، وآخراً: حين قفلوا (٦) ، وكنت للمؤمنين أباً رحيماً، إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما ضعفوا عنه (٧) ، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، شمّرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا. وكنت كما قال رسول الله: ﷺ آمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، جليلاً في أعين الناس (٨) ، كبيرا في أنفسهم.

стр. 235

لم يكن لأحد (١) فيك مغمز، ولا لأحد مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز، حتى تأخذ / له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل، حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله شأنك الحق والصدق والرفق (٢) وقولك حكم وحتم (٣) ، وأمرك حلم (٤) وحزم، ورأيك علم وعزم، فأبلغت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وأتعبت من بعدك اتعاباً شديداً وفزت بالخير فوزا عظيما (٥) ، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الايام فإنّا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبدا، فألحقك الله بنبيه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك. وسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم. * * * / خطبة أخرى لعلي ﵁ أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم، وغداً السباق. ألا وإنكم في أيام مهل، ومن ورائه أجل، فمن أخلص في أيام مهله (٦) فقد فاز، ومن قصر في أيام مهله (٧) ، قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضرّه أملُه. ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة. ألا وإني لم أرَ كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها.

стр. 236

ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره (١) الباطل، ومن لم يستقم (٢) به الهدى يجر به الضلال. ألا وإنكم قد أُمرتم بالظعن، ودللتم على (٣) الزاد. ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع (٤) الهوى، وطول الامل (٥) . * * * / وخطب رضى الله عنه، فقال بعد حمد الله: أيها الناس، اتقوا الله، فما خُلِقَ امرؤ عبثاً فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو، ما دنياه التي تحسنت إليه بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر إليه، وما الخسيس الذي ظفر به - من الدنيا - بأعلى همته (٦) ، كالآخر الذى ذهب (٧) من الآخرة من سهمته (٨) . * * * وكتب علي ﵁ إلى عبد الله بن عباس: رحمة الله عليهما، وهو بالبصرة: أما بعد، فإن المرء يسر (٩) بدرك ما لم يكن ليحرمه، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما قدمت، من أجر أو منطق، وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك. وانظر ما فاتك من الدنيا: فلا تكثر عليه جزعاً، وما نلته: فلا تنعم به فرحاً، وليكن همك لما بعد الموت (١٠) . / كلام لابن عباس ﵁ قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبى موسى، يوم الحكمين؟

стр. 237

قال: منعه - والله - من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء. أما والله، لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه، ناقضاً لما أبرم، ومُبرماً لما نقض، أسفّ إذا طار، وأطير إذا أسفَ، ولكن مضى قدر، وبقي أسف، ومع يومنا غد، والآخرة خير لأمير المؤمنين، من الأولى. * * * خطبة لعبد الله بن مسعود ﵁ أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، خير الملل ملة إبراهيم، وأحسن السنن سنة النبي محمد ﷺ ، خير الأمور أوساطها، وشر الأمور محدثاتها، ما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى، خير الغنى غنى النفس، وخير ما ألقي في القلب اليقين، الخمر جماع الاثم، النساء حبالة (١) الشيطان، الشباب شعبة من الجنون، حب الكفاية مفتاح المعجزة. من / الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبراً، ولا يذكر الله إلا هجراً، أعظم الخطايا اللسان الكذوب، سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، من يتألَّ على الله يكذبه (٢) ، من يَغفر يُغفر له، مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفي عنه. الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، الأمور بعواقبها. ملاك العمل خواتيمه (٣) ، أشرف الموت الشهادة، من يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره. * * *

стр. 238

خطبة لمعاوية بن أبي سفيان، ﵁ قال الراوي: لما حضرته الوفاة قال لولى له: من بالباب؟ فقال: نفر من قريش يتباشرون بموتك! فقال: ويحك، ولمَ؟ ثم أذن للناس، فحمد الله وأثنى عليه (١) فأوجز، ثم قال: / أيها الناس، إنّا قد أصبحنا في دهر عنُود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئاً، ويزداد الظالم فيه عُتُوّاً، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف (٢) قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم: من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض (٣) وفره. ومنهم: المصلت (٤) لسيفه، والمجلب برجله (٥) ، والمعلن (٦) بشره، قد أشرط نفسه (٧) ، وأوبق دينه، لحطام (٨) ينتهزه، أو مقنب (٩) يقوده، أو منبر يفرعه (١٠) وبئس المتجرأن تراها لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضاً. / ومنهم: من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف

стр. 239

نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. ومنهم: من أقعده عن الملك ضئولة في نفسه، وانقطاع سببه، فقصر به الحال عن حال (١) ، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى. وبقي رجال أغضُّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد (٢) ناد، وخائف منقمع (٣) ، وساكت مكعوم (٤) وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، في بحر أجاج، أفواههم دامية (٥) ، وقلوبهم قرحة (٦) ، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا. / فلتكن الدنيا في عيونكم أقل من حتاتة القرظ (٧) ، وقراضة الجلم (٨) ، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم (٩)

стр. 240

خطبة لعمر بن عبد العزيز، ﵁ أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري: لئن كنتم صادقين، لقد قصرتم، ولئن كنتم كاذبين، لقد هلكتم. يا أيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل، أو بحضيض / أرض - يأته، فأجملوا في الطلب (١) . خطبة للحجاج بن يوسف حمد الله، وأثنى عليه (٢) ، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق، ومساوى الأخلاق، وبني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والفقع بالقرقر (٣) ، إني سمعت تكبيراً لا يراد به الله، وإنما يراد به الشيطان، وإنما مثلي ومثلكم،، ما قاله ابن براقة الهمداني (٤) : وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا، يا لهمدانَ، ظالمُ متى تجمع القلب الذكى وصار ما * وأنفاً حمياً، تجتنبك المظالم (٥) أما والله لا تقرع عصا عصا، إلا جعلتها (٦) كأمس الدابر.

стр. 241

/ خطبة لقس بن ساعدة الأيادي (١) أخبرني محمد بن علي الأنصاري (٢) بن محمد بن عامر، قال: حدثنا على ابن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن داود بن عبد الرحمن العمرى، قال: حدثنا الأنصاري علي بن محمد الحنظلي - من ولد حنظلة الغسيل - حدثنا جعفر ابن محمد، عن محمد بن حسان (٣) ، عن محمد بن حجاج اللخمي (٤) ، عن مجالد (٥) ، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: لما وَفَد وفدُ عبد القيس على رسول الله ﷺ قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة؟ / قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله (٦) . قال: لست أنساه بعكاظ، إذ وقف على بعير له أحمر، فقال: أيها الناس اجتمعوا، وإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت. أما بعد، فإن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، أقسم بالله قس قسما

стр. 242

حقاً لا كاذباً فيه ولا آثماً، لئن كان في الارض رضا ليكونن سخطا (١) ، إن لله تعالى ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، وقد أتاكم أوانه، ولحقتكم مدته. مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ ثم قال رسول الله ﷺ : أيكم يروى شعره؟ فأنشدوه: / في الذاهبين الأولي * ن من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يسعى الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إلي * ي ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محا * لة حيث صار القومُ صائر * * * أخبرني الحسن بن عبد الله بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين (٢) بن إسماعيل، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبيد الله بن الضحاك، عن هشام، عن أبيه: أن وفداً من إياد قدموا على رسول الله ﷺ ، فسألهم عن حال قس ابن ساعدة، فقالوا: قال قس: يا ناعي الموت والأموات في جدث * عليهم من بقايا بَزِّهم خرق دعهم فإن لهم يوماً يُصاح بهم * كما ينبه من نوماته الصعق (٣) منهم عراة ومنهم في ثيابهمُ * منها الجديد ومنها الأورق الخلق (٤)

стр. 243

/ مطر ونبات (١) ، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. وآيات في إثر آيات، وأموات بعد أموات. ضوء وظلام، وليال وأيام، وغني وفقير، وشقي وسعيد، ومحسن ومسئ. أين الأرباب الفعلة؟ ليصلحن كل عامل عمله. كلا، بل هو الله واحد،، ليس بمولود ولا والد، أعاد (٢) وأبدى، وإليه المآب غدا. أما بعد، يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين الحسن الذي لم يشكر؟ أين الظلم الذي لم ينقم (٣) ؟ كلا ورب الكعبة ليعودَنَّ مابدا، ولئن ذهب يوم ليعودَنَّ يوم. قال: وهو قس بن ساعدة (٤) بن حذاق بن ذهل بن إياد بن نزار. أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية. وأول من توكأ على عصا (٥) . وأول من تكلم ب " أما بعد (٥) ". / خطبة لأبي طالب الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس. وأن محمد بن عبد الله، ابن أخى، لا يوازن (٦) به فتى من قريش إلا رجح به: بركة وفضلاً وعدلاً، ومجداً ونبلاً، وإن كان في المال مُقِلاً، فإن المال عارية مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعلى (٧) . * * * / قد نسخت لك جملاً من كلام الصدر الاول ومحاوراتهم وخطبهم،

стр. 244

وأحيلك فيما لم أنسخ على التواريخ والكتب المصنفة في هذا الشأن. فتأمل ذلك، وسائر ما هو مسطر من الأخبار المأثورة عن السلف، وأهل البيان واللسن، والفصاحة والفطن، والألفاظ المنثورة، والمخاطبات الدائرة بينهم، والأمثال المنقولة عنهم. ثم انظر - بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل - في ذلك، فسيقع لك الفصل (١) بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين، وتعلم أن نظم القرآن يخالف نظم (٢) كلام الآدميين، وتعلم الحد الذي يتفاوت بين كلام البليغ والبليغ، والخطيب والخطيب، والشاعر والشاعر، وبين نظم القرآن جملة. فإن خيل إليك، أو شبه عليك، وظننت أنه يحتاج أن يوازن بين نظم الشعر والقرآن، لأن الشعر أفصح من الخطب، وأبرع من الرسائل، وأدق مسلكا من جميع أصناف المحاورات - ولذلك (٣) قالوا له ﷺ : هو شاعر أو ساحر - وسول إليك الشيطان أن الشعر أبلغ وأعجب، وأرق (٤) وأبرع، وأحسن الكلام وأبدع - فهذا فصل فيه نظر بين المتكلمين، وكلام بين المحققين.

стр. 245

باب (١) سمعت (٢) أفضل من رأيت من أهل (٣) العلم بالأدب والحذق بهذه الصناعة، مع تقدمه في الكلام - يقول: إن الكلام المنثور يتأتى فيه من الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتى في الشعر، لأن الشعر يضيق نطاق الكلام، ويمنع القول من انتهائه، ويصده عن تصرفه على سننه. وحضره من يتقدم في صنعة الكلام، فراجعه في ذلك، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون الشعر أبلغ إذا صادف شروط الفصاحة، وأبدع إذا تضمن أسباب البلاغة. ويشهد عندي للقول الأخير: أن معظم براعة كلام العرب في الشعر، ولا نجد في منثور قولهم ما نجد في منظومه، وإن كان قد أحدثت البراعة في الرسائل على حد لم يعهد في سالف أيام العرب، ولم ينقل في دواوينهم (٤) وأخبارهم. وهو، وإن ضيق نطاق القول، فهو يجمع حواشيه، ويضم / أطرافه ونواحيه، فهو إذا تهذب في بابه، ووفى (٥) له جميع أسبابه - لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب. وقد حكي عن " المتنبي " أنه كان ينظر في المصحف، فدخل إليه بعض أصحابه، فأنكر نظره فيه، لما كان رآه (٦) عليه من سوء اعتقاده، فقال له: هذا (٧) المكي على فصاحته كان مفحماً! ! فإن صحت هذه الحكاية عنه في إلحاده عرف بها (٨) أنه كان يعتقد أن الفصاحة في قول الشعر [أمكن] وأبلغ (٩) .

стр. 246

وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن، وبينا أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، ويتقدم في بلاغته على كل قول، بما يتضح به الأمر اتضاح الشمس، ويتبين به بيان الصبح - وقفت على جلية هذا الشأن. فانظر فيما نعرضه عليك (١) ، وتصور بفهمك ما نصوره، ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن، وتأمل ما نرتبه، ينكشف لك الحق. إذا أردنا (٢) تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة / متفق على كبر محلها، وصحة نظمها، وجودة بلاغتها، ورشاقة (٣) معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة، والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع (٤) خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي، يقرن بلفظ ملوكي، وغير ذلك من الوجوه التى يجئ تفصيلها، ونبين ترتيبها وتنزيلها. * * * فأما كلام " مسيلمة " الكذاب، وما زعم أنه قرآن، فهو أخس من أن نشتغل به، وأسخف من أن نفكر فيه. وإنما نقلنا منه طرفاً ليتعجب القارئ، وليتبصر الناظر، فإنه (٥) على سخافته قد أضل، وعلى ركاكته قد أزل، وميدان الجهل واسع! ومن نظر فيما نقلناه عنه، وفهم موضع جهله، كان جديراً أن يحمد الله على ما رزقه من فهم، وآتاه من علم. فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء: " والليل الاضخم، والذئب / الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم "! وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم أتوه من أصحابه!

стр. 247

وقال أيضاً، " والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس "! وكان يقول: " والشاء وألوانها، وأعجبها السود، وألبهانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تجتمعون " (١) ! وكان يقول: " ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين (٢) ، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الارض ولقريش نصفها، ولكن قريش (٣) قوم يعتدون "! وكان يقول: " والمبديات (٤) زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمناً، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه. "! / وقالت سجاج بنت الحارث بن عقبان - وكانت تتنبأ، فاجتمع مسيلمة معها - فقالت له: ما أوحي إليك؟ فقال: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى (٥) ، ما بين صفاق وحشا "! وقالت: فما بعد ذلك؟ قال: أوحي إلي: " إن الله خلق النساء أفواجاً، وجعل الرجال لهن أزواجاً، فنولج فيهن قعساً إيلاجاً، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجاً، فينتجن لنا سخالاً نتاجاً "! فقالت: أشهد أنك نبى (٦) ! ! ولم ننقل كل ما ذكر من سخفه، كراهية التثقيل. وروي: أنه سأل أبو بكر الصديق ﵁ أقواماً قدموا عليه من بني حنيفة، عن هذه الألفاظ؟ فحكوا بعض ما نقلناه، فقال أبو بكر: سبحان

стр. 248

الله! ويحكم، إن هذا الكلام لم يخرج عن إل (١) ، فأين كان يذهب بكم؟ ! ومعنى قوله: " لم يخرج عن آل ": أي عن ربوبية. / ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام (٢) ! * * * فنرجع الآن إلى ما ضمناه من الكلام على الأشعار المتفق على جودتها وتقدم أصحابها في صناعتهم، ليتبين لك تفاوت أنواع الخطاب وتباعد مواقع أنواع (٣) البلاغة، وتستدل على مواضع البراعة. وأنت (٤) لا تشك في جودة شعر " امرئ القيس " ولا ترتاب في براعته، ولا تتوقف في فصاحته، وتعلم أنه قد (٥) أبدع في طرق الشعر أموراً اتبع فيها، من ذكر الديار والوقوف عليها، إلى ما يصل بذلك: من البديع الذي أبدعه، والتشبيه الذي أحدثه، والمليح الذى تجد في شعره (٦) ، والتصرف الكثير الذي تصادفه في قوله، والوجوه التي / ينقسم إليها كلامه: من صناعة وطبع، وسلاسة وعفو (٧) ، ومتانة ورقة، وأسباب تحمد، وأمور تؤثر وتمدح. وقد ترى الادباء أو لا (٨) يوازنون بشعره فلاناً وفلاناً، ويضمون أشعارهم إلى شعره، حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه وبين شعره في أشياء لطيفة، وأمور بديعة، وربما فضلوهم عليه، أو سووا بينهم وبينه، أو قربوا موضع تقدمه عليهم (٩) ، وبرزوه بين أيديهم.

стр. 249

ولما اختاروا قصيدته في " السبعيات (١) ". أضافوا إليها أمثالها، وقرنوا بها نظائرها، ثم تراهم يقولون، لفلان لامية مثلها، ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته، وربما غبرت في وجهه في أشياء كثيرة (٢) ، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة. وإذا جاءوا إلى تعداد محاسن شعره، كان أمراً محصوراً، وشيئاً معروفاً. أنت تجد من ذلك البديع أو أحسن منه في شعر غيره، وتشاهد مثل ذلك البارع في كلام سواه، وتنظر إلى المحدثين كيف توغلوا إلى حيازة المحاسن، منهم من جمع رصانة الكلام إلى سلاسته، / ومتانته إلى عذوبته، والإصابة في معناه إلى تحسين بهجته، حتى إن منهم من قصر عنه في بعض، تقدم عليه في بعض، [وإن وقف دونه في حال، سبقه في أحوال، وإن تشبه به في أمر، ساواه في أمور] (٣) لأن الجنس الذي يرمون إليه، والغرض الذي يتواردون عليه، هو (٤) مما للآدمي فيه مجال، وللبشري فيه مثال، فكل يضرب فيه بسهم، ويفوز فيه بقدح، ثم قد تتفاوت السهام (٥) تفاوتاً، وتتباين تبايناً، وقد تتقارب تقارباً، على حسب مشاركتهم في الصنائع، ومساهمتهم في الحرف. " ونظم القرآن " جنس متميز (٦) ، وأسلوب متخصص، وقبيل عن النظير (٧) متخلص، فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه، فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبين لك من عواره، على التفصيل. وذلك قوله: قفا نَبكِ من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدَّخول فحومَلِ فَتُوضِحَ فالمِقْراة لم يعفُ رسمُها * لما نسجتها من جنوب وشمأل

стр. 250

/ الذين يتعصبون له ويدعون (١) محاسن الشعر، يقولون: هذا من البديع، لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر العهد والمنزل والحبيب، وتوجع واستوجع، كله في بيت، ونحو ذلك. وإنما بينا هذا لئلا يقع لك ذهابنا على مواضع المحاسن - إن كانت - ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة، إن وجدت. تأمل - أرشدك الله - وانظر - هداك الله: أنت تعلم أنه ليس في البيتين شئ قد سبق في ميدانه شاعراً، ولا تقدم به صانعا. وفى لفظه ومعناه خلل: فأول ذلك: أنه استوقف من يبكى لذكر الحبيب (٢) ، وذكراه لا تقتضي بكاء الخلي، وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا، على أن يبكي لبكائه ويرق لصديقه في (٣) شدة برحائه، فإما أن يبكي على حبيب صديقه، وعشيق رفيقه، فأمر محال. فإن كان المطلوب وقوفه وبكاؤه أيضا عاشقا، صح الكلام [من وجه] (٤) ، وفسد المعنى من وجه آخر! لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه، وأن يدعو غيره إلى التغازل عليه، والتواجد معه فيه! ثم في البيتين ما لا يفيد، من ذكر هذه المواضع، وتسمية هذه الأماكن: من " الدخول " و " حومل " و " توضح " و " المقراة " وسقط اللوى "، وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف بعض هذا. وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربا من العى! ثم إن قوله: " لم يعف رسمها "، ذكر الأصمعي من محاسنه: أنه باق فنحن نحزن على مشاهدته، فلو عفا لاسترحنا. وهذا بأن يكون من مساويه أولى، لأنه إن كان صادق الودّ، فلا يزيده
следующие страницы →