من انقطع عن قلبه حسّ وساوس الأنس. ثم قال: أما ترون هذه الجارية التى يقال لها: ناسى، وتخدم هى بنى أخته؟ قلنا: بلى. قال: هى فى الدار منذ أربع وعشرين سنة، أشك فى الكلمة الثانية: أنى كلمتها
قال: وكان يفتتح مجلسه إذا أراد أن يتكلم بقوله (وإنك لتعلم ما نريد، فقام إليه رجل فقال له: رضى الله عنك، وما الذى تريد؟ فقال له: وما حملك على المسألة عن ذلك، وأنا أقول ذلك، منذ أربعين سنة، فما سألنى أحد عنه؟ فأقسم عليه. فقال: هو يعلم أنى ما أريد فى الدنيا والآخرة سواه
وقال ابن عليك الزيات: أضقت فى بعض الأوقات ضيقة شديدة، فجلست فى غرفتى مغموما مفكرا. فإذا الشيخ ينادينى: يا عبد الله، وكان من غرفة ابن بشار إلى غرفته طريق. قال: فأجبته، فقال: تعال، فمضيت إليه. فقال: إيش هذا الغم الشديد على الدنيا؟ أنت مضيق أنت مضيق على الدنيا. وليس معك شئ؟ قلت: نعم. قال: فمن لم يكن معه شئ يغتم هذا الغم؟ فقال لى: خذ عليك ما تحتاج إليه. والبس نعلك، وامش على الشط إلى أن يلقاك رزقك فخذه واذكر الله. قال: فبقيت مفكرا فى قوله، إلا أنه لم يمكنى مخالفته. فخرجت أذكر الله. ولزمت الشط إلى أن وصلت إلى الجسر الفوقانى. فإذا برجل ينادينى:
يا عبد الله فأجبته، فدفع إلىّ أربعين درهما وورقا. فقال: انسخ لى كتابا سماه، وأجلسنى فى سماريّة، ورجعت. فلما صعدت نادانى ابن بشار: يا عبد الله. قلت:
لبيك. قال: أخذت أربعين درهما ومن الورق كذا وكذا، وقال لك: انسخ الكتاب الفلانى؟ قلت: نعم. قال: لو صبرت لجاءك إلى الباب (١)
وقال أحمد البرمكى: سمعته يوما - وقد قام من المجلس الأول إلى المجلس الثانى لأهل القلوب، وقد تحرك سره، فقال: قوموا بنا إلى الجنة ثم صبر قليلا ثم
стр. 492
قال: أو إلى النار، أو يعفو الله. فقال له رجل من أهل المجلس: هبك أنت - رضى الله عنك - مستوجب لذلك، نحن إيش؟ فقال: دعوا عنكم هذا. كل أهل مذهب يجمع الله محسنهم ومسيئهم فى دار واحدة
وحضرت مجلسه فى يوم الأربعاء وجلست فى أقصى الدار. وكان يختم مجلسه يقول: لا إله إلا الله ﴿(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ - الآية) ويقول:
أسألك بما سألك به عبدك الصالح ذو النون إذ حبسته فى بطن الحوت، فنادى فى الظلمات: ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فقلت وقولك الحق. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ اللهم فاستجب لنا كما استجبت له، ونجنا كما نجيته، وخلصنا كما خلصته برحمتك. إنك أنت أرحم الراحمين، ثم يقول فى أثر ذلك: يا رب - عشر مرات - فكان كلما قال يا رب قلت: أنا فى نفسى يا رب أوسع علىّ، واصنع لى، وفرج عنى مرارا. فإذا هو قد أنصت إلى السماء ساعة، وهو يقول: هاها. كالمستمع ما يقال له، ثم أقبل نحوى فقال: ويحك، ما تستحى؟ الجبار قد أقبل عليك لتسأله الجنة. فيعطيك فيغنيك وأنت تسأله الدنيا. فتقول: أوسع على، واصنع لى؟ سله ويحك الجنة ليعطيك فيعنيك. فبقيت كالخجل، إذ لم يطلع على سرى إلا الله. فسألت الله الجنة كما أمرنى (١)
قال: وكنت يوما واقفا بين يديه بعد العصر. وكان يوم الثلاثاء، وبيدى جزء من مسائل صالح، لأقرأه عليه. فنظرت إلى وجهه يضئ كالقمر فقلت فى نفسى: غدا المجلس، واحسب أن أستاذنا قد حلق رأسه، وأسحن له الماء. فاغتسل وتنظف. فلذلك وجهه قد أضاء. فلما أسررت ذلك فى نفسى قال: إيش هذا
стр. 493
الأدب؟ وبادر فكشف رأسه. فإذا هو لم يحلق. ثم قال: أحسنوا الظن، واحفظوا أسراركم، فخجلت إذ كاشفه الله بأمرى (١)
قال: وسمعته يقول: إن لله عبادا سمت هممهم على همم الخلق. فاستطلعوا على ما فى ضمائرهم
قال: وسمعته يقول: إن الذين اتزروا مآزر الحذر أقاموا على نفوسهم سوط الغضب، واتبعوا الكلال، وحثو الجد بالارتحال. فعند هؤلاء تحط الرحال إلا بقرب ذى الجلال والإكرام
قال: وحضرت مجلسه يوم الأربعاء، وقد جاء رجل صارخ مستغيث. فوسع له. فدخل إليه، وهو صارخ، ويده على رأسه. فقال له الشيخ: مالك؟ فقال:
يدى، يريدون أن يقطعوها. لأن الأكلة قد أكلتها، قد أيأسونى الأطباء، وقالوا ليس غير قطعها. فرفع الشيخ رأسه إلى السماء وقال: إلهى إن عبيدك قد أيأسوا عبدك، فلا تؤيسه أنت. ثم قال له: تقدم. فتقدم. فقرأ عليه. فلما كان فى المجلس الآخر حضر، ويده فى عافية والحمد لله
قال: وسمعت أبا محمد البربهارى فى مسجده فى درب الرواشين - وقد ذكر أبا الحسن بن بشار بعد وفاته، فذكر من فضله، وما هيأه الله له. فقال البربهارى:
إذا كان أويس القرنى يدخل فى شفاعته مثل ربيعة ومضر، فكم يدخل فى شفاعة أبى الحسن ابن بشار (٢)
قال أحمد البرمكى: صدق البربهارى. لأن أويسا كان من الأبدال، وأبا الحسن كان من المستخلفين، والمستخلف أجل من البدل، وأفضل عند الله. لأن
стр. 494
المستخلف فى الأرض مقامه مقام النبيين ﵈. لأنه يدعو الخلق إلى الله.
فبركته عائدة عليه وعلى كافة الخلق. وبركة البدل عائدة على نفسه
قال أحمد البرمكى: وسمعت ابن بشار يقول: إن كان لا بد من الأكل والنوم فنم نوم الوسنان، وكل أكل المبرسم
قال: وسمعته يقول: ما ينبغى لمن عصا الله أن يستكثر نقم الله
قال: وسمعته يقول - وذكر الاولياء - فقال: سقاهم بكأس الوداد، ونشر أعلامهم فى البلاد.
قال: وقيل له: كيف الطريق إلى الله؟ فقال: كما عصيت الله سرّا تطيعه سرّا، حتى يدخل إلى قلبك طرائف البر
ودخل أبو محمد بن أخى معروف الكرخى على ابن بشار، وعليه جبة صوف فقال له ابن بشار: يا أبا محمد، صوّفت قلبك أو جسمك؟ صوّف قلبك والبس القوهىّ على القوهى
وقال أبو على النجاد: سمعت أبا الحسن بن بشار يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد بن حنبل خمس مسائل أن يستند إلى بعض سوارى المسجد ويفتى الناس بها
وتوفى لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ودفن بالعقبة قريبا من النجمى، وقبره الآن ظاهر يتبرك الناس بزيارته (١)
стр. 495
باب الميم من الطبقة الثانية
٦٠٠ - محمد بن أحمد
بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، أبو على المعروف بابن الصواف.
سمع إسحاق بن إبراهيم الحربى، وبشر بن موسى بن عبد الله الأسدى وأبا إسماعيل الترمذى، وعبد الله بن إمامنا أحمد فى آخرين.
روى عنه الدار قطنى، وأبو الحسن بن رزقويه وأبو الحسن بن بشران، ومحمد ابن أبى الفوارس وغيرهم.
أخبرنا أحمد الخطيب - قراءة - قال: سمعت محمد بن أحمد بن أبى الفوارس يقول: سمعت الدارقطنى يقول: ما رأت عيناى مثل أبى على بن الصواف ورجل آخر بمصر، لم يسمه أبو الفتح
وبه قال: سمعت أبا بكر الزمانى يقول: توفى ابن الصواف فى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
وبه قال ابن أبى الفوارس: توفى ابن الصواف لثلاث خلون من شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وله يوم مات تسع وثمانون سنة. لأن مولده فى شعبان سنة سبعين ومائتين. وكان ثقة مأمونا من أهل التحرز. ما رأيت مثله فى التحرز
٦٠١ - محمد بن أحمد
بن صالح بن أحمد بن حنبل، يكنى أبا جعفر.
حدث عن عم أبيه عبد الله بن أحمد، وعن أبيه أحمد بن صالح، وعن عمه زهير بن صالح، وعن إبراهيم بن خالد الهجستانى، وعمر بن مرداس الرونقى، وإبراهيم بن سعدان الأصبهانى فى آخرين
روى عنه جماعة. منهم: أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم الأسندونى، ومحمد بن إسماعيل الوراق، والدار قطنى: سمع إملاءه فى مجلس أبى محمد البربهارى
أخبرنا أبو بكر المؤرخ حدثنا أبو القاسم الأزهرى - إملاء فى مجلس البربهارى -
стр. 496
حدثنا أبى أحمد بن صالح حدثنا جدى أحمد بن حنبل حدثنا روح بن عبادة عن مالك بن أنس عن سفيان الثورى عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة قالت «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد»
قرأت فى كتاب أبى جعفر محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل حدثنى عمى زهير بن صالح قال: قرأ علىّ أبى صالح بن أحمد هذا الكتاب وقال:
هذا كتاب عمله أبى ﵁ فى مجلسه، ردّا على من احتج بظاهر القرآن، وترك ما فسره رسول الله ﷺ ودل على معناه، وما يلزم من اتباعه ﷺ وأصحابه رحمة الله عليهم. قال أبو عبد الله: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدا نبيه ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه. وجعل رسوله ﷺ الدال على معنى ما أراد من ظاهره وبالسنة، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب
فكان رسول الله ﷺ هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه. شاهده فى ذلك أصحابه، من ارتضاه الله لنبيه واصطفاه له. ونقلوا ذلك عنه. فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ﷺ . وبما أخبر عن معنى ما أراه الله من ذلك بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب. فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ . وقال جابر بن عبد الله «ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملنا» فقال قوم: بل نستعمل الظاهر، وتركوا الاستدلال برسول الله ﷺ ، ولم يقبلوا أخبار أصحابه. وقال ابن عباس للخوارج «أتيتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار. ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ وصهره، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم.
وليس فيكم منهم أحد» وذكر تمام الكتاب بطوله
стр. 497
وقال أبو جعفر: حدثنا عمى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال أبى: رأيت البارحة فى النوم على بن عاصم فأولت ذلك. عليا علوا، وعاصم عصمه الله
وقال أبو جعفر: حدثنا أبو حفص عمر بن معبد الأصبهانى وأبو يعقوب إسحاق ابن إبراهيم الأصبهانى قالا: حدثنا محمد بن إدريس قال: سمعت أبا حفص عمرو ابن على الفلاس قال: شكوت إلى أبى عاصم النبيل رجلا، فقلت: إذا أنا كلمته أثمت، وإذا تركته استرحت، فأنشدنى أبو عاصم:
وفى الأرض منجاة وفى الصوم راحة … وفى الناس أبدال سواك كثيرة
ثم قال: حدثتنى زينب بنت أبى طليق أم الحصين العباسية قالت: حدثتنى الصحيحة قالت: قلت لعائشة رحمها الله: إنه فى جيرانى قوم يكرمونى، ولى قرابات يهينونى، فقالت: أكرمى من أكرمك، وأهينى من أهانك.
أخبرنا أحمد المصنف، قال: حدثنى عبيد الله بن أبى الفتح عن طلحة ابن محمد بن جعفر، أن محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل مات سنة ثلاثين وثلاثمائة. ﵏.
٦٠٢ - محمد بن حمدان
بن حماد أبو بكر الصيدلانى سمع أبا بكر المروذى وأبا الأشعث أحمد بن المقدام العجلى، وفضل بن يعقوب الرجامى، وعبد الله ابن روح المدائنى.
روى عنه محمد بن خلف بن حبان الخلال، ومحمد بن المظفر، وأبو القاسم ابن النحاس المقرى، وأبو عمر بن حيويه.
وذكره ابن ثابت فى كتابه فقال: كان ثقة بنفقة على مذهب أحمد بن حنبل.
أخبرنا أحمد المؤرخ قراءة أخبرنى أبو القاسم الأزهرى حدثنا محمد بن العباس الخراز حدثنا محمد بن حمدان بن حماد أبو بكر الصيدلانى حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام حدثنا فضيل بن عياض حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير
стр. 498
عن ابن عباس (يعلم السر وأخفى) قال «يعلم ما تسر فى نفسك، ويعلم ما تعمل غدا»
وبه قال: أخبرنا البرقانى أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن حبان الخلال، قال أبو بكر: محمد بن حمدان الصيدلانى حنبلى ثقة.
قرأت فى كتاب الخطيب: أخبرنا محمد بن عمر بن بكير أخبرنا إسماعيل بن على الفحام حدثنا أبو بكر الصيدلانى حدثنا أبو بكر المروذى حدثنا الحسين بن شبيب الآجرى وكان هذا من النساك المذكورين - حدثنا أبو حمزة الأسلى بطرسوس - حدثنا وكيع حدثنا أبو إسرائيل عن أبى إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال:
قال رسول الله ﷺ «الكرسى الذى يجلس عليه الرب ما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد» قال أبو بكر المروذى: قال لى على بن شبيب، قال لى أبو بكر بن أبى مسلم العابد - حين قدمنا إلى بغداد - أخرج ذاك الحديث الذى كتبناه عن أبى حمزة، فكتبه أبو بكر ابن مسلم بخطه، وسمعناه جميعا، فقال أبو بكر بن أبى مسلم: إن الموضع الذى يفضل لمحمد ﷺ ليجلسه عليه.
قال أبو بكر الصيدلانى: من رد هذا فإنما أراد الطعن على أبى بكر المروذى وعلى أبى بكر بن أبى مسلم العابد.
قرأت فى كتاب الوالد السعيد أنه مات سنة عشرين وثلاثمائة.
٦٠٣ - محمد بن عبد الواحد
بن أبى هاشم، أبو عمر اللغوى الزاهد المعروف بغلام ثعلب، سمع إبراهيم الحربى، وأحمد بن عبيد الله النرسى، وموسى بن إسماعيل سهل الوشا فى آخرين، روى عنه أبو الحسن بن رزقويه، وأبو الحسن ابن بشران، وأبو على بن شاذان وغيرهم.
أخبرنا أحمد البغدادى -؟؟؟ قراءة - أخبرنا عبد الصمد بن محمد الخطيب، حدثنا الحسن بن الحسين الهمذانى الفقيه قال: سمعت أبا الحسن بن المرذبان يقول: كان ابن ماسى من دار كعب ينفذ إلى أبى عمر بغلام ثعلب وقتا بعد وقت
стр. 499
كفايته لما ينفق لنفسه، فقطع عنه ذلك مدة لعذر. ثم أنفذ إليه بعد ذلك جملة ما كان فى رسمه، وكتب إليه رقعة يعتذر إليه من تأخر ذلك عنه فرده، وأمر من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته: أكرمتنا فملكتنا ثم أعرضت عنا فأرحتنا
أخبرنا أبو بكر البغدادى أخبرنى عامر بن عمر الكلوذانى قال: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب يقول: ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة وفى قضاء حقوقهم رفعة، فاحمدوا الله على ذلك، وسارعوا إلى قضاء حوائجهم ومسارّهم تكافئوا عليه.
أخبرنا أحمد نزبل دمشق قال: سمعت غير واحد يحكى عن أبى عمر الزاهد أن الأشراف والكبار وأهل الأدب كانوا يحضرون عنده ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها، وكان له جزء، قد جمع فيه الأحاديث التى تروى فى فضائل معاوية، فكان لا يترك معاوية واحد منهم يقرأ عليه شيئا حتى يبدأ بقراءة ذلك الجزء ثم يقرأ بعده ما قصد له.
وبه حدثنا على بن أبى على عن أبيه قال: ومن الرواة الذين لم يرقط أحفظ منهم: أبو عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب. أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة فيما بلغنى، وجميع كتبه التى فى أيدى الناس إنما أملاها بغير تصنيف.
وبه قال: سمعت أبا القاسم عبد الواحد بن برهان الأسدى يقول: لم يتكلم فى علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبى عمر الزاهد، قال:
وله كتاب غريب الحديث صنفه على مسند أحمد بن حنبل، وجعل نسخته حدّا.
أنبأنا أبو الحسين بن النقور قال: أخبرنا أبو القاسم الصيدلانى قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد قال: أخبرنى أبو على القاضى قال: سمعت على بن الموفق يقول: كان لى جار مجوسى اسمه شهريار، فكنت أعرض عليه الإسلام فيقول: نحن على الحق، فمات على المجوسية. فرأيته فى النوم، فقلت له ما الخبر؟ فقال: نحن فى قعر جهنم، قال: قلت: تحتكم قوم؟ قال: نعم قوم منكم، قال:
قلت: من أى الطوائف منا؟ قال: الذين يقولون القرآن مخلوق.
стр. 500
أنبأنا على البندار عن أبى عبد الله بن بطة قال: سألت أبا عمر محمد بن عبد الواحد. صاحب اللغة عن قول النبى ﷺ «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره» فقال: الحديث معروف وروايته سنة، والاعتراض بالطعن عليه بدعة، وتفسير الضحك تكلف وإلحاد، فأما قوله «وقرب غيره» فسرعة رحمته لكم. وتغيير ما بكم من ضر.
وتوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة فى ذى القعدة، ومولده سنة إحدى وستين ومائتين.
٦٠٤ - محمد بن القاسم
بن محمد بن بشار، أبو بكر بن الأنبارى النحوى كان من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظا له. سمع من إسماعيل بن إسحاق القاضى، وأحمد بن الهيثم بن خالد البزار، وإبراهيم الحربى. وكان صدوقا فاضلا، دينا خيرا، من أهل السنة. وصنف كتبا كثيرة فى علوم القرآن والشكل، والوقف والابتداء، والرد على من خالف مصحف العامة، وغريب الحديث، وغير ذلك.
روى عنه أبو عمر بن حيويه، والدار قطنى، وابن سويد وأبو عبد الله بن بطة وكتب عنه ووالده حى. وكان يملى فى ناحية المسجد، ووالده فى ناحية أخرى قرأت على المبارك قلت له: أخبرنى إبراهيم الفقيه أخبرنا أبو عبد الله بن بطة قال:
سئل أبو بكر بن الأنبارى عن الاستثناء فى الإيمان؟ فقال: نحن نستثنى فنقول:
نحن مؤمنون إن شاء الله، فراجعه السائل فى ذلك وعلل عليه الجواب. فأجابه أبو بكر وتراجعا فى الكلام. فقال له أبو بكر بن الأنبارى: هذا مذهب إمامنا أحمد بن حنبل ﵁.
قال ابن بطة: فرأيت الخراسانى انصرف وهو يقول: استعدى الشيخ.
قال البرمكى: وسمعت هذه الحكاية من أبى أحمد السراج النحوى أيضا.
وذكر أنه سمعها من ابن الأنبارى.
стр. 501
قرأت فى كتاب الخطيب بإسناده قال: أبو على إسماعيل بن القاسم القالى كان أبو بكر بن الأنبارى يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهد فى القرآن.
وقال حمزة بن طاهر الدفاق: كان أبو بكر بن الأنبارى على كتبه المصنفة ومجالسه المشتملة على الحديث والأخبار والتفاسير والأشعار كل ذلك من حفظه.
قال حمزة: وحدثنى أبى عن جدى: أن أبا بكر بن الأنبارى مرض. فدخل عليه أصحابه يعودونه فرأوا من انزعاج ابنه وقلقله عليه أمرا عظيما. فطيبوا نفسه ورجوه عافية أبى بكر. فقال لهم: كيف لا أقلق وأنزعج لعلة من يحفظ جميع ما ترون. وأشار لهم إلى خيبرى مملوءا كتبا.
وقال محمد بن جعفر التميمى النحوى: قال أبو الحسن العروضى: اجتمعت أنا وأبو بكر بن الأنبارى عند الراضى على الطعام. وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبو بكر فكان يسوى له قلية يابسة. قال: فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطايبه، وهو يعالج تلك القلية. ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها شيئا. وقام وقمنا إلى الحيس، وقمنا نحن إلى حيس ماء فشربه، ولم يشرب ماء إلى العصر. فلما كان من العصر قال للغلام: الوظيفة، فجاءه بماء من الحب، وترك الماء المزمل بالثلج. فغاظنى أمره. فصحت صيحة. فأمر أمير المؤمنين بإحضارى. وقال:
ما قصتك؟ فأخبرته. وقلت: هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه لأنه يقتلها، لا يحسن عشرتها، قال: فضحك، وقال له: فى هذا لذة، وقد جرت به العادة فصار إلفا. فلن يضره. ثم قلت: يا أبا بكر، لم تفعل هذا بنفسك؟ فقال: أبقى على حفظى. فقلت له. قد أكثر الناس فى حفظك. فكم تحفظ؟ قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا.
وقال محمد بن جعفر التميمى النحوى: وهذا ما لا يحفظ لأحد قبله ولا بعده.
وكان أحفظ الناس للغة، ونحو وشعر وتفسير وقرآن، فحدثت أنه كان يحفظ عشرين ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها.
стр. 502
وقال لنا أبو العباس بن يونس: كان آية من آيات الله فى الحفظ.
وقال لنا أبو الحسين العروضى: كان يتردد ابن الأنبارى إلى أولاد الراضى، فكان يوما من الأيام، وقد سألته جارية عن شئ من تفسير الرؤيا؟ فقال:
أنا حاقن. ثم مضى. فلما كان من غد عاد، وقد صار معبرا للرؤيا. وذاك أنه مضى من يومه، وقد درس كتاب الكرمانى وجاء.
قال: وكان ابن الأنبارى يأخذ الرطب يشمه، ويقول: أما إنك لطيب.
وكان أطيب منك حفظ ما وهب الله لى من العلم.
قال محمد بن جعفر: ومات ابن الأنبارى ولم نجد من تصنيفه إلا شيئا يسيرا وذاك أنه كان يملى من حفظه. وقد أملى كتاب غريب الحديث، قيل: إنه خمس وأربعون ألف ورقة، وكتاب شرح الكافى وهو نحو ألف ورقة، وكتاب الهاءات وهو نحو ألف ورقة. وكتاب الأضداد. وما رأيت أكبر منه، وكتاب المشكل أملاه، وبلغ إلى سورة طه وما أتمه. والجاهليات تسعمائة ورقة. والمذكر والمؤنث ما عمل أحد أتم منه. وعمل رسالة المشكل ردا على ابن قتيبة وأبى حاتم وتقصّا لقولهما.
وحدثت عنه: أنه مضى يوما إلى النخاسين وجارية تعرض، حسنة كاملة الوصف. قال: فوقعت فى قلبى. ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضى، فقال لى:
أين كنت إلى الساعة؟ فعرفته. فأمر بعض أسبابه فمضى فاشتراها، وحملها إلى منزلى. فجئت فوجدتها: فعلمت الأمر. كيف جرى. فقلت لها: كونى فوق إلى أن أستبرئك، وكنت أطلب مسألة قد اختلت على. فاشتغل قلبى عن علمى فقلت للخادم: خذها امضى بها إلى النخاسين، فليس قدرها أن يشتغل بها قلبى عن علمى. فأخذها الغلام. فقالت: دعنى أكلمه بحرفين. فقالت: أنت رجل لك محل وعقل. فإذا أخرجتنى ولم تبين لى ذنبى لم آمن أن يظن الناس بى ظنا قبيحا، فعرفنيه قبل أن تخرجنى. فقلت لها: مالك عندى عيب، إنك
стр. 503
شغلتني عن علمى. فقالت: هذا سهل عندى. قال: فبلغ الراضى أمره. فقال:
لا ينبغى أن يكون العلم فى قلب أحد، أحلى منه فى صدر هذا الرجل.
قرأت فى بعض التواريخ: أن أبا بكر بن الأنبارى أكل فى علة موته كل ما كان يشتهى، وقال: هى علة الموت.
أخبرنا على البندار عن أبى عبد الله بن بطة، قال: حدثنا أبو بكر ابن الأنبارى حدثنا أحمد عن الهيثم بن خالد حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «بعثت أنا والساعة كهاتين - وأشار بمسبحته والوسطى».
وبه قال: حدثنا الحرث حدثنا يعلى بن عبد الحكم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال «أتموا الركوع والسجود. والله إنّي لأراكم من خلفى كما أراكم من بين يدى».
ومات أبو بكر بن الأنبارى ليلة النحر من ذى الحجة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
ومولده سنة إحدى وسبعين ومائتين.
ومن جملة كلامه: اللهم إنك خلقت الخلائق بعلمك، واخترت منهم صفوتك فجعلتهم أمناء على وحيك، وخزنة على أمرك، ونطقاء وسفراء بينك وبين خلقك، ودعاة إلى الإسلام الذى اتخذته دينا لإظهار حقك، وإيضاح سبيلك دينا رضيته لنفسك، وأمرت به ملائكتك، وأنزلت فيه وحيك، ودعوت إليه جميع خلقك، فأكرمت به من دخل فيه، وعصمت به من لجأ إليه، لا تقبل دينا غيره، ولا ترضى عملا إلا من أهله. فمضت رسلك فى الأمم مبلغين رسالاتك طائعين لأمرك حتى انتهت نبوتك، وأفضت كرامتك ورحمتك إلى نبينا محمد ﷺ ، فانتخبته واختصصته، وائتمنته على وحيك، وأرسلته يا رب فى أشرف زمان، وخير أوان، بالمنهاج الواضح، والمتجر الرابح، والميزان الراجح، والعمل الصالح،
стр. 504
والسعى ورمى الجمار، والتأنى والوقار، والشهادة والإقرار، ومعاندة الكفار، وبغض الأشرار، واجتناب الفجار، ومرافقة الأبرار، ومواصلة الأخيار، ومناسلة الأطهار، والعود النضير، والفقه الكثير، والبحر الغزير، والاسم الكبير، والحق الظاهر، والعز القاهر، والنجم الزاهر، والثوب الطاهر، والكتاب الناطق، والوعد الصادق، والشهاب المتألق، والفرع الباسق، وإغاثة الملهوف، والقلب الرءوف، والأمر بالمعروف، والأمان والأدب، والشرف والحسب، والصلاة المفروضة، والزكاة المقبوضة، والهرولة والهجرة، والقلائد والعمرة، والمداراة والمتعة، والنرس والنجيب، والبردة والقضيب، والفضل المشهور، والعلم المنشور، والبهاء والنور، والرحمة والحبور، والسمت والطهور، والسنن والبيان، وشهر رمضان، والإقامة والأذان، والمثانى والقرآن، والبر والإحسان وشرائع الإيمان، والصفا والمروة، وخاتم النبوة، والصلاة والطاعة، والجمعة والجماعة، والقبلة والشفاعة، على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وفضلته بالعز والبهاء.
ومن الدرجات بالعلى، ومن المراتب بالعظمى. فأخمد الله به نار الضلالة، ومحا به رسم الجهالة. فصلى الله عليه من مضجع معقود، ومن محمود، وعلى أهل بيته السادة الطاهرين، وعلى أصحابه المنتخبين الخيرين الفاضلين، وعلى أزواجه الطاهرات أمات المؤمنين. وعلينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
٦٠٥ - محمد بن مخلد
بن حفص أبو عبد الله الدورى العطار. صحب جماعة من أصحاب إمامنا أحمد، وحدث عنهم. منهم: صالح بن إمامنا أحمد، وأبو داود السجستانى، وأبو بكر المروذى، وزكريا بن يحيى الناقد، وغيرهم. سمع أبا التائب سالم بن جنادة، ويعقوب الدورقى، والفضل بن يعقوب الرخامى وعليا ومحمدا ابنى اشكاب، ومحمد بن عثمان بن كرامة، والحسن بن عرفة، ومسلم بن الحجاج فى آخرين.
стр. 505
حدث عنه أبو عبد الله بن بطة ومحمد بن الحسين الآجرى، وأبو العباس ابن عقدة، والدار قطنى، وأبو حفص بن شاهين ومن فى طبقتهم وبعدهم. وذكره ابن ثابت وأثنى عليه.
ومولده سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
وكان ينزل فى الدور - وهى محلة فى آخر بغداد، بالجانب الشرفى فى أعلى بغداد - فقال له يوما بعض أصحاب الحديث: لو زدتنا فى القراءة؟ فإن موضعك بعيد، ويشق علينا المجئ إليك فى كل وقت. فقال ابن مخلد: من هذا الموضع كنت أمضى إلى المحدثين. فأسمع منهم، أو كما قال.
أخبرنا الخطيب أخبرنا محمد بن عبد العزيز البردعى أخبرنا محمد بن أحمد ابن عمران حدثنا أبو عبد الله بن مخلد العطار قال: ماتت والدتى فأردت أن أدفنها فى مقبرة درب الريحان. فنزلت ألحدها أنا. فانفرجت لى فرجة عن قبر بلزقها فإذا رجل عليه أكفان جدد، على صدره طاقة ياسمين رطبة فأخذتها فشممتها. فإذا هى أذكى من المسك، وشمها جماعة كانوا معى فى الجنازة.
ثم رددتها إلى موضعها وشددت الفرجة.
سئل الدار قطنى عنه؟ فقال: ثقة مأمون.
ومات سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. وقد استكمل سبعا وتسعين سنة وثمانية أشهر وأحدا وعشرين يوما.
أول الطبقة الثالثة
٦٠٦ - أحمد بن إبراهيم
بن إسماعيل البرمكى. صحب جماعة ممن صحبوا من صحب إمامنا أحمد وتخصص لصحبة أبى الحسن بن بشار. وحكى عنه أشياء قد ذكرنا بعضها فى أخبار أبى الحسن بن بشار. ونذكر الآن فى هذه الترجمة ما أغفلناه هناك.
من ذلك قال: سمعت أبا الحسن بن بشار يقول: اقبل منى ما أقول لك.
стр. 506
انظر إن اشتهيت باقلا حارّا أو باردا فلا تسأل سوى الله، فإنه يقضى حاجتك.
ولا تسأل سواه.
قال: وسمعته يقول: بلغنى عن المتوكل ﵀ أنه كان ذات يوم جالسا وولدان له يلعبان بين يديه. فضرب أحدهما الآخر. فقال خذها منى وأنا الغلام الهاشمى العباسى. ثم إنهما لعبا فضر به الآخر، ثم قال: خذها منى، وأنا الغلام الحنبلى. فسرّ بذلك المتوكل وأقطعه.
قال: وسمعته فى مجلسه يذكر أبناء الإخوة وينعتهم، وهو يقول: إن حضروا لم يعرفوا. وإن غابوا لم يفقدوا. ثم قال: جرا به بطنه والله ذخره.
قال: وكنت أسمعه يقول فى دعائه إذا دعا: أعطيت فأجزلت العطاء، وعافيت فصرفت البلاء، وكثرت علينا منك اللألاء والنعماء. فأى أياديك نذكر؟ أم أى نعمائك نشكر؟ جميل ما ظهرت، أم قبيح ما سترت؟ نطيعك فتشكر، ونعصيك فتستر. ونسأل فتعطى، ونستكفى فتكفى. فلك الحمد على جميل ما أظهرت.
ولك الحمد على قبيح ما سترت. عجبا لمن عرفك كيف يألف غيرك؟ من ذا الذى عرفك حق معرفتك؟ أم من ذا الذى قدرك حق قدرك؟ سبحانك.
٦٠٧ - إبراهيم بن إسحاق الشيرجى
صاحب المروذى. حدث عنه ابن الجندى والمخلص. ومات سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. وصلّى عليه حمزة بن القاسم الهاشمى.
٦٠٨ - عمر بن الحسين
بن عبد الله بن أحمد أبو القاسم الخرقى. قرأ العلم على من قرأه على أبى بكر المروذى، وحرب الكرمانى، وصالح، وعبد الله ابنى إمامنا. له المصنفات الكثيرة فى المذهب، لم ينتشر منها إلا المختصر فى الفقه لأنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وأودع كتبه فى درب سليمان، فاحترقت الدار التى كانت فيها الكتب ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد.
стр. 507
قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب، منهم أبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسين التميمى، وأبو الحسين بن شمعون، وغيرهم.
قرأت بخط أبى إسحاق البرمكى: أن عدد مسائل المختصر ألفان وثلاثمائة مسألة.
وقرأت بخط أبى بكر عبد العزيز على نسخة مختصر الخرقى يقول عبد العزيز:
خالفنى الخرقى فى مختصره فى ستين مسألة ولم يسمها، فتتبعت أنا اختلافها.
فوجدته فى ثمانية وتسعين مسألة.
المسألة الأولى
قال الخرقى: وإذا كان معه فى السفر أتان نجس وطاهر، واشتبها عليه أراقهما وتيمم وهى منصوصة. وبه قال أبو حنيفة. ووجّهها: أن معه ماء طاهرا بيقين، فلم يجز التيمم مع وجوده، كما لو كان عالما به. وفيه رواية ثانية: لا تجب الإراقة. اختارها أبو بكر. ووجهتها: أن وجود الماء الطاهر إذا تعذر استعماله فبقاؤه لا يمنع التيمم، كالماء الذى يحتاج إلى شربه.
المسألة الثانية
قال الخرقى: ويكره أن يتوضأ فى آنية الذهب والفضة. فإن فعل أجزأه.
وبه قال أكثرهم. ووجهها: أن النهى عن استعمالها لا يختص بالطهارة. لأنه عام فى الأكل والشرب، والطيب والوضوء. فلم يؤثر فى فساد العبادة. وقال أبو بكر:
الوضوء باطل. وهو أصح؛ لقوله ﵊ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ولأنه توضأ من إناء محرم: فلم يصح، كما لو توضأ من جلد ميتة لم يدبغ.
المسألة الثالثة
قال الخرقى: والسواك سنة. ثم عقب ذلك بغسل اليدين عند القيام من نوم الليل. وبه قال أكثرهم، لأنه قيام من نوم؛ فلا يوجب غسل اليدين، كالقيام
стр. 508
من نوم النهار. وقال أبو بكر: يجب غسلهما. وهى الرواية الصحيحة، لما روى أبو داود بإسناده عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال «إذا قام أحدكم من نوم الليل. فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات. فإنه لا يدرى أين باتت يده».
المسألة الرابعة
ذكر الخرقى عقيب ذلك: التسمية، وأنها سنة فى الطهارة، وبها قال أكثرهم، لأنه لما لم يجب الذكر فى آخرها: لم يجب فى أولها، كالصيام.
وقال أبو بكر: التسمية واجبة. وهى الرواية الصحيحة؛ لما روى أحمد بإسناده عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».
المسألة الخامسة
قال الخرقى: والخشب والخرق وكل ما أنقى به فهو كالأحجار. وبه قال أكثرهم. لما روى الدار قطنى بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد، أو ثلاثة أحجار، أو ثلاثة حثيات من الماء».
وقال أبو بكر: لا يجزى إلا الأحجار. وبه قال أبو داود؛ لما روى البخارى بإسناده عن عبد الله قال «أتى النبى ﷺ الغائط، فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار» والأمر على الوجوب. ولأنها عبادة تتعلق بالأحجار. فلا يقوم غيرها مقامها. دليله رمى الجمار.
المسألة السادسة
قال الخرقى: والحجر الكبير الذى له ثلاث شعب يقوم مقام الثلاثة الأحجار لأن القصد تجفيف النجاسة بضرب من العدد. وهذا المعنى موجود فى الحجر الكبير، كما لو وجد بثلاثة صغار.
стр. 509
وقال أبو بكر: لا بد من ثلاثة أحجار، وهى الرواية الثابتة عن أحمد؛ لقوله ﷺ لعبد الله بن مسعود «ائتنى بثلاثة أحجار» ولم يفرق.
المسألة السابعة
قال الخرقى: وإذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل، وهو المنصوص لما روى أحمد بإسناده «أن قيس بن عاصم لما أسلم أمره رسول الله ﷺ أن يغتسل» والأمر على الوجوب. وذكر الوالد السعيد: أن أبا بكر قال: يستحب الغسل إذا لم يكن جنبا فى حال كفره. وبه قال أكثرهم؛ لأنه معنى يحقن به الدم، فلم يوجب الغسل. دليله: عقد الذمة.
وقد رأيت أنا فى كتاب التنبيه لأبى بكر: إيجاب الغسل.
المسألة الثامنة
أوجب الخرقى طلب الماء فى حق المتيمم، وهى الرواية الصحيحة. وبها قال مالك والشافعى؛ لأن كل أصل وجب طلبه إذا غلب على الظن وجوده وجب، وإن لم يغلب كالنص فى الأحكام.
والرواية الثانية: لا تجب. اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة، لأنه غير عالم بموضع الماء. فله التيمم كما لو طلب فلم يجد.
المسألة التاسعة
قال الخرقى: ولو أحدث مقيما. ثم مسح مقيما، ثم سافر: أتم على مسح مقيم.
ثم خلع. وهى الرواية الصحيحة. وبها قال الشافعى؛ لأنها عبادة يختلف قدرها بالحضر والسفر: فإذا تلبس بها فى الحضر، ثم سافر: غلب حكم الحضر، كالصلاة
والثانية: يمسح مسح مسافر، وبها قال أبو حنيفة. اختارها أبو بكر وأستاذه الخلال. وقال الخلال: رجع أحمد عن الأولة لأن السفر موجود، مع بقاء المدة. فجاز أن يمسح مسح مسافر، كما لو أنشأ المسح فى السفر.
стр. 510
المسألة العاشرة
قال الخرقى: إذا غاب الشفق - وهو الحمرة - فى السفر، وفى الحضر البياض؛ لأن فى الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدران، فيظن أنها قد غابت. فإذا غاب البياض فقد تيقن. ووجبت عشاء الآخرة. فذكر الخرقى وجه ما قال.
وقال أبو بكر فى التنبيه: يصلى المغرب إذا غابت الشمس إلى أن يغيب الشفق. وهو الحمرة فى الحضر والسفر. وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعى.
وقال أبو حنيفة: هو البياض، حضرا أو سفرا.
وجه قول أبى بكر: ما روى الدار قطنى بإسناده عن ابن عمر عن النبى ﷺ قال «الشفق الحمرة. فإذا غاب الشفق فقد وجبت الصلاة».
المسألة الحادية عشرة
قال الخرقى: إذا اشتد الخوف، وهو مطلوب ابتدأ الصلاة إلى القبلة، وصلّى إلى غيرها راجلا وراكبا، يومئ إيماء على قدر الطاقة ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وسواء كان مطلوبا أو طالبا يخشى فوات العدو. وهى الرواية الصحيحة؛ لأن المقصود الاحتراز والنكاية فى العدوّ. فإذا جاز تركها للتحرز كذلك النكاية.
والثانية لا يجوز. اختارها أبو بكر. وبها قال أكثرهم لقوله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) فشرط الخوف فى ذلك. وهو فى هذه الحالة آمن.
المسألة الثانية عشرة
اختلفت الرواية عن أحمد فى حدّ الرفع: على ثلاث روايات. إحداها: إلى المنكبين. وبها قال مالك والشافعى وإسحاق. والثانية: حتى يحاذى أذنيه.
اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة. والثالثة: الكل سواء. اختارها الخرقى وأبو حفص العكبرى. وجه الأدلة - اختارها الوالد السعيد - ما روى أحمد بإسناده عن ابن عمر قال «رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة
стр. 511
رفع يديه حتى يحاذى منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع. ولا يرفع بين السجدتين» قال: لا يعدل بحديث ابن عمر شيئا. وأخرجه البخارى. ووجه الثانية: أن فى رواية وائل بن حجر ومالك بن الحويرث «أنه رفع يديه إلى حيال أذنيه» وروى «إلى فروع أذنيه» ووجه الثالثة: أن الكل مروى عن النبى ﷺ . فدل على أن الجميع سواء.
المسألة الثالثة عشرة
قال الخرقى: ويستحب لأم الولد أن تغطى رأسها فى الصلاة، وقال أبو بكر:
أم الولد كالحرة فى وجوب الستر. وجه قول الخرقى: أنها تضمن بالقيمة فهى كالأمة القنّ، ووجه قول أبى بكر: أنه قد استقرت الحرية فيها.
المسألة الرابعة عشرة
قال الخرقى: ويقوم على صدور قدميه، معتمدا على ركبتيه، إلا أن يشق ذلك عليه. فيعتمد بالأرض. وهو أصح الروايتين. وبه قال أبو حنيفة؛ لما روى «أن النبى ﷺ كان ينهض من الصلاة على صدور قدميه» والثانية: يجلس على إليتيه، ثم يقوم. اختارها أبو بكر وشيخه. قال شيخه: رجع أحمد عن الأدلة. ووجه الثانية: ما روى طاوس قال: قلنا لابن عباس فى الإقعاء على القدمين، فقال «هى سنة نبيك» وهذا يدل على أنه مسنون.
المسألة الخامسة عشرة
قال الخرقى: ومن ذكر صلاة وهو فى أخرى: أتمها وقضى المذكورة، وأعاد التى كان فيها، إذا كان الوقت مبقى. فإن خشى خروج الوقت اعتقد وهو فيها أن لا يعيدها. وقد أجزأته. ويقضى التى كانت عليه. وهى الرواية الصحيحة.
وبها قال أبو حنيفة. ووجهها: أنا لو أوجبنا الترتيب، مع ضيق الوقت أفضى إلى فوات الوقت فيهما. فلأن يفوت فى إحداهما، ويستدرك فى الأخرى: أولى،
стр. 512
وأجرى مجرى قضاء شهر رمضان، إذا أدرك من عليه صومه: قدم صوم شهر رمضان على الصوم الفائت لهذه المزية.
والثانية: يجب الترتيب. اختارها أبو بكر وشيخه. وبه قال مالك.
ووجهه: أنهما صلاتان. فكان الترتيب فيهما مستحقا.
دليله: لو كان الوقت واسعا.
المسألة السادسة عشرة
قال الخرقى: وسجود القرآن أربع عشرة سجدة. فى الحج منهما اثنتان.
فعلى هذه الرواية: ليس فى سورة (ص) سجدة. وبه قال الشافعى؛ لما روى الدار قطنى - بإسناده - عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال «سجدها نبى الله داود توبة، ونسجدها نحن شكرا»
والثانية: أنها من عزائم السجود. اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة ومالك. لأنها لو كانت تسجد شكرا لقطعت الصلاة بفعلها.
المسألة السابعة عشرة
قال الخرقى: ومن ترك الصلاة على النبى ﷺ فى التشهد الأخير عامدا: بطلت صلاته؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الشئ واجبا، ويسقط بالسهو، كالإمساك فى الصوم، والوقوف بعرفة، والتسمية على الذبيحة، والطهارة.
وعن أحمد روايتان، غير ما ذكر الخرقى. أصحهما: أن الصلاة على النبى ﷺ ركن، لا يسقط بالسهو. اختارها الوالد وشيخه وابن شاقلا، وأبو حفص العكبرى. وبه قال الشافعى؛ لما روى النجاد - بإسناده - عن سهل بن سعد: أن النبى ﷺ قال «لا صلاة لمن لم يصل على محمد»
والرواية الأخرى: أنها سنة. اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة ومالك وداود.
стр. 513
ووجهها: أنه جلوس موضوع للتشهد. فلا يجب فيه الصلاة على النبى ﷺ ، كالجلوس عقيب الركعتين من الصلاة الرباعية
المسألة الثامنة عشرة
قال الخرقى: ومن كان إماما فشك، فلم يدر: كم صلّى؟ تحرّى. فبنى على أكثر وهمه، ثم سجد بعد السلام، كما روى عبد الله بن مسعود عن النبى ﷺ فذكر دليل قوله.
وفيه رواية ثانية: يبنى على اليقين، كالمنفرد، ويسجد قبل السلام. اختارها أبو بكر، والوالد السعيد. وبها قال أكثرهم، لما روى أحمد - بإسناده - عن أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله ﷺ قال «إذا شك أحدكم فى صلاته، فلم يدر: كم صلّى؟ فليبن على اليقين، حتى إذا استيقن: أن قدتم، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم. فإنه إن كانت صلاته وترا: صارت شفعا. وإن كانت شفعا: صار ذينك ترغيما للشيطان»
المسألة التاسعة عشرة
قال الخرقى: ومن تكلم عامدا أو ساهيا: بطلت صلاته، إلا الإمام خاصة.
فإنه إذا تكلم. لمصلحة الصلاة لم تبطل صلاته. لأن بالامام حاجة إلى الكلام.
لأنه يطرقه السهو. فلا يمكنه معرفه الصواب إلا بالسؤال عنه.
وعن أحمد روايتان، سوى ما ذكره الخرقى. أصحهما: تبطل الصلاة بكلام الإمام. اختارها أبو بكر، والوالد السعيد، وبها قال أكثرهم. لأنه كلام آدمى لغير النبى ﷺ على وجه العمد. فأبطلها، كما لو لم يكن لمصلحتها، مثل رد السلام، وتشميت العاطس.
والرواية الأخرى: يجوز فى حق الإمام والمأموم، وبها قال مالك.
ووجهها: أن هذا من مصلحة صلاتهما، فلم يبطلها، كما لو نبه الإمام على سهوه.
стр. 514
المسألة العشرون
قال؟؟؟ لنلرقى: والمنىّ طاهر. وهى الرواية الصحيحة. اختارها الوالد السعيد، ويحه؟؟؟. وبها قال الشافعى وداود، لما روى ابن عباس قال «سئل النبى ﷺ عن المنىّ يصيب الثوب؟ فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق. وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذ خرة».
ونقل الخرقى رواية أخرى: أنه كالدم.
وقال أبو بكر فى التنبيه: إن كان رطبا غسل. وإن كان يابسا فرك. فمتى لم يفعل ذلك وصلّى فيه: أعاد الصلاة. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: يغسل بكل حال.
وجه اختيار أبى بكر: ما روت عائشة ﵂ قالت «أمرنى رسول الله ﷺ بغسل المنى من الثوب. إذا كان رطبا، وبفركه إذا كان يابسا» وأمره على الوجوب.
المسألة الحادية والعشرون
قال الخرقى: ومن لم ينو القصر فى وقت دخوله إلى الصلاة لم يقصر. وبه قال الشافعى. لقوله ﵊ «إنما الأعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ مانوى» وهذا لم ينو القصر.
وقال أبو بكر فى الخلاف: يصح القصر بغير نية.
ووجهه: أن المصلى على ضربين: متم، ومقصر. ثم المتمّ: لا يحتاج إلى نية الإتمام. كذلك المقصر.
المسألة الثانية والعشرون
قال الخرقى: ومن صلّى الظهر يوم الجمعة، ممن عليه حضور الجمعة، قبل صلاة الإمام: أعادها ظهرا. وبه قال الشافعى.
وقال أبو بكر فى كتاب التنبيه: لا يجوز للمسافر، ولا للمريض، ولا من
стр. 515
هو مخاطب بالجمعة وغير مخاطب: أن يصلى ظهرا قبل صلاة الإمام الجمعة. ومن صلّى لم يجزه، وعليه الإعادة.
وجه قول الخرقى: أنه غير مخاطب بها. فجاز له فعلها قبل فراغ الإمام منها.
لأنه لا مأثم عليه فى ترك إتيانها. فلم يلزمه تأخير فعلها إلى فراغهم من الجمعة.
ووجه قول أبى بكر: أنه لو حضر الجمعة لصحت منه، وسقط عنه فرض الظهر. فلم يجز له فعلها قبل فراغهم منها.
دليله: من يجب عليه حضورها
المسألة الثالثة والعشرون
قال الخرقى: ومن فاتته صلاة العيد: صلّى أربع ركعات، كصلاة التطوع، يسلم فى آخرها. لأنه مذهب على وابن مسعود.
وفيه رواية ثانية: يصلى كما يصلى الإمام ركعتين. اختارها أبو بكر فى التنبيه ووجهها: أن أنس بن مالك «كان إذا لم يشهد العيد مع الناس بالبصرة جمع أهله وولده وصلّى ركعتين»
وعن أحمد رواية ثالثة: أنه مخير بين الأربع والركعتين. لأنها قد أخذت شبها من صلاة الجمعة، بدليل الخطبة والجهر وعدد الركعات، وشبها من صلاة الفجر. لأنها أصل فى نفسها، فلهذا خيرناه
المسألة الرابعة والعشرون
قال الخرقى: وإن كبر الإمام فى الصلاة على الميت خمسا: كبر المأموم بتكبيره.
وبه قال زفر، لما روى عن زيد بن أرقم «أنه كان يكبر على الجنائز أربعا، وأنه كبر على جنازة خمسا، فسألوه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يكبرها» أخرجه مسلم وأبو داود.
وفيه رواية ثانية - وهى الصحية - يتابع الإمام إلى سبع، اختارها أبو بكر،
стр. 516
وابن بطة، وأبو حفص العكبرى، والوالد السعيد. لما روى عن عبد الله بن مسعود قال «ما حفظنا التكبير عن رسول الله ﷺ ، قد كبر أربعا،؟؟؟، وسبعا. فما كبر إمامك فكبر»
وفيه رواية ثالثة: لا يتابع فى الخامسة. وبها قال أبو حنيفة والشافعى.
ووجهها: أن عمر جمع الناس على أربع، كأطول الصلاة.
المسألة الخامسة والعشرون
قال الخرقى: والشهيد إذا مات فى موضعه لم يغسل، ولم يصل عليه، ودفن.
وهى الرواية الصحيحة. وبها قال الشافعى. لأن من لم يجب غسله مع الإمكان لم تجب الصلاة عليه، كالسّقط إذا ألقته ولما يتصور.
والثانية: يصلى عليه. اختارها أبو بكر فى التنبيه، فقال: والناس كلهم يغسّلون، إلا الشهداء، إذا ماتوا فى المعركة لم يغسلوا. ويصلى عليهم، كفعل النبى ﷺ بأهل أحد. فذكر حجته. واختار ذلك شيخه، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وفيه رواية ثالثة: أنه مخير فى الصلاة وتركها.
ووجهها: أن ابن مسعود قال «لم يصل النبى ﷺ على قتلى أحد» وروى غيره الصلاة. فتعارضا. فلهذا خيرناه.
المسألة السادسة والعشرون
قال الخرقى: ومن فاته شئ من التكبير قضاه متتابعا، وإن سلم مع الإمام ولم يقض: فلا بأس به.
وفى رواية أخرى: إن لم يقض لم تصح صلاته. اختارها أبو بكر. وبها قال أكثرهم.
وجه الأولة - وهى مذهب ابن عمر، والحسن البصرى، وأيوب السختيانى والأوزاعى -: ما روت عائشة ﵂ قالت «يا رسول الله، أصلى على
стр. 517
الجنازة، ويخفى علىّ بعض التكبير؟ فقال: ما سمعت فكبرى، وما فاتك فلا قضاء عليك»
ووجه الثانية: أن كل تكبير قائما مقام ركعة، ولهذا لا يجوز الاقتصار على أقل من أربع تكبيرات. ولو فاته بعض الركعات قضاه، كذلك التكبيرات
المسألة السابعة والعشرون
قال الخرقى، فى زكاة الإبل: إذا بلغت إحدى وتسعين: ففيها حقّتان، إلى عشرين ومائة. فإذا زادت على عشرين ومائة، ففى كل أربعين: بنت لبون، وفى كل خمسين: حقة.
قال الولد السعيد: فظاهر هذا: أن زيادة الواحدة على عشرين ومائة تغيّر الفرض. فيكون فى كل أربعين: بنت لبون، وفى كل خمسين: حقة. فيكون فيها ثلاث بنات لبون. واختاره. وبه قال الشافعى وداود
ووجهه: ما روى ابن عمر «قال وجدنا فى كتاب عمر: أن رسول الله ﷺ قال فى صدقة الإبل - وذكر الخبر - إلى أن قال: إلى عشرين ومائة.
فإذا زادت واحدة، ففى كل أربعين: ابنة لبون، وفى كل خمسين: حقة، طروقة الفحل، فيكون فيها ثلاث بنات لبون»
وفيه رواية ثانية: لا يتغير الفرض إلا بزيادة عشر. فتكون الحقتان فى إحدى وتسعين، إلى مائة وتسعة وعشرين. فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون. اختارها أبو بكر فى كتاب الخلاف. وبها قال أبو عبيد. وعن مالك:
كالروايتين.
وجه الثانية: ما رواه ابن بطة - بإسناده - عن الزهرى قال «هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ ، التى كتب فى الصدقة. وهى عند آل عمر ابن الخطاب - وذكر الخبر إلى أن قال - فإذا كانت إحدى وتسعين: ففيها حقتان طروقتا الفحل، حتى تبلغ عشرين ومائة. فإذا كانت ثلاثين ومائة: ففيها حقة وبنتا لبون - وذكر الخبر»
стр. 518
المسألة الثامنة والعشرون
قال الخرقى، فى زكاة الغنم: فى أربعين: شاة. فإذا صارت مائة وإحدى وعشرين: فشاتين. فإذا صارت مائتين وشاة: ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة.
فإذا زادت: ففى كل مائة شاة. وهى الرواية الصحيحة. وبها قال أكثرهم.
ووجهها: ما روى ثمامة بن عبد الله بن أنس - أن جده أنسا حدثه «أن أبا بكر الصديق كتب له - لما وجهه إلى البحرين، وذكره - ثم قال: وفى صدقة الغنم فى سائمتها، إذا كانت أربعين، إلى عشرين ومائة: شاة. فإذا زادت إلى أن تبلغ مائتين: ففيها شاتان. فإذا زادت على المائتين، إلى ثلاثمائة: ففيها ثلاث شياه.
فإذا زادت على ثلاثمائة: ففى كل مائة شاة» أخرجه البخارى.
وفيه رواية أخرى: إذا زادت على ثلاثمائة شاة: ففيها أربع شياه. ثم كذلك، كلما زادت على المائة واحدة: ففيها شاة. اختارها أبو بكر.
ووجهها: أنه لما حدّ الوقص بهذا الحد: دل على أن الفرض يتعلق بالزيادة.
إذ لو كان الفرض لا يتعلق بالزيادة على الثلاثمائة: لم يحد الوقص بهذا الحد.
المسألة التاسعة والعشرون
قال الخرقى: وإن أعطاها كلها فى صنف منها: أجزأه، إذا لم يخرجه إلى الغنى. وهو المنصوص عن أحمد.
ووجهه: أنه مذهب عمر، وعلى، وحذيفة، ومعاذ، وابن عباس. وبه قال من الفقهاء: أبو حنيفة، ومالك.
وقال أبو بكر: لا يدفع إلا فى الثمانية. وبه قال الشافعى. ووجهه: أنه لما لم يجز الاقتصار فى خمس الخمس على بعض الأصناف كان كذلك فى الزكاة
المسألة الثلاثون
قال الخرقى: ولا زكاة فى دون المائتى درهم، إلا أن يكون فى ملكه ذهب
стр. 519
أو عروض للتجارة، فيتم به. وكذلك ما كان دون العشرين مثقالا. فإذا تمت:
ففيها: ربع العشر. وهى الرواية الصحيحة. اختارها الخلال، والوالد. وبها قال أبو حنيفة، ومالك.
ووجهها: أن الدراهم والدنانير: أثمان الأشياء، وقيم المتلفات، ويكمل بعضها بما يكمل به الآخر، وهو عروض التجارة، فيضم بعضها إلى بعض، كالسود والبيض، والمكسرة والصحاح.
وفيه رواية أخرى: لا تضم. اختارها أبو بكر. وبها قال الشافعى وداود.
لأنهما جنسان يجرى فيهما الربا. فلا يضم بعضهما إلى بعض، كالتمر والزبيب.
المسألة الحادية والثلاثون
قال الخرقى: وإذا ملك جماعة عبدا: أخرج كل واحد منهم فى صدقة فطره صاعا. اختارها الوالد السعيد. لأن من لزمه أن يخرج صدقة الفطر عن غيره لزمه صاع كامل.
دليله: إذا انفرد بملكه. وطرده: إذا لزم اثنين نفقة ابنهما.
وفيه رواية أخرى: يخرجان على قدر الملك. وبها قال مالك والشافعى.
اختارها أبو بكر فى التنبيه، فقال: ويعطى السيدان عن عبدهما صاعا، يؤدى كل واحد منهما نصفه، مثل ما يزكيان ثمنه. فذكر حجته
المسألة الثانية والثلاثون
قال الخرقى: فإن أعطى أهل البادية الأقط أجزأهم إذا كان قوتهم. وبه قال أبو حنيفة.
ووجهه: أنه مخلوق من حيوان. فلا يجوز إخراجه، كاللحم.
وفيه رواية ثانية: يجوز إخراج الأقط فى صدقة الفطر، وإن لم يكن قوتهم، اختارها أبو بكر والوالد. وبها قال مالك. وعن الشافعى كالروايتين.
وجه الثانية: ما روى أبو سعيد الخدرى قال «كنا نخرج زكاة الفطر - إذ
стр. 520
كان فينا رسول الله ﷺ صاعا من طعام، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط - وذكر الخبر» أخرجه البخارى ومسلم
المسألة الثالثة والثلاثون
قال الخرقى: وإذا رأى الهلال نهارا، قبل الزوال أو بعده: فهو لليلة المقبلة، لأنه مروى عن على، وابن عمرو، وابن مسعود.
وقال أبو بكر فى التنبيه: فإن أخبرونا عن رؤية الهلال قبل الزوال وبعده للإفطار والصيام، قيل: إذا رآه قبل الزوال فهو لأمسه. وإذا كان بعد الزوال فهو لغده. وهو مذهب الثورى وأبى يوسف. لأن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبى وقاص وإلى أهل جلولاء «إذا رأيتم الهلال فى الصوم فى آخر النهار:
فلا تفطروا. وإذا رأيتموه فى أول النهار بالأمس: فأفطروا، فإنه كان بالأمس»
المسألة الرابعة والثلاثون
قال الخرقى: ومن حج عن غيره، ولم يكن حج عن نفسه: رد ما أخذ.
وكانت الحجة عن نفسه. واختارها ابن حامد. وبه قال الشافعى
ووجهه: أن أكثر ما فيه عدم التعيين. وذلك غير معتبر فى الإحرام
الدليل عليه: لو أحرم مطلقا انصرف إلى الفرض. كذلك إذا نواه عن غيره: يجب أن ينصرف إلى نفسه.
وقال أبو بكر فى كتاب الخلاف: إن الإحرام لا ينعقد جملة. ويقع باطلا.
ووجهه: أنه لم ينوه عن نفسه، ونواه عن غيره. وقد قلنا: لا ينعقد عن الغير
المسألة الخامسة والثلاثون
قال الخرقى: ومن طاف وسعى محمولا لعلة: أجزأه. قال الوالد فى كتاب الروايتين وغيره: فظاهر هذا المنع، إذا كان لغير علة، وأنه لا يجزئه، وسواء كان
стр. 521
راكبا دابة، أو يحمله آدمى. وهى الرواية التى نصرها الوالد.
ووجهها: قول النبى ﷺ «الطواف بالبيت صلاة، غير أن الله: أحل لكم فيه النطق»
وقوله «الطواف صلاة» معناه: مثل صلاة، فحذف المضاف. فكان بمنزلة الصلاة إلا ما استثناه. وهو إباحة النطق.
وفيه رواية ثانية: يجزيه. ولآدم عليه. اختارها أبو بكر فى زاد المسافر، وابن حامد. وبه قال الشافعى.
وقال أبو حنيفة ومالك: إذا طاف راكبا لغير عذر: كره له. وقيل له: أعد.
فإن لم يعد: أجزأه. وعليه دم
وجه الثانية: أن النبى ﷺ طاف راكبا
المسألة السادسة والثلاثون
قال الخرقى: وليس فى عمل القارن زيادة على عمل المفرد، إلا أن عليه دما.
وهى الرواية الصحيحة. وبه قال مالك والشافعى، لما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من قرن بين حجته وعمرته: أجزأه لهما طواف واحد»
وقال أبو حنيفة: يطوف طوافين. ويسعى سعيين. وقد أجزأه لهما.
وعن أحمد رواية أخرى: لا يجزئ القارن عن عمرته، بل يجب عليه عمرة مفردة. اختارها أبو بكر وأبو حفص.
فعلى هذه الرواية: يحتاج إلى إحرامين. وعلى قول أبى حنيفة: يجزئه ذلك بإحرام واحد.
ووجه الثانية: أن الأفعال إذا ترادفت من جنس، فإنما تتداخل إذا اتفقا فى المقدار، كالغسل من الجنابة والحيض، والوضوء من البول والنوم. فأما إذا اختلفا
стр. 522
فى المقدار فإنه يؤتى بكل واحد منهما، كحد الزنا وشرب الخمر.
وطرده: الطهارة الصغرى والكبرى لا تتداخل، على إحدى الروايتين
المسألة السابعة والثلاثون
قال الخرقى: وسائر اللّحمان جنس واحد، لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا.
ويجوز إذا تناهى جفافه مثلا بمثل. وبه قال الشافعى فى أحد قوليه.
ووجهه: لحم بهيمة الأنعام، فلم يجز بيع بعضه ببعض متفاضلا.
دليله: اختلاف أنواعه، مثل لحمم البخت والعراب، والضأن والماعز.
وعن أحمد رواية أخرى - وهي الصحيحة - أن اللحوم أجناس تختلف باختلاف، أصولها وكذلك الألبان. اختار ذلك أبو بكر والوالد السعيد. وبها قال أبو حنيفة.
ووجهها: أنها فروع لأصول، وهي أجناس. فكانت أجناسا فى أنفسها، كالأدقة والأخباز.
وعن أحمد رواية ثالثة: أنها أربعة أجناس: لحم الأنعام صنف، ولحم الوحوش صنف، ولحم الطير صنف، ولحم دواب الماء صنف. يجوز بيع كل واحد بخلافه متفاضلا. ولا يجوز ببعضه إلا متماثلا. وبه قال مالك.
ووجهها: أن الإبل والبقر من بهيمة الأنعام ومن ذوات الأربع. فلم يجز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كأنواع الإبل، وأنواع البقر.
المسألة الثامنة والثلاثون
اختار الخرقى: إذا وجد أحد المتصارفين عيبا بعد التفرق، وكان العيب من جنسه: له البدل وهى. الرواية الصحيحة. واختارها أبو بكر الخلال. لأن البدل قائم مقام المبدل، والقبض قد حصل فى المبدل.
والرواية الثانية: ليس له البدل. اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة.
فعلى هذا: يبطل العقد فيه، ولا يجوز أن يكون القبض فى عين من الأعيان
стр. 523
قبضا فى عين أخرى. فإذا بطل الصرف فى قدر المردود، فهل يبطل فى نفسه؟ على روايتين، بناء على تفريق الصفقة.
المسألة التاسعة والثلاثون
قال الخرقى: والإقالة فسخ.
وعن أبى عبد الله رواية أخرى: الإقالة بيع. اختارها أبو بكر فى التنبيه.
وجه الأولة - وهى الصحيحة، وبها قال الشافعى -: أن الإقالة فى اللغة موضوعة لرفع الشئ، يقال: أقال الله عثرتك، يعنى رفعها، وإذا كان كذلك:
وجب أن يكون رفعا للعقد وفسخا له.
ووجه الثانية - وهى مذهب مالك - أن الفسخ فى العقود: ما كان عن غلبة، دون ما وقع عن اختيار وتراض. دليله: سائر العقود.
المسألة الأربعون
قال الخرقى: وإذا اشترى أمة ثيّبا فأصابها، واستغلها. ثم ظهر فيها على عيب: كان مخيرا بين أن يردها ويأخذ الثمن كاملا، لأن الخراج بالضمان - والوطء كالخدمة - وبين أن يأخذ ما بين الصحة والعيب. وإن كانت بكرا فأراد ردها: كان عليه ما نقصها، إلا أن يكون البائع قد دلّس، فيلزمه رد الثمن كاملا.
وكذلك سائر المبيع. وهى الرواية الصحيحة، وبها قال مالك. لأن الوطء معنى لو حصل من الزوج لم يمنع من الرد بالعيب. فإذا حصل من المشترى: لم يمنع كالاستخدام
وفيه رواية ثانية: إذا وجد الوطء لم يملك الرد فيهما. اختارها أبو بكر، وبها قال الثورى وأبو حنيفة.
وقال الشافعى: إن كانت بكرا لم يملك الرد.
فالدلالة لما اختاره أبو بكر: أنه لو ردها بالعيب لانفسخ العقد من أصله، وعادت الجارية إلى البائع على حكم الملك الأول، كأنه لم يكن بينهما بيع، ويحصل
стр. 524
وطء المشترى فى ملك الغير. والوطء فى ملك الغير: لا يخلو من إيجاب حد أو مهر - واتفقوا: أنه لا يجب عليه حد ولا مهر - وجب أن لا يرد.
والدلالة على قول الشافعى: أنه لما لم يمنع الزوج من الرد بالعيب فى حق البكر، فكذلك فى حق البائع
المسألة الحادية والأربعون
قال الخرقى: وإذا اشترى شيئا مأكوله فى جوفه، فكسره، فوجده فاسدا فإن لم يكن له مكسورا قيمة - كبيض الدجاج - رجع بالثمن على البائع، وإن كانت له مسكورا قيمة - كجوز الهند - فهو مخير فى الرد، ويأخذ الثمن. وعليه أرش الكسر، أو يأخذ ما بين صحيحه ومعيبه.
وعن أحمد رواية أخرى: له الأرش، دون الرد. اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة والشافعى.
وجه الأولة: ما روى الخلال - بإسناده - عن عثمان بن عفان فى رجل اشترى ثوبا فلبسه، ثم رأى به عيبا «يرده وما نقصه»
ووجه قول أبى بكر: أن فى إثبات الرد: إثبات ضرر على البائع. لأنكم تقولون: إذا كان البائع قد دلس العيب، فتصرف المشترى: ملك الرد، ولا بغرم الأرش، وهذا ضرر. لأنه أخذه صحيحا من الإتلاف، ورده متلفا من غير ضمان.
المسألة الثانية والأربعون
قال الخرقى: وإذا باع شيئا، واختلفا فى ثمنه: تحالفا، وإن شاء المشترى أخذه بعد ذلك بما قال البائع، وإلا انفسخ البيع بينهما، وإن كانت السلعة تالفة تحالفا، ورجعا إلى قيمة مثلها، إلا أن يشاء المشترى أن يعطى الثمن على ما قال البائع.
وفيه رواية ثانية: القول قول المشترى مع يمينه، ولا يتحالفان، وهى اختيار أبى بكر، وبها قال أبو حنيفة.
стр. 525
وجه الأولة: ما روى الدار قطنى - بإسناده - عن عبد الله بن مسعود قال:
«إذا اختلف البيعان - والمبيع مستهلك - فالقول قول البائع» ورفع الحديث إلى النبى ﷺ . وهذا نص فى إثبات التحالف بعد الهلاك.
ووجه الثانية: أنه معنى يوجب فسخ البيع، مع بقاء السلعة. فوجب أن لا يثبت حكمه بعد هلاكها، كالرد بالعيب، والإقالة، وخيار الشرط، على إحدى الروايتين.
المسألة الثالثة والأربعون
قال الخرقى: وبيع الفهد والصقر المعلّم جائز، وكذلك بيع الهر، وكل ما فيه منفعة. وبه قال الشافعى. وقال أبو بكر: لا يصح بيعهما.
وجه الأولة: أنه حيوان ينتفع به، ويجوز اقتناؤه على الإطلاق. فجاز بيعه، كبهيمة الأنعام.
ووجه قول أبى بكر: ما روى جابر ﵁ عن النبى ﷺ «نهى عن ثمن الكلب والسنور».
المسألة الرابعة والأربعون
قال الخرقى: ومن أونس منه رشد: دفع إليه ماله، إذا كان قد بلغ.
وكذلك الجارية، وإن لم تنكح. وبه قال أبو حنيفة والشافعى. لأنها بالغة رشيدة، فيدفع إليها مالها، كما لو تزوجت وولدت ولدا.
وقال أبو بكر: لا يدفع إلى الجارية مالها تتصرف فيه، حتى تلد ولدا. فإن حفظها لولدها أكثر من حفظها لنفسها. وهو قول عمر بن الخطاب. وهذا منصوص أحمد. واختاره الوالد السعيد. قال: ويحول عليه الحول.
ووجه الثانية: ما روى أبو بكر - بإسناده - عن شريح قال «عهد إلىّ عمر
стр. 526
ابن الخطاب أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحل فى بيت زوجها حولا، أو تلد ولدا» ولا يعرف له مخالف فى الصحابة.
المسألة الخامسة والأربعون
قال الخرقى: ومن أقرّ بشئ، واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلا إلا أن يستثنى عينا من ورق، أو ورقا من عين.
وقال أبو بكر: لا يصح استثناء الورق من العين، ولا العين من الورق.
وجه قول الخرقى: أنهما قد أجريا مجرى الجنس الواحد فى قيم المتلفات، وأرش الجنايات، وضم بعضهما إلى بعض فى الزكوات. فكذلك فى الاستثناء.
ووجه قول أبى بكر: أنه استثناء من غير الجنس، فهو كما لو استثنى طعاما أو ثيابا أو حيوانا.
المسألة السادسة والأربعون
قال الخرقى: ومن أقر بشئ، فاستثنى منه الأكثر، وهو أكثر من النصف أخذ بالكل. وكان استثناؤه باطلا.
فظاهره: أنه يصح استثناء النصف، هكذا فسره الوالد السعيد.
ووجهه: أنه لم يستثن الأكثر، فصح، كما لو استثنى الثلث.
وقال أبو بكر: لا يصح استثناء النصف.
ووجهه: أنه إنما لم يجز استثناؤه الكثير، لأنه لم ينقل عن أهل اللغة.
وهذا موجود فى النصف، لأنه لم ينقل عنهم، وإنما نقل عنهم فيما دونه، فيجب أن يمنع من ذلك، كما منع فى الكثير.
المسألة السابعة والأربعون
قال الخرقى: ولا يجوز أن يأخذ رهنا ولا كفيلا من المسلم إليه.
ووجهه: أن هلاك الرهن على وجه العدوان يصير مستوفيا للمسلم فيه، فيصير
стр. 527
كأنه استوفى الرهن بدلا عن المسلم، فلا يجوز. لقوله ﷺ «من أسلم فى شئ فلا يصرفه إلى غيره»
وفيه رواية ثانية: يجوز ذلك. اختارها أبو بكر. وبها قال أكثرهم.
ووجهها: أنه أحد نوعى المبيع. فجاز أخذ الرهن بما ثبت فى الذمة منه.
كالثمن فى المبيع.
المسألة الثامنة والأربعون
اختلفت الرواية: بم يضمن المغرور أولاده؟ على ثلاث روايات.
أصحهها: بمثلهم من العبيد، اختارها الخرقى.
والثانية: المغرور بالخيار بين المثل أو القيمة، اختارها أبو بكر فى المقنع.
والثالثة: يفديهم بالقيمة، وبها قال أكثرهم.
وجه الأولة: ما روى عن عمر «مكان كل غلام بغلام، ومكان كل جارية بجارية».
ووجه الثانية: أنه بدل حر، فدخله التخيير بين الحيوان والأثمان. دليله:
غيره من الأحرار.
ووجه الثالثة: أنه لا يمكن الرجوع إلى المثل. لأنه إن ساواه فى القدر:
خالفه فى الصفة واللون.
المسألة التاسعة والأربعون
قال الخرقى: إذا غصب جارية وباعها، فوطئها المشترى، وأولدها وهو لا يعلم:
ردت الجارية إلى سيدها ومهر مثلها. وهو مذهب عمر.
وفيه رواية ثانية: لا يرجع بالمهر، اختارها أبو بكر. وهى مذهب على.
وبها قال أبو حنيفة.
وجه الأولة: أن البائع ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء، كما ضمن له سلامة
стр. 528
الولد. فكما يرجع عليه بقيمة الولد، كذلك يرجع عليه بالمهر.
وطرده: أجرة الخدمة إذا غرمها.
ووجه الثانية: أن المهر بدل منفعة قد حصلت له. فيجب أن لا يرجع به على غيره.
المسألة الخمسون
قال الخرقى: فإن وقعت الإجارة على كل شهر بشئ معلوم: لم يكن لواحد منهم الفسخ إلا عند تقضى كل شهر. وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأن الشهر الأول معلوم. لأنه عقيب العقد. وقد ذكر له قسطا من الأجرة معلوما. فصح فى الشهر الأول، وبطل فيما بعده، كما لو قال فى الشهر الأول: بعشرة، وما بعده من الشهور: بحسابه. ولا يلزم عليه الشهر الثانى والثالث. لأنه لو صح فيهما لوجب أن يصح فى جميع الشهور، ولو صح فى جميعها: أدى إلى الجهالة.
وفيه رواية ثانية: الإجارة قاسدة. اختارها أبو بكر. وبها قال الشافعى؛ لأن العقد إذا وقع على جملة مجهولة: بطل فيها وفى أبعاضها كلها، وإن كانت أبعاضها معلومة، كما لو قال: آجرتك هذه الدار ودارا أخرى بعشرة.
المسألة الحادية والخمسون
قال الخرقى: إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم: فهو وقف على من وقف عليه وأولاده، الذكر والأنثى من أولاد البنين، بينهم بالسوية، إلا أن يكون الواقف فضّل بعضهم على بعض. وبه قال مالك، ومحمد بن الحسن.
ووجهه: أن المال إذا أضيف إلى الولد على الإطلاق: لم يدخل فيه ولد البنات، كالميراث، وهو قوله تعالى (١١:٤ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)﴾.
وقال أبو بكر فى التنبيه: وإذا وقف على ولده، وولد ولده: دخل فيه ولد البنت، وولد الابن، كما قال النبى ﷺ «إن ابنى هذا سيد» وهو
стр. 529
ابن ابنته، فإذا قال: لولده لصلبه: لم يدخل فيهم ولد البنت. واختاره ابن حامد، وبه قال أبو يوسف، والشافعى.
ووجهه: ما تقدم من احتجاج أبى بكر بالخبر.
المسألة الثانية والخمسون
قال الخرقى: وإذا أوصى له بسهم من ماله: أعطى السدس.
وقد رويت عن أبى عبد الله رواية أخرى: يعطى سهما مما تصح منه الفريضة وهذه الرواية الثانية: اختارها أبو بكر وشيخه.
قال الوالد السعيد: الرواية الأولة: له السدس، إلا أن تعول المسألة، فيعطى سدسا عائلا. فإن كانت المسألة من ثمانية: كان له السبع، قال: وهو مذهب ابن مسعود، وإياس بن معاوية، قال: ومحمل الثانية: له سهم مما تصح منه الفريضة، وإن كان أقل من السدس. فإن زاد على السدس: أعطى السدس.
وقال أصحاب الشافعى: الخيار للورثة يعطون ما شاءوا.
وجه قول الخرقى: ما روى عن عبد الله قال فى رجل قال «لرجل سهم من مالى - فى عهد رسول الله ﷺ فتوفى الموصى، فلم يدر ما يعطى الموصى له؟ فسئل النبى ﷺ عنها؟ فجعل له سدسا من ماله».
ووجه الثانية: أن اسم السهم يقع على ذلك، وهو متحقق، وما زاد عليه مشكوك فيه.
المسألة الثالثة والخمسون
قال الخرقى: والعمة بمنزلة الأب. وقد روى عن أبى عبد الله ﵁ أنه جعلها بمنزلة العم.
ووجه الأولة - وهى مذهب عمر، وابن مسعود، والنخعى، والثورى وغيرهم - ما روى أحمد - بإسناده - عن الزهرى: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 530
«العمة بمنزلة الأب، إذا لم يكن بينهما أب، والخال بمنزلة الأم، إذا لم يكن بينهما أم»
ووجه الثانية - اختارها أبو بكر، وبها قال الشعبى، وعن على، كالروايتين -؟؟؟ إذا أنزلناها منزلة أب: أسقطت من هو أقرب منها، وهو ولد الأخوات، وبنات الإخوة لأنهم ولد الأب، وهى من ولد الجد، ولا يجوز أن يسقط الأبعد والأقرب.
المسألة الرابعة والخمسون
قال الخرقى: ومن زوج غلاما غير بالغ أو معتوها: لم يجز، إلا أن يزوجه والده، أو وصى ناظر له فى التزويج. وهى الصحيحة، وبها قال الحسن وحماد، ومالك؛ لأنها ولاية ثابتة للأب فى حال حياته. فملك نقلها بالإيصاء عند مماته، كولاية المال.
وفيه رواية ثانية: لا يستفاد النكاح بالوصية. اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة والشافعى؛ لأنها ولاية فى حق غيره، وقد كانت تنتقل إلى عصبته لو لم يوص، فلم يجز أن يسقط حقه عنها، كالوصية فى المال إذا كان ورثته كبارا
المسألة الخامسة والخمسون
قال الخرقى: وإذا زوج ابنته البكر، فوضعها فى كفاءة فالنكاح ثابت، وإن كرهت، صغيرة كانت أو كبيرة، وليس هذا لغير الأب. وهى الرواية الصحيحة، اختارها الوالد السعيد فى جميع مصنفاته، وبها قال مالك، وابن أبى ليلى، والشافعى وإسحاق. لأن من لم يفتقر نكاحها إلى نطقها مع القدرة عليه لم يفتقر إلى رضاها فى تزويج الأب.
وعن أحمد رواية أخرى: إذا بلغت تسع سنين: لم تجبر على النكاح، اختارها أبو بكر. وقال أبو حنيفة: إذا بلغت لم تجبر.
وجه الثانية: أنها بلغت سنّا تحدث فيه الشهوة. فلم تجبر على النكاح، كالثيب