← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولم نحب أن نفسر ونذكر موجب هذا المذهب الذي حكيناه وما يتصل به، لأنه خارج عن غرض كتابنا، لان الاعجاز واقع (١) في نظم الحروف التي هي دلالات وعبارات عن كلامه. وإلى مثل هذا النظم وقع التحدي، فبينا وجه ذلك، وكيفية ما نتصور (٢) القول فيه، وأزلنا توهم من يتوهم (٣) أن القديم حروف منظومة، أو حروف غير منظومة، أو شئ مؤلف (٤) ، أو غير ذلك، مما يصح أن يتوهم على ما سبق من إطلاق القول فيما مضى.

стр. 352

/ فصل في وصف وجوه من البلاغة ذكر بعض أهل الأدب والكلام (١) : أن البلاغة على عشرة أقسام (٢) : الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان (٣) . فأما " الإيجاز " فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى، فيأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة. وذلك ينقسم إلى حذف، وقصر: / فالحذف: الإسقاط للتخفيف، كقوله: وَاسْأَلِ القَرْيَةِ) (٤) . وقوله: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (٥) . وحذف الجواب كقوله: (وَلَوْ أَنَّ قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) (٦) . كأنه قيل: لكان هذا القرآن. والحذف أبلغ من الذكر، لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب (٧) .

стр. 353

والايجاز بالقصر (١) كقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (٢) . وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهمْ، هُمُ الْعَدُوُّ) (٣) . وقوله: (إِنَّمَا بغيكم على أنفسكم) (٤) . وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) . (٥) / والاطناب (٦) فيه بلاغة، فأما التطويل ففيه على (٧) . * * * وأما التشبيه، فهو العقد (٨) على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في

стр. 354

حسن أو عقل، كقوله: (وَالَّذِينَ كَفُرُواْ أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ بِقِيعةٍ يَحْسَبُهُ الْظَمْآنُ مَاءً، حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) (١) . وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يوم عاصف) (٢) . وقوله: (وإذ نتفنا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّه ظُلَّةٌ) (٣) . / وقوله: (إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فاخْتَلَطَ به بنات الارض مما يأكل الناس والانعام، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زَخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارَاً، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً، كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) (٤) وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِّرٍ. تَنْزِعُ النَّاسَ كّأَنَّهُم أعجاز نخل منقعر) (٥) .

стр. 355

وقوله: (فَإِذَا اْنشَقَّتِ السَّماءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) (١) . وقوله: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، كَمَثَلِ غِيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ / نَبَاتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً) (٢) . وقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ) (٣) . وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارَ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (٤) . وقوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَث) (٥) . وقوله: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) (٦) . وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخّذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أولياء كمثل العنكبوت / اتخذت

стр. 356

بَيْتَاً، وإِنَّ أَوْهَنَ الْبِيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) (١) . وقوله: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) (٢) . وقوله: (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ) (٣) . ونحو ذلك. * * * ومن ذلك: " باب الاستعارة " وذلك يباين (٤) " التشبيه ". كقوله تعالى: (وقد منا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءٍ مَنْثُوراً) (٥) . / وكقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (٦) . وكقوله: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة) (٧) . وقوله: (وَلَمَّا سَكَتَ عِن مُّوسَى الغضب) (٨) .

стр. 357

وكقوله: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) (١) . وقوله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) (٢) . فالدمغ والقذف مستعار. / وقوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) (٣) . وقوله: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم) (٤) . وقوله: (فذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (٥) . وقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (٦) . وقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) (٧) . وقوله: (مستهم البأساء والضراء وزلزلوا (٨) .

стр. 358

/ وقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) (١) . وقوله: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارَاً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدَاً) (٢) . وقوله: (حَصِيدَاً خَامِدِينَ) (٣) . وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) (٤) . وقوله: (وَدَاعِيَاً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجَاً مُنِيراُ) (٥) . وقوله: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) (٦) . / وقوله: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ) (٧) . وقوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ) يريد: أن لا إحساس بآذانهم من غير صمم (٨) .

стр. 359

وقوله: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيِهم) (١) . وهذا أوقع من اللفظ الظاهر، وأبلغ من الكلام الموضوع [له] (٢) . * * * / وأما " التللاؤم "، فهو: تعديل الحروف في التأليف. وهو نقيض " التنافر " [الذى هو] (٣) كقول الشاعر: وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرٍ * وليس قربَ قبرِ حربٍ قبرُ (٤) قالوا: هو من شعر الجن! وحروفه متنافرة، لا يمكن إنشاده إلا بتتعتع فيه! (٥) . " والتلاؤم " على ضربين: أحدهما في الطبقة الوسطى، كقوله (٦) : رمتني وستْرُ الله بيني وبينها * عشيةَ آرامِ الكناس رميمُ (٧) رميمُ التي قالت لجارات بيتها: * ضمنتُ لكم أن لا يزال يَهِيمُ (٨) / ألا رُبَّ يومٍ لو رمتني رميتُها * ولكن عهدي بالنضال قديم (٩)

стр. 360

قالوا (١) : والمتلائم في الطبقة العليا: القرآن كله، وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض، كما أن بعضهم يفطن للموزون بخلاف بعض. و" التلاؤم " (٢) : حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، ووقع المعنى في القلب. وذلك كالخط الحسن والبيان الشافي، والمتنافر / كالخط القبيح، فإذا انضاف إلى التلاؤم حسن البيان وصحة البرهان في أعلى الطبقات - ظهر الإعجاز لمن كان جيد الطبع، وبصيرا بجواهر (٣) الكلام، كما يظهر له أعلى طبقة الشعر (٤) . و" المتنافر "، ذهب الخليل إلى أنه من بعد شديد، أو قرب شديد، فإذا بعد فهو كالطفر (٥) . وإذا قرب جدا بمنزلة مشى المقيد. ويبين بقرب مخارج الحروف وتباعدها. * * * وأما " الفواصل ": فهي حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني وفيها بلاغة. والإسجاع عيب، لان السجع يتبعه (٦) المعنى، والفواصل تابعة)

стр. 361

للمعاني (١) . والسجع كقول " مسيلمة ". / ثم الفواصل قد تقع على حروف متجانسة، كما قد تقع على حروف متقاربة، ولا تحتمل القوافي ما تحتمل الفواصل، لأنها ليست في الطبقة العليا في البلاغة، لأن الكلام يحسن فيها بمجانسة القوافى وإقامة الوزن (٢) . وأما " التجانس "، فهو: بيان أنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد. وهو على وجهين: مزاوجة، ومناسبة. المزاوجة كقوله تعالى: (فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيهِ بَمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (٣)) . وقوله: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ) (٤) . وكقول عمرو بن كلثوم (٥) : ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا * فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا (٦)

стр. 362

* * * وأما " المناسبة "، فهي كقوله تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُواْ صرف الله قلوبهم) (١) وقوله: (يخافون يوم تتقلب فيه القلوب والابصار) (٢) . * * * / وأما " التصريف " (٣) فهو: تصريف الكلام في المعاني، كتصريفه في الدلالات المختلفة (٤) ، كتصريف " الملك " في معاني الصفات، فصرف في معنى " مالك " و " ملك " و " ذى الملكوت " و " المليك "، وفى معنى " التمليك " والتملك و " الاملاك "، وتصريف المعنى في الدلالات المختلفة، كما كرر من قصة موسى في مواضع (٥) . * * * وأما " التضمين " فهو: حصول معنى فيه من غير ذكره له باسم أو صفة هي عبارة عنه (٦) .

стр. 363

/ وذلك على وجهين: تضمين توجبه البنية، كقولنا: " معلوم "، يوجب أنه لا بد من عالم. وتضمين يوجبه معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به، كالصفة بضارب، على مضروب (١) . والتضمين كله إيجاز، [وذكر: أن] التضمين الذي تدل عليه دلالات القياس أيضاً إيجاز (٢) . وذكر: أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من باب التضمين، لأنه / تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله ﵎، أو التبرك باسمه (٣) . * * * وأما المبالغة "، فهي: الدلالة على كثرة المعنى. وذلك على وجوه: منها مبالغة في الصفة المبينة لذلك، كقولك: " رحمان " عدل عن راحم " (٤) .

стр. 364

للمبالغة، وكقوله " غفار " وكذلك فعال (١) وفعول، كقوله: " شكور " وغفور "، وفعيل، كقوله: " رحيم " و " قدير ". ومن ذلك أن يبالغ باللفظة التي هي صفة عامة (٢) ، كقوله: (خالق كل شئ) (٣) وكقوله: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ) (٤) . / وكقوله: (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حّتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) (٥) . وكقوله: (وَإنَّا أوْ إِيَّاكَمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) (٦) . وقد يدخل فيه الحذف الذى تقدم ذكره للمبالغة (٧) . * * * وأما " حسن البيان " فالبيان على أربعة أقسام (٨) : كلام، وحال، وإشارة، وعلامة. / ويقع التفاضل في البيان، ولذلك قال عز من قائل: (الرَّحْمَنُ، علم

стр. 365

القرآن، خلق الانسان علمه البيان) (١) . [ونقيضه العى، ومنه] (٢) قيل: أعيامن باقل، سئل عن ظبية في يده: بكم اشتراها؟ فأراد أن يقول: بأحد عشر، فأشار بيديه مادا أصابعه العشر، ثم أدلع لسانه، فأفلتت الظبية من يده! ! * * * ثم البيان على مراتب (٣) . قلنا (٤) : قد كنا حكينا أن من الناس من يريد أن يأخذ إعجاز القرآن من وجوه البلاغة التي ذكرنا أنها تسمى " البديع " في أول الكتاب، مما مضت أمثلته في الشعر. ومن الناس من زعم: أنه يأخذ ذلك من هذه الوجوه التي عددناها في هذا الفصل. / واعلم أن الذي بيناه قبل هذا وذهبنا إليه هو سديد (٥) ، وهو أن هذه الأمور تنقسم: فمنها ما يمكن الوقوع عليه، والتعمل له، ويدرك بالتعلم، فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم والتعمل من البلاغات، فلذلك هو الذي يدل على إعجازه، ونحن نضرب لك أمثلة، لتقف على ما ذهبنا إليه. وذكرنا في هذا الفصل عن هذا " القائل " أن التشبيه تعرف به البلاغة. وذلك مسلم، ولكن (٦) إن قلنا: ما وقع من التشبيه في القرآن معجز - عرض (٧) علينا

стр. 366

من التشبيهات الجارية في الأشعار ما لا يخفى عليك، وأنت تجد في شعر ابن المعتز من التشبيه البديع الذي يشبه السحر، وقد تتبع في هذا ما لم يتتبع غيره، واتفق له ما لم يتفق لغيره من الشعراء. وكذلك كثير من وجوه البلاغة، قد بينا أن تعلمها يمكن، وليس تقع البلاغة بوجه واحد منها دون غيره. فإن كان إنما يعني هذا " القائل " أنه إذا أتى في كل معنى يتفق في كلامه بالطبقة العالية، ثم كان ما يصل به كلامه بعضه ببعض، وينتهي / منه إلى متصرفاته -: على أتم البلاغة وأبدع البراعة - فهذا مما لا نأباه، بل نقول به. وإنما ننكر أن يقول قائل: إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز من غير أن يقارنه ما يصل به [من] (١) الكلام ويفضي إليه، مثل ما يقول (٢) : إن ما أقسم به وحده بنفسه معجز، وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس معجز، والمطابقة بنفسها معجزة. فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه، فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها - فأني لا أدفع ذلك وأصححه، ولكن لا أدعي إعجازها لموضع التشبيه. وصاحب " المقالة " التي حكيناها، أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به من الوجوه، ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الإعجاز يتعلق به كالبيان، وذلك لا يختص بجنسٍ من المبين (٣) دون جنس، ولذلك قال: (هذا بيان للناس) (٤) وقال: (تبيانا لكل شئ) (٥) وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ) (٦) فكرر في مواضع [جل] (٧) ذكره: أنه مبين. / فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه، وطرقه وأبوابه: من تعديل النظم وسلامته (٨) ، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع، وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد،

стр. 367

وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ودلالة التأليف، مما لا ينحصر حسناً وبهجة وسناء ورفعة. وإذا علا الكلام في نفسه، كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس، ما يذهل ويبهج، ويقلق ويؤنس، ويطمع ويؤيس، ويضحك ويبكي، ويحزن ويفرح، ويسكن ويزعج، ويشجي ويطرب (١. ويهز الأعطاف، ويستميل نحوه الأسماع ١) . ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجوداً، ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى (٢) بعيداً. وله مسالك في النفوس لطيفة، ومداخل إلى القلوب دقيقة. وبحسب ما يترتب في نظمه، ويتنزل في موقعه، ويجري على سمت مطلعه ومقطعه - يكون عجيب تأثيراته، وبديع مقتضياته. وكذلك على حسب مصادره، يتصور وجوه موارده، / وقد (٣) ينبئ الكلام عن محل صاحبه، ويدل على مكان متلكمه، وينبه على عظيم شأن أهله، وعلى علو محله. ألا ترى أن الشعر في الغزل إذا صدر عن محب، كان أرق وأحسن، وإذا صدر عن متعمل (٤) ، وحصل من متصنع - نادى على نفسه بالمداجاة، وأخبر عن خبيئه في المراءاة (٥) ؟ ! وكذلك قد يصدر الشعر في وصف الحرب عن الشجاع، فيعلم وجه صدوره، ويدل على كنهه وحقيقته. وقد يصدر عن المتشبه، ويخرج عن المتصنع، فيعرف من حاله ما ظن أنه يخفيه، ويظهر من أمره خلاف ما يبديه. وأنت تعرف (٦) لقول المتنبي: فالخيلُ والليلُ والبيداء تعرفني * والحرب والضرب والقرطاس والقلم (٧)

стр. 368

من الوقع (١) في القلب - لما (٢) تعلم أنه من أهل الشجاعة - ما لا تجده للبحتري في قوله: / وأنا الشجاعُ وقد بدا لك موقفي * بعقرقس والمشرفية شهدى (٣) وتجد لابن المعتز في موقع شعره من القلب، في الفخر وغيره، ما لا تجده لغيره، لانه إذا قال: إذا شئت أو قرت البلاد حوافراً * وسارت ورائي هاشمٌ ونزارُ وعَمَّ السماء النقع حتى كأنه * دُخان وأطراف الرماح شَرَارُ (٤) وقال: قد ترديت بالمكارم دهراً * وكفتني نفسي من الإفتخارِ (٥) أنا جيشٌ إذا غزوت وحيداً * ووحيدُ في الجَحْفَلِ الجرَّارِ وقال: أيها السائلي عن الحسب الأط * يبِ ما فوقه لخلق مزيدُ (٦) نحن آلُ الرسول والعترة الحق * ق وأهل القربى، فماذا تريدُ؟ (٧) ولنا ما أضاءَ صبحٌ عليه * وأتته رايات ليل وسود (٨) وكما أنشدنا الحسن بن عبد الله، قال: أنشدنا محمد بن يحيى لابن المعتز قصيدته التي يقول فيها: أنا ابن الذي سادهم في الحيا * ة وسادهم بي تحت الثرى (٩) / ومالي في أحد مَرغبٌ * بلى فيَّ يرغبُ كل الورى وأسهر للمجد والمكرمات * إذا اكتحلت أعين بالكرى (١٠)

стр. 369

فانظر في (١) القصيدة كلها، ثم في جميع شعره، تعلم أنه ملك الشعر، وأنه يليق به من الفخر خاصة، ثم مما يتبعه مما يتعاطاه - ما لا يليق بغيره، بل ينفر عن سواه. ولم أحب أن أكثر عليك، فأطول الكتاب بما يخرج عن غرضه. وكما ترى من (٢) قول أبي فراس الحمداني في نفسك إذا قال: ولا أصبح الحيَّ الخلوف بغارة ولا الجيش ما لم تأته قبلى النذر (٣) ويارب دارٍ لم تخفني منيعةٍ * طلعت عليها بالردى أنا والفجر وساحبةِ الأذيال نحوي لقيتُها * فلم يلقَها جافي اللقاء ولا وعر (٤) / وهبت لها ما حازه الجيشُ كلُّهُ * وأبتُ ولم يُكشَف لأبياتها سِتر (٥) وما راح يُطغيني بأثوابه الغنى * ولا بات يُثنيني عن الكرم الفقرُ وما حاجتي في المال أبغي وُفُوره * إذا لم أفر وفرى فلا وفر الوفر (٦) والشئ إذا صدر من أهله، وبدا من أصله، وانتسب إلى ذويه - سلم في نفسه، وبانت فخامته وشوهد (٧) أثر الاستحقاق فيه. وإذا صدر من متكلف، وبدا من متصنع - بان أثر الغربة (٨) عليه،

стр. 370

وظهرت مخايل الاستيحاش فيه، وعرف شمائل التحير (١) منه. إنا نعرف في شعر أبي نواس أثر الشطارة، وتمكن البطالة، وموقع كلامه في وصف ما هو سبيله من أمر العيارة (٢) ، ووصف / الخمر والخمار، كما نعرف موقع كلام ذي الرمة في وصف المهامه والبوادى والجمال والانساع والازمة. وعيب أبي نواس التصرف في وصف الطلول والرباع والوحش، ففكر في قوله: دعِ الأطلال تسفيها الجنوبُ * وتُبلي عهد جدتها الخطوبُ (٣) وخلِ لراكب الوجناء أرضا * تخب به النجيبة والنجيب (٤) بلاد نبتها عشرٌ وطلح * وأكثر صيدِها ضبع وذِيب (٥) ولا تأخذ عن الأعراب لهواً * ولا عيشاً، فعيشُهُمٌ جَديب دع الألبانَ يشربها رجال * رقيقُ العيش عندهم غريب (٦) إذا راب الحليبُ فبُلْ عليه * ولا تحرجْ، فما في ذاك حُوبُ (٧) فأطيبُ منه صافيةٌ شَمُول * يطوفُ بكأسها ساقٍ أديبُ (٨) كأن هديرَها في الدنِّ يحكي * قراة القسِّ قابَلهُ الصليبُ أعاذلُ أقصري عن طول لومي * فراجي توبتي عندي يخيبُ تعيبينَ الذنوبَ، وأيّ حُرٍّ * من الفِتيان ليس له ذنوبُ؟ ! / وقوله: صفةُ الطلول بلاغةُ الفدم * فاجعل صفاتك لابنة الكرم (٩)

стр. 371

وسمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول: سمعت براكويه (١) الزنجاني يقول: أنشد بعض الشعراء هلال بن يزيد قصيدة على وزن قصيدة الأعشى: وَدِّعْ هريرةَ إن الركبَ مرتحلُ * وهل تطيقُ وداعاً أيها الرجلُ؟ وكان وصف فيها الطلل، قال براكويه (٢) : فقال لي هلال: فقلت بديهاً: إذا سمعت فتى يبكي على طلل * من أهل زَنْجانَ، فاعلم أنه طلل * * * وإنما ذكرت لك هذه الأمور، لتعلم أن الشئ في معدنه أعز، وإلى مظانه أحن (٣) ، وإلى أصله أنزع، وبأسبابه أليق، وهو (٤) يدل على ما صدر منه، وينبه ما انتج عنه، ويكون قراره على موجب / صورته، وأنواره على حسب محله، ولكل شئ حد ومذهب، ولكل كلام سبيل ومنهج. وقد ذكر أبو بكر الصديق ﵁ في كلام مسيلمة ما أخبرتك به، فقال: إن هذا كلام لم يخرج من آل (٥) . فدل على أن الكلام الصادر عن عزة الربوبية ورفعة الالهية، يتميز عما لم يكن كذلك. * * * ثم رجع الكلام بنا إلى ما ابتدأنا به من عظيم شأن البيان (٦) ، ولو لم يكن فيه إلا ما مَنَّ به الله على خلقه بقوله: (خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (٧) .

стр. 372

فأما بيان القرآن فهو أشرف بيان وأهداه، وأكمله وأعلاه، وأبلغه وأسناه. / تأمل قوله تعالى: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذّكْرِ صَفْحاً أَنْ كُنُتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ) (١) في شدة التنبيه على تركهم الحق والإعراض عنه. وموضع امتنانه بالذكر والتحذير (٢) . وقوله: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمتُمْ أَنَّكُم فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (٣) وهذا بليغ في التحسير. وقوله: (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عُنْهُ) (٤) وهذا يدل على كونهم مجبولين على الشر، معودين لمخالفة النهي والأمر (٥) . وقوله: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ عَدُوَّ إِلاَّ الْمتَّقِينَ) (٦) هو في نهاية المنع (٧) من الخلة إلا على التقوى. وقوله: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه) (٨) . وهذا نهاية في التحذير من التفريط. وقوله: (أَفَمَنْ يلقى في النار خيرا أَم مَّنْ يَأْتي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. / اعْمَلُواْ ما شئتم، إنه بما تعملون بصير) (٩) هو النهاية في الوعيد والتهديد (١٠) وقوله: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ العَذَابَ يَقُولُونَ: هَلْ إِلى مَرَدٍّ من

стр. 373

سَبِيل. وَتَرَاهُمْ يعْرَضُونَ عَلَيْها خَاشِعِين مِنَ الذُّلِّ ينظرون من طرف خفى) (١) نهاية في الوعيد. وقوله: (وَفيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلذُّ الأَعْيُنُ، وَأّنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٢) نهاية في الترغيب. وقوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَّذهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (٣) ، وكذلك قوله: (لَوْ كَانَ فِيهمَا آلِهةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتاَ) (٤) نهاية في الحجاج (٥) . وقوله: (وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ اللَّطيف الخَبِيرُ) (٦) نهاية في الدلالة على علمه بالخفيات. / ولا وجه للتطويل، فإن بيان الجميع في الرفعة وكبر المنزلة على سواء (٧) . وقد ذكرنا من قبل: أن البيان يصح أن يتعلق به الإعجاز، وهو معجز من القرآن. * * * وما حكينا عن " صاحب الكلام: من " المبالغة " في اللفظ - فليس ذلك بطريق الاعجاز، لان الوجوه التى ذكرها قد تتفق في كلام غيره، وليس ذلك بمعجز، بل قد يصح أن يقع في المبالغة في المعنى والصفة، وجوه من اللفظ تثمر (٨) الاعجاز. * * * و " تضمين المعاني " أيضاً (٩) قد يتعلق به الإعجاز إذا حصلت للعبارة طريق البلاغة في أعلى (١٠) درجاتها.

стр. 374

وأما " الفواصل " فقد بينا أنه يصح أن يتعلق بها الإعجاز، وكذلك قد بينا في المقاطع والمطالع نحو هذا، وبينا في " تلاؤم " الكلام ما سبق: من صحة تعلق الإعجاز به. / والتصرف في " الإستعارة " البديعة يصح أن يتعلق به الإعجاز، كما يصح مثل ذلك في حقائق الكلام، لأن البلاغة في كل واحد من البابين تجري مجرى واحداً وتأخذ مأخذاً مفرداً. * * * وأما " الإيجاز والبسط " فيصح أن يتعلق بهما الإعجاز (١) ، كما يتعلق بالحقائق. * * * و " الاستعارة " و " البيان " في كل واحد منهما ما لا (٢) يضبط وحده، ولا يقدر قدره، ولا يمكن التوصل إلى ساحل بحره بالتعلم، ولا يتطرق إلى غوره بالتسبب، وكل ما يمكن تعلمه، ويتهيأ تلقنه، ويمكن تحصيله (٣) ، ويستدرك أخذه - فلا يجب أن يطلب وقوع الاعجاز به. ولذلك قلنا: إن " السجع " ما ليس يلتمس فيه الإعجاز، لأن ذلك أمر محدود، وسبيل مورود، ومتى تدرب الإنسان به واعتاده لم يستصعب عليه أن يجعل جميع كلامه منه. وكذلك " التجنيس " و " التطبيق " متى أخذ أخذهما (٤) وطلب وجههما، / استوفى ما شاء، ولم يتعذر عليه أن يملأ خطابه منه، كما أولع بذلك أبو تمام والبحتري، وإن كان البحتري أشغف بالمطابق، وأقل طلباً للمجانس. فإن قال قائل: هلاَّ قلت: إن هذين البابين يقع فيهما مرتبة عالية، لا يوصل إليها بالتعلم، ولا تملك بالتعمل، كما ذكرتم في البيان وغير ذلك؟ قلنا: لو عمد إلى كتاب " الأجناس "، ونظر في كتاب " العين "، لم يتعذر عليه التجنيس الكثير. فأما " الإطباق " فهو أقرب منه، وليس كذلك البيان والوجوه التي رأينا الإعجاز فيها، لأنها لا تستوفى بالتعلم.

стр. 375

فإن قيل: فالبيان قد يتعلم؟ قيل: إن الذى يمكن أن يتوصل إليه بالتعلم يتقارب (١) فيه الناس، وتتناهى فيه العادات، وهو كما يعلم من مقادير القوى في حمل الثقيل، وأن الناس يتقاربون (٢) في ذلك، فيرمون (٣) فيه إلى حد، فإذا تجاوزوه وقفوا بعده ولم يمكنهم التخطي، ولم يقدروا على التعدي، إلا أن يحصل ما يخرق العادة، وينقض العرف، ولن يكون ذلك إلا للدلالة على النبوات، على شروط في ذلك. / والقدر الذي يفوت الحد في البيان، ويتجاوز الوهم (٤) ، ويشذ عن الصنعة، ويقذفه الطبع في النادر القليل، كالبيت البديع، والقطعة الشريفة التي تتفق في ديوان شاعر (٥) ، والفقرة تتفق في رسالة (٦) كاتب، حتى يكون الشاعر ابن بيت أو بيتين، أو قطعة أو قطعتين، والاديب شهير (٧) كلمة أو كلمتين - ذلك أمر قليل (٨) . ولو كان كلامه كله يطرد على ذلك المسلك، ويستمر على ذلك المنهج أمكن أن يدعي فيه الإعجاز. ولكنك إن كنت من أهل الصنعة: تعلم قلة الأبيات الشوارد، والكلمات الفرائد (٩) ، وأمهات القلائد. فإن أردت أن تجد قصيدة كلها وحشية، وأردت أن تراها مثل بيت من أبياتها مرضية - لم تجد ذلك في الدواوين، ولم تظفر بذلك إلى يوم الدين. ونحن لم ننكر أن يستدرك البشر كلمة شريفة، ولفظة بديعة، وإنما أنكرنا أن يقدروا على مثل نظم سورة أو (١٠) نحوها، وأحلنا أن / يتمكنوا من حد في البلاغة، ومقدار في الخطابة. وهذا كما قلناه: من (١١) أن صورة الشعر قد تتفق في القرآن، وإن لم يكن له حكم الشعر.

стр. 376

* * * فأما قدر المعجز فقد بينا أنها السورة، طالت أو قصرت، وبعد ذلك خلاف: من (١) الناس من قال: مقدار كل سورة أو أطول أية، فهو معجز. وعندنا كل واحد من الأمرين معجز، والدلالة عليه ما تقدم (٢) ، والبلاغة لا تتبين بأقل من ذلك، فلذلك لم نحكم بإعجازه، وما صح أن تتبين فيه (٣) البلاغة، ومحصولها الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل لفظ، وبلوغ الغاية في المقصود بالكلام. فإذا بلغ الكلام غايته في هذا المعنى، كان بالغاً وبليغاً. فإذا (٤) تجاوز حد البلاغة إلى حيث لا يقدر عليه أهل الصناعة، وانتهى إلى أمد (٥) يعجز عنه الكامل في البراعة - صح أن يكون له حكم المعجزات، وجاز أن يقع موقع الدلالات. / وقد ذكرنا أنه بجنسه (٦) وأسلوبه مباين لسائر كلامهم، ثم بما يتضمن من تجاوزه في البلاغة الحد الذى يقدر عليه البشر. * * * فإن قيل: فإذا (٧) كان يجوز عندكم أن يتفق في شعر الشاعر قطعة عجيبة شاردة، تباين جميع ديوانه في البلاغة، ويقع في ديوانه بيت واحد يخالف (٨) مألوف طبعه، ولا يعرف سبب ذلك البيت، ولا تلك القطعة في التفصيل، ولو أراد أن يأتي بمثل ذلك أو يجعل (٩) جميع كلامه من ذلك النمط، لم يجد إلى ذلك سبيلا، وله سبب في الجملة وهو التقدم في الصنعة، لانه (١٠) يتفق من المتأخر فيها - فهلا قلتم: إنه إذا بلغ في العلم بالصناعة مبالغه القصوى (١١) ،

стр. 377

كان جميع كلامه من نمط ذلك البيت وسمت تلك القطعة؟ وهلا قلتم: إن القرآن من هذا الباب؟ فالجواب: أنا لم نجد أحداً بلغ الحد الذي وصفتم في العادة. وهذا الناس وأهل البلاغة أشعارهم عندنا محفوظة، وخطبهم منقولة، ورسائلهم مأثورة، وبلاغاتهم مروية، وحكمهم مشهورة، وكذلك أهل / الكهانة والبلاغة، مثل قس بن ساعدة، وسحبان وائل، ومثل (١) شق، وسطيح، وغيرهم - كلامهم معروف عندنا، وموضوع بين أيدينا، لا يخفى علينا في الجملة بلاغة بليغ، ولا خطابة خطيب، ولا براعة شاعر مفلق، ولا كتابة كاتب مدقق. فلما لم نجد في شئ من ذلك ما يداني القرآن في البلاغة، أو يشاكله في الإعجاز، مع ما وقع من التحدي إليه المدة الطويلة، وتقدم من التقريع في المجازاة (٢) الأمد المديد، وثبت له وحده خاصة قصب السبق، والاستيلاء على الامد (٣) ، وعجز الكل عنه، ووقفوا دونه حيارى، يعرفون عجزهم، وإن جهل قوم سببه، ويعلمون نقصهم، وإن أغفل قوم وجهه - رأينا أنه ناقض للعادة، ورأينا (٤) أنه خارق للمعروف في الجبلة (٥) . وخرق العادة إنما يقع بالمعجزات على وجه إقامة البرهان على النبوات، وعلى أن من ظهرت عليه، ووقعت موقع الهداية إليه، صادق فيما يدعيه من نبوته، ومحق في قوله، ومصيب في هديه، قد شهدت (٦) له الحجة البالغة، والكلمة التامة، والبرهان النير، والدليل البين.

стр. 378

/ فصل في حقيقة المعجز (١) معنى قولنا: " إن القرآن معجز " على أصولنا: أنه لا يقدر العباد عليه. وقد ثبت أن المعجز الدال على صدق النبي، ﷺ ، لا يصح دخوله تحت قدرة (٢) العباد، وإنما ينفرد الله تعالى بالقدرة عليه، ولا يجوز أن يعجز العباد عما تستحيل قدرتهم عليه، كما يستحيل عجزهم عن فعل الأجسام، فنحن لا نقدر على (٣) ذلك وإن لم يصح وصفنا بأنا عاجزون عن ذلك حقيقة، وكذلك معجزات سائر الانبياء على هذا. فلما لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد على (٤) الإتيان بمثله، لأنه لو صحّ أن يقدروا عليه بطلت (٥) دلالة المعجز، وقد أجرى [الله] (٦) العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم (٧) ، وأن لا يقدروا عليه. / ولو كان غير خارج عن العادة لاتوا بمثله، أو عرضوا (٨) عليه من كلام فصحائهم وبلغائهم، ما يعارضه. فلما لم يشتغلوا بذلك، علم أنهم فطنوا لخروج (٩) ذلك عن أوزان كلامهم، وأساليب نظامهم، وزالت أطماعهم عنه. وقد كنا بينا أن التواضع ليس يجب أن يقع على قول الشعر (١٠) ووجوه النظم المستحسنة في الاوزان المطربة للسمع، لا يحتاج في مثله إلى توقيف، وأنه يتبين أن مثل ذلك يجري في الخطاب، فلما جرى فيه فطنوا له واختاروه [وطلبوه] (١١) . ، وطلبوا أنواع الأوزان والقوافي، ثم وقفوا (١٢) على حسن ذلك وقدروا عليه، بتوفيق الله (١٣) ، وهو الذي جمع خواطرهم عليه، وهداهم له (١٤)

стр. 379

وهيأ دواعيهم إليه، ولكنه أقدرهم على حد محدود، وغاية في العرف مضروبة، لعلمه بأنه (١) سيجعل القرآن معجزاً، ودل على عظم (٢) شأنه بأنهم قدروا على ما بينا من التأليف، وعلى ما وصفنا من النظم. / من غير توقيف ولا اقتفاء (٣) أثر، ولا تحد إليه ولا تقريع. فلو كان هذا من ذلك القبيل، أو من الجنس الذي عرفوه وألفوه - لم تزل أطماعهم عنه، ولم يدهشوا عند وروده عليهم، فكيف (٤) وقد أمهلهم وفسح لهم في الوقت، وكان يدعوا إليه سنين كثيرة، وقال عز من قائل: (أَوَ لَمْ نُعَمِّركُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تذكر وجاءكم النَّذِيرُ) (٥) . وبظهور العجز عنه بعد طول التقريع والتحدى، بان أنه خارج عن عاداتهم، وأنهم لا يقدرون عليه. وقد ذكرنا أن العرب كانت تعرف ما يباين عادتها (٦) من الكلام البليغ، لأن ذلك طبعهم ولغتهم، فلم يحتاجوا إلى تجربة عند سماع القرآن، وهذا في البلغاء منهم، دون المتأخرين في الصنعة. والذي ذكرناه يدلك على أنه لا كلام أزيد في قدر البلاغة من القرآن. وكل من. جوز أن يكون للبشر قدرة على أن يأتوا بمثله في البلاغة - لم يمكنه أن يعرف أن القرآن معجز بحال. / ولو لم يكن جرى في المعلوم (٧) أنه سيجعل القرآن معجزاً، لكان (٨) يجوز أن تجرى عادات (٩) البشر بقدر زائد على ما ألفوه من البلاغة، وأمر يفوق ما عرفوه من الفصاحة.

стр. 380

وأما " نظم القرآن " فقد قال أصحابنا [فيه] (١) : إن الله تعالى يقدر على نظم [هيئة أخرى تزيد في الفصاحة عليه، كما يقدر على مثله. وأما بلوغ بعض (٢) ] نظم (٣) القرآن الرتبة (٤) التى لا مزيد عليها، فقد (٥) قال مخالفونا: إن هذا غير ممتنع، لأن فيه من الكلمات الشريفة، الجامعة للمعاني البديعة، وانضاف (٦) إلى ذلك حسن الموقع، فيجب أن يكون قد بلغ النهاية، لأنه عندهم - وإن زاد على ما في العادة - / فإن الزائد عليها وإن تفاوت، فلا بد (٧) من أن ينتهي إلى حد لا مزيد عليه. والذى نقوله (٨) : إنه لا يمتنع أن يقال: إنه يقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم (٩) أبلغ وأبدع (١٠) من القرآن كله. وأما قدر (١١) العباد فهي متناهية في كل ما يقدرون عليه، مما تصح قدرتهم عليه.

стр. 381

/ فصل في كلام النبي، ﷺ ، وأمور تتصل بالاعجاز إن قال قائل: إذا كان النبي ﷺ أفصح العرب - وقد قال هذا في حديث مشهور، وهو صادق في قوله - فهلا قلتم إن القرآن من نظمه لقدرته في الفصاحة على مقدار لا يبلغه غيره؟ قيل: قد علمنا أنه لم يتحدَّهم إلى مثل قوله وفصاحته. والقدر الذي بينه وبين كلام غيره من الفصحاء (١) ، كقدر ما بين شعر الشاعرين، وكلام الخطيبين في الفصاحة (٢) ، وذلك مما لا يقع به الإعجاز. وقد بينا قبل هذا: أنا إذا وازنا بين خطبه ورسائله وكلامه المنثور، وبين نظم القرآن - تبين من البون بينهما مثل ما بين كلام الله و [بين] (٣) كلام الناس، فلا (٤) معنى لقول من ادعى أن كلام النبي ﷺ معجز وإن كان دون القرآن في الاعجاز. فإن (٥) قيل: لولا أن كلامه معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل / بين المعوذتين وبين غيرهما من القرآن (٦) ؟

стр. 382

وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت (١) في أنه هل هو (٢) من القرآن أم لا؟ [قيل: هذا من تخليط الملحدين، لان عندنا أن الصحابة لم يخف عليهم ما هو من القرآن] (٣) . ولا يجوز أن يخفى عليهم القرآن من غيره: وعدد السور عندهم محفوظ مظبوط. وقد يجوز أن يكون شذ عن مصحفه، لا لأنه نفاه من القرآن، بل عول على حفظ الكل إياه. / على أن الذي يروونه خبر واحد، لا يسكن إليه في مثل هذا، ولا يعمل عليه. ويجوز أن يكتب على ظهر مصحفه دعاء القنوت لئلا ينساه، كما يكتب الواحد منا بعض الأدعية على ظهر مصحفه. وهذا نحو ما يذكره الجهال: من اختلاف كثير بين مصحف ابن مسعود، وبين مصحف عثمان رحمة الله عليهما. ونحن لا ننكر أن يغلط في حروف معدودة، كما يغلط الحافظ في حروف وينسى، وما لا نجيزه (٤) على الحفاظ مما لم نجزه عليه. ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره على ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل، فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه؟ ! وقد (٥) علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل (٦) هذه الحكايات الشاذة المولدة (٧) في الاجماع المقرر، والاتفاق المعروف؟ ! ويجوز (٨) أن يكون الناقل اشتبه (٩) عليه، لانه خالف في النظم / والترتيب،

стр. 383

فلم يثبتهما في آخر القرآن، والإختلاف بينهم في موضع الإثبات غير الكلام في الأصل، ألا ترى أنهم قد اختلفوا في أول ما نزل من القرآن: فمنهم من قال: قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (١) . ومنهم من قال: (يَا أَيُّهَا الْمُدثَّرُ) (٢) . ومنهم من قال: فاتحة الكتاب (٣) . واختلفوا أيضاً في آخر ما أنزل (٤) : فقال ابن عباس: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ) (٥) . وقالت عائشة: سورة المائدة. وقال البراء بن عازب (٦) : آخر ما أنزل سورة براءة. / وقال سعيد بن جبير (٧) : آخر ما أنزل قوله تعالى: (واتَّقُواْ يَومَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ) (٨) . وقال السدي (٩) : آخر ما أنزل (فَإِنْ تَوَلَّوا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، عليه توكلت) (١٠) .

стр. 384

ويجوز أن يكون في مثل هذا خلاف (١) ، وأن يكون كل واحد ذكر آخر ما سمع. * * * ولو كان القرآن من كلامه، لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة وخطبة ينشئهما (٢) رجل واحد، وكانوا يعارضونه، لأنا قد علمنا أن القدر الذي بين كلامهم وبين كلام النبي ﷺ لا يخرج إلى حد الإعجاز، ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه (٣) من جنس أوزان كلامهم، وليس كذلك نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك. فإن قيل: لو كان على ما ادعيتم، لعرفنا بالضرورة أنه معجز (٤) دون غيره؟ قيل: معرفة الفصل بين وزن الشعر [أو غيره من أوزان الكلام لا يقع ضرورة، ويحتاج في معرفة ذوق الشعر] (٥) ووزنه، والفرق بينه وبين غيره من الاوزان يحتاج (٦) إلى نظر وتأمل، وفكر وروية واكتساب. وإن كان النظم المختلف الشديد التباين إذا وجد أدرك اختلافه بالحاسة. إلا أن كل وزن وقبيل إذا أردنا تمييزه من غيره احتجنا فيه (٧) إلى الفكرة والتأمل (٨) . فإن قيل: لو كان معجزاً لم يختلف أهل الملة (٩) في وجه إعجازه؟ قيل: قد يثبت الشئ دليلاً وإن اختلفوا في وجه دلالة البرهان، كما قد يختلفون في الاستدلال على حدوث (١٠) العالم من الحركة والسكون، والإجتماع والإفتراق. / فأما المخالفون، فإنه يتعذر عليهم أن يعرفوا أن القرآن كلام الله، لأن مذهبهم أنه لا فرق بين أن يكون القرآن من قبل الرسول أو من قبل الله في كونه معجزاً، لأنه إن خصه بقدر من العلم لم تجر العادة بمثله،

стр. 385

أمكنه أن يأتي بما له هذه الرتبة، وكان متعذراً على غيره، لفقد علمه بكيفية النظم. وليس القوم بعاجزين عن الكلام، ولا عن النظم والتأليف. والمعنى المؤثر عندهم في تعذر مثل نظم القرآن علينا: فقد العلم بكيفية النظم، وقد بينا قبل هذا أن المانع هو أنهم لا يقدرون عليه. والمفحم قد يعلم كيفية الأوزان واختلافها، وكيفية التركيب، وهو لا يقدر على نظم الشعر. وقد يعلم الشاعران (١) وجوه الفصاحة، وإذا قالا الشعر جاء شعر أحدهما في الطبقة العالية، وشعر الآخر في الطبقة الوضيعة. وقد يطرد (٢) في شعر المبتدي والمتأخر في الحذق - القطعة الشريفة والبيت النادر، مما لا (٣) يتفق للشاعر المتقدم. والعلم بهذا الشأن في التفصيل لا يغني، ويحتاج معه إلى مادة من الطبع، وتوفيق من الأصل. / وقد يتساوى العالمان بكيفية الصناعة والنساجة، ثم يتفق لأحدهما من اللطف في الصنعة، ما لا يتفق للآخر (٤) . وكذلك أهل نظم الكلام - يتفاضلون، مع العلم بكيفية النظم، وكذلك أهل الرمي يتفاضلون في الاصابة، مع العلم بكيفية الاصابة. وإذا وجدت للشاعر بيتاً أو قطعة أحسن من شعر امرئ القيس، لم يدل (٥) ذلك على أنه أعلم بالنظم منه، لأنه لو كان كذلك كان يجب أن يكون جميع شعره على ذلك الحد، وبحسب ذلك البيت في الشرف والحسن والبراعة، ولا يجوز ان يعلم نظم قطعة ويجهل نظم مثلها، وان (٦) كان كذلك، علم أن هذا لا يرجع إلى قدره (٧) من العلم، ولسنا نقول: إنه يستغنى عن العلم في النظم، بل يكفي علم به في الجملة، ثم يقف الامر على القدرة.

стр. 386

وهذا يبين لك بأنه قد يعلم الخط فيكتب سطراً، فلو أراد أن يأتي بمثله بحيث لا يغادر منه شيئاً لتعذر، والعلم حاصل. وكذلك قد يحسن (١) كيفية الخط، ويميز (٢) الجيد منه من الردئ، ولا يمكنه أن يأتي بأرفع درجات الجيد. / وقد يعلم قوم كيفية إدارة (٣) الأقلام، وكيفية تصوير الخط، ثم يتفاوتون في التفصيل (٤) ، ويختلفون في التصوير. وألزمهم أصحابنا أن يقولوا بقدرتنا على إحداث الأجسام، وإنما يتعذر وقوع ذلك منا بأنا (٥) لا نعلم الأسباب التي إذا عرفنا إيقاعها على وجوه اتفق لنا فعل الاجسام. وقد ذهب بعض المخالفين إلى أن العادة انتقضت بأن أنزله جبريل، فصار القرآن معجزاً لنزوله على هذا الوجه، ومن قبله لم يكن معجزا! ! هذا قول أبي هاشم (٦) ، وهو ظاهر الخطأ، لأنه يوجب (٧) أن يكونوا قادرين على مثل القرآن، وأنه لم [يكن] (٨) يتعذر عليهم فعل مثله، وإنما تعذر بإنزاله، ولو كانوا قادرين على مثل ذلك كان قد اتفق من بعضهم مثله. وإن كانوا في الحقيقة غير قادرين قبل نزوله ولا بعده على مثله، فهو قولنا. / وأما قول كثير من المخالفين، فهو على ما بينا، لأن معنى المعجز عندهم تعذر فعل مثله، وكان ذلك متعذرا قبل نزوله وبعده. فأما الكلام في أن التأليف هل له نهاية؟ فقد اختلف المخالفون من المتكلمين فيه: فمنهم من قال: ليس لذلك نهاية، كالعدد، فلا (٩) يمكن أن يقال: إنه

стр. 387

لا يتأتى قول قصيدة إلا وقد قيلت من قبل. ومنهم من قال: إن ما جرت به العادة فله نهاية، وما لم تجر به العادة فلا يمكن أن تعلم (١) نهاية الرتبة فيه. وقد بينا: أن على أصولنا قد تقرر لكلامنا [ونظمنا] (٢) حد في العادة، ولا سبيل إلى تجاوزه، ولا يقدر [عليه] (٣) ، فإن القرآن خرق العادة فزاد عليها.

стр. 388

/ فصل إن قيل، هل من شرط المعجز أن (١) يعلم أنه أتى به من ظهر عليه؟ قيل: لا بد من ذلك، لانا إن (٢) لم نعلم أن النبي ﷺ هو الذى أتى بالقرآن، ظهر ذلك من جهته - لم يمكن أن نستدل به على نبوته. وعلى هذا لو تلقى رجل منه سورة، فأتى بها بلداً، وادعى ظهورها عليه، وإنها معجزة له - لم تقم الحجة عليهم حتى يبحثوا ويتبينوا أنها ظهرت عليه. وقد تحققنا (٣) أن القرآن أتى به النبي ﷺ ، وظهر من جهته، وجعله علماً على نبوته، وعلمنا ذلك ضرورة فصار حجة علينا.

стр. 389

/ فصل قد ذكرنا في الإبانة عن معجز القرآن وجيزاً من القول، رجونا أن يكفي، وأملنا أن يقنع. والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الأطراف، واسع الأكناف، لعلو شأنه، وشريف مكانه. والذي سطرناه في الكتاب، وأن كان موجزا، وما أملينا فيه، وإن كان خفيفاً - فإنه ينبه على الطريقة. ويدل على الوجه، ويهدي (١) إلى الحجة. ومتى عظم محل الشئ فقد يكون الإسهاب فيه عيَّاً، والإكثار في وصفه تقصيراً. وقد قال الحكيم [وقد] (٢) سئل عن البليغ: متى يكون عييا؟ فقال: متى وصف هوى أو حبيباً. وضل أعرابي في سفر له ليلاً، وطلع القمر فاهتدى به، فقال: ما أقول لك؟ أقول (٣) : رفعك الله؟ وقد رفعك، أم أقول: نورك الله؟ وقد نورك، أم أقول: جملك الله؟ وقد جملك! ولولا أن العقول تختلف، والأفهام تتباين، والمعارف تتفاضل - لم نحتج إلى ما تكلفنا، ولكن الناس يتفاوتون في المعرفة، ولو اتفقوا / فيها لم يجز أن يتفقوا في معرفة هذا الفن، أو يجتمعوا في الهداية إلى هذا العلم، لاتصاله بأسباب [خفية] وتعلقه بعلوم غامضة الغور، عميقة القعر (٤) ، كثيرة المذاهب، قليلة الطلاب، ضعيفة الأصحاب، وبحسب تأتي (٥) مواقعه تقع الإفهام دونه، وعلى قدر لطف مسالكه يكون القصور عنه. أنشدني أبو القاسم الزعفراني، قال: أنشدني المتنبي، لنفسه، القطعة التي يقول فيها:

стр. 390

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً * وآفته من الفهمِ السقيمِ (١) ولكن تأخذُ الآذانُ منه * على قدر الفرائح والعلومِ وأنشدني الحسن بن عبد الله، قال: أنشدنا بعض مشايخنا، للبحتري: أهز بالشعر أقواماً ذوي سِنة * لو أنهم ضُربوا بالسيف ما شعروا (٢) عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعها * وما عليّ لهم أن تفهمَ البقرُ (٣) فإذا كان نقد الكلام كله صعباً، وتمييزه شديداً، والوقوع على / اختلاف فنونه (٤) متعذراً، وهذا في كلام الآدميين (٥) - فما ظنك بكلام رب العالمين؟ ! * * * قد أبنا لك أن من قدر أن البلاغة في عشرة أوجه من الكلام، لا يعرف من البلاغة إلا القليل (٦) ، ولا يفطن منها إلا لليسير. ومن زعم أن البديع يقتصر على ما ذكرناه من قبل عنهم (٧) في الشعر، فهو متطرف. بلى، إن كانوا يقولون: إن هذه من وجوه البلاغة وغرر البديع وأصول اللطيف، وإن ما يجري مجرى ذلك ويشاكله ملحق بالاصل، ومردود على القاعدة - فهذا قريب. وقد بينا في نظم القرآن: أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، والأسلوب يختص بمعنى آخر من الشرف. ثم الفواتح والخواتم، والمبادئ والمثاني (٨) ، والطوالع والمقاطع، والوسائط والفواصل.
следующие страницы →