← Тараджим

Тараджим · id 9543

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت الفقي

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (692 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فقلت له: ليس هذا ضد ما رواه همام. وإنما قال هذا «قدم» وقال هذا «رجل» وكلاهما واحد. ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبى ﷺ مرتين. وحدث به أبو هريرة مرتين. فسمع الأعرج منه فى إحدى المرتين ذكر «القدم» وسمع منه همام ذكر «الرجل» فقال لى: همام غلط. فقلت له: هذا قول من لا يدرى. ثم قال لى: والأصابع فى حديث ابن مسعود، تقول به؟. فقلت له: حديث ابن مسعود صحيح من جهة النقل. رواه الناس، ورواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. فقال لى: هذا قاله اليهودى. فقلت له: لم ينكر رسول الله ﷺ قوله، قد ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقا لقوله. فأنكر أن يكون هذا اللفظ مرويا من أخبار ابن مسعود. فقلت له: بلى، هذا رواه منصور والأعمش جميعا عن إبراهيم عن أبى عبيدة «أن يهوديا أتى النبى ﷺ ، فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، والشجر على إصبع - وروى: والثرى على إصبع - ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ ، تصديقا لما قال الحبر» هكذا رواه الثورى وفضيل ابن عياض. فقال لى: قد نزل القرآن بالتكذيب، لا بالتصديق. فقال الله تعالى (٦٧:٣٩ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)﴾ فقلت له: قد نزل القرآن بالتصديق، لا بالتكذيب، بدلالة قوله تعالى فى سياق الآية ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ثم نزه نفسه عما يشرك به من كذب بصفاته، فقال ﴿(سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا

стр. 562

يُشْرِكُونَ)﴾ وقوله ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لا يمنع من إثبات الأصابع صفة له، كما ثبتت صفاته التى لا أختلف أنا وأنت فيها، ومع هذا: فما قدروا الله حق قدره كذلك أيضا نثبت الأصابع صفة لذاته ﵎ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فلما رأى ما لزمه قال: هذا ظن من ابن مسعود، أخطأ فيه. فقلت له: هذا قول من يروم هدم الإسلام، والطعن على الشرع. لأن من زعم أن ابن مسعود ظن، ولم يستيقن، فحكى عن النبى ﷺ على ظنه: فقد جعل إلى هدم الإسلام مقالته هذه، بأن يتجاهل أهل الزيغ، فيتهجموا على كل خبر جاء عن النبى ﷺ لا يوافق مذهبهم فيسقطونه. بأن يقولوا: هذا ظن من الصحابة على رسول الله ﷺ ، إذ لا فرق بين ابن مسعود وسائر الصحابة ﵃. وهذا ضد ما أجمع عليه المسلمون. وقد أكذب القرآن مقالة هذا القائل فى الآية التى شهد فيها لابن مسعود بالصدق فى جملة الصحابة. ثم قلت له: و «الأصابع» قد رواها عن النبى ﷺ أيضا أصحابه. منهم أنس بن مالك، فى حديث الأعمش عن أبى سفيان عن أنس ﵁. قال «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبّت قلبى على دينك. قال قلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله ، يقلبها» ثم قال لى: تروى حديث أبى هريرة «خلق آدم على صورته» ويومئ إلى أنه مخلوق على صورة آدم. فقلت له: قال أحمد بن حنبل: من قال إن آدم خلقه الله على صورة آدم: فهو جهمى. وأى صورة كانت لآدم قبل خلقه؟ فقال لى: قد جاء الحديث عن أبى هريرة عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة آدم».

стр. 563

فقلت له: هذا كذب على النبى ﷺ . فقال لى: بلى، قد جاء فى الحديث «طوله ستون ذراعا» على أنه آدم. فقلت له: قد رد هذا، وليس هو الذى ادعيت على رسول الله ﷺ . لأنك قلت عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة آدم» ثم استدللت بقوله «ستون ذراعا» على أنه آدم، وهذا خبر جاء عن النبى ﷺ من وجهين. فأبو الزناد عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» وروى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ عن النبى ﷺ قال «لا تقبحوا الوجوه. فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» قال أبو إسحاق: وهذا الحديث يذكر عن إسحاق بن راهويه: أنه صحيح مرفوع. وأما أحمد بن حنبل: فذكر أن الثورى أوقفه على ابن عمر. فكلاهما الحجة فيه على من خالفه. فإن كان رفعه صحيحا إلى النبى ﷺ : فقد سقط العذر، وإن كان ابن عمر القائل له: فقد اندحض بقول ابن عمر تأويل من حمل قوله «على صورته» قال أبو إسحاق: وهذا لم يجر بينى وبينه، وإنما بينته لأصحابى ليفهموه. ثم قلت له: قوله «خلق آدم على صورته» لا يتأول لآدم على صورة آدم، لما قاله أحمد «وأى صورة كانت لآدم قبل خلقه؟» فقد فسد تأويلك من هذا الوجه. وفسد أيضا بقول ابن عمر عن النبى ﷺ «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ﵎» وأما الاستدلال بقوله ﷺ «طوله ستون ذراعا» فإن كانت هذه اللفظة محفوظة: فكان قوله «خلق آدم على صورته» فتم الكلام. ثم قال «طوله ستون ذراعا» إخبارا عن آدم بذلك، على حديث الثورى عن أبى الزناد عن موسى بن أبى عثمان عن أبيه عن أبى هريرة ﵁ عن النبى صلّى الله

стр. 564

عليه وسلم أنه قال «إن الله خلق آدم على صورته» ذكرت بدلالة حديث ابن عمر ﵄، وما ذكرته عن أحمد. فقال لى - جوابا عن حديث أنس «إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها» - إنما هما نعمتان. فقلت له: هذا الخبر، يقول «إن الإصبعين نعمتان؟» واليدين صفة للذات. ولم يتقدمك بهذا أحد إلا عبد الله بن كلاب القطان، الذى انتحلت مذهبه، ولا عبرة فى التسليم للأصابع، والتأويل لها على ما ذكرت: إن القلوب بين نعمتين من نعم الله . ثم قال لى: وهذا مثل روايتكم عن ابن مسعود فى قوله (٤٢:٦٨ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ)﴾ إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة؟ فقلت له: هذا رواه ابن مسعود عن النبى ﷺ . فأنكره عن النبى ﷺ . وقال: هذا من كلام ابن مسعود. وقد روى عن ابن عباس أنه قال «الشدة» فقلت له: إنما نذكر ما جاء عن الصحابة إذا لم نجد عن النبى ﷺ فقال لى: تحفظه عن النبى ﷺ ؟ قلت: نعم. هذا رواه المنهال ابن عمرو عن أبى عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبى ﷺ قال «يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، وينزل الله فى ظلل من الغمام - وذكر الحديث بطوله - وقال فيه: فيأتيهم الله ﵎، فيقول لهم: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: لنا إله. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، بيننا وبينه علامة، إن رأيناها عرفناه. قال: فيقول: ما هى؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساقه، قال: فيخر من كان بظهره طبق، ويبقى قوم ظهورهم كأنها صياصى البقر،

стр. 565

يريدون السجود فلا يستطيعون. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون» فى حديث فيه طول، وقد روى أيضا من طريق أبى سعيد الخدرى ﵁ عن النبى ﷺ . فقال: أبو هارون العبدى عن أبى سعيد الخدرى؟ فقلت له: هذا فى صحيح البخارى. فليس من شرطه أبو هارون العبدى، لضعفه عنده، وعند أئمة أهل العلم، ولم يحضرنى إسناده فى وقت كلامى له. وأخرجته من صحيح البخارى كما ذكرته: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد ابن زياد المقرئ - يعرف بالنقاش - قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل البخارى قال: حدثنا آدم قال: حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت النبى ﷺ يقول «يكشف ربنا ﵎ عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. ويبقى من كان يسجد له فى الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا» ثم قال لى: وتقول بحديث ابن عباس ﵄ عن النبى ﷺ «رأيت ربى»؟ فقلت له: رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى ﷺ . فقال لى: حماد بن سلمة ضعيف. فقلت: من ضعفه؟ فقال لى: يحيى القطان. فقلت له: هذا تخرص على يحيى، لم يقل يحيى هذا، وإلا فمن حدثك؟ فلم يقل من حدثه. وقال لى: أيما أثبت عندك؟ حماد بن سلمة، أو سماك؟ قلت: حماد بن سلمة أثبت، وسماك مضطرب الحديث. فنازعنى فى هذا. والذى أجبته به: بأن حماد بن سلمة ثقة، وسماك مضطرب

стр. 566

الحديث: هو جواب أحمد فيهما، ولم أدر ما أراد بسماك؟ وخرجنا من ذلك، ولم أسأله. ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول. فليس لأحد أن يمنعها، ولا يتأولها ولا يسقطها. لأن الرسول ﷺ لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه. ولكان الصحابة - حين سمعوا ذلك من الرسول ﷺ سألوه عن معنى غير ظاهرها. فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا، ونقبل طوعا ما قبلوا. فقال لى: أنتم المشبهة. فقلت حاشا لله، المشبه الذى يقول: وجه كوجهى، ويد كيدى. فأما نحن فنقول: له وجه، كما أثبت لنفسه وجها. وله يد، كما أثبت لنفسه يدا. وليس كمثله شئ وهو السميع البصير. ومن قال هذا فقد سلم. ثم قلت له: أنت مذهبك أن كلام الله ليس بأمر ولا نهى، ولا متشابه، ولا ناسخ ولا منسوخ، ولا كلامه مسموع. لأن عندك: الله لا يتكلم بصوت، وأن موسى لم يسمع كلام الله بسمعه. وإنما خلق الله فى موسى فهما فهم به. فلما رأى ما عليه فى هذا من الشناعة قال: فلعلى أخالف ابن الكلاب القطان فى هذه المسألة من سائر مذهبه ثم قلت له: ومن خالف الأخبار التى نقلها العدل عن العدل موصولة، بلا قطع فى سندها، ولا جرح فى ناقليها، وتجرأ على ردها: فقد تهجم على رد الإسلام. لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت. فقال لى: الأخبار لا توجب عندى علما. فقلت له: يلزمك على قود مقالتك: أنك لو سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة ابن الجراح، يقولون: سمعنا رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا: أنك

стр. 567

لا تعلم أن النبى ﷺ قال من ذلك شيئا، لقولهم «سمعنا» فلم ينكر من ذلك شيئا، غير الشناعة ثم قال لى: أخبار الآحاد فى الصفات: اغسلها. وهى عندى والتراب سواء. ولا أقول منها إلا بما قام فى العقل تصديقه. قلت له: فلم أتعبت نفسك فى كتبها، وسعيت إلى الشيوخ فيها، وأنصبت نفسك وأتعبتها، وأسهرت ليلك بما لا تدين الله به، ولا تزداد به علما؟ فأجابنى بأن قال: كتبته حتى أتمم به الأبواب، إذا أردت تخريجها. فقلت له: تخرج للمسلمين ما لا تدين به؟ فقال: نعم. لأعرفه. فقلت له: تعنّى المسلمين على قود مقالتك، والحق فى غير ما ذكرت؟ ثم قلت له: خرقت الإجماع. لأن الأمة بأسرها اتفقت على نقلها، ولم يكن نقل ذلك عبثا ولا لعبا، ولو كان نقلهم لها كترك نقلهم لها: لكانوا عابثين، وحاشا لله من ذلك. ومن كانت هذه مقالته فقد دخل تحت الوعيد فى قوله (١١٥:٤ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً)﴾ ولما كانت أخبار الآحاد فى الصفات لا توجب عملا: دل على أنها موجبة للعلم فسقط بهذا ما ادعاه من لم ينتفع بعلمه، وتهجم على إسقاط كلام الرسول ﷺ بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه: برأيه وظنه ثم ذكرت حساب الكفار: فقال لى: قد روى عن النبى صلّى الله عليه حديث أبى الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبى ﷺ «إن الكافر ليحاسب حتى يقول: أرحنى، ولو إلى النار» فهلا قلت به؟ فقلت له: ليس يحل ما روى صحيحا أو سقيما أن نقول به. وإنما تعبدنا بالصحيح دون السقيم. والصحيح معلوم عند أهل النقل بعدالة ناقليه متصلا إلى

стр. 568

المخبر عنه، والسقيم معلوم بجرح ناقليه. وهذا الخبر الذى رويته: رواه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار - يعنى: وهو متروك الحديث ضعيف عند أهل العلم - وليس مثل هذا مما تقوم به حجة. فقال لى: فأى شئ معك فى أنهم لا يحاسبون؟ فقلت له: إن شئت من كتاب الله، وإن شئت من سنة رسول الله ﷺ . وإن شئت من قول صحابته ﵃. فقال لى: منكرا لقولى فى الصحابة من قال هذا؟ فقلت: نعم. قرأت على أبى عيسى يحيي بن محمد بن سهل الخصيب العكبرى - بعكبرا - قال: حدثنا محمد بن صالح بن ذريح العكبرى، قال: حدثنا محمد بن هناد بن السرى قال: حدثنا معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت «من حوسب دخل الجنة» يقول الله تعالى (٧:٨٤ - ٩ ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً)﴾ ويقول للآخرين، يعنى الكفار (٣٩:٥٥ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ)﴾ فقال لى: قد سمعت هذا الحديث من أبى على الصواف قال: حدثنا أبو بكر ابن عبد الخالق قال: حدثنا أبو الحسين عبد الوهاب الوراق عن أبى معاوية الضرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، بمثل معناه، يعنى «من حوسب دخل الجنة» فقال لى: هو المسلم المحترم. فقلت له: جمعت بين ما فرق الله ، لأن الله يقول (٣٥:٦٨، ٣٦ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟)﴾ قال أبو إسحاق: وكان عندنا: أن أبا سليمان يقول: إن الكافر والمؤمن يحاسبان. فعلى قوله: إن المؤمن لا يحاسب، وإن الكافر يحاسب. وهذه عصبية للكافر، خرج بها عن جملة أهل العلم

стр. 569

قلت له: أنت تتكلم على المسلمين، فتحشو أسماعهم بكلام الكلبى الكذاب فيما يخبر عن مراد الله تعالى عن الأمم الخالية، التى لم يشاهدها، فلا يكون عندك هذيان. ثم تجئ إلى مثل حديث إبراهيم النخعى عن علقمة عن عبد الله - حديث الخبر - فتقول: هذا هذيان. وهذا قول من تقلده: خرج عندى من الدين. وسلك غير طريق المسلمين. وهذا ما جرى بيننا، إلا ما أخللت به. فلم أتيقن حفظه. والله سبحانه الموفق لإدراك الصواب. وقال أبو إسحاق بن شاقلا: حدثنا عبد العزيز بن جعفر قال: سمعت أبا محمد البخارى - وكان عبدا صالحا. وكان من أصحاب المروذى - قال: غسلت ميتا. فمضى الذى يصب الماء علي فى حاجة. ففتح عينيه، وقبض على زندى، وقال لى: يا أبا محمد، أحسن الاستعداد لهذا المصرع. وعاد إلى حاله (١) قال: وسئل الشيخ - يعنى أبا بكر - عن المصلوب: هل تضغطه الأرض؟ فقال: قدرة الله لا يتكلم عليها. أرأيت رجلا لو قطعت يده، أو رجله، أو لسانه فى بلد ومات فى بلد آخر: هل ينزل الملكان على الكل منه؟ وهذا فى القدرة. واليد فى معنى التبع. قال: وسأل رجل شيخنا أبا بكر عن قول الله تعالى (٤٢:٣٩ ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها)﴾ وقال الله (١١:٣٢ ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)﴾ وقال تعالى (٦١:٦ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا)﴾ فقال: ملك الموت يعالجها، فإذا بلغت منتهاها، قبضها الله ، فقيل له: قد استوى فى ذلك الفاضل والكافر والمسلم. فما فضله عليه؟ فقال: لما لم يكن بينهما فرق فى ابتداء الخلق فى نفخ الروح، فكذلك فى الانتهاء فى قبضها، وكذلك لم يكن بينهما فرق فى التكوين فى الابتداء، وكذلك فى الموت فى الانتهاء. وهذا معنى ما قال.

стр. 570

وكانت لأبى إسحاق بن شاقلا حلقتان. إحداهما: بجامع المنصور، والحلقة الثانية: بجامع القصر وحج سنة تسع وأربعين. ومات سنة تسع وستين، قيل: فى سلخ جمادى الآخرة. وقيل: فى مستهل رجب. وكان له ابنان: على، وحسن. وكان سنه يوم مات: أربع وخمسون سنة. وغسله أبو الحسن التميمى ٦١٥ - إبراهيم بن ثابت الحنبلى، أبو إسحاق كان على غاية من العلم والزهد قال القاضى أبو على بن أبى موسى: لما مات إبراهيم بن ثابت الحنبلى: كان الزمان شديد الحر. وكان رمضان، فأفطر ذلك اليوم خلق كثير من شدة ما لحقهم من الجهد والعطش، وعظم الخلق الذين كانوا معه توفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة ٦١٦ - عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمى حدث عن أبى بكر النيسابورى، ونفطويه، والقاضى المحاملى، وغيرهم. وصحب أبا القاسم الخرقى، وأبا بكر عبد العزيز. وصنف فى الأصول والفروع، والفرائض. صحبه القاضيان: أبو على بن أبى موسى، وأبو الحسين بن هرمز وكان له أولاد: أبو الفضل، وأبو الفرج، وغيرهما. وقيل: إنه حج ثلاثا وعشرين حجة. ومولده: سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وموته: فى ذى القعدة من سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. ٦١٧ - إبراهيم بن جعفر، أبو القاسم، يعرف بابن الساجى، المتخصص بصحبة أبى بكر عبد العزيز.

стр. 571

سمع إسماعيل الصفار، وعلى بن محمد المصرى، وأبا عمرو بن السماك، فى آخرين. روى عنه أبو القاسم الأزجى، وأثنى عليه خيرا. وصنف كتاب البيان على من خالف القرآن، وما جاء فيه من صفات الرحمن، وما قامت عليه أدلة البرهان. وتوفى فى جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة. ودفن فى مقبرة عبد العزيز بالجانب الشرقى. ٦١٨ - الحسن بن يحيى بن قيس، أبو بكر المقرئ. سمع مختصر أبى القاسم الخرقى منه. وحدث بهذا المختصر جماعة، أحدهم أبو عبد الله بن حامد، وأبو طالب العشارى. ٦١٩ - الحسين بن عبد الله. أبو على النجاد. كان فقيها معظما، إماما فى أصول الدين وفروعه. صحب من شيوخ المذهب: لأبى الحسن بن بشار، وأبى محمد البربهارى، ومن فى طبقتهما. وصحبه جماعة: أبو حفص البرمكى، وأبو حفص العكبرى، وأبو الحسن الجزرى، وعبد العزيز غلام الزجاج، وأبو عبد الله بن حامد. قال أبو حفص: سمعته يقول: سئل ابن بشار: لم صار الإمساك عن فضل الكلام أشد من الإمساك عن فضل الطعام؟ فقال: إن الكلام تبقى مدحته بعده، والطعام تزول منفعته بزواله. أو كما قال. قال: وسمعته يقول: سمعت أبا محمد البربهارى يقول: قال ذو النون المصرى: وصف لى رجل بتاهرت. فمضيت إليه. فلما رآنى ولّى عنى. فناديته: بالذى وهب لك ما وهب إلا وقفت. فلست أطوّل عليك. كيف كان بدء أمرك مع

стр. 572

ربك ﵎؟ قال لى: يا فتى، كنت إذا عملت بمعصيته: صبر على وتأنّى بى. فإذا عملت بطاعته: زادنى وأعطانى، وإذا أقبلت عليه: قربنى وأدنانى، وإذا وليت عنه: صوّت بى ونادانى، وإذا وقفت لفترة: رغّبنى ومنّانى. فمن أكرم من هذا مأمولا؟ انصرف عنى، لا تشغلنى. قال: وسمعت أبا على بن النجاد يقول: بينا أنا ذات يوم، إذ دخل رجل من أهل البدع، ومعه مصحف، فجعل يقرأ فيه، فى سورة الأحزاب. فلما انتهى إلى هذه الآية (٣٣:٣٣ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)﴾ أطبق المصحف، وقال: إيش نعمل فى هذا وعائشة قد خرجت؟ قلت: إنها لم تخرج من بيتها. قال: وكيف ذاك؟ قلت: لأن بيوت أبنائها بيتها. قال: وسمعته يقول: جاءنى رجل - وقد كنت حذرت منه أنه رافضى - فأخذ يتقرب إلى. ثم قال: لا نسب أبا بكر وعمر، بل معاوية وعمرو بن العاص. فقلت له: ومال معاوية؟ قال: لأنه قاتل عليّا. قلت له: إن قوما يقولون: إنه لم يقاتل عليّا، وإنما قاتل قتلة عثمان. قال: فقول النبى ﷺ لعمار «تقتلك الفئة الباغية»؟ قلت: إن أنا قلت: إن هذا لم يصح. وقعت منازعة. ولكن قلت: قوله ﵊ «تقتلك الفئة الباغية» يعنى به: الطالبة، لا الظالمة. لأن أهل اللغة تسمى الطالب: باغيا. ومنه: بغيت الشئ، تقول: طلبته. ومنه: قوله تعالى (٦٥:١٢ ﴿قالُوا: يا أَبانا ما نَبْغِي؟)﴾ وقوله (١٠:٦٢ ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)﴾ ومثل ذلك كثير، فإنما يعنى بذلك: الطالبة لقتلة عثمان ﵁. وقال أبو حفص العكبرى: سمعت أبا على النجاد يقول: سمعت أبا الحسن

стр. 573

ابن بشار يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد بن حنبل خمس مسائل أن يستند إلى بعض سوارى المسجد، ويفتى الناس بها. ٦٢٠ - أبو الحسن البرتى ذكره الوالد السعيد، فقال: كان شيخا يجتمع عنده المشايخ، ويتذاكرون عنده. ٦٢١ - يوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القواس سمع أبا القاسم البغوى، وأبا بكر بن أبى داود، ويحيى بن صاعد، وخلقا كثيرا. حدثنا عنه أبو الحسين بن المهتدى بالله، قال: حدثنا يوسف القواس - إملاء - قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوى - إملاء - قال: حدثنا طالوت بن عباد قال: حدثنا هلال عن قتادة عن عبد الله ابن شقيق عن مرة البهزى: أن رسول الله ﷺ قال «إنه ستكون فتن، كأنها صياصى بقر، فمر بنا رجل متقنع، فقال: هذا وأصحابه على الحق. فذهبت ونظرت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان ﵁» ولد يوسف القواس أول يوم من ذى الحجة سنة ثلاثمائة. وأول سماعه من البغوى: سنة ست عشرة. قال القواس: وحضرت مجلس القاضى المحاملى، وكان له أربعة مستملين يستملون عليه. وكنت لا أكتب فى مجلس الإملاء إلا ما أسمعه من لفظ المحدث، فقمت قائما. لأنى كنت بعيدا من المحاملى بحيث لا أسمع لفظه. فلما رآنى الناس أفرجوا لى، وأجازونى، حتى جلست مع المحاملى على السرير. فلما كان من الغد جاءنى رجل فسلم على، وقال لى: أسألك بالله أن تجعلنى فى حل. فقلت له: مما ذا؟ قال: رأيتك أمس قمت فى المجلس، وتخطيت رقاب الناس. فقلت فى نفسى:

стр. 574

إنك قصدت القيام لتخطى رقاب الناس، لا لسماع الحديث. فرأيت رسول الله ﷺ فى المنام. وهو يقول لى: من أراد سماع الحديث كأنه يسمعه منى، فليسمعه كسماع أبى الفتح القواس أنبأنا الخطيب عن يوسف القواس قال: قرأت على محمد بن مخلد قلت له: حدثكم أبو داود سليمان بن الأشعث السجستانى، قال: سمعت أحمد بن حنبل ﵁ سئل عن المعتم تحت الحنك؟ فقال: ما نعرف العمامة تحت الحنك. ورأيت أحمد يعتم بعمامة بيضاء، يجعلها تحت الحنك، ورأيت أحمد يعتم على قلنسوة. قرأت فى كتاب ابن ثابت قال: سمعت على بن محمد بن الحسن السمسار يقول: ما أتيت يوسف القواس قط إلا وجدته يصلى قال: وسمعت البرقانى والأزهرى - وذكرا أبا الفتح القواس - فقالا: كان من الأبدال وقال الأزهرى: كان أبو الفتح مجاب الدعوات وقال الدار قطنى: كنا نتبرك بأبى الفتح القواس وهو صبى وقال أبو ذر: كنت عند القواس، وقد أخرج جزءا من كتبه، فوجد فيه قرض الفأرة، فدعا الله على الفأرة التى قرضته، فسقطت من سقف البيت فأرة، ولم تزل تضطرب حتى ماتت وقال العتيقى: سنة خمس وثمانين وثلاثمائة: فيها توفى الشيخ الصالح أبو الفتح القواس، يوم الجمعة لسبع بقين من شهر ربيع الآخر، وصلّى عليه فى جامع الرصافة، وحمل إلى قبر أحمد بن حنبل، وكان مستجاب الدعوات ورأيت بخط أبى على البردانى: سمعت قاسم الحفار يقول: سمعت جدى يقول: لما نزلت فى قبر القواس، حتى ألحده، وأخذته على يدى، حتى أنزله اللحد سمعته، وهو يضحك، ودفن بالقرب من أحمد بن حنبل.

стр. 575

٦٢٢ - عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم ابن سعد بن عتبة بن فرقد، صاحب رسول الله ﷺ ، أبو عبد الله العكبرى المعروف بابن بطة سمع عبد الله بن محمد البغوى، وأبا محمد بن صاعد، وإسماعيل بن العباس الوراق، وأبا بكر النيسابورى، وأبا طالب أحمد بن نصر الحافظ، وأبا ذر ابن الباغندى، ومحمد بن محمود السراج، ومحمد بن مخلد العطار، ومحمد بن ثابت العكبرى، وجعفر القلافلائى، وأبا القاسم الخرقى، وأبا بكر عبد العزيز، وغيرهم من الغرباء. فإنه سافر الكثير إلى مكة والثغور، والبصرة وغير ذلك من البلاد سمعه جماعة من شيوخ المذهب: أبو حفص العكبرى، وأبو حفص البرمكى، وأبو عبد الله بن حامد، وأبو على بن شهاب، وأبو إسحاق البرمكى فى آخرين ولما رجع ابن بطة من الرحلة، لازم بيته أربعين سنة، فلم ير فى سوق ولا رئى مفطرا، إلا فى يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق. وقال ابن ثابت: حدثنى عبد الواحد بن على العكبرى قال: لم أر فى شيوخ أصحاب الحديث، ولا فى غيرهم: أحسن هيئة من ابن بطة. قال: وحدثنى القاضى أبو حامد أحمد بن محمد الدّلوي قال: لما رجع أبو عبد الله بن بطة من الرحلة، لازم بيته أربعين سنة، فلم ير يوما منها فى سوق، ولا رئى مفطرا، إلا فى يوم الأضحى والفطر، وكان أمّارا بالمعروف. ولم يبلغه خبر منكر إلا غيّره، أو كما قال. قال: وأخبرنا العتيقى قال: سنة سبع وثمانين وثلاثمائة: فيها توفى بعكبرا أبو عبد الله بن بطة فى المحرم. وكان شيخا صالحا مستجاب الدعوة قلت أنا: وأنبأنا أبو محمد الجوهرى قال: سمعت أخى أبا عبد الله يقول: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقلت له: يا رسول الله أى المذاهب خير - أو قال: قلت: على أى المذاهب أكون؟ فقال: ابن بطة، ابن بطة، ابن بطة،

стр. 576

فخرجت من بغداد إلى عكبرا، فصادف دخولى يوم الجمعة. فقصدت إلى الشيخ أبى عبد الله بن بطة إلى الجامع. فلما رآنى قال لي ابتداء: صدق رسول الله، صدق رسول الله (١)، أو كما قال. وقرأت بخط أخى عبيد الله قال: نقلت من خط أبى القاسم الدميانى، فى آخر الجزء الأول من المعجم، قال الشيخ أبو عبد الله: ولدت يوم الاثنين، لأربع خلون من شوال سنة أربع وثلاثمائة. قال: وولد ابن منيع سنة أربع عشرة. ومات يوم الفطر، سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وقال الشيخ أبو عبد الله: كان لأبى ﵁ ببغداد شركاء، وكان فيهم رجل، يعرف بأبى بكر، فقال لأبى: ابعث بابنك إلى بغداد، ليسمع الحديث، فقال: إنه صغير، فقال أبو بكر: أنا أحمله معى، فحملنى إلى بغداد فجئت إلى ابن منيع، وهو يقرأ عليه الحديث، فقال لى بعضهم: سل الشيخ أن يخرج إليك معجمه لتقرأه عليه، ولم أعلم أن له معجما، فسألت ابنه، أو ابن ابنته فى باب المعجم، فقال: إنه يريد دراهم كثيرة، فقلت: لأمى طاق ملحم، فآخذه منها وأبيعه، ثم قرأنا عليه كتاب المعجم فى نفر خاص فى مدة عشرة أيام، أو أقل أو أكثر، وذلك فى آخر سنة خمس عشرة، وأول سنة ست عشرة. قال الشيخ. أذكره، وقد قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقانى: سنة أربع وعشرين ومائتين. فقال المستملى: خذوا هذا قبل أن يولد كل محدث على وجه الأرض اليوم. قال: وسمعت المستملى - واسمه أبو عبد الله بن مهران - يقول له: متى ذكرت، يا ثلث الإسلام؟. وقرأت بخط أخى أبى القاسم ﵀: سمعت الشيخ أبا الحسن عليا بن

стр. 577

الحسين بن أحمد بن إبراهيم الزاهد - إملاء - سمعت أبا مسعود أحمد بن محمد البجلى الحافظ - أحد أولاد أبى بكر الإسماعيلى - يقول: أحببت الحنبلية مذ رأيت أبا عبد الله بن بطة. قال: وسمعت أبا على بن شهاب يقول: كنت بمكة. فوقفت على بعض أولاد أبى بكر الإسماعيلى، فذكر كتاب المعجم، وقال فى أثناء كلامه: بخط وراق له - يعنى لأبى عبد الله بن بطة - فقلت له: هو الذى يكلمك. قال: وسمعت أبا على بن شهاب يقول: سمعت أبا عبد الله بن بطة - يقول: أستعمل عند منامى أربعين حديثا رويت عن رسول الله ﷺ . قال: وسمعت أبا على بن شهاب يقول: رأيت أبا عبد الله بن بطة، وقد صلّى صلاة الجمعة ببغداد، أو فى جامع المنصور، وخرج بعد الصلاة. فمشى فى الصحن الذى يلى المنبر، فقال الناس فى الرواق وما يليه: ابن بطة، فرأيت الناس يهرعون إليه. قال: وسمعت نصر بن الفرج البزار، يقول: دخلت على أبى عبد الله ابن بطة، وهو صائم فى يوم شديد الحر، فرأيته وقد وضع صدره على طوابق مغسولة، يتبرد بذلك. قال: وسمعت أبا على بن شهاب يقول: دخلت على أبى عبد الله بن بطة بين العشائين، وهو متوار، فقال لى: إننى أشرب ماء البئر، وكان قد اختفى لأمر طغا، وأظنه من سلطان، ودفع إلىّ كتاب العزلة. قال: وسمعت من يذكر أنه كان يجلس فى مجلسه يوم الجمعة، متوجها إلى القبلة والناس بين يديه. وكان يتطيلس بإزار مربع على رأسه، فربما استنكر شيئا يظهر من حلقته من حديث أو نحوه، فيومئ فيقول: أحسنوا الأدب، فيحتشم الناس ذلك وينكفوا. قال: وسمعت أبا على بن شهاب يقول: حضرت مجلس أبى عبد الله، وقد

стр. 578

حضره مؤدبى أبو إسحاق الضرير، فقال له: لو اشتغلت بشئ من العربية - أو كلاما هذا معناه - فقال: هذا مسند أحمد، يأخذ أحدكم أى جزء شاء ويقرأ علىّ الإسناد لأذكر المتن، أو المتن لأذكر الإسناد، فاحتشمناه أن نقول له ذلك أو كما قال. قال أخى أبو القاسم ﵀: وذكر أن أبا عبد الله بن بطة كان يسرد الصوم، وكان بعينه ناصور، وقد وصف له ترك العشاء، فكان يجعل عشاءه قبل الفجر بيسير، ولا ينام حتى يصبح، وكان عالما بمنازل الفجر والقمر. قلت أنا: وحكى لى أبو الفتح العكبرى، قال: وجدت بخط أبى قال. اجتاز الشيخ أبو عبد الله بن بطة بالأحنف العكبرى، فقام له، فشق ذلك عليه: فأنشأ يقول: لا تلمنى على القيام، فحقى … حين تبدو أن لا أملّ القياما أنت من أكرم البرية عندى … ومن الحق أن أجل الكراما فقال ابن بطة لابن شهاب: تكلف له جواب هذه، فقال: أنت إن كنت - لاعدمتك - ترعى … لى حقا، وتظهر الإعظاما فلك الفضل فى التقدم والعل … م، ولسنا نحب منك احتشاما فاعفنى الآن من قيامك، أولا … فسأجزيك بالقيام قياما وأنا كاره لذلك جدّا … إن فيه تملقا وأثاما لا تكلف أخاك أن يتلقا … ك بما يستحل فيه الحراما فإذا صحّت الضمائر منا … اكتفينا أن نتعب الأجساما كلنا واثق بود مصا … فيه، ففيما انزعاجنا وعلاما؟ أنبأنا على عن ابن بطة قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الوراق قال: حدثنا بشر بن الوليد الكندى قال: حدثنا سهل - أخو حزم - عن أبى عمران

стр. 579

الجونى عن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «من قال فى القرآن برأيه، فأصاب: فقد أخطأ». وبه قال: حدثنا محمد بن دعلج حدثنا محمد بن على الصائغ، حدثنا سعيد ابن منصور قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبى مليكة قال «سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن آية من كتاب الله؟ فقال: أيّة أرض تقلّنى وأيّة سماء تظلنى، وأين أذهب، أو كيف أصنع؟ إذا أنا قلت فى آية من كتاب الله بغير ما أراد الله بها». وبه قال: حدثنا دعلج حدثنا محمد بن على حدثنا سعيد بن منصور حدثنا يزيد ابن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك «أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر (وفاكهة وأبّا) فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟ قال: ثم رجع إلى نفسه فقال: لعمرك إن هذا لهو التكلف يا عمر». قلت أنا: حسبك لشيخى الإسلام، وإمامى الهدى، وخليفتى رسول الله ﷺ الهاديين الراشدين، وتوقفهما وإحجامهما عن تفسير آية من كتاب الله جل وعز، وهما أعلم الخلق بالله ، بعد رسول الله ﷺ ، وبرسوله، وبكتاب الله وتأويله؛ فماذا عسى أن نقول فى جسارة المعتزلة، والأشاعرة، وبقية المتكلمين الضالين فى تأويل صفات الرحمن ، التى نطق بها القرآن ونقلها الأئمة الأثبات، والعلماء الثقات؟ وبه قال: حدثنا جعفر القلافلائى، حدثنا الحسن بن محمد بن أبى معشر قال: حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن محمد بن كعب القرظى قال: قال معاوية ابن أبى سفيان ﵁ على المنبر «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين، سمعت هؤلاء الكلمات من نبيكم ﷺ ». وبه قال: حدثنا شعيب بن محمد الراحبان حدثنا على بن حرب حدثنا الحسين

стр. 580

ابن على الجعفى حدثنا ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال «الفقيه من يخاف الله » وبه قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبى سهل الحربى حدثنا أبو العباس بن مسروق الطوسى حدثنا موسى بن خاقان النحوى. قال: وحدثنا أحمد بن عثمان الأدمى حدثنا الحارث بن أبى أسامة حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم حدثنا بكر بن حبيش عن ليث بن أبى سليم عن أبى هريرة الأنصارى عن على بن أبى طالب ﵁ قال: «ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يرخص لهم فى معاصى الله. ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره - وذكر الكلام بطوله» وبه قال: حدثنا أبو شيبة حدثنا محمد بن إسماعيل الحسانى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودى عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: «كفى بخشية الله علما. وكفى بالاغترار بالله جهلا». وبه قال: حدثنا أبو الحسين الحربى قال: حدثنا أبو القاسم البغوى حدثنا يحيى بن الحربى قال: حدثنا أحمد بن مسروق قال حدثنا الحسين بن حفص حدثنا وكيع عن محمد بن أبى علقمة الليثى قال «كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبى موسى: إن الفقه ليس بسعة الهدر، وكثرة الرواية. وإنما الفقه خشية الله». وبه قال: حدثنا أبو القاسم البغوى حدثنا يحيى بن أيوب العابد حدثنا عبد الرحمن بن عمر العمرى قال: قال أبو حازم «لا يكون العالم عالما حتى يكون فيه ثلاث خصال: لا يحقر من دونه فى العلم، ولا يحسد من فوقه، ولا يأخذ على علمه دنيا». وبه قال: حدثنا ابن صاعد قال: حدثنا على بن مسلم قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا مطر الوراق قال: سألت الحسن عن مسألة. فقال فيها. فقلت: يا أبا سعيد، يأبى عليك الفقهاء، يخالفونك. فقال الحسن

стр. 581

«ثكلتك أمك، انظر، وهل رأيت فقيها قط؟ وهل تدرى من الفقيه؟ الفقيه: الورع الزاهد، المقيم على سنة محمد ﷺ ، الذى لا يسخر من أسفل منه، ولا يهزأ بمن فوقه. ولا يأخذ على علم علمه الله حطاما». وبه قال: حدثنا إسحاق الكاذى حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبى قال: حدثنا عمرو بن الهيثم قال: حدثنا أبو حرة عن الحسن قال «الفقيه: المجتهد فى العبادة، والزاهد فى الدنيا، المقيم على سنة محمد ﷺ ». وبه قال: حدثنا أبو عمارة حمزة بن القاسم خطيب جامع المنصور حدثنا حنبل ابن إسحاق حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا سفيان بن عيينة سمعت أيوب سمعت الحسن يقول «ما رأيت فقيها قط يدارى ولا يمارى، إنما ينشر حكمته. فإن قبلت: حمد الله، وإن ردت: حمد الله». قال: وسمعت الحسن يقول «ما رأيت فقيها قط. إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا الراغب فى الآخرة، الدائب على العبادة، المتمسك بالسنة» وبه قال: حدثنى أبو صالح حدثنا محمد بن يونس الكديمى حدثنا إبراهيم ابن نصر الصائغ قال: سمعت الفضيل بن عياض قال «إنما الفقيه الذى أنطقته الخشية، وأسكتته الخشية. إن قال قال بالكتاب والسنة، وإن سكت سكت بالكتاب والسنة. وإن اشتبه عليه شئ وقف عنده، ورده إلى عالمه» قلت أنا: هذا والله المحمود: صفة إمامنا أحمد، ومن سلك طريقه، وقليل ما هم. فيا ويح من يدعى مذهبه، ويتحلى بالفتوى عنه، وهو سلم لمن حاربه، عون لمن خالفه. الله المستعان على وحشة هذا الزمان. وبه قال: حدثنا محمد بن مخلد حدثنا المروذى حدثنى حبان بن مسلم: سئل ابن المبارك «هل للعلماء علامة يعرفون بها؟ قال: علامة؟ العالم من عمل بعلمه، واستقل كثير العمل من نفسه، ورغب فى علم غيره. وقبل الحق من كل من أتاه به، وأخذ العلم حيث وجده. فهذه علامة العالم وصفته».

стр. 582

قال المروذى: فذكرت ذلك لأبى عبد الله. فقال: هكذا هو. وبه قال: حدثنا ابن مخلد قال: حدثنا المروذى قال: قلت لأبى عبد الله: قيل لابن المبارك: كيف تعرف العالم الصادق؟ فقال: الذى يزهد فى الدنيا، ويقبل على أمر آخرته. فقال: نعم، هكذا يريد أن يكون. وبه قال: حدثنا أبو الحسين الكاذى حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنى أبى حدثنا عفان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال «ينبغى للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله ». وبه قال: حدثنى أبو حفص بن شهاب قال: حدثنى أبى قال: حدثنا الأثرم: قيل لأبى عبد الله فى حديث عمرو «لا يحل لواحد منهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» يرويه ابن عجلان؟ قال أبو عبد الله: وفى حديث عبد الله ابن عمرو «إبطال الحيل». وبه قال: حدثنى أبو صالح محمد بن أحمد قال: حدثنا أبو حفص محمد بن داود حدثنا أبو الحارث الصائغ سمعت أبا عبد الله قال: هذه الحيل التى وضعها هؤلاء - أبو حنيفة وأصحابه - عمدوا إلى السنن فاحتالوا فى نقضها، أتوا الذى قيل لهم: إنه حرام، احتالوا فيه حتى أحلوه. وقال الميمونى: قلت: يا أبا عبد الله من حلف على يمين. ثم احتال لإبطالها: هل تجوز تلك الحيلة؟ قال: لا نحن لا. نرى الحيلة. وبه قال: حدثنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن هارون حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الحميد حدثنا بكر بن محمد بن الحكم قال قال أبو عبد الله: إذا حلف على شئ، ثم احتال بحيلة. فصار إليها فقد صار إلى ذلك الذى حلف عليه بعينه. قال أبو عبد الله: ما أخبثهم - يعنى أصحاب الحيل - وقال قال: أبو عبد الله، ومن احتال بحيلة فهو حانث. وبه قال: حدثنا إبراهيم بن حبيب العطار قال: حدثنا أبو داود السجستانى

стр. 583

سمعت أبا عبد الله - وذكر الحيل من أصحاب الرأى - فقال: يحتالون لنقض سنن رسول الله ﷺ . فلنذكر الآن بعض مصنفاته: الإبانة الكبيرة، والإبانة الصغيرة. السنن. المناسك. الإمام ضامن. الإنكار على من قصر بكتب الصحف الأولى. الإنكار على من أخذ القرآن من الصحف. النهى عن صلاة النافلة بعد العصر، وبعد الفجر. تحريم النميمة. صلاة الجماعة. منع الخروج بعد الأذان والإقامة لغير حاجة. إيجاب الصداق بالخلوة. فضل المؤمن. الرد على من قال: الطلاق الثلاث لا يقع. صلاة النافلة فى شهر رمضان بعد المكتوبة. ذم البخل تحريم المر. ذم الغناء والاستماع إليه. التفرد والعزلة. وغير ذلك. وقيل: إنها تزيد على مائة مصنف. فلنذكر السنة التى توفى فيها. وكانت وفاته فى يوم عاشوراء سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ودفن بعكبرا. وزرت قبره. ورثاه ابن شهاب تلميذه، فقال: هيهات ليس إلى السلو سبيل … فليكتفنك تفجع وعويل موت ابن بطة ثلمة لا يرتجى … لمسدها شكل له وعديل فمضى فقيدا، ماله خلف، ولا … منه - وإن طال الزمان - بديل أما المحاسن بعده: فدوارس … والعلم ربع مقفر وطلول أما القبور: فإنهن أوانس … بحلوله، وعلى الديار محول من للخصوم اللدّ إن هم شعّوا … وعناهم التمويه والتأويل؟ من للقران وكشف مشكل آيه … حتى يقوم عليه منك دليل؟ من للحديث وحفظه برواية … منقولة إسنادها منقول؟ يا ليت شعرى عن لسان كان كالس … يف الصقيل. وليس فيه فلول مات الذى آثاره وعلومه … مدروسة، مسطروها منقول

стр. 584

الشيخ مات، أم البسيطة زلزلت؟ … أم صار فى البدر المنير أفول؟ من للفرائض فى عويص حسابها … فى الجد، أو فى الرد حيث تعول؟ من للشروط، وحفظ حكم فروعها … إذ أحكمت قبل الفروع أصول؟ من فعله الثبت السديد موافق … للقول منه حيث صار يقول من لا يهاب إذا الحقوق تعاورت … من فيه دولات الزمان تدول؟ هيهات أن يأتى الزمان بمثله … إن الزمان بمثله لبخيل الله حسبى بعده، وهو الذى … فى كل ما أرجوه منه وكيل أجبر مصيبتنا، وأحسن عوضنا … منه، فأنت لما تشاء تنيل ٦٢٣ - عمر بن أحمد بن إبراهيم، أبو حفص البرمكى. كان من الفقهاء والأعيان النساك الزهاد، ذو الفتيا الواسعة، والتصانيف النافعة من ذلك المجموع. وشرح بعض مسائل الكوسج. حدث عن ابن الصواف، والخطبى، وابن مالك، فى آخرين. صحب عمر بن بدر المغازلى، وأبا على النجاد، وأبا بكر عبد العزيز وغيرهم. قال عمر بن البرمكى: سمعت أبا على النجاد يقول فى وقوف الجنازة ورجوعها: يحتمل، متى كثرت الملائكة بين يديها رجعت أوقفت، ومتى كثرت خلفها أسرعت. ويحتمل أن يكون بلوم النفس للجسد، ولوم الجسد للنفس، يختلف حالها تارة، وتارة تقدم. الدليل عليه قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ ويحتمل أن يكون بقاؤها فى حال رجوعها، ليتم أجلها لأن الإنسان له أجلان: أجل فى الدنيا تعلم مدته، وأجل عنده لا يعلمه إلا هو، قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ فنحن: نعلم كم مدة أجله من حين يولد، إلى أن يدفن فى قبره. ولا نعلم: كم مدة

стр. 585

مكثه فى قبره، لأنه سمى عنده ﵎ (١) قال أبو على: سئلت عن خفة الجنازة وثقلها؟ فقلت: إذا خفت فصاحبها شهيد، لأن الشهيد حى، والحى أخف من الميت، قال الله تعالى (١٦٩:٣ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً * بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)﴾. وقال أبو حفص البرمكى: سمعت شيخنا أبا بكر عبد العزيز يقول: حدثنا أبو يحيى الساجى - بالبصرة - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعى يقول: لأن أتكلم فى العلم فأخطئ، فيقال لى: أخطأت: خير من أن أتكلم فى الكلام فأخطئ، فيقال لى: كفرت. قال أبو حفص البرمكى: وأخبرنا على الجوهرى حدثنا محمد الأزدى قال: حدثنا الفتح بن شخرف حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن بشار. قال: قال لى إبراهيم بن أدهم: فروا من الناس فراركم من السبع الضارى، ولا تتخلفوا عن الجمعة والجماعات. وبإسناده: قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ «من خاف الله لم يشف غيظه؛ ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة كان غير ما ترون».

стр. 586

وبإسناده قال: بشر بن الحارث: رئى إبراهيم بن أدهم مقبلا من الجبل، قيل له: من أين أقبلت؟ قال: من أنس الله ، ثم قال: اتخذ الله مؤنسا … ودع الناس جانبا وتشاغل بذكره … إن فى ذكره الشفا وارض منه بما قضى … إن فى ذلك الغنا قال: وسمعت أبا محمد المصرى - شيخنا - يقول: سمعت أبا بكر بن أبى الثلج قال: حدثنا حسين بن فهم الكاتب، قال: كنا نعرف علة معروف بسكوته وصحته بأنينه. وقال لنا شيخنا أبو محمد: سألت ابن مجاهد عن قوله ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ فقال لى فى معناه سنقبل. وأنشدنا: الآن فرغت إلى تميم … فهذا حين صرت لها عذابا قال البرمكى: وأخبرنا شيخنا أبو محمد - قراءة عليه - عن أبى عمر «سنقصد لكم أيها الثقلان» يعنى الجن والإنس. قال: وقال لنا أبو عمر «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام». وقال: إنما سمى العيد عيدا: لأنه يعود فى كل سنة بفرح. ومات أبو حفص البرمكى فى جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة إمامنا أحمد، وكان له أولاد: إبراهيم، وأحمد، وعلى. ٦٢٤ - محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل، أبو الحسين المعروف بابن سمعون. كان واحد دهره، وفريد عصره، فى الكلام على علم الخواطر والإشارات دوّن الناس حكمه، وجمعوا كلامه. قرأ مختصر أبى القاسم الخرقى عليه، وسمعه منه جماعة، أحدهم: الشيخ الزاهد

стр. 587

أبو الحسين القزوينى: وحدث به القزوينى جماعة. أحدهم: المبارك بن عبد الجبار؛ وحدث به. وسمع ابن سمعون من عبد الله بن أبى داود السجستانى، ومحمد بن مخلد الدورى، وأبى محمد بن صاعد، ومحمد بن جعفر المطيرى، وابن زياد الدمشقى، فى آخرين. حدث عنه القاضى أبو على بن أبى موسى، وأبو محمد الخلال، وعبد العزيز الأرجى وحدثنا عنه أحمد بن محمد المقرئ - يعرف بابن حمدويه - قال: حدثنا أبو الحسين بن سمعون - إملاء، يوم الثلاثاء، لخمس خلون من رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة - قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبى حمد بن أبى سليمان قال: حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا يعقوب بن محمد قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: حدثنى الزهرى عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك - وكان قد شهد بدرا - قال: قال رسول الله ﷺ «حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغى بها وجه الله ». أخبرنا ابن ثابت حدثنى الحسن بن أبى طالب، قال سمعت أبا الحسين ابن سمعون يقول: ولدت فى سنة ثلاثمائة. قال: وأخبرنا البرقانى قال: قلت لأبى الحسين بن سمعون: أيها الشيخ: تدعو الناس إلى الزهد فى الدنيا والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام. فكيف هذا؟ فقال: كل ما يصلحك لله فافعله، إذا صلح حالك مع الله، بلبس لين الثياب، وأكل طيب الطعام: فلا يضرك. قال: وحدثنا أبو محمد الخلال، قال: قال لى أبو الحسين بن سمعون: ما اسمك؟ فقلت: حسن. فقال: قد أعطاك الله الاسم، فسله أن يعطيك المعنى. قال: وحدثنا عبد الواحد بن عمر قال: وسمعت ابن سمعون يقول: رأيت المعاصى نذالة؛ فتركتها مروءة؛ فاستحالت ديانة.

стр. 588

قال: وحدثنا محمد الطاهرى، قال سمعت أبا الحسين بن سمعون يذكر أنه خرج من مدينة الرسول ﷺ ، قاصدا بيت المقدس، وحمل فى صحبته تمرا صيحانيا، فلما وصل إلى بيت المقدس ترك التمر مع غيره من الطعام فى الموضع الذى كان يأوى إليه. ثم طالبته نفسه بأكل الرطب، فأقبل عليها بالملامة وقال: من أين لنا فى هذا الموضع رطب؟ فلما كان وقت الإفطار عمد إلى التمر ليأكل منه، فوجده رطبا صيحانيا، فلم يأكل منه شيئا، ثم عاد إليه من غد عشية، فوجده تمرا على حالته الأولى، فأكل منه، أو كما قال. قال: وسمعت أبا الحسن بن البادا يقول: سمعت أبا الفتح القواس يقول: لحقنى إضاقة وقتا من الزمان، فنظرت فلم أجد فى البيت غير قوس وخفين كنت ألبسهما، فأصبحت وقد عزمت على بيعهما، وكان يوم مجلس ابن سمعون. فقلت فى نفسى: أحضر المجلس، ثم أنصرف فأبيع الخفين والقوس، فحضرت المجلس. فلما أردت الانصراف، نادانى أبو الحسن: يا أبا الفتح، لا تبع الخفين ولا تبع القوس، فإن الله سيأتيك برزق من عنده؛ أو كما قال. وبه قال: حدثني على بن الحسن حدثنى أبو طاهر بن العلاف قال: حضرت أبا الحسين بن سمعون يوما فى مجلس الوعظ. وهو جالس على كرسيه يتكلم، وكان أبو الفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسى، فغشيه النعاس فنام، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة، حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه. فقال له أبو الحسين: رأيت رسول الله ﷺ فى نومك؟ فقال: نعم، فقال أبو الحسين: لذلك أمسكت عن الكلام، خوفا أن تنزعج وتنقطع عما كنت فيه. أو كما قال. وبه أخبرنا على بن الحسن الوزير قال: حكى أبو على بن أبى موسى الهاشمى قال: حكى لى وحى، مولى الطائع لله قال: أمرنى الطائع أن أوجه إلى ابن سمعون فأحضره إلى دار الخلافة. ورأيت الطائع على صفة من الغضب. وكان يتقى فى

стр. 589

تلك الحال، لأنه كان ذا حدّة. فبعثت إلى ابن سمعون، وأنا مشغول القلب لأجله. فلما حضر أعلمت الطائع حضوره. فجلس مجلسه، وأذن له فى الدخول. فدخل، وسلم عليه بالخلافة. ثم أخذ فى وعظه. فأول ما بدأ به أن قال: روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه - وذكر عنه خبرا - ولم يزل يجرى فى ميدان الوعظ حتى بكى الطائع لله، وسمع شهيقه، وابتل منديل بين يديه بدموعه. فأمسك ابن سمعون حينئذ. ودفع إلىّ الطائع درجا فيه طيب وغيره. فدفعته إليه، وانصرف وعدت إلى حضرة الطائع. فقلت: يا مولاى، رأيتك على صفة من شدة الغضب على ابن سمعون، ثم انتقلت إلى تلك الصفة عند حضوره. فما السبب؟ فقال: رفع إلى عنه: أنه ينتقص على بن أبى طالب، فأحببت أن أتيقن ذلك، لأقابله عليه إن صح ذلك عنه. فلما حضر بين يدى: افتتح كلامه بذكر على بن أبى طالب والصلاة عليه، وأعاد وأبدى فى ذلك. وقد كان له مندوحة فى الرواية عن غيره، وترك الابتداء به. فعلمت أنه وفّق لما تزول به عنه الظنة وتبرأ ساحته. ولعله كوشف بذلك أو كما قال. وقرأت بخط أخى أبى القاسم قال: قال شكر العضدى: لما دخل عضد الدولة إلى بغداد، وقد هلك أهلها قتلا، ونهبا وحرقا، وخوفا للفتن التى اتصلت بين السنة والشيعة: فقال: الآفة القصاص هم. فنادى فى البلد: أن لا يقص أحد فى جامع ولا طريق. فرفع إليه أن أبا الحسين بن سمعون جلس على كرسيه فى يوم الجمعة بجامع المنصور، وتكلم على الناس. فأمرنى بأن أنفذ إليه من يحصله عندى ففعلت. فدخل علي رجل له هيبة، وعلى وجهه نور. فلم أملك أن قمت إليه، وأجلسته إلى جانبى. فلم ينكر ذلك. وجلس غير مكترث. وأشفقت والله أن يجرى عليه مكروه على يدى. فقلت: أيها الشيخ، إن هذا الملك جبار عظيم وما كنت أوتر لك مخالفة أمره. والآن فأنا موصلك إليه، وكما تقع عينك عليه فقبل التراب، وتلطف فى الجواب إذا سألك، واستعن بالله. فعساه أن يخلصك

стр. 590

منه. فقال: الخلق والأمر لله . فمضيت به إلى حجرة فى آخر الدار، قد جلس الملك فيها منفردا، خيفة أن يجرى من أبى الحسين بادرة بكلام فيه غلظ، فتسير به الركبان. فلما دنوت من باب الحجرة وقفته: وقلت له: إياك أن تبرح من مكانك حتى أعود فأدخلك، وإذا سلمت فليكن بخشوع وخضوع. فدخلت لأستأذن له. فالتفت فإذا هو واقف إلى جانبى، قد حول وجهه نحو دار بختيار. وقرأ (١٠٢:١١ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ. إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)﴾ ثم حول وجهه نحو الملك، وقرأ (١٤:١٠ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)﴾ وأخذ فى وعظه. فأتى بالعجب. فدمعت عين الملك. وما رأيت ذلك منه قط. وترك كمه على وجهه، فتراجع أبو الحسين فخرج، ومضى إلى حجرتى، فقال الملك: امض إلى بيت المال، وخذ ثلاثة آلاف درهم، وإلى خزانة الكسوة وخذ منها عشرة أثواب، وادفع الجميع إليه. فإن امتنع فقل: فرقها فى فقراء أصحابك. فإن قبلها فجئنى برأسه. فاشتد جزعى، وخشيت أن يكون هلاكه على يدى. ففعلت، وجئته بما أمر، وقلت له: قال لك: استعن بهذه الدراهم فى نفقتك، والبس هذه الثياب. فأبى. فقلت: فرقها فى أصحابك. فقال: أصحابه إلى هذا أفقر من أصحابى، فعدت فأخبرته. فقال: الحمد لله الذى سلمنا منه، وسلمه منا، أو كما قال فلنذكر الآن شذرة من كلامه: ألا مصف لإخلاصه من شخصيته؟ ألا مصف لعقده من قصده؟ ألا غيور على صيانته من شهوته؟ ألا مستشعر لمراقبته فى خلوته؟ ألا لابس حلة ذلته؟ ألا فهم عنه ما أراد فى مخاطبته؟ ألا تائب من حوبته؟ ألا غيور على وده من بذلته؟ ألا باك على سآمته وفترته؟ ألا معتذر إلى ربه من تقصيره عن موافقته؟ ألا هارب إلى أمنه من مخافته؟ ألا باك من قلبه العليل؟ ألا نادب قبل الرحيل؟ ألا كاتم ضره والغليل؟ ألا ساع على أثر الدليل؟

стр. 591

ألا باك من مرض الخلل؟ ألا فرغ من الزلل؟ ألا حذر من الملل؟ ألا تائب من الخلل؟ ألا مجتهد فى العمل؟ ألا منتظر لقدوم الأجل؟ ألا باك فى الخلوات؟ ألا هاجر للشهوات؟ ألا تارك للعادات؟ ألا ناظر لما هو آت؟ ألا حاذر من الريب؟ ألا فار من العيب؟ ألا مسلم للغيب بلا عيب؟ ألا مستذكر لما ستر عن الملا؟ ألا ذاكر لما سبق له من سيده من الهدى؟ ألا حذر من تحكم المنايا فى الأعضاء؟ ألا راث لجسده من البلا؟ ألا آسف على ما فات من أوقات المنى؟ ألا زاهد فى الأولى؟ ألا ساع فى طلب الأخرى؟ ألا غيور على الصفا من الهوى؟ ألا مناج لربه فى حفظ عقد الولا؟ ألا معتنق للتقوى؟ ألا تارك أذكار الورى؟ ألا مستهتر بذكر ربه؟ ألا طالب لقربه؟ ألا فهم عن ربه حكم ربه؟ ألا ناظر فى صحيفته؟ ألا طالب دواء لعلته؟ ألا معد زادا لسفرته؟ ألا طالب فضلا لمعرفته؟ ألا متعلق بأذيال أيمته؟ ألا باك على غربته؟ ألا منفرد بمعاملته؟ ألا طالب سراجا لظلمته؟ ألا طالب أنسا لوحشته؟ ألا طالب ضياء لحفرته؟ ألا طالب أنسا لوحشته؟ ألا طالب خليلا لوحدته؟ ألا عبد يلبس لربه لبسة الذليل؟ ألا ذاكر لنزعه حين الرحيل؟ ألا كاتم لضره والغليل؟ ألا متذكر خشونة المقيل؟ ألا باك على مضى أيامه، وانقضاء مدته؟ ألا محدث إلى ربه توبة من غفلته؟ ألا مقتد بالنبى ﷺ وصحابته؟ ألا خائف من الدخول بين صحابة النبى ﷺ وقرابته؟ ألا مجمع على طهارة زوجته؟ ألا هارب من المعاصى راج لشفاعته؟ ألا متزود من حياته لمنيته؟ وكلام كثير. وفيما ذكرناه فائدة ومات يوم النصف من ذى القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ودفن بداره

стр. 592

بشارع العنانيين. فلم يزل هناك حتى نقل فى يوم الخميس الحادى عشر من رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة. فدفن بمقبرة إمامنا أحمد وقيل إن أكفانه لم تكن بليت بعد وقال أبو الحسن البردانى: لما حضرت ابن سمعون الوفاة، قال لهم: إنّي أدفن ثم أنبش. فلما فرغ من غسله ظن الناس أنهم يحملونه إلى الجامع يصلون عليه. فاجتمع الخلق فى الجامع، فصلوا عليه فى باب الشام، ودفنوه. فمضى الخبر إلى أهل الجامع: أنه قد دفن. وكان متقدمهم: أبو الفضل التميمى. فقال: من دفنه؟ قوموا معى. فقام والخلق معه، حتى أتى الدار التى قد دفن فيها فنبشه، وحمله إلى الجامع، فصلى عليه. ثم رده ودفنوه وكان يحضر مجلسه أبو حامد الأسفرائيني، وأبو إسحاق بن شاقلا، وأبو حفص البرمكى. وعلق من كلامه. وكان يملى كل يوم ثلاثاء. فإذا فرغ من الإملاء: صعد الكرسى وتكلم قال العشارى: سأله أبو حامد الأسفرائيني يوما: أن يجيز له شيئا قد فاته. فقال له: يا أبا حامد، لو قنعنا بالإجازة ما سافرنا الأسفار البعيدة. وقال أبو على الغضائرى: سئل ابن سمعون عن قوله تعالى (٩٩:٦ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ)﴾ فقال: مشتبه الأوراق مختلف المذاق، هذا جلاء للظلام، وهذا شفاء للسقام. وكان يوما جالسا على الكرسى يتكلم. فعرق فرمى إليه بمروحة، فأخذها. وأنشأ يقول: ما فيك من دفع كرب … لهائم القلب صب فهبك روحت جسمى … فمن يروح قلبى؟ وقال أبو طالب بن حمامة: مات ابن سمعون يوم الخميس لأربع عشرة خلت من ذى القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، ودفن يوم الجمعة، وغسله أبو نصر

стр. 593

صاحب ابن مرحب، وأبو عبد الله بن حامد الفقيه الحنبلى. وصلّى عليه بباب داره، صلّى عليه الصلاة الأولة أخوه الحسن، ثم صلّى عليه أبو الفضل التميمى. ودفن فى بيت منها. ثم هاج الناس. وقيل: لم يصلى عليه فى باب داره، كما يفعل بأهل البدع، وهو رجل إمام؟ فأخرج من القبر بعد ما استقر فيه، وحمل إلى الجامع. وتبع الجنازة خلق عظيم. وصلّى عليه فى الجامع. صلّى عليه: أبو إسحاق الطبرى المقرى المعدل، ثم رد إلى داره. فدفن فى ذلك الموضع. وقال القاضى الشريف أبو على بن أبى موسى: رأيت أبا الحسين بن سمعون - حين دفن - ورأيته حين أخرج، وأكفانه كما هى، جدد بحالتها ما تغيرت. وكان إخراجه من داره الدفعة الثانية: فى سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ودفن بمقبرة أحمد. وسمعه جماعة يقول: إنّي أموت وأدفن، ثم أخرج بعد دفنى. ٦٢٥ - محمد بن الحسن بن قشيش، أبو بكر السمسار. سمع إسماعيل الصفار، وأبا عمرو بن السماك، وأبا بكر النجاد، وجعفر الخلدى. وذكره ابن ثابت فقال: كان صدوقا من أهل القرآن، وينتحل فى الفقه مذهب أحمد بن حنبل. وحدثنى عنه ابنه على. وسمعته يقول: توفى أبى فى أول يوم من المحرم من سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة ٦٢٦ - محمد بن سيما بن الفتح، أبو بكر الحنبلى بغدادى. ذكره ابن ثابت فقال: سمع عبد الله بن إسحاق المدائنى، وعبد الله بن محمد البغوى، ويحيى بن صاعد. أخبرنا الخطيب حدثنا أبو نعيم الحافظ حدثنا محمد بن الفتح الحنبلى حدثنا عبد الله البغوى حدثنا داود بن رشيد حدثنا محمد بن ربيعة حدثنا يزيد بن زياد الدمشقى عن الزهرى عن عروة عن عائشة ﵂. قالت: قال رسول الله

стр. 594

ﷺ «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم. فإن وجدتم للمسلمين مخرجا فخلوا سبيلهم. فإن الإمام: أن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة» قال لنا الخطيب: وكان ابن سيما صدوقا. ٦٢٧ - عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العكبرى. يعرف بابن المسلم معرفته بالمذهب المعرفة العالية. له التصانيف السائرة: المقنع، وشرح الخرقى، والخلاف بين أحمد ومالك؛ وغير ذلك من المصنفات. سمع من أبى على الصواف، وأبى بكر النجاد، وأبى محمد بن موسى، وأبى عمرو بن السماك ودعلج. رحل إلى الكوفة والبصرة، وغيرهما من البلدان. وسمع من شيوخهما، وصحب من فقهاء الحنابلة: عمر بن بدر المغازلى، وأبا بكر عبد العزيز، وأبا إسحاق بن شاقلا. وأكثر ملازمة ابن بطة. له الاختيارات فى المسائل المشكلات. منها: أن كل سنة سنها رسول الله ﷺ لأمته فبأمر الله. واحتج لذلك بما رواه - بإسناده - عن ابن بطة قال «أصاب الناس على عهد رسول الله ﷺ سنة. فقالوا: يا رسول الله، سعّر لنا. فقال: لا يسألنى الله عن سنة أحدثتها فيكم، لم يأمرنى الله بها» وبقوله تعالى (٣:٥٣ ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)﴾ والذى اختاره الوالد السعيد، وابن بطة، أنه قال: كان يجوز لنبينا صلوات الله وسلامه عليه: الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع. فالدليل لهما، وأنه قد كان بغير وحى، وأنها كانت بآرائه واختياره: أنه قد عوتب على بعضها، ولو أمر بها لما عوتب عليها.

стр. 595

ومن ذلك: حكمه فى أسارى بدر، وأخذه الفدية. فنزل قوله تعالى (٦٧:٨ ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)﴾ ومنه: إذنه فى غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر، حتى يختلف من لا عذر له: فأنزل الله (٤٣:٩ ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ، لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾؟) ومنه قوله تعالى (١٥٩:٣ ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾) ولو كان وحيا لم يشاور فيه وقال أبو حفص: سمعت أبا إسحاق بن شاقلا قال: لما جلست فى جامع المنصور رويت عن أحمد: أن رجلا سأله، فقال: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث، يكون فقيها؟ قال: لا. قال: فمائتى ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قال: فأربعمائة ألف حديث؟ قال: فقال بيده هكذا - وحرك يده - فقال لى رجل: فأنت هو ذا تحفظ هذا المقدار؟؟؟، حتى هو ذا تفتى الناس؟ فقلت: عاناك الله، إن كنت أنا لا أحفظ هذا المقدار، فإنى هو ذا أفتى بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه. وقال أبو حفص العكبرى: المواضع التى يستحب إذا صلّى الرجل ركعتين خففهما. فأول ذلك: ركعتا الفجر. قالت عائشة ﵂ «كان النبى ﷺ يخففهما، حتى أقول: هل قرأ فيهما بشئ من القرآن أم لا؟» وركعتان يستفتح بهما الرجل صلاة الليل. قال النبى ﷺ «إذا قام أحدكم يصلى من الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» وركعتا الطواف، والركعتين عند الخطبة. قال النبى ﷺ «إذا أتى أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين خفيفتين» وركعتان تحية المسجد. قال أبو حفص العكبرى: سألنى سائل عن رجل حلف بالطلاق الثلاث: أن معاوية ﵀ فى الجنة. فأجبته: إن زوجته لم تطلق، فليقم على نكاحه، وذكرت له: أن أبا بكر محمد بن عسكر سئل عن هذه المسألة بعينها؟ فأجاب بهذا الجواب.

стр. 596

قال: وسئل شيخنا ابن بطة عن هذه المسألة بحضرتى. فأظنه ذكر جواب محمد بن عسكر فيها. وسمعت الشيخ ابن بطة يقول: سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم الحربى - وسئل عن هذه المسألة - فقال: لم تطلق زوجته، فليقم على نكاحه. قال: والدليل على ذلك: ما روى العرباض بن سارية: أنه سمع النبى ﷺ يقول لمعاوية بن أبى سفيان «اللهم علمه الكتاب والحساب: وقه العذاب» فالنبى ﷺ مجاب الدعاء. فإذا وقى العذاب فهو من أهل الجنة. وروى عن النبى ﷺ قال «ما تزوجت ولا زوجت إلا من أهل الجنة» وروى أنس بن مالك ﵁ قال «كنا جلوسا عند النبى ﷺ ، وبين أيدينا رطب، فجعل رسول الله ﷺ يأكل ويلقمنا. فقلت: يا رسول الله، تأكل وتلقمنا؟ فقال: نعم، هكذا نفعل فى الجنة. يلقم بعضنا بعضا» وروى عن على ﵁ أنه قال «يا أهل الكوفة، إن فى رقبتى عهدا، أريد أن أخرجه من رقبتى إلى رقابكم. ألا إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. ثم قال: والله ما قلت ذلك من تلقاء نفسى، ثم قال: يا أهل الكوفة، إن فى رقبتى شيئا أريد أن أخرجه من رقبتى، وأجعله فى رقابكم. اعلموا أنى كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، وعنده معاوية، فنزل عليه الوحى، فأخذ القلم من يدى، فوضعه فى يد معاوية، فو الله ما وجدت من ذلك فى نفسى. لأنى علمت أن الله أمره بذلك. ألا إن المسلم من سلم من قصتى وقصته» وسئل ابن عباس عن معاوية؟ فقال «معاوية عندى مثل موسى بن عمران ﵇. قال الله فى موسى (٢٦:٢٨ استأجره. إن خير من استأجرت القوى الأمين) ونزل جبريل ﵇ على النبى ﷺ ، فقال له: يا محمد، إن الله يأمرك أن تستكتب معاوية. إن خير من استكتبت القوى الأمين»

стр. 597

وقال أبو حفص: سمعت عبد العزيز غلام الخلال يقول: قال عمر بن الخطاب ﵁: «كلمة السوء: تطأطأ لها تجوز» وقال أبو حفص: سمعت عبد العزيز غلام الخلال يقول: سمعت أبا بكر بن مليح يقول: بلغنى عن أحمد ﵀ أنه قال: إذا أراد الرجل أن يزوج رجلا، فأراد أن تجتمع له الدنيا والدين. فليبدأ فيسأل عن الدنيا؟ فإن حمدت سأل عن الدين، فإن حمد فقد اجتمعا. فإن لم يحمد: كان فيه رد الدنيا من أجل الدين. ولا يبدأ فيسأل عن الدين. فإن حمد سأل عن الدنيا، فإن لم يحمد: كان فيه رد الدين لأجل الدنيا. ومات أبو حفص فى جمادى الآخرة فى يوم خميس ضحوة، لثمان خلون منه سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. هكذا نقلته من خط على بن أخى نصر. قال: وجدت على ظهر كتاب «محاسبة النفس والجوارح» تصنيف أبى حفص العكبرى، بخط ابنه الحسين بن عمر يقول: مات والدى أبو حفص عمر بن المسلم ﵀: يوم الخميس لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ٦٢٨ - أبو الحسين محمد بن عبد الله بن هارون، بن أخى ميمى. سمع من خلق كثير، منهم: أبو القاسم البغوى. وكان رفيق جد الوالد السعيد فى السماع من المشايخ وتوفى يوم الجمعة. ودفن فيه، لليلتين بقيتا من شعبان سنة سبعين وثلاثمائة. ودفن عند أحمد بن حنبل بالقرب من قبر أبى بكر النجاد. ذكره ابن الأبنوسى المحدث المتقدم ٦٢٩ - أبو الطيب عثمان بن عمرو بن المنتاب، إمام جامع المدينة. توفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة فى ربيع الآخر. ودفن عن يسار أحمد بن حنبل

стр. 598

٦٣٠ - محمد بن إسحاق بن محمد، أبو عبد الله بن منده الأصبهانى. سمع عم أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن منده الأصبهانى بأصبهان، وأبا العباس الأصم بنيسابور، والهيثم بن كليب الشاشى ببخارى، وخيثمة بن سليمان بإطرابلس، وأبا سعيد بن الأعرابى بمكة، وحمزة الكتانى بمصر، وابن حذلم بدمشق. وبلغني عنه أنه قال: كتبت عن ألف شيخ وسبعمائة شيخ. وقال: طفت الشرق والغرب مرتين، فلم أتقرب إلى كل مذبذب. ولم أسمع من المبتدعين حديثا واحدا. ومولده: سنة عشر وثلاثمائة. وموته: سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. وآخر من مات ممن سمع منه: ولده عبد الوهاب. وتوفى عبد الوهاب سنة نيف وسبعين وأربعمائة. وولده أبو زكريا يحيى الذى قدم علينا. ٦٣١ - أبو الحسن الجزرى البغدادى كان له قدم فى المناظرة، ومعرفة الأصول والفروع. صحب جماعة من شيوخنا، وتخصص بصحبة أبى على النجاد، وكانت له حلقة بجامع القصر. وأحد تلامذته: أبو طاهر بن الغبارى. ومن جملة اختياراته: أنه لا مجاز فى القرآن. وأنه يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس، وأن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر، وأن المنى نجس. وغير ذلك. ٦٣٢ - أحمد بن عثمان بن علاّن بن الحسن الكبشى، ويعرف بابن شكاثا، أبو بكر الحنبلى. صحب جماعة من شيوخنا: أبو إسحاق بن شاقلا، وأبو عبد الله بن بطة، وأبو حفص البرمكى وغيرهم.

стр. 599

٦٣٣ - عبد العزيز بن أحمد بن يعقوب، أبو القاسم الحربى (١) الواعظ الحنبلى ويعرف بغلام الزجاج. حدث عن محمد بن الحسين الآجرى المقيم كان بمكة. وذكره الخطيب فى تاريخه فقال: حدثنا عنه أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه وأبو محمد الخلال. وذكر لى أبو طالب: أنه سمع منه فى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. قال: وسألت عنه الخلال؟ فقال: كان أميّا لا يكتب. وكان قد جالس أهل العلم. ولقى الشيوخ. فحفظ عنهم. ٦٣٤ - أحمد بن محمد بن الحسن، أبو الفتح الفقيه الحنبلى يعرف بابن أخى حبيب. حدث عن أبى على بن الصواف، هكذا ذكره الخطيب، وقال: حدثنى عنه عبد العزيز الأزجى. ٦٣٥ - إبراهيم بن الحسين، أبو إسحاق البناء الحنبلى. هكذا ذكره الخطيب، فقال: حدث عن محمد بن إسحاق المقرى المعروف بساموح، حدثنى عنه عبد العزيز الأزجى. ٦٣٦ - أحمد بن عبد الله بن الخضر بن مسرور، أبو الحسين المعدل، المعروف بابن السوسنجردى البغدادى. سمع محمد بن عمرو الرزاز، وأبا عمرو بن السماك، وإسماعيل الخطبى، وأبا بكر النجاد فى آخرين. وذكره الخطيب فقال: كتب الناس عنه بانتخاب محمد بن أبى الفوارس

стр. 600

حدثنى عنه عبد العزيز الأزجى. وكان ثقة مأمونا، دينا مستورا، حسن الاعتقاد، شديدا فى السنة. وسمعت من يذكر عنه: أنه اجتاز يوما فى سوق الكرخ. فسمع سب بعض الصحابة، فجعل على نفسه أن لا يمشى قط فى الكرخ وكان يسكن باب الشام: فلم يعبر قنطرة الصراة، حتى مات. وحدثنى الحسن بن محمد الخلال، وعبد العزيز بن على الوراق: أن ابن السوسنجردى مات فى رجب سنة اثنتين وأربعمائة. ودفن فى مقبرة باب حرب ومولده: فى جمادى الآخرة من سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. قال: وحدثنى على بن الحسين العكبرى قال: سمعت عبد القادر بن محمد ابن يوسف يقول: رأيت أبا الحسن الحمامى فى المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أنا فى الجنة. قلت: وأبى؟ قال: وأبوك معنا. قلت: وجدنا؟ - يعنى أبا الحسين بن السوسنجردى - فقال: فى الحظيرة. قلت: حظيرة القدس؟ قال: نعم، أو كما قال. قلت أنا: وكان قد صحب ابن بطة، وأبا حفص البرمكى. ٦٣٧ - عثمان بن عيسى، أبو عمرو الباقلانى. كان أحد الزهاد المتعبدين، منقطعا عن الخلق، ملازما للخلوة. وكان يقول: إذا كان وقت غروب الشمس أحسست بروحى كأنها تخرج، يعنى لاشتغاله فى تلك الساعة بالإفطار عن الذكر (١). حدثنا عنه محمد بن على بن المهتدى بالله قال: أخبرنا عثمان بن عيسى الزاهد المعروف بالباقلانى، قال: حدثنى الحسين بن أبى النجم قال: حدثنى لؤلؤ بن عبد الله
следующие страницы →