← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن، وبينا أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، ويتقدم في بلاغته على كل قول، بما يتضح به الأمر اتضاح الشمس، ويتبين به بيان الصبح - وقفت على جلية هذا الشأن. فانظر فيما نعرضه عليك (١) ، وتصور بفهمك ما نصوره، ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن، وتأمل ما نرتبه، ينكشف لك الحق. إذا أردنا (٢) تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة / متفق على كبر محلها، وصحة نظمها، وجودة بلاغتها، ورشاقة (٣) معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة، والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع (٤) خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي، يقرن بلفظ ملوكي، وغير ذلك من الوجوه التى يجئ تفصيلها، ونبين ترتيبها وتنزيلها. * * * فأما كلام " مسيلمة " الكذاب، وما زعم أنه قرآن، فهو أخس من أن نشتغل به، وأسخف من أن نفكر فيه. وإنما نقلنا منه طرفاً ليتعجب القارئ، وليتبصر الناظر، فإنه (٥) على سخافته قد أضل، وعلى ركاكته قد أزل، وميدان الجهل واسع! ومن نظر فيما نقلناه عنه، وفهم موضع جهله، كان جديراً أن يحمد الله على ما رزقه من فهم، وآتاه من علم. فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء: " والليل الاضخم، والذئب / الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم "! وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم أتوه من أصحابه!

стр. 247

وقال أيضاً، " والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس "! وكان يقول: " والشاء وألوانها، وأعجبها السود، وألبهانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تجتمعون " (١) ! وكان يقول: " ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين (٢) ، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الارض ولقريش نصفها، ولكن قريش (٣) قوم يعتدون "! وكان يقول: " والمبديات (٤) زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمناً، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه. "! / وقالت سجاج بنت الحارث بن عقبان - وكانت تتنبأ، فاجتمع مسيلمة معها - فقالت له: ما أوحي إليك؟ فقال: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى (٥) ، ما بين صفاق وحشا "! وقالت: فما بعد ذلك؟ قال: أوحي إلي: " إن الله خلق النساء أفواجاً، وجعل الرجال لهن أزواجاً، فنولج فيهن قعساً إيلاجاً، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجاً، فينتجن لنا سخالاً نتاجاً "! فقالت: أشهد أنك نبى (٦) ! ! ولم ننقل كل ما ذكر من سخفه، كراهية التثقيل. وروي: أنه سأل أبو بكر الصديق ﵁ أقواماً قدموا عليه من بني حنيفة، عن هذه الألفاظ؟ فحكوا بعض ما نقلناه، فقال أبو بكر: سبحان

стр. 248

الله! ويحكم، إن هذا الكلام لم يخرج عن إل (١) ، فأين كان يذهب بكم؟ ! ومعنى قوله: " لم يخرج عن آل ": أي عن ربوبية. / ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام (٢) ! * * * فنرجع الآن إلى ما ضمناه من الكلام على الأشعار المتفق على جودتها وتقدم أصحابها في صناعتهم، ليتبين لك تفاوت أنواع الخطاب وتباعد مواقع أنواع (٣) البلاغة، وتستدل على مواضع البراعة. وأنت (٤) لا تشك في جودة شعر " امرئ القيس " ولا ترتاب في براعته، ولا تتوقف في فصاحته، وتعلم أنه قد (٥) أبدع في طرق الشعر أموراً اتبع فيها، من ذكر الديار والوقوف عليها، إلى ما يصل بذلك: من البديع الذي أبدعه، والتشبيه الذي أحدثه، والمليح الذى تجد في شعره (٦) ، والتصرف الكثير الذي تصادفه في قوله، والوجوه التي / ينقسم إليها كلامه: من صناعة وطبع، وسلاسة وعفو (٧) ، ومتانة ورقة، وأسباب تحمد، وأمور تؤثر وتمدح. وقد ترى الادباء أو لا (٨) يوازنون بشعره فلاناً وفلاناً، ويضمون أشعارهم إلى شعره، حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه وبين شعره في أشياء لطيفة، وأمور بديعة، وربما فضلوهم عليه، أو سووا بينهم وبينه، أو قربوا موضع تقدمه عليهم (٩) ، وبرزوه بين أيديهم.

стр. 249

ولما اختاروا قصيدته في " السبعيات (١) ". أضافوا إليها أمثالها، وقرنوا بها نظائرها، ثم تراهم يقولون، لفلان لامية مثلها، ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته، وربما غبرت في وجهه في أشياء كثيرة (٢) ، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة. وإذا جاءوا إلى تعداد محاسن شعره، كان أمراً محصوراً، وشيئاً معروفاً. أنت تجد من ذلك البديع أو أحسن منه في شعر غيره، وتشاهد مثل ذلك البارع في كلام سواه، وتنظر إلى المحدثين كيف توغلوا إلى حيازة المحاسن، منهم من جمع رصانة الكلام إلى سلاسته، / ومتانته إلى عذوبته، والإصابة في معناه إلى تحسين بهجته، حتى إن منهم من قصر عنه في بعض، تقدم عليه في بعض، [وإن وقف دونه في حال، سبقه في أحوال، وإن تشبه به في أمر، ساواه في أمور] (٣) لأن الجنس الذي يرمون إليه، والغرض الذي يتواردون عليه، هو (٤) مما للآدمي فيه مجال، وللبشري فيه مثال، فكل يضرب فيه بسهم، ويفوز فيه بقدح، ثم قد تتفاوت السهام (٥) تفاوتاً، وتتباين تبايناً، وقد تتقارب تقارباً، على حسب مشاركتهم في الصنائع، ومساهمتهم في الحرف. " ونظم القرآن " جنس متميز (٦) ، وأسلوب متخصص، وقبيل عن النظير (٧) متخلص، فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه، فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبين لك من عواره، على التفصيل. وذلك قوله: قفا نَبكِ من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدَّخول فحومَلِ فَتُوضِحَ فالمِقْراة لم يعفُ رسمُها * لما نسجتها من جنوب وشمأل

стр. 250

/ الذين يتعصبون له ويدعون (١) محاسن الشعر، يقولون: هذا من البديع، لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر العهد والمنزل والحبيب، وتوجع واستوجع، كله في بيت، ونحو ذلك. وإنما بينا هذا لئلا يقع لك ذهابنا على مواضع المحاسن - إن كانت - ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة، إن وجدت. تأمل - أرشدك الله - وانظر - هداك الله: أنت تعلم أنه ليس في البيتين شئ قد سبق في ميدانه شاعراً، ولا تقدم به صانعا. وفى لفظه ومعناه خلل: فأول ذلك: أنه استوقف من يبكى لذكر الحبيب (٢) ، وذكراه لا تقتضي بكاء الخلي، وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا، على أن يبكي لبكائه ويرق لصديقه في (٣) شدة برحائه، فإما أن يبكي على حبيب صديقه، وعشيق رفيقه، فأمر محال. فإن كان المطلوب وقوفه وبكاؤه أيضا عاشقا، صح الكلام [من وجه] (٤) ، وفسد المعنى من وجه آخر! لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه، وأن يدعو غيره إلى التغازل عليه، والتواجد معه فيه! ثم في البيتين ما لا يفيد، من ذكر هذه المواضع، وتسمية هذه الأماكن: من " الدخول " و " حومل " و " توضح " و " المقراة " وسقط اللوى "، وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف بعض هذا. وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربا من العى! ثم إن قوله: " لم يعف رسمها "، ذكر الأصمعي من محاسنه: أنه باق فنحن نحزن على مشاهدته، فلو عفا لاسترحنا. وهذا بأن يكون من مساويه أولى، لأنه إن كان صادق الودّ، فلا يزيده

стр. 251

عفاء الرسوم إلا جدة عهد، وشدة وجد. وإنما فزع الأصمعي (١) إلى إفادته هذه الفائدة، خشية أن يعاب عليه، فيقال: أي فائدة لأن يعرفنا أنه لم يعف رسم منازل حبيبه؟ وأي معنى لهذا الحشو؟ فذكر ما يمكن أن يذكر، ولكن لم يخلصه - بانتصاره له - من الخلل. ثم في هذه الكلمة خلل آخر، لأنه عقب البيت بأن قال (٢) : * فهل عند رسم دارس من معول! * فذكر أبو عبيدة: أنه رجع فأكذب نفسه، كما قال زهير: / قف بالديار التي لم يعفُها القدمُ * نعم، وغيرها الارواح والديم (٣) وقال غيره: أراد بالبيت الأول أنه لم ينطمس أثره كله، وبالثاني أنه ذهب بعضه، حتى لا يتناقض الكلامان. وليس في هذا انتصار، لان معنى " عفا " و " درس " واحد، فإذا قال: " لم يعف رسمها " ثم قال: " قد عفا "، فهو تناقض لا محالة! واعتذار " أبي عبيدة " أقرب لو صح، ولكن لم يرد هذا القول مورد الاستدراك كما قاله (٤) زهير، فهو إلى الخلل أقرب. وقوله: " لما نسجتها "، كان ينبغي أن يقول: " لما نسجها " ولكنه تعسف فجعل " ما " في تأويل تأنيث (٥) ، لأنها في معنى الريح، والأولى التذكير دون التأنيث، وضرورة الشعر قد قادته إلى (٦) هذا التعسف. وقوله: " لم يعف رسمها " كان الأولى أن يقول: " لم يعف رسمه " لانه ذكر المنزل، فإن كان رد ذلك إلى هذه البقاع والاماكن

стр. 252

/ التي المنزل واقع بينها، فذلك خلل، لأنه إنما يريد صفة المنزل الذي نزله حبيبه، بعفائه، أو بأنه لم يعف دون ما جاوره. وإن أراد بالمنزل الدار حتى أنث، فذلك أيضاً خلل. ولو سلم من هذا كله ومما نكره ذكره كراهية التطويل - لم نشك في أن شعر أهل زماننا لا يقصر عن البيتين، بل يزيد عليهما ويفضلهما. * * * ثم قال: وقوفاً بها صحبي عليًّ مطيهمُ * يقولون: لا تهلك أسى وتحمل (١) وإن شفائي عبرةٌ مُهراقة * فهل عند رسمٍ دارس من مُعوَّل وليس في البيتين أيضاً معنى بديع، ولا لفظ حسن كالاولين. والبيت الاول منهما متعلق بقوله: " قفا نبك " فكأنه قال: قفا وقوف صحبي بها على مطيهم، أو: قفا حال وقوف صحبي. وقوله " بها ": متأخر في المعنى وإن تقدم في اللفظ، ففي ذلك تكلف وخروج عن (٢) اعتدال الكلام. والبيت الثاني مختل من جهة أنه قد جعل الدمع في اعتقاده شافياً / كافياً، فما حاجته بعد ذلك إلى طلب حيلة (٣) أخرى، وتحمل ومعول عند الرسوم؟ ولو أراد أن يحسن الكلام لوجب أن يدل (٤) على أن الدمع لا يشفيه لشدة ما به من الحزن، ثم (٥) يسائل: هل عند الربع من حيلة أخرى؟ * * * وقوله: كدأبك من أمٍٍّ الحُويرثِ قبلها * وجارتِها أمِ الرباب بمأسَل

стр. 253

إذا قامتا تضوَّع المسك منهما * نسيم الصَّبا جاءت بريا القرنفل (١) أنت لا تشك في أن البيت الأول قليل الفائدة، ليس له مع ذلك بهجة، فقد يكون الكلام مصنوع اللفظ، وإن كان منزوع المعنى! وأما البيت الثاني فوجه التكلف فيه قوله: * إذا قامتا تضوع المسك منهما * ولو أراد أن يجود أفاد أن بهما طيباً على كل حال، فأما في حال القيام فقط، فذلك تقصير! ! ! ثم فيه خلل آخر: لأنه بعد أن شبه عرفها بالمسك، شبه ذلك بنسيم القرنفل، وذكر ذلك بعد ذكر المسك نقص. / وقوله: " نسيم الصبا "، في تقدير المنقطع عن المصراع الأول، لم يصله به وصل مثله. * * * وقوله: ففاضت دموعُ العين مني صبابةً * على النحرِ حتى بَلَّ دمعي محمَلي ألا رُبَّ يومٍ لك مِنْهُنَّ صالحٍ * ولا سيما يوم بدارة جلجل (٢) / قوله (٣) : " ففاضت دموع العين "، ثم استعانته بقوله: " مني " استعانة ضعيفة عند المتأخرين في الصنعة، وهو حشو غير مليح ولا بديع. وقوله: " على النحر "، حشو آخر، لأن قوله: " بلَّ دمعي محملي " (٤) يغني عنه، ويدل عليه، وليس بحشو حسن ثم قوله: " حتى بل محملي " (٤) إعادة ذكره الدمع حشو آخر، وكان يكفيه أن يقول: " حتى بلت (٥) محملي، فاحتاج لإقامة الوزن إلى هذا كله. ثم تقديره أنه (٦) قد أفرط في إفاضة الدمع حتى بل محمله، تفريط

стр. 254

منه وتقصير، ولو كان أبدع لكان يقول: حتى بل دمعي مغانيهم وعراصهم ويشبه أن يكون غرضه إقامة الوزن والقافية: لان (١) / الدمع يبعد أن يبل المحمل، وإنما يقطر من الواقف والقاعد على الأرض أو على الذيل! ! وإن بله فلقلته وإنه لا يقطر. وأنت تجد في شعر الخبزرزي (٢) ما هو أحسن من هذا البيت وأمتن (٣) وأعجب منه. والبيت الثاني خال من المحاسن والبديع، خاو (٤) من المعنى، وليس له لفظ يروق، ولا معنى يروع، من طباع (٥) السوقة! فلا يرعك تهويله باسم موضع غريب. * * * وقال: ويوم عقرتُ للعذارى مطيتي * فيا عجباً من رحلها المتحمَّلِ فظل العذارى يرتمينَ بلحمِها * وشحم كهداب الدمقس المفتل / تقديره: اذكر يوم عقرت مطيتي، أو يرده (٦) على قوله: " يوم بدارة جلجل "، وليس في المصراع الأول من هذا البيت إلا سفاهته (٧) ! ! قال (٨) بعض الأدباء: قوله " يا عجباً " يعجبهم من سفهه في شبابه: من نحره لهن (٩) . وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعاً عن الأول، وأراد أن يكون الكلام ملائماً له. وهذا الذي ذكره بعيد. وهو منقطع عن الأول، وظاهره أنه يتعجب من

стр. 255

تحمل العذارى رحله! وليس في هذا تعجب كبير، ولا في نحر الناقة لهن تعجب! وإن كان يعنى به أنهن حملن رحله، وأن بعضهن حمله (١) ، فعبر عن نفسه برحله، فهذا قليلاً يشبه أن يكون عجباً، لكن الكلام لا يدل عليه، ويتجافى عنه. ولو سلم البيت من العيب لم يكن فيه شئ غريب (٢) ، ولا معنى بديع، أكثر من سفاهته (٣) ، مع قلة معناه، وتقارب أمره، ومشاكلته طبع المتأخرين من أهل زماننا! / وإلى هذا الموضع لم يمر له بيت رائع، وكلام رائق. وأما البيت الثاني فيعدونه حسناً، ويعدون التشبيه مليحا واقعا. وفيه شئ: وذلك أنه عرف اللحم ونكر الشحم، فلا يعلم (٤) أنه وصف شحمها، وذكر تشبيه أحدهما بشئ واقع [للعامة، ويجرى على ألسنتهم] (٥) ! وعجز عن تشبيه القسمة الأولى فمرت مرسلة! وهذا نقص في الصنعة، وعجز عن إعطاء الكلام حقه. وفيه شئ آخر من جهة (٦) المعنى: وهو: أنه وصف طعامه الذي أطعم من أضاف بالجودة، وهذا قد يعاب. وقد يقال: إن العرب تفتخر بذلك ولا يرونه عيباً، وإنما الفرس هم الذين يرون هذا عيبا شنيعا. وأما تشبيه الشحم بالدمقس، فشئ يقع للعامة ويجرى على ألسنتهم، فليس بشئ قد سبق إليه، وإنما زاد " المفتل " للقافية، وهذا (٧) مفيد، ومع ذلك فلست أعلم العامة تذكر هذه الزيادة، ولم يعد أهل الصنعة ذلك من البديع، ورأوه قريبا. وفيه شئ آخر [من جهة المعنى (٨) ] : وهو: أن تبجحه بما أطعم للأحباب مذموم، وإن سوغ التبجح بما أطعم للأضياف، إلا أن

стр. 256

/ يورد الكلام مورد المجون، وعلى طريق (١) أبي نواس في المزاح والمداعبة! * * * وقوله: ويوم دخلتُ الخِدْرَ خدِرَ عُنَيْزَةٍ * فقالت: لكَ الويلاتُ إِنَّك مُرجلي تقول وقد مالَ الغبيطُ بنا معاً: * عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل قوله (٢) : " دخلت الخدر خدر عنيزة "، ذكره تكريراً (٣) لإقامة الوزن، لا فائدة فيه غيره، ولا ملاحة له ولا رونق! وقوله في المصراع الأخير من هذا البيت: " فقالت لك الويلات إنك مرجلي " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من جهته إلى شعره! وليس فيه غير هذا (٤) ! ! وتكريره بعد ذلك: " تقول وقد مال الغبيط "، يعني قتب الهودج، بعد قوله: " فقالت لك الويلات إنك مرجلي ": لا فائدة فيه غير تقدير (٥) الوزن! وإلا فحكاية قولها الأول كاف، وهو في النظم قبيح، لأنه ذكر مرة: " فقالت "، ومرة: " تقول "، في معنى واحد، وفصل خفيف! وفى مصراع الثاني أيضاً تأنيث من كلامهن (٦) . / وذكر أبو عبيدة أنه قال: " عقرت بعيري "، ولم يقل ناقتي، لأنهم يحملون النساء على ذكور الإبل، لانها أقوى. وفى ذلك (٧) نظر، لأن الأظهر أن البعير اسم للذكر والأنثى، واحتاج إلى ذكر البعير لإقامة الوزن (٨) . * * * وقوله: فقلت لها: سيري وأرخي زمامَهُ * ولا تُبعديني من جَنَاك المعلَّل فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذى تمائم محول (٩)

стр. 257

البيت الأول قريب النسج، ليس له معنى بديع، ولا لفظ شريف، كأنه من عبارات المنحطين في الصنعة (١) . وقوله: " فمثلك حبلى قد طرقت "، عابه عليه أهل العربية ومعناه عندهم حتى يستقيم الكلام: فرب مثلك حبلى قد طرقت، وتقديره أنه زير نساء، وأنه يفسدهن ويلهيهن عن حبلهن ورضاعهن، لأن الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال! والبيت الثاني في الاعتذار والاستهتار (٢) والتهيام، وغير منتظم مع المعنى الذي قدمه في البيت الأول، لأن تقديره: لا تبعديني عن نفسك فإني أغلب النساء، وأخدعهن عن رأيهن، وأفسدهن / بالتغازل! وكونه مفسدة لهن لا يوجب له وصلهن وترك إبعادهن إياه، بل يوجب هجره والاستخفاف به، لسخفه ودخوله كل مدخل فاحش، وركوبه كل مركب فاسد!. وفيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من (٣) مثله، ويأنف من ذكره! ! * * * وقوله: إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشق وتحتي شقها لم يُحَوَّلِ (٤) ويوماً على ظهرِ الكثيبِ تعذرت * على وآلت حلفة لم تحلل فالبيت الأول غاية في الفحش، ونهاية في السخف، وأي فائدة لذكره لعشيقته كيف كان يركب هذه القبائح، ويذهب هذه المذاهب، ويرد هذه الموارد؟ ! إن هذا ليبغضه [إلى] (٥) كل من سمع كلامه، ويوجب له المقت! وهو - لو صدق - لكان قبيحاً، فكيف: ويجوز أن يكون كاذباً؟ ! ثم ليس في البيت لفظ بديع، ولا معنى حسن. وهذا البيت متصل بالبيت الذي قبله، من ذكر المرضع التي لها ولد محول.

стр. 258

/ فأما البيت الثاني وهو قوله: " ويوماً " يتعجب منه بأنها (١) تشددت وتعسرت (٢) عليه وحلفت عليه، فهو كلام ردئ النسج، لا فائدة لذكره لنا أن حبيبته تمنعت عليه يوماً بموضع يسميه ويصفه! وأنت تجد في شعر المحدثين من هذا الجنس في التغزل ما يذوب معه اللب، وتطرب عليه (٣) النفس. وهذا مما تستنكره النفس، ويشمئز منه القلب، وليس فيه شئ من الإحسان والحسن! ! * * * وقوله: أفاطم مهلاً بعضَ هذا التدلُّلِ * وإن كنتِ قد أزمعتَ صرمي فأجملي أغرك مني أن حبَّكِ قاتلي * وإنك مهما تأمري القلب يفعل فالبيت الأول فيه ركاكة جداً، وتأنيث ورقة، ولكن فيها تخنيث! ولعل قائلا [أن] (٤) يقول: إن كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل؟ وليس كذلك، لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم. / والمصراع الثاني منقطع عن الأول، لا يلائمه ولا يوافقه. وهذا يبين لك إذا عرضت (٥) معه البيت الذي تقدمه. وكيف ينكر عليها تدللها، والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلله؟ والبيت الثاني قد عيب عليه (٦) ، لأنه قد أخبر أن من سبيلها أن لا تغتر (٧) بما يريها من أن حبها يقتله، وأنها تملك قلبه فما أمرته فعله، والمحب إذا أخبر عن مثل هذا صدق.

стр. 259

وإن كان المعنى غير هذا الذي عيب عليه، وإنما ذهب مذهباً آخر، وهو: أنه أراد أن يظهر التجلد - فهذا خلاف ما أظهر من نفسه فيما تقدم من الأبيات، من الحب والبكاء على الأحبة، فقد دخل في وجه آخر من المناقضة والاحاطة في الكلام. ثم قوله: " تأمري القلب يفعل " معناه (١) تأمريني. والقلب لا يؤمر. والاستعارة في ذلك غير واقعة ولا حسنة (٢) . * * * / وقوله: فإن كنت قد ساءتكِ مني خليقةٌ * فسُلِّي ثيابي من ثيابك تَنْسَلِ وما ذرفتْ عيناكِ إلا لتَضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل البيت الأول قد قيل في تأويله: إنه ذكر الثوب وأراد البدن، مثل قول الله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (٣) . وقال أبو عبيدة: هذا مثل للهجر. وتنسل: تبين. وهو بيت قليل المعنى، ركيكه ووضيعه. وكل ما أضاف إلى نفسه ووصف به نفسه سقوط وسفه وسخف، يوجب (٤) قطعه. فلم لم يحكم على نفسه بذلك، ولكن يورده مورد أن ليست له خليقة توجب هجرانه والتفصى (٥) من وصله، وأنه مهذب الأخلاق، شريف الشمائل، فذلك يوجب أن لا ينفك من وصاله.

стр. 260

والاستعارة في المصراع الثاني فيها تواضع وتقارب، وإن كان غريبة (١) . / وأما البيت الثاني فمعدود من محاسن القصيدة (٢) وبدائعها. ومعناه: ما بكيت إلا لتجرحي قلباً معشراً - أي مكسراً - من قولهم: " برمة أعشار " إذا كانت قطعاً (٣) . هذا تأويل ذكره الأصمعي (٤) ، وهو أشبه عند أكثرهم. وقال غيره: وهذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليها. ويعني بسهميك: المعلى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ثلاثة أنصباء. فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع. ويعني بقوله: مقتل: مذلل (٥) . وأنت تعلم أنه على ما يعني به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة، لما فيها من التناقض الذي بينا. ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني، فزع إليه لأنه رأى اللفظ مستكرهاً على المعنى الأول، لأن القائل إذا قال: " ضرب / فلان بسهمه في الهدف "، بمعنى أصابه - كان كلاماً ساقطاً مرذولاً، وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها كالسهمين النافذين في إصابة قلبه المجروح، فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ضاربتين في قلبه. ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ، ولكنه يفسد المعنى ويختل (٦) ، لانه إن كان محبا (٧) - على ما وصف به نفسه من الصبابة - فقلبه كله لها، فكيف يكون بكاؤها هو الذى يخلص قلبه لها؟ ! واعلم بعد هذا أن البيت غير ملائم للبيت الأول، ولا متصل به في المعنى،

стр. 261

وهو منقطع عنه، لأنه لم يسبق كلام يقتضي بكاءها، ولا سبب يوجب ذلك، فتركيبة هذا الكلام على ما قبله في اختلال. ثم لو (١) سلم له بيت من عشرين بيتا، وكان بديعا ولا عيب فيه - فليس بعجيب، لأنه لا يدعي على مثله أن كلامه كله متناقض، ونظمه كله متباين. وإنما يكفي أن نبين أن ما سبق من كلامه إلى هذا البيت، مما لا يمكن أن يقال إنه يتقدم فيه أحداً من المتأخرين، فضلا عن المتقدمين. / وإنما قدم في شعره لأبيات قد برع فيها، وبان حذقه بها. وإنما أنكرنا أن يكون شعره متناسبا مع الجودة، ومتشابهاً في صحة المعنى واللفظ، وقلنا: إنه يتصرف بين وحشى غريب مستنكر، وعربية كالمهمل مستكرهة (٢) ، وبين كلام سليم متوسط، وبين عامي سوقي في اللفظ والمعنى، وبين حكمة حسنة، وبين سخف مستشنع. ولهذا قال الله عز اسمه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فِيه اخْتِلاَفاً كَثِيراً) (٣) . * * * فأما قوله: وبيضةِ خدرٍ لا يُرامُ خباؤُها * تمتعت من لهوٍ بها غير معجل تجاوزت أحراسا وأهوال معشر * على حراص لو يسرون مقتلي (٤) فقد قالوا: عني بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها، وهذه كلمة حسنة، ولكن لم يسبق إليها، بل هي دائرة في أفواه العرب، وتشبيه سائر. ويعني بقوله: " غير معجل ": أنه ليس ذلك مما يتفق قليلاً وأحياناً، بل يتكرر له الاستمتاع بها، وقد يحمله (٥) غيره على أنه / رابط الجأش، فلا (٦)

стр. 262

يستعجل إذا دخلها خوف حصانتها (١) ومنعتها. وليس في البيت كبير فائدة، لان (٢) الذى حكى في سائر أبياته قد تضمن مطاولته في المغازلة واشتغاله بها، فتكريره في هذا البيت مثل ذلك قليل المعنى، إلا الزيادة التي ذكر من منعتها، وهو - مع ذلك - بيت سليم اللفظ في المصراع الأول دون الثاني. والبيت الثاني ضعيف. وقوله: " لو يسرون مقتلي " أراد أن يقول: لو أسروا، فإذا نقله إلى هذا ضعف ووقع في مضمار الضرورة، والاختلال على نظمه بيّن، حتى إن المتأخر ليحترز (٣) من مثله. * * * وقوله: إذا ما الثُريا في السماء تعرضت * تعرض أثناء الوشاح المفصل (٤) قد أنكر عليه قوم قوله: " إذا ما الثريا في السماء تعرضت "، وقالوا: الثريا لا تتعرض (٥) ، حتى قال بعضهم: سمى الثريا وإنما أراد الجوزاء، لأنها تعرض، والعرب تفعل ذلك، كما قال زهير: " كأحمر / عاد " (٦) وإنما هو أحمر ثمود (٧) . وقال بعضهم في تصحيح قوله [إنما] تعرض: أول ما تطلع [وحين

стр. 263

تغرب] (١) ، كما أن الوشاح إذا طرح يلقاك بعرضه، وهو ناحيته (٢) . وهذا كقول الشاعر (٣) : تعرضت لي بمجاز خلٍ * تعرض المهرة في الطول (٤) يقول: تريك عرضها وهى في الرسن. / وقال أبو عمرو: يعني إذا أخذت الثريا في وسط السماء، كما يأخذ الوشاح وسط المرأة. والأشبه عندنا (٥) : أن البيت غير معيب من حيث عابوه به، وأنه من محاسن هذه القصيدة، ولولا أبيات عدة فيه لقابله ما شئت من شعر غيره، ولكن لم يأت فيه بما يفوت الشأو، ويستولي على الامد. أنت تعلم أنه ليس للمتقدمين ولا للمتأخرين في وصف شئ من النجوم مثل ما في وصف الثريا، وكل قد أبدع فيه وأحسن، فإما أن يكون قد عارضه أو زاد (٦) عليه. فمن ذلك قول ذي الرمة: وردت اعتسافاً والثريا كأنها * على قمة الرأس ابن ماء محلق (٧)

стр. 264

ومن ذلك قول ابن المعتز: وترى الثُريا في السماء كأنها * بيضاتُ أدحى يلُحْن بفدفد (١) وكقوله: كأن الثريا في أواخر ليلها * تفتحُ نَوْرٍ أو لجام مُفَضَّضِ (٢) وقوله أيضاً: فناوَلِنيها والثريا كأنها * جنى نرجس حيى الندامى به الساقي (٣) / وقول الأشهب بن رميلة: ولاحت لساريها الثريا كأنها * لدى الأفقِ الغربيِّ فرط مسلسلِ (٤) ولابن المعتز: وقد هوى النجمُ والجوزاءُ تتبعه * كذاتِ قُرطٍ أرادَتْهُ وقد سقطا (٥) أخذه من ابن الرومي في قوله: طيبٌٌ ريقُه إذا ذُقتَ فاه * والثريا بجانب الغربِ قُرطُ (٦) ولابن المعتز: قد سقاني المدام وال * صبح بالليل مؤتزر والثريا كنور غص * ن على الأرض قد نُثِر (٧) وقوله: وتروم الثريا * في السماء مراما (٨)

стр. 265

كانكبابِ طِمْرٍ * كاد يلقى لجاما ولابن الطثرية: إذا ما الثريا في السماء كأنها * جُمانٌ وهى من سلكه فتبددا (١) / ولو (٢) نسخت لك كل ما قالوا من البديع في وصف الثريا - لطال عليك الكتاب، وخرج (٣) عن الغرض، وإنما نريد أن نبين لك أن الإبداع في نحو هذا أمر قريب (٤) ، وليس فيه شئ غريب. وفي جملة ما نقلناه ما يزيد على تشبيهه (٥) في الحسن، أو يساويه، أو يقاربه (٦) . فقد علمت أن ما حلق (٧) فيه، وقدر المتعصب له أنه بلغ النهاية فيه - أمر مشترك، وشريعة مورودة، وباب واسع، وطريق مسلوك. وإذا كان هذا بيت القصيدة، ودرة القلادة، وواسطة العقد وهذا محله (٨) - فكيف بما تعداه؟ ! ثم فيه ضرب من التكلف، لأنه قال: " إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح "، فقوله: " تعرضت ": من الكلام الذى يستغنى عنه، لانه يشبه أثناء الوشاح [بالثريا] (٩) ، سواء كان في وسط السماء، أو عند الطلوع والمغيب، فالتهويل بالتعرض، والتطويل بهذه الألفاظ، لا معنى له. وفيه: أن الثريا كقطعة من الوشاح المفصل، فلا معنى لقوله " تعرض أثناء الوشاح "، وإنما أراد أن يقول: تعرض قطعة من / أثناء الوشاح، فلم يستقم له اللفظ، حتى شبه ما هو كالشئ الواحد بالجمع (١٠) . * * *

стр. 266

وقوله: فجئت وقد نَضَّت لنومٍ ثيابَها * لدى السِّتر إلا لبَسة المتفضِّلِ فقالت: يمينُ اللهِ مالك حيلة * وما إن أرى عنك الغواية تنجلي (١) انظر إلى البيت الأول والأبيات التي قبله، كيف خلط في النظم، وفرط في التأليف! فذكر التمتع بها، وذكر الوقت والحال والحراس - ثم ذكر (٢) كيف كان صفتها لما دخل عليها ووصل إليها، من نزعها ثيابها إلا ثوبا واحد والمتفضل: الذي في ثوب واحد، وهو الفضل، فما كان من سبيله أن يقدمه إنما ذكره مؤخراً. وقوله: " لدى الستر ": حشو، وليس بحسن ولا بديع، وليس في البيت حسن، ولا شئ يفضل لاجله. وأما البيت الثاني ففيه تعليق (٣) واختلال، ذكر الأصمعي أن معنى قوله " مالك حيلة "، أي ليست لك جهة تجئ فيها والناس أحوالى (٤) . / والكلام في المصراع الثاني منقطع عن الأول، ونظمه إليه فيه ضرب من التفاوت. * * * وقوله: فقمت بها أمشي تجُرُّ وراءنا * على إثرنا أذيال مِرطٍ مُرَجَّل فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * بنا بطنُ خُبتٍ ذي حقافٍ عقنقل (٥) البيت الاول [يذكر من محاسنه] (٦) : من مساعدتها إياه، حتى قامت معه ليخلوا، وأنها (٧) كانت تجر على الأثر أذيال مرط مرجل، والمرجل: ضرب من البرود، يقال لوشيه (٨) : الترجيل، وفيه تكلف. لانه قال: " وراءنا على

стр. 267

إثرنا "، ولو قال " على إثرنا " كان كافيا، والذيل إنما يجر (١) وراء الماشي، فلا فائدة لذكره " وراءنا "، وتقدير القول: فقمت أمشي بها، وهذا أيضاً ضرب من التكلف. وقوله " أذيال مرط "، كان من سبيله أن يقول: ذيل مرط. على أنه لو سلم من ذلك كان قريباً ليس مما يفوت بمثله غيره، ولا يتقدم به سواه. وقول ابن المعتز أحسن منه: / فبت أفرش خدي في الطريق له * ذلا وأسحب أكمامي على الاثر (٢) وأما البيت الثاني فقوله " أجزنا " بمعنى " قطعنا "، و " الخبت ": بطن من الارض، و " الحقف ": رمل منعرج، " العقنقل ": المنعقد من الرمل الداخل بعضه في بعض. وهذا بيت متفاوت (٣) مع الأبيات المتقدمة، لأن فيها ما هو سلس (٤) قريب يشبه كلام المولدين وكلام البذلة، وهذا قد أغرب فيه وأتى بهذه اللفظة الوحشية المتعقدة، وليس في ذكرها والتفضيل بإلحاقها بكلامه (٥) فائدة. والكلام الغريب واللفظة الشديدة المباينة (٦) لنسج الكلام قد تحمد إذا وقعت موقع الحاجة في وصف ما يلائمها، كقوله في وصف يوم القيامة: (يَوْمَاً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) (٧) . فأما إذا وقعت في غير هذا الموقع، فهي مكروهة مذمومة، بحسب ما تحمد في موضعها. وروي أن جريراً أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته (٨) : بان الخليطُ برامتينِ فودعوا * أو كلما جَدُّوا لبينٍ تجزعُ؟ / كيف العزاءُ ولم أجد مُذ بِنْتُمُ * قلباً يقرُّ ولا شراباً ينقع (٩) قال: وكان يزحف من حسن هذا الشعر، حتى بلغ قوله: وتقول بَوْزَعُ: قد دببت على العصا * هلاّ هزِئتِ بغيرنا يابوزع

стр. 268

فقال: أفسدت شعرك بهذا الاسم! ! * * * وأما قوله: هصرتُ بغصني دوحةٍ فتمايلت * عليّ هضيم الكشحِ ريا المخلخَل (١) مهفهفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضةٍ * ترائِبُها مصقولة كالسجنجل فمعنى قوله " هصرت ": جذبت وثنيت. وقوله " بغصني دوحة "، تعسف، ولم يكن من سبيله أن يجعلهما اثنين. والمصراع الثاني أصح، وليس فيه شئ إلا ما يتكرر على ألسنة الناس من هاتين الصفتين. وأنت تجد ذلك في وصف كل شاعر، ولكنه - مع تكرره على الألسن - صالح. وأما معنى قوله " مهفهفة ": أنها مخففة ليست مثقلة. و" المفاضة ": التي اضطرب طولها. والبيت - مع مخالفته في الطبع الأبيات المتقدمة، ونزوعه فيه (٢) / إلى الألفاظ المستكرهة، وما فيه من الخلل، من تخصيص الترائب بالضوء، بعد ذكر جميعها بالبياض - فليس بطائل، ولكنه قريب متوسط. * * * وقوله: تَصُدُّ وتُبدي عن أسيل وتتقي * بناظرةٍ من وحشِ وجرةَ مُطفلِ وجيدٍ كجيد الرِّيم ليس بفاحشٍ * إذا هي نصته ولا بمعطل معنى قوله " عن أسيل ": أي بأسيل، وإنما يريد خدا ليس بكز. وقوله "، تتقى " يقال: اتقاه بحقه (٣) أي جعله بينه وبينه.

стр. 269

وقوله: " تصد وتبدي عن أسيل ": متفاوت، لأن الكشف عن الوجه مع الوصل دون الصد. وقوله: " تتقي بناظرة ": لفظة مليحة، ولكن أضافها إلى ما نظم به (١) كلامه، وهو مختل، وهو قوله: " من وحش وجرة "! وكان يجب أن تكون العبارة بخلاف هذا، كان من سبيله أن يضيف إلى عيون الظباء أو المها دون إطلاق الوحش، ففيهن ما تستنكر عيونها. / وقوله " مطفل " فسروه على أنها ليست بصبية، وأنها قد استحكمت، وهذا اعتذار متعسف. وقوله " مطفل ": زيادة لا فائدة فيها على هذا التفسير الذي ذكره الأصمعي. ولكن قد يحتمل - عندي - أن يفيد (٢) غير هذه الفائدة، فيقال: إنها إذا كانت مطفلاً لحظت أطفالها بعين رقة، ففي نظر هذه رقة نظر المودة، ويقع الكلام معلقاً تعليقاً متوسطا. وأما البيت الثاني فمعنى قوله: " ليس بفاحش ": أي ليس بفاحش الطول. ومعنى قوله: " نصته ": رفعته. ومعنى قوله: " ليس بفاحش " - في مدح الأعناق - كلام فاحش موضوع منه! وإذا نظرت في أشعار العرب رأيت في وصف الأعناق ما يشبه السحر، فكيف وقع على هذه الكلمة، ودفع إلى هذه اللفظة؟ ! وهلاّ قال كقول أبي نواس: مثلُ الظباء سمت إلي * روض صوادر عن غدير (٣) * * * ولست أطول عليك فتسثقل، ولا أكثر القول في ذمة فتستوحش. / وأكلك الآن إلى جملة من القول، فإن كنت من أهل الصنعة، فطنت واكتفيت وعرفت ما رمينا إليه واستغنيت. وإن كنت عن الطبقة خارجاً، وعن (٤) الإتقان بهذا الشأن خالياً - فلا يكفيك البيان، وإن (٥) استقرينا جميع شعره، وتتبعنا عامة ألفاظه، ودللنا (٦) على ما في كل حرف منه.

стр. 270

اعلم أن هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذلة، وأبيات متوسطة، وأبيات ضعيفة مرذولة، وأبيات وحشية غامضة مستكرهة، وأبيات معدودة بديعة. وقد دللنا (١) على المبتذل منها، ولا يشتبه عليك الوحشي المستنكر، الذي يروع السمع، ويهول القلب، ويكد اللسان، ويعبس معناه في وجه كل خاطر، ويكفهر مطلعه على كل متأمل أو ناظر، ولا يقع بمثله التمدح (٢) والتفاصح. وهو مجانب لما وضع له أصل الإفهام، ومخالف لما بني عليه التفاهم بالكلام. فيجب أن يسقط عن الغرض المقصود، ويلحق باللغز والاشارات المستبهمة. * * * فأما الذى زعموا أنه من بديع الشعر، فهو قوله: ويضحي فتيتُ المسكِ فوق فراشها * نؤوم الضُحى لم تنتطقْ عن تفضل والمصراع الأخير عندهم بديع، ومعنى ذلك: أنها مترفة متنعمة، لها من يكفيها. ومعنى قوله: " لم تنتطق عن تفضل "، يقول: لم تنتطق وهى فضل (٣) و " عن " هي بمعنى " بعد ". قال أبو عبيدة: لم تنتطق فتعمل، ولكنها تتفضل. * * * ومما يعدونه من محاسنها: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله * على بأنواع الهموم ليبتلى. (٤)

стр. 271

/ فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكلِ: ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجل * بصبح، وما الاصباح فيك بأمثل (١) وكان بعضهم يعارض هذا بقول النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطئ الكواكبٍ وصدر أراح الليلُ عازبَ همه * تضاعفَ فيه الحزنُ من كلِّ جانب تقاعسَ حتى قلتُ: ليس بمنقضٍ * وليس الذي يتلو النجوم بآيب (٢) وقد جرى ذلك بين يدي بعض (٣) الخلفاء، فقدمت أبيات امرئ القيس، واستحسنت استعارتها (٤) ، وقد جعل لليل صدراً يثقل تنحيه، ويبطئ تقضيه، وجعل له أردافاً كثيرة، وجعل له صلباً يمتد ويتطاول، ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام / من الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة (٥) ، ورأوا أن الألفاظ جميلة. واعلم أن هذا صالح جميل، وليس من الباب الذي يقال: إنه متناه عجيب، وفيه إلمام بالتكلف، ودخول في التعمل. * * * وقد خرجوا له في البديع من القصيدة قوله: وقد اغتدي والطير في وكناتها * بمنجردٍ قيد الاوابد هيكل

стр. 272

مكر مفر مقبل مدبر معا * كجلمود ضخر حطه السبل من عل (١) وقوله أيضا: له أبطلا ظبي وساقا نعامة * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (٢) فأما قوله " قيد الأوابد "، فهو مليح، ومثله في كلام الشعراء وأهل الفصاحة كثير، والتعمل بمثله (٣) ممكن. وأهل زماننا الآن يصنفون نحو هذا تصنيفا، ويؤلفون المحاسن تأليفا، يوشحون به كلامهم. والذين كانوا من قبل - لغزارتهم (٤) - / وتمكنهم - لم يكونوا يتصنعون لذلك، وإنما كان يتفق لهم اتفاقاً، ويطرد في كلامهم اطرادا. وأما قوله في وصفه: " مكر مفر "، فقد جمع فيه طباقاً وتشبيهاً. وفي سرعة جري الفرس للشعراء ما هو أحسن من هذا وألطف. وكذلك في جمعه بين أربعة وجوه من التشبيه في بيت واحد - صنعة. ولكن قد عورض فيه وزوحم [عليه] (٥) والتوصل إليه يسير، وتطلبه (٦) سهل قريب. وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتاً بيناً في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال، والتمكن [والاستصعاب] (٧) والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء في نظائرها، ومنازعون في محاسنها، ومعارضون في بدائعها. ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة، ويذوب تارة، ويتلون تلون الحرباء، ويختلف اختلاف الاهواء، ويكثر في تصرفه اضطرابه، وتتفاذف (٨) به أسبابه. وبين قول يجري في سبكه على نظام، وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد، وفي صفائه على باب، وفى

стр. 273

/ بهجته ورونقه على طريق، مختلفة مؤتلف، ومؤتلفه متحد، ومتباعده متقارب، وشارده مطيع، ومطيعه شارد. وهو على متصرفاته واحد، لا يستصعب في حال، ولا يتعقد في شأن. * * * وكنا أردنا أن نتصرف في قصائد مشهورة، فنتكلم عليها، وندل على معانيها ومحاسنها، ونذكر لك من فضائلها ونقائصها، ونبسط لك القول في هذا الجنس، ونفتح عليك في هذا النهج (١) . ثم رأينا هذا خارجاً عن غرض كتابنا، والكلام فيه يتصل بنقد الشعر وعياره، ووزنه بميزانه (٢) ومعياره، ولذلك كتب وإن لم تكن مستوفاة، وتصانيف وإن لم تكن مستقصاة. وهذا القدر يكفى في كتابنا، ولم نحب أن ننسخ (٣) لك ما سطره الأدباء في خطأ امرئ القيس في العروض والنحو والمعاني، وما عابوه عليه (٤) في أشعاره، وتكلموا به على ديوانه. لأن ذلك أيضاً خارج عن غرض كتابنا، ومجانب لمقصوده. وإنما أردنا أن نبين الجملة (٥) التي بيناها. لتعرف أن طريقة الشعر / شريعة مورودة، ومنزلة مشهودة، يأخذ منها أصحابها على مقادير أسبابهم، ويتناول منها ذووها على حسب أحوالهم. وأنت تجد للمتقدم معنى قد طمسه المتأخر بما أبَّر عليه فيه، وتجد للمتأخر معنى قد أغفله المتقدم، وتجد معنى قد توافدا عليه، وتوافياً إليه، فهما فيه شريكا عنان، وكأنهما فيه (٦) رضيعا لبان، والله يؤتي فضله من يشاء. * * * فأما (٧) نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته، وتحار في بحره (٨) ، وتضل في وصفه.

стр. 274

ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض، وتستولي به على الأمد، وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس، وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن الفجر، وأقرب عليك الغامض، وأسهل لك العسير. واعلم أن هذا علم شريف المحل، عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب، ليست له عشيرة تحميه، ولا أهل عصمة تفطن لما / فيه. وهو أدق من السحر، وأهول من البحر، وأعجب من الشعر. وكيف لا يكون كذلك: وأنت تحسب أن وضع " الصبح " في موضع " الفجر " يحسن في كل كلام إلا أن يكون شعراً أو سجعاً؟ وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع، وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه، وتضرب بجرانها، وتراها في مظانها، وتجدها فيه غير منازعة إلى أوطانها، وتجد الأخرى - لو وضعت موضعها - في محل نفار، ومرمى شراد، ونابية عن استقرار (١) . ولا أكثر عليك المثال، ولا أضرب لك فيه الأمثال، وأرجع بك إلى ما وعدتك (٢) من الدلالة، وضمنت لك من تقريب المقالة. فإن كنت لا تعرف الفصل الذي بينا بين اللفظتين على اختلاف مواقع الكلام، ومتصرفات مجارى النظام، لم تستفد مما نقر به عليك شيئاً، وكان التقليد أولى بك، والاتباع أوجب عليك. ولكل شئ سبب، ولكل علم طريق، ولا سبيل إلى الوصول إلى الشئ من غير طريقه، ولا بلوغ غايته من غير سبيله. * * * / خذ الآن - هداك الله - في تفريغ (٣) الفكر، وتخلية البال، وانظر فيما نعرض عليك، ونهديه إليك، متوكلاً على الله، ومعتصماً به، ومستعيذا به، من الشيطان الرجيم، حتى تقف على إعجاز القرآن العظيم.

стр. 275

سماه الله عز ذكره " حكيما " و " عظيما " و " مجيدا ". وقال: (لاَ يَأْتِيِه الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد) (١) . وقال: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأيتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيةِ اللهِ، وَتِلْكَ الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) (٢) . وقال: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى، بل لله الامر جميعا) (٣) . وقال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ والْجنُّ عَلَى أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (٤) . وأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين القزويني، حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن عثمان، حدثنا أبو يوسف الصيدلانى، حدثنا محمد بن سلمة، / عن أبى سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، قال: قيل: يا رسول الله، إن أمتك ستفتتن من بعدك، فسأل أو سئل: ما المخرج من ذلك؟ فقال: " بكتاب الله العزيز الذي لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطلُ مِنْ بَيْنِ يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حَمِيدٍ، من ابتغى العلم في غيره أضله الله، ومن ولي هذا من جبار فحكم بغيره قصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم. فيه خبر من قبلكم، وتبيان من بعدكم، وهو فصل، ليس بالهزل. وهو الذى (لما) سمعته الجن قالوا: (إنا سعمنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فآمَنْا بِهِ) (٥) لا يخلق على طول الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه (٦) . وأخبرني أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر بن عبد الوهاب،

стр. 276

أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن عبيدة (١) ، عن أسامة بن أبي عطاء (٢) ، قال: أرسل النبي صلى الله / عليه وسلم إلى علي ﵁ في ليلة، فذكر نحو ذلك في المعنى، وفى بعض ألفاظه اختلاف. وأخبرنا أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر بن عبد الوهاب، أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن بشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة، ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة، ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه ". وذكر الحديث (٣) . * * * ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره، وجلل الآفاق ضياؤه، ونفذ في العالم حكمه، وقبل في الدنيا رسمه، وطمس ظلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق، ممدود الأطناب، مبسوط الباع، مرفوع العماد ليس على الأرض من يعرف الله حق معرفته، / أو يعبده حق عبادته، أو يدين بعظمته، أو يعلم علو جلالته، أو يتفكر في حكمته. فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره، من أنه نور، فقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من

стр. 277

نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مستقيم) (١) فانظر إشئت - إلى شريف هذا النظم، وبديع هذا التأليف، وعظيم هذا الرصف (٢) ، كل كلمة من هذه الآية تامة، وكل لفظ بديع واقع. قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا) : يدل على صدوره من الربوبية، ويبين عن وروده عن الآلهية. وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها (٣) كل واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير - تميز عن جميعه، وكان واسطة عقده، وفاتحة عقده، وغرة شهره، وعين دهره. وكذلك قوله: (وَلَكَنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ من نشاء من عبادنا) ، فجعله روحا، لانه يحيي (٤) ، الخلق، فله فضل الأرواح في الأجساد. وجعله نورا، لانه يضئ ضياء الشمس في الآفاق. ثم أضاف وقوع / الهداية به إلى مشيئته، ووقف وقوع (٥) الاسترشاد به على إرادته، وبيّن أنه لم يكن ليهتدي إليه لولا توفيقه، ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه، وإنه لم يكن ليهتدي - فكيف كان يهدي - لولاه، فقد صار (٦) يهدي، ولم يكن (٦) من قبل ذلك ليهتدي (٧) ، فقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السموات وما في الأَرضِ، أَلاَ إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) (٨) . فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث: فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان، وقوله: (أَلاَ إِلى اللَّهِ تَصِيْرُ الأُمُورُ) كلمة منفصلة مباينة للاولى، قد صيرهما شريف النظم أشد ائتلافاً من الكلام المؤالف، وألطف انتظاماً من الحديث الملائم. وبهذا يبين فضل الكلام، وتظهر فصاحته وبلاغته. الأمر أظهر - والحمد لله - والحال أبين من أن يحتاج إلى كشف.

стр. 278

تأمل قوله: (فَالِقُ الإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناُ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (١) . / أنظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها، واحتج بها على ظهور قدرته، ونفاذ أمره، أليس كل كلمة منها في نفسها غرة؟ وبمنفردها (٢) درة؟ وهو - مع ذلك - يبين أنه يصدر من علو الأمر، ونفاذ القهر، ويتجلى في بهجة القدرة، ويتحلى بخالصة العزة، ويجمع السلاسة إلى الرصانة، والسلامة إلى المتانة، والرونق الصافي، والبهاء الضافي. ولست أقول: إنه شمل الإطباق المليح، والإيجاز اللطيف، والتعديل والتمثيل، والتقريب والتشكيل - وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه - لأن العجيب ما بينا من انفراد كل كلمة بنفسها، حتى تصلح أن تكون عين رسالة أو خطبة، أو وجه قصيدة أو فقرة. فإذا ألفت ازدادت [به] حسنا [وإحسانا] (٣) ، وزادتك - إذا تأملت - معرفة وإيمانا. * * * ثم تأمل قوله: (وَآيةٌ لهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ منه النهار فإذا هم مُّظْلِمُونَ. وَالْشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لّهَا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ) (٤) هل تجد / كل لفظة، وهل تعلم كل كلمة، تستقل بالاشتمال على نهاية البديع، وتتضمن شرط القول البليغ؟ فإذا كانت الآية تنتظم من البديع، وتتألف من البلاغات، فكيف لا تفوت

стр. 279

حد المعهود، ولا تجوز (١) شأو المألوف؟ وكيف (١) لا تحوز قصب السبق، ولا تتعالى عن كلام الخلق؟ ثم أقصد إلى سورة تامة، فتصرف في معرفة قصصها، وراع ما فيها من براهينها وقصصها. تأمل السورة التي يذكر فيها " النمل " وانظر في كلمة كلمة، وفصل فصل. بدأ بذكر السورة، إلى أن بين أن القرآن من عنده، فقال: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (٣) . ثم وصل بذلك قصة موسى ﵇، وأنه رأى ناراً، (فقال لأهله: امكثوا إِنّيِ آنَسْتُ نَاراً، سَأَتِيكُم منها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكُم بِشهابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (٤) . وقال في سورة طه في هذه القصة: (لَعَّلَّيِ آتِيكُم مِنْها بِقَبَسٍ / أَوْ أَجدُ على النار هدى) (٥) . وفى موضع: (لعلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (٦) . قد (٧) تصرف في وجوه، وأتى بذكر القصة على ضروب، ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك. ولهذا قال: (فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) (٨) . ليكون أبلغ في تعجيزهم، وأظهر للحجة عليهم. وكل كلمة من هذه الكلمات، وإن أنبأت عن قصة، فهى بليغة بنفسها، تامة في معناها. ثم قال: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ رب العالمين) (٩) فانظر إلى ما أجرى له (١٠) الكلام، من علو أمر هذا النداء، وعظم شأن

стр. 280

هذا الثناء (١) ، وكيف انتظم مع الكلام الأول، وكيف اتصل بتلك المقدمة، وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية، وما دل به عليها من قلب العصا حية، وجعلها دليلاً يدله عليه، ومعجزة تهديه إليه؟ / وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة، ثم ما شفع به هذه الآية، وقرن به هذه الدلالة: من اليد البيضاء - عن نور البرهان - من غير سوء. ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة: هل تجدها كما وصفنا: من عجيب النظم، وبديع الرصف؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال (٢) غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها: [مما] (٣) تجري في الحسن مجراها، وتأخذ في معناها؟ ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب، من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور (٤) لك الفصل وصلا، ببديع (٥) التأليف، وبليغ التنزيل. * * * وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين، وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق - فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص، وحديث من هذه الأحاديث، فعبر عنه بعبارة من جهتك، وأخبر عنه بألفاظ من عندك، حتى ترى فيما جئت به (٦) النقص الظاهر، وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر. / ولذلك (٧) أعاد قصة موسى في سور، وعلى طرق شتى، وفواصل مختلفة، مع اتفاق المعنى. فلعلك ترجع إلى عقلك، وتستر (٨) ما عندك، إن غلطت في أمرك، أو ذهبت في مذاهب وهمك، أو سلطت على نفسك وجه ظنك.

стр. 281

متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر (١) آية في أشياء مختلفة، فيجعلها مؤتلفة، من غير أن يبين على كلامه إعياء الخروج والتنقل، أو يظهر على خطابه آثار التكلف (٢) والتعمل؟ وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - متى (٣) يظفر بمثل تلك الكلمات الإفراد، والألفاظ الأعلام، حتى يجمع بينها، فيجلو (٤) فيها فقرة من كلامه، وقطعة من قوله. ولو اتفق له في أحرف معدودة، وأسطر قليلة، فمتى يتفق له في قدر ما نقول: إنه (٥) من القرآن معجر؟ هيهات هيهات! إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة. / متى (٦) تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان ﵇، بعد ذكر العنوان والتسمية، هذه الكلمة الشريفة العالية: (أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (٧) . والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير، واشتغلت به من المشورة، ومن تعظيمها أمر المستشار، ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها (٨) ، بتلك الألفاظ البديعة، والكلمات العجيبة البليغة. ثم كلامها بعد ذلك، [ألا] تعلم (٩) تمكن قولها: (يَا أَيُّهَا الْملأُ أََفْتُونِي في أَمْرِي، مَا كُنتُ قَاطِعةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (١٠) . وذكر قولهم: (قَالُوا: نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَالأَمْرُ إِلَيْكِ، فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (١١) ، لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع (١٢) مما وصفهم به. وقوله: (والامر إليك) ، تعلم براعته بنفسه، وعجيب معناه، وموضع

стр. 282

اتفاقه في هذا الكلام، وتمكن الفاصلة (١) ، وملاءمته لما قبله، وذلك قوله: (فانظري ماذا تأمُرِينَ؟) . / ثم إلى هذا الاختصار، وإلى البيان مع الإيجاز. فإن الكلام قد يفسده الاختصار، ويعميه التخفيف منه والإيجاز، وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه، ويتضمن الإيجاز منه تصرفاً يتجاوز محله وموضعه. وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الإفهام، ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من (٢) التمام، ثم لو وقع على الافهام [والتمام، أخل بما] (٣) يجب فيه من شروط الأحكام، أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام. ثم لو ظفرت بذلك كله، رأيته ناقصاً في وجه الحكمة، أو مدخولاً في باب السياسة، أو مضعوفا (٤) في طريق السيادة، أو مشترك العبارات إن كان مستجود المعنى، [أو مستجود العبارة مشترك المعنى] (٥) ، أو جيد البلاغة مستجلب (٦) المعنى، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى، أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة، أو مستبهم الجانب مستكره الوضع. وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد، وإذا اختصر كمل في بابه وجاد، وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف / خاطره (٧) ، وبعث العليم في أطرافه عيون مباحثه، لم يقع إلا على محاسن تتوالى، وبدائع تترى (٨) . ثم فكر بعد ذلك في آية آية، أو كلمة كلمة، في قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا، وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أّذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٩)) . هذه الكلمات الثلاث، كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره، وكالياقوت

стр. 283

يتلألأ بين شذوره. ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهى الكلمة الثالثة - وحسن موقعها، وعجيب حكمتها (١) . ، وبارع معناها. وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الأمر، ولكني قد بينت بما فسرت، وقررت بما فصلت - الوجه الذي سلكت، والنحو الذي قصدت، والغرض الذي إليه رميت، والسمت الذى إليه دعوت. ثم فكر بعد ذلك في شئ أدلك عليه: وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز، في مواقع الآيات القصيرة، والطويلة، والمتوسطة. / فأجل الرأي في سورة سورة، وآية آية، وفاصلة فاصلة، وتدبر الخواتم، والفواتح، والبوادى (٢) والمقاطع، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع التنقل والتحول، ثم اقضِ ما أنت قاضٍ. وإن طال عليك تأمل الجميع، فاقتصر على سورة واحدة، أو على بعض سورة (٣) . * * * ما رأيك في قوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعَاً، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُم، يُذَبِّحُ أَبناءَهُم، ويَسْتَحْييِ نِسَاءَهُم، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (٥) ؟ هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. وهي تشتمل على جملة وتفصيل، [وجامعة] (٥) وتفسير: ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي (٦) النساء، وإذا تحكم في هذين الامرين فما ظنك بما دونهما! ؟ لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور.

стр. 284

/ ثم ذكر الفاصلة التى أو غلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره. ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) (١) . وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس. كما أن قوله: (وَاْبتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلاَ تَنْسَ نَصيبَك مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلاّ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الْمُفسِدِينَ) (٢) . وهي خمس كلمات، متباعدة في المواقع، نائية المطارح، قد جعلها النظم البديع أشد تألفا (٣) من الشئ المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقاً من المتطابق في أول الوضع. ومثل هذه الآية قوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة، سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالى عَمَا يُشْرِكُونَ) (٤) . ومثلها: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهمُ لَم تُسْكَن مِن بَعْدِهم إِلاَ قَليلاُ، وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثينَ) (٥) . / ومن المؤتلف قوله: (فَخَسْفنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) (٦) . وهذه ثلاث كلمات، كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر. ومن الباب الآخر (٧) قوله تعالى: (وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، لا إله إلا هو، كل شئ هالك إِلاَّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ، وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ) (٨) . * * * كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها، لم تستوف ما استوفته. ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم،

стр. 285

ونفور الطبع، وشراد (١) الكلام، وتهافت القول، وتمنع جانبه، وقصورك في الإيضاح عن واجبه. ثم لا تقدر على أن تنتقل من قصة إلى قصة، وفصل إلى فصل، حتى تتبتر (٢) عليك مواضع الوصل، وتستصعب عليك أماكن الفصل، ثم لا يمكنك أن تصل بالقصص مواعظ زاجرة، وأمثالاً سائرة وحكماً جليلة، وأدلة على التوحيد بينة، وكلمات في التنزية والتحميد (٣) شريفة. / وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك، فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص؟ إنك لتراه إذا جاء إلى وصف وقعة (٤) ، أو نقل خبر، عاميَّ الكلام، سوقي الخطاب، مسترسلاً في أمره، متساهلاً في كلامه، عادلاً عن المألوف من طبعه، وناكباً عن المعهود في سجيته. فإن اتفق له في قصة كلام جيد، كان قدر ثنتين أو ثلاثة، وكان ما زاد عليها حشواً، وما تجاوزها لغواً. ولا أقول: إنها تخرج من عادته عفواً، لأنه يقصر عن العفو، ويقف دون العرف، ويتعرض للركاكة. فإن لم تقنع بما قلت لك من الآيات (٥) ، فتأمل غير ذلك من السور (٦) ، هل تجد الجميع على ما وصفت لك؟ لو لم تكن إلا سورة واحدة لكفت في الإعجاز، فكيف بالقرآن العظيم؟ ولو لم يكن إلا حديث من سورة لكفى، وأقنع وشفى. ولو عرفت قدر قصة موسى وحدها من سورة الشعراء، لما طلبت بينة سواها. بل قصة من قصصه، وهي قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي، إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ) (٧) إلى قوله: (فَأَخْرَجْنَاهُم مِن جَنَّاتٍ / وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ
следующие страницы →