وماذا بعد الاعتزال؟ تقول شيماء: شجّعني كبار الفنانات وهنأنَنِِي على الحجاب، وعندما اتخذت قرار الحجاب كنت مرتبطة لحسن حظي بعمل للأطفال كنت أقدّمه بلا حجاب، وعندما تحدثت مع المسؤولين عن إنتاج البرنامج - وهم من أمانة الأوقاف الكويتية - وبأنني سأرتدي الحجاب ولن أستطيع الوفاء بالعقد دون حجاب رحّبوا بذلك، بل وسَعِِِدوا به.
وتقول شيماء: أنا الآن متفرغة لدراستي تماماً، أقضي أوقات فراغي في قراءة القرآن وقصص الأنبياء وبعض الكتب الدينية الأخرى، وأحاول الدخول في مجال الكتابة فأسجل أفكاري وخواطري، كما أعيش كأي فتاة في كنف أسرة ترعاني وبين صديقات الدراسة، وقبل كل ذلك وبعده في كنف الله ومعيته، فمن يلجأ إليه سبحانه فلن يضيع.
نخبة من أقوال التائبين والتائبات:
هالة الصافي:
الرقص كله فجور، وأما تسميته بالمشاعر فكذب رخيص. أحسست بالفرق الهائل بين حياتي سابقاً ولاحقاً، فقد صار لحياتي الآن قيمة ومعنى.
وتقول عزة ابنة هالة:
في السابق لم أكن أشعر بحنان الأمومة، فقد كانت أمي مشغولة دوماً عني بعملها في حفلات الرقص في الملاهي والفنادق، وحالياً فإنني أجد أمي معي، نصلي معاً، ونقرأ القرآن معاً، نسعى في عمل الخير معاً، فهي لي أم وأخت وصديقة، أجد عندها كل العطف
стр. 142
الذي أريده (١) .
أفراح الحصري:
في سراييفو رحّبوا بي بصفتي ابنة للشيخ الحصري ﵀ وليس لأنني ياسمين الخيام (٢) .
شيماء:
أقول لكل فتاة تقف على باب الفن: أنت داخلة إلى حفرة من حفر جهنم لن تخرجي منها بسهولة.
كنت أسأل: ماذا سأستفيد بعد كل هذه الشهرة والنجومية؟! والثمن ضياع ديني وتشويه سمعتي، وأخيراً قررت.. فليذهب الفن إلى الجحيم (٣) .
سهير البابلي:
إن الفنان حين يتعب في عمله ويدعو الله بأن يوفقه في عمله هو مثل الحرامي الذي يدعو الله بالتوفيق حين يتوجه للسرقة.
حسن يوسف:
حينما ابتعدت عن الوسط الفني وبدأت أدرس الحركة الفنية التي تقدم هذه النوعية (الهابطة) من الأفلام أيقنت تماماً بأن وراءها مخططاً مرسوماً لتخريب عقول الشباب وإبعادهم عن الدين ودفعهم إلى الانحراف (٤) .
стр. 143
حملات مسعورة:
يريد بعض الإعلاميين إطفاء جذوة الحق والفضيلة في قلوب التائبات من الفنانات وكأنهم لا يدركون أنهم بهذا يحاربون ربّ الأرباب الذي أمر بالتوبة، ووعد التائبين بالمغفرة، في آيات كريمة عدة. منها قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *﴾ [الفُرقان: ٧٠] .
لقد تصاعدت الحرب الشرسة على صفحات بعض الجرائد والمجلات مثل «روز اليوسف» «وصباح الخير» وغيرهما، هذه المجلات التي ما زالت تفتّ في عَضُد المجتمع المسلم، هادفة في ذلك إلى استئصال الإسلام. وقد قابلت ثلة من الفنانات التائبات ذلك برسالة صدق وإصرار على الحق.
تقول الرسالة (١) :
لما كانت الحملة الشرسة الموجّهة إلينا - نحن الفنانات السابقات اللاتي اعتزلن الفن - قد ازدادت شراسة، ولما لم يبق عند بعض المغرضين إلا التعرض لنا والتقوّل علينا.. ولما كنا نحتسب أجرنا عند الله ونصبر ونترفع عن الرد، فقد جرّأ هذا الموقف بعضهم فازدادت القصص الملفقة حتى كان آخرها الادعاء بأننا قد أخذنا أجراً للطاعة، وقبضنا الملايين من أجل التخلي عن السفور والتبرج ... ؟ ولما منَّ الله علينا بالبصيرة علمنا أنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فلقد تركنا الدنيا بزينتها ومتعها الرخيصة الزائلة، وانشغلنا بعمارة الآخرة ... ولقد أخذنا وعداً
стр. 144
بالفعل، ولكنه وعد من رب العالمين بالجنة التي وعد بها عباده الطائعين، ومن أوفى بعهده من الله؟ ... نعم لقد تاجرنا مع الله، فربحت تجارتنا ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التّوبَة: ١١١] ، ونحن نعلنها صراحة - ولكل من سيتقول علينا-: إننا لم نعد ولن نعود إلى ما كنا عليه أبداً بفضل الله ولو كره الكارهون.. ونحن نسأل من أغضبهم حجابنا: ما قولكم في الطبيبة والمهندسة والمحامية والطالبة وطوائف المجتمع كافة اللاتي ارتدين الحجاب وعدن إلى الله، ونسألهم ممن قبض هؤلاء ليتحجّبن؟!.
اتقوا الله فعمّا قريب سوف تلقونه، وتُسألون عما كنتم تقولون ولن ندعو لكم إلا بالهداية، أذاقكم الله من طعم طاعته ما ذقناه وثبّتنا الله به على طريقه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، والحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
التوقيع: العائدات إلى الله
نسرين- مديحة كامل- شهيرة - أميرة - هالة الصافي - ... هالة فؤاد - كامليا العربي - شمس البارودي.
стр. 145
وتقول التائبة شمس البارودي:
إن الحملات التي أتعرض لها شيء عجيب ومثير للدهشة، لقد بدأت تلك الحملات بعد أن هداني الله بفضله وعظمته.
أخذوا يعرضون أفلامي التي تبرّأت منها، ورأيتها ذنباً سأظل طيلة عمري أبكي ندماً عليه، لدرجة أنه بعد حجابي واعتزالي الفن بشهور، كانت جميع دور العرض في مصر، وفي البلاد العربية أيضاً، تعرض الأفلام التي تبرأت منها، ظنوا أنهم بذلك يحاربونني، ولكنني أقول لهم:
إنكم لا تحاربونني أنا، بل تحاربون الله.
إن حيائي هو زينتي، واحتشامي هو رأس مالي، وقد نشرت أكثر من إعلان بالصحف أرجوهم فيه أن يحرقوا هذه الأفلام بعد أن تبت إلى الله وكانوا يردّون على ذلك بزيادة الحرب ضدي، ففوّضت أمري إلى الله.
يقول الدكتور حلمي القاعود:
توالى إعلان التوبة من قبل آخرين وأخريات إيماناً منهم بأن الواقع الفني الراهن هو إساءة صارخة للدين والمجتمع والأمة وابتذال فاضح لا همَّ له إلا تلويث الفكر والشعور والوجدان، ومؤامرة رخيصة للنيل من الدين الإسلامي (وحده!) ومن قيم الأمة وتراثها ومجدها، وبعد ذلك تحويل المسلمين إلى قطيع من الباحثين عن إشباع حاجاتهم بكل طرق الحرام.
كان لا بد لأهل المنهج التجاري التآمري الخبيث وأصحاب المصالح الشيطانية والأفكار الإجرامية أن يتحدوا، وأن يأخذوا المبادرة للتشنيع على الظاهرة ومهاجمتها، وَلَيِّ أعناق الحقائق،
стр. 146
والتدليس بالباطل، لإيهام الناس بأن التوبة عن الفن المبتذل والتمثيل الرخيص والأعمال الهابطة، رجعية وتخلف وردّة عن ركب الحضارة والتمدُّن والتقدم!! وليس ذلك فحسب بل حاولوا أن ينالوا من الإسلام وعلمائه والصحوة الإسلامية واتهامهم بأنهم ضد الإنسان وسعادته وحريته وانطلاقه إلى آفاق العلم والمدنيّة (١) .
حوار هادئ مع الداعية زينب الغزالي:
أجرت هذا الحوار جريدة "المسلمون" وسألت الداعية زينب ما يلي:
س: ... الداعية زينب الغزالي كيف ترَيْن توبة الفنانات بعامة وعدم استمرارهن في طريق الفن والتمثيل؟
ج: ... الله لم يقل أنا أقبل تائباً وأرد تائباً، ولم يقل إنه يقبل كل التائبين، فهو يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين، وهو سبحانه لم يصنّف المعصية التي تقبل التوبة فيها والمعصية التي لا تقبل فيها، لأن التوبة ملغية لكل الذنوب ومطهرة من كل الآثام، فهؤلاء أصفهن بالطيبات لأنهن أصبحن طيبات عندما تبن، وإن شاء الله لا ترد توبتهن ولا ترفض، والمفترض أيضاً أن تُستقبل بمعايشة طيبة وبرفق شديد وبمودة من أهل العلم وأهل المعرفة وأهل الصلاح والتقوى.
س: ... ولكن بعض المغرضين يشكّّك في مصداقية توبتهن؟
ج: ... ليس لأي كائن من البشر أن يشكّك في صدق توبة عبد من عباد الله، فنحن لنا ظاهر الخلق وليس لنا باطن الخلق، لنا
стр. 147
الظاهر ولنا النطق الذي سمعناه، وأتساءل عن حجّة الذين يشكّكون في صدق التوبة وأجيب: لا حجّة لهم على الإطلاق، حجّتهم واهية وباطلة وليس لها سند ولا دليل.
س: ... بعض التائبات ما زلن يعملن سواء في الإنشاد الديني أو المسرح الإسلامي، فهل هناك تعارض بين توبتهن وارتدائهن الحجاب واستمرارهن في ذلك العمل؟
ج: ... المرأة المسلمة عليها أن تتقيد بشرع الله في ملبسها وصلاتها وصومها وزكاتها، ولذلك فإنني أدعو التائبات إلى قراءة شريعة الله للتعرف على ما أمر به الله وما نهى عنه، وحينئذ سيعرفن ما يجب أن يقمن به وما وجب أن يمتنعن عنه، وسيعرفن ما الذي يوافق الدين الإسلامي وما الذي يخالفه، وما يتفق وصدق التوبة وما يتعارض معها، وإن شاء الله يصلن إلى الطريق الصحيح المستقيم.
стр. 148
الخاتمة
والآن - أخي القارئ - هذا أوان ختام هذه الصفحات، التي أردت بتسطيرها أن تكون لَبِنة في صرح الحقيقة المُرَّة، تلك الحقيقة التي ما انفكت تتلبس لأمتنا بلَبُوس خادع؛ وتتشكل لها في صور متعددة، وتتقرب إليها بأسماء محببَّة برَّاقة؛ فمَن من أهل الإنصاف لا يحث على تجسد الإبداع الإنساني الفذِّ بصورة (الفن) ؟! ومن منهم يجرؤ أن يستخف بإمكانات الشباب الواصلة بهم إلى مراتب النجوم؟! فهذا نحَّات مبدع، وآخر ممثل معجزة، وثالث مغن عندليب، وذاك شاعر عقمت النساء أن يلدن بمثله، وتلك مغنية تشدو بما يشبه رنيم الملائكة - بزعمهم -، وأخرى قد تسنَّمَتْ سُدَّة الإعلان المسموع والمرئي، فلم يَفُتْها الترويجُ لمنتَجُ، كما يسعى لاسترضاء خاطرها كلُّ منتِج، كل ذلك وغيره قد انحطّ على رؤوسنا سيلاً جارفًا باسم (الفن) !!
حقًا، لقد شوّه هؤلاء المتصدِّرون - زورًا - للفن، تلك المواهب التي أودعها الله الإنسانَ، فأعملوا فيها معاول الهدم، مستخفِّين بها، مستَخْفين دومًا بستار الحداثة والتجديد؛ ففي كل عَقْد من الزمن ثمة جيل جديد يتحتم عليه نبذ ما كان عليه آباؤهم من أثارة من علم أو بقية من فضيلة، حتى رأينا - بفضل هذا الفن المزعوم - أجيالاً من الشباب قد تعاقبت، لا همَّ لأحدهم سوى التنكر لكل ما كان قديمًا، ولو كان ذلك السابق الفضيلةَ بعينها أو الحكمة بروحها! فلا تلفى أحدَهم بعدها إلا متلقفًا لأخبار أهل
стр. 149
الفن، مستمسكًا بأهداب إنجازاتهم، متتبعًا لأقوالهم، متبنيًا فكرهم؛ فالفنان عنده هو المثال والقدوة، أفلم يُكرِمه المُكرِمون، ويُسبِغوا عليه أوصاف الكمال؟ فهو إذًا - ولا ريب - طيب السريرة، نيِّر الفكر، مرهف الإحساس، أضف إلى ذلك أنه مجلبة لكل مسرة وحبور؛ مفتَّحة له أبواب الثروة والوجاهة! فهل تعجب بعدها إذا رأيت جحافلَ من الشباب والشابات تهرع إلى سبيل الفن، تترسم خطى أهله، وتحاول جهدها اللحاق بركبهم؟ ثم إذا ما عجز أحدهم عن السمو إلى النجومية، هيؤوا له - على وجه العَجَل - «أكاديميات» استوردوها، تأخذ بيده لتدله على معالم الطريق، ولتذكي فيه روح التنافس لبلوغ نهايته وإحراز قصب السبق فيه، فما الذي يرتجيه زيادة على ذلك؟ لقد حيزت إليه فرصة العمر التي لا تتكرر، أما هم فهمُّهم يتجه وجهة مغايرة تماماً، فالمبتغى عندهم استغلال مواهب الشاب - ولو كانت غير ملفتة غالبًا - للتنافس مع أقرانه، ليتم بعدها امتصاص ما في جيوب المشجعين، وتحقيق أرباح خيالية قد لا يجنى مثلُها من أي مشروع آخر! وبذلك تخسر الأمة - مرة تلو أخرى - العنصر الأهم في مقومات نهضتها، إنها الفئة الشابة التي تقوم على كاهلها حضارات الأمم.
ونحن مع كوننا قد حاولنا في ثنايا هذا الكتاب تلمس بعض آثار هذا الفن، ورصد جزء من الجهود الهدامة المتخفية بستاره، وتسليط الضوء على عموم حال أهله، وتسجيل إعلان توبة بعضهم، إلا أنه لا مناص لنا من الاعتراف بأن هذا الجهد المتواضع قد اقتصر على تشخيص هذه الآفة؛ وذلك من وجهة نظري، كمتابع يملك أدوات التشخيص، حيث سجلت الواقع بدقائقه، لكن - ولكوني غير
стр. 150
مختص - فإنني لا أمتلك أدوات تكفل تحويل مسار هذا الواقع نحو المأمول منه، أو حتى التخطيط المختص لذلك، لكني على يقين من معرفتي لما يجب أن يكون عليه هذا المأمول الذي ينبغي أن نسعى جميعًا لتحقيقه، فأنا آمل أن يتصدى المتخصِّصون في مجال الفن لهذه المهمة، واضعين نصب أعينهم أن كل إنسان مسلم يريد أن يسمع ويشاهد ويطالع فنًا جميلاً ومبدعًا، ويكون هذا الفن - في الوقت ذاته - محافظًا ومبرزًا لمزايا وجوهرِ ما يدعو إليه ديننا الحنيف، وما نتمسك به من أخلاقيات سامية، وما نتمتع به من إرث حضاري وتاريخ مشرف ضارب في أعماق الزمن، هذا ما آمله من الفن، وهو عين ما ننتظر من المختصين العملَ على تحقيقه؛ بحيث يقصي من طريقه كل ألوان الهبوط والإسفاف المحيطة بنا.
هذا هو سبيل الإصلاح العملي الذي نراه، فإن واقع الفن وسيله الجارف لا ينتظر منا تشخيصًا وحسب، فهو يطالعنا في كل يوم، بل ربما في كل ساعة، ببدعة فيه مستجِدَّة، ترغِّب شبابنا وتستميل أهواءهم، حتى إن المرء ليحار بعدها متسائلاً: هل عَدِم شباب أمتنا هواية إلا صنوف الفن؟! فإذا ما أمعن الفكر وجد أن الأمر غير مقتصر على إظهار الهوايات ورعاية المواهب بغية إدخال المسرة على القلوب فحسب، لكن الفن في عصرنا قد تحول - جزمًا - إلى حِرفة منظمة تُدار بعناية فائقة، لا همّ لصانعيها سوى تثبيط الهمم وإفساد الأمم، فضلاً عن تكديس الثروات، ولو اتسعت لذلك الذِّمم! ولا شك بأن هؤلاء قد أتقنوا عمل ذلك، وحققوا كثيرًا مما سعَوا إليه، فكيف لنا - والحال هذه - أن نعمل على نقل هذا الفن من واقعه إلى ما يفترض به من دور رائد في صياغة توجهات الأمة، والعمل
стр. 151
على رفعة شأنها؟ إن الأمر يحتاج منا إلى تضافر جهود عملية، إضافة إلى كشف زيفه ومآرب صانعيه بوقع الكَلِم وحجة العلم؛ لذا، فإني أدعو القيمين على وسائل الإعلام في بعض المجتمعات الإسلامية لمزيد من إنصاف حضارة الإسلام، وذلك بمنح قيمه ومبادئه حيزًا كافياً فيما تتلقاه الأمة، وتتغذى به عقولها بل وقلوبها. لقد حرصت الأمم التي سادت في عصرنا على خصوصيات إعلام مجتمعاتهم، وعلى قدسية إرثهم الديني والفكري، فما المعيب - ونحن نقلدهم حَذْو القُذَّة بالقُذَّة - أن نقتدي بهم أيضًا في المحافظة على ما عندنا كما حافظوا هم على ما عندهم؟!
أما أهل الفن، فلهم نقول: أنتم أعلم الناس بحالكم، ونحن نُكبِر في بعضكم الرجوع عن سبيل الغيِّ، لكن المأمول منكم أن تجدُّوا في ممارسة ما ينطبق عليه حقًا وصف «الفن» من رقي ومهارة، فتقدموا للأمة صناعة فن راق هادف، يحافظ على إرثها الحضاري، ويؤكد تميز قدراتها، ولْتَجْنوا بعد ذلك - مع منتجي أعمالكم - ما كُتِب لكم من رزق، فتكسبوا بذلك خيري الدنيا والآخرة.
كما أدعو رجالَ الأعمال الجادِّين في توجهاتهم إلى الكشف عن مخبوء كنز إدارة الأعمال الفنية؛ وذلك بتبني مشاريع ذات جدوى اقتصادية، وتكون - في الوقت نفسه - مؤطرة بإطار القيم الإسلامية، يحولون فيها درب هذا النتاج الغث اللَّفاء إلى نتاج إنساني راق هادف، ويضيقون بذلك السبيلَ أمام أولئك المتربصين بالأمة المستخِفِّين بإمكاناتها والمستنفدين لخيراتها، والمستَخْفين بستار خادع واهٍ يسمونه فنًا، يحاولون من ورائه دك حصونها الدينية
стр. 152
والفكرية، وإن لكم - يا رجال الأعمال - قدوة بما شهده عالم البث الفضائي مؤخراً من قنوات قدمت برامج هادفة وأعمالاً فنية راقية، لاقت استحسانًا منقطع النظير لدى عموم شرائح المجتمعات الإسلامية.
هذا، ولا يفوتني - في هذا المقام - أن أناشد الأسرة الإسلامية في مجتمعاتنا لتمارس دورًا فاعلاً في حسن الرعاية لأبنائها، ولتحافظ على حقها في تحصين النشء المسلم من سهام التغريب، ومعاول الإلحاد والتهويد، وألاّ تدع أفلاذ أكبادها فريسة سائغة للأفكار الهدامة الغريبة على مجتمعاتنا، بل تكون لهم عونًا على فهم الواقع من حولهم على أساس من هدي الإسلام القويم.
وإن مما يجدر ذكره - ختامًا - أن هذا البحث الذي جاء مختصًا بجانب الفن التمثيلي، والذي تم التركيز فيه على بيان واقع أهل هذا الفن، ما هو إلا لَبِنَة تؤسس لأمرين، أولهما: ضرورة أن يستكمل أهل الاختصاص من الباحثين دراسة سائر جوانب الأعمال الفنية، فهي لا تقل أهمية - بحالٍ - عن جانب التمثيل، والآخر: أن تكون هذه الدراسة حافزًا يفتح الباب أمام الجادين المختصين من: أهل الإعلام، وأهل المسرح، وكُتَّاب الأعمال الفنية، لإجراء دراسات نظرية، بل وميدانية؛ يتم التواصل فيها مع القيمين على وسائل الإعلام، وكذلك العاملين في الحقل الفني؛ منتجين، ومخرجين، بل وفنانين في شتى المجالات، وذلك بغرض إحداث نقلة عملية نوعية في مسار تلك الأعمال الفنية، لتكون هادفة ترقى إلى مستوى (الفن) ، وتحقق المأمول منها في المحافظة على إرث الأمة الحضاري، وخدمة أبنائها، والضنِّ بهم عن محاولات التزييف والإفساد.
стр. 153
أسأل الله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل النفع، وأن يُبرم لهذه الأمة أمر رَشَد يُعَزّ فيه أهل طاعته، ويُذَلّ فيه أهل معصيته، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، إنه سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.
стр. 154
ملحق الفتاوى
стр. 155
(١) تحريم تمثيل النبيِّ ﷺ والصحابة ﵃
للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد: فقد اطلعت على ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية في عددها ١٦٢ الصادر بتاريخ ٩/٧/١٣٩٣هـ تحت عنوان (فيلم محمد رسول الله) وقد تضمن الخبر المذكور أنه خلال الأيام الماضية تم التوقيع على عقد تأسيس الشركة العربية للإنتاج السينمائي العالمي، وتولى التوقيع ممثلو حكومات ليبيا والكويت والمغرب والبحرين، وأن الشركة المذكورة تعاقدت مع المخرج مصطفى عقاد لإنتاج فيلم عن النبي ﷺ حياته وتعاليمه (بالسينما سكوب) والألوان، يستمر عرضه ثلاث ساعات ويخرج بعشرين لغة عالمية بما فيها العربية.
وذلك بالاستناد إلى قصة أقرها الأزهر والمجلس الشيعي الأعلى واشترك في صياغتها توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحار وعبد الرحمن الشرقاوي. انتهى الخبر المذكور. ولكون ذلك فيما نعتقد أمراً منكراً، وحدثاً خطيراً يترتب عليه مفاسد كبرى، وأضرار عظيمة واستهانة بالمصطفى ﷺ وتعريض لذاته الشريفة إلى التلاعب بها والاستهزاء والتنقص - رأيت الإسهام في إنكار هذا المنكر، والإهابة بالدول الأربع الموافِقة على إخراجه بالرجوع عن ذلك تعظيماً للنبي ﷺ ، واحتراماً له، واحترازاً عن تعريض ذاته الشريفة للتنقص والاستهانة والسخرية.
стр. 156
ومعلوم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وقد عرض هذا الموضوع على المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة فقرر تحريم إخراج فيلم عن النبي ﷺ ، وتحريم تمثيل الصحابة ﵃، وذلك في المادة السادسة من قراره المتخذ في دورته الثالثة عشرة المنعقدة خلال المدة من ١ إلى ١٣ شعبان ١٣٩١هـ، وهذا نص المادة المذكورة:
١ - ... يقرر المجلس التأسيسي بالإجماع تحريم إخراج فيلم محمد رسول الله ﷺ ؛ لما فيه من تمثيله ﷺ بآلة التصوير الكاميرا مشيرة إليه وإلى موضعه وحركاته وسائر شؤونه بالتحديد، وتمثيل بعض الصحابة ﵃ في مواقف عديدة ومشاهد مختلفة وهو محرم بالإجماع.
٢ - ... يوصي المجلس الأمانة العامة للرابطة بإبلاغ هذا القرار لجميع الدول الإسلامية، والمنظمات الإسلامية، والجمعيات الدينية في البلاد العربية والإسلامية، ووزارات الإعلام، ومشيخة الأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، والصحف، والإذاعات في البلاد الإسلامية كافة.
٣ - ... يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، بإخطار مخرج هذا الفيلم بهذا القرار جواباً على طلبه الأخير بإخراج الفيلم وإنذاره بأن الأمانة العامة للرابطة ستتخذ الإجراءات القانونية ضد كل من يحاول الاعتداء على قدسية وحرمة صاحب الرسالة العظمى ﷺ ، وحرمة أصحابه الأكرمين في أي جهة من العالم.
стр. 157
٤ - ... يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بوضع رسالة في حرمة إخراج فيلم عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين تضم ما أجرته الأمانة العامة للرابطة بشأنه في جميع مراحله، وما صدر فيه من قرارات في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والمنظمات الإسلامية الأخرى، وما صدر بشأنه من القرارات والفتاوى في البلاد الإسلامية عامة، ونشر ذلك في البلاد الإسلامية تبصرة وتنويراً وإرشاداً وتحذيراًَ.
٥ - ... يشكر المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي على ما قامت به من جهود موفقة في هذا الموضوع الخطير. انتهى.
كما قررت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية منع تمثيل الصحابة ﵃ والنبي ﷺ من باب أولى وذلك بقرارها برقم ١٣ وتاريخ ١٦/٤/١٣٩٣هـ الآتي نصه:
(الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة من ١-٧/١/١٣٩٣هـ قد اطلعت على خطاب المقام السامي برقم ٤٤/٩٣ في ١/١/١٣٩٣هـ الموجه إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والذي جاء فيه ما نصه:
نبعث إليكم مع الرسالة الواردة إلينا من طلال بن الشيخ محمود البني المكي مدير عام شركة لونا فيلم من بيروت بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي يصور حياة (بلال) مؤذن رسول الله ﷺ ونرغب
стр. 158
إليكم بعد الاطلاع عليها عرض الموضوع على كبار العلماء لإبداء رأيهم فيه وإخبارنا بالنتيجة، وبعد اطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي، وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك وتداول الرأي قررت ما يلي:
١- ... إن الله سبحانه أثنى على الصحابة، وبيّن منزلتهم العالية ومكانتهم الرفيعة، وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية أو فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى الله عليهم به، وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها الله لهم وأكرمهم بها.
٢- ... إن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعاً للسخرية والاستهزاء، ويتولاه أناس غالباً ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة والأخلاق الإسلامية، مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي وأنه مهما حصل من التحفظ فسيشتمل على الكذب والغيبة كما يضع تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم في أنفس الناس وضعاً مزرياً فتتزعزع الثقة بأصحاب الرسول ﷺ ، وتخف الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين، وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم والجدل والمناقشة في أصحاب محمد ﷺ ، ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله ويجري على لسانه سب بلال وسب الرسول ﷺ وما جاء به الإسلام، ولا شك بأن هذا منكر، كما يتخذ هدفاً لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ﷺ .
٣- ... ما يقال من وجود مصلحة وهي إظهار مكارم الأخلاق ومحاسن
стр. 159
الآداب مع التحري للحقيقة وضبط السيرة وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه رغبة في العبرة والاتعاظ فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين وما يهدفون إليه عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين ورواد التمثيل وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.
٤- ... من القواعد المقررة في الشريعة أن ما كان مفسدة محضة أو راجحة فإنه محرم، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه فمفسدته راجحة، فرعاية للمصلحة وسداً للذريعة وحفاظاً على كرامة أصحاب محمد ﷺ منع ذلك، وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلال من أن محمداً ﷺ وخلفاءه الراشدين هم أرفع من أن يظهروا صورة أو صوتاً في هذا الفيلم، لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير بلال وأمثاله من الصحابة إنما كان لضعف مكانتهم ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة، فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم وتعريضهم للسخرية والاستهزاء في نظرهم فهذا غير صحيح؛ لأن لكل صحابي فضلاً يخصه وهم مشتركون جميعاً في فضل الصحبة وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند الله جل وعلا، هذا القدر المشترك بينهم وهو فضل الصحبة يمنع من الاستهانة بهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. انتهى.
ولكل ما تقدم وما سوف يفضي إليه الإقدام على هذا الأمر من الاستهانة بالنبي ﷺ وبأصحابه ﵃ وتعريض سيرته وأعماله وسيرة أصحابه وأعمالهم للتلاعب والامتهان من قِبَل الممثلين وتجار السينما يتصرفون فيها كيف شاؤوا، ويبرزونها على الصفة التي تلائمهم بغية
стр. 160
التكسب والاتجار من وراء ذلك، ولما في هذا العمل الخطير من تعريض النبي ﷺ وأصحابه ﵃ للاستهانة والسخرية، وجرح مشاعر المسلمين، فإني أكرر استنكاري بشدة لإخراج الفيلم المذكور.
وأطلب من جميع المسلمين في الأقطار كافة استنكارهم لذلك، كما أرجو من جميع الحكومات والمسؤولين بذل جهودهم لوقف إخراجه، وفي إبراز سيرته ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ بالطرق التي درج عليها المسلمون من عهده ﷺ إلى يومنا هذا ما يكفي ويشفي ويغني عن إخراج هذا الفيلم.
وأسأل الله أن يوفق المسلمين جميعاً وحكوماتهم لكل ما فيه صلاح المسلمين في العاجل والآجل، ولكل ما فيه تعظيم نبيهم ﷺ التعظيم الشرعي اللائق به وبأصحابه الكرام، والحذر من كل ما يفضي إلى التنقص لهم أو السخرية منهم أو يعرضهم لذلك، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه (١) .
стр. 161
(٢) حكم ((طاش ما طاش))
بيان للَّجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: -
فنظراً لكثرة التشكيات والاستفتاءات على مدى ست سنوات متواليات من عام ١٤١٦هـ إلى عام ١٤٢١هـ بشأن مسلسلات (طاش ما طاش) لما فيها من مخالفات للشرع المطهر والآداب والقيم، ويمكن إجمال ما لاحظه الناصحون والمستفتون على المسلسلات المذكورة على النحو الآتي:
١- ... السخرية بأهل الخير والصلاح وإلصاق المعايب بهم.
٢- ... خروج المرأة مع الرجال الأجانب وما يتبع ذلك من اختلاط وتبرج وسفور وخضوع بالقول وغير ذلك.
٣- ... العمل على توهين الأخذ بأحكام الشرع المطهر والترغيب فيما نهى عنه، كترك الحجاب وإبداء الزينة للأجانب وقيادة المرأة للسيارة والسفر إلى بلاد الكفر وإلى البلاد التي تشتهر بالرذيلة وتحارب الفضيلة.
٤- ... لمزه المتصفين بالغيرة على محارمهم ونسائهم.
٥- ... إثارة الشهوات في مشاهد بشعة تقتل الحياء وتقضي على العفة.
٦- ... القيام بأفعال فيها رعونة وسخرية وخرم مروءة كالتزيي باللحى المصطنعة ونحوها.
٧- ... تناول عادات بعض البلدان والمناطق ومحاكاة لهجاتهم على
стр. 162
وجه التحقير لأهلها وإظهار معايبهم.
وإنه بعد دراسة اللجنة لتلك الاستفتاءات واطلاعها على رصد موثق لهذا المسلسل فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تبين لعموم المسلمين ما يلي:
أولاً: يحرم إنتاج هذه المسلسلات وبيعها وترويجها وعرضها على المسلمين لأمور منها:
١- ... اشتماله على الاستهزاء ببعض أمور الدين والسخرية ممن يعمل بها. وهذا أمر في غاية الخطورة على من ينتجها ويخشى عليهم من سوء عاقبتها الوخيمة.
٢- ... اشتماله على ما يعارض الشرع المطهر، وحمل الناس على الخروج على أحكام دينهم وشريعة ربهم وذلك من خلال: ترسيخ العلاقات غير المشروعة بين النساء والرجال الأجانب، وعيب الغيرة على المحارم، والتهاون بالحجاب وغير ذلك.
٣- ... اشتماله على الدعاية للبلاد التي تظهر فيها شعائر الكفر، والبلاد التي اشتهرت بالفساد الأخلاقي.
٤- ... اشتماله على ما يثير النعرات والعصبيات الجاهلية عن طريق السخرية بالعادات واللهجات، وهذا ينافي مقاصد الشرع المطهر من الحث على المحبة والألفة والإخاء والصفاء بين المسلمين والبعد عن أسباب الشحناء والبغضاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ
стр. 163
بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *﴾ [الحُجرَات: ١٠-١١] .
٥- ... إفضاؤه إلى نشر الرذيلة، وطمس معالم الفضيلة، وإشاعة الفساد، ومحبة المنكرات والاستئناس بها.
ثانياً: تحرم مشاهدة هذه المسلسلات والجلوس عندها لما فيها من المنكرات وتعدي حدود الله، قال الله تعالى في وصف عباده المتقين: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفُرقان: ٧٢] ، أي: لا يحضرون القول والفعل والمحرم وأعياد الكفار، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *﴾ [الأنعَام: ٦٨] . قال أهل العلم: المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق؛ من تحسين المقالات الباطلة، والدعوة إليها، ومدح أهلها، والإعراض عن الحق، والقدح فيه وفي أهله. وفي الآية دليل على أن مجالسة أهل المنكر لا تحل. وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٠] . قال أهل العلم: ويدخل في عموم الآية حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه.
ثالثاً: تحرم الدعاية لهذه المسلسلات وتشجيعها والإعلان عنها بأية وسيلة لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان وقد نهى الله سبحانه عن ذلك فقال جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المَائدة: ٢] ،
стр. 164
والواجب هو الإنكار على هؤلاء وبغضهم في الله حتى يتوبوا إلى الله تعالى ويقلعوا عن معصيته.
رابعاً: إن تخصيص الكلام في هذا المسلسل (طاش ما طاش) لا يعني سلامة غيره من المسلسلات بل الحكم يتعدى إلى كل مسلسل يشتمل على مخالفة للشرع المطهر، وانتهاك لحرمات الله، وإفساد للأخلاق، وقتل للغيرة الدينية، وتحطيم للمروءة الإنسانية، ودعوة إلى الانحراف بشتى أنواعه.
خامساً: يجب على أهل الإسلام أن تكون حياتهم جِدّاً لا هزلاً وأن يشتغلوا بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وأن يجتنبوا كل ما فيه إضعاف لدينهم، وتوهين لقوتهم، وإهدار لأوقاتهم، وحط لأقدارهم وتمكين لعدوهم منهم.. وإن الحياة لثمينة فليربأ أهل الإسلام عن عمارتها بالباطل وسفاسف الأمور، وليقوموا بحق الله عليهم من التمسك بهذا الدين، وحماية حرماته، وتربية شبابه على الحق والفضيلة وإبعادهم عن العبث والفساد والرذيلة، والواجب على القائمين بإعداد هذه المسلسلات التوبة إلى الله. نسأل الله جل وعلا أن يصلح أحوال الجميع وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل إنه سميع قريب مجيب وبالله التوفيق (١) .
وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
стр. 165
(٣) الآثار السيئة للعبة «البوكيمون»
للشيخ عبد الله بن جبرين ﵀
الحمد لله وحده وصلّى الله وسلّم على محمّد وآله وصحبه وبعد.
فقد رفع إلينا بعض الغيورين دراسة مفصلة حول اللعبة التي تسمى (البوكيمون) وبعد قراءتها والاطلاع على ما فيها تبين لنا أن هذه اللعبة أو الأضحوكة التي شرح الكاتب شأنها وذكر بعد ذلك نماذج من صورها تعد من آلات اللهو واللعب وتدخل في الميسر الذي حرمه الله تعالى وقرنه بالخمر فتكون محرمة إذا كانت لمجرد اللهو الباطل، فقد ورد في الحديث عن بُريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» رواه مسلم، وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» رواه مالك وأحمد وأبو داود، ولأحمد عن أبي عبد الرحمن الخطمي مرفوعاً «مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي» والنرد هو آلة اللعب، وقال عطاء ومجاهد: كل شيء من القمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز، وفي لفظ: حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان، ذكر هذه الآثار ابن كثير عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المَائدة: ٩٠] ، وحيث إن هذه اللعبة يتخذها الأولاد للكسب والأخذ من بعضهم لبعض فإنها من الميسر وهو القمار، وهكذا اتخاذها لمجرد اللعب واللهو الذي
стр. 166
هو لهو الحديث الذي يضل عن سبيل الله، وهكذا ما ذكر من تأثيرها على العقول والأديان والعقائد، فعلى هذا يجب أن تحرق هذه الكروت وأن يتعهد على التجار بعدم استيرادها وعدم بيعها لما لها من الأثر الفعال في أولاد المسلمين، والله أعلم (١) .
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
(٤) حكم أفلام «البوكيمون» وألعابها
بيان للَّجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ...
وبعد، فقد وردت إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أسئلة كثيرة مسجلة لدى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء ومنها (مسجل برقم ٧١٨٠ في ١١/١١/١٤٢١هـ ومسجل برقم ٧٢٤٦ وتاريخ ١٧/١١/١٤٢١هـ) وغيرهما، وكان نص أحدها مايلي:
(انتشرت بين طلاب المدارس في الفترة الأخيرة لعبة تعرف بـ (البوكيمون) مرتبطة بالشخصيات الكرتونية في أفلام البوكيمون، هذه اللعبة التي استحوذت على عقول شريحة كبيرة من أبنائنا الطلاب فأسرت قلوبهم وأصبحت شغلهم الشاغل ينفقون ما لديهم من نقود في شراء بطاقاتها - يتراوح سعرها بين ١٠ و ٦٠٠ ريال بل إن
стр. 167
بعضها يصل إلى ٢٠٠٠ أو ٣٠٠٠ ريال للكرت الواحد - يقضون معظم أوقاتهم في متابعة تطوراتها والبحث عن جديدها في كل مكان ولرواجها ولشدة الإقبال عليها أصبح لها أسواق خاصة وأماكن محددة لبيعها وشرائها وتبادلها، حتى وصل الأمر لإقامة مباريات لهذه البطاقات يتنافس فيها عدد كبير من الطلاب لكسب المزيد منها، والأدهى من ذلك كله أن عدداً ليس بالقليل من الآباء والأمهات أصبح مهتماً بتطورات هذه اللعبة ولا يبخل على أبنائه بتقديم الدعم والمساندة، بل أصبحت هذه الكروت تستخدم للثواب والعقاب بعدما اقتنعوا أن هذه اللعبة لها مفعول عجيب في التأثير في أبنائهم. ولإيضاح بعض الحقائق عن هذه اللعبة وما تخفيه من أخطار جسيمة سواء أكانت عقدية أم تربوية أم سلوكية تؤذي بشكل مباشر فئة معينة من أبنائنا أحببت أن أبين في هذا التقرير الموجز لمحة عن هذه اللعبة مع الإلحاح على مخاطرها العقدية المفجعة وآثارها التربوية السلبية محاولاً بعون الله أن أضع أمام الغيورين والمهتمين بتربية طلابنا تربية عقدية سليمة بعض ما وصلت إليه من خلال متابعتي لهذه اللعبة بعد أن استفحل أمرها في مجتمعنا.
ما البوكيمون؟
نشأتها:
لعبة البوكي أو ما يعرف بالبوكيمون قدمت من أقصى بلاد الشرق وتحديداً من اليابان، وتعود الفكرة إلى التسعينات عندما تخيل رجل ياباني اسمه ساتوشي تاجيري وهو من المهتمين بجمع أنواع الحشرات، تخيل هذا الرجل أن العالم سوف يغزوه عدد هائل من الحشرات والحيوانات الغريبة الأشكال قادمة من الفضاء ومن ثم يبدأ
стр. 168
الإنسان بالتقاطها، وهذه الحشرات والوحوش قابلة للتطور والارتقاء نحو الأفضل وفي كل مرحلة يتغير شكلها، فمثلاً الحيوان ذو الرأس الواحد قد يتطور ويصبح له ثلاثة رؤوس أو قد يخرج له أيد وأرجل في مرحلة ما، هذه الفكرة راقت لشركة يابانية عملاقة تدعى (ننتندو Nintendo) حيث تبنت الفكرة فطورتها وجندت لها إمكانيات هائلة واستقطبت عدداً كبيراً من المصممين والرسامين للقيام برسم نماذج لهذه اللعبة وفرضت رقابة مشددة على عملهم حيث إنها منعت الصحفيين من الدخول إلى الأماكن التي تصمم بها هذه الرسوم (كما حصل ذلك مع إحدى محطات التلفزيون الأمريكية التي أرادت إجراء تقرير عن تصميم هذه الرسوم) ، وما لبثت هذه اللعبة حتى انتشرت انتشار النار في الهشيم في معظم أرجاء العالم وحققت الشركة المنتجة أرباحاً خيالية بلغت مليارات الدولارات، وأنشأت لها مقرات في كثير من عواصم العالم وأصبحت لها مطبوعات ودوريات وأشرطة فيديو وتبنت بث برامجها محطات تلفزيونية عديدة، واستحدث لها مواقع عديدة على شبكة المعلومات (الإنترنت) .
طريقة لعب البوكيمون:
لقد وضع منتجو البوكيمون قواعد وضوابط محددة لممارسة هذه اللعبة مراعين في ذلك منهج الاستمرارية إذ يبقى اللاعب يبحث عن الجديد لاهثاً بلا نهاية. وهي تأخذ عدة أشكال منها المعقد والتي يستخدم فيها الزهر والأوسمة ولها طاولة معينة وهي تحتاج إلى وقت طويل لتعلم مهاراتها. ومنها ما هو المبسط والتي تتلخص باستحواذ الكرت القوي على الكرت الأقل قوة، وما يميز الكرت القوي أنه يحتوي على رموز وإشارات وأرقام معينة ترفع من قيمته.
стр. 169
المحاذير الشرعية في هذه اللعبة
١ - القمار والميسر:
حيث إنها تشتمل على القمار المحرم إذ يتنافس اثنان بعدد من الكروت المختلفة الأثمان لكل كرت منها قيمة متعارف عليها ويكون أحدهما يملك كرتاً قوياً يكسب كروت الشخص الآخر الأقل قوة، فإذا لم يرد الطرف الخاسر أن يفقد الكرت فإنه يدفع بدلاً عنه قيمته وقد يزيد في السعر حسبما يحدده الكاسب. وهذه إحدى صور المقامرة في الجاهلية حيث كان الرجل يقامر غيره على ماله وأهله فأيهما كسب أخذ مال الآخر وحتى أهله بسبب هذه المقامرة، وهذا مذكور عند تفسير قوله تعالى: [المَائدة: ٩٠] . وهذه المقامرة هي ما يقع من الطلاب في مدارسنا من خلال هذه اللعبة حيث يقامر الطالب بكروته ذات القيمة المالية، والكاسب يأخذ كروت صاحبه ذات القيمة المالية وإذا أراد الخاسر أن يُبقي على كروته وجب عليه أن يدفع مقابلها قيمة مالية ليبُقي عليها.
٢ - تبنيها لنظرية التطور والارتقاء:
لعل أهم ما يجعل المرء يستنكر هذه اللعبة هو أنها تتبنى نظرية النشوء والارتقاء التي نادى بها (داروين) والتي تقوم على تطور المخلوقات والتي تُرجع أصل الإنسان إلى سلسلة من الكائنات الحية المتطورة التي كان من آخرها القرد.
والعجيب أن كلمة تطور أصبحت كثيرة التردد على ألسنة الأطفال حيث إنك تسمع من الطلاب أن هذا الحيوان الموجود في الكرت قد تطور وأصبح بشكل مختلف ويتابعون تطوره بشغف شديد.
стр. 170
٣ - اشتمالها على رموز وشعارات لديانات ولمنظمات منحرفة:
إن المتأمل لبعض هذه البطاقات يُصدم ويتفطر قلبه مما يراه ويجده من رموز وشعارات وصور جزئية مشوهة ذات مدلولات خطيرة جداً تثبت أن هذه اللعبة لم تنشأ بهدف التسلية والترفيه كما يزعم منتجوها ومروجوها، بل إن وراءها أصابع خفية ومنظمة تعمل بدقة لنشر أفكارها المنحرفة عبر الكثير من هذه الرموز والشعارات الموجودة في هذه اللعبة والتي تستخدمها أكثر الحركات الهدامة في العالم، إذ تترك هذه الرمزية مساحة واسعة للمناورة على من يريدون تضليله حيث يفسرون له الأمور وفق ما يهوى وما يحب لجعلها عالقة في الأذهان وليتعلق بها من يستخدمها، وهذا ما حدث فعلاً لدى شريحة كبيرة من أبنائنا ولعلي أورد هنا بعض المقتطفات عما تعطيه المنظمات المنحرفة من أهمية للرموز والرسوم والشعارات فهم يقولون: (إن السر ينتقل عبر الكلمة والصورة والكتاب. والكتابة هي شعائر وهي لم تنشر إلا بصورة جزئية مشوهة) ومن هذه الرموز:
أ - النجم السداسي:
حيث قلَّ أن تجد كرتاً يخلو من هذا النجم الذي لا يخفى على الجميع ارتباطه بالصهيونية العالمية، كما أنه يُمثل شعار دولة إسرائيل ورمزها المقدس. كما أنه الرمز الأول للمنظمات الماسونية في العالم.
ب - الصليب:
يوجد في هذه اللعبة العديد من الصلبان المختلفة الأشكال وهو الشعار المقدس لدى النصارى.
ج - المثلثات والزوايا:
وهي رموز لها مدلولات هامة عند الكثير من المنظمات المنحرفة كالماسونية.
стр. 171
د - رموز من المعتقد الشنتوي:
الشنتوية عقيدة سكان اليابان التي تقوم على تعدد الآلهة فالشمس والأرض والكثير من الحيوانات والنباتات مقدسة لديهم وهي تأخذ صفة الآلهة. وقد احتوت اللعبة على الكثير من هذه الصور) . انتهى.
وقد سأل السائلون عن حكم تلك اللعبة التي تسمى: «البوكيمون» .
وحيث إن هذه اللعبة تشتمل على عدد من المحاذير الشرعية التي منها - الشرك بالله باعتقاد تعدد الآلهة، ومنها الميسر الذي حرمه الله بنص القرآن وجعله قريناً للخمر والأنصاب في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المَائدة: ٩٠-٩١] . ومنها ترويج شعارات الكفر والدعاية لها وترويج الصور المحرمة، وأكل المال بالباطل.
لهذه المحاذير وغيرها فإن اللجنة الدائمة ترى تحريم هذه اللعبة، وتحريم الأموال الحاصلة بسبب اللعب بها لأنها ميسر وهو القمار المحرم، وتحريم بيعها وشرائها لأن ذلك وسيلة موصلة إلى ما حرم الله ورسوله، وتوصي اللجنة جميع المسلمين بالحذر منها ومنع أولادهم من تعاطيها واللعب بها محافظة على دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم.. وبالله التوفيق (١) .
وصلّى الله على نبيّنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.
стр. 172
(٥) حكم بيع السلع المروِّجة للبوكيمون وشراؤها
بيان للَّجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي / عبد الرحمن حمد السالم والمُحال للجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٦٣٠٤) وتاريخ ٢٠/١٠/١٤٢١هـ وقد سأل المستفتي عما يلي: (لا يخفى على علمائنا الأفاضل ما تتعرض له الأمة الإسلامية والعربية من غزو فكري مكثف يهدف إلى التغريب وإلى زعزعة الثوابت والأسس لدى الأمة وإلى نقل ثقافات وخرافات وأساطير العالم المتقدم بشتى صوره ومفاهيمه إلى شعوب هذه المنطقة وأفرادها بل إلى استنزاف أموال تلك الشعوب مقابل الظفر بتلك الترهات والخرافات.
ولقد كان للطفل المسلم النصيب الأكبر فهو يتعرض إلى سيل كبير جارف من تلكم الثقافات الدخيلة يتلقاها من خلال الشاشة والقنوات الفضائية فيما يسمى بأفلام الكرتون، ويساهم في إكمال دور تلك القنوات وتفعيلها المحلات التجارية بالتعاون مع الشركات الأجنبية، والتي تقوم بتجسيد علاقة الطفل مع تلك النماذج والشخصيات عملياً بإغراق الأسواق بأنواع السلع الخاصة بالأطفال، لعب، أدوات، وحقائب مدرسية، ملصقات ... إلخ، صور وأسماء وشعار الشخصيات الكرتونية بعرض جذاب مغرٍ يندفع الآباء إلى شرائها تحت إلحاح أطفالهم دون الالتفات واللامبالاة بأثر تلك الشعارات
стр. 173
والأسماء، والصور على شخصية الأطفال وثقافاتهم واهتماماتهم. ومما انتشر في هذه الأيام بشكل ملحوظ وخطير "بوكيمون" الفيلم الكرتوني المدبلج الذي يحكي قصة مخلوقات عجيبة وغريبة وخيالية تقوم بأعمال خارقة تتطور وتتشكل من شكل إلى آخر، ثم طرحت في الأسواق منتجات وسلع " بوكيمون " الباهظة الثمن على شكل كرات وكروت يلعب بها الأطفال وحلويات وملصقات وحقائب وأدوات مدرسية تحمل صورة تلك الشخصيات وشعاراتها والأشكال التي وصلت إليها بعد تطورها.
والسؤال: ما حكم بيع وشراء وتبادل هذه السلع والمنتجات الخاصة بهذا الفيلم وهذه الشخصيات؟ وما توجيه المشائخ الكرام إزاء هذه المنتجات؟ وما حكم مشاهدة مثل هذه الأفلام؟ وجزاكم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين) .
الجواب: وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنّه لا يجوز بيع وشراء السلع والمنتجات الخاصة بالفيلم المذكور، لأن ذلك من أكل المال بالباطل ومن التعاون على الإثم والعدوان، وتربية الأطفال على اللهو واللعب، وترويج الصور المحرمة وغير ذلك من المحاذير، فيجب التحذير من هذا العمل والتعاون معه، وبالله التوفيق (١) .
وصلّى الله على نبيّنا محمّد وآله وصحبه وسلّم
стр. 174
(٦) حكم مشاهدة المسلسلات التلفزيونية
للشيخ صالح الفوزان حفظه الله
السؤال: ما حكم مشاهدة المسلسلات التي تذاع بالتلفزيون؟
الجواب: على المسلم أن يحفظ وقته فيما يفيده وينفعه في دنياه وآخرته؛ لأنه مسؤول عن هذا الوقت الذي يقضيه؛ بماذا استغله؟
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فَاطِر: ٣٧] .
وفي الحديث: أن المرء يسأل عن عمره فيما أفناه ... (١) .
ومشاهدة المسلسلات ضياع للوقت؛ فلا ينبغي للمسلم الانشغال بها، وإذا كانت المسلسلات تشتمل على منكرات؛ فمشاهدتها حرام، وذلك مثل النساء السافرات والمتبرجات، ومثل الموسيقا والأغاني، ومثل المسلسلات التي تحمل أفكاراً فاسدة تخل بالدين والأخلاق، ومثل المسلسلات التي تشتمل على مشاهد ماجنة تفسد الأخلاق؛ فهذه الأنواع من المسلسلات لا تجوز مشاهدتها (٢) .
(٧) المطبوعات والأفلام التي تدعو للانحراف
للشيخ محمد عبد الله الخطيب حفظه الله
السؤال: ما نظرة الإسلام في ظاهرة المطبوعات والأفلام التي
стр. 175
تدعو للانحراف؟
الجواب: إذا تضمن الفيلم أو المجلة لفظاً (نابياً) أو جملة ساقطة أو منظراً خليعاً من شأنه أن يثير الغرائز أو يتطاول على الفضائل أو يحث على الرذيلة فكل هذا حرام وفساد وشر، وقد توعد الله من يقوم بهذا العمل فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ *﴾ [النُّور: ١٩] ، إن الكلمة أو الصورة سلاح ذو حدين إذا أحسن الناس استخدام هذه الأدوات في الإصلاح انتفعت الأمة وارتقى المجتمع فيكون ذلك في هذه الحالة خيراً وبركة، أما إذا أسيء استخدامه من قبل بعضهم فإنه يكون بمثابة معول هادم لكل الخصائص والمقومات للفرد والمجتمع، وهنا يكون بلاء ووباء ويسبب الكثير من العلل والبلايا، وانحرافات الشباب وإغراق بعضهم في المعاصي دليل على ذلك.
والمسلم الصادق - مهما كان عمله - يتمنى من صميم قلبه أن تنتفع المجتمعات الإسلامية بالوسائل الإعلامية الحديثة، وأن تكون وسيلة لبناء الفرد وحماية الأسرة وتوجيه الجميع إلى الصلاح والفلاح.. يقول الله لبيان أثر الكلمة الطيبة في حياة الناس: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥] .
أما الصورة الأخرى فهي الكلمة السيئة والعمل الخبيث فقد قال الحق فيه: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ *﴾ [إبراهيم: ٢٦] .
стр. 176
بصّرنا الله بالصواب وهدانا إليه، ونحن أمة في أشد الحاجة إلى شبابها النافع الجاد. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه (١) .
(٨) حكم تجارة أشرطة الفيديو المفسدة
للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
السؤال: ما حكم تجارة أشرطة الفيديو.. التي أقل ما فيها أن تظهر فيها النساء سافرات، وتمثل فيها قصص الغرام والهيام؟
وهل مال التاجر حرام؟ وماذا يجب عليه؟ وكيف يتخلص من هذه الأشرطة والأجهزة؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب: هذه الأشرطة يحرم بيعها واقتناؤها وسماع ما فيها والنظر إليها؛ لكونها تدعو إلى الفتنة والفساد.. والواجب إتلافها والإنكار على من تعاطاها؛ حسماً لمادة الفساد، وصيانة للمسلمين من أسباب الفتنة. والله ولي التوفيق (٢) .
стр. 177
(٩) حكم الموسيقا والغناء
للشيخ محمد عبد الله الخطيب حفظه الله
السؤال: ما حكم الأغاني ودخول السينما ومشاهدة التمثيليات وسماع الموسيقا ... ؟
الجواب: هناك إجماع بين المؤرخين على أن اللهو بصوره المختلفة هو من أخطر الأسباب التي تعرض الأمم للهلاك والزوال. وصدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا *﴾ [الإسرَاء: ١٦] .
ولو درسنا تاريخ الأمم ما وجدنا أمة أغرقت في الترف إلا زالت وهلكت.
والإسلام لا يحرم الطيبات، ولا يكبت مشاعر الإنسان وغرائزه، وقد خلقه الله وفطره على الميل إلى الطيبات. فتراه ينشرح صدره ويرتاح حين يشاهد منظراً جميلاً أو حديقة منسقة أو جدولاً رقراقاً تلعب أمواجه، كما ينشط حين يشم رائحة زكية أو وردة فواحة. والقرآن لا يكتفي بالدعوة إلى اتخاذ الزينة والتمتع بالطيبات فحسب ولكنه يستنكر أن يحرم أحد هذا، قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعرَاف: ٣٢] وقال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *﴾ [الأعرَاف: ٣١] .
ومن قديم عرف الإنسان الأناشيد يرددها وهو يكافح ليستعين بها على الأعمال الشاقة، والعرب كانوا يستعينون «بالحداء» في أسفارهم
стр. 178
بقصد أنس النفس، وحث الإبل على السير.
والمسلمون من الرعيل الأول كانوا يرددون وهم يحفرون الخندق حول المدينة هذا النشيد:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
ويرى الرسول ﷺ نسوة من نساء الأنصار في زفاف عروس فيأمر السيدة عائشة أن ترسل معهن من يردد هذا النشيد:
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
ولولا الحبة السمراء ... ما جئنا بواديكم
وما استقبل به الأنصار رسول الله ﷺ يوم دخوله المدينة (١) وهو النشيد الخالد:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة ... مرحباً ياخير داع
أناشيد أو أغانٍ كلها عفة ونقاء وطهارة، اللفظ طيّب والمعنى في غاية السمو، يطرب لها القلب وتستريح لها النفس.
فهذه الصور وأمثالها أقرها الإسلام واستحبها في المناسبات السارة كأيام العيد والعرس وقدوم الغائب. وفي وقت الوليمة والعقيقة بعد
стр. 179
ولادة المولود، واتفق الفقهاء على إباحة ما كان في هذا المستوى لإثارة الشوق إلى الحج، وفي تحريض المجاهدين على القتال.
وفي حديث السيدة عائشة: «إن أبا بكر ﵁ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى - عيد الأضحى - تغنيان وتضربان. والنبي ﷺ متغش بثوبه. فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه وقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» (١) .
وذلك هو موقف الإسلام من الغريزة: موقف الاعتدال والقصد، من غير قضاء عليها ولا مصادرة لها، ولكنه يوجهها إلى الاستقامة ويهذبها ويقف بها عند حد الاعتدال. فيأخذ الإنسان القدر الذي يحتاجه وينفعه في حدود الانضباط بالشرع وأحكامه التي حددت هذا المجال.
الفن الفاسد:
١ - ... إن السماع الدائم للموسيقى يجعل النفس البشرية في حالة ارتخاء مستمر، فتقوى بها نوازع الهوى والإخلاد إلى الراحة وكراهية التكاليف والمشقات، وهذا خطر من الأصل على وجود الأمة وشعورها بواجبها، واستعدادها للتضحية له، وهذه أول عقوبة فطرية تترتب على هذا الانحراف.
٢ - ... الموسيقا ذروة اللهو. واللهو ذروة الحياة الدنيا، فاستغراق الإنسان في الموسيقا والأنغام وإقباله الدائم عليها يجعله في موضع عمل ينصرف عن الآخرة ومشاعره مخدرة وكل همه الدنيا.
وأما ما يستدل به بعضهم على حِل الأغاني والموسيقا مما قرؤوه
стр. 180
في بعض الكتب مثل كتاب الأغاني فلا يصح، فهو كتاب أدب لا يصلح دليلاً على الحل والحرمة، وما ورد فيه وفي أمثاله لا يحتج به، ودين الله هو الحجة على الناس، وكل مخلوق يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم ﷺ .
٣ - ... وقت المسلم هو أثمن وأغلى من أن يُنفق في هذه التفاهات، لأن العمر هو الزمن وهو أغلى شيء في الحياة وكل شيء له عوض إلا العمر، والحسن البصري يقول: «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي فيه ملك: يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزوّد مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة» .
٤ - ... إن وقت الإنسان في العادة موزع بين العمل والإنتاج والنوم والطعام وغيره. وما يتبقى بعد ذلك من الوقت ينبغي أن يصرفه الإنسان على إصلاح ذات نفسه، باستكماله فضائلها وكمالاتها. ومجتمع يقضي وقت فراغه في مثل هذا يرجى له خير.
أما إذا شغلت أوقات الفراغ هذه بوسائل اللهو والتسلية والباطل، أصبح الإنسان يعيش حياة الحيوان التي ليس للمخلوق فيها هدف سوى طعامه وشرابه ومتعته. والبحث عما يؤدي إلى هذا. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محَمَّد: ١٢] .
٥ - ... فإذا أضيف إلى هذا كله الغناء الذي ينبع عن تصور فاسد، وعن عواطف خسيسة، وعن فكر رديء، وعن مشاعر منحرفة، فإن هذا كله قتل للأمة وروحها ومسخ لحقيقتها. اهـ.
إن ما قرره العلماء من حرمة لهذه الآفات التي نراها - وقد