والإيمان بأن رسول الله ﷺ حين كلم أهل القلب يوم بدر - أى المشركين - كانوا يسمعون كلامه.
والإيمان بأن الرجل إذا مرض آجره الله على مرضه، والشهيد يأجره الله على شهادته.
والإيمان بأن الأطفال إذا أصابهم شئ فى دار الدنيا يألمون، وذلك أن بكر ابن أخت عبد الوهاب قال: لا يألمون، وكذب
واعلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، ولا يعذب الله أحدا إلا بذنوب بعد ذنوب، ولو عذب أهل السماوات والأرض: برّهم وفاجرهم - عذبهم غير ظالم لهم. لا يجوز أن يقال لله : إنه ظلم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله له الخلق والأمر، والخلق خلقه. والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولا يقال: لم؟ وكيف؟ ولا يدخل أحد بين الله وبين خلقه
وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئا من أخبار رسول ﷺ فاتهمه على الإسلام. فإنه رجل ردئ المذهب والقول.
وإنما يطعن على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه. لأنا إنما عرفنا الله وعرفنا رسوله، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار. وأن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن.
والكلام والجدل والخصومة فى القدر منهى عنه عند جميع الفرق. لأن القدر سر الله. ونهى الرب جل اسمه الأنبياء عن الكلام فى القدر. ونهى النبى ﷺ عن الخصومة فى القدر، وكرهه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون. وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال فى القدر.
فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان، واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ فى جملة الأشياء، واسكت عما سوى ذلك.
والإيمان بأن رسول الله ﷺ أسرى به إلى السماء، وصار إلى
стр. 457
العرش. وسمع كلام الله. ودخل الجنة، واطّلع فى النار. ورأى الملائكة.
وسمع كلام الله ، وبشرت به الأنبياء ورأى سرادقات العرش والكرسى، وجميع ما فى السموات. وفرضت عليه الصلوات الخمس تلك الليلة. ورجع إلى مكة ليلته. وذلك قبل الهجرة.
واعلم أن أرواح الشهداء فى حواصل طير خضر تسرح فى الجنة، وتأوى إلى قناديل تحت العرش، وأرواح الفجار والكفار فى بئر برهوت (١)، وهى فى سجين.
والإيمان بأن الميت يقعد فى قبره، وترسل فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه، ثم تسلّ روحه بلا ألم، ويعرف الميت الزائر إذا زاره (٢)، ويتنعم المؤمن فى القبر ويعذب الفاجر كيف شاء الله.
والإيمان بأن الله هو الذى كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع فى مسامعه منه لا من غيره. فمن قال غير هذا: فقد كفر بالله العظيم.
والعقل مولود، أعطى كل إنسان من العقل ما أراد الله، يتفاوتون فى العقل مثل الذرة فى السماوات. ويطلب من كل إنسان من العمل على قدر ما أعطاه من العقل. وليس العقل باكتساب، إنما هو فضل الله.
واعلم أن الله فضل العباد بعضهم على بعض فى الدين والدنيا، عدلا منه لا يقال: جاد ولا حابى. فمن قال: إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء:
فهو صاحب بدعة، فضّل الله المؤمن على الكافر، والطائع على العاصى، والمعصوم على المخذول، عدل منه، هو فضله يعطيه من يشاء، ويمنعه من يشاء.
ولا يحل أن تكتم النصحية أحدا من المسلمين - برهم وفاجرهم - فى أمر الدين. فمن كتم فقد غش المسلمين. ومن غش المسلمين فقد غش الدين. ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
стр. 458
والله سميع بصير عليم، يداه مبسوطتان. قد علم أن الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم، علمه نافذ فيهم. فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للاسلام، ومنّ عليهم كرما وجودا وتفضلا. فله الحمد.
واعلم أن البشارة عند الموت ثلاث بشارات، يقال: أبشر يا حبيب الله برضى الله والحنة. ويقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الانتقام. ويقال: أبشر يا عدو الله بغضب الله والنار. هذا قول ابن عباس
واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى فى الجنة الأضرّاء، ثم الرجال، ثم النساء بأعين رءوسهم، كما قال رسول الله ﷺ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون فى رؤيته» والإيمان بهذا واجب.
وإنكاره كفر
واعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر، ولا شكوك ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة فى الدين: إلا من الكلام. وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة. وكيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال، والله يقول (٤:٤٠ ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا) فعليك بالتسليم والرضى بالآثار، والكف والسكوت والإيمان بأن الله يعذب الخلق فى النار فى الأغلال والأنكال والسلاسل. والنار فى أجوافهم وفوقهم وتحتهم. وذلك أن الجهمية - منهم هشام الفوطى - قال:
إنما يعذب الله عند النار ردا على الله ورسوله
واعلم أن الصلاة الفريضة خمس صلوات، لا يزاد فيهن ولا ينقص، فى مواقيتها.
وفى السفر ركعتان إلا المغرب. فمن قال: أكثر من خمس، فقد ابتدع. ومن قال: أقل من خمس، فقد ابتدع. لا يقبل الله شيئا منها إلا لوقتها، إلا أن يكون نسيان. فإنه معذور، يأتى بها إذا ذكرها (١)، أو يكون مسافرا. فيجمع بين الصلاتين إن شاء.
стр. 459
والزكاة من الذهب والفضة والحبوب والدواب على ما قال رسول الله ﷺ . فإن قسمها فجائز. وإن دفعها إلى الامام فجائز. والله أعلم
واعلم أن أول الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما قال الله كما قال، ولا خلف لما قال. وهو عند ما قال.
والإيمان بالشرائع كلها. واعلم أن الشراء والبيع حلال إذا بيع فى أسواق المسلمين على حكم الكتاب والسنة من غير أن يدخله ظلم أو غدر، أو خلاف للقرآن، أو خلاف للعلم.
واعلم أنه ينبغى للعبد أن تصحبه الشفقة أبدا ما صحب الدنيا. لأنه لا يدرى على ما يموت، وبما يختم له، وعلى ما يلقى الله ؟ وإن عمل كل عمل من الخير. وينبغى للرجل المسرف على نفسه: أن لا يقطع رجاءه عند الموت، ويحسن ظنه بالله، ويخاف ذنوبه. فإن ﵀ فبفضل. وإن عذبه فبذنب
والإيمان بأن الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على ما يكون فى أمته إلى يوم القيامة.
واعلم أن رسول الله ﷺ . قال «ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة. كلها فى النار إلا واحدة. وهى الجماعة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال:
ما أنا عليه اليوم وأصحابى» هكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب الجماعة كلها. وهكذا فى زمن عثمان: فلما قتل عثمان ﵁: جاء الاختلاف والبدع. وصار الناس فرقا. فمن الناس من ثبت على الحق عند أول التغيير، وقال به، وعمل به. ودعا إليه. وكان الأمر مستقيما، حتى كانت الطبقة الرابعة: انقلب الزمان، وتغير الناس جدا. وفشت البدع. وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحنة فى كل شئ لم يتكلم به رسول الله ﷺ ، ولا أحد من الصحابة، ودعوا إلى الفرقة. وقد نهى الله عن الفرقة.
وكفّر بعضهم بعضا. وكل دعاء إلى رأيه، وإلى تكفير من خالفه. فضلّ الجهال
стр. 460
والرّعاع ومن لا علم له. وأطمعوا الناس فى شئ من أمر الدنيا. وخوفوهم عقاب الدنيا. فاتبعهم الخلق على خوف فى دنياهم، ورغبة فى دنياهم. فصارت السنة وأهل السنة مكتومين. وظهرت البدعة وفشت. وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى. ووضعوا القياس، وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم. فما وافق عقولهم قبلوه. وما خالف عقولهم ردوه. فصار الإسلام غريبا. والسنة غريبة. وأهل السنة غرباء فى جوف ديارهم
واعلم أن المتعة - متعة النساء - والاستحلال: حرام إلى يوم القيامة.
واعرف لبنى هاشم فضلهم، لقرابتهم من رسول الله ﷺ .
واعرف فضل قريش والعرب، وجميع الأفخاذ. واعرف قدرهم، وحقوقهم فى الإسلام. ومولى القوم منهم واعرف فضل الأنصار، ووصية رسول الله ﷺ فيهم، وآل الرسول فلا تسبهم، واعرف فضلهم وكراماتهم من أهل المدينة
واعلم أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية، حتى كان فى خلافة بنى العباس: تكلمت الرويبضة فى أمر العامة. وطعنوا على آثار رسول الله ﷺ ، وأخذوا بالقياس والرأى، وكفروا من خالفهم. فدخل فى قولهم الجاهل والمغفل، والذى لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون. فهلكت الأمة من وجوه. وكفرت من وجوه. وتفرقت وابتدعت من وجوه، إلا من ثبت على قول رسول الله ﷺ وأصحابه. ولم يتخط واحد، ولم يجاوز أمرهم، ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم. لأنهم على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح. فقلدهم دينه واستراح
واعلم أن الدين إنما هو التقليد (١). والتقليد لأصحاب رسول الله صلّى الله
стр. 461
عليه وسلم. ومن قال: لفظه بالقرآن مخلوق: فهو جهمى. ومن سكت ولم يقل مخلوق، ولا غير مخلوق: فهو جهمى. هكذا قال أحمد بن حنبل. وقال رسول الله ﷺ «إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا، فإياكم ومحدثات الأمور. فإنها ضلالة. وعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ»
واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية: من أنهم فكروا فى الرب ، فأدخلوا: لم؟ وكيف؟ وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم.
فجاءوا بالكفر عيانا لا يخفى. إنهم كفروا وكفروا الخلق، واضطرهم الأمر إلى أن قالوا بالتعطيل.
قال بعض العلماء - منهم أحمد بن حنبل - الجهمى كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم. لا يرث ولا يورث. لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة ولا عيدين.
وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر. واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ . وخالفوا من كان قبلهم. وامتحنوا الناس بشئ لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ، ولا أحد من أصحابه. وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع.
وأوهنوا الإسلام. وعطلوا الجهاد. وعملوا فى الفرقة. وخالفوا الآثار. وتكلموا بالمنسوخ. واحتجوا بالمتشابه. فشككوا الناس فى أديانهم. واختصموا فى ربهم وقالوا: ليس هناك عذاب قبر، ولا حوضا ولا شفاعة، والجنة والنار لم يخلقا.
وأنكروا كثيرا مما قال رسول الله ﷺ . فاستحل من استحل تكفيرهم ودمائهم من هذا الوجه. لأنه من ردّ آية من كتاب الله: فقد رد الكتاب كله. ومن رد حديثا عن رسول الله ﷺ : فقد رد الأثر كله. وهو كافر بالله العظيم. فدامت لهم المدة. ووجدوا من السلطان فى ذلك معونة. ووضعوا السيف والسوط على ذلك. فدرس علم السنة والجماعة وأوهنو هما، فصاروا مكتومين لإظهار البدع والكلام فيها. ولكثرتهم. فاتخذوا المجالس، وأظهروا آراءهم
стр. 462
ووضعوا فيها الكتب، وأطغوا الناس، وطلبوا لهم الرياسة. فكانت فتنة عظيمة، لم ينج منها إلا من عصم الله. فأدنى ما كان يصيب الرجل فى مجالستهم: أن يشك فى دينه، أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق. ولا يدرى أنهم على حق أو على باطل. فصار صاكا شاكا. فهلك الخلق، حتى كانت أيام جعفر - الذى يقال له المتوكل - فأطفأ الله به البدع. وأظهر به الحق، وأظهر أهل السنة. وطالت ألسنتهم مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا.
فالرسم والبدع وأهل الضلالة قد بقى منهم قوم يعملون بها، ويدعون إليها لا مانع يمنعهم، ولا حاجز يحجزهم عما يقولون ويعملون.
واعلم أنه لم تجئ زندقة قط إلا من الهمج الرعاع، وأتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. فمن كان هكذا فلا دين له. قال الله (١٧:٤٥ ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)﴾ وهم علماء السوء، أصحاب الطمع.
واعلم أنه لا يزال الناس فى عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله ويهدى بهم، ويحيى بهم السنن. وهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف.
فقال: (٢١٣:٢ ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)﴾ ثم استثناهم فقال ﴿(فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ. وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾) وقال رسول الله ﷺ «لا تزال عصابة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون»
واعلم أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، ولكن العالم: من اتبع العلم والسنة، وإن كان قليل العلم والكتب. ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير الرواية والكتب
واعلم أنه من قال فى دين الله برأيه وقياسه، وتأوله من غير حجة من السنة والجماعة: فقد قال على الله ما لا يعلم. ومن قال على الله ما لا يعلم، فهو من
стр. 463
المتكلفين. والحق ما جاء من عند الله . والسنة ما سنة رسول الله ﷺ ، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ فى خلافة أبى بكر وعمر وعثمان. ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ وما كان عليه أصحابه والجماعة: فلج على أهل البدعة كلهم، واستراح بدنه، وسلم له دينه. إن شاء الله. لأن رسول الله ﷺ قال «ستفترق أمتي» وبيّن رسول الله ﷺ الفرقة الناجية منها.
فقال «ما أنا عليه وأصحابى» فهذا هو الشفاء والبيان. والأمر الواضح، والمنار المستقيم. وقال رسول الله ﷺ «إياكم والتنطّع. وإياكم والتعمق.
وعليكم بدينكم العتيق»
واعلم أن الدين العتيق: ما كان من وفاة رسول الله ﷺ إلى قتل عثمان بن عفان ﵁. وكان قتله: أول الفرقة، وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة، وافترقت، واتبعت الطمع والهوى، والميل إلى الدنيا.
وليس لأحد رخصة فى شئ أخذ به مما لم يكن عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، أو يكون رجل يدعو إلى شئ أخذ به من قبله، أو من قبل رجل من أهل البدع فهو كمن أحدثه ممن زعم ذلك وقال به. فقد رد السنة وخالف الحق والجماعة. وأباح الهوى، وهو أشر على هذه الأمة من إبليس. ومن عرف ما ترك أهل البدع من السنة، وما فارقوا منها، فتمسك به: فهو صاحب سنة وجماعة، حقيق أن يتبع، وأن يعاون ويحفظ. وهو ممن أوصى به رسول الله ﷺ
واعلموا أن أصول البدع أربعة أبواب، يتشعب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى. ويصير كل واحد من البدع يتشعب، حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة، كلها ضلالة. وكلها فى النار، إلا واحدة. وهو من آمن بما فى هذا الكتاب، واعتقده من غير ريبة فى قلبه ولا شكوك، فهو صاحب سنة. وهو ناج إن شاء الله تعالى.
стр. 464
واعلم أن الناس لو وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يجاوزوها بشئ، ولم يولدوا كلاما مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه: لم تكن بدعة
واعلم أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمنا حتى يكون كافرا: إلا أن يجحد شيئا مما أنزل الله، أو يزيد فى كلام الله، أو ينقص، أو ينكر شيئا مما قال الله ، أو شيئا مما تكلم به رسول الله ﷺ .
فاتق الله، وانظر لنفسك، وإياك والغلو فى الدين. فإنه ليس من شرط الحق فى شئ.
وجميع ما وصفت لك فى هذا الكتاب: فهو عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ ، وعن أصحابه، وعن التابعين، وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع.
فاتق الله يا عبد الله، وعليك بالتصديق والتسليم، والتفويض، والرضى بما فى هذا الكتاب. ولا تكتم هذا الكتاب أحدا من أهل القبلة. فعسى الله أن يرد به حيران من حيرته، أو صاحب بدعة من بدعته، أو ضالا عن ضلالته.
فينجو به.
فاتق الله، وعليك بالأمر الأول العتيق. وهو ما وصفت لك فى هذا الكتاب
فرحم الله عبدا - ورحم والديه - قرأ هذا الكتاب، وبثه وعمل به، ودعا إليه واحتج به. فإنه دين الله ودين رسوله. وإنه من استحل شيئا خلافا لما فى هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين. وقد رده كله، كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله ، إلا أنه شك فى حرف: فقد رد جميع ما قال الله. وهو كافر.
كما أن شهادة أن لا إله إلا الله: لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية، وخالص اليقين. وكذلك لا يقبل الله شيئا من السنة فى ترك بعض. ومن خالف وردّ من السنة شيئا فقد رد السنة كلها. فعليك بالقبول. ودع عنك المحال واللجاج. فإنه ليس من دين الله فى شئ. وزمانك - خاصة - زمان سوء. فاتق الله.
стр. 465
فإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك. وفر من جوار الفتنة. وإياك والعصبية وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة. فاتق الله وحده لا شريك له. ولا تخرج فيها. ولا تقاتل فيها. ولا تهوى، ولا تشايع، ولا تمايل، ولا تحب شيئا من أمورهم. فإنه يقال: من أحب فعال قوم - خيرا كان أو شرّا - كان كمن عمله.
وفقنا الله وإياكم لمرضاته. وجنبنا وإياكم معاصيه
وأقلّ من النظر فى النجوم إلا بما تستعين به على مواقيت الصلاة واله عما سوى ذلك. فإنه يدعو إلى الزندقة
وإياك والنظر فى الكلام والجلوس إلى أصحاب الكلام. وعليك بالآثار وأهل الآثار. وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس. ومنهم فاقتبس.
واعلم أنه ما عبد الله بشئ مثل الخوف من الله. وطريق الخوف والحذر والشفقات والحياء من الله. واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة، ويخلو مع النساء، وطريق المذهب. فإن هؤلاء كلهم على ضلالة
واعلم أن الله تعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته. ومنّ من بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلا منه.
والكف عن حرب على ومعاوية، وعائشة وطلحة والزبير ﵏ أجمعين ومن كان معهم، لا تخاصم فيهم، وكل أمرهم إلى الله تعالى. فإن رسول الله ﷺ قال «إياكم وذكر أصحابى وأصهارى وأختانى» وقال «إن الله تعالى نظر إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»
واعلم أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. وإن كان مع رجل مال حرام فقد ضمنه. لا يحل لأحد أن يأخذ منه شيئا إلا بإذنه. فإنه عسى أن يتوب هذا فيريد أن يرد على أربابها فأخذت حراما. والمكاسب مطلقة، ما بان لك صحته مطلق، إلا ما ظهر فساده. فإن كان فاسدا يأخذ من الفاسد ممسكة
стр. 466
نفسه ولا تقول أترك المكاسب، وآخذ ما أعطونى. لم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا. وقال عمر بن الخطاب ﵁ «كسب فيه بعض المدنية؟؟؟ خير من الحاجة إلى الناس».
والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت إلا أن يكون جهميّا. فإنه معطل وإن صليت خلفه فأعد صلاتك. وإن كان إمامك يوم الجمعة جهميا، وهو سلطان فصل خلفه. وأعد صلاتك. وإن كان إمامك من السلطان وغيره صاحب سنة، فصل خلفه ولا تعد صلاتك
والإيمان بأن أبا بكر وعمر - رحمة الله عليهما - فى حجرة عائشة مع رسول الله ﷺ قد دفنا هنالك معه. فإذا أتيت القبر فالتسليم عليهما بعد رسول الله ﷺ واجب
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب إلا من خفت سيفه وعصاه.
والسلام على عباد الله أجمعين
ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة فى المسجد من غير عذر فهو متبدع. والعذر:
المريض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد، أو خوف من سلطان ظالم. وما سوى ذلك فلا عذر لك. ومن صلّى خلف إمام لا يقتدى به فلا صلاة له
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، باليد واللسان والقلب بلا سيف.
فالمستور من المسلمين من لم يظهر منه ريبة.
وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد فى الكتاب ولا فى السنة فهو بدعة وضلالة. لا ينبغى لأحد أن يعمل به، ولا يدعو إليه.
وأى امرأة وهبت نفسها لرجل: فإنها لا تحل له. يعاقبان إن نال منها شيئا، إلا بولى وشاهدى عدل وصداق.
وإذا رأيت الرجل يطعن على أصحاب النبى ﷺ . فاعلم أنه صاحب هوى، لقول رسول الله ﷺ «إذا ذكر أصحابى فأمسكوا»
стр. 467
فقد علم النبى ﷺ ما يكون منهم من الزلل بعد موته. فلم يقل فيهم إلا خيرا. وقال «ذروا أصحابى، لا تقولوا فيهم إلا خيرا» ولا تحدث بشئ من زللهم ولا خبرهم، ولا ما غاب عنك علمه، ولا تسمعه من أحد يحدث به. فإنه لا يسلم قلبك إن سمعته.
وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار، فاتهمه على الإسلام ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع
واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله التى افترضها على لسان نبيه ﷺ ، جوره على نفسه، وتطوعك وبرك معه تام إن شاء الله تعالى - يعنى الجماعة والجمعة. والجهاد معهم. وكل شئ من الطاعات فشاركهم فيه
وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى. وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. يقول فضيل ابن عياض: لو كان لى دعوة ما جعلتها إلا فى السلطان. فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح. ولم نؤمر أن ندعو عليهم وإن جاروا وظلموا. لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين.
ولا تذكر أحدا من أمهات المسلمين. إلا بخير.
وإذا رأيت الرجل يتعاهد الفرائض فى جماعة مع السلطان وغيره، فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى. وإذا رأيت الرجل يتهاون بالفرائض فى جماعة، وإن كان مع السلطان. فاعلم أنه صاحب هوى
والحلال: ما شهدت عليه وحلفت عليه: أنه حلال. وكذلك الحرام ما حاك فى صدرك. فهو شبهة.
والمستور من بان ستره. والمهتوك من بان هتكه. وإذا سمعت الرجل يقول: فلان ناصبى فاعلم أنه رافضى. وإذا سمعت الرجل يقول: فلان مشبه أو فلان يتكلم بالتشبيه. فاعلم أنه جهمى. وإذا سمعت الرجل يقول: تكلم بالتوحيد،
стр. 468
واشرح لى التوحيد. فاعلم أنه خارجى معتزلى، أو يقول: فلان مجبر، أو يتكلم بالإجبار. أو تكلم بالعدل فاعلم أنه قدرى لأن هذه الأسماء محدثة، أحدثها أمل؟؟؟ الاهواء. وقال عبد الله بن المبارك: لا تأخذوا عن أهل الكوفة فى الرفض شيئا. ولا عن أهل الشام فى السيف شيئا. ولا عن أهل البصرة فى القدر شيئا.
ولا عن أهل خراسان فى الإرجاء شيئا ولا عن أهل مكة فى الصرف، ولا عن أهل المدينة فى الغناء. لا تأخذوا عنهم فى هذه الأشياء
وإذا رأيت الرجل يحب مالك بن أنس ويتولاه. فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة وأسيدا فاعلم أنه صاحب سنة.
إن شاء الله. وإذا رأيت الرجل يحب أيوب، وابن عون، ويونس بن عبيد وعبد الله بن إدريس الأودى، والشعبى، ومالك بن مغول، ويزيد بن زريع، ومعاذ ابن معاذ، ووهب بن جرير، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ومالك بن أنس والأوزاعى، وزائدة بن قدامة. فاعلم أنه صاحب سنة. وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، والحجاج بن المنهال، وأحمد بن نصر، وذكرهم بخير، وقال بقولهم فاعلم أنه صاحب سنة.
وإذا رأيت الرجل يجلس مع أهل الأهواء فاحذره واعرفه فإن جلس معه بعد ما علم فاتقه. فإنه صاحب هوى.
وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده. ويريد القرآن. فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة. فقم من عنده ودعه.
واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو إلى السيف. وأردؤها وأكفرها: الرافضة والمعتزلة، والجهمية. فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة
واعلم أنه من تناول أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه أراد محمدا ﷺ ، وقد آذاه فى قبره. وإذا ظهر لك من إنسان شئ من البدع فاحذره. فإن الذى أخفى عنك أكثر مما أظهر. وإذا رأيت الرجل
стр. 469
رد من الطريق والمذهب فاسقا فاجرا صاحب معاص ظالما. وهو من أهل السنة فاصحبه. واجلس معه. فإنه ليس تضرك معصيته. وإذا رأيت الرجل عابدا مجتهدا متقشفا، محترفا بالعبادة صاحب هوى. فلا تجلس معه. ولا تسمع كلامه.
ولا تمش معه فى طريق. فإنى لا آمن أن تستحلى طريقه فتهلك معه. ورأى يونس بن عبيد ابنه - وقد خرج من عند صاحب هوى - فقال: يا بنى، من أين خرجت؟ قال: من عند عمرو بن عبيد. قال: يا بنى، لأن أراك خرجت من بيت هيتى أحب إلى من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله زانيا سارقا فاسقا خائنا أحب إلى من أن تلقاه بقول أهل الأهواء.
أفلا تعلم أن يونس قد علم أن الهيتى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره؟
فاحذر، ثم احذر أهل زمانك خاصة. وانظر من تجالس، وممن تسمع، ومن تصحب؟ فإن الخلق كلهم فى ضلالة إلا من عصم الله منهم. وإذا رأيت الرجل يذكر المريسى أو ثمامة وأبا الهذيل، وهشام الفوطى، أو واحدا من أتباعهم وأشياعهم فاحذره. فإنه صاحب بدعة، وإن هؤلاء كانوا على الردة. واترك هذا الرجل يذكر المريسى أو ثمامة وأبا الهذيل، وهشام الفوطى، أو واحدا من أتباعهم وأشياعهم فاحذره. فإنه صاحب بدعة، وإن هؤلاء كانو على الردة. واترك هذا الرجل الذى ذكرهم بخير منزلتهم.
والمحنة فى الإسلام بدعة. وأما اليوم فيمتحن بالسنة. لقوله: «إن هذا العلم دين. فانظروا ممن تأخذون دينكم. ولا تقبلوا الحديث إلا ممن تقبلون شهادته» فانظر إن كان صاحب سنة، له معرفة، صدوق كتبت عنه. وإلا تركته.
وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك فاحذر الكلام وأصحاب الكلام، والجدال والمراء والقياس والمناظرة فى الدين. فإن استماعك منهم - وإن لم تقبل منهم - يقدح الشك فى القلب. وكفى به قبولا فتهلك.
وما كانت قط زندقة، ولا بدعة، ولا هوى ولا ضلالة إلا من الكلام، والجدال، والمراء، والقياس. وهى أبواب البدع والشكوك والزندقة.
стр. 470
فالله الله فى نفسك. وعليك بالآثار وأصحاب الأثر والتقليد. فإن الدين إنما هو التقليد، يعنى للنبى ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ومن قبلنا لم يدعونا فى لبس، فقلدهم. واسترح. ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر.
وقف عند متشابه القرآن والحديث، ولا تفسر شيئا. ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع. فإنك أمرت بالسكوت عنهم. فلا تمكنهم من نفسك أما علمت أن محمد بن سيرين - مع فضله - لم يجب أحدا من أهل البدع فى مسألة واحدة، ولا سمع منه آية من كتاب الله . فقيل له. فقال: أخاف أن أعرفها فيقع فى قلبى شئ
وإذا سمعت الرجل يقول: إنا نحن نعظم الله - إذا سمع آثار رسول الله ﷺ فاعلم أنه جهمى. يريد أن يرد أثر رسول الله ﷺ ، ويدفعه بهذه الكلمة، وهو يزعم أنه يعظم الله ويتزهد إذا سمع حديث الرؤية وحديث النزول وغيره. أفليس قد رد أثر رسول الله ﷺ إذ قال: إنا نحن نعظم الله: أن ينزل من موضع إلى موضع. فقد زعم أنه أعلم بالله من غيره. فاحذر هؤلاء. فإن جمهور الناس من السوقة وغيرهم على هذا الحال.
وحذر الناس منهم. وإذا سألك الرجل عن مسألة فى هذا الباب، وهو مسترشد.
فكلمه وأرشده. وإذا جاءك يناظرك فاحذره. فإن فى المناظرة المراء والجدال والمغالبة والخصومة والغضب. وقد نهيت عن جميع هذا. وهو يزيل عن طريق الحق.
ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه جادل، أو ناظر، أو خاصم. وقال الحسن: الحكيم لا يمارى ولا يدارى فى حكمته أن ينشرها، إن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله.
وجاء رجل إلى الحسن فقال: أنا أناظرك فى الدين. قال الحسن: أنا قد عرفت دينى. فإن كان دينك قد ضل منك فاذهب فاطلبه
وسمع رسول الله ﷺ قوما على باب حجرته يقول أحدهم «ألم
стр. 471
يقل الله كذا؟» ويقول الآخر «ألم يقل الله كذا؟» فخرج مغضبا فقال: «أبهذا أمرتكم؟ أم بهذا بعثت إليكم: أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ فنهاهم عن الجدال» وكان ابن عمر يكره المناظرة. ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا. وقول الله أكبر من قول الخلق. قال الله تعالى: (٣:٤٠ ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾
وسأل رجل عمر بن الخطاب فقال: «ما الناشطات نشطا؟ فقال: لو كنت مخلوقا لضربت عنقك» وقال النبى ﷺ «المؤمن لا يمارى ولا أشفع للممارى يوم القيامة. دعوا المراء لقلة خيره»
ولا يحل لرجل أن يقول: فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة. فلا يقال له: صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها.
وقال عبد الله بن المبارك: أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء. فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى: القدرية، والمرجئة، والشيعة، والخوارج. فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعليّا على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يتكلم فى الباقين إلا بخير، ودعا لهم: فقد خرج من التشيع، أوله وآخره. ومن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره. ومن قال: الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف. ودعا لهم بالصلاح. فقد خرج من قول الخوارج أوله. وآخره ومن قال: المقادير كلها من الله ، خيرها، وشرها، يضل من يشاء ويهدى من يشاء. فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره. وهو صاحب سنة. وكل بدعة ظهرت فهى كفر بالله العظيم. ومن قال بها فهو كافر بالله.
لا شك فيه. والذين يؤمنون بالرجعة، ويقولون: على بن أبى طالب حى، وسيرجع قبل يوم القيامة، ومحمد بن على، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، ويتكلمون فى الإمامة، وأنهم يعلمون الغيب. فاحذرهم فإنهم كفار بالله العظيم
стр. 472
قال طعمة بن عمر، وسفيان بن عيينة: من وقف عند عثمان وعلى: فهو شيعى لا يعدّل، ولا يكلم، ولا يجالس. ومن قدم عليّا على عثمان: فهو رافضى، قد رفض آثار أصحاب رسول الله ﷺ . ومن قدم الأربعة على جميعهم وترحم على الباقين، وكف عن زللهم: فهو على طريق الاستقامة والهدى فى هذا الباب.
والسنة أن نشهد للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة أنهم من أهل الجنة لا شك فيه. ولا نصلى على أحد إلا على رسول الله ﷺ وعلى آله فقط، ونعلم أن عثمان قتل مظلوما. ومن قتله كان ظالما
فمن أقر بما فى هذا الكتاب وآمن به، واتخذه إماما. ولم يشك فى حرف منه، ولم يجحد حرفا منه، فهو صاحب سنة وجماعة، كامل، قد كملت فيه الجماعة.
ومن جحد حرفا مما فى هذا الكتاب، أو شك فى حرف منه، أو شك فيه أو وقف: فهو صاحب هوى. ومن جحد أو شك فى حرف من القرآن، أو فى شئ جاء عن رسول الله ﷺ : لقى الله مكذبا
فاتق الله واحذر وتعاهد إيمانك
ومن السنة أن لا تطيع أحدا فى معصية الله، ولا الوالدين. والخلق جميعا ولا طاعة لبشر فى معصية الله. ولا يحب عليه أحدا. واكره ذلك كله لله
والإيمان بأن التوبة فرض على العباد، وأن يتوبوا إلى الله من كبير المعاصى وصغيرها.
ومن لم يشهد لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة فهو صاحب بدعة وضلالة، شاك فيما قال رسول الله ﷺ
وقال مالك بن أنس: من لزم السنة وسلم منه أصهار رسول الله ﷺ ، ثم مات: كان مع الصديقين والشهداء، والصالحين. وإن قصر فى العمل
وقال بشر بن الحرث: السنة هى الإسلام. والإسلام هو السنة
стр. 473
وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت رجلا من أهل السنة. فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ : وإذا رأيت رجلا من أهل البدعة فكأنما رأيت رجلا من المنافقين
وقال يونس بن عبيد: العجب ممن يدعو اليوم إلى السنة. وأعجب منهم المجيب إلى السنة.
وكان ابن عون، يقول عند الموت: السنة السنة. وإياكم والبدع، حتى مات.
وقال أحمد بن حنبل: مات رجل من أصحابى، فرئى فى المنام. فقال:
قولوا لأبى عبد الله: عليك بالسنة. فإن أول ما سألنى ربى عن السنة
وقال أبو العالية: من مات على السنة مستورا فهو صديق. والاعتصام بالسنة نجاة
وقال سفيان الثورى: من أصغى بإذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله، ووكل إليها، يعنى إلى البدع.
وقال داود بن أبى هند: أوحى الله ﵎ إلى موسى بن عمران:
لا تجالس أهل البدع. فإن جالستهم فحاك فى صدرك شئ مما يقولون أكببتك فى نار جهنم
وقال الفضيل بن عياض: من جالس صاحب بدعة لم يعط الحكمة
وقال الفضيل بن عياض: لا تجلس مع صاحب بدعة. فإنى أخاف أن تنزل عليك اللعنة.
وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله علمه. وأخرج نور الإسلام من قلبه
وقال الفضيل بن عياض: من جلس مع صاحب بدعة فى طريق، فجز فى طريق غيره
стр. 474
وقال الفضيل بن عياض: من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ومن تبسم فى وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله على محمد ﷺ . ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها. ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل فى سخط الله حتى يرجع
وقال الفضيل بن عياض: آكل مع يهودى ونصرانى. ولا آكل مع مبتدع، وأحب أن يكون بينى وبين صاحب بدعة حصن من حديد.
وقال الفضيل بن عياض: إذا علم الله من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة:
غفر له، وإن قل عمله. ولا يكن صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا نفاقا.
ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانا. ومن انتهر صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر. ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله فى الجنة مائة درجة. فلا تكن صاحب بدعة فى الله أبدا
أنبأنا على عن ابن بطة قال: سمعت البربهارى يقول: المجالسة للمناظرة تغلق باب الفائدة. قال: وسمعت البربهارى يقول: لما أخذ الحاج: يا قوم إن كان يحتاج إلى معاونة بمائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، ومائة ألف دينار - خمس مرات - عاونته. قال ابن بطة: لو أرادها معاونة لحصلها من الناس
وقال ابن بطة: اجتاز بعض المحبين للبربهارى ممن يحضر مجلسه من العوام وهو سكران على بدعى. فقال البدعى: هؤلاء الحنبلية. قال فرجع إليه، وقال:
الحنبلية على ثلاثة أصناف، صنف زهاد، يصومون ويصلون. وصنف يكتبون ويتفقهون. وصنف يصفعون لكل مخالف مثلك، وصفعه. وأوجعه
وسمعت أخى أبا القاسم - نضر الله وجهه - يقول: لم يكن البربهارى يجلس مجلسا إلا ويذكر فيه أن الله يقعد محمدا ﷺ معه على العرش.
ونقلت من خط الوالد السعيد ﵁ قال: نقلت من خط أبى حفص البرمكى قال: ذكر أبو الحسن بن بشار قال: تنزه البربهارى من ميراث أبيه عن سبعين ألف درهم
стр. 475
وقال البربهارى: مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رءوسهم وأبدانهم فى التراب، ويخرجون أذنابهم. فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع، هم مختفون بين الناس. فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون.
وقال أيضا: الناس فى خداع متصل وكانت للبربهارى مجاهدات ومقامات فى الدين كثيرة. وكان المخالفون يغيظون قلب السلطان عليه. ففى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة فى خلافة القاهر ووزيره ابن مقلة - تقدم بالقبض على البربهارى. فاستتر، وقبض على جماعة من كبار أصحابه. وحملوا إلى البصرة، وعاقب الله تعالى ابن مقلة على فعله ذلك، بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة، وعزله القاهر عن وزارته، وطرح فى داره النار، فقبض على القاهر بالله يوم الأربعاء لست من شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وحبس وخلع وسملت عيناه فى هذا اليوم حتى سالتا جميعا فعمى، ثم تفضل الله تعالى، وأعاد البربهارى إلى حشمته، وزادت، حتى إنه لما توفى أبو عبد الله بن عرفة - المعروف بنفطويه - وحضر جنازته أماثل أبناء الدنيا والدين: كان المقدم على جماعتهم فى الإمامة: البربهارى. وذلك فى صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وفى هذه السنة ازدادت حشمة البربهارى، وعلت كلمته، وظهر أصحابه، وانتشروا فى الإنكار على المبتدعة، فبلغنا أن البربهارى اجتاز بالجانب الغربى، فعطس، فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة وهو فى روشنه، فسأل عن الحال؟ فأخبر بها، فاستهولها، ولم تزل المبتدعة ينقلون قلب الراضى على البربهارى، فتقدم الراضى إلى بدر الحرسى صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد: أن لا يجتمع من أصحاب البربهارى نفسان، فاستتر وكان ينزل بالجانب الغربى بباب محوّل فانتقل إلى الجانب الشرقى مستترا، فتوفى فى الاستتار فى رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
حدثنى محمد بن الحسن المقرى قال: حكى لى جدى وجدتى قالا: كان أبو محمد
стр. 476
البربهارى قد اختبأ عند أخت توزون بالجانب الشرقى فى درب الحمام، فى شارع درب السلسلة. فبقى نحوا من شهر. فلحقه قيام الدم: فقالت أخت توزون لخادمها لما مات البربهارى عندها مستترا: انظر من يغسله. فجاء بالغاسل فغسله، وغلق الباب حتى لا يعلم أحد، ووقف يصلى عليه وحده. فطالعت صاحبة المنزل. فرأت الدار ملأى رجالا عليهم ثياب بيض وخضر. فلما سلم لم تر أحدا فاستدعت الخادم وقالت: يا حجام أهلكتنى مع أخى. فقال: يا ستى، رأيت ما رأيت؟ فقالت:
نعم فقال: هذه مفاتيح الباب، وهو مغلق. فقالت: ادفنوه فى بيتى. فإذا مت فادفنونى عنده فى بيت القبة فدفنوه فى دارها، فماتت بعده بزمان فدفنت فى ذلك المكان، ومضى الزمان عليها، وصارت تربة، وهو بقرب دار المملكة بالمخرّم
٥٨٩ - الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو على الخرقى،
والد أبى القاسم الحرقى، صاحب المختصر، صحب جماعة من أصحاب أحمد، منهم حرب، وأكثر من صحبة المروذى، وكان يدعى خليفة المروذى. حدث عن أبى عمر؟؟؟ الدورى المقرئ، وعمرو بن على البصرى والمنذر بن الوليد الجارودى الكوفى، ومحمد بن مرداس الأنصارى، وغيرهم، روى عنه ابنه أبو القاسم، وأبو بكر الشافعى، وأبو على بن الصواف، وأبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن خاقان، وأبو بكر عبد العزيز، وغيرهم.
روى أبو على الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد الأصبهانى - وقرئ عليه - أخبرنا أبو العباس أحمد محمد بن يوسف بن مردة المسجدى الأصبهانى - إجازة - حدثنا عبد الوهاب بن جعفر بن على الميدانى حدثنا أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الكريم المعروف ببكير الخراز الطرسوسى - بدمشق - قال سمعت أبا نصر المظفر بن محمد بن أحمد بن محمد الخياط حدثنا الحسين بن عبد الله الخرقى وعبدة قالا: حدثنا أبو بكر المروذى قال: قرأت على أبى عبد الله: حدثكم شاذان حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله
стр. 477
عليه وسلم «رأيت ربى ، شاب أمرد جعد قطط، عليه حلة حمراء (١)» قال المروذى. قلت لأبى عبد الله: إنهم يقولون ما رواه إلا شاذان. فغضب.
وقال: من قال هذا؟ ثم قال: أخبرنى عفان حدثنا عبد الصمد بن كيسان حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى ﷺ قال «رأيت ربى » قال المروذى: فقلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون:
ما روى قتادة عن عكرمة شيئا. فقال: من قال هذا؟ أخرج خمسة، ستة، أحاديث، أو سبعة عن قتادة عن عكرمة.
وروى أبو مزاحم الخاقانى: قرأت على أبى على الحسين بن عبد الله الخرقى عن أبى حفص الصيرفى قال: ليث بن سعد صدوق. وسماعه من الزهرى قراءة
قرأت فى كتاب أحمد المؤرخ قال: أخبرنا محمد بن القاسم النرسى أخبرنا محمد ابن عبد الله بن إبراهيم حدثنا أبو على الحسين بن عبد الله الخرقى حدثنا أبو عمر حفص بن عمر الدورى حدثنا عمرو بن جميع عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن محمد بن إبراهيم التيمى عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال النبى ﷺ : «إن لكل مسيء توبة إلا صاحب سوء الخلق. فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع فى شر منه»
وقال على بن كامل: توفى أبو على الحسين بن عبد الله الخرقى الحنبلى خليفة المروذى يوم الخميس يوم الفطر من سنة تسع وتسعين ومائتين
قلت أنا: وبلغنى أنه دفن بقرب قبر أحمد. وذكره ابن مهدى فى تاريخه.
فقال: كان رجلا صالحا من أصحاب أبى بكر المروذى وكتب الناس عنه. وكان قد صلّى عيد الفطر، فانصرف إلى أهله فتغدى ونام، فوجده أهله ميتا. ودفن
стр. 478
بالقرب من قبر أحمد بن حنبل. وتبعه خلق عظيم من الناس سنة تسع وتسعين ومائتين
٥٩٠ - الحسين بن علي بن محمد المخرمى المعروف بابن شاصو،
أبو عبد الله.
حدث عن أبى على الحسين بن إسحاق الخرقى قال: سألت أحمد: متى يقصر المسافر الصلاة؟ قال: إذا عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وصلاة إحدى وعشرين صلاة. حدث عنه أبو إسحاق بن شاقلا
٥٩١ - حبيب؟؟؟ بن الحسن
بن داود بن محمد بن عبد الله، أبو القاسم القزاز سمع أبا مسلم الكجى، وعمرو بن حفص السدوسى، ومحمد بن يحيى المروذى، وموسى بن إسحاق الأنصارى، والحسن علوية القطان، ومحمد بن عثمان بن أبى شيبة، ومحمد بن الليث الجوهرى، وخلف بن عمر العكبرى، وأبا العباس البراثى وابن أبى عوف البزورى.
روى عنه الدار قطنى، وأبو حفص بن شاهين، وأبو الحسن بن رزقويه، والحسين بن الحسن المخزومى، وأبو الحسن الحمانى، وعلى بن المظفر الأصبهانى، وشيخ الوالد أبو عبد الله بن حامد.
وقد روينا فى ترجمة ابن أبى عوف والبراثى وعمر السدوسى بعض ما روى عنهم حبيب القزاز من مسائل أحمد.
وقال أبو الحسن بن الفرات: كان حبيب القزاز ثقة مستورا. دفن فى الشونيزية. وذكر أن قوما من الرافضة أخرجوه من قبره ليلا وسلبوه كفنه إلى أن أعاد له ابنه كفنا وأعاد دفنه
وقال محمد بن أبى الفوارس: توفى حبيب بن الحسن القزاز يوم الأحد فى جمادى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وكان ثقة مستورا حسن المذهب
باب الخاء من الطبقة الثانية
٥٩٢ - خضر بن مثنى الكمندى؟؟؟.
نقل عن عبد الله بن إمامنا أحمد ﵁ أشياء.
стр. 479
منها الرد على الجهمية، فيما قرأته على المبارك بن عبد الجبار عن إبراهيم عن عبد العزيز أبو بكر الخلال أخبرنى خضر بن مثنى الكندى قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال أبى: بيان ما أنكرت الجهمية: أن الله تعالى كلم موسى. فقلنا لهم: لم أنكرتم ذلك؟
قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم. إنما كون شيئا، فعبر عن الله ، وخلق صوتا فأسمع.
وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان.
فقلنا: هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، أو ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؟ فمن زعم كما زعمت الجهمية: أن الله كون شيئا، كان يقول ذلك المكون: ﴿يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ لا يجوز أن يقول:
إنّي أنا الله رب العالمين. وقال الله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ وقال ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وقال ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ وقال ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾.
فهذا منصوص القرآن.
وأما ما قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم. فكيف بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدى بن حاتم الطائى قال: قال رسول الله ﷺ «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان»
وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان: أليس قال الله تعالى للسماوات والأرض (أئتيا طوعا أو كرها قالتا: أتينا طائعين) أتراها أنها قالت بجوف وشفتين ولسان؟ والجوارح إذا شهدت على الكفار، فقالوا (لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذى أنطق كل شئ) أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء. وكذلك تكلم الله كيف شاء، من غير أن يقول جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان. وذكر الرسالة بطولها
стр. 480
باب الزاى من الطبقة الثانية
٥٩٣ - زهير بن صالح بن أحمد بن حنبل.
حدث عن جماعة، منهم والده صالح
قرأت فى كتاب أحمد الحافظ قال: سئل الدار قطنى عن زهير بن صالح؟ فقال: قد حدث. وهو ثقة.
روى عن زهير جماعة. منهم ابن أخيه محمد بن أحمد بن صالح، وأبو بكر النجاد، وأبو بكر الخلال.
فيما أنبأنا المبارك عن إبراهيم عن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو بكر الخلال قال:
حدثنى زهير بن صالح قال: حدثنا أبى قال: قلت لأبى: الصلوات بوضوء واحد أحب إليك أم يتوضأ لكل صلاة؟ قال: إن قوى بوضوء واحد ما بأس به. ليت أنا اقوينا عليه. ما أروحه
أخبرنا الخلال قال: أملى علينا زهير بن صالح قال: تزوج جدى ﵀ أم أبى: عباسة بنت الفضل، من الربض من العرب، لم يولد منها غير أبى. ثم توفيت، وتزوج بعدها امرأة من العرب، يقال لها: ريحانة، فولدت له عمى عبد الله، لم يولد له منها غيره. ثم توفيت فاشترى حسن. فولدت منه أم على، واسمها زينب. ثم ولدت الحسن والحسين توأمين، ماتا بقرب من ولادتهما. ثم ولدت الحسن ومحمدا، فعاشا من السن نحو الأربعين سنة. ثم ولدت بعدهما سعيدا
وقال حنبل: ولد سعيد قبل موت أبيه أحمد بنحو من خمسين يوما.
وقال ابن برهان: ولى سعيد قضاء الكوفة
وقال أحمد بن كامل: ومات زهير بن صالح بن أحمد سنة ثلاث وثلاثمائة
باب السين من الطبقة الثانية
٥٩٤ - سليمان بن أحمد
بن أيوب بن مطير اللخمى الطبرانى، أبو القاسم م ٤ - طبقات ٢
стр. 481
ابن أبى ذر. وافى أصبهان. وسكن بها. سمع من جماعة من أصحاب إمامنا: أبا زرعة الدمشقى، وعبد الله بن أحمد، ومن غيرهما: ابن أبى مريم، وإسحاق الديرى، وابن يونس، وإبراهيم بن بزّة، وإدريس بن جعفر البغدادى، ومحمد بن يحيى ابن منده، جد أبى عبد الله بن منده.
وكان أحد الأئمة والحفاظ فى علم الحديث. وله تصانيف مذكورة، وآثار مشهورة. من جملتها «المعجم الكبير» و «الأوسط» و «الأصغر»
مولده بعكا سنة ستين ومائتين. ومات بأصبهان سنة ستين وثلاثمائة ودفن بباب مدينة أصبهان عند قبر حممة الدوسى صاحب رسول الله ﷺ فى تربة واحدة
قال أبو الحسين بن فارس اللغوى: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول:
ما كنت أظن أن فى الدنيا حلاوة ألذ من الرياسة والوزارة التى أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة الطبرانى والجعانى بحضرتى. فكان الطبرانى يغلب الجعانى بكثرة الحفظ. وكان الجعانى يغلب الطبرانى بفطنة وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتهما. ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه. فقال الجعانى: عندى حديث ليس فى الدنيا إلا عندى. فقال: هاته. فقال الطبرانى: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان ابن أيوب - وحدث بالحديث - فقال الطبرانى: أخبرنا سليمان بن أيوب، ومنى سمعه أبو خليفة. فاسمعه منى حتى يعلو إسنادك. فإنك تروى عن أبى خليفة عنى، فخجل الجعانى، وغلبه الطبرانى. قال ابن العميد: فوددت فى مكان الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لى، وكنت الطبرانى، وفرحت مثل الفرح الذى فرح به الطبرانى، لأجل الحديث
وروى عنه جماعة. منهم: أبو خليفة الفضل بن الحباب، وعبدان، وجعفر الفريابى، ومن بعدهم: أبو العباس بن عقدة الحافظ، وأبو عبد الله بن منده الحافظ الأصبهانى.
стр. 482
قال الطبرانى: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبى يقول:
قال الشافعى: يا أبا عبد الله، إذا صح الحديث عندكم عن رسول الله ﷺ فأخبرونا، نرجع إليه.
وقال الطبرانى: حدثنا أحمد بن على الأبار، قال سمعت محمد بن يحيي النيسابورى - حين بلغه وفاة أحمد بن حنبل - يقول: ينبغى لأهل كل دار ببغداد أن يقيموا على أحمد بن حنبل النياحة فى دورهم
باب العين من الطبقة الثانية
٥٩٥ - عبد الله بن سليمان
بن الأشعث بن إسحاق، أبو بكر بن أبى داود السجستانى. رحل به والده من سجستان، فطوف به شرقا وغربا. وأسمعه من علماء ذلك الوقت. سمع بخراسان، والجبال وأصبهان، وفارس، والبصرة، وبغداد، والكوفة، والمدينة، ومكة، والشام، ومصر، والجزيرة، والثغور.
واستوطن بغداد. وصنف المسند، والسنن، والتفسير، والقراءات، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. وكان فهما عالما حافظا، وحدث عن على بن خشرم المروزى، وأبى داود سليمان بن معبد السنجى، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن يحيى الذهلى، وأحمد بن الأزهر النيسابورى، وإسحاق بن منصور الكوسج، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد ابن المثنى، وعمرو بن على، ونصر بن على البصريين، وإسحاق بن إبراهيم النهشلى، وزياد بن أيوب، ومحمد بن عبد الله المخرمى، ويعقوب الدورقى، ويوسف ابن موسى القطان، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة. وخلق كثير من أمثالهم
روى عنه أبو بكر بن مجاهد المقرئ، وعبد الباقى بن قانع، ودعلج بن أحمد، وأبو بكر الشافعى، ومحمد بن المظفر الوراق، والدار قطنى، وأبو حفص بن شاهين وأبو القاسم بن حبابة، والمخلص، وأبو عبد الله بن بطة، وعيسى بن على الوزير.
وكان عيسى يشير إلى موضع فى داره فيقول: حدثنا أبو القاسم البغوى فى ذلك
стр. 483
الموضع. وحدثنا يحيى بن صاعد فى ذلك الموضع. وحدثنا أبو بكر بن مجاهد فى ذلك الموضع. وذكر غير هؤلاء. فيقال له: لا تزال تذكر أبا بكر بن أبى داود فيقول: ليته إذا مضينا إلى داره كان يأذن لنا فى الدخول إلى داره، والقراءة عليه؟
ونصب له السلطان المنبر، فحدث عليه لفضله ومعرفته.
وقال الأزهرى: سمعت أحمد بن إبراهيم بن شاذان يقول: أخرج أبو بكر ابن أبى داود إلى سجستان فى أيام عمرو بن الليث. فاجتمع إليه أصحاب الحديث، وسألوه أن يحدثهم. فأبى، وقال: ليس معى كتاب. فقالوا له: ابن أبى داود وكتاب؟ قال أبو بكر: فأثارونى، فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظى.
فلما قدمت بغداد قال البغداديون: مضى ابن أبى داود إلى سجستان، ولعب بالناس، ثم فيّجوا فيجا اكتروه؟؟؟ إلى سجستان، ليكتب لهم النسخة. فكتبت، وجئ بها إلى بغداد. وعرضت على الحفاظ، فخطئونى فى ستة أحاديث، منها ثلاثة حدثت بها كما حدّثت، وثلاثة أحاديث أخطأت فيها
وقال أبو عبد الرحمن السلمى: سألت الدار قطنى عن أبى بكر بن أبى داود؟ فقال: ثقة
أخبرنا الوالد السعيد - قراءة - قال: أخبرنا موسى بن عيسى السراج قال:
حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال: حدثنا وهب بن بيان وعبد الله بن محمد ابن المسور، وموسى بن عامر المرى، قالوا: حدثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس - يبلغ به النبى ﷺ قال «من صور صورة كلّف أن ينفخ فيها، ولن يفعل. ومن تحلّم كلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل.
ومن استمع حديث قوم لم يحبوا أن يسمع حديثهم صبّ فى أذنيه الآنك»
أنبأنا أبو الحسين - من ولد المهتدى بالله - عن عمر بن شاهين، قال: سمعت أبا بكر بن أبى داود يقول: دخلت الكوفة، ومعى درهم واحد. فاشتريت به ثلاثين مدّا باقلاّ. وكنت آكل منه مدّا، وأكتب عن أبى سعيد الأشجّ
стр. 484
ألف حديث. فلما كان الشهر: حصل معى ثلاثون ألف حديث.
أنبأنا علىّ المحدّث عن عبيد الله الفقيه. قال: أنشدنا أبو بكر بن أبى داود من حفظه لنفسه:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى … ولا تك بدعيا، لعلك تفلح
ودن بكتاب الله والسنن التى … أتت عن رسول الله تنجو وتربح
وقل: غير محلوق كلام ملبكنا … بذلك دان الأتقياء وأفصحوا
ولا تغل فى القرآن بالوقف قائلا … كما قال أتباع لجهم وأسجحوا
ولا تقل القرآن خلقا قرأته … فإن كلام الله باللفظ يوضح
وقل: يتجلى الله للخلق جهرة … كما البدر لا يخفى، وربك أوضح
وليس بمولود، وليس بوالد … وليس له شبه، تعالى المسبّح
وقد ينكر الجهمى هذا. وعندنا … بمصداق ما قلنا: حديث مصرح
رواه جرير عن مقال محمد … فقل مثل ما قد قال فى ذاك تنجح
وقد ينكر الجهمى أيضا يمينه … وكلتا يديه بالفواضل تنفح
وقل: ينزل الجبار فى كل ليلة … بلا كيف، جلّ الواحد المتمدح
إلى طبق الدنيا، يمنّ بفضله … فتفرج أبواب السماء وتفتح
يقول: ألا مستغفر يلق غافرا … ومستمنح خيرا ورزقا فامنح
روى ذاك قوم لا يردّ حديثهم … ألا خاب قوم كذّبوهم وقبحوا
وقل: إن خير الناس، بعد محمد … وزيراه قدما. ثم عثمان الأرجح
ورابعهم: خير البريّة بعدهم … علىّ، حليف الخير، بالخير منجح
وإنهم والرهط لا ريب فيهم … على نجب الفردوس فى الخلد تسرح
سعيد، وسعد، وابن عوف، وطلحة … وعامر فهر، والزبير الممدّح
وقل: خير قول فى الصحابة كلهم … ولا تك طعّانا نعيب وتجرح
فقد نطق الوحي المتين بفضلهم … وفى الفتح آى فى الصحابة تمدح
стр. 485
وبالقدر المقدور أيقن، فإنه … دعامة عقد الدين، والدين أفيح
ولا تنكرن جهلا نكيرا ومنكرا … ولا الحوض والميزان، إنك تنصح
وقل: يخرج الله العظيم بفضله … من النار أجسادا من الفحم تطرح
على النهر فى الفردوس تحيى بمائه … كحبّة حمل السيل إذ جاء يطفح
فإن رسول الله للخلق شافع … وقل فى عذاب القبر حق موضح
ولا تكفرنّ أهل الصلاة وإن عصوا … وكلهم يعصى، وذو العرش يصفح
ولا تعتقد رأى الخوارج، إنه … مقال لمن يهواه يردى ويفضح
ولا تك مرجيا لعوبا بدينه … ألا إنما المرجى بالدين يمرح
وقل: إنما الإيمان قول ونية … وفعل، على قول النبي مصرّح
وينقص طورا بالمعاصى، وتارة … بطاعته ينمى، وفى الوزن يرجح
ودع عنك آراء الرجال وقولهم … فقول رسول الله أزكى وأشرح
ولا تك من قوم تلهّوا بدينهم … فتطعن فى أهل الحديث وتقدح
إذا ما اعتقدت الدهر، يا صاح هذه … فأنت على خير تبيت وتصبح
قال ابن بطة: قال أبو بكر بن أبى داود: هذا قولى وقول أبى، وقول أحمد ابن حنبل، وقول من أدركنا من أهل العلم، ومن لم ندرك ممن بلغنا عنه. فمن قال غير هذا فقد كذب.
مولده: سنة ثلاثين ومائتين. قال: وأول ما كتبت سنة إحدى وأربعين عن محمد بن أسلم الطوسى. وكان بطوس. وكان رجلا صالحا، وسرّ بى أبي لما كتبت عنه وقال لى: أول ما كتبت، كتبت عن رجل صالح. ورأيت جنازة إسحاق ابن راهويه. ومات إسحاق سنة ثمان وثلاثين. وكنت مع ابنه فى الكتاب.
وتوفى عبد الله بن أبى داود، وهو ابن ست وثمانين سنة وستة أشهر وأيام.
وصلّى عليه مطّلب الهاشمى، ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمى. وقيل: صلي عليه ثمانين مرة، حتى أنفذ المقتدر بالله بنازوك فخلصوا جنازته. ودفنوه يوم الأحد
стр. 486
لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة من سنة ست عشرة وثلاثمائة، فى مقبرة باب البستان.
وقيل: صلّى عليه زهاء ثلاثمائة ألف إنسان وأكثر. وأخرج بعد صلاة الغداة. ودفن بعد صلاة الظهر. وقيل: مات وله سبع وثمانون سنة. قد مضى له منها ثلاثة أشهر. وخلف ثمانية أولاد: أبو داود، ومحمد، وأبو معمر، وعبيد الله، وأبو أحمد عبد الأعلى. وخمس بنات، أكبرهن فاطمة. وحدثت
٥٩٦ - عبد الرحمن بن محمد
بن إدريس الرازى، أبو محمد الإمام ابن الإمام الحافظ أبو حاتم.
سمع صالح بن أحمد، وأحمد بن أصرم، وأبا زرعة، وأباه، وأحمد بن سنان القطان، وأحمد بن منصور الرمادى، ويونس بن حبيب الأصبهانى، وغيرهم.
ورحل فى طلب الحديث إلى البلاد مع أبيه وبعده. وصنف التصانيف من جملتها: كتاب السنة، والتفسير، وكتاب الرد على الجهمية، وفضائل إمامنا أحمد وغير ذلك.
قرأت فى كتاب الرد على الجهمية: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال:
سمعت أبى، ﵁ يقول: قال الله تعالى ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فأخبرنا بالخلق. ثم قال: والأمر. فأخبر أن الأمر غير الخلق.
وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم: سمعت أحمد بن سنان الواسطى يقول: قد ميز الله بين الخلق والأمر. فسمى هذا أمرا. وسمى هذا خلقا، وفرق بينهما. فقال ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وكل مخلوق داخل فى الخلق، وبقى الأمر. والأمر ليس بمخلوق. قال الله تعالى ﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ فأنزل كلامه غير مخلوق
أخبرنا الشيخ الإمام عبد الرحمن بن منده - فيما كتب إلينا - قال: أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو محمد بن حبان أبو الشيخ، قال فى تاريخه: مات أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة
стр. 487
٥٩٧ - عمر بن محمد
بن بكار القلافلائى، أبو جعفر
حدث بمسائل أبى إسحاق إبراهيم بن هاني النيسابورى فيما أنبأنا الوالد السعيد عن ابن شهاب أخبرنا أبو على أخبرنا عمر بن بدر المغازلى أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن بكار حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن هاني النيسابورى. قال:
سمعت أبا عبد الله يقول: بلغ ابن أبى ذئب: أن مالك بن أنس قال «ليس البيعان بالخيار» فقال ابن أبى ذئب: يستتاب مالك. فإن تاب وإلا ضربت عنقه
وبه قال: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن رجل قدم مكة من بلد بعيد تاجرا، فدخل مكة بغير إحرام؟ قال: يرجع إلى الميقات، فيهلّ بعمرة، إن كان فى غير أيام الحج. فإن كان فى أيام الحج: أهل بالحج
وبه قال: سئل أبو عبد الله عن البراءة من كل عيب؟ قال: لا، إلا أن يسمى العيب.
وبه قال: سئل عن مسجد بنى على الطريق. قال: يقلع، ويرد الطريق إلى ما كان.
٥٩٨ - عمر بن محمد
بن رجاء، أبو حفص العكبرى
حدث عن عبد الله بن إمامنا أحمد، وقيس بن إبراهيم الطوابيقى، وموسى ابن حمدون العكبرى، وعصمة بن أبى عصمة، وغيرهم. وكان عابدا صالحا
روى عنه جماعة. منهم: أبو عبد الله بن بطة، وقال: إذا رأيت العكبرى يحب أبا حفص بن رجاء فاعلم أنه صاحب سنة
وقال محمد بن عبد الله الخياط: كان أبو حفص بن رجاء لا يكلم من يكلم رافضيا إلى عشرة.
وقال أبو على بن شهاب: كان لأبى حفص بن رجاء صديق صيرفى. فبلغه أنه قد اتخذ دفترا للحساب فهجره. لأن الصرف المباح يدا بيد، ولما اتخذ دارا فإنما يعطى نسيئة
стр. 488
وقرأت فى بعض كتب أصحابنا: أن ابن رجاء كان إذا مات بعكبرى رجل من الرافضة، فبلغه أن بزازا باع له كفنا، أو غاسلا غسله، أو حاملا حمله:
هجره على ذلك
أنبأنا أبو القاسم البندار عن ابن بطة حدثنا أبو حفض بن رجاء حدثنا عصمة بن أبى عصمة حدثنا العباس بن الحسين القنطرى حدثنا محمد بن الحجاج قال:
كتب عنى أحمد بن حنبل كلاما. قال العباس: فأملاه علينا. قال: لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه للفتوى حتى يكون فيه خمس خصال. أما أولها: فان تكون له نية. فإنه إن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور، وأما الثانية: فيكون عليه حلم ووقار وسكينة. وأما الثالثة: فيكون قويّا على ما هو فيه وعلى معرفته. وأما الرابعة: فالكفاية، وإلا مضغه الناس. والخامسة:
معرفة الناس
فأقول أنا - والله العالم - لو أن رجلا عاقلا أنعم نظره وميّز فكره، وسما بطرفه، واستقصى بجهده، طالبا خصلة واحدة فى أحد من فقهاء وقتنا والمتصدرين للفتوى: أخشى أن لا يجدها. والله نسأل صفحا جميلا، وعفوا كثيرا
وتوفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
٥٩٩ - على بن محمد بن بشار، أبو الحسن الزاهد العارف
حدّث عن أبى بكر المروذى، وصالح، وعبد الله ابنى إمامنا أحمد، وغيرهم.
روى عنه أبو الحسن أحمد بن مقسم المقرى، وعلى بن محمد بن جعفر البجلى وعلى بن أحمد بن ممويّه الحلوانى المؤدب، وأبو على النجاد، وغيرهم.
أنبأنا أبو بكر المقرى عن الحسن بن حمكان، قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا الحسن بن بشار يقول: وكان إذا أراد أن يخبر عن نفسه شيئا قال: أعرف رجلا حاله كذا وكذا. فقال ذات يوم: أعرف رجلا منذ ثلاثين سنة ما تكلم بكلمة يعتذر منها.
стр. 489
قال: سمعت أبا الحسن بن بشار أيضا يقول: أعرف رجلا منذ ثلاثين سنة يشتهى أن يشتهى ليترك ما يشتهى. فما يجد شيئا يشتهى.
وأنبأنا أبو مسلم الكشى حدثنا إسماعيل الصابونى حدثنا إسحاق بن إبراهيم العدل حدثنا محمد بن أحمد بن حماد الوراق حدثنا أبو الحسن القناد الصوفى حدثنا أبو الحسن بن بشار العبد الصالح حدثنى عبد الله بن أحمد قال: مرت بنا جنازة، ونحن قعود على مسجد أبى. فقال أبى: ما كانت صنعة صاحب الجنازة؟ قالوا:
كان يبيع على الطريق. قال: فى فنائه أو فناء غيره؟ قالوا: فى فناء غيره.
قال: عز على عز على. إن كان فناء يتيم أو غيره، فقد ذهبت أيامه عطلا. ثم قال: قم نصلى عليه، عسى الله أن يكفر عنه سيئاته. قال: فكبر عليه أربع تكبيرات، ثم حملناه إلى قبره ودفناه، ونام أبى تلك الليلة وهو مغتم به. فإذا نحن بامرأة من بعض جيراننا جاءت إلى أبى، فقالت: يا أبا عبد الله، ألا أبشرك بشارة؟ فقال لها: قول يا مباركة. أنت امرأة صالحة. قالت: نمت البارحة. فرأيت صاحب الجنازة الذى مررت معه، وهو يجرى فى الجنة جريا وعليه حلتان خضروان، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غضبان على وقت خروج روحى. فصلى علىّ أحمد بن حنبل فغفر ذنوبى، ومتعنى بالجنة
وأنبأنا على المحدث عن أبى عبد الله الفقيه أنه قال: إذا رأيت البغدادى يحب أبا الحسن بن بشار وأبا محمد البربهارى فاعلم أنه صاحب سنة
قلت أنا: وكان قد سمع جميع مسائل صالح لأبيه أحمد من صالح، وحدث بها. فسمعها من ابن بشار جماعة، منهم أبو حفص بن بدر المغالى، وأحمد البرمكى وغيرهم. وكان شيوخ طائفتين يقصدونه ويعظمونه أبو محمد البربهارى، وأبو بكر الخلال، وأبو بكر عبد العزيز وأشكالهم
وكان ابن بشار يقول فى دعائه: اللهم صل على أبينا آدم الذى خلقته بيدك وأنحلته صورتك، وأسجدت له ملائكتك، وزوجته حواء أمتك، فسبق
стр. 490
عليه قضاؤك وقدرك. فأكل من الشجرة. فأهبطته إلى الأرض
وقال أحمد البرمكى: سألت أبا الحسن بن بشار عن حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس فى الرؤية؟ فقال: صحيحان. فعارض رجل، فقال: هذه الأحاديث لا تذكر فى مثل هذا الوقت. فقال ابن بشار: فيدرس الإسلام؟ منكرا على من منع السؤال عن الخبرين
وقرأت بخط الوالد السعيد - قدس الله روحه - قال: رأيت فى كتب أبى حفص البرمكى عن أبى بكر الخلال، أو صاحبه: سمعت ابن بشار يقول:
من زعم أن الكفار يحاسبون: يستحى من الله. ثم قال: من صلّى خلف من يقول هذه المقالة يعيد.
ومن خطه: قال أحمد البرمكى: سمعت ابن بشار يقول: لست أشهد لأحد بالولاية ولا بالبداية، حتى تجتمع فيه أربع خصال: قطع كل علاقة تقطع عن السباق، وترك كل لذة فيها حساب، والتبرم بالصديق والعدو، وخفة الحال، وقلة الادخار
قال: وسمعته يقول - وقد سئل من أين المطعم -؟ فقال: قد أكثر الناس، فقوم يقولون: له هاون فى العطارين. وكل هاون لى صدقة. وكل عقار وقف.
وقال قوم آخرون: يأكل من مغزل أخته. قال ابن بشار: فعجبت من ذلك.
قال الله تعالى (٣٤:٤ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ)﴾ ولم يقل: النساء قوامون على الرجال. هو لا يضيع الجاثليق، وهو كافر، يضيعنى أنا من رغيف آكله: وأنا مسلم؟ ثم قال: يا أهل المجلس من قال لكم من أهل الأرض: إنه يعرف مطعم ابن بشار منذ أربعين سنة. فقد كذب. ومن قال لكم: إن لابن بشار حاجة إلى مخلوق منذ أربعين سنة، فقد كذب. أو قال لكم أحد من أهل الأرض:
إن ابن بشار سأل مخلوقا حاجة منذ أربعين سنة: فقد كذب
قال: وسأله رجل عن الأنس بالله ؟ فقال: لا يتكلم فى الأنس إلا
стр. 491
من انقطع عن قلبه حسّ وساوس الأنس. ثم قال: أما ترون هذه الجارية التى يقال لها: ناسى، وتخدم هى بنى أخته؟ قلنا: بلى. قال: هى فى الدار منذ أربع وعشرين سنة، أشك فى الكلمة الثانية: أنى كلمتها
قال: وكان يفتتح مجلسه إذا أراد أن يتكلم بقوله (وإنك لتعلم ما نريد، فقام إليه رجل فقال له: رضى الله عنك، وما الذى تريد؟ فقال له: وما حملك على المسألة عن ذلك، وأنا أقول ذلك، منذ أربعين سنة، فما سألنى أحد عنه؟ فأقسم عليه. فقال: هو يعلم أنى ما أريد فى الدنيا والآخرة سواه
وقال ابن عليك الزيات: أضقت فى بعض الأوقات ضيقة شديدة، فجلست فى غرفتى مغموما مفكرا. فإذا الشيخ ينادينى: يا عبد الله، وكان من غرفة ابن بشار إلى غرفته طريق. قال: فأجبته، فقال: تعال، فمضيت إليه. فقال: إيش هذا الغم الشديد على الدنيا؟ أنت مضيق أنت مضيق على الدنيا. وليس معك شئ؟ قلت: نعم. قال: فمن لم يكن معه شئ يغتم هذا الغم؟ فقال لى: خذ عليك ما تحتاج إليه. والبس نعلك، وامش على الشط إلى أن يلقاك رزقك فخذه واذكر الله. قال: فبقيت مفكرا فى قوله، إلا أنه لم يمكنى مخالفته. فخرجت أذكر الله. ولزمت الشط إلى أن وصلت إلى الجسر الفوقانى. فإذا برجل ينادينى:
يا عبد الله فأجبته، فدفع إلىّ أربعين درهما وورقا. فقال: انسخ لى كتابا سماه، وأجلسنى فى سماريّة، ورجعت. فلما صعدت نادانى ابن بشار: يا عبد الله. قلت:
لبيك. قال: أخذت أربعين درهما ومن الورق كذا وكذا، وقال لك: انسخ الكتاب الفلانى؟ قلت: نعم. قال: لو صبرت لجاءك إلى الباب (١)
وقال أحمد البرمكى: سمعته يوما - وقد قام من المجلس الأول إلى المجلس الثانى لأهل القلوب، وقد تحرك سره، فقال: قوموا بنا إلى الجنة ثم صبر قليلا ثم
стр. 492
قال: أو إلى النار، أو يعفو الله. فقال له رجل من أهل المجلس: هبك أنت - رضى الله عنك - مستوجب لذلك، نحن إيش؟ فقال: دعوا عنكم هذا. كل أهل مذهب يجمع الله محسنهم ومسيئهم فى دار واحدة
وحضرت مجلسه فى يوم الأربعاء وجلست فى أقصى الدار. وكان يختم مجلسه يقول: لا إله إلا الله ﴿(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ - الآية) ويقول:
أسألك بما سألك به عبدك الصالح ذو النون إذ حبسته فى بطن الحوت، فنادى فى الظلمات: ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فقلت وقولك الحق. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ اللهم فاستجب لنا كما استجبت له، ونجنا كما نجيته، وخلصنا كما خلصته برحمتك. إنك أنت أرحم الراحمين، ثم يقول فى أثر ذلك: يا رب - عشر مرات - فكان كلما قال يا رب قلت: أنا فى نفسى يا رب أوسع علىّ، واصنع لى، وفرج عنى مرارا. فإذا هو قد أنصت إلى السماء ساعة، وهو يقول: هاها. كالمستمع ما يقال له، ثم أقبل نحوى فقال: ويحك، ما تستحى؟ الجبار قد أقبل عليك لتسأله الجنة. فيعطيك فيغنيك وأنت تسأله الدنيا. فتقول: أوسع على، واصنع لى؟ سله ويحك الجنة ليعطيك فيعنيك. فبقيت كالخجل، إذ لم يطلع على سرى إلا الله. فسألت الله الجنة كما أمرنى (١)
قال: وكنت يوما واقفا بين يديه بعد العصر. وكان يوم الثلاثاء، وبيدى جزء من مسائل صالح، لأقرأه عليه. فنظرت إلى وجهه يضئ كالقمر فقلت فى نفسى: غدا المجلس، واحسب أن أستاذنا قد حلق رأسه، وأسحن له الماء. فاغتسل وتنظف. فلذلك وجهه قد أضاء. فلما أسررت ذلك فى نفسى قال: إيش هذا
стр. 493
الأدب؟ وبادر فكشف رأسه. فإذا هو لم يحلق. ثم قال: أحسنوا الظن، واحفظوا أسراركم، فخجلت إذ كاشفه الله بأمرى (١)
قال: وسمعته يقول: إن لله عبادا سمت هممهم على همم الخلق. فاستطلعوا على ما فى ضمائرهم
قال: وسمعته يقول: إن الذين اتزروا مآزر الحذر أقاموا على نفوسهم سوط الغضب، واتبعوا الكلال، وحثو الجد بالارتحال. فعند هؤلاء تحط الرحال إلا بقرب ذى الجلال والإكرام
قال: وحضرت مجلسه يوم الأربعاء، وقد جاء رجل صارخ مستغيث. فوسع له. فدخل إليه، وهو صارخ، ويده على رأسه. فقال له الشيخ: مالك؟ فقال:
يدى، يريدون أن يقطعوها. لأن الأكلة قد أكلتها، قد أيأسونى الأطباء، وقالوا ليس غير قطعها. فرفع الشيخ رأسه إلى السماء وقال: إلهى إن عبيدك قد أيأسوا عبدك، فلا تؤيسه أنت. ثم قال له: تقدم. فتقدم. فقرأ عليه. فلما كان فى المجلس الآخر حضر، ويده فى عافية والحمد لله
قال: وسمعت أبا محمد البربهارى فى مسجده فى درب الرواشين - وقد ذكر أبا الحسن بن بشار بعد وفاته، فذكر من فضله، وما هيأه الله له. فقال البربهارى:
إذا كان أويس القرنى يدخل فى شفاعته مثل ربيعة ومضر، فكم يدخل فى شفاعة أبى الحسن ابن بشار (٢)
قال أحمد البرمكى: صدق البربهارى. لأن أويسا كان من الأبدال، وأبا الحسن كان من المستخلفين، والمستخلف أجل من البدل، وأفضل عند الله. لأن
стр. 494
المستخلف فى الأرض مقامه مقام النبيين ﵈. لأنه يدعو الخلق إلى الله.
فبركته عائدة عليه وعلى كافة الخلق. وبركة البدل عائدة على نفسه
قال أحمد البرمكى: وسمعت ابن بشار يقول: إن كان لا بد من الأكل والنوم فنم نوم الوسنان، وكل أكل المبرسم
قال: وسمعته يقول: ما ينبغى لمن عصا الله أن يستكثر نقم الله
قال: وسمعته يقول - وذكر الاولياء - فقال: سقاهم بكأس الوداد، ونشر أعلامهم فى البلاد.
قال: وقيل له: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: كما عصيت الله سرّا تطيعه سرّا، حتى يدخل إلى قلبك طرائف البر
ودخل أبو محمد بن أخى معروف الكرخى على ابن بشار، وعليه جبة صوف فقال له ابن بشار: يا أبا محمد، صوّفت قلبك أو جسمك؟ صوّف قلبك والبس القوهىّ على القوهى
وقال أبو على النجاد: سمعت أبا الحسن بن بشار يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد بن حنبل خمس مسائل أن يستند إلى بعض سوارى المسجد ويفتى الناس بها
وتوفى لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ودفن بالعقبة قريبا من النجمى، وقبره الآن ظاهر يتبرك الناس بزيارته (١)
стр. 495
باب الميم من الطبقة الثانية
٦٠٠ - محمد بن أحمد
بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، أبو على المعروف بابن الصواف.
سمع إسحاق بن إبراهيم الحربى، وبشر بن موسى بن عبد الله الأسدى وأبا إسماعيل الترمذى، وعبد الله بن إمامنا أحمد فى آخرين.
روى عنه الدار قطنى، وأبو الحسن بن رزقويه وأبو الحسن بن بشران، ومحمد ابن أبى الفوارس وغيرهم.
أخبرنا أحمد الخطيب - قراءة - قال: سمعت محمد بن أحمد بن أبى الفوارس يقول: سمعت الدارقطنى يقول: ما رأت عيناى مثل أبى على بن الصواف ورجل آخر بمصر، لم يسمه أبو الفتح
وبه قال: سمعت أبا بكر الزمانى يقول: توفى ابن الصواف فى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
وبه قال ابن أبى الفوارس: توفى ابن الصواف لثلاث خلون من شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وله يوم مات تسع وثمانون سنة. لأن مولده فى شعبان سنة سبعين ومائتين. وكان ثقة مأمونا من أهل التحرز. ما رأيت مثله فى التحرز
٦٠١ - محمد بن أحمد
بن صالح بن أحمد بن حنبل، يكنى أبا جعفر.
حدث عن عم أبيه عبد الله بن أحمد، وعن أبيه أحمد بن صالح، وعن عمه زهير بن صالح، وعن إبراهيم بن خالد الهجستانى، وعمر بن مرداس الرونقى، وإبراهيم بن سعدان الأصبهانى فى آخرين
روى عنه جماعة. منهم: أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم الأسندونى، ومحمد بن إسماعيل الوراق، والدار قطنى: سمع إملاءه فى مجلس أبى محمد البربهارى
أخبرنا أبو بكر المؤرخ حدثنا أبو القاسم الأزهرى - إملاء فى مجلس البربهارى -