← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فالبيت الأول مخالف لما عليه مذهبهم، في طلب الإسعاد (١) بالدموع، والإسعاف بالبكاء، ومخالف لأول كلامه، لأنه يفيد مخاطبة العذل، وهذا يفيد مخاطبة الرفيق. وقد بينت لك أن القوم يسلكون حفظ الألفاظ وتصنيعها، دون ضبط المعاني وترتيبها، ولذلك (٢) قال الله : (وَالْشُّعَرَاءَ يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وَادٍ يَهِيمُونَ /. وَأَنَّهُمْ يَقُولُون مَا لاَ يَفْعَلُونَ) (٣) فأخبر سبحانه أنهم يتبعون القول حيث توجه بهم، واللفظ كيف أطاعهم، والمعاني كيف تتبع ألفاظهم. وذلك خلاف ما وضع عليه الإبانة عن المقاصد بالخطاب، ولذلك كان طلب الفصاحة فيه أسهل وأمكن، فصار بهذا أبلغ خطابهم. ثم لو أن هذا البيت وما يتلوه من البيتين سلم من نحو هذا، لم يكن في ذلك شئ يفوت شعر شاعر، أو كلام متكلم. وأما قوله: " والشرى أرى "، فإنه وإن كان قد تصنع له من جهة الطباق، ومن جهة التجنيس المقارب، فهي كلمة ثقيلة على اللسان، وهم يذمون نحو هذا، كما عابوا على أبي تمام قوله: كريمٌ متى أمدحْهُ أمدحه والورى * معى، ومتى مالمته لمته وحدي (٤) ذكر لى الصاحب [إسماعيل] (٥) بن عباد، أنه جارى أبا الفضل بن العميد في محاسن [هذه] (٥) القصيدة، حتى انتهى إلى هذا البيت، فذكر له في أن قوله: " أمدحه أمدحه، معيب، لثقله من جهة تدارك حروف الحلق.

стр. 317

ثم رأيت بعد ذلك المتقدمين قد تكلموا في هذه النكتة، فعلمت أن ذلك شئ عند أهل الصنعة معروف. / ثم أن قوله: " عند أكل الحنظل "، ليس بحسن ولا واقع. وأما البيت الثالث، فهو أجنبي من كلامه، غريب في طباعه، نافر من جملة شعره، وفيه كزازة وفجاجة، وإن كان المعنى صالحاً. * * * فأما قوله: وأغرّ في الزمن البهيم محجّل * قد رحتُ منه على أغرَّ مُحَجَّل (١) كالهيكل المبنيِّ إلا أنَّه * في الحسن جاء كصورةٍ في هيكل فالبيت الأول لم يتفق له فيه خروج حسن، بل هو مقطوع عما سلف من الكلام. وعامة خروجه نحو هذا، وهو غير بارع في هذا الباب، وهذا مذموم معيب منه، لأن (٢) من كان صناعته الشعر، وهو يأكل به، وتغافل عما يدفع (٣) إليه في كل قصيدة، واستهان بأحكامه وتجويده، مع تتبعه لان (٤) يكون عامة ما به يصدر أشعاره من النسيب عشرة أبيات، وتتبعه للصنعة الكثيرة، وتركيب العبارات، وتنقيح الألفاظ وتزويرها - كان ذلك أدخل في عيبه، وأدل على تقصيره أو قصوره، وإنما (٥) يقع له الخروج [الحسن في مواضع يسيرة /. وأبو تمام أشد تتبعا لتحسين الخروج] (٦) منه. وأما قوله: " وأغر في الزمن البهيم محجل "، فإن ذكر التحجيل في الممدوح قريب، وليس بالجيد، وقد يمكن أن يقال: إنه إذا قرن بالأغر حسن، وجرى مجراه، وانخرط في سلكه، وأهوى إلى مضماره، ولم ينكر لمكانه من جواره. فهذا عذر، والعدول عنه أحسن.

стр. 318

وإنما أراد أن يرد العجز على الصدر، ويأتى بوجه [في] (١) التجنيس. وفيه شئ، لأن ظاهر كلامه يوهم أنه قد صار ممتطيا (٢) الأغر الأول ورائحاً عليه. ولو سلم من ذلك لم يكن فيه ما يفوت حدود الشعراء، وأقاويل الناس. فأما ذكر الهيكل في البيت الثاني، ورده عجز البيت عليه، وظنه أنه قد ظفر بهذه اللفظة وعمل شيئاً، حتى كررها، فهي كلمة فيها ثقل، ونحن نجدهم إذا أرادوا أن يصفوا بنحو (٣) هذا قالوا: " ما هو إلا صورة "، و " ما هو إلا تمثال "، و " ما هو إلا دمية "، و " ما هو إلا ظبية "، ونحو ذلك من الكلمات الخفيفة على القلب واللسان. / وقد استدرك (٤) هو أيضاً على نفسه، فذكر أنه كصورة في هيكل، ولو اقتصر على ذكر الصورة وحذف الهيكل، كان أولى وأجمل. ولو أن هذه الكلمة كررها أصحاب العزائم على الشياطين، لراعوهم بها، وأفزعوهم بذكرها! وذلك من كلامهم، وشبيه بصناعتهم (٥) . * * * وأما قوله: وافي الضُّلوع يشدُّ عقد حزامه * يوم اللقاء على مُعِم مُخْول أخوالُه للرستمين بفارس * وجدوده للتبعين بموكل نبل المحزم مما يمدح به الخيل، فهو لم يأت فيه ببديع. وقوله: " يشد عقد حزامه "، داخل في التكلف والتعسف، لا يقبل من مثله وإن قبلناه من غيره، لأنه يتتبع الألفاظ وينقدها نقداً شديداً، فهلاَّ قال: " يشد (٦) حزامه "، أو يأتي بحشو آخر سوى العقد؟ فقد عقد هذا البيت بذكر العقد. ثم قوله: " يوم اللقاء "، حشو آخر لا يحتاج إليه.

стр. 319

وأما البيت الثاني فمعناه أصلح من ألفاظه، لأنها غير مجانسة لطباعه، وفيها غلظ ونفار. / وأما قوله: يهوي كما تهوي العقابُ وقد رأت * صيدا وينتصب انتصاب الأَجْدَل (١) متوجِسٌ برقيقتين كأنما * تُريان من ورق عليه مُوَصَّل (٢) ما إن يُعاف قَذى، ولو أوردته * يوماً خلائق حَمْدَوَيه الأحول (٣) البيت الأول صالح، وقد قاله الناس ولم يسبق إليه، ولم يقل ما لم يقولوه، بل هو منقول. وفي سرعة عدو الفرس تشبيهات ليس هذا بأبدعها، وقد يقولون: " يفوت الطرف "، و " يسبق الريح "، و " يجارى الوهم " و " يكد (٤) النظر " ولولا أن الإتيان على محاسن ما قالوه في ذلك يخرج الكلام عن غرض الكتاب، لنقلت (٥) لك جملة مما ذهبوا إليه في هذا المعنى. فتتبع تعلم أنه لم يأت فيها بما يجل عن الوصف، أو يفوت منتهى الحد. على أن الهوى يذكر عند الانقضاض خاصة، وليس للفرس هذه الصفة في الحقيقة، إلا أن يشبه حده (٦) في العدو بحالة انقضاض البازي والعقاب، وليست تلك الحالة بأسرع أحوال طيرانها. وأما البيت الثاني فقوله: إن الأذنين كأنهما من ورق موصل، وإنما أراد

стр. 320

بذلك حدتهما، وسرعة حركتهما، وإحساسهما بالصوت، كما يحس الورق بحفيف الريح، وظاهر التشبيه غير واقع، وإذا ضمن ما ذكرنا من المعنى كان المعنى حسناً، ولكن لا يدل عليه اللفظ، وإنما يجري مجرى المضمن. وليس هذا البيت برائق اللفظ، ولا مشاكل فيه لطبعه، غير (١) قوله: " متوجس برقيقتين "، فإن هذا القدر هو حسن (٢) . وأما البيت الثالث، فقد ذكرنا فيما مضى من الكتاب أنه من باب الاستطراد (٣) ونقلنا نظائر ذلك من قول أبي تمام وغيره، وقطعة أبي تمام في نهاية الحسن في هذا المعنى. / والذي وقع للبحتري في هذا البيت عندي (٤) ليس بجيد في لفظ ولا معنى، وهو بيت وحش جداً، قد صار قذى في عين هذه القصيدة، بل وخزاً فيها ووبالا عليها، قد كدَّر صفاءها، وأذهب بهاءها وماءها، وطمس بظلمته سناءها. وما وجه مدح الفرس بأنه لا يعاف قذى من المياه إذا وردها؟ ! كأنه أراد أن يسلك مسلك بشار في قوله: * ولا يشربُ الماء إلا بدم (٥) * وإذا كان لهذا الباب مجانبا، وعن هذا السمت بعيدا، فهلا وصفها بعزة الشرب؟ كما وصفها المتنبي في قوله: وَصُولُ إلى المستصعبات بخيلةٍ * فلو كان قرن الشمس ماء لا وردا (٦) وهلا (٧) سلك في مسلك القائل: وإني للماء الذي شابه القذَى * إذا كثرت وراده لعيوف؟ ! (٨)

стр. 321

ثم قوله: " ولو أوردته يوماً "، حشو بارد! ! ثم قوله: " حمدويه الأحول "، وحش جداً، فما أمقت هذا / البيت وأبغضه، وما أثقله وأسخفه! وإنما غطى على عينه عيبه، وزين له إيراده طمعه في الاستطراد (١) ، وهلاَّ طمع فيه على وجه لا يغض من بهجة كلامه، ولا معنى (٢) ألفاظه؟ ! فقد كان يمكن ذلك ولا يتعذر. * * * وأما قوله: ذَنَبٌ كما سُحب الرداء يذُبُّ عن * عُرْفٍ وعرف كالقناع المُسْبَل تتوهم الجوزاءُ في أرساغه * والبدر فوق جبينه المتهلل فالبيت الأول وحش الابتداء، منقطع عما سبق من الكلام. وقد ذكرنا أنه لا يهتدي لوصل الكلام، ونظام بعضه إلى بعضه، وإنما يتصنع لغير هذا الوجه. وكان يحتاج أن يقول: ذنب كالرداء، فقد حذف (٣) [و] الوصل غير متسق ولا مليح، وكان من سبيله أن لا يخفى عليه، ولا يذهب عن مثله. ثم قوله: " كما سحب الرداء "، قبيح في تحقيق التشبيه، وليس بواقع ولا مستقيم في العبارة، إلا على إضمار أنه ذنب يسحبه كما يسحب الرداء! / وقوله: " يذب عن عرف "، ليس بحسن ولا صادق. والمحمود ما ذكره امرؤ القيس، وهو قوله: * فويق الأرض ليس بأعزل (٤) * وأما قوله: " تتوهم الجوزاء في أرساغه "، فهو تشبيه مليح، ولكنه لم يسبق إليه، ولا انفرد به.

стр. 322

ولو نسخت لك ما قاله الشعراء في تشبيه الغرة بالهلال والبدر والنجم وغير ذلك من الأمور، وتشبيه الحجول - لتعجبت من بدائع قد وقعوا عليها، وأمور مليحة قد ذهبوا إليها، وليس ذلك موضع كلامنا، فتتبع ذلك في أشعارهم، تعلم ما وصفت لك. واعلم أنا تركنا بقية كلامه في وصف الفرس، لأنه ذكر عشرين بيتاً في ذلك. والذي ذكرناه في هذا المعنى يدل على ما بعده، ولا يعدو (١) ما تركناه أن يكون [حسنا مقولا، ولا بديعا منقولا، أو يكون] (٢) متوسطاً إلى حد لا يفوت طريقة الشعراء. / ولو تتبعت أقاويل الشعراء في وصف الخيل، علمت أنه وإن جمع فأوعى، وحشر فنادى، ففيهم من سبقه في ميدانه، ومنهم من ساواه في شأوه، ومنهم من داناه. فالقبيل واحد، والنسيج متشاكل. ولولا كراهة التطويل لنقلت جملة من أشعارهم في ذلك، لتقف على ما قلت. فتجاوزنا إلى الكلام على ما قاله في المدح في هذه القصيدة. * * * قال: لمحمد بن علي الشرفُ الذي * لا يلحظ الجوزاءَ إلا من علِ وسحابة لولا تتابع مُزْنِها * فينا لراح المزنُ غيرَ مُبَخَّل (٣) والجودُ يعذله عليه حاتمٌ * سرفاً ولا جودٌ لمن لم يعذل البيت الأول منقطع عما قبله، على ما وصفنا به شعره: من قطعه (٤)

стр. 323

/ المعاني، وفصله بينها، وقلة تأتيه لتجويد الخروج والوصل، وذلك (١) نقصان في الصناعة، وتخلف في البراعة، وهذا إذا وقع في مواضع قليلة عذر فيها، وأما إذا كان بناء الغالب من كلامه على هذا، فلا عذر له. وأما المعنى الذى ذكره، فليس بشئ مما سبق إليه، وهو شئ مشترك فيه، وقد قالوا في نحوه: إن مجده سماء السماء، وقالوا في نحوه الكثير الذي يصعب نقل جميعه، وكما قال المتنبي: وعزمة بعثْتها همةٌ زُحَلٌ * من تحتها بمكان التُرب من زُحَلِ (٢) وحدثني إسماعيل بن عباد: أنه رأى (٣) أبا الفضل بن العميد قام لرجل، ثم قال لمن حضره: أتدري من هذا؟ هذا (٤) الذي قال في أبيه البحتري: * لمحمد بن على الشرف الذي (٥) * فذلك يدل على استعظامه للميت (٦) ، بما مدح به من البيت. / والبيت الثاني في تشبيه جوده بالسحاب قريب، وهو حديث مكرر، ليس ينفك مديح شاعر منه، وكان من سبيله أن يبدع فيه زيادة إبداع، كما قد يقع لهم لهم في نحو هذا، ولكنه لم يتصنع له، وأرسله إرسالاً. وقد وقع في المصراع الثاني ضرب من الخلل، وذلك: أن المزن إنما يبخل إذا منع نيله، وذلك (٧) موجود في كل نيل ممنوح، وكلاهما محمود مع الإسعاف، فإن أسعف أحدهما ومنع الآخر لم يمكن التشبيه، وإن كان إنما شبه غالب [حال] (٨) أحدهما بالآخر، وذكر قصور أحدهما عن صاحبه، حتى إنه قد يبخل في وقت

стр. 324

والآخر لا يبخل بحال - فهذا جيد، وليس في حمل الألفاظ على الإشارة إلى هذا شئ. والبيت الثالث، وإن كان معناه مكرراً، فلفظه مضطرب بالتأخير والتقديم، يشبه ألفاظ المبتدئين. وأما قوله: فضلٌ وإفضال وما أخذ المدى * بعد المدى كالفاضلِ المتَفَضِّلِ سارٍ. إذا ادَّلج العفاةُ إلى الندى * لا يصنع المعروف غيرَ معجَّل فالبيت الأول منقطع عما قبله، وليس فيه شئ غير التجنيس الذي ليس ببديع، لتكرره على كل لسان. / وقوله: " ما أخذ المدى [بعد المدى] (١) "، فإنه لفظ مليح، وهو كقول القائل: * قد أركبُ الآلة بعد الآلة (٢) * وروي (٣) : " الحالة بعد الحالة ". وكقول امرئ القيس: * سُمُوَّ حَبابِ الماء حالاً على حالِ (٤) * ولكنها طريقة مذللة، فهو فيها تابع. وأما البيت الثاني فقريب في اللفظ والمعنى. وقوله: " لا يصنع المعروف " ليس بلفظ محمود. وأما قوله: عالٍ على نظر الحسود كأنما * جَذَبَتْهُ أفرادٌ النجومِ بأحبُل (٥) أو ما رأيت المجدَ ألقى رحله * في آلِ طلحةَ ثم لم يتحول

стр. 325

فالبيت الأول منكر جداً في جر النجوم بالارسان (١) [من] (٢) / موضعه إلى العلو! والتكلف فيه واقع. والبيت الثاني أجنبي عنه، بعيد منه، وافتتاحه ردئ، وما وجه الاستفهام والتقرير والإستبانة والتوقيف؟ والبيتان أجنبيان من كلامه، غريبان في قصيدته. ولم يقع له في المدح في هذه القصيدة شئ جيد ألا ترى أنه قال بعد ذلك: نفسي فداؤك يا محمدُ من فتى * يُوفي على ظُلم الخطوبِ فتنجَلي (٣) إني أريدُ أبا سعيد، والعدى * بيني وبين سحابه المتهللِ كأن هذا ليس (٤) من طبعه ولا من سبكه. وقوله: مضر الجزيرة كلها وربيعة ال * * خابور توعدني وأَزْدُ الموصلِ قد جدت بالطّرفِ الجوادِ فثنه * لأخيك من أدد أبيك بمنُصْلِ البيت الأول حسن المعنى، وإن كانت ألفاظه بذكر الأماكن لا يتأتى فيه التحسين. وهذا المعنى قد يمكن إيراده بأحسن من هذا اللفظ وأبدع منه وأرق منه، كقوله: / إذا غضبت عليك بنو تميمٍ * رأيت الناسَ كلَّهُمُ غضابا (٥) والبيت الثاني قد تعذر عليه وصله بما سبق من الكلام على وجه يلطف (٦) ، وهو قبيح اللفظ، حيث يقول فيه: " فثنه لأخيك من أدد أبيك "، ومن أخذه بهذا التعرض (٧) لهذا السجع، وذكر هذا النسب، حتى أفسد به شعره!

стр. 326

وأما قوله بعد ذلك في وصف السيف، يقول: يتناولُ الروحَ البعيدَ منالُها * عفواً ويفتح في القضا المقفَل بابانة في كل حتفٍ مظلمٍ * وهداية في كلِّ نفسٍ مجهل (١) ماض وإن لم تمضه يد فارسٍ * بطلٍ ومصقول وإن لم يُصْقَلِ (٢) ليس لفظ البيت الأول بمضاهٍ لديباجة شعره، ولا له بهجة نظمه، لظهور أثر التكلف عليه، وتبين ثقل فيه. وأما القضاء المقفل " وفتحه، فكلام غير محمود ولا مرضي! واستعارة لو لم يستعرها كان (٣) أولى به! وهلاَّ عيب عليه كما عيب على أبي تمام قوله: فضربت الشتاء في أخدعيه * ضربةً غادرته عُودا ركوبا (٤) وقالوا: يستحق بهذه الإستعارة أن يصفع في أخدعيه! وقد اتبعه البحتري في استعارة الأخدع، ولوعاً باتباعه، فقال في الفتح بن خاقان: وإنى وإن أبلغتني شرف العلا * وأعتقتَ من ذلِّ المطامع أخدعي (٥) إن شيطانه حيث زين له هذه الكلمة، [و] تابعه حين حسن عنده (٦) هذه اللفظة - لخبيث ما رد، وردئ معاند، أراد أن يطلق أعنة الذم فيه، ويسرح جيوش العتب إليه! ولم يقنع بقفل القضاء، حتى جعل للحتف ظلمة تجلى بالسيف، وجعل السيف هادياً في النفس المجهل الذي لا يهتدي إليه! وليس في هذا مع تحسين (٧) اللفظ وتنميقه شئ، لان

стр. 327

السلاح وإن كان معيباً، فإنه يهتدي إلى النفس. وكان يجب أن يبدع في هذا إبداع المتنبي في قوله: كأن الهام في الهيجا عيون * وقد طبعت سيوفك في رقاد (١) وقد صُغت الأسنة من هموم * فما يخطرن إلا في فؤاد (٢) / فالإهتداء على هذا الوجه في التشبيه بديع حسن. وفى الببت الاول شئ آخر: وذلك أن قوله: " ويفتح في القضاء "، في هذا الموضع حشو ردئ، يلحق بصاحبه اللكنة، ويلزمه الهجنة. وأما البيت الثالث، فإنه أصلح (٣) هذه الأبيات، وإن كان ذكر الفارس حشواً، وتكلفاً ولغواً، لأن هذا لا يتغير بالفارس والراجل. على أنه ليس في بديع. وأما قوله: يغشى الوغى والتُّرسُ ليس بجنة * من حده والدرع ليس بمعقل (٤) مضغ إلى حكم الردى، فإذا مضى * لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدِل متوقدٌ يبري بأول ضربة * ما أدركت، ولو أنها في يذبل (٥) البيتان الاولان من الجنس الذى يكثر الكلامه وعليه، وهى طريقته / التى يجتبيها (٦) ، وذلك من السبك الكتابي والكلام المعتدل، إلا أنه لم يبدع فيهما (٧) بشئ، وقد زيد عليه فيهما.

стр. 328

ومن قصد إلى أن يكمل عشرة أبيات في وصف السيف، فليس من حكمه أن يأتي بأشياء منقولة، وأمور مذكورة، وسبيله أن يغرب ويبدع، كما أبدع المتنبي في قوله: سله الركض بعد وهن بنجد * فتصدى للغيث أهل الحجاز (١) هذا في باب صقاله وأضوائه وكثرة مائه، وكقوله: ريَّان لو قذف الذي أَسْقَيتَهُ * لجرى من المهجات بحر مزبد (٢) وقوله: " مصغٍ إلى حكم الردي " - إن تأملته - مقلوب، كان ينبغي أن يقول: يصغي الردى إلى حكمه، كما قال الآخر: * فالسيفُ يأمرُ والأقدارُ تنتظرُ (٣) * / وقوله: " وإذا قضى لم يعدل "، متكرر على ألسنتهم في الشعر خاصة، في نفس هذا المعنى. والبيت الثالث سليم، وهو كالاولين في خلوه من البديع. فأما (٤) قوله: فإذا أصاب فكل شئ مقتَلٌ * وإذا أُصِيب فما له من مقتَلِ وكأنما سُود النمال وحُمرِها * دبت بأيدٍ في قراه وأرجل البيت الاول يقصد بمثله صنعة (٥) اللفظ، وهو في المعنى متفاوت، لان

стр. 329

المضرب قد لا يكون مقتلاً، وقد يطلق الشعراء ذلك، ويرون أن هذا أبدع من قول المتنبي، وأنه بضده (١) : القاتل السيفُ في جسم القتيلِ به * وللسيوف كما للناس آجال (٢) وهذه طريقة لهم يتمدحون بها في قصف الرمح طعناً، وتقطيع السيف ضربا. وفي قوله: " وإذا أصيب فما له من مقتل " تعسف، لانه يريد بذلك أنه لا ينكسر، فالتعبير بما عبر به عن المعنى الذي ذكرناه يتضمن التكلف وضرباً من المحال، وليس بالنادر، والذى عليه الجملة ما حكيناه من غيره. ونحوه قال بعض أهل الزمان: يقصف في الفارس السمهريّ * وصدر الحسام فريقاً فريقا (٣) والبيت الثاني أيضاً هو معنى (٤) مكرر على السنة الشعراء. وأما تصنيعه بسود (٥) النمال وحمرها، فليس بشئ، ولعله أراد بالحمر الذر، والتفصيل بارد! والإعراب به منكر! وهو - كما حكى عن بعضهم أنه قال: كان كذا حين كانت الثريا بحذاء رأسي على سواء، أو منحرفاً قدر شبر، أو نصف شبر، أو إصبعا، أو ما يقارب ذلك! فقيل له: هذا من الورع الذي يبغضه الله، ويمقته الناس! ! ورب زيادة كانت نقصاناً. وصفة النمل بالسواد والحمرة في هذا من ذلك الجنس، وعليه خرج بقية البيت في قوله: * دبت بأيد في قراه وأرجل * وكان يكفي ذكر الأرجل عن ذكر الايدى.

стр. 330

/ ووصف (١) الفرند بمدب النمل شئ لا يشذ عن أحد منهم (٢) . وأما قوله: وكأن شاهره إذا استضوى به الز * حفان يعصي بالسماك الأعزل (٣) حملت حمائله القديمة بَقْلةً * من عهد عاد غضة لم تذبل البيت الأول منهما فيه ضرب من التكلف، وهو منقول من أشعارهم وألفاظهم، وإنما يقول: [وتراه في ظلم الوغى فتخاله * قمرا يشد على الرجال بكوكب] (٤) فجعل ذلك الكوكب السماك، واحتاج إلى أن يجعله أعزل، للقافية! ولو لم يحتج إلى ذلك كان خيراً له، لان هذه الصفة (٥) في هذا الموضع / تغض من الموصوف (٦) ، وموضع (٧) التكلف الذي ادعيناه، الحشو الذي ذكره من قوله: " إذا استضوى به الزحفان " وكان يكفي أن يقول: كأن صاحبه يعصي بالسماك، وهذا، وإن كان قد تعمل فيه للفظ، فهو غلو (٨) ، على ما بينا. وأما البيت الثاني ففيه لغو من جهة قوله: [" حمائله القديمة "، ولا يوصف السيف بأن] (٩) حمائله قديمة، ولا فضيلة له في ذلك.

стр. 331

ثم تشبيه السيف بالبقلة من تشبيهات العامة، والكلام الرذل النذل، لأن العامة (١) قد يتفق منها تشبيه واقع حسن. ثم انظر إلى هذا المقطع الذي هو بالعي أشبه منه بالفصاحة، وإلى اللكنة أقرب منه إلى البراعة، وقد بينا أن مراعاة الفواتح والخواتم، والمطلع والمقاطع، والفصل والوصل، بعد صحة الكلام، ووجود الفصاحة فيه - مما لا بد منه، وإن الإخلال بذلك يخل بالنظم، ويذهب رونقه، ويحيل بهحته، ويأخذ ماءه وبهاءه (٢) . * * * / وقد أطلت عليك فيما نقلت، وتكلفت ما سطرت، لأن هذا القبيل قبيل موضوع متعمل مصنوع (٣) . وأصل الباب في الشعر على أن ينظر إلى جملة القصة، ثم يتعمل الألفاظ، ولا ينظر بعد ذلك إلى مواقعها، ولا يتأمل مطارحها. وقد يقصد تارة إلى تحقيق الأغراض، وتصوير المعاني التي في النفوس، ولكنه يلحق بأصل بابه، ويميل بك إلى موضوعه، وبحسب الاهتمام بالصنعة يقع فيها (٤) التفاضل. وإن أردت أن تعرف وصاف الفرس، فقد ذكرت لك أن الشعراء قد تصرفوا في ذلك بما يقع إليك - إن كنت من أهل الصنعة - مما يطول عليَّ نقله، وكذلك في السيف. وذكر لي بعض أهل الأدب: أن أحسن قطعة في السيف قول أبى الهول الحميرى (٥) :

стр. 332

/ حاز صَمْصَامةَ الزبيديِّ من بي * ن جميع الأنام مُوسى الأمينُ (١) سيف عمرو وكان - فيما سمعنا - * خيرَ ما أطبقت عليه الجفون (٢) أخضر اللون بين برديه حدُّ * من ذُعافٍ تميس فيه المنون (٣) أوقدت فوقه الصواعق ناراً * ثم شابت له الذعاف القُيون (٤) فإذا ما شَهَرتَهُ بَهَرَ الشم * س ضياءً فلم تكد تستبين (٥) يستطير الأبصار كالقبس المش * عل لا تستقيمُ فيه العيون (٦) وكأن الفِرنْدَ والرونق الجا * ري في صفحتيه ماء معين (٧) نعم مخراق ذى الحفيظة في الهي * * جاء يعصي به، ونعم القرينُ (٨)

стр. 333

ما يبالي إذا انتحاه بضرب * أشمالٌ سَطَتْ به أم يمين (١) * * * وإنما يوازن شعر البحتري بشعر شاعر من طبقته، ومن أهل عصره، ومن هو في مضماره أو في منزلته. ومعرفة أجناس الكلام، والوقوف على أسراره، والوقوف على مقداره، شئ - وإن كان عزيزاً، وأمر - وإن كان بعيداً - فهو سهل على أهله، مستجيب لأصحابه، مطيع لاربابه، ينقدون الحروف، ويعرفون الصروف. وإنما تبقى الشبهة في ترتيب الحال بين البحتري، وأبي تمام، وابن الرومي، وغيره. ونحن وإن كنا نفضل البحتري بديباجة شعره، على ابن الرومي / وغيره من أهل زمانه - نقدمه بحسن عبارته، وسلاسة كلامه (٢) ، وعذوبة ألفاظه، وقلة تعقد قوله. والشعر قبيل ملتمس مستدرك، وأمر ممكن مطيع (٣) . ونظم القرآن عال عن أن يعلق به الوهم، أو يسمو إليه الفكر، أو يطمع فيه طامع، أو يطلبه طالب: (لاَ يَأْتِيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه تَنْزِيلُ مِنْ حَكيمٍ حَمِيدٍ) (٤) . وكنت قد ذكرت لك قبل هذا: أنك إن كنت بصنعة علم اللسان متدرباً، وفيه متوجهاً متقدماً، أمكنك الوقوف على ما ذكرنا، والنفوذ فيما وصفنا، وإلا فاجلس في مجلس المقلدين، وارض بمواقف المتحيرين. ونصحت لك حيث قلت: أنظر، هل تعرف عروق الذهب، ومحاسن الجوهر، وبدائع الياقوت، ودقائق (٥) السحر، من غير معرفة بأسباب هذه الأمور ومقدماتها؟ وهل يقطع سمت البلاد من غير اهتداء فيها؟

стр. 334

ولكل شئ طريق يتوصل إليه به، وباب يؤخذ نحوه فيه، ووجه يؤتى منه. / ومعرفة الكلام أشد من المعرفة بجميع ما وصفت (١) لك، وأغمض وأدق وألطف. وتصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب، حتى تعلمه وكأنك مشاهده، وإن كان قد يقع بالإشارة، ويحصل بالدلالة والإمارة، كما يحصل بالنطق الصريح، والقول الفصيح - فللإشارات أيضاً مراتب، وللسان (٢) منازل. ورب وصف يصور لك الموصوف كما هو على جهته لا خلف فيه، ورب وصف ببر (٣) عليه (٤) ويتعداه. ورب وصف يقصر عنه. ثم إذا صدق الوصف انقسم إلى صحة وإتقان، وحسن وإحسان، وإلى إجمال وشرح، وإلى استيفاء وتقريب، وإلى غير ذلك من الوجوه. ولكل مذهب وطريق، وله (٥) باب وسبيل: فوصف الجملة الواقعة، كقوله تعالى: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ منم رُعْباً) (٦) . والتفسير كقوله: (وَيَوْمَ نُسَيِّرَ الْجِبَالَ وَتَرىَ الأَرْضَ بارِزَةً / وَحَشَرْنَاهُم فَلم نُغَادِرْ منْهُم أَحَداً) (٧) إلى آخر الآيات في هذا المعنى. وكنحو قوله: (يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَقُواْ ربَّكُم، إِنَّ زلزلة الساعة شئ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كلُّ مُرضِعَةٌ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وَتَرىَ النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُم بِسُكارَى، وَلَكنَّ عَذَابَ الله شديد) (٨) . هذا مما يصور الشئ على جهته، ويمثل أهوال ذلك اليوم. ومما يصور لك الكلام الواقع في الصفة، كقوله حكاية عن السحرة لما توعدهم فرعون بما توعدهم به حين آمنوا: (قَالُواْ لاَ ضَيْرَ، إنا إلى ربنا

стр. 335

مُنْقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤمِنينَ) (١) . وقال في موضع آخر: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ، وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بآيَاتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوفَّنا مُسْلِمِينَ) (٢) وهذا ينبئ عن كلام الحزين لما ناله، الجازع لما مسه. ومن باب التسخير والتكوين، قوله تعالى: (إِنَّما أَمْرُه إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٣) . / وقوله: (فَقُلْنَا لَهُم كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (٤) . وكقوله: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إَنِ اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (٥) . وتقصي أقسام ذلك مما يطول، ولم أقصد استيفاء ذلك، وإنما ضربت لك المثل بما ذكرت لتستدل، وأشرت إليك بما أشرت لتتأمل. * * * وإنما اقتصرنا على ذكر قصيدة البحتري، لأن الكتاب يفضلونه على أهل دهره، ويقدمونه على من في عصره، ومنهم من يدّعي له الإعجاز غلواً، ويزعم أنه يناغي النجم في قوله علواً، والملحدة تستظهر بشعره، وتتكثر بقوله (٦) ، وترى كلامه من شبهاتهم، وعباراته مضافة (٧) إلى ما عندهم من ترهاتهم. فبينا قد درجته وموضع رتبته، وحد كلامه. وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه (٨) ، وأن يكون الليل كالنهار، والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر (٩) . * * * فإن قال قائل: فقد قدح الملحد في نظم القرآن، وادعى عليه الخلل في

стр. 336

البيان، وأضاف إليه الخطأ في المعنى واللفظ، [وزعم ما زعم] (١) ، وقال ما قال فهل من فصل؟ قيل: الكلام على مطاعن الملحدة في القرآن مما قد سبقنا إليه، وصنف أهل الأدب في بعضه، فكفوا، وأتى المتكلمون على ما وقع إليهم، فشفوا، ولولا ذلك لاستقصينا القول فيه في كتابنا. * وأما الغرض الذي صنفنا فيه في التفصيل والكشف عن إعجاز القرآن (٢) ، فلم نجده على التقريب الذي قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا. وإن سهل الله لنا ما نويناه: من إملاء " معاني القرآن " ٢) ذكرنا في ذلك ما يشتبه من الجنس الذي ذكروه، لأن أكثر ما يقع من الطعن عليه، فإنما يقع على جهل القوم بالمعاني، أو بطريقة كلام العرب. وليس ذلك من مقصود كتابنا هذا، وقد قال النبي صلى الله عليه / وسلم: " فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " (٣) . وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق، فمن كمل طبعه للوقوع (٤) على فضل أجناس الكلام استدرك ما بينا. ومن تعذر عليه الحكم بين شعر جريز والفرزدق والأخطل، والحكم بين فضل زهير والنابغة، أو الفضل (٥) بين البحتري وأصحابه، ولم يعرف سخف (٦) مسيلمة في نظمه، ولم يعلم أنه من الباب الذي يهزأ به ويسخر منه، كشعر أبى العنبس (٧) في جملة

стр. 337

الشعر، وشعر على بن صلاءة (١) -: فكيف يمكنه النظر فيما وصفنا، والحكم على ما بينا؟ ! * * * / فإن قال (٢) قائل: فاذكر لنا من هؤلاء الشعراء الذين سميتهم الأشعر والأبلغ. قيل له، هذا أيضاً خارج عن غرض هذا الكتاب، وقد تكلم فيه الأدباء. ويحتاج أن يجرد (٣) لنحو هذا كتاب (٤) ، ويفرد له باب، وليس من قبيل ما نحن فيه بسبيل. وليس لقائل أن يقول: قد يسلم بعض الكلام من العوارض والعيوب، ويبلغ أمده (٥) في الفصاحة والنظم العجيب، ولا يبلغ عندكم حد المعجز، فلم قضيتم بما قضيتم به في القرآن دون غيره من الكلام؟ وإنما لم يصح (٦) . هذا السؤال، وما نذكر فيه من أشعار في نهاية الحسن، وخطب ورسائل في غاية الفضل - لأنا قد بينا أن هذه الاجناس قد وقع التنازع (٧) فيها، والمساماة عليها، والتنافس في طرقها، والتنافر في بابها. وكان البون بين البعض والبعض في الطبقة الواحدة قريبا، والتفاوت خفيفاً، وذلك القدر من السبق إن ذهب عنه (٨) / الواحد، لم ييأس منه الباقون، ولم ينقطع الطمع في مثله. وليس كذلك سمت القرآن، لانه قد عرف أن الوهم ينقطع دون مجاراته، والطمع يرتفع عن مباراته ومساماته، وأن الكل في العجز عنه على حد واحد. وكذلك قد يزعم زاعمون (٩) : أن كلام الجاحظ من السمت الذي لا يؤخذ (١٠) فيه، والباب الذي لا يذهب (١١) عنه، وأنت تجد قوماً يرون كلامه قريبا،

стр. 338

ومنهاجه معيباً، ونطاق قوله ضيقاً، حتى يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت سائر، ومثل (١) نادر، وحكمة ممهدة منقولة، وقصة عجيبة مأثورة. وأما كلامه في أثناء ذلك فسطور قليلة، وألفاظ يسيرة، فإذا أحوج إلى تطويل الكلام خالياً عن شئ يستعين به - فيخلط بقوله من قول غيره - كان كلاماً (٢) ككلام غيره. فإن أردت أن تحقق هذا، فانظر في كتبه في " نظم القرآن " وفى " الرد على النصارى " وفي " خبر الواحد " وغير ذلك مما يجري / هذا المجرى، هل تجد في ذلك كله ورقة [واحدة] (٣) تشتمل على نظم بديع، أو كلام مليح؟ على أن متأخري الكتاب قد نازعوه في طريقته، وجاذبوه على منهجه، فمنهم من ساواه حين ساماه، ومنهم من أبر عليه إذ باراه. هذا " أبو الفضل بن العميد " قد سلك مسلكه (٤) ، وأخذ طريقه، فلم يقصر عنه، ولعله قد بان تقدمه عليه (٥) ، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه، ويكملها على شروط صنعته، ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه، كما ترى " الجاحظ " يفعله في كتبه، متى ذكر من كلامه سطراً أتبعه من كلام الناس (٦) أوراقاً، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتاباً. وهذا يدلك على أن الشئ إذا استحسن اتبع، وإذا استملح قصد له وتعمد (٧) . وهذا الشئ يرجع إلى الأخذ بالفضل، والتنافس في التقدم. فلو كان في مقدور البشر معارضة القرآن لهذا الغرض وحده - لكثرت المعارضات، ودامت المنافسات. فكيف وهناك دواع لا انتهاء لها، وجوالب لاحد لكثرتها / لأنهم لو كانوا عارضوه لتوصلوا إلى تكذيبه، ثم إلى قطع المحامين دونه عنه، أو تنفيرهم عليه، وإدخال الشبهات (٨) على قلوبهم، وكان القوم يكتفون بذلك عن بذل

стр. 339

النفوس، ونصب الأرواح، والأخطار بالأموال والذراري، في وجه عداوته ويستغنون بكلام - هو طبعهم وعادتهم وصناعتهم - عن محاربته، وطول مناقشته (١) ومجاذبته. وهذا الذى عرضناه على [عقلك، وجلوناه على] (٢) قلبك، يكفي إن هديت لرشدك، ويشفي إن دللت على قصدك. ونسأل الله حسن التوفيق، والعصمة والتسديد، إنه لا معرفة إلا بهدايته ولا عصمة إلا بكفايته، وهو على ما يشاء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 340

/ فصل فإن (١) قال قائل: قد يجوز أن يكون أهل عصر النبي ﷺ قد عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن، وإن كان من بعدهم من أهل الإعصار لم يعجزوا. قيل: هذا سؤال معروف، وقد أجيب عنه بوجوه، منها ما هو صواب، ومنها ما فيه (٢) خلل: لأن من كان يجيب عنه: بأنهم (٣) لا يقدرون على معارضته في الأخبار عن الغيوب إن قدروا على مثل نظمه - فقد سلم المسألة، لأنا ذكرنا أن نظمه معجز لا يقدر عليه، فإذا أجاب بما قدمناه فقد وافق السائل على مراده. والوجه أن يقال: فيه طرق: منها: أنا إذا علمنا أن أهل ذلك العصر كانوا عاجزين عن الإتيان بمثله، فمن بعدهم أعجز، لأن فصاحة أولئك في وجوه ما كانوا يتفننون (٤) فيه من القول، مما لا يزيد عليه فصاحة من بعدهم، / وأحسن (٥) أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم، فأما أن يتقدموهم أو يسبقوهم، فلا. ومنها: أنا قد علمنا عجز سائر أهل الإعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول، والطريق في العلم بكل واحد من الأمرين طريق واحد، لأن التحدي في الكل على جهة واحدة، والتنافس (٦) في الطباع على حد [واحد] (٧) ، والتكليف (٨) على منهاج لا يختلف. ولذلك قال الله ﵎: (قُلْ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (٩) .

стр. 341

/ فصل في التحدي يجب أن تعلم أن من حكم المعجزات إذا ظهرت على الأنبياء أن: يدعوا فيها أنها من دلالتهم وآياتهم، لأنه لا يصح بعثة النبي من غير أن يؤتى دلالة، ويؤيد بآية، لأن النبي لا يتميز من الكاذب بصورته (١) ، ولا يقول نفسه، ولا بشئ آخر، سوى البرهان الذي يظهر عليه، فيستدل به على صدقه. فإن ذكر لهم أن هذه آيتي، وكانوا عاجزين عنها - صح له ما ادعاه. ولو كانوا غير عاجزين عنها - لم يصح أن يكون برهانا له. وليس يكون معجزا إلا بأن يتحداهم إلى أن يأتوا بمثله. فإذا تحداهم وبان عجزهم - صار ذلك معجزا. وإنما احتيج في باب القرآن إلى التحدي، لأن من الناس من لا يعرف كونه معجزا، فإنما يعرف أو لا إعجازه بطريق (٢) ، لأن الكلام المعجز لا يتميز من غيره بحروفه (٣) وصورته، وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة كونه معجزاً. / فإن كان لا يعرف بعضهم إعجازه، فيجب أن يعرف هذا، حتى يمكنه أن يستدل به. ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدي إليه، والتقريع به، والتمكين (٤) منه - صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء، وانقلاب العصى ثعبانا تتلقف ما يأفكون. وأما من كان من أهل صنعة العربية، والتقدم في البلاغة، ومعرفة فنون (٥) القول، ووجوه المنطق - فإنه يعرف - حين يسمعه - عجزه عن الاتيان بمثله،

стр. 342

ويعرف أيضاً أهل عصره، ممن هو في طبقته أو يدانيه في صناعته، عجزهم عنه، فلا يحتاج إلى التحدي حتى يعلم به كونه معجزا. ولو كان أهل الصنعة الذين صفتهم ما بينا لا يعرفون كونه معجزاً حتى يعرفوا عجز غيرهم عنه - لم يجز أن يعرف النبي ﷺ ، أن القرآن معجز حتى يرى عجز قريش عنه بعد التحدي إليه، وإذا عرف عجز قريش لم يعرف عجز سائر العرب عنه حتى ينتهي إلى التحدي إلى أقصاهم، وحتى يعرف عجز مسيلمة الكذاب عنه، ثم يعرف حينئذ كونه معجزاً. وهذا القول - إن قيل - أفحش ما يكون من الخطأ! ! / فيجب أن تكون منزلة أهل الصنعة في معرفة إعجاز القرآن بأنفسهم منزلة من رأى اليد البيضاء وفلق البحر، بأن ذلك معجز. وأما من لم يكن من أهل الصنعة، فلا بد له من مرتبة قبل هذه المرتبة، يعرف بها كونه معجزاً، فيساوي حينئذ أهل الصنعة، فيكون استدلالهها في تلك الحالة به على صدق من ظهر ذلك عليه على سواء (١) ، إذا ادعاه - دلالة على نبوته وبرهاناً على صدقه. فأما من قدر أن القرآن لا يصير معجزاً إلا بالتحدي إليه، فهو كتقدير من ظن أن جميع آيات موسى وعيسى، ﵉، ليست بآيات حتى التحدي إليها والحض عليها، ثم يقع العجز عنها، فيعلم حينئذ أنها معجزات (٢) . وقد سلف من كلامنا في هذا المعنى ما يغني عن الاعادة. ويبين ما ذكرناه في غير البليغ: أن الأعجمي الآن لا يعرف إعجاز القرآن إلا بأمور زائدة على الأعجمي الذي كان في ذلك الزمان مشاهداً له، لأن من هو من أهل العصر يحتاج أن يعرف أو لا أن العرب عجزوا عنه، وإنما يعلم عجزهم عنه بنقل الناقلة إليه أن (٣) النبي ﷺ قد تحدى العرب إليه فعجزوا عنه، ويحتاج في النقل إلى شروط، وليس يصير القرآن بهذا النقل

стр. 343

معجزاً، كذلك لا يصير معجزاً بأن / يعلم العربي الذي ليس ببليغ أنهم قد عجزوا عنه بأجمعهم (١) ، بل هو معجز في نفسه، وإنما طريق معرفة هذا (٢) وقوفهم على العلم بعجزهم عنه.

стр. 344

/ فصل في قدر المعجز من القرآن الذي ذهب إليه عامة أصحابنا - وهو قول [الشيخ] (١) أبي الحسن الأشعري في كتبه - أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها. قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة (٢) ، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز. قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر. وذهبت (٣) " المعتزلة " إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة. وقد حكي عنهم نحو قولنا، إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة، بل شرط الآيات الكثيرة. وقد علمنا أنه تحداهم تحدياً إلى السور كلها، ولم يخص، ولم يأتوا لشئ منها بمثل، فعلم أن جميع ذلك معجز. وأما قوله : (فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) (٤) فليس بمخالف / لهذا، لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة. وهذا يؤكد ما ذهب إليه أصحابنا ويؤيده، وإن كان قد يتأول قوله: (فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) على أن يكون راجعاً إلى القبيل دون التفصيل. وكذلك يحمل قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) (٥) على القبيل، لأنه لم يجعل الحجة عليهم عجزهم عن الإتيان بجميعه من أوله إلى آخره. فإن قيل: هل تعرفون إعجاز السور القصار بما تعرفون إعجاز السور الطوال؟

стр. 345

وهل تعرفون إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذي قدرتموه بمثل ما تعرفون به إعجاز سورة البقرة ونحوها؟ فالجواب: أن [شيخنا] (١) أبا الحسن الأشعري، ﵀ (٢) ، أجاب عن ذلك: بأن كل سورة قد علم كونها معجزة بعجز العرب عنها. وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن، يقول: إن ذلك يصح أن يكون علم ذلك توقيفاً. والطريقة الأولى أسدّ. وليس هذا الذي ذكرناه أخيراً بمناف له، لأنه / لا يمتنع أن يعلم إعجازه بطرق مختلفة تتوافى عليه وتجتمع فيه. واعلم أن تحت اختلاف هذه الأجوبة ضرباً من الفائدة. لأن الطريقة الأولى تبين أن ما علم به كون جميع القرآن معجزاً - موجود في كل سورة، صغرت أو كبرت، فيجب أن يكون الحكم في الكل واحداً. والطريقة الأخيرة تتضمن تعذر معرفة إعجاز القرآن بالطريقة التى سلكناها في كتابنا (٣) من التفصيل الذي بينا، فيما تعرف به في الكلام الفصاحة، وتتبين به (٤) البلاغة، حتى يعلم ذلك بوجه (٥) آخر، فيستوي في هذا القدر البليغ وغيره في أن لا يعلمه معجزاً حتى يستدل به من وجه آخر سوى ما يعلمه البلغاء من التقدم في الصنعة، وهذا غير ممتنع. ألا ترى أن الإعجاز في بعض السور والآيات أظهر، وفى بعضها أغمض [وأدق؟ فلا يفتقر البليغ] (٦) في النظر في حال بعضها إلى تأمل كثير، ولا بحث شديد، حتى يتبين له الإعجاز. ويفتقر في بعضها إلى نظر دقيق وبحث لطيف، حتى يقع على الجلية، ويصل إلى المطلب. / ولا (٧) يمتنع أن يذهب عليه الوجه في بعض السور، فيحتاج أن يفزع فيه إلى إجماع أو توقيف، أو ما علمه من عجز العرب قاطبة عنه.

стр. 346

فإن ادعى ملحد، أو زعم زنديق، أنه لا يقع العجز عن الإتيان بمثل السور القصار أو الآيات بهذا المقدار! قلنا له: إن الإعجاز قد حصل بما بيناه، وعرف بما وقفنا عليه (١) من عجز العرب عنه. ثم فيه شئ آخر، وهو: أن هذا سؤال لا يستقيم للملحد (٢) ، لأنه يزعم أنه ليس في القرآن كله إعجاز، فكيف يجوز أن نناظره على تفصيله (٣) ؟ ! وإذا ثبت لنا معه إعجازه في السور الطوال، قامت الحجة عليه، وثبتت المعجزة، ولا معنى لطلبه لكثرة الأدلة والمعجزات. ونحن نعلم أن (٤) إعجاز البعض بما بيناه، والبعض الآخر بأنه (٥) إذا ثبت الأصل لم يبق بعد ذلك إلا قولنا، لأنا عرفنا في البعض (٦) الإعجاز بما بينا، ثم عرفنا في الباقي بالتوقيف، ونحو ذلك. وليس بممتنع اختلاف حال الكلام، حتى يكون الإعجاز على بعضه أظهر، وفي بعضه أغمض، ومن آمن ببعض دون بعض كان مذموماً، على ما قال الله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وتكفرون ببعض) (٧) وقال: (وننزل من القرآن ما هشفاء وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨) فظاهره عند بعض أهل التأويل كالدليل على أن الشفاء (٩ ببعضه أوقع، وإن كنا نقول: أنه يدل على أن الشفاء ٩) في جميعه. واعلم أن الكلام يقع فيه الأبلغ والبليغ، ولذلك كانوا يسمون الكلمة: " يتيمة "، ويسمون البيت الواحد: " يتيما " (١٠) . سمعت إسماعيل بن عباد (١١) يقول: سمعت أبا بكر بن مقسم (١٢) يقول:

стр. 347

سمعت ثعلبا يقول: [سمعت سلمة (١) يقول] (٢) : سمعت الفراء / يقول: العرب تسمي البيت الواحد يتيماً، وكذلك يقال (٣) : " الدرة اليتيمة "، لانفرادها، فإذا بلغ البيتين والثلاثة فهي " نتفة "، وإلى العشرة تسمى " قطعة "، وإذا بلغ العشرين استحق أن يسمى " قصيداً "، وذلك مأخوذ من المخ القصيد، وهو المتراكم بعضه على بعض، وهو ضد الرار (٤) ، ومثله الرثيد (٥) . انتهت الحكاية، ثم استشهد بقول لبيد (٦) : فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما * ألقت ذُكاء يمينها في كافر (٧) / يريد بيض النعام، لانه ينضد بعضه على بعض. وكذلك يقع في الكلام البيت الوحشي والنادر، والمثل السائر، والمعنى الغريب، والشئ الذي لو اجتهد له لم يقع عليه، فيتفق له ويصادفه. قال لي بعض علماء هذه الصنعة - وجاريته في ذلك - إن هذا مما

стр. 348

لا سبب له يخصه، وإنما سببه الغزارة (١) في أصل الصنعة، والتقدم في عيون (٢) المعرفة، فإذا وجد ذلك وقع له من الباب ما يطرد عن حساب، وما يشذ عن تفصيل الحساب. فأما ما قلنا: من أن ما بلغ قدر السورة معجز، فإن ذلك صحيح.

стр. 349

/ فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة ؟ ذهب [الشيخ] (١) أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك عن (٢) النبي ﷺ ، يعلم ضرورة، وكونه معجزا يعلم باستدلال (٣) . وهذا المذهب محكى عن المخالفين. والذي نقوله في هذا: أن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالاً، وكذلك من لم يكن بليغا. فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة - فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه عن الاتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه، كما أنه إذا علم الواحد منا أنه لا يقدر على ذلك، فهو (٤) يعلم عجز غيره استدلالا.

стр. 350

/ فصل فيما يتعلق به الاعجاز إن قال قائل: بينوا لنا ما الذي وقع التحدي إليه؟ أهو الحروف المنظومة؟ أو الكلام القائم بالذات؟ أو غير ذلك؟ قيل: الذي تحداهم به: أن يأتوا بمثل الحروف التي هي نظم القرآن، منظومة كنظمها، متتابعة كتتابعها، مطردة كاطرادها، ولم يتحدهم إلى أن يأتوا بمثل الكلام القديم الذي لا مثل له. وإن كان كذلك فالتحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة، التي هي عبارة عن كلام الله تعالى في نظمها وتأليفها، وهي حكاية لكلامه، ودلالات عليه، وأمارات (١) له، على أن يكونوا مستأنفين لذلك، لا حاكين بما أتى به النبي ﷺ . ولا يجب أن يقدر مقدر أو يظن ظان أنا حين قلنا: إن القرآن معجز، وأنه (٢) تحداهم إلى أن يأتوا بمثله - أردنا غير ما فسرناه، من العبارات عن الكلام القديم القائم بالذات. وقد بينا قبل هذا أنه لم يكن ذلك معجزاً، لكونه عبارة عن / الكلام (٣) القديم، لأن التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام (٤) القديم، وليس ذلك بمعجز في النظم والتأليف. وكذلك ما دون الآية - كاللفظة - عبارة عن كلامه، وليست بمنفردها بمعجزة. وقد جوز بعض أصحابنا: أن يتحداهم إلى مثل كلامه القديم القائم بنفسه! والذي عول عليه مشايخنا ما قدمنا ذكره، وعلى ذلك أكثر مذاهب الناس.

стр. 351

ولم نحب أن نفسر ونذكر موجب هذا المذهب الذي حكيناه وما يتصل به، لأنه خارج عن غرض كتابنا، لان الاعجاز واقع (١) في نظم الحروف التي هي دلالات وعبارات عن كلامه. وإلى مثل هذا النظم وقع التحدي، فبينا وجه ذلك، وكيفية ما نتصور (٢) القول فيه، وأزلنا توهم من يتوهم (٣) أن القديم حروف منظومة، أو حروف غير منظومة، أو شئ مؤلف (٤) ، أو غير ذلك، مما يصح أن يتوهم على ما سبق من إطلاق القول فيما مضى.

стр. 352

/ فصل في وصف وجوه من البلاغة ذكر بعض أهل الأدب والكلام (١) : أن البلاغة على عشرة أقسام (٢) : الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان (٣) . فأما " الإيجاز " فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى، فيأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة. وذلك ينقسم إلى حذف، وقصر: / فالحذف: الإسقاط للتخفيف، كقوله: وَاسْأَلِ القَرْيَةِ) (٤) . وقوله: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (٥) . وحذف الجواب كقوله: (وَلَوْ أَنَّ قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) (٦) . كأنه قيل: لكان هذا القرآن. والحذف أبلغ من الذكر، لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب (٧) .

стр. 353

والايجاز بالقصر (١) كقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (٢) . وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهمْ، هُمُ الْعَدُوُّ) (٣) . وقوله: (إِنَّمَا بغيكم على أنفسكم) (٤) . وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) . (٥) / والاطناب (٦) فيه بلاغة، فأما التطويل ففيه على (٧) . * * * وأما التشبيه، فهو العقد (٨) على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في

стр. 354

حسن أو عقل، كقوله: (وَالَّذِينَ كَفُرُواْ أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ بِقِيعةٍ يَحْسَبُهُ الْظَمْآنُ مَاءً، حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) (١) . وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يوم عاصف) (٢) . وقوله: (وإذ نتفنا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّه ظُلَّةٌ) (٣) . / وقوله: (إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فاخْتَلَطَ به بنات الارض مما يأكل الناس والانعام، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زَخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارَاً، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً، كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) (٤) وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِّرٍ. تَنْزِعُ النَّاسَ كّأَنَّهُم أعجاز نخل منقعر) (٥) .

стр. 355

وقوله: (فَإِذَا اْنشَقَّتِ السَّماءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) (١) . وقوله: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، كَمَثَلِ غِيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ / نَبَاتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً) (٢) . وقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ) (٣) . وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارَ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (٤) . وقوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَث) (٥) . وقوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) (٦) . وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخّذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أولياء كمثل العنكبوت / اتخذت
следующие страницы →