← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر (١) آية في أشياء مختلفة، فيجعلها مؤتلفة، من غير أن يبين على كلامه إعياء الخروج والتنقل، أو يظهر على خطابه آثار التكلف (٢) والتعمل؟ وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - متى (٣) يظفر بمثل تلك الكلمات الإفراد، والألفاظ الأعلام، حتى يجمع بينها، فيجلو (٤) فيها فقرة من كلامه، وقطعة من قوله. ولو اتفق له في أحرف معدودة، وأسطر قليلة، فمتى يتفق له في قدر ما نقول: إنه (٥) من القرآن معجر؟ هيهات هيهات! إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة. / متى (٦) تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان ﵇، بعد ذكر العنوان والتسمية، هذه الكلمة الشريفة العالية: (أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (٧) . والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير، واشتغلت به من المشورة، ومن تعظيمها أمر المستشار، ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها (٨) ، بتلك الألفاظ البديعة، والكلمات العجيبة البليغة. ثم كلامها بعد ذلك، [ألا] تعلم (٩) تمكن قولها: (يَا أَيُّهَا الْملأُ أََفْتُونِي في أَمْرِي، مَا كُنتُ قَاطِعةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (١٠) . وذكر قولهم: (قَالُوا: نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَالأَمْرُ إِلَيْكِ، فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (١١) ، لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع (١٢) مما وصفهم به. وقوله: (والامر إليك) ، تعلم براعته بنفسه، وعجيب معناه، وموضع

стр. 282

اتفاقه في هذا الكلام، وتمكن الفاصلة (١) ، وملاءمته لما قبله، وذلك قوله: (فانظري ماذا تأمُرِينَ؟) . / ثم إلى هذا الاختصار، وإلى البيان مع الإيجاز. فإن الكلام قد يفسده الاختصار، ويعميه التخفيف منه والإيجاز، وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه، ويتضمن الإيجاز منه تصرفاً يتجاوز محله وموضعه. وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الإفهام، ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من (٢) التمام، ثم لو وقع على الافهام [والتمام، أخل بما] (٣) يجب فيه من شروط الأحكام، أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام. ثم لو ظفرت بذلك كله، رأيته ناقصاً في وجه الحكمة، أو مدخولاً في باب السياسة، أو مضعوفا (٤) في طريق السيادة، أو مشترك العبارات إن كان مستجود المعنى، [أو مستجود العبارة مشترك المعنى] (٥) ، أو جيد البلاغة مستجلب (٦) المعنى، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى، أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة، أو مستبهم الجانب مستكره الوضع. وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد، وإذا اختصر كمل في بابه وجاد، وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف / خاطره (٧) ، وبعث العليم في أطرافه عيون مباحثه، لم يقع إلا على محاسن تتوالى، وبدائع تترى (٨) . ثم فكر بعد ذلك في آية آية، أو كلمة كلمة، في قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا، وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أّذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٩)) . هذه الكلمات الثلاث، كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره، وكالياقوت

стр. 283

يتلألأ بين شذوره. ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهى الكلمة الثالثة - وحسن موقعها، وعجيب حكمتها (١) . ، وبارع معناها. وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الأمر، ولكني قد بينت بما فسرت، وقررت بما فصلت - الوجه الذي سلكت، والنحو الذي قصدت، والغرض الذي إليه رميت، والسمت الذى إليه دعوت. ثم فكر بعد ذلك في شئ أدلك عليه: وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز، في مواقع الآيات القصيرة، والطويلة، والمتوسطة. / فأجل الرأي في سورة سورة، وآية آية، وفاصلة فاصلة، وتدبر الخواتم، والفواتح، والبوادى (٢) والمقاطع، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع التنقل والتحول، ثم اقضِ ما أنت قاضٍ. وإن طال عليك تأمل الجميع، فاقتصر على سورة واحدة، أو على بعض سورة (٣) . * * * ما رأيك في قوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعَاً، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُم، يُذَبِّحُ أَبناءَهُم، ويَسْتَحْييِ نِسَاءَهُم، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (٥) ؟ هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. وهي تشتمل على جملة وتفصيل، [وجامعة] (٥) وتفسير: ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي (٦) النساء، وإذا تحكم في هذين الامرين فما ظنك بما دونهما! ؟ لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور.

стр. 284

/ ثم ذكر الفاصلة التى أو غلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره. ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) (١) . وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس. كما أن قوله: (وَاْبتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلاَ تَنْسَ نَصيبَك مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلاّ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الْمُفسِدِينَ) (٢) . وهي خمس كلمات، متباعدة في المواقع، نائية المطارح، قد جعلها النظم البديع أشد تألفا (٣) من الشئ المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقاً من المتطابق في أول الوضع. ومثل هذه الآية قوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة، سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالى عَمَا يُشْرِكُونَ) (٤) . ومثلها: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهمُ لَم تُسْكَن مِن بَعْدِهم إِلاَ قَليلاُ، وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثينَ) (٥) . / ومن المؤتلف قوله: (فَخَسْفنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) (٦) . وهذه ثلاث كلمات، كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر. ومن الباب الآخر (٧) قوله تعالى: (وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، لا إله إلا هو، كل شئ هالك إِلاَّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ، وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ) (٨) . * * * كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها، لم تستوف ما استوفته. ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم،

стр. 285

ونفور الطبع، وشراد (١) الكلام، وتهافت القول، وتمنع جانبه، وقصورك في الإيضاح عن واجبه. ثم لا تقدر على أن تنتقل من قصة إلى قصة، وفصل إلى فصل، حتى تتبتر (٢) عليك مواضع الوصل، وتستصعب عليك أماكن الفصل، ثم لا يمكنك أن تصل بالقصص مواعظ زاجرة، وأمثالاً سائرة وحكماً جليلة، وأدلة على التوحيد بينة، وكلمات في التنزية والتحميد (٣) شريفة. / وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك، فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص؟ إنك لتراه إذا جاء إلى وصف وقعة (٤) ، أو نقل خبر، عاميَّ الكلام، سوقي الخطاب، مسترسلاً في أمره، متساهلاً في كلامه، عادلاً عن المألوف من طبعه، وناكباً عن المعهود في سجيته. فإن اتفق له في قصة كلام جيد، كان قدر ثنتين أو ثلاثة، وكان ما زاد عليها حشواً، وما تجاوزها لغواً. ولا أقول: إنها تخرج من عادته عفواً، لأنه يقصر عن العفو، ويقف دون العرف، ويتعرض للركاكة. فإن لم تقنع بما قلت لك من الآيات (٥) ، فتأمل غير ذلك من السور (٦) ، هل تجد الجميع على ما وصفت لك؟ لو لم تكن إلا سورة واحدة لكفت في الإعجاز، فكيف بالقرآن العظيم؟ ولو لم يكن إلا حديث من سورة لكفى، وأقنع وشفى. ولو عرفت قدر قصة موسى وحدها من سورة الشعراء، لما طلبت بينة سواها. بل قصة من قصصه، وهي قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي، إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ) (٧) إلى قوله: (فَأَخْرَجْنَاهُم مِن جَنَّاتٍ / وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ

стр. 286

كَرِيمٍ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ (١)) حتى قال: (فَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) (٢) . ثم قصة إبراهيم ﵇. ثم لم تكن إلا الآيات التي انتهى إليها القول في ذكر القرآن، وهي قوله: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبيٍ مُبِينٍ) (٣) . وهذه كلمات مفردة بفواصلها، منها ما يتضمن فاتحة وفاصلة، ومنها ما هي فاتحة وواسطة وفاصلة، ومنها كلمة بفاصلتها تامة. دل على أنه نزله على قلبه ليكون نذيراً، وبيّن أنه آية لكونه نبيا، ثم وصل بذلك كيفية النذارة فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ) (٤) فتأمل آية أية، لتعرف الإعجاز، وتتبين التصرف البديع، والتنقل في الفصول إلى آخر السورة. ثم راع المقطع العجيب، وهو قوله: (وَسَيَعْلَمَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أي منقلب ينقلبون) (٥) . / هل يحسن [أحد] (٦) أن يأتي بمثل هذا الوعيد؟ وأن ينظم (٧) مثل هذا النظم، وأن يجد مثل هذه النظائر السابقة؟ ويصادف (٨) مثل هذه الكلمات المتقدمة؟ ولولا كراهة الإملال، لجئت إلى كل فصل، فاستقريت على الترتيب كلماته، وبينت لك ما في كل واحدة منها من البراعة، وعجيب (٩) البلاغة.

стр. 287

ولعلك تستدل بما قلنا على ما بعده، وتستضئ بنوره، وتهتدي بهداه. * * * ونحن نذكر آيات أخر، لتزداد استبصارا، وتتيقن (١) تيقنا: تأمل من الكلام المؤتلف قوله: (حم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ، ذِي الَّطْولِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، إِليْهِ الْمَصِيرُ) (٢) . أنت قد تدربت الآن بحفظ أسماء الله تعالى وصفاته، فانظر متى وجدت في كلام البشر وخطبهم مثل هذا النظم في هذا القدر، وما يجمع ما تجمع هذه الآية من شريف المعاني وحسن الفاتحة والخاتمة. / ثم اتل (٣) ما بعدها من الآي، واعرف وجه الخلوص من شئ إلى شئ: من احتجاج إلى وعيد، ومن أعذار إلى إنذار، ومن فنون من الأمر شتى، مختلفة تأتلف بشريف النظم، ومتباعدة تتقارب (٤) بعلي الضم. ثم جاء إلى قوله: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُم قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِم، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهمْ لِيَأْخُذُوهُ، وَجَادَلُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ، فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ، وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرواْ أّنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) (٥) . الآية الأولى أربعة فصول، والثانية فصلان. وجه الوقوف على شرف (٦) الكلام: أن تتأمل موقع قوله: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) وهل تقع في الحسن موقع قوله: " ليأخذوه " كلمة؟ وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة؟ وهل يسد مسده في الأصالة نكتة؟ لو وضع موضع ذلك " ليقتلوه "، أو " ليرجموه ". أو " لينفوه "، أو " ليطردوه " أو " ليهلكوه "، أو " ليذلوه "، ونحو هذا، ما كان ذلك بديعا (٧) ولا بارعا، ولا عجيبا ولا بالغا.

стр. 288

/ فانقد موضع هذه الكلمة، وتعلم بها ما تذهب إليه من تخير (١) الكلام، [وانتقاء] (٢) الألفاظ، والاهتداء للمعاني. فإن كنت تقدر أن شيئا من هذه الكلمات التى عددناها (٣) عليك أو غيرها، [يقوم مقام هذه اللفظة - لم تقف] (٤) على غرضنا من هذا الكتاب، فلا سبيل لك إلى الوقوف على تصاريف الخطاب، فافزع إلى التقليد، واكف نفسك مؤونة التفكير. وإن فطنت، فانظر إلى ما قال من رد عجز الخطاب إلى صدره، بقوله: (فَاَخَذْتُهُم، فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) ثم ذكر عقيبها العذاب في الآخرة، وأتلاها تلو العذاب في الدنيا، على الأحكام الذي رأيت (٥) . ثم ذكر المؤمنين بالقرآن، بعد ذكر المكذبين بالآيات والرسل، فقال: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به) (٦) إلى أن ذكر ثلاث آيات. / وهذا كلام مفصول، تعلم (٧) عجيب اتصاله بما سبق ومضى، وانتسابه إلى ما تقدم وانقضى، وعظم موقعه (٨) في معناه، ورفيع ما يتضمن من تحميدهم وتسبيحهم، وحكاية كيفية دعاء الملائكة بقوله: (رَبَّنَا وسعت كل شئ رَّحْمَةً وَعِلْماً) (٩) . هل تعرف شرف هذه الكلمة لفظاً ومعنى، ولطيف هذه الحكاية، وتلاؤم هذا الكلام، وتشاكل هذا النظام؟ فكيف (١٠) يهتدي إلى وضع هذه المعاني بشريّ، وإلى تركيب ما يلائمها من الألفاظ إنسي؟ ثم ذكر ثلاث آيات في أمر الكافرين على ما ترى. ثم نبه على أمر القرآن، وأنه من آياته، بقوله: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ

стр. 289

آيَاتِهِ، وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِّنَ السَّماءِ رِزْقَاً، وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ) (١) . وإنما ذكر هذين الامرين اللذين يختص بالقدرة عليهما، لتناسبهما في أنهما من تنزيله من السماء، ولأن الرزاق الذي لو لم (٢) يرزق لم يمكن بقاء النفس، تجب طاعته والنظر في آياته. / ثم قال: (فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَو كَرِهَ الْكَافِرُونَ، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق، يوم هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنهُم شئ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَومَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (٣) . قف على هذه الدلالة (٤) ، وفكِّر فيها، وراجع نفسك في مراعاة معاني هذه الصفات العالية، والكلمات السامية، والحكم البالغة، والمعاني الشريفة - تعلم ورودها عن الإلهية، ودلالتها على الربوبية، وتتحقق أن الخطب المنقولة عنهم، والأخبار المأثورة في كلماتهم الفصيحة، من الكلام الذي تعلق به الهمم البشرية، وما تحوم عليه الأفكار الآدمية، وتعرف مباينتها لهذا الضرب من القول. أي خاطر يتشوف إلى أن يقول: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أمره على من يشاء من عباده، لينذر يَوْمَ الْتَّلاَقِ، يَوْمَ هُم باَرِزُونَ) ؟ وأي لفظ يدرك هذا المضمار؟ وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من الغور؟ وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم؟ ثم استقرئ الآية إلى آخرها، واعتبر كلماتها، وراع بعدها قوله: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، لاَ ظُلْمَ الْيَومَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (٥) . / من يقدر على تأليف هذه الكلمات الثلاث، على قربها، وعلى خفتها في النظم وموقعها من القلب؟

стр. 290

ثم تأمل قوله: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفِةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِر كَاظِمينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حًمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ، يَعْلَمُ خَائِنَةً الأَعْيُنٍ وَمَا تُخْفِي الصُدُورُ، واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ، وَالَّذِينَ يدعون من دونه لا يقضون بشئ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْسَمِيعُ الْبَصِيرُ) (١) . كل كلمة من ذلك على ما قد وصفتها (٢) : من أنه إذا رآها الإنسان في رسالة كانت عينها، أو في خطبة كانت وجهها أو قصيدة كانت (٣) غرة غرتها، وبيت قصيدتها، كالياقوتة التي تكون فريدة العقد، وعين القلادة، ودرة الشذر، إذا وقع بين كلام وشحه، وإذا ضمن (٤) في نظام زينه، وإذا اعترض في خطاب تميز عنه، وبان بحسنه منه. ولست أقول هذا لك في آية، دون آية، وسورة دون سورة، وفصل دون فصل، وقصة دون قصة، ومعنى دون معنى، لأني قد شرحت لك أن الكلام في حكاية القصص والأخبار، وفي الشرائع / والأحكام، وفي الديانة والتوحيد، وفي الحجج والتثبيت، هو خلاف الكلام فيما عدا هذه الامور. ألا ترى أن الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر، والأديب إذا تكلم في بيان الأحكام وذكر الحلال والحرام، لم يكن كلامه على حسب كلامه في غيره. ونظم القرآن لا يتفاوت في شئ، ولا يتباين في أمر، ولا يختل في حال، بل له المثل الأعلى، والفضل الأسنى. وفيما شرحناه لك كفاية، وفيما بيناه بلاغ. * * * ونذكر في الاحكاميات وغيرها آيات أخر: منها قوله: (يَسْئَلُونَكَ مّاذَا أُحِلَّ لَهُمْ؟ قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجوَارِحِ مُكَلِّبِينَ، تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُم، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ، وَاتَّقُوا الله، إن الله سريع الحساب) (٥) .

стр. 291

أنت تجد في هذه الآية من الحكمة والتصرف العجيب، والنظم البارع [الغريب] (١) ، ما يدلك - إن شئت - على الإعجاز، مع هذا الإختيار والإيجاز، فكيف إذا بلغ ذلك آيات (٢) ، أو كانت سورة؟. ونحو هذه الآية قوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُميَّ الَّذِي / يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَاً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، يأمُرُهُم بِالمَعْرِوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرهُمْ وَالأَغلاَلَ التَّي كَانَتْ عَلَيْهمْ، فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبعُواْ النُّورَ الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون) (٣) . وكالآية التي بعدها في التوحيد وإثبات النبوة، وكالآيات الثلاث في المواريث. أي بارع يقدر على جمع أحكام الفرائض في قدرها من الكلام؟ ثم كيف يقدر على ما فيها من بديع النظم (٤) ؟ وإن جئت إلى آيات الاحتجاج، كقوله تعالى: (لّوْ كَانَ فِيهما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا، فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يُفعلُ وَهُم يُسْأَلُونَ) (٥) . وكالآيات في التوحيد، كقوله: (هُوَ الحَيُّ لا إله إلا هُوَ فادعُوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ، الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ) (٦) . وكقوله: (تَبَارَكَ الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نَذِيراً. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَمَواتِ وَالأَرْضِ، وَلَمَ يَّتخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ / لَّهُ شَريكٌ فِي الملك، وخلق كل شئ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (٧) . وكقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي بيدِهِ الْمُلْكُ وهو على كل شئ قَدِيرٌ) (٨) ، إلى آخرها. وكقوله: (وَالصَّافَّاتِ صَفَّا، فَالزَّاجِرَاتِ زجرا، فالتاليات ذكرا،

стр. 292

إِنَّ إِلهَكُم لَوَاحِدٌ، رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ، وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ، لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلأ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، دُحُوراً، وَلَهُم عَذَابٌ وَاصِبٌ، إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) (١) . هذه من الآيات التى قال فيها الله تعالى ذكره: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللَّهِ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هاد) (٢) . [ارفع طرف قلبك] (٣) ، وانظر بعين عقلك، وراجع جلية بصيرتك، إذا تفكرت في كلمة كلمة مما نقلناه إليك، وعرضناه / عليك، ثم فيما ينتظم من الكلمات، ثم إلى أن يتكامل فصلاً وقصة، أو يتم حديثا وسورة. لا، بل فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب، وتدبره على نحو هذا التنزيل، فلم ندع ما ادعيناه لبعضه، ولم نصف ما وصفنا (٤) إلا في كله، وإن كانت الدلالة في البعض أبين وأظهر، والآية أكشف وأبهر. وإذا تأملت على ما هديناك إليه، ووقفناك عليه، فانظر هل تجد وقع (٥) هذا النور في قلبك، واشتماله على لبك، وسريانه في حسك، ونفوذه في عروقك، وامتلاءك به إيقاناً وإحاطة، واهتداءك به إيماناً وبصيرة؟ أم هل تجد الرعب يأخذ منك مأخذه من وجه، والهزة تعمل في جوانبك (٦) من لون، والأريحية تستولي عليك من باب؟ وهل تجد الطرب يستفزك للطيف ما فطنت له، والسرور يحركك من عجيب ما وقفت عليه، وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك - عزة، وفى أعطافك ارتياحاً وهزة، وترى لك في الفضل تقدماً وتبريزاً، وفي اليقين سبقاً وتحقيقاً، وترى مطارح الجهال تحت / أقدام الغفلة، ومهاويهم

стр. 293

في ظلال (١) القلة والذلة، وأقدارهم بالعين التي يجب أن تلحظ بها، ومراتبهم بحيث يجب (٢) أن ترتبها؟ هذا كله في تأمل الكلام ونظامه، وعجيب معانيه وأحكامه. فإن جئت إلى ما انبسط في العالم من بركته وأنواره، وتمكن في الآفاق من يمنه وأضوائه، وثبت في القلوب من إكباره واعظامه، وتقرر في النفوس من حتم أمره ونهيه، ومضى في الدماء (٣) من مفروض حكمه، وإلى أنه جعل عماد (٤) الصلاة التي هي تلو الإيمان في التأكيد، وثانية التوحيد في الوجوب. وفرض (٥) حفظه، ووكل الصغار والكبار بتلاوته، وأمر عند افتتاحه بما أمر به لتعظيمه، من قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (٦) لم يؤمر بالتعوذ لافتتاح أمر كما أمر به لافتتاحه، فهل يدلك هذا على عظيم شأنه، وراجح ميزانه، وعالي مكانه. وجملة الأمر أن نقد الكلام شديد، وتمييزه صعب. ومما كتب إليَّ الحسن بن عبد الله العسكري: [قال] (٧) أخبرني / أبو بكر ابن دريد قال: سمعت أبا حاتم يقول: سمعت الاصمعي يقول: فرسان الشعر (٨) أقل من فرسان الحرب. وقال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: العلماء بالشعر أعزّ من الكبريت الاحمر. وإذا كان الكلام المتعارف المتداول بين الناس، يشق تمييزه، ويصعب نقده، ويذهب عن محاسنه الكثير (٩) ، وينظرون إلى كثير من قبيحه بعين الحسن، وكثير من حسنه بعين القبح، ثم يختلفون في الأحسن منه اختلافاً كثيرا، وتتباين آراؤهم في تفضيل ما يفضل منه - فكيف لا يتحيرون فيما لا يحيط به علمهم، ولا يتأتى في مقدورهم، ولا يمثل بخواطرهم؟ وقد حير القوم الذين لم يكن أحد أفصح منهم.

стр. 294

ولا أتم بلاغة، ولا أحسن براعة، حتى دهشوا حين ورد عليهم، وولهت عقولهم، ولم يكن عندهم فيه جواب غير ضرب الأمثال، والتخرص (١) عليه، والتوهم فيه، وتقسيمه أقساماً، وجعله عضين. وكيف لا يكون أحسن الكلام، وقد قال الله تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللَّهِ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ / يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هاد) (٢) . استغنم فهم هذه الآية، وكفاك، استفد علم هذه الكلمات، وقد أغناك، فليس يوقف على حسن الكلام بطوله، ولا تعرف براعته بكثرة فصوله، إن القليل يدل على الكثير، والقريب قد يهجم بك على البعيد. ثم إنه لما علم من عظم شأن هذه المعرفة، وكبر محلها (٣) ، وذهابها على أقوام - ذكر في آخر هذه الآية ما ذكر، وبيّن ما بيّن، فقال: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يهدى به من يشاء) . فلا تعلم (٤) ما وصفنا لك إلا بهداية من العزيز الحميد، وقال: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هَادٍ) وقال: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) (٥) . وقد بسطنا لك القول رجاء افهامك. وهذا " المنهاج " الذي رأيته، إن سلكته، يأخذ بيدك، ويدلك على رشدك، ويغنيك عن (٦) ذكر براعة (٧) آية آية لك. واعلم أنا لم نقصد فيما سطرناه من الآيات، وسميناه من السور / والدلالات، ذكر الأحسن (٨) والأكشف والأظهر، لأنا نعتقد في كل سورة ذكرناها أو (٩) أضربنا عن ذكرها اعتقاداً واحداً في الدلالة على الإعجاز، والكفاية في التمنع والبرهان. ولكن لم يكن بد من ذكر بعض، فذكرنا ما تيسر، وقلنا فيما اتجه

стр. 295

في الحال وخطر، وإن كنا نعتقد أن الاعجاز في بعض القرآن أظهر، وفى بعضه (١) أدق وأغمض. والكلام في هذا الفصل يجئ بعد هذا. فاحفظ عنا في الجملة ما كررنا، والسير بعد ذلك في التفصيل إليك، وحصل ما أعطيناك من العلامة، ثم النظر عليك. * * * قد اعتمدنا على أن الآيات تنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يتم بنفسه، أو بنفسه وفاصلته، فينير في الكلام إنارة النجم في الظلام. والثاني: ما يشتمل على كلمتين أو كلمات، إذا تأملتها وجدت كل كلمة منها في نهاية البراعة، وغاية البلاغة. وإنما يبين ذلك بأن تتصور هذه الكلمة مضمنة بين أضعاف كلام كثير، أو خطاب طويل، فتراها ما بينها (٢) تدل على نفسها، / وتعلو على ما قرن بها (٣) لعلو جنسها، فإذا ضمت إلى أخواتها، وجاءت في ذواتها، أرتك القلائد منظومة، كما كانت تريك - عند تأمل الإفراد منها - اليواقيت منثورة، والجواهر مبثوثة (٤) . ولولا ما أكره من تضمين القرآن في الشعر لانشدتك ألفاظاً وقعت مضمنة، لتعلم كيف تلوح (٥) عليه، وكيف ترى بهجتها في أثنائه، وكيف تمتاز منه، حتى أنه لو تأمله من لم يقرأ القرآن لتبين أنه أجنبي من الكلام الذي تضمنه، والباب الذي توسطه، وأنكر مكانه، واستكبر موضعه. ثم تناسبها في البلاغة والإبداع، وتماثلها في السلاسة والإغراب، ثم انفرادها بذلك الأسلوب، وتخصصها بذلك الترتيب، ثم سائر ما قدمنا ذكره، مما نكره إعادته. وأنت ترى غيره من الكلام يضطرب في مجاريه، ويختل تصرفه في معانيه،

стр. 296

ويتفاوت التفاوت الكثير في طرقه، ويضيق به النطاق في مذاهبه، ويرتبك (١) في أطرافه وجوانبه، ويسلمه للتكلف (٢) الوحش كثرة تصرفه، ويحيله على التصنع الظاهر موارد تنقله وتخلصه. / ونظم القرآن في مؤتلفه ومختلفه، وفي فصله ووصله، وافتتاحه واختتامه، وفي كل نهج يسلكه، وطريق يأخذ فيه، وباب يتهجم عليه، ووجه يؤمه، على ماو صفه الله تعالى به - لا يتفاوت، كما قال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فِيهِ اختِلاَفَاً كَثِيراً) (٣) . ولا يخرج عن تشابهه وتماثله، كما قال: (قُرْآنَاً عَرَبِياً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) (٤) . وكما قال: (كِتَاباً مُتَشَابِهاً) (٥) ولا يخرج عن إبانته، كما قال: (بِلسَانٍ عَرَبيًّ مُبِينٌ) (٦) . وغيره من الكلام كثير التلون، دائم التغير، [والتنكر] (٧) ، يقف بك على بديع مستحسن، ويعقبه بقبيح (٨) مستهجن، ويطلع عليك بوجه الحسناء، ثم يعرض للهجر بخد القبيحة الشوهاء، ويأتيك باللفظة المستنكرة بين الكلمات التى هي كاللآلئ الزهر. وقد يأتيك باللفظة الحسنة بين الكلمات البهم، وقد يقع إليك منه الكلام المثبج (٩) ، والنظم المشوش، والحديث المشوه. وقد تجد منه ما لا يتناسب ولا يتشابه، ولا يتآلف ولا يتماثل / وقد قيل في وصف ما جرى هذا المجرى: وشعر كبَعْرِ الكبش فَرّقَ بينه * لسانٌ دعى في القريض دخيل (١٠)

стр. 297

وقال آخر: وبعضُ قريضِ القوم أولادُ عَلْةٍ * يكد لسان الناطق المتحفظ (١) فإن قال قائل: فقد نجد في آيات [من] (٢) القرآن ما يكون نظمه بخلاف ما وصفت، ولا تتميز الكلمات بوجه البراعة، وإنما تكون البراعة عندك منه في مقدار يزيد على الكلمات المفردة، وحد يتجاوز حد الالفاظ المستندة، وإن كان الأكثر على ما وصفته به؟ / قيل له: نحن نعلم أن قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ) ، إلى آخر الآية - ليس من القبيل الذي يمكن إظهار البراعة فيه، وإبانة الفصاحة [عليه] (٣) وذاك يجري عندنا مجرى ما يحتاج إلى ذكره من الأسماء والألقاب، فلا يمكن إظهار البلاغة (٤) فيه، فطلبها في نحو هذا ضرب من الجهالة. بل الذي يعتبر في نحو ذلك تنزيل الخطاب، وظهور الحكمة في الترتيب والمعنى، وذلك حاصل في هذه الآية - إن تأملت. ألا ترى أنه بدأ بذكر الأم، لعظم حرمتها، وإدلائها بنفسها، ومكان بعضيتها، فهي أصل لكل من يدلى بنفسه منهن، ولانه (٥) ليس في ذوات الانساب أقرب منها. ولما جاء إلى ذوات الأسباب، ألحق بها (٦) حكم الام من الرضاع، لان

стр. 298

اللحم ينشره اللبن بما يغذوه، فيتحصل بذلك أيضاً لها حكم البعضية، فنشر (١) الحرمة بهذا المعنى، وألحقها بالوالدة. وذكر الأخوات من الرضاعة، فنبه بها على كل من يدلي بغيرها، وجعلها تلو الأم من الرضاع. / والكلام في إظهار حكم هذه الآية وفوائدها يطول، ولم نضع كتابنا لهذا، وسبيل هذا أن نذكره في كتاب " معاني القرآن " إن سهل الله لنا إملاءه وجمعه. فلم تنفك هذه الآية من الحكم التي تخلف حكمة الإعجاز في النظم والتأليف، والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف. فقد علم السائل أنه لم يأت بشئ، ولم يهتدِ للأغراض (٢) في دلالات الكلام، وفوائده ومتصرفاته، وفنونه ومتوجهاته. وقد يتفق في الشعر ذكر الاسامي فيحسن موقعه، كقول أبى ذؤاب الاسدي (٣) : إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبةً بنِ الحارثِ بن شهابِ (٤) بأشدِّهم كلباً على أعدائه * وأعزِّهم فقداً على الأصحابِ (٥) وقد يتفق ذكر الأسامي، فيفسد النظم، ويقبح الوزن. / والآيات الأحكاميات التي لابد فيها من أمر (٦) البلاغة، يعتبر فيها من الألفاظ (٧) ما يعتبر في غيرها، وقد يمكن فيها، وكل موضع أمكن ذلك فقد وجد في القرآن في بابه ما ليس عليه مزيد في البلاغة وعجيب النظم. ثم في جملة الآيات ما إن لم تراع البديع البليغ في الكلمات الإفراد والألفاظ الآحاد، فقد تجد ذلك مع تركب الكلمتين والثلاث، ويطرد ذلك في الابتداء، والخروج، والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة، أو باجتماع ذلك أو في

стр. 299

بعض ذلك - ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات، وإن كانت الجملة والمعظم على ما سبق الوصف فيه. وإذا عرف ما يجري إليه الكلام، وينهي إليه الخطاب، ويقف عليه الأسلوب، ويختص به القبيل - بأن عند أهل الصنعة تميز بابه، وانفراد سبيله، ولم يشك البليغ في انتمائه إلى الجهة التي ينتمي إليها، ولم يرتب الأديب البارع في انتسابه إلى ما عرف من نهجه. وهذا كما يعرف طريقه مترسل في رسالته، فهو لا يخفى عليه بناء قاعدته وأساسه، فكأنه يرى (١) أنه يعد عليه مجاري حركاته وأنفاسه. / وكذلك في الشعر (٢) واختلاف ضروبه، يعرف المتحقق به طبع كل أحد، وسبيل كل شاعر. وفي " نظم القرآن " أبواب كثيرة لم نستوفها، وتقصِّيها يطول، وعجائبها لا تنقضي، فمنها الكلام [المغلق] (٣) والإشارات. وإذا بلغ الكلام من هذا القبيل مبلغاً ربما زاد الإفهام به على الإيضاح، أو ساوى مواقع التفسير والشرح، مع استيفائه شرطه - كان النهاية في في معناه. وذلك كقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٤) . فصول هذه الآية وكلماتها على ما شرحنا من قبل (٥) البلاغة واللطف في التقدم، وفي تضمن هذا الأمر العظيم، والمقام الكريم. ويتلو هذه قوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) (٦) هذا خروج لو كان في غير هذا الكلام لتصور في / صورة المنقطع، وقد تمثل في هذا النظم لبراعته وعجيب أمره وموقع ما لا ينفك منه القول (٧) .

стр. 300

وقد يتبرأ الكلام المتصل بعضه من بعض، ويظهر عليه التثبيج (١) والتباين، للخلل الواقع في النظم. وقد تصور هذا الفصل للطفه وصلاً، ولم يبن عليه تميز الخروج. ثم انظر كيف أجرى هذا الخطاب إلى ذكر نوح، وكيف أثنى عليه؟ وكيف تليق صفته بالفاصلة ويتم النظم بها، مع خروجها مخرج البروز من الكلام الأول، إلى ذكره، وإجرائه إلى مدحه بشكره، وكونهم من ذريته يوجب عليهم أن يسيروا بسيرته، وأن يستنوا بسنته، في أن يشكروا كشكره، ولا يتخذوا من دون الله وكيلاً، وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان، لما (٢) حملهم عليه ونجّاهم فيه، حين أهلك من عداهم به، وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم، فيما سلط عليهم من قبلهم وعاقبهم، ثم عاد عليهم بالأفضال والإحسان، حتى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذي ولدهم وهم من ذريته، فلما عادوا إلى جهالتهم، وتمردوا في طغيانهم، عاد عليهم بالتعذيب. / ثم ذكر الله في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة التي كانت لهم، بكلمات قليلة في العدد، كثيرة الفوائد، لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير، والكلام الطويل. ثم لم يخل تضاعيف الكلام مما ترى من الموعظة، على أعجب تدريج، وأبدع تأريج (٣) ، بقوله: (إن أحسنتم أَحْسَنْتُم لإِنْفُسِكُمْ، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (٤) . ولم ينقطع بذلك [نظام] (٥) الكلام، وأنت ترى الكلام يتبدد مع اتصاله، وينتشر مع انتظامه، فكيف بإلقاء ما ليس منه في أثنائه، وطرح ما يعدوه (٦) في أدراجه؟ إلى أن خرج إلى قوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ، وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) (٧) يعني: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو.

стр. 301

ثم خرج خروجاً آخر إلى ذكر القرآن. وعلى هذا فقس بحثك عن (١) شرف الكلام، وماله من علو الشأن، لا يطلب مطلباً إلا انفتح، ولا يسلك قلباً إلا انشرح، ولا / يذهب مذهباً إلا استنار وأضاء، ولا يضرب مضرباً إلا بلغ فيه السماء، لا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى فوائدها - إلا قصرت، ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها - إلا وقد أخللت. * * * إن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس لاضل من حمار باهلة (٢) ، وأحمق من هبنقة (٣) . لو كان شعره كله كالابيات المختارة التى قدمناها، لاوجب البراءة منه (٤) قوله: وسِنَّ كُسَّنْيقٍ سناء وسُنَّماً * ذعَرْتُ بِمْدلاجِ الهجيز نهوض (٥) قال الاصمعي: لا أدرى ما السن، ولا السنيق، ولا السنم؟ ! وقال بعضهم: السنيق: أكمة.

стр. 302

/ وقال فيها: له قصريا عير وساقا نعامة * كفحل الهجان القيسري العضوض (١) وقوله: عصافيرٌ وُذَّبانٌ ودود * وأجرأ من مجلحة الذئاب (٢) وزاد في تقبيح ذلك وقوعه في أبيات فيها: فقد طوّفتُ في الآفاق حتى * رضيتُ من الغنيمة بالاياب وكل مكارم الاخلاق صارت * إليه همتي وبها اكتسابي (٣) وكقوله في قصيدة قالها في نهاية السقوط: أزْمانَ فوها كلما نبهتها * كالمسك فاح وظل في الفدَّام (٤) أفلا ترى أظعانهن بواكراً * كالنخل من شَوْكانَ حين صرام (٥) / وكأن شاربَها أصاب لسانَه * مُوم يخالط جسمَه بِسقَام (٦) وكقوله: لم يفعلوا فعلَ آلِ حنظلةَ * إِنَّهمُ جَيْر بئسما ائتمروا (٧)

стр. 303

لا حِمْيَرِيّ وفى ولا عَدَسٌ * ولا استُ عير يحكُّها الثَّفَرُ (١) إن بني عوفٍ ابتَنَوا حسباً * ضيعه الدخللون إذ غدروا (٢) / وكقوله: أبلغ شهابا [بل] وأبلغ عاصما * [ومالكا] هل أتاك الخُبْرُ مالِ (٣) أنا تركنا مِنكُمُ قتلى بخو * عى وسبيا كالسعالى (٤) يمشين بين رحالنا مع * ترفات بجوع وهزال * * * ولم يقع مثل ذلك له وحده، فقد قال الأعشى: فأَدخَلكَ اللَّهُ بردَ الجِنا * نِ جذلانَ في مَدْخَلٍ طيِّب (٥) وقال أيضاً: فرميت غفلة عينه عن شاته * فأصبت حية قلبها وطِحالِها (٦) وقال في فرسه: ويأمرُ لليَحْمُوم كل عشية * بقت وتعليق فقد كاد ينسق (٧)

стр. 304

/ وقال: شاوٍ مِشَلّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ (١) وهذه الألفاظ في معنى واحد. وقد وقع لزهير نحوه كقوله: فأقسمت جهداً بالمنازل من منى * وما سحفت فيه المقاديم والقمل (٢) كيف يقول (٣) هذا في قصيدة يقول فيها: وهل ينُبت الخَطِّي إلا وشيجه، وتغرسُ إلا في منابتها النخل (٤) / وكقول الطِّرماح: سوف تدنيك من لميسَ سبنتا * ة امارتْ بالبول ماء الكراض (٥) السبنتاة: الناقة الصلبة. والكراض: ماء الفحل، أسالت ماء الفحل مع البول، فلم تعقد عليه، ولم تحمل، فتضعف والمائر: السائل.

стр. 305

فإن قال قائل: أجدك تحاملت على امرئ القيس، ورأيت أن شعره يتفاوت بين اللين والشراسة، وبين اللطف والشكاسة، وبين التوحش والاستئناس، والتفاوت والتباعد، ورأيت الكلام الأعدل أفضل، والنظام المستوثق (١) أكمل، وأنت تجد البحتري يسبق (٢) في هذا الميدان، ويفوت الغاية في هذا الشأن، وأنت ترى (٣) الكتاب يفضلون كلامه على كل كلام، ويقدمون رأيه في البلاغة على كل رأي، وكذلك تجد (٤) لأبي نواس من بهجة اللفظ، ودقيق المعنى / ما يتحير فيه أهل الفضل (٥) ، ويقدمه الشطار والظراف على كل شاعر، ويرون لنظمه روعة لا يرون لنظم غيره * وزبرجاً لا يتفق لسواه، فكيف يعرف فضل ما سواه عليه؟ فالجواب: أن الكلام في أن الشعر لا يجوز أن (٦) يوازن به القرآن قد تقدم. وإذ كنا قد بينا أن شعر امرئ القيس - وهو كبيرهم الذي يقرون بتقدمه، وشيخهم الذي يعترفون بفضله، وقائدهم الذي يأتمون به (٧) ، وإمامهم الذي يرجعون إليه - كيف سبيله، وكيف (٨) طريق [سقوط] (٩) منزلته عن منزلة نظم القرآن، وأنه لا يلحظ (١٠) بشعره غبار ذلك، وهو إذا لحظ ذلك كان كما قال (١١) . فأصبحتُ من ليلى الغداة كناظرٍ * مع الصبح في إعجازِ نجمٍ مُغَرِّبِ (١٢) / وكما قال أيضاً: راحت مُشَرِّقَةً ورُحْتُ مغرِباً * فمتى التقاءُ مُشَرِّقٍ ومغرب

стр. 306

وإذا كنا قد أبنا في القاعدة ما علمت، وفصلنا لك في شعره ما عرفت - لم نحتج إلى أن نتكلم على شعر [كل] (١) شاعر، وكلام بليغ، والقليل يدل على الكثير. وقد بينا - في الجملة - مباينة أسلوب نظم القرآن جميع الأساليب، ومزيته عليها في النظم والترتيب، وتقدمه عليها في (٢) كل حكمة وبراعة، ثم تكلمنا على التفصيل - على ما شاهدت (٣) - فلا يبقى علينا بعد ذلك سؤال. ثم نقول: أنت تعلم أن من يقول بتقدم البحتري في الصنعة، به من الشغل في تفضيله على ابن الرومي أو تسوية ما بينهما ما لا يطمع معه في تقديمه على امرئ القيس ومن طبقته. كذلك أبو نواس، إنما يعدل شعره بشعر أشكاله، ويقابل كلامه بكلام أضرابه من أهل عصره. ، وإنما يقع بينهم التباين اليسير، والتفاوت القليل. فأما أن يظن ظان، أو يتوهم متوهم أن جنس الشعر معارض / لنظم (٤) القرآن (فَكَأََنَّما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (٥) . وإنما هي خواطر يغير بعضها على بعض، ويقتدي فيها بعض ببعض، والغرض الذي يرمي إليه، ويصح (٦) التوافي عليه، في الجملة، فهو قبيل متداول، وجنس متنازع، وشريعة مورودة، وطريقة مسلوكة. ألا ترى ما روي عن الحسين بن الضحاك، قال: أنشدت أبا نواس قصيدتي التي فيها: وشاطريِّ اللسان مختلق التك * ريه شاب المجون بالنسك (٧)

стр. 307

كأنه - نصب كأسه - قمر * يكرع في بعض أنجمِ الفلكِ (١) قال: فأنشدني أبو نواس بعد أيام قصيدته التي يقول فيها: / أعاذلُ أعتبتُ الإمامَ وأعتبا * وأعربتَ عمَّا في الضمير وأعرَبا (٢) وقُلتُ لساقيها: أَجِزْها فلم أكنْ * ليأبى أمير المؤمينن وأشَربَا (٣) فجوَّزها عني عُقَاراً ترى لها * إلى الشرف الأعلى شُعاعاً مُطَنَّبا إذا عَبَّ فيها شاربُ القومِ خلتَهً * يُقَبِّلُ في داجٍ من الليلِ. كَوكَبا قال: فقلت له: يا أبا علي، هذه مصالتة (٤) . فقال: أتظن أنه يروي (٥) لك معنى وأنا حي؟ فتأمل هذا الأخذ، وهذا الوضع، وهذا الاتباع (٦) . أما الخليع فقد رأى الإبداع في المعنى، فأما العبارات فإنها ليست على ما ظنه، لأن قوله: " يكرع " ليس بصحيح، وفيه ثقل بين / وتفاوت، وفيه إحالة، لان القمر لا يصح تصورا (٧) أن يكرع في نجم.

стр. 308

وأما قول أبي نواس، " إذا عب فيها "، فكلمة قد قصد فيها المتانة، وكان سبيله أن يختار سواها من ألفاظ الشرب (١) ، ولو فعل ذلك كان أملح. وقوله: " شارب القوم "، فيه ضرب من التكلف الذي لا بد له منه أو من مثله، لإقامة الوزن. ثم قوله: " خلته يقبل في داج من الليل كوكبا "، تشبيه بحالة واحدة من أحواله، وهى أن يشرب حيث لاضوء هناك، وإنما يتناوله ليلاً، فليس بتشبيه مستوفى، على ما فيه من الوقوع والملاحة [والصنعة] (٢) . وقد قال ابن الرومي ما هو أوقع منه وأملح وأبدع: ومهفهفٍ تَمَّتْ محاسِنًهً * حتى تجاوز منية النفس (٣) تصبو الكئوس إلى مراشفه * وتحن في يده إلى الحبس أبصرته والكأس بين فم * منه وبين أنامل خمس وكأنها وكأن شاربها * قمر يقبل عارض الشمس (٤) / ولاشك في أن تشبيه ابن الرومي أحسن وأعجب (٥) ، إلا أنه [لم] يتمكن من إيراده [إلا] في (٦) بيتين، وهما - مع سبقهما إلى المعنى - أتيا به في بيت واحد. * * * وإنما أردت بهذا أن أعرفك أن هذه أمور متقاربة (٧) ، يقع فيها التنافس والتعارض، والأطماع تتعلق (٨) بها، والهمم تسمو إليها، وهي إلف طباعنا، وطوع مداركنا، ومجانس (٩) لكلامنا. وإعجاب قوم بنحو هذا وما يجري مجراه، وإيثار أقوام لشعر البحترى

стр. 309

على أبي تمام، وعبد الصمد، وابن الرومي، وتقديم قوم كل هؤلاء أو بعضهم عليه وذهاب قوم عن المعرفة - ليس بأمر يضربنا ولا سبب (١) يعترض على أفهامنا. * * * ونحن نعمد إلى بعض قصائد " البحتري " فنتكلم عليها (٢) ، كما تكلمنا على قصيدة امرئ القيس، ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة، ويستخلص / من سر المعرفة سريرة، ويعلم كيف تكون الموازنة، وكيف تقع المشابهة والمقاربة. ونجعل تلك القصيدة التى نذكرها أجود شعره. سمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول: سمعت أبا الفضل بن العميد يقول: سمعت أبا مسلم الرستمي يقول: سمعت البحتري يذكر (٣) أن أجود شعر قاله: * أهلا بذلكم الخيال المقبل * قال: وسمعت أبا الفضل بن العميد يقول: أجود شعره هو قوله: * في الشيب زجر له لو كان ينزجر (٤) * قال: وسئلت عن ذلك؟ فقلت: البحتري أعرف بشعر نفسه من غيره. فنحن الآن نقول في هذه القصيدة ما يصلح في مثل هذا: / قوله (٥) : أهلاً بذلكم الخيالِ المقبلِ * فعل الذي نهواه أو لم يفعلِ

стр. 310

برق سرى في بطنِ وجرةَ فاهتدت * بسناه أعناق الركاب الضلل (١) البيت الأول، في قوله: " ذلكم الخيال "، ثقل روح، وتطويل وحشو، وغيره أصلح له (٢) . وأخف منه قول الصَّنَوْبَرِي: أهلاً بذاك الزَّورِ من زَوْرِ * شمس بدت في فلك الدورِ وعذوبة الشعر تذهب بزيادة حرف أو نقصان حرف، فيصير إلى الكزازة، وتعود ملاحته بذلك ملوحة، وفصاحته عياً، وبراعته تكلفاً، وسلاسته تعسفاً، وملاسته تلويا وتعقدا. فهذا فصل. وفيه شئ آخر، وهو: أن هذا الخطاب إنما يستقيم مهما خوطب به الخيال حال أقباله، فأما أن يحكي الحال التي كانت وسلفت على هذه العيادة ففيه عهدة، وفي تركيب الكلام عن هذا المعنى عقدة (٣) ، وهو / - لبراعته وحذقه في هذه الصنعة - يعلق (٤) نحو هذا الكلام، ولا ينظر في عواقبه، لأن ملاحة قوله تغطي على عيون الناظرين فيه نحو هذه الأمور. ثم قوله: " فعل الذي نهواه أو لم يفعل " ليست بكلمة رشيقة، ولا لفظة ظريفة، وإن كانت كسائر الكلام. فأما بيته الثاني، فهو عظيم الموقع في البهجة، وبديع المأخذ (٥) ، حسن الرواء أنيق المنظر والمسمع، يملا القلب والفهم، ويفرح الخاطر، وتسرى (٦) بشاشته في العروق. وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات: " عروق الذهب " وفي نحوه ما يدل على براعته في الصناعة، وحذقه (٧) في البلاغة. ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل، مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح.

стр. 311

وذلك: أنه جعل الخيال كالبرق لإشراقه في مسراه، كما يقال: إنه يسري (١) كنسيم الصبا، فيطيب ما مر به، كذلك يضئ ما مر حوله، وينور ما مر به. وهذا غلو في الصنعة، إلا أن ذكره " بطن / وجرة " حشو، وفي ذكره خلل، لأن النور القليل يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها، بخلاف ما يؤثر في غيرها، فلم يكن من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة. وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط اللوى بين الدخول فحومل، فتوضح فالمقراة " لم يقنع بذكر حد، حتى حده بأربعة حدود، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى - أن أخلَّ بحد - أن يكون بيعة فاسداً أو شرطه باطلاً! ! فهذا باب. ثم إنما يذكر (٢) الخيال بخفاء الأثر، ودقة المطلب، ولطف المسلك، وهذا الذي ذكر يضاد هذا الوجه، ويخالف ما وضع (٣) عليه أصل الباب. ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول، وابتدأ بذكر برق لمع من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة، لان هذا القطع إن كان فعله كان خارجاً به عن النظم المحمود، ولم يكن مبدعاً، ثم كان (٤) لا تكون فيه فائدة، لأن كل برق شعل (٥) وتكرر (٦) وقع الاهتداء به في الظلام، وكان (٧) لا يكون بما نظمه مفيداً ولا متقدماً. / وهو على ما كان من مقصده فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب (٨) غير مقصود، ويعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالاشارات. وهذا من الشعر الحسن (٩) ، الذي يحلو لفظه، وتقل فوائده، كقول القائل (١٠) : ولما قضينا من مِنىً كُلَّ حاجةٍ * ومَسَّحَ بالاركان من هو ماسح

стр. 312

وشَدَّتْ على حُدْبِ المهاري رحالُنا * ولا ينظُرُ الغادي الذي هو رائحُ (١) / أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا * وسالت بأعناقِ المِطيِّ الأباطحُ (٢) هذه ألفاظ بديعة (٣) المطالع والمقاطع، حلوة المجاني (٤) والمواقع، قليلة المعاني والفوائد. (٥) * * * فأما قول البحتري بعد ذلك: من غادةٍ مُنعت وتمنَعُ نَيْلَها * فلو أنها بذلت لنا لم تبذل كالبدر غير مخيل، والغصن غي * ر مميل، والدعص غير مهيل (٦) فالبيت الأول - على ما تكلف فيه من المطابقة، وتجشم الصنعة - ألفاظه أوفر من معانيه، وكلماته أكثر من فوائده، وتعلم أن القصد / وضع العبارات

стр. 313

في مثله! ولو قال قائل: هي ممنوعة مانعة، كان ينوب عن تطويله، وتكثيره الكلام وتهويله. ثم هو معنى متداول مكرر على كل لسان. وأما البيت الثاني، فأنت تعلم أن التشبيه بالبدر والغصن والدعص، أمر منقول متداول (١) ، ولا فضيلة في التشبيه بنحو (٢) ذلك. وإنما يبقى تشبيهه ثلاثة أشياء في البيت، وهذا أيضاً قريب، لأن المعنى مكرر. ويبقى له بعد ذلك شئ آخر، وهو تعمله للترصيع في البيت كله، إلا أن هذه الاستثناءات فيها ضرب من التكلف، لأن التشبيه بالغصن كاف، فإذا زاد فقال: كالغصن غير معوج، كان ذلك من باب التكلف خللاً، وكان ذلك زيادة يستغني عنها. وكذلك قوله: " كالدعص غير مهيل "، لأنه إذا انهال خرج عن أن يكون مطلق التشبيه مصروفاً إليه، فلا يكون لتقييده معنى. * * * وأما قوله: ما الحسنُ عندك يا سعاد بمُحْسِنٍ * فيما أتاه ولا الجمال بِمُجْمِلِ (٣) / عذل المشوق وإن كان من سيما الهوى * في حيث يجهله لجاج العذل (٤) قوله في البيت الأول: " عندك "، حشو، وليس بواقع ولا بديع، وفيه كلفة. والمعنى الذي قصده، أنت تعلم أنه متكرر على لسان الشعراء. وفيه شئ آخر، لأنه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه، وضد هذا المعنى هو الذي يميل إليه أهل الهوى والحب.

стр. 314

وبيت كشاجم (١) أسلم من هذا، وأبعد من الخلل، وهو قوله: بحياة حُسنك أَحْسني، وبحقِّ من * جعل الجمال عليك وقفا أجملي (٢) وأما البيت الثاني فإن قوله: " في حيث "، حشا بقوله في كلامه، ووقع ذلك مستنكراً وحشياً، نافراً عن طبعه، جافياً في وضعه، فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن! فهو يمحو حسنه، ويأتي على جماله. ثم في المعنى شئ، لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولاً لم يهتدوا للعذل عليه. فعلم أن المقصد استجلاب العبارات دون المعاني. / ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، وقولهم المكرر [المقول] (٣) * * * وأما قوله: ماذا عليك من انتظارٍ متَّيمٍ * بل ما يضرُّك وقفة في منزل إن سيل عيّ عن الجواب فلم يُطِق * رجعاً، فكيف يكون إن لم يسأل؟ ! لست أنكر حسن البيتين وظرفهما، ورشاقتهما ولطفهما، وماءهما وبهجتهما، إلا أن البيت الأول منقطع عن الكلام المتقدم ضرباً من الانقطاع، لأنه لم يجر لمشافهة العاذل ذكر، وإنما جرى ذكر العذال على وجه لا يتصل هذا البيت به ولا يلائمه (٤) . ثم الذي ذكره من الإنتظار - وإن كان مليحا في اللفظ - فهو في

стр. 315

المعنى متكلف، لأن الواقف في الدار لا ينظر أمرا، وإنما يقف تحسرا وتلددا (١) وتحيراً. / والشطر الأخير من البيت واقع، والأول مستجلب، وفيه تعليق على أمر لم يجر له ذكر، لأن وضع البيت يقتضي تقدم عذل على الوقوف، ولم يحصل ذلك مذكوراً في شعره من قبل. وأما البيت الثاني، فإنه معلق بالأول، لا يستقل إلا به، وهم يعيبون وقوف البيت على غيره، ويرون أن البيت التام هو المحمود، والمصراع التام بنفسه - بحيث لا يقف على المصراع الآخر - أفضل وأتم وأحسن. وقوله: " فكيف يكون إن لم يسأل "، مليح جداً، ولا تستمر (٢) ملاحة ما قبله عليه، ولا يطرد فيه الماء اطراده فيه. وفيه شئ آخر، لانه لا يصح (٣) أن يكون السؤال سبباً لأن يعيا عن الجواب، وظاهر القول يقتضيه. * * * فأما قوله: لا تكلفن لي الدموع فإن لي * دمعاً ينمُّ عليه إن لم يفضُل (٤) ولقد سكنتُ إلى الصدود من النوى * والشرى أرى عند أكل الحنظل (٥) / وكذاك طَرْفَةُ حين أوجس ضربةً * في الرأس هان عليه فصد الاكحل (٦)

стр. 316

فالبيت الأول مخالف لما عليه مذهبهم، في طلب الإسعاد (١) بالدموع، والإسعاف بالبكاء، ومخالف لأول كلامه، لأنه يفيد مخاطبة العذل، وهذا يفيد مخاطبة الرفيق. وقد بينت لك أن القوم يسلكون حفظ الألفاظ وتصنيعها، دون ضبط المعاني وترتيبها، ولذلك (٢) قال الله : (وَالْشُّعَرَاءَ يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وَادٍ يَهِيمُونَ /. وَأَنَّهُمْ يَقُولُون مَا لاَ يَفْعَلُونَ) (٣) فأخبر سبحانه أنهم يتبعون القول حيث توجه بهم، واللفظ كيف أطاعهم، والمعاني كيف تتبع ألفاظهم. وذلك خلاف ما وضع عليه الإبانة عن المقاصد بالخطاب، ولذلك كان طلب الفصاحة فيه أسهل وأمكن، فصار بهذا أبلغ خطابهم. ثم لو أن هذا البيت وما يتلوه من البيتين سلم من نحو هذا، لم يكن في ذلك شئ يفوت شعر شاعر، أو كلام متكلم. وأما قوله: " والشرى أرى "، فإنه وإن كان قد تصنع له من جهة الطباق، ومن جهة التجنيس المقارب، فهي كلمة ثقيلة على اللسان، وهم يذمون نحو هذا، كما عابوا على أبي تمام قوله: كريمٌ متى أمدحْهُ أمدحه والورى * معى، ومتى مالمته لمته وحدي (٤) ذكر لى الصاحب [إسماعيل] (٥) بن عباد، أنه جارى أبا الفضل بن العميد في محاسن [هذه] (٥) القصيدة، حتى انتهى إلى هذا البيت، فذكر له في أن قوله: " أمدحه أمدحه، معيب، لثقله من جهة تدارك حروف الحلق.

стр. 317

ثم رأيت بعد ذلك المتقدمين قد تكلموا في هذه النكتة، فعلمت أن ذلك شئ عند أهل الصنعة معروف. / ثم أن قوله: " عند أكل الحنظل "، ليس بحسن ولا واقع. وأما البيت الثالث، فهو أجنبي من كلامه، غريب في طباعه، نافر من جملة شعره، وفيه كزازة وفجاجة، وإن كان المعنى صالحاً. * * * فأما قوله: وأغرّ في الزمن البهيم محجّل * قد رحتُ منه على أغرَّ مُحَجَّل (١) كالهيكل المبنيِّ إلا أنَّه * في الحسن جاء كصورةٍ في هيكل فالبيت الأول لم يتفق له فيه خروج حسن، بل هو مقطوع عما سلف من الكلام. وعامة خروجه نحو هذا، وهو غير بارع في هذا الباب، وهذا مذموم معيب منه، لأن (٢) من كان صناعته الشعر، وهو يأكل به، وتغافل عما يدفع (٣) إليه في كل قصيدة، واستهان بأحكامه وتجويده، مع تتبعه لان (٤) يكون عامة ما به يصدر أشعاره من النسيب عشرة أبيات، وتتبعه للصنعة الكثيرة، وتركيب العبارات، وتنقيح الألفاظ وتزويرها - كان ذلك أدخل في عيبه، وأدل على تقصيره أو قصوره، وإنما (٥) يقع له الخروج [الحسن في مواضع يسيرة /. وأبو تمام أشد تتبعا لتحسين الخروج] (٦) منه. وأما قوله: " وأغر في الزمن البهيم محجل "، فإن ذكر التحجيل في الممدوح قريب، وليس بالجيد، وقد يمكن أن يقال: إنه إذا قرن بالأغر حسن، وجرى مجراه، وانخرط في سلكه، وأهوى إلى مضماره، ولم ينكر لمكانه من جواره. فهذا عذر، والعدول عنه أحسن.

стр. 318

وإنما أراد أن يرد العجز على الصدر، ويأتى بوجه [في] (١) التجنيس. وفيه شئ، لأن ظاهر كلامه يوهم أنه قد صار ممتطيا (٢) الأغر الأول ورائحاً عليه. ولو سلم من ذلك لم يكن فيه ما يفوت حدود الشعراء، وأقاويل الناس. فأما ذكر الهيكل في البيت الثاني، ورده عجز البيت عليه، وظنه أنه قد ظفر بهذه اللفظة وعمل شيئاً، حتى كررها، فهي كلمة فيها ثقل، ونحن نجدهم إذا أرادوا أن يصفوا بنحو (٣) هذا قالوا: " ما هو إلا صورة "، و " ما هو إلا تمثال "، و " ما هو إلا دمية "، و " ما هو إلا ظبية "، ونحو ذلك من الكلمات الخفيفة على القلب واللسان. / وقد استدرك (٤) هو أيضاً على نفسه، فذكر أنه كصورة في هيكل، ولو اقتصر على ذكر الصورة وحذف الهيكل، كان أولى وأجمل. ولو أن هذه الكلمة كررها أصحاب العزائم على الشياطين، لراعوهم بها، وأفزعوهم بذكرها! وذلك من كلامهم، وشبيه بصناعتهم (٥) . * * * وأما قوله: وافي الضُّلوع يشدُّ عقد حزامه * يوم اللقاء على مُعِم مُخْول أخوالُه للرستمين بفارس * وجدوده للتبعين بموكل نبل المحزم مما يمدح به الخيل، فهو لم يأت فيه ببديع. وقوله: " يشد عقد حزامه "، داخل في التكلف والتعسف، لا يقبل من مثله وإن قبلناه من غيره، لأنه يتتبع الألفاظ وينقدها نقداً شديداً، فهلاَّ قال: " يشد (٦) حزامه "، أو يأتي بحشو آخر سوى العقد؟ فقد عقد هذا البيت بذكر العقد. ثم قوله: " يوم اللقاء "، حشو آخر لا يحتاج إليه.

стр. 319

وأما البيت الثاني فمعناه أصلح من ألفاظه، لأنها غير مجانسة لطباعه، وفيها غلظ ونفار. / وأما قوله: يهوي كما تهوي العقابُ وقد رأت * صيدا وينتصب انتصاب الأَجْدَل (١) متوجِسٌ برقيقتين كأنما * تُريان من ورق عليه مُوَصَّل (٢) ما إن يُعاف قَذى، ولو أوردته * يوماً خلائق حَمْدَوَيه الأحول (٣) البيت الأول صالح، وقد قاله الناس ولم يسبق إليه، ولم يقل ما لم يقولوه، بل هو منقول. وفي سرعة عدو الفرس تشبيهات ليس هذا بأبدعها، وقد يقولون: " يفوت الطرف "، و " يسبق الريح "، و " يجارى الوهم " و " يكد (٤) النظر " ولولا أن الإتيان على محاسن ما قالوه في ذلك يخرج الكلام عن غرض الكتاب، لنقلت (٥) لك جملة مما ذهبوا إليه في هذا المعنى. فتتبع تعلم أنه لم يأت فيها بما يجل عن الوصف، أو يفوت منتهى الحد. على أن الهوى يذكر عند الانقضاض خاصة، وليس للفرس هذه الصفة في الحقيقة، إلا أن يشبه حده (٦) في العدو بحالة انقضاض البازي والعقاب، وليست تلك الحالة بأسرع أحوال طيرانها. وأما البيت الثاني فقوله: إن الأذنين كأنهما من ورق موصل، وإنما أراد

стр. 320

بذلك حدتهما، وسرعة حركتهما، وإحساسهما بالصوت، كما يحس الورق بحفيف الريح، وظاهر التشبيه غير واقع، وإذا ضمن ما ذكرنا من المعنى كان المعنى حسناً، ولكن لا يدل عليه اللفظ، وإنما يجري مجرى المضمن. وليس هذا البيت برائق اللفظ، ولا مشاكل فيه لطبعه، غير (١) قوله: " متوجس برقيقتين "، فإن هذا القدر هو حسن (٢) . وأما البيت الثالث، فقد ذكرنا فيما مضى من الكتاب أنه من باب الاستطراد (٣) ونقلنا نظائر ذلك من قول أبي تمام وغيره، وقطعة أبي تمام في نهاية الحسن في هذا المعنى. / والذي وقع للبحتري في هذا البيت عندي (٤) ليس بجيد في لفظ ولا معنى، وهو بيت وحش جداً، قد صار قذى في عين هذه القصيدة، بل وخزاً فيها ووبالا عليها، قد كدَّر صفاءها، وأذهب بهاءها وماءها، وطمس بظلمته سناءها. وما وجه مدح الفرس بأنه لا يعاف قذى من المياه إذا وردها؟ ! كأنه أراد أن يسلك مسلك بشار في قوله: * ولا يشربُ الماء إلا بدم (٥) * وإذا كان لهذا الباب مجانبا، وعن هذا السمت بعيدا، فهلا وصفها بعزة الشرب؟ كما وصفها المتنبي في قوله: وَصُولُ إلى المستصعبات بخيلةٍ * فلو كان قرن الشمس ماء لا وردا (٦) وهلا (٧) سلك في مسلك القائل: وإني للماء الذي شابه القذَى * إذا كثرت وراده لعيوف؟ ! (٨)
следующие страницы →