ابن الخطاب أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحل فى بيت زوجها حولا، أو تلد ولدا» ولا يعرف له مخالف فى الصحابة.
المسألة الخامسة والأربعون
قال الخرقى: ومن أقرّ بشئ، واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلا إلا أن يستثنى عينا من ورق، أو ورقا من عين.
وقال أبو بكر: لا يصح استثناء الورق من العين، ولا العين من الورق.
وجه قول الخرقى: أنهما قد أجريا مجرى الجنس الواحد فى قيم المتلفات، وأرش الجنايات، وضم بعضهما إلى بعض فى الزكوات. فكذلك فى الاستثناء.
ووجه قول أبى بكر: أنه استثناء من غير الجنس، فهو كما لو استثنى طعاما أو ثيابا أو حيوانا.
المسألة السادسة والأربعون
قال الخرقى: ومن أقر بشئ، فاستثنى منه الأكثر، وهو أكثر من النصف أخذ بالكل. وكان استثناؤه باطلا.
فظاهره: أنه يصح استثناء النصف، هكذا فسره الوالد السعيد.
ووجهه: أنه لم يستثن الأكثر، فصح، كما لو استثنى الثلث.
وقال أبو بكر: لا يصح استثناء النصف.
ووجهه: أنه إنما لم يجز استثناؤه الكثير، لأنه لم ينقل عن أهل اللغة.
وهذا موجود فى النصف، لأنه لم ينقل عنهم، وإنما نقل عنهم فيما دونه، فيجب أن يمنع من ذلك، كما منع فى الكثير.
المسألة السابعة والأربعون
قال الخرقى: ولا يجوز أن يأخذ رهنا ولا كفيلا من المسلم إليه.
ووجهه: أن هلاك الرهن على وجه العدوان يصير مستوفيا للمسلم فيه، فيصير
стр. 527
كأنه استوفى الرهن بدلا عن المسلم، فلا يجوز. لقوله ﷺ «من أسلم فى شئ فلا يصرفه إلى غيره»
وفيه رواية ثانية: يجوز ذلك. اختارها أبو بكر. وبها قال أكثرهم.
ووجهها: أنه أحد نوعى المبيع. فجاز أخذ الرهن بما ثبت فى الذمة منه.
كالثمن فى المبيع.
المسألة الثامنة والأربعون
اختلفت الرواية: بم يضمن المغرور أولاده؟ على ثلاث روايات.
أصحهها: بمثلهم من العبيد، اختارها الخرقى.
والثانية: المغرور بالخيار بين المثل أو القيمة، اختارها أبو بكر فى المقنع.
والثالثة: يفديهم بالقيمة، وبها قال أكثرهم.
وجه الأولة: ما روى عن عمر «مكان كل غلام بغلام، ومكان كل جارية بجارية».
ووجه الثانية: أنه بدل حر، فدخله التخيير بين الحيوان والأثمان. دليله:
غيره من الأحرار.
ووجه الثالثة: أنه لا يمكن الرجوع إلى المثل. لأنه إن ساواه فى القدر:
خالفه فى الصفة واللون.
المسألة التاسعة والأربعون
قال الخرقى: إذا غصب جارية وباعها، فوطئها المشترى، وأولدها وهو لا يعلم:
ردت الجارية إلى سيدها ومهر مثلها. وهو مذهب عمر.
وفيه رواية ثانية: لا يرجع بالمهر، اختارها أبو بكر. وهى مذهب على.
وبها قال أبو حنيفة.
وجه الأولة: أن البائع ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء، كما ضمن له سلامة
стр. 528
الولد. فكما يرجع عليه بقيمة الولد، كذلك يرجع عليه بالمهر.
وطرده: أجرة الخدمة إذا غرمها.
ووجه الثانية: أن المهر بدل منفعة قد حصلت له. فيجب أن لا يرجع به على غيره.
المسألة الخمسون
قال الخرقى: فإن وقعت الإجارة على كل شهر بشئ معلوم: لم يكن لواحد منهم الفسخ إلا عند تقضى كل شهر. وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأن الشهر الأول معلوم. لأنه عقيب العقد. وقد ذكر له قسطا من الأجرة معلوما. فصح فى الشهر الأول، وبطل فيما بعده، كما لو قال فى الشهر الأول: بعشرة، وما بعده من الشهور: بحسابه. ولا يلزم عليه الشهر الثانى والثالث. لأنه لو صح فيهما لوجب أن يصح فى جميع الشهور، ولو صح فى جميعها: أدى إلى الجهالة.
وفيه رواية ثانية: الإجارة قاسدة. اختارها أبو بكر. وبها قال الشافعى؛ لأن العقد إذا وقع على جملة مجهولة: بطل فيها وفى أبعاضها كلها، وإن كانت أبعاضها معلومة، كما لو قال: آجرتك هذه الدار ودارا أخرى بعشرة.
المسألة الحادية والخمسون
قال الخرقى: إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم: فهو وقف على من وقف عليه وأولاده، الذكر والأنثى من أولاد البنين، بينهم بالسوية، إلا أن يكون الواقف فضّل بعضهم على بعض. وبه قال مالك، ومحمد بن الحسن.
ووجهه: أن المال إذا أضيف إلى الولد على الإطلاق: لم يدخل فيه ولد البنات، كالميراث، وهو قوله تعالى (١١:٤ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)﴾.
وقال أبو بكر فى التنبيه: وإذا وقف على ولده، وولد ولده: دخل فيه ولد البنت، وولد الابن، كما قال النبى ﷺ «إن ابنى هذا سيد» وهو
стр. 529
ابن ابنته، فإذا قال: لولده لصلبه: لم يدخل فيهم ولد البنت. واختاره ابن حامد، وبه قال أبو يوسف، والشافعى.
ووجهه: ما تقدم من احتجاج أبى بكر بالخبر.
المسألة الثانية والخمسون
قال الخرقى: وإذا أوصى له بسهم من ماله: أعطى السدس.
وقد رويت عن أبى عبد الله رواية أخرى: يعطى سهما مما تصح منه الفريضة وهذه الرواية الثانية: اختارها أبو بكر وشيخه.
قال الوالد السعيد: الرواية الأولة: له السدس، إلا أن تعول المسألة، فيعطى سدسا عائلا. فإن كانت المسألة من ثمانية: كان له السبع، قال: وهو مذهب ابن مسعود، وإياس بن معاوية، قال: ومحمل الثانية: له سهم مما تصح منه الفريضة، وإن كان أقل من السدس. فإن زاد على السدس: أعطى السدس.
وقال أصحاب الشافعى: الخيار للورثة يعطون ما شاءوا.
وجه قول الخرقى: ما روى عن عبد الله قال فى رجل قال «لرجل سهم من مالى - فى عهد رسول الله ﷺ فتوفى الموصى، فلم يدر ما يعطى الموصى له؟ فسئل النبى ﷺ عنها؟ فجعل له سدسا من ماله».
ووجه الثانية: أن اسم السهم يقع على ذلك، وهو متحقق، وما زاد عليه مشكوك فيه.
المسألة الثالثة والخمسون
قال الخرقى: والعمة بمنزلة الأب. وقد روى عن أبى عبد الله ﵁ أنه جعلها بمنزلة العم.
ووجه الأولة - وهى مذهب عمر، وابن مسعود، والنخعى، والثورى وغيرهم - ما روى أحمد - بإسناده - عن الزهرى: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 530
«العمة بمنزلة الأب، إذا لم يكن بينهما أب، والخال بمنزلة الأم، إذا لم يكن بينهما أم»
ووجه الثانية - اختارها أبو بكر، وبها قال الشعبى، وعن على، كالروايتين -؟؟؟ إذا أنزلناها منزلة أب: أسقطت من هو أقرب منها، وهو ولد الأخوات، وبنات الإخوة لأنهم ولد الأب، وهى من ولد الجد، ولا يجوز أن يسقط الأبعد والأقرب.
المسألة الرابعة والخمسون
قال الخرقى: ومن زوج غلاما غير بالغ أو معتوها: لم يجز، إلا أن يزوجه والده، أو وصى ناظر له فى التزويج. وهى الصحيحة، وبها قال الحسن وحماد، ومالك؛ لأنها ولاية ثابتة للأب فى حال حياته. فملك نقلها بالإيصاء عند مماته، كولاية المال.
وفيه رواية ثانية: لا يستفاد النكاح بالوصية. اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة والشافعى؛ لأنها ولاية فى حق غيره، وقد كانت تنتقل إلى عصبته لو لم يوص، فلم يجز أن يسقط حقه عنها، كالوصية فى المال إذا كان ورثته كبارا
المسألة الخامسة والخمسون
قال الخرقى: وإذا زوج ابنته البكر، فوضعها فى كفاءة فالنكاح ثابت، وإن كرهت، صغيرة كانت أو كبيرة، وليس هذا لغير الأب. وهى الرواية الصحيحة، اختارها الوالد السعيد فى جميع مصنفاته، وبها قال مالك، وابن أبى ليلى، والشافعى وإسحاق. لأن من لم يفتقر نكاحها إلى نطقها مع القدرة عليه لم يفتقر إلى رضاها فى تزويج الأب.
وعن أحمد رواية أخرى: إذا بلغت تسع سنين: لم تجبر على النكاح، اختارها أبو بكر. وقال أبو حنيفة: إذا بلغت لم تجبر.
وجه الثانية: أنها بلغت سنّا تحدث فيه الشهوة. فلم تجبر على النكاح، كالثيب
стр. 531
المسألة السادسة والخمسون
قال الوالد السعيد فى المجنون: إذا كان جنونه مطبقا فى جميع الأوقات، وكان محتاجا إلى النكاح، فقال الخرقى: يجوز للولى تزويجه. لأنه محتاج إلى ذلك.
وليس له إذن فى الحال. ولا يرجى له إذن فى الثانى. فجاز تزويجه بغير إذنه.
وقال أبو بكر فى الخلاف: لا يجوز للأب تزويجه إذا كان بالغا.
ووجهه: أنه بالغ محجورا عليه، أشبه المحجور عليه لسفه.
المسألة السابعة والخمسون
قال الخرقى: وأحق الناس بتزويج المرأة الحرة: أبوها، ثم أبوه، ثم ابنها وابنه، ثم أخوها لأبيها وأمها، والأخ للأب مثله، وهو المنصوص عن أحمد
ووجهه: أنهما أخوان، يزوج كل واحد منهما على الانفراد. فإن اجتمعا تساويا، كما لو كانا لأبوين أو لأب.
وقال أبو بكر: الأخ للأبوين أولى، وبه قال أبو حنيفة ومالك، والجديد للشافعى (١).
ووجهه: أن الأخ من الأبوين، قد ساوى الأخ من الأب فى التعصيب، وانفرد بمزية الرحم من جهة الأم. فكان أولى، كما قلنا فى باب الميراث، وهكذا الحكم فى تحمل العقل والصلاة على الجنازة.
المسألة الثامنة والخمسون
قال الخرقى: إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين، أو المجوسيين بعد الدخول:
فإن أسلم الآخر قبل انقضاء العدة: فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة: بانت منه منذ اختلف الدينان. وبه قال الشافعى، لأن النبى ﷺ «رد هندا إلى أبى سفيان» وقد كان تأخر إسلامها.
стр. 532
وفيه رواية أخرى بتعجيل الفرقة، كما لو كان قبل الدخول، اختارها أبو بكر وشيخه، لأنه اختلاف دين، فأوجب الفرقة. دليله: قبل الدخول.
المسألة التاسعة والخمسون
قال الخرقى: ولو كانت الأمة لنفسين، فأعتقها أحدهما: فلا خيار لها إذا كان المعتق معسرا، لأنه إنما يثبت للأمة الخيار إذا كان زوجها عبدا. لأنها صارت كاملة فى نفسها، كاملة فى أحكامها، وهذا لا يوجد فيما إذا أعتق بعضها. لأن أحكامها لم تكمل، بل هى فى حكم الأمة القنّ.
وقال أبو بكر فى كتاب الخلاف: تملك، وروى ذلك عن أحمد.
ووجهها: أنها أكمل منها بما حصل فيها من الحرية، ولهذا يقول: إنها ترث وتورث، وتحجب على قدر ما فيها من الحرية، فيجب أن تملك الفسخ. كما لو عتق جميعها.
المسألة الستون
قال الخرقى فى العنين: إذا أجله الحاكم سنة، فإن جبّ قبل الدخول: كان لها الخيار فى وقتها، لأننا لا ننتظر به تمام الحول ليرجى منه الدخول، وبالجب أيس منه الدخول، فلا معنى للتربص. فلهذا ملكت الفسخ فى الحال.
وقال الوالد السعيد: فإن حدث بأحد الزوجين بعد النكاح عيب يوجب الفسخ: لم يثبت الخيار فى قول أبى بكر وابن حامد. وهو مذهب مالك، لأن البضع فى حكم المقبوض، بدليل أن البدل يستقر بالموت، وإن لم يحصل من جهتها تسليم. وكذلك نصف الصداق يستقر بالطلاق قبل الدخول، فجرى مجرى الإقالة. والإقالة توجب رد جميع العوض، وإذا كان فى حكم المقبوض لم يوجب الفسخ، كالمبيع إذا حدث به عيب بعد القبض.
المسألة الحادية والستون
قال الخرقى فى باب العنين: وإن كانت ثيبا وادّعى أنه يصل إليها أخلى
стр. 533
معها، وقيل له: أخرج ماءك على شئ. فإن ادعت أنه ليس بمنى جعل على النار، فإن ذاب، فهو منى، وبطل قولها.
وقد روى عن أبى عبد الله قول آخر: القول قوله مع يمينه.
وجه الأوّلة - وهى قول عطاء، اختارها أبو بكر فى التنبيه -: أن ذلك مما يستدل به على صدق الزوج وكذبه. لأن العنين يضعف عن الإنزال، فإذا أنزل تبينا أنه كان صادقا فى دعواه، فهو كما لو شهد القوابل أنها عذراء: حكمنا بصحة قولها.
ووجه الثانية، وبها قال أكثرهم: أن المرأة تدعى على زوجها العنة، وتريد أن ترفع النكاح وتفسخه، والزوج ينكر ذلك، ويقول: لست بعنين، ليبقى النكاح على حاله، والأصل بقاء النكاح.
وعن أحمد رواية ثالثة: القول قول الزوجة، لأن الزوج يدعى الوطء، والزوجة تنكره، والأصل: أن لا وطء.
وذكر الوالد السعيد عن أبى بكر: أنه يزوّج امرأة من بيت المال، لها دين، فإن ذكرت أنه يقربها: كذبت الأولى، وكانت الثانية بالخيار، إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فارقته. ويكون الصداق فى بيت المال، وإن كذبت:
فرق بينه وبين الأولى والثانية، وكان صداقها فى بيت المال وهو مذهب سمرة.
وقال الأوزاعى: تدخل مع زوجها وتقعد امرأتان، فإذا فرغا: نظرا فى فرجها، فإن كان فيه المنى فهو صادق، وإلا فهو كاذب.
المسألة الثانية والستون
قال الخرقى: وإذا قال الخنثى المشكل: أنا رجل، لم يمنع من نكاح النساء، ولم يكن له أن ينكح لغير ذلك بعده، وكذلك لو سبق فقال: أنا امرأة لم ينكح إلا رجلا.
ووجهه: أن من هذه صفته، فالأصل فيه مشكوك، وهو أعرف بطبعه من
стр. 534
غيره فيرجع إليه فى ذلك، كالعدة: لما لم يتوصل إلى معرفتها من غير المرأة قبل قولها فى انقضاء عدتها.
وقال أبو بكر: لا يجوز للخنثى المشكل: التزوج، وحكى ذلك عن أحمد.
وقال أبو بكر: لأن من هذه صفته: لا يقطع على كونه رجلا ولا امرأة، وإنما يحكم من طريق الظاهر وغلبة الظن، والفروج لا تباح بغلبة الظن.
المسألة الثالثة والستون
قال الخرقى: والنّثار مكروه، لأنه شبيه النّهبة. وقد يأخذه من غيره أحب إلى صاحب الدار منه، وبه قال مالك والشافعى، لما روى أنس أن النبى ﷺ «نهى عن النهبة. وقال: من انتهب فليس منا».
وفى رواية ثانية: لا يكره، اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة. لأن النبى ﷺ نحر بدنة وخلى بينها وبين المساكين، وقال «من شاء اقتطع» والنثار فى هذا المعنى.
المسألة الرابعة والستون
قال الوالد: فأما بنته من الرضاعة من لبن ثاب بوطء زنا: هل يحرمها أم لا؟ اختلف أصحابنا.
فقال أبو بكر فى كتاب المقنع: تحرم عليه، كما يحرم المولود. قال: وظاهر كلام الخرقى: أنها لا تحرم. لأنه قال: وإذا جعلت ممن يلحق نسب ولدها به، فثاب لها لبن، فأرضعت به: حرمت.
فشرط فى التحريم: أن يكون ممن يلحق نسب ولدها به.
وجه قول أبى بكر - اختاره الوالد السعيد -: أن الرضاع يثبت التحريم كالولادة، ثم ثبت أن الولادة من الزنا تثبت التحريم، كذلك الرضاع من لبن نزل عن وطء زنا.
ووجه قول الخرقى: أن الرضاع تحريمه معتبر بثبوت النسب، لقول النبى ﷺ «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» والنسب غير ثابت.
стр. 535
فهذا الوطء كذلك، ما هو معتبر به، وتحريم العقد لا يقف على ثبوت النسب، بدليل الرضاعة.
المسألة الخامسة والستون
قال الخرقى: ولو طلقها ثلاثا فى طهر لم يصبها فيه: كان أيضا للسنة. وكان تاركا للاختيار. وبه قال الشافعى.
وقال أبو بكر: يكون للبدعة، وهو المنصوص عن أحمد، وبه قال أبو حنيفة ومالك وداود، وهو مذهب عمر، وعلى، وابن عمر، وابن عباس، وعمران ابن حصين، وأبى موسى.
ووجهه: أنه ذو عدد اعتبر فيه السنة من حيث الوقت. فاعتبر فيه التفريق، كرمى الجمار.
ووجه قول الخرقى: أنه طلاق فى عدة من غير نية. فكان مباحا، كالطلقة الواحدة.
المسألة السادسة والستون
قال الخرقى: إذا قال لها: أنت طالق إذا قدم فلان. فقدم به مكرها، أو ميتا: لم تطلق لأن القدوم لم يوجد منه. وإنما قدم به. فلهذا لم تطلق لعدم الصفة
وقال أبو بكر: إذا قدم به ميتا حنث. لأن العين التى علق الصفة بها قد قدمت. فوقع الطلاق كما لو قدم حيّا.
المسألة السابعة والستون
قال الخرقى: ولو آلى منها، واختلف فى مضى الأربعة الأشهر: فالقول قوله أنها لم تمض مع يمينه. لأنهما لو اختلفا فى قبض المهر. كان القول قولها مع يمينها.
كذلك ههنا: يجب أن يكون القول قوله مع يمينه.
وقال أبو بكر فى كتاب الخلاف: لا يحلف. اختاره الوالد السعيد. لأن اختلافهما فى بقاء المدة هو اختلاف فى بقاء النكاح وزواله .. وبدل النكاح
стр. 536
لا يصح. فلم يستحلف فيه، كما لو ادعت نكاحه وأنكر، أو ادعى نكاحها وأنكرت. فإنه لا يمين
المسألة الثامنة والستون
قال الخرقى: والمراجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أنى قد راجعت امرأتى، بلا ولى يحضره. ولا صداق يزيده.
وقد رويت عن أبى عبد الله رواية أخرى، تدل على أنه تجوز الرجعة بلا شهادة. اختارها أبو بكر والوالد. وبها قال أبو حنيفة ومالك
وجه قول الخرقى - اختاره ابن شاقلا، وهو المشهور من قول الشافعى -:
أن الشهادة اعتبرت فى النكاح ليثبت بها عند التجاحد، احتياطا للبضع. وهذا المعنى موجود فى الرجعة.
وجه الثانية: أن الرجعة حق للزوج، بدلالة قوله تعالى (٢٢٨:٢ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)﴾ فلا يفتقر فى استيفائه إلى الإشهاد، كسائر الحقوق
المسألة التاسعة والستون
قال الخرقى: والفيئة: الجماع، إلا أن يكون له عذر من مرض، أو إحرام أو شئ لا يمكن معه الجماع. فيقول: متى قدرت جامعتها. فيكون ذلك من قوله فيئة للعذر، فمتى قدر فلم يفعل أمر بالطلاق. وهو قول الشافعى.
ووجهه: أن عليه الفيئة بحسب القدرة. فإذا فعل هذا فقد فعل ما قدر عليه.
فإذا زال عذره خرج عن حال العاجز. فلهذا أمر بالجماع، أو الطلاق إذا لم يجامع
وقال أبو بكر: إذا فاء بلسانه حال العذر: سقط الإيلاء. ولم تلزم الفيئة بالجماع عند القدرة عليه. اختاره الوالد. وبه قال أبو حنيفة
ووجهه: أنه قد وجد منه الفيئة المانعة من الطلاق. فصار كالفيئة بالوطء
стр. 537
المسألة السبعون
قال الخرقى: ولو ظاهر من زوجته، وهى أمة، ولم يكفر حتى ملكها:
انفسخ النكاح، ولم يطأها حتى يكفر.
وقال أبو بكر: يسقط يمين الظهار بفسخ النكاح. فإن وطئها كان عليه كفارة يمين. فعلى قوله: يجوز له وطؤها قبل الكفارة
وجه قول الخرقى - اختاره الوالد -: أنا لا نجد فى الأصول أن يمين الظهار ينقلب حكمها إلى حكم اليمين بالله تعالى
ووجه قول أبى بكر: أن الكفارة تجب بالعود، والعود هو العزم على الوطء وههنا قد عاد فى غير زوجته. فلهذا لم تجب عليه كفارة الظهار
المسألة الحادية والسبعون
قال الخرقى: والكفارة عتق رقبة مؤمنة. وبه قال مالك والشافعى.
وعن أحمد رواية أخرى: ليس بشرط فيها الإيمان، ولا فى كفارة اليمين والجماع فى رمضان. والرقبة فى الكفارة المنذورة، اختارها أبو بكر. وبها قال أبو حنيفة
وجه قول الخرقى: أنه تحرير رقبة عن كفارة. فكان من شرطه الإيمان كالعتق فى كفارة القتل
ووجه اختيار أبى بكر: أنها رقبة تامة الملك، سليمة الخلق، لم يحصل عن شئ منها عوض. فجاز عتقها فى كفارة الظهار كالمسلمة
المسألة الثانية والسبعون
قال الخرقى، فى باب الكفارات: وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة قد صلت وصامت. لأن الإيمان قول وعمل.
قال الوالد السعيد فى شرحه: ظاهر كلام الخرقى: أنه إن كان طفلا، لم يصح منه فعل العبادات، وهو أن يكون له دون السبع سنين: فلا يجزئ
стр. 538
ووجهه: أنه لا يجزئ فى الغرّة، كذلك الكفارة.
وقال أبو بكر فى المقنع: يجوز عتق الصغير فى الجملة. وهو قول الشافعى ووجهه: أن عدم البلوغ لا يمنع عتقه. دليله: من له سبع سنين فصاعدا
المسألة الثالثة والسبعون
قال الخرقى: وإن أعتق نصفى عبدين، أو نصفى أمتين، أو نصفى عبد وأمة:
أجزأ عنه.
ووجهه: أن النصف من العبدين بمنزلة العبد الخالص المفرد، بدليل أن عليه فيهما الفطرة، كما لو كان عبدا مفردا. وعليه زكاة نصف ثمانين شاة، كما لو كان له أربعون شاة منفردة، فإذا كانت الأنصاف فى هذا الأصل كالكامل، كذلك العتق.
وقال أبو بكر: لا يجزيه. اختاره ابن حامد، وهو قول جماعة من الشافعية ووجهه: أنه لو جاز عتق عبد من عبدين عن كفارة، جاز أن يصوم أربعة أشهر، كل شهرين عن كفارة
المسألة الرابعة والسبعون
قال الخرقى: فإن كان فى اللعان ذكر الوالد، فإذا قال: أشهد بالله لقد زنت، وما هذا الولد ولدى، وتقول هى: أشهد بالله لقد كذب، وهذا الولد ولده
ووجهه: أن كل من سقط حقه باللعان كان ذكره شرطا فيه، كالزوجة وقال أبو بكر فى كتاب الخلاف: ليس عليه ذلك.
ووجهه: أن نفى الولد إنما يكون تبعا لزوال الفراش. والفراش يزول بلعانهما جميعا، ونفى النسب تبعا له، فلم يكن عليه ذكره
المسألة الخامسة والسبعون
قال الخرقى: ولو جاءت امرأته بولد، فقال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد منى: فهو ولده فى الحكم. ولا حدّ عليه لها.
стр. 539
ووجهه: أنه إذا لا عن يحتاج أن يقول: أشهد بالله إننى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا. فإذا لم يقذفها لم يمكنه اللعان، ثبت أنه لا يلاعن حتى يقذف.
وفيه رواية أخرى: له اللعان. اختارها أبو بكر، وابن حامد، والوالد.
وجهها: أنه قذف بزنا لو أتت منه بولد لحقه. فكان له نفيه باللعان، كما لو قذفهما جميعا.
المسألة السادسة والسبعون
قال الخرقى: والسّعوط كالرضاع. وكذلك الوجور.
وقال أبو بكر فى التنبيه: ولا يحرم الوجور، ولا السعوط. لأن ذلك ليس برصاع. وبه قال داود
ووجهه: أن اللبن وصل فى جوفه من غير إرضاع، فلا يتعلق به التحريم، كما لو وصل من جرح فى بدنه، وكالحقنة
ووجه قول الخرقى - وهو أصح، وهو قول أكثر الفقهاء - قوله ﵊ «الرضاعة من المجاعة» وقوله ﵊ «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» وهذه المعانى توجد فى الوجور كوجودها فى المص من الثدى
المسألة السابعة والسبعون
قال الخرقى: ولو رمى - وهو مسلم - عبدا كافرا، فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم: فلا قود، وعليه دية مسلم إذا مات من الرمية.
قال الوالد فى شرحه: إنما لم يجب القود - خلافا لأبى حنيفة وأبى بكر من أصحابنا، وهو أن يجب القود - هو أن الاعتبار بالقصد إلى تناول نفس مكافئة، حين الجناية. بدليل أنه لو قطع كافر يد كافر، ثم أسلم القاطع ومات المقطوع: كان عليه القصاص. وهكذا لو قطع عبد يد عبد، فأعتق القاطع ثم مات المقطوع:
فعليه القطع، اعتبارا بالمماثلة حين الجناية والتكافؤ غير موجود حينئذ. فلا قصاص
стр. 540
ووجه قول أبى بكر: أنها رمية محظورة أوجبت دية مسلم حر. فأوجبت القصاص، كما لو كان حين الرمية مسلما حرّا. وإذا سقط القصاص - كما لو كان حين الرمية، على قول الخرقى - تجب دية حر مسلم. لأن الجناية إذا وقعت مضمونة: اعتبر قدرها حال الاستقرار. بدليل أنه لو قطع يدى مسلم ورجليه:
لزمه ديتان. فلو سرى إلى نفسه: لزمه دية واحدة.
المسألة الثامنة والسبعون
قال الخرقى: وإذا جنى العبد: فعلى سيده أن يفديه أو يسلمه. فإن كانت الجناية أكثر من قيمة العبد: لم يكن على السيد أن يفديه بأكثر من قيمته.
وهى الرواية الصحيحة.
ووجهها: أن الحق تعلق برقبة العبد، بدليل أنه لو سلمه: لم يلزمه زيادة على قيمته. فإذا لم يسلمه: لم تلزمه زيادة على القيمة، كما لو غصب عبدا فأتلفه: لم يلزمه زيادة على قيمته.
وفيه رواية ثانية: أن السيد بالخيار بين أن يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ، أو يسلمه للبيع. اختارها أبو بكر.
ووجهها: أنه قد يرغب فيه راغب، فيشيريه بذلك القدر أو أكثر. فإذا حبسه على نفسه فقد فوت على المجنى عليه ذلك القدر. فلهذا لزمه.
المسألة التاسعة والسبعون
قال الخرقى: وإن كان القتل شبه العمد: فالدية على العاقلة فى ثلاث سنين فى كل سنة ثلثها. لأنه قتل لا يجب به قود بحال. فكانت الدية فيه على العاقلة مؤجلة. دليله: دية الخطأ المحض.
وقال أبو بكر فى كتاب الخلاف: هى من مال القاتل. لأنها دية مغلظة.
فكانت فى ماله، كالعمد المحض.
стр. 541
المسألة الثمانون
قال الخرقى: والعاقلة: هم العمومة وأولادهم، وإن سلفوا، فى إحدى الروايتين. والرواية الأخرى: الأب والابن والإخوة، وكل العصبة من العاقلة.
وجه قول الخرقى - وبه قال الشافعى -: أنها قرابة يستحق بها النفقة، مع اختلاف الدين، فلم تتحمل العاقلة بها، كأب الأم.
ووجه الثانية - اختارها أبو بكر والوالد السعيد، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك -: أن العاقلة إنما تحمل العقل نصرة للقاتل. والأب أحق بنصرته من غيره
المسألة الحادية والثمانون
قال الوالد السعيد: اختلفت الرواية فى قاتل العمد: هل تجب عليه الكفارة؟ على روايتين. أصحهما: لا كفارة. وبها قال أبو حنيفة ومالك. واختارها أبو بكر، وابن حامد والوالد السعيد. لأن الكفارة حق فى مال. فلا تجب عليه مع القود كالدية.
وفيه رواية ثانية: تجب. اختارها الخرقى. وبها قال الشافعى.
ووجهها: أنه لو قتله خطأ وجبت الكفارة. فإذا قتله عمدا وجبت الكفارة قياسا على قتل الصيد.
المسألة الثانية والثمانون
قال الخرقى: وإذا قذف أمه، وهى ميتة - مسلمة كانت أو كافرة - حد القاذف إذا طلب الابن، وكان مسلما حرّا. اختاره الوالد.
ووجهه: أن هذا القذف حصل قدحا فى نسب حى. فيجب أن يملك المطالبة به، لما عليه من المعرّة.
وقال أبو بكر فى كتاب الخلاف: ليس له المطالبة. قال: لأنه قذف لميتة فلم يملك الوارث المطالبة به، كما لو كان المقذوف حيّا ثم مات. فإن وارثه لا يملك المطالبة به على أصلنا، كذلك ههنا.
стр. 542
المسألة الثالثة والثمانون
قال الخرقى: وما أوجب من الجنايات المال دون القود: قبل فيه رجل وامرأتان، ورجل عدل مع يمين الطالب.
قال الوالد السعيد: ومثل ذلك قتل الخطأ والجائفة، والمأمومة، وقتل العبد ونحو ذلك.
وقال أبو بكر: لا يقبل فيه النساء.
وجه قول الخرقى: أنها شهادة على مال. أشبه سائر الأموال.
ووجه قول أبى بكر: أنها شهادة على قتل. فلم تثبت بالنساء بدليل قتل العمد
المسألة الرابعة والثمانون
قال الخرقى: ولا يقطع وإن اعترف، أو قامت بينة، حتى يأتى مالك المسروق يدعيه.
وقال أبو بكر: يقطع. ولا يحتاج فيه إلى مطالبة.
وجه قول الخرقى - اختاره الوالد السعيد -: أنه يحتمل أن يكون المالك أباح هذه العين لمن أخذها، أو وقفها عليه، وهو لا يعلم، أو كانت ملكا للسارق عنده، ولا تعلم به البينة، فأسقطنا القطع عنه للاحتمال والشبهة.
ووجه قول أبى بكر: أنه حق لله، فلا يفتقر فى إقامته إلى مطالبة آدمى، كالزنا وشرب الخمر. وعكسه: حد القذف. لأنه حق لآدمى.
المسألة الخامسة والثمانون
قال الخرقى: ومن شرب مسكرا - قل أو كثر - حد ثمانين جلدة، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال أبو بكر: يحد به أربعين، وبه قال الشافعى.
وجه الأولة - اختارها الوالد السعيد - ما روى ابن بطة - بإسناده - عن على
стр. 543
«أن رسول الله ﷺ جلد رجلا من بنى الخزرج من الأنصار فى الخمر ثمانين».
ووجه الثانية: أن الحدود ترتبت باختلاف الأجرام. فحد الزنا: مائة. لأنه هتك حرمته وحرمتها. وربما أفسد النسب. وحد القذف: أدون. لأنه هتك به حرمة آدمى. فكان ثمانين. وحد الخمر: هتك حرمة واحدة فى حق الله تعالى، فكان أخف من غيره، فكان حده أربعين.
المسألة السادسة والثمانون
قال الخرقى: والمأخوذ منهم الجزية على ثلاث طبقات. فيأخذ من أدونهم:
اثنى عشر درهما. ومن أوسطهم: أربعة وعشرين. ومن أيسرهم: ثمانية وأربعين
وفيه رواية ثالثة: أنها غير مقدرة الأقل والأكثر. وهى إلى اجتهاد الإمام وفيه رواية ثالثة: أنها مقدرة الأقل، غير مقدرة الأكثر. فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر. ولا يجوز أن ينقص عنه. وهو اختيار أبى بكر.
وجه الأولة: أن عمر لما مضى إلى الشام: ضرب الجزية على أهل الكتاب على الغنى: ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط: أربعة وعشرين درهما، وعلى المتحمل: اثنى عشر درهما.
ووجه الثانية: أن المأخوذ من المشرك على الأمان ضربان: هدنة، وجزية.
فلما كان المأخوذ هدنة إلى اجتهاد الإمام. كان كذلك المأخوذ جزية.
ووجه الثالثة: أن فى النقصان من ذلك إضرارا ببيت المال، وفى الزيادة حظا للمسلمين، إذا كان فيه رأى وإصلاح.
المسألة السابعة والثمانون
قال الخرقى: ومن قتل منا أحدا منهم مقبلا على القتال: فله سلبه، غير مخموس.
قال ذلك الإمام، أو لم يقل. وبه قال الشافعى وداود، لما روى أبو قتادة قال: قال رسول الله ﷺ «من قتل قتيلا، له عليه بينة: فله سلبه»
стр. 544
وفيه رواية ثانية: لا يستحقه إلا بشرط الإمام. اختارها أبو بكر. وبه قال أبو حنيفة. لأنه مال مستحق بالتحريض على القتال، فافتقر استحقاقه إلى شرط الإمام، كالنفل.
ورأيت أنا فى التنبيه: قد اختار أبو بكر مثل اختيار الخرقى.
المسألة الثامنة والثمانون
ذكر الوالد السعيد، فى كتاب الجهاد من المجرد: وإذا قسمت الغنائم فى دار الحرب: جاز بيعها هناك، بعضهم من بعض.
قال أحمد: هو أنفع للمسلمين. لأنها إذا قسمت وبيعت خفت المؤنة. وكان ذلك أحفظ لها. وإذا بيعت فى دار الحرب وحصل القبض، ثم غلب عليها الكفار، فهل تكون من ضمان البائع، أو المشترى؟ فيه روايتان.
إحداهما: هى من ضمان المشترى. وهى اختيار أبى بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز. لأنه قد حصل القبض. فأشبه دار الإسلام.
والثانية: هى من ضمان البائع. وهى اختيار الخرقى. لأنها دار خطر، وغرر. لأنه لا يؤمن من كرّة المشركين. فهو بمثابة الثمرة المعلقة، إذا خلى بينها وبين المشترى: لم يزل الضمان عن البائع.
المسألة التاسعة والثمانون
قال الخرقى: وإن ترك التسمية على الذبيحة عامدا: لم تؤكل. وبه قال أبو حنيفة. لقوله تعالى (١٢١:٦ ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)﴾ وروى أبو سعيد الخدرى «أن النبى ﷺ سئل عن الجزور والبقرة يوجد فى بطنها الجنين؟ فقال: إذا سميتم على الذبيحة فذكاته ذكاة أمه» فقوله «إذا سميتم» يدل على أنه شرط فى الذبيحة.
وفيه رواية ثانية: تباح. اختارها أبو بكر. وبها قال مالك والشافعى. لأنه
стр. 545
ذكر، لو تركه ناسيا: لم يمنع من أكلها، كذلك إذا تركه عامدا، كالصلاة على النبى ﷺ .
المسألة التسعون
قال الخرقى: والعضب ذهاب أكثر من نصف الأذن أو القرن. وهو مذهب سعيد بن المسيب. لأن الأذن غير مستطاب، وإنما يستطاب أصولها. فإذا قطع الأقل: لم يؤثر، فإذا قطع زيادة على النصف: فقد ذهب بجزء مستطاب، فجاز أن يؤثر.
وقال أبو بكر فى التنبيه: والمقطوعة الأذن، والمكسورة القرن: لا يضحى بها إذا كان الكسر والقطع الثلث فصاعدا. لأنها العضباء التى نهى عنها رسول الله ﷺ .
ووجهها: أن الثلث فى حد القلة. وما زاد عليه فى حد الكثرة. ولهذا جاز للمريض التصرف فى الثلث فما دون.
المسألة الحادية والتسعون
قال الخرقى: ومن اضطر إلى الميتة، فلا يأكل منها إلا ما يأمن معه الموت.
وبه قال أبو حنيفة. لأن الإباحة معلقة بشرط الضرورة، بدلالة قوله تعالى (١١٩:٦ ﴿إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)﴾ فإذا أكل منها ما يمسك رمقه زالت الضرورة.
فزالت الإباحة لعدم الشرط.
وفيه رواية ثانية: يجوز الشبع منها. اختارها أبو بكر. وعن مالك والشافعى:
كالروايتين. وكذلك الحكم عندهم فى طعام الغير.
وجه الثانية: قول النبى ﷺ «الميتة حلال لكم ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا» فأباحها على الإطلاق.
المسألة الثانية والتسعون
قال الخرقى: وإذا نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان. فقدم أول يوم من
стр. 546
شهر رمضان: أجزأه صيامه لرمضان عن نذره. وبه قال أبو يوسف، لأنه وافق نذره زمانا يستحق صومه، فلم يلزمه القضاء.
دليله: لو نذر أن يصوم شهر رمضان، أو نذر أن يصوم يوم يقدم فلان أبدا.
فقدم يوم اثنين من أثانين شهر رمضان لا تدخل تحت نذر. نص عليه.
وفيه رواية ثانية: يصوم رمضان، ثم يقضى النذر. اختاره أبو بكر، والوالد السعيد. لأن رمضان يتكرر على مر السنين. فلا يكاد يتفق رمضان يوم قدومه.
فإذا كان مما يمكنه الوفاء به غالبا: انعقد نذره.
المسألة الثالثة والتسعون
قال الخرقى: ويشهد على من سمعه يقرّ بحق، وإن لم يقل للشاهد: اشهد علىّ. وتجوز شهادة المستخفى إذا كان عدلا، وبه قال أكثرهم.
وفيه رواية أخرى: لا يشهد فيها. اختاره أبو بكر. وبه قال شريح القاضى والشعبى، وابراهيم النخعى.
وجه الأولة: أن عمرو بن حريث أجاز شهادة المختبى. وكذلك يفعل بالخائن أو الفاجر. ولأن الشاهد إنما يصير متحملا للشهادة بأن يقع له العلم بما شهد به.
وقد وقع له. فإنه شاهد المقر، وسمع إقراره.
ووجه الثانية: قوله ﷺ «من حدث بحديث ثم التفت فهى أمانة» قيل: معناه أنها أمانة أن تذكر عنه، لالتفاته وحذره من قوله بها. ولأن شاهدى الفرع لو سمعا شاهدى الأصل يقولا «أشهدنا فلان على فلان بكذا وكذا» لم يجز لشاهدى الفرع أن يشهدا به.
المسألة الرابعة والتسعون
قال الخرقى: والعقيقة سنة. وبه قال أكثرهم. لما روى أحمد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال «سئل رسول الله ﷺ عن
стр. 547
العقيقة؟ - وذكر الخبر إلى أن قال -: من ولد له منكم مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل».
وقال أبو بكر فى التنبيه: إن سأل سائل عن العقيقة: أواجبة هى؟ قيل له:
هى واجبة. والدلالة على وجوبها: ما روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال «يعق عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. لا يضركم ذكرانا كن أم إناثا» وروى عنه أنه قال «المؤمن مرتهن بعقيقته» وأن النبى ﷺ «عق عن نفسه» فالعقيقة واجبة بهذه السنن. فهذا دليل أبى بكر.
المسألة الخامسة والتسعون
قال الخرقى: وإذا قال له: يا لوطى. سئل عما أراد؟ فإذا قال: أردت أنك من قوم لوط: فلا شئ عليه. وإذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط: فهو كمن قذف بالزنا. وكذلك من قال: يا معفوج.
قال أبو بكر: هذه المسألة رواها المروذى. وهى قول قديم. والعمل على ما رواه مهنا: أن عليه الحد.
وجه قول الخرقى: أنه إنما لم يكن هذا اللفظ صريحا، لأنه يحتمل أن يريد بذلك: أنه يعمل عمل قوم لوط، فيكون قذفا صريحا. ويحتمل: أنه من قوم لوط، أو مؤمن بلوط: فلهذا رجع به إليه فيه. وكذلك قوله: يا معفوج، يحتمل يا مفلوج، ويحتمل مفعول به. فلهذا رجع إلى تفسيره، أو دلالة حاله.
ووجه قول أبى بكر: أن من أصلنا أن التعريض بالقذف يوجب الحد.
فأدنى أحواله ههنا: أن يكون تعريضا.
المسألة السادسة والتسعون
قال الخرقى، فى باب المكاتب: ولا يبيعه سيده درهما بدرهمين.
وقال أبو بكر فى الخلاف: قد أخبرنا أحمد عن نفسه: أنه ليس بين
стр. 548
المكاتب وبين سيده ربا. لأنه عبد ما بقى عليه درهم، فلو باعه درهما بدرهمين لم يكن ربا. ولا يمنع من ذلك.
وجه اختيار أبى بكر: قوله ﷺ «المكاتب عبد ما بقى عليه درهم» فإذا ثبت أنه عبد: فليس بين العبد وبين سيده ربا. ولأنه يجوز بيعه عندنا. ولو سرق من مال سيده لا قطع عليه. نص عليه فى رواية ابن منصور.
ووجه قول الخرقى - وهو اختيار الوالد السعيد - أن المكاتب مالك لما فى يده. ألا ترى أنه يجوز له أن يشترى من مولاه، ويبيع منه، ويستحق عليه أخذ الملك بالشفعة؟ وهذا معدوم فى العبد القن.
المسألة السابعة والتسعون
قال الخرقى: وإذا عجز المكاتب، وردّ فى الرق، وقد كان تصدّق عليه:
فهو لسيده.
وقال أبو بكر: يجعل فى المكاتبين. وهو اختيار الوالد السعيد.
ووجهه: أنه إنما دفع إليه لينتفع به العتيق. وما وقع. فهو كما لو دفع إلى الغارم ليقضى دينه، والغازى ليغزو به، فلم يفعلا: لزمهما الرد.
ووجه قول الخرقى: أنه لما دفع إلى المكاتب ملكه. وقد ثبت أن جميع ما فى يده يكون لسيده. فكذلك هذا المال.
المسألة الثامنة والتسعون
قال الخرقى: ومن شرب مسكرا: حد إذا شربها مختارا لشربها.
وفيه رواية أخرى: يجب الحد على المكره على الشرب. وهو اختيار أبى بكر. قال الوالد السعيد: وكذلك الحكم فى الإكراه على السرقة.
وجه قول الخرقى: قوله ﷺ «عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
стр. 549
ووجه قول أبى بكر: أن الشرب فعل. والإكراه عليه لا يمنع موجبه.
دليله: الإكراه على القتل والإحبال والرضاع.
وطرده: الإكراه على الزنا والسرقة.
وعكسه: الإكراه على الكفر والطلاق والبيع، وغير ذلك من العقود.
تمت المسائل
وقال أبو عبد الله بن الفقاعى: وجدت بخط شيخنا أبى حفص العكبرى قال:
سمعت الشيخ أبا عبد الله بن بطة، يقول: توفى الشيخ أبو القاسم الخرقى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ودفن بدمشق. وزرت قبره.
٦٠٩ - اسحاق بن أحمد
بن محمد بن إبراهيم، أبو الحسن الكاذى.
كان يقدم من قريته «كاذة» إلى بغداد، فيحدث بها.
روى عن محمد بن يوسف بن الطباع، وأبى العباس الكديمى، وعبد الله بن إمامنا أحمد فى آخرين.
حدث عنه جماعة، منهم أبو الحسن بن رزقويه، وأبو الحسن بن بشران.
وكان ثقة زاهدا.
ومات يوم الأربعاء لثلاث من شعبان سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وبكاذة قريته مات.
٦١٠ - اسماعيل بن على
بن إسماعيل، أبو محمد الخطبى.
سمع عبد الله بن إمامنا أحمد، والحارث بن أبى أسامة، وغيرهما.
روى عنه الدارقطنى، وأبو حفص بن شاهين، وغيرهما.
وكان فهما عارفا بأيام الناس، وأخبار الخلفاء. وصنف تاريخا كبيرا.
سئل الدار قطنى عنه؟ فقال: ثقة.
ومولده: فى محرم سنة تسع وستين ومائتين.
стр. 550
وموته: فى جمادى الآخرة سنة خمسين وثلاثمائة.
وقال الخطبى: وجه إلىّ الراضى بالله ليلة عيد الفطر، فحملت إليه، راكبا على بغلة. ودخلت عليه، وهو جالس فى الشموع. فقال لى: يا إسماعيل، إنّي قد عزمت فى غد على الصلاة بالناس فى المصلى. فما الذى أقول إذا انتهيت فى الخطبة إلى الدعاء لنفسى؟
فقلت: تقول (١٩:٢٧ ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ﴾ - الآية). فقال لى: حسبك.
ثم أمرنى بالانصراف، وأتبعنى بخادم، فدفع إلى خريطة فيها أربعمائة دينار. وكانت الدنانير خمسمائة. فأخذ الخادم منها لنفسه مائة دينار، أو كما قال.
٦١١ - عبد العزيز بن جعفر
بن أحمد بن يزداد بن معروف، أبو بكر المعروف بغلام الخلال.
حدث عن محمد بن عثمان بن أبى شيبة، وموسى بن هارون، ومحمد بن الفضل الوصيفى، وسعيد بن عجب الأنبارى، وأبى خليفة الفضل بن الحباب البصرى، وعلى بن طيغور النسوى، وجعفر الفريابى، وأحمد بن محمد بن الجعد، وإبراهيم بن محمد بن الهيثم القطيعى، ومحمد بن محمد الباغندى، وقاسم بن زكريا المطرز، والحسين بن عبد الله الخرقى، وأبى القاسم البغوى، ومحمد بن الحسن بن هارون بن بدينا، وعبد الله بن أحمد، وأبى بكر بن أبى داود، فى آخرين.
روى عنه أحمد بن على بن عثمان بن الجنيد الخطبى، وبشر بن عبد الله الفاتنى، وجماعة من شيوخنا: أبو إسحاق بن شاقلا، وأبو عبد الله بن بطة، وأبو الحسن التميمى، وأبو حفص العكبرى، وأبو حفص البرمكى، وأبو عبد الله ابن حامد، وحدث عنه بمسائل الأثرم، وصالح، وعبد الله، وغير ذلك.
وكان أحد أهل الفهم، موثوقا به فى العلم، متسع الرواية، مشهورا بالديانة، موصوفا بالأمانة، مذكورا بالعبادة.
стр. 551
له المصنفات فى العلوم المختلفات: الشافى، المقنع، تفسير القرآن، الخلاف مع الشافعى، كتاب القولين، زاد المسافر، التنبيه. وغير ذلك.
أخبرنا بركة، أخبرنا أحمد بن إبراهيم، عن عبد العزيز، حدثنا أبو الطيب النعمان بن نعيم القاضى، حدثنا السرى بن عاصم حدثنا محمد بن مصعب الجزرى، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى عن عبدة بن أبى لبابة عن أبى هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ «الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن»
وبه: حدثنا جعفر بن محمد بن سليمان الخلال حدثنا محمد بن عوف الحمصى قال: سمعت أحمد بن حنبل - وسئل عن التفضيل؟ - فقال: من قدم عليا على أبى بكر: فقد طعن على رسول الله ﷺ . ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسول الله ﷺ وعلى أبى بكر. ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبى بكر، وعمر، وعلى عثمان، وعلى أهل الشورى، والمهاجرين، والأنصار.
وبه: حدثنا العباس بن المغيرة قال: سمعت إسحاق بن الحسن الحربى يقول:
سمعت محمد بن المنصور الطوسى يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما روى فى فضائل أحد من أصحاب رسول الله ﷺ بالأسانيد الصحاح: ما روى عن على بن أبى طالب.
وبه: حدثنا محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء فى الإيمان؟ قال: نعم، الاستثناء على غير معنى الشك، مخافة واحتياطا للعمل. وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهو مذهب الثورى.
فلنذكر الآن طرفا من اختياراته التى خالف فيها اختيارات شيخه أبى بكر الخلال.
اختار عبد العزيز: أنه يجب غسل جميع الذكر والأنثيين فى خروج المذى.
وهو الذى نصره الوالد السعيد.
стр. 552
واختار الخلال: أنه يغسل منه ما يغسل من البول.
واختار عبد العزيز: أن الصلاة فى الثوب المغصوب باطلة، وهى الرواية الصحيحة.
واختار الخلال: أنها صحيحة.
واختار عبد العزيز: أن المرأة إذا وقفت إلى جانب الرجل: بطلت صلاة من يليها من الرجال.
واختار الخلال، وابن حامد، والوالد: أنها لا تبطل.
واختار عبد العزيز: أنه إذا شرب الماء فى صلاة التطوع: بطلت صلاته.
وهو الذى نصره الوالد
واختار الخلال: أنه لا تبطل صلاته
واختار عبد العزيز: أنه إذا أحرم مع الإمام بالجمعة، ثم زحم عن الركعتين:
أنه يستقبل الصلاة. واختاره الوالد السعيد
واختار الخلال: أنه يصلى ركعتين
واختار عبد العزيز: أنه لا يضم الذهب إلى الورق فى إكمال النصاب واختار الخلال: الضم. وهو الذى نصره الوالد، والخرقى
واختار عبد العزيز: إذا وجد أحد المتصارفين عيبا بعد التفرق، وكان العيب من جنسه: ليس له البدل
واختار الخلال والخرقى والوالد: له البدل
واختار عبد العزيز: أن الكفر ملل. وهو الذى اختاره الوالد
واختار الخلال: أن الكفر ملة واحدة
واختار عبد العزيز: أن كل جناية لها أرش مقدر فى الحر، من الدية:
يتقدر من العبد فى القيمة. وهو اختيار الخرقى والوالد.
والرواية الثانية: يضمن العبد بما نقص. اختارها الخلال، وغير ذلك
стр. 553
وذكر الوالد السعيد فى الانتصار لعبد العزيز. فقال: كان ذا دين، وأخا ورع علامة بارعا فى علم مذهب أحمد بن حنبل.
وذكر تصانيفه. وذكر تعظيمه فى النفوس، وتقدمه عند السلطان
ولقد حكى لى بعض الشيوخ عن والده - وكان له صحبة بأبى بكر - فذكر أن أبا بكر ذكر عند أخت معز الدولة بسوء، وأنه يغضّ من على بن أبى طالب.
فاستدعته، وجمعت من المتكلمين لمناظرته. فكان صوته عليهم، وحجته ظاهرة لديهم. والأخت بحيث تسمع كلامه، حتى شهدت له بالفضل. وكان منها الإنكار عليهم. فيما كذبوه عليه، وأضافوه إليه. وبذلت له شيئا من المال.
فامتنع من قبوله مع خفة حاله، وقلة ماله، زهدا وورعا
قال: وحكى لنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الحجرى - المعروف بابن سكينة الأزجى - قال: حكى لنا الشيخ أبو الفضل بن التميمى قال: حكى لى شيخ كان يسافر فى طلب الحديث: أنه وقع لى فى خبر: أن النبى ﷺ قال «إذا كان يوم القيامة يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب» قال: فسافرت كذا وكذا بلدا، أسأل: هل هناك زيادة على هذا العدد؟ فما زادنى أحد. وكل يقول:
هكذا سمعنا. فدخلت مدينة البصرة، وسألت عن ذلك؟ فما زادنى أحد. فلما كان ذات يوم نمت، وأنا تعب. فرأيت النبى ﷺ ، فقبلت قدمه فقال لى: يا فلان، قد تعبت فى هذا الخبر الذى سمعته عنى. فقلت له: إي والله يا رسول الله. فقال لى: امض إلى بغداد إلى جامع الخليفة، سترى رجلا واسع الجبين، جهورى الصوت، فسله عن هذه المسألة - يعنى أبا بكر عبد العزيز - فإنه يجيبك. قال: فلم يحملنى القعود، حتى جئت إلى بغداد. قال: فقلت فى نفسى:
لا سألت أحدا عن هذا الرجل، حتى أدخل الجامع، وانظر إلى الصفة التى وصفها رسول الله ﷺ . فدخلت يوم الجمعة الجامع. فسمعت صوته. فإذا هو بالصفة التى وصفها رسول الله ﷺ . فوقفت حذاءه، فقلت: أيها
стр. 554
الشيخ، مسألة. قال: أوسعوا للشيخ موضعا، إلى أن وصلت بين يديه. فقال لى:
اجلس، فجلست: فقال لى سرا: ألست الرجل الذى بعث بك رسول الله ﷺ ؟ فوقعت علىّ الرّعدة. فقلت: نعم، وأمسكت، ثم قال لى: أيها الشيخ هات مسألتك. فسألته عن الحديث: إن النبى ﷺ قال «يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب» فقال لى: يا أبله، أنت والذين سألتهم، حدثنا فلان عن فلان - وذكر الإسناد - أنه إذا كان يوم القيامة، وحصل أهل الموقف يقول الله سبحانه: هؤلاء إلى الجنة، ولا أبالى - ثلاث مرات - ويحثنى ثلاث حثيات.
فمن قبضته أربع عشرة سماء، والأرض فى يده كحبة خردل فى أرض فلاة: كم مرة سبعون ألفا؟
قال: وحكى لنا أيضا هذا الشيخ عن الحسن بن خيرون - صاحب أبى بكر عبد العزيز - أنه قال: قال لى أبو بكر عبد العزيز: كنت مع أستاذى - يعنى أبا بكر الخلال - وأنا غلام مشتد، فاجتمع معه جماعة يتذاكرون بعد عشاء الآخرة فقال بعضهم لبعض: أليس مقبل - يعنى رجلا أسود، كان ناطورا بباب حرب - لنا مدة ما رأيناه؟ فقاموا يقصدونه، وقال لى أستاذى - يعنى أبا بكر الخلال - لا تبرح، احفظ الباب، فتركتهم حتى مضوا، وأغلقت الباب وتبعتهم. فلما بلغنا بعض الطريق قال لى أستاذى - يعنى الخلال - هو ذا، أرى وراءنا شخصا، فوقفوا فقال لى: أنت من؟ فأمسكت فزعا من أستاذى. فجاءنى واحد منهم، وأخذ بيدى، وقال: بالله عليك إلا تركته. فإن النجابة بين عينيه. فتركنى، ومضيت معه. فدخلنا إلى قراح فيه باذنجان مملوءا، والأسود قائم يصلى فسلموا، وجلسوا إلى أن سلم. وسلم بعضهم على بعض. فأخرج كساء فيه كسر يابسة وملح جريش وقال: كلوا، فتحدثوا. فأخذوا يذكرون كرامات الصالحين، وهو ساكت - يعنى الأسود - فقال واحد من الجماعة: يا مقبل، قد زرناك فما تحدثنا بشئ؟ فقال: إيش أنا؟ وأى شئ عندى أحدثكم؟ أنا أعرف رجلا لو سأل الله أن يجعل
стр. 555
هذا القراح الباذنجان ذهبا لفعل. فو الله ما استتم الكلام حتى رأينا القراح يتقد ذهبا (١) فقال له أستاذى - يعنى أبا بكر الخلال -: يا مقبل، لأحد سبيل أن يأخذ من هذا القراح أصلا واحدا؟ فقال له: خذ. وكان القراح مسقيا. فأخذ الأصل فقلعه بعروقه. والأصل والورق والباذنجان الذى فيه ذهب. فوقعت من ذلك باذنجانة صغيرة وشئ من الورق، فأخذته وبقاياه معى إلى يوم حدّثه. قال: ثم صلّى ركعتين، وسأل الله، فأعاد القراح كما كان، وعاد موضع ذلك الأصل أصل باذنجانة.
قال وحكى لنا هذا الشيخ، قال: لما مات أبو بكر عبد العزيز اختلف أهل باب الأزج فى دفنه. فقال بعضهم: يدفن فى قبر أحمد، وقال بعضهم: يدفن عندنا.
وجردوا السيوف والسكاكين. فقال المشايخ: لا تقتتلوا، نحن فى حريم السلطان - يعنون المطيع لله - فما يأمر نفعل. قال: فلفوه فى النطع مشدودا بالشوارف (٢) خوفا أن يمزق الناس أكفانه. وكتبوا رقعة إلى الخليفة. فخرج: مثل هذا الرجل لا نعدم بركاته: أن يكون فى جوارنا. وهناك موضع يعرف بدار الفيلة.
وهو ملك لنا. ولم يكن فيه دفن. فدفن فيه ﵀.
قال: وحكى لنا أيضا قال: حكى لى أبو العباس بن أبى عمرو الشرابى - وكان على باب يعرف بباب الخاصة، مما يلى باب الأزج، يقارب قبر أبى بكر عبد العزيز - قال: كان لنا ذات ليلة خدمة، أمسيت لأجلها. ثم إنّي خرجت منها نومة الناس وغلق البوابون خلفى الباب. وتوجهت إلى دارى بباب الأزج. فرأيت عمود نور من جو السماء إلى جوف المقبرة، فجعلت انظر إليه ولا ألتفت، خوفا أن يغيب عنى، إلى أن وصلت حذاء قبر أبى بكر عبد العزيز. فإذ أنا بالعمود من
стр. 556
جوف السماء إلى القبر. فبقيت متحيرا، ومضيت وهو على حاله (١).
وحكى لنا هذا الشيخ عن أبى سعد السقاء - وهو من باب الأزج - قال: جئت يوما أصب راوية ماء فى حب مقبرة. فرأيت رجلا خراسانيا على قبر أبى بكر عبد العزيز، يترحم عليه ويتضرع. فصاح بى، وقال لى: تعالى يا سقاء، هذا الرجل فى هذا الموضع، لا يبنى عليه مشهد؟ هذا رجل حديثه عندنا. ورأيت النبى ﷺ فى نومى، وهو يقول: من زار قبر عبد العزيز غلام الخلال، يعنى غفر له (٢).
قال: وكان - مع ما ذكرنا من التصانيف فى الفروع والأصول - له قدم فى تفسير القرآن، ومعرفة معانيه.
ولقد وجدت عنه: أن رافضيا سأله عن قوله تعالى (٣٢:٣٩ ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ)﴾ من هو؟ فقال له: أبو بكر الصديق. فرد عليه، وقال: بل هو على بن أبى طالب. فهمّ به الأصحاب. فقال: دعوه، ثم قال: اقرأ ما بعدها ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وهذا يقتضى أن يكون هذا المصدق ممن له إساءة سبقت. وعلى قولك أيها السائل:
لم يكن لعلى إساءة. فقطعه.
وهذا استنباط حسن لا يعقله إلا العلماء. فدل على علمه وحلمه وحسن خلقه.
فإنه لم يقابله على جفائه بحفاء، وعدل إلى العلم.
стр. 557
وقد امتدحه بعضهم بأبيات، قال فيها:
فعبد العزيز له مقام بعلم … حين يفتى كالصوارم
يزين الحنبلية حين يفتى … ويطرى الشافعى بلا دراهم
وأقسم بالذى ناجى لموسى … لقد أضحى يشرف كل عالم
ولو عاش ابن حنبل كى يراه … لأيقن أنه حصن المحارم
فرحمة ربنا تسرى وتعلو … على قبر ابن حنبل بالمكارم
وتوفى فى شوال لعشر بقين منه، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وتوفى فى يوم الجمعة بعد الصلاة.
وفى رواية أخرى: قال أبو بكر عبد العزيز فى علته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة. وذلك فى شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. فقيل له: يعافيك الله - أو كلاما هذا معناه - فقال: سمعت أبا بكر الخلال يقول: سمعت أبا بكر المروذى يقول: عاش أحمد بن حنبل ثمانا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة. ودفن بعد الصلاة. وعاش أبو بكر المروذى ثمانا وسبعين سنه، ومات يوم الجمعة. ودفن بعد الصلاة. وعاش أبو بكر الخلال ثمانا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة. وأنا عندكم إلى يوم الجمعة، ولى ثمان وسبعون سنة. فلما كان يوم الجمعة مات، ودفن بعد الصلاة.
وهذه كرامة حسنة له. فإنه حدث بيوم موته. وكان يوم موته يوما عظيما لكثرة الجمع.
وهاجر من داره لما ظهر سب السلف إلى غيرها وهذا يدل على قوة دينه وصحة عقيدته. ﵀.
قلت أنا: وقرأت بخط بعض أصحابنا قال: حكى لنا أبو القاسم الأزجى:
أن عبد العزيز بن جعفر: أضاق فى بعض الأوقات، فأخذ رقعة. وكتب فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، فلان بن فلان محتاج. قال: فأخذتها، وخرجت إلى
стр. 558
باب الخليفة، وألقيت الرقعة من يدى، فحملتها الريح، وعدت إلى منزلى: فما كان إلا يسيرا، فإذا الباب يطرق. فخرجت، وإذا شيخ لا أعرفه، فدفع إلىّ قرطاسا ثقيلا. فأخذته ودخلت. هذه الرقعة، بعدها هو خمسمائة درهم. وإذا رقعتى القرطاس.
وفيها مكتوب: يا صاحب هذه الرقعة، بعدها أحسن الأدب فى الطلب.
وقرأت بخط أبى حفص البرمكى قال: سمعت أبا بكر عبد العزيز بن جعفر يقول: سمع منى الخلال نحو عشرين مسألة، وأثبتها فى كتابه.
قال: وحكى لنا عن الخلال: أنه قال: من لم يعارض لم يدر كيف يضع رجله.
وقال: رأيت الخلال فى المنام، فسألته عما يأكل؟ فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ. وقال: أما علمت أن طعام الجنة لا ينفد؟
وقال: قال رجل للخلال: إنما جئتك أسألك عن مسألة. فقال له:
أنت طرقى.
وقال: ما دخلت إلى مجلس، فرفعت فيه إلا أخذت دون حقى فيه.
قال البرمكى: الغالب أنه حكى هذا عن نفسه.
وقال: سمعت ابن بشار يقول: من زعم أن الكفار يحاسبون ما يستحى من الله. ثم قال: من صلّى خلف من يقول هذه المقالة يعيد.
وقال: تنزه ابن البربهارى عن ميراث أبيه عن سبعين ألف درهم.
قال: وسئل الخلال: يكتفى الرجل بكتاب العلل عن المبسوط؟ قال: إذا كان له قريحة.
٦١٢ - ضرار بن أحمد
بن ثابت، أبو الطيب الحنبلى.
صحب جماعة من شيوخ المذهب: أبو على الخرقى. قال: سمعته يقول:
حدثنى أبو بكر المروذى قال: سئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل - وأنا أسمع - عن الحقنة؟ فقال: أكرهها. لأنها تشبه اللواط.
стр. 559
٦١٣ - عمر بن بدر
بن عبد الله، أبو حفص المغازلى.
سمع من ابن بشار مسائل صالح، ومن عمر القافلائى مسائل إبراهيم بن هاني حدث عنه ابن شاقلا، وأبو حفص البرمكى وغيرهما.
له تصانيف فى المذهب، واختيارات.
منها: اختيار جواز صلاة الجمعة فى الوقت الذى يصلى فيه العيد.
واختيار: إذا صلّى إمام الحى جالسا، وصلّى من خلفه قائما: لم تبطل صلاته.
واختيار: إذا نذر ذبح ولده: وجب عليه ذبح كبش. وغير ذلك.
٦١٤ - إبراهيم بن أحمد
بن عمر بن حمدان بن شاقلا، أبو إسحاق البزار.
جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام فى الأصول والفروع.
سمع من أبى بكر الشافعى، وأبى بكر أحمد بن آدم الوراق، ودعلج بن أحمد، ومحمد بن القاسم المقرئ، وعبد العزيز بن محمد اللؤلؤى، وابن مالك، وابن الصواف، وأحمد بن القاسم بن دوست، وأبى بكر السلمانى، وأبى بكر عبد العزيز - وحاضره - وأبى عبد الله الحسين بن على بن محمد المخرّمى، المعروف بابن شاصو.
قال ابن شاقلا: وقرأت عليه فى جامع الخليفة: حدثكم أبو على الحسين بن إسحاق الخرقى. قال: وسأله - يعنى أحمد بن محمد بن حنبل - عن رجل مسافر إذا عزم على إقامة: فى كم يتم الصلاة؟ قال: أربعة أيام. قلت له: فحديث عمران ابن حصين «أن النبى ﷺ أقام بمكة سبع عشرة يقصر الصلاة»؟ فقال: إنما كان النبى ﷺ أراد حنينا.
وروى عنه أبو حفص العكبرى، وأحمد بن عثمان الكبشى، وعبد العزيز غلام الزجاج.
قرأت بخط الوالد السعيد قال: نقلت من خط أبى بكر بن شاقلا قال:
أخبرنا أبو إسحاق بن شاقلا - قراءة عليه - قال: قلت لأبى سليمان الدمشقى:
стр. 560
بلغنا أنك حكيت فضيلة الرسول ﷺ فى ليلة المعراج، وقوله فى الخبر «وضع يده بين كتفى، فوجدت بردها - وذكر الحديث».
فقال لى: هذا إيمان ونية. لأنه أريد منى روايته. وله عندى معنى غير الظاهر. قال: وأنا لا أقول مسّه.
فقلت له: وكذا تقول فى آدم لما خلقه بيده؟ قال: كذا أقول. إن الله لا يمس الأشياء.
فقلت له: سويت بين آدم وسواه، فأسقطت فضيلته، وقد قال الله تعالى (يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى؟) قلت له: هذا رويته: لأنه أريد منك - على رغمك - وله عندك معنى غير ظاهره، وإلا سلمت الأحاديث التى جاءت فى الصفات، ويكون لها معانى غير ظاهرها، أو ترد جميعها؟
فقال لى: مثل أى شئ؟ فقلت له: مثل الأصابع، والساق، والرجل، والسمع والبصر، وجميع الصفات التى جاءت فى الأخبار الصحاح، حتى إذا سلمتها كلمناك على ما ادعيته من معانيها التى هى غير ظاهرها؟
فقال لى منكرا لقولى: من يقول رجل؟
فقلت: أبو هريرة عن النبى ﷺ . فقال: من عن أبى هريرة؟ فقلت: همام. فقال: من عن همام؟
فقلت: معمر. فقال: من عن معمر؟
فقلت: عبد الرزاق. فقال لى: من عن عبد الرزاق؟
فقلت له: أحمد بن حنبل. فقال لى: عبد الرزاق كان رافضيا.
فقلت له: من ذكر هذا عن عبد الرزاق؟ فقال لى: يحيى بن معين.
فقلت له: هذا تخرص على يحيى، إنما قال يحيى: كان يتشيع، ولم يقل رافضيا. فقال لى: الأعرج عن أبى هريرة: بخلاف ما قاله همام.
قلت له: كيف؟ قال: لأن الأعرج قال «يضع قدمه»
стр. 561
فقلت له: ليس هذا ضد ما رواه همام. وإنما قال هذا «قدم» وقال هذا «رجل» وكلاهما واحد. ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبى ﷺ مرتين. وحدث به أبو هريرة مرتين. فسمع الأعرج منه فى إحدى المرتين ذكر «القدم» وسمع منه همام ذكر «الرجل»
فقال لى: همام غلط. فقلت له: هذا قول من لا يدرى.
ثم قال لى: والأصابع فى حديث ابن مسعود، تقول به؟.
فقلت له: حديث ابن مسعود صحيح من جهة النقل. رواه الناس، ورواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله.
فقال لى: هذا قاله اليهودى.
فقلت له: لم ينكر رسول الله ﷺ قوله، قد ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقا لقوله. فأنكر أن يكون هذا اللفظ مرويا من أخبار ابن مسعود.
فقلت له: بلى، هذا رواه منصور والأعمش جميعا عن إبراهيم عن أبى عبيدة «أن يهوديا أتى النبى ﷺ ، فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، والشجر على إصبع - وروى: والثرى على إصبع - ثم يقول: أنا الملك.
فضحك رسول الله ﷺ ، تصديقا لما قال الحبر» هكذا رواه الثورى وفضيل ابن عياض.
فقال لى: قد نزل القرآن بالتكذيب، لا بالتصديق. فقال الله تعالى (٦٧:٣٩ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)﴾
فقلت له: قد نزل القرآن بالتصديق، لا بالتكذيب، بدلالة قوله تعالى فى سياق الآية ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ثم نزه نفسه عما يشرك به من كذب بصفاته، فقال ﴿(سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا
стр. 562
يُشْرِكُونَ)﴾ وقوله ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لا يمنع من إثبات الأصابع صفة له، كما ثبتت صفاته التى لا أختلف أنا وأنت فيها، ومع هذا: فما قدروا الله حق قدره
كذلك أيضا نثبت الأصابع صفة لذاته ﵎ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
فلما رأى ما لزمه قال: هذا ظن من ابن مسعود، أخطأ فيه.
فقلت له: هذا قول من يروم هدم الإسلام، والطعن على الشرع. لأن من زعم أن ابن مسعود ظن، ولم يستيقن، فحكى عن النبى ﷺ على ظنه: فقد جعل إلى هدم الإسلام مقالته هذه، بأن يتجاهل أهل الزيغ، فيتهجموا على كل خبر جاء عن النبى ﷺ لا يوافق مذهبهم فيسقطونه. بأن يقولوا: هذا ظن من الصحابة على رسول الله ﷺ ، إذ لا فرق بين ابن مسعود وسائر الصحابة ﵃. وهذا ضد ما أجمع عليه المسلمون.
وقد أكذب القرآن مقالة هذا القائل فى الآية التى شهد فيها لابن مسعود بالصدق فى جملة الصحابة.
ثم قلت له: و «الأصابع» قد رواها عن النبى ﷺ أيضا أصحابه.
منهم أنس بن مالك، فى حديث الأعمش عن أبى سفيان عن أنس ﵁.
قال «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبّت قلبى على دينك. قال قلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله ، يقلبها»
ثم قال لى: تروى حديث أبى هريرة «خلق آدم على صورته» ويومئ إلى أنه مخلوق على صورة آدم.
فقلت له: قال أحمد بن حنبل: من قال إن آدم خلقه الله على صورة آدم: فهو جهمى. وأى صورة كانت لآدم قبل خلقه؟
فقال لى: قد جاء الحديث عن أبى هريرة عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة آدم».
стр. 563
فقلت له: هذا كذب على النبى ﷺ .
فقال لى: بلى، قد جاء فى الحديث «طوله ستون ذراعا» على أنه آدم.
فقلت له: قد رد هذا، وليس هو الذى ادعيت على رسول الله ﷺ . لأنك قلت عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة آدم» ثم استدللت بقوله «ستون ذراعا» على أنه آدم، وهذا خبر جاء عن النبى ﷺ من وجهين. فأبو الزناد عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» وروى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ عن النبى ﷺ قال «لا تقبحوا الوجوه. فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» قال أبو إسحاق: وهذا الحديث يذكر عن إسحاق بن راهويه: أنه صحيح مرفوع.
وأما أحمد بن حنبل: فذكر أن الثورى أوقفه على ابن عمر. فكلاهما الحجة فيه على من خالفه. فإن كان رفعه صحيحا إلى النبى ﷺ : فقد سقط العذر، وإن كان ابن عمر القائل له: فقد اندحض بقول ابن عمر تأويل من حمل قوله «على صورته»
قال أبو إسحاق: وهذا لم يجر بينى وبينه، وإنما بينته لأصحابى ليفهموه.
ثم قلت له: قوله «خلق آدم على صورته» لا يتأول لآدم على صورة آدم، لما قاله أحمد «وأى صورة كانت لآدم قبل خلقه؟» فقد فسد تأويلك من هذا الوجه. وفسد أيضا بقول ابن عمر عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ﵎»
وأما الاستدلال بقوله ﷺ «طوله ستون ذراعا» فإن كانت هذه اللفظة محفوظة: فكان قوله «خلق آدم على صورته» فتم الكلام. ثم قال «طوله ستون ذراعا» إخبارا عن آدم بذلك، على حديث الثورى عن أبى الزناد عن موسى بن أبى عثمان عن أبيه عن أبى هريرة ﵁ عن النبى صلّى الله
стр. 564
عليه وسلم أنه قال «إن الله خلق آدم على صورته» ذكرت بدلالة حديث ابن عمر ﵄، وما ذكرته عن أحمد.
فقال لى - جوابا عن حديث أنس «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها» - إنما هما نعمتان.
فقلت له: هذا الخبر، يقول «إن الإصبعين نعمتان؟» واليدين صفة للذات.
ولم يتقدمك بهذا أحد إلا عبد الله بن كلاب القطان، الذى انتحلت مذهبه، ولا عبرة فى التسليم للأصابع، والتأويل لها على ما ذكرت: إن القلوب بين نعمتين من نعم الله .
ثم قال لى: وهذا مثل روايتكم عن ابن مسعود فى قوله (٤٢:٦٨ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ)﴾ إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة؟
فقلت له: هذا رواه ابن مسعود عن النبى ﷺ .
فأنكره عن النبى ﷺ . وقال: هذا من كلام ابن مسعود.
وقد روى عن ابن عباس أنه قال «الشدة»
فقلت له: إنما نذكر ما جاء عن الصحابة إذا لم نجد عن النبى ﷺ فقال لى: تحفظه عن النبى ﷺ ؟
قلت: نعم. هذا رواه المنهال ابن عمرو عن أبى عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبى ﷺ قال «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، وينزل الله فى ظلل من الغمام - وذكر الحديث بطوله - وقال فيه: فيأتيهم الله ﵎، فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: لنا إله. فيقول:
هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، بيننا وبينه علامة، إن رأيناها عرفناه.
قال: فيقول: ما هى؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساقه، قال: فيخر من كان بظهره طبق، ويبقى قوم ظهورهم كأنها صياصى البقر،
стр. 565
يريدون السجود فلا يستطيعون. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون» فى حديث فيه طول، وقد روى أيضا من طريق أبى سعيد الخدرى ﵁ عن النبى ﷺ .
فقال: أبو هارون العبدى عن أبى سعيد الخدرى؟
فقلت له: هذا فى صحيح البخارى. فليس من شرطه أبو هارون العبدى، لضعفه عنده، وعند أئمة أهل العلم، ولم يحضرنى إسناده فى وقت كلامى له.
وأخرجته من صحيح البخارى كما ذكرته: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد ابن زياد المقرئ - يعرف بالنقاش - قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل البخارى قال: حدثنا آدم قال: حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال:
سمعت النبى ﷺ يقول «يكشف ربنا ﵎ عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. ويبقى من كان يسجد له فى الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا»
ثم قال لى: وتقول بحديث ابن عباس ﵄ عن النبى ﷺ «رأيت ربى»؟
فقلت له: رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى ﷺ .
فقال لى: حماد بن سلمة ضعيف. فقلت: من ضعفه؟
فقال لى: يحيى القطان.
فقلت له: هذا تخرص على يحيى، لم يقل يحيى هذا، وإلا فمن حدثك؟ فلم يقل من حدثه.
وقال لى: أيما أثبت عندك؟ حماد بن سلمة، أو سماك؟ قلت: حماد بن سلمة أثبت، وسماك مضطرب الحديث.
فنازعنى فى هذا. والذى أجبته به: بأن حماد بن سلمة ثقة، وسماك مضطرب