Полный текст (668 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قَالَ تَعَالَى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) أقبل لا يتعدى بـ (في)، قَالَ تَعَالَى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) وقال سبحانه: (وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ) وحين تعدى بغير حرفه المعتاد كان لا بد من حمله على التضمين. قال البيضاوي: أي أصحاب العير التي توجهنا فيهم. ومثله قال البروسوي، فضمن أقبل معنى (وجه) والمتعدي بـ (في) كما في اللسان: وجهته في حاجتي.
أقول: لعل الإقبال يتضمن في سياق الآية معنى (السلوك)، ويكون معنى الآية: واسأل أصحاب العير أو القافلة التي سلكنا فيها. أما في الذاريات: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) فالإقبال في هذا السياق يحمل معنى (الشروع): شرعت في الصياح. أو كما قال أبو السعود: في صيحة من الصرير. أو كما قال الزمخشري: فجاءت صارَّة وجهها وإنما جاء الإقبال بدل الشروع ليكون باعثا على استحضار الخاطر فيما بدا عليها من استغراب، وما وقع في نفسها من استحسان. فإذا سأل سائل بعد هذا لم جاء التعبير بلفظ الإقبال في سورة يوسف بدل السلوك؟! أقول: كان سلوكهم في أصحاب العير في القافلة في غرض الإقبال على أبيهم. ومن أجل هذا استغنى عن المعلول
стр. 212
بذكر العلة للعلم بغرضه وسفور مراده فجمع التضمين المعنيين حين تعدى الفعل بغير حرفه، الإقبال في العير - أي السلوك في القافلة - للإقبال على أبيهم طمعاً في الإيجاز ورغبة في الإعجاز.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) أجاز ابن قتيبة والطوسي والطبرسي والرماني أن تكون (إلى) بمعنى (مع) وذهب ابن جرير الطبري إلى تضمين (الأكل) معنى (الخلط).
على حين ضمنها أبو حيان معنى الضم، وزاد ابن جزي على الضم معنى الجمع و (إلى) بمعنى (مع)، وتساءل الزمخشري: حرم عليهم أكل مال اليتيم وحده فلم ورد النهي عن أكله معها؟ وأجاب: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أكل أموال اليتامى بما رزقهم من حلال، كان القبح أبلغ والذم أحق.
وقال القرطبي: قالت طائفة من المتأخرين: إن (إلى) بمعنى (مع) وليس بجيد، وقال الحذاق: (إلى) على بابها والفعل يتضمن الإضافة والضم بعد هذا العرض.
أقول: إن تضمين الأكل معنى الجمع والخلط والضم لا يفي بالغرض لأن قصود الأوصياء من أموال اليتامى هو السطو عليها وليس مجرد الجمع
стр. 213
للتخزين أو الضم للمباهاة، ولهذا لابد من تضمين الفعل ما يكشف عن الغرض للإبانة عن المطلوب.
المنهج الإسلامي يطهر المجتمع المسلم من رواسب الجاهلية المضيعة لحقوق الضعفاء فيكفل حق اليتيم عن طريق التحذير المخيف بلغة النهي مرة (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) ومرة بإعلان النتيجة (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) فليس الإيمان مجرد مشاعر، ولكنه نظام منبثق عن منهج. فلا إيمان لمن لم يخضع لهذا النظام، ويتلقى من هذا المنهج. نعم لا تفلح إلا التقوى لأنها تتكفل الرقابة على الضمير فتجعل للتشريع قيمته، ولعل تضمين (أكل) معنى (أحال وصرف) يفي بهذه الحاجة ومعناه: لا تصرفوا ولا تحيلوا أموالهم إلى أموالكم فتجعلوها في موطن الريب والشبهة لعارض شرٍّ حملكم على سلبها (أكلها)، بل اصرفوها عنها لتتقوا الشبهات، ومن يتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، واستعمل لفظ الأكل لأن العرب تأنف من اللف فهي صورة منفرة تُسوِّئُ إلينا أن نأكل مما طالت إليه أيدينا من حلال وحرام، فصَرفُ مالِ اليتم إلى ماله سبيل لأكلها واستهلاكها، فهو في الأكل مدفوع بشهوة الطعام وهو في إحالتها وصرفها إلى ماله مدفوع بشهوة السلب والنهب، وكلا المعنيين في التضمين لأنسه بسفور مراده يبعث على استحضار الخاطر وإرهاف الفكر.
* * *
стр. 214
قَال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)
يقول العز بن عبد السلام: ضمن يأكلون في بطونهم معنى يحتوون أو يُلقون أو يطرحون أو يُدخلون لأن الأكل لا يقع في البطون وإنما في الأفواه.
أقول: من أكثر الأوصياء تؤكل أموال اليتامى رغم احتياطات قضاة الشرع ورقابة الهيئات الحكومية.
كلا ... لا يفلح فيها إلا التقوى، وهي وحدها تتكفل برقابة الضمير الذي لا يستقيم إلا عندما يحس أن اللَّه مطلع عليه وأن اللَّه معه.
فإن قلت: لماذا سمى سلْب أموال اليتامى ونهبها أكلا؟ أكان لجأ إلى المجاز لضيق الحقيقة؟! ... كلا بل لأن العرب تأنف من كثرة الأكل وتنسب
البطنة إلى البهائم وهي أقبح الملاذ، ولذلك أطلق على سلب مال اليتيم لفظ الأكل لينفر النفوس بمقتضى الفطرة، ومثلها (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) و (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ولفظ البطون إنما جره الأكل للتأكيد على شناعة جريمة المعتدين على أموال الأيتام، فجعل في هذه البطون نارا. فضمن الأكل معنى النبذ إنما ينبذون في بطونهم نارا فالتضمين أعان على استكمال قبح صورة الأكل، وكأنَّه شيء ينفر منه الطبع وتتقزز منه النفس فتنبذه أو تلقيه أو تطرحه، وأين يُرمى وُينبذ؟ في البطون ... وكأنَّها مجامع القمامات أو محرقة للنفايات. إنها الألفاظ جُعلت مصايد وأشراكا لاصطياد المعنى المطلوب وتحصيله.
стр. 215
أرأيت كيف يبعث إلطاف النظر في الفعل حين يتعدى بغير حرفه على الكشف عن غرضه؟!
إنه التضمين ... وإنه غور من العربية بطين، ومذهب نازح فسيح.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) قال الزركشي: أي يمتنعون من وطء نسائهم بالحَلف. وذهب أبو حيان إلى أن (آلى) لا يتعدى بـ (مِن) فقيل: (مِنْ) بمعنى (على) وقيل بمعنى (في) ويكون ذلك على حذف مضاف أي على ترك وطء نسائهم أو في ترك وطء نسائهم. وقيل: (مِنْ) زائدة والتقدير يؤلون أن يعتزلوا نساءهم، وقيل: يتعلق بمحذوف. وقال الراغب: الإيلاء: الحلف الذي يقتضي النقيصة في الأمر الذي يحلف فيه وصار في الشرع: الحلف المانع من جماع الزوجة.
أقول: الإيلاء لازم لا يتعدى، وإنما تعدى هنا ب (مِنْ) لتضمنه معنى الامتناع بالحلف وامتنع يتعدى بمن. ولو سألت لم جاء التعير بلفظ الإيلاء بدل الامتناع؟ لأجبت: لوجود معنى الحلف المانع من المعاشرة الزوجية.
فإن كان علاجا موقوتا للزوجة المتكبرة على زوجها لإذلاله فقد جاء التحديد بأربعة أشهر لمواجهة هذه المشكلات في الحياة الزوجية بألا يزيد على الأربعة وإلا صار إيذاء للزوجة وإضرارا بها في الهجران، وتمزيقا لأوصال العشرة الزوجية في تحطيم الأسرة، لقد رفع اللَّه هذه الرابطة إلى مستوى العبادة وأراد لها الاستقرار. الزواج في الإسلام عبادة، نعم عبادة في المباشرة والإنسال، في الطلاق والانفصال، في العدة والرجعة، في النفقة والمتعة، في الإمساك
стр. 216
بمعروف والتسريح بإحسان، في الرضاع والفصال، في الإيلاء والهجران ... في ... وفي ... وفي.
وفي أجواء هذه العبادة لا يُغفل التشريع فطرة الإنسان وضروراته لأنه يتعامل مع بشر، لهم مشاعر وعواطف وطبائع تدفعهم إلى الإيلاء، إلى الامتناع عن المعاشرة، ولم يحرم الإيلاء، لأنه قد يكون علاجا، ولكن جعل له حدا أقصاه أربعة أشهر، لئلا يدع للرجل ما يريد من إعنات زوجته وإيذائها حين تبقى معلقة، فإذا استنفذ التشريع جميع وسائل الإصلاح لاستنقاذ هذه المؤسسة من الانهيار، جاء الطلاق علاجا واقيا.
أرأيت كيف ضُمن الإيلاء معنى الامتناع عن طريق الحرف (مِنْ) والذي كشف لنا الغامض وبين ما تضمنته مطاوي هذه الحروف من أسرار؟!.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) (١).
لا يألونكم: لا يمنعونكم شرا ولا فسادا ليفيد معنى المنع وترك التقصير في المنع قاله العز، وقال الزمخشري: تعدى هنا إلى مفعولين على التضمين أي لا أمنعك نصحا ولا أنقصك، على حين جعله أبو حيان يتعدى إلى واحد بحرف الجر، نحو ما ألوت في الأمر، أي ما قصرت فيه، قيل: انتصب خبالا على التمييز المنقول من المفعول، وقيل: مصدر في موضع الحال.
стр. 217
وفي النهر الماد: الأحسن تخريجه على التضمين أي لا يمنعونكم فسادا، وقال البيضاوي: الأُلُؤُ: التقصير، لا يقصرون في الفساد وأصله أن يتعدى بالحرف وعدي إلى مفعولين على تضمين معنى المنع أو النقص. أما ابن الأنباري فقال: ويختص التضمين عن غيره من المعديات بأنه قد ينقل الفعل إلى أكثر من درجة ولذلك عدي ألوت بقصر الهمزة إلى مفعولين بعدما كان قاصرا وذلك في قولهم: لا ألوك نصحا ولا ألوك جهداً لمّا ضُمن معنى لا أمنعك ومنه (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) والخبال تقطيع الأيدي والأرجل. ومثله العُكبري.
أقول: صورة ناطقة للغيظ الكظيم، والشر الدفين، واضحة الملامح تكشف عن دخيلتهم بفعل قاصر ألَوْت في الأمر عداه العليم إلى مفعولين لا يمنعونكم سوءا (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) ليفضحَ كل خالجة من أهل الكتاب في إعنات المسلمين والكَيد والدس لهم ونَثر الشوك في كل سبيل ... فهل ينخدع بعدها المسلمون فيمنحونهم الود أو الثقة أو الولاء؟!.
الفعل قاصر فلماذا عدَّاه الجليل؟ ليكون المسلم حصيفا عاقلا فلا يفضي إليهم بالمودة، أو يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة أو يتخذ منهم بطانة ليجعلهم أمناء على مصالحه، ولم يَرِد هذا التحذير مقصورا على فترة
стр. 218
تاريخية معنية، لا ... ولكنها حقيقة مكشوفة نجدها في واقعنا اليوم بشكل ملموس حين تبلغ بنا الهزيمة الروحية إلى أن نجاملهم على حساب عقيدتنا بل نطيعهم، فنلقى العنت الذي يتمنونه لنا، ونلقى الخبال الذي يدسونه في صفوفنا فنضعف ونستخذي.
أجل ... لقد شارفَنا هذا المعنى وتَلوحَ لنا بعضه من حيث إن الحال والتمييز فضلة قد يُستغنى عنهما، أما المفعول فعمدة لا يصح معنى الفعل بدونه، ثم لم جاء العليم سبحانه بالفعل القاصر (أَلَو) ثم عداه، ولم يأت بالفعل المتعدي (منع) وهو في معناه؟ وأجيب: إن نفيَ الألؤ عنهم إثباتٌ لضده فيهم، فهم لا يفتُرون ولا يضعفون ولا يُقصرون في إيذاء حَمَلة لواء الدعوة وأصحاب العقيدة، بل يجتهدون في إيذائهم. أما (منع) ففيه موقف سلبي لهذه البطانة فلو وجدوا أذى موجها إلى المؤمنين أو مكيدة تدبر لهم، حالوا دون وصولها إليهم، فالتضمين فتح كلا السبيلين على المؤمنين من هذه العصابة المجرمة - أهل الكتاب: يهودا كانوا أو نصارى.
فإن تباعد عنك شيء من أسرار هذه اللغة، فصُره إليك بالتأتي وحسن التأويل، لأنه دقيق المسلك يُسفر عن وجهه عند الفحص عن كنهه.
إنه التضمين ..
فيه من الأسرار كل مَظِنةٍ ... بالأُنس تبسُطُ أوجُه الجُلَّاسِ
* * *
стр. 219
قَال تعالى: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) معناه ولا تُقروا وتعترفوا إلا لمن تبع دينكم، حكاه العز، قيل: اللام زائدة كما في قوله تعالى: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ) والأجود لدى أبي حيان عدم الزيادة، وضمن يؤمنوا معنى يُقروا ويعترفوا.
قال أبو علي: وقد تتعدى (آمن) باللام (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ). وقيل: آمن له أي به كقوله تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ).
أي به كما قال القرطبي. وقال أبو السعود: أي تقروا بتصديق قلبي، ومثله البروسوي. وقال الطبري: تصدقوا. وقال صاحب الجلالين تقروا وتعترفوا. وقال بعضهم: إن لم تذعنوا لي وكابرتم مقتضى العقل فكونوا بمعزل مني فاعتزال الباطل واجب.
أقول: لعل تضمين (تؤمنوا) معنى (تذعنوا) أو معنى (تطمئنوا) والمتعدي باللام أولى من (اعترف) كما قال أبو حيان، أو صدق أو زيادة اللام، أو إبدال اللام بالباء، كما ذكر القرطبي، فلا نأمن الشناعة لمكانه.
فقولهم مدفوع ولا رجوع إليه. إن للصهيونية والصليبية عملاء في شتى بقاع الأرض وفي صور متعددة من صحفيين وكتاب وشعراء ورؤساء، وباحثين منتمين للإسلام، وبعضهم من علماء الشريعة يشوهون الحقائق ويحرفون النصوص.
стр. 220
كل عميل من هؤلاء على تفاهم مع الأصيل الكافر في الإجهاز على هذا الدين، يأمن بعضهم لبعض، ويذعن ويطئمن و ... لما يفضي إليه مما يبيته لتحطيم عقيدة هذه الأمة المسلمة. فاللَّه ينهانا عن الإذعان لهم، وهذا الإذعان والاطمئنان أشد خطرا من الإقرار أو الاعتراف باللسان، وعملاء الصهيونية والصليبية متفاهمون فيما بينهم على الإجهاز على هذا الدين في كل وسيلة وفي أقرب فرصة.
أرأيت إلى هذه اللام كيف كشفت عن خطر الاطمئنان والإذعان والطاعة للكافر؟! ويؤيد ما ذهبت إليه قوله تعالى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) وقوله تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) تضمن آمن معنى استسلم واطمأن والمتعدي باللام فللتعبير القرآني دلالته وإيحاؤه، فلا اطئمنان ولا ائتمان ولا ثقة ولا تعامل إلا أن يكون من أتباع دين محمد ﷺ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ولو جاء التعبير بالإذعان بدل الإيمان لضيقنا واسعا، فالإذعان معناه الطاعة وحسب، وفي الإيمان معنى الأمن والأمانة والطمأنينة والطاعة والثقة والراحة، وهكذا كان اختيار الإيمان أفصح عن المراد وألصق بمعنى الولاء والبراء.
فالتضمين طريقه متلئبة، والتأمل فيها يوضحها، ويمكنك منها فعض عليه بالنواجذ.
* كذُباب السيفِ ما مَسَّ قَطَع *
* * *
стр. 221
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) قال الزمخشري: فإن قلت: لم عُدي فعل الإيمان بالباء إلى اللَّه تعالى وباللام إلى المؤمنين؟ قلت: لأنه قصد التصديق باللَّه الذي هو نقيض الكفر. وقصد الاستماع للمؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم لكونهم صادقين عنده فعدي باللام. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).
وقال أبو حيان: وتعدية يؤمن أولا بالباء وثانيا باللام، قال ابن قتيبة: هما زائدتان. وقال ابن عطية: يؤمن باللَّه يصدق ويؤمن للمؤمنين يصدق واللام زائدة.
وقال البيضاوي: ويؤمن للمؤمنين: يصدقهم لما علم من خلوصهم، واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم، وإيمان الأمان.
ومثله ذكر أبو السعود.
وقال الجمل: وقوله يؤمن للمؤمنين أي يسلم ويرضى لهم، وفي الكرخي أنه عُديَ الإيمان إلى اللَّه بالباء لتضمنه معنى التصديق، ولموافقة ضده وهو الكفر في قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) وعداه للمؤمنين باللام لتضمنه معنى الانقياد والتسليم، وموافقة لكثير من الآيات (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا).
стр. 222
و (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) و (أَنُؤْمِنُ لَكَ).
أقول: جاء فعل الإيمان متعديا بالباء فتضمن معنى التصديق، وتعدى باللام فتضمن معنى الرضى والتسليم والإذعان لأن إيمانهم يعصمهم من الكذب والرياء، فرسول اللَّه ﷺ يقبل ما يقولونه ويسلم لهم راضيا لما يسمعه منهم، إنه الرحمة المهداة وإنه الإيمان، وإنه الرضا والتسليم.
أرأيت إلى تعدية الأفعال بحروف المعاني في هذه اللغة الشريفة كيف تبدي لك محاسنها، لتتأملها بالبشر والإيناس من خلال تركيبها في دقة المسلك ولطف المأخذ على وجه مستطاب، حين جمعت معنى التصديق إلى الرضا والتسليم والإذعان وأبلغ اللفظ ما تعددت وجوه إفادته.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (٥).
قال العز بن عبد السلام: يقرون بالغيب لإفادة معنى التصديق بالقلب والإقرار باللسان ومثله: (آمَنُوا بِاللَّهِ) معناه صدقوا وحدانية اللَّه وأقروا بها. ضمن آمن معنى أقر فعداه تعديته فصار متضمنا لتصديق الجنان وإقرار اللسان.
стр. 223
وذكر أبو حيان: الإيمان: التصديق. وما أنت بمؤمن لنا أصله من الأمن والأمانة ومعناه الطمأنينة. آمنه: صدقه. وآمن به: وثق به والهمزة للصيرورة كأعشب أو للطواعية كأكب. وضمن معنى الاعتراف أو الوثوق فعدي بالباء وقال الزمخشري: أما تعديته بالباء فلتضمنه معنى أقر أو اعترف أي يعترفون ويثقون بأنه الحق
أقول: المؤمن يتميز بهذه العقيدة: تصديق بالغيب وإقرار، ويقين بالآخرة يصدقه الجنان، وإدراك بأن المناهج والأجهزة والنظم في هذا الدين امتداد للمشاعر والحواس، إنه الشمول بوحدة المشاعر الإيجابية والمناهج المتكاملة، وبهذا يصون المؤمن طاقته الفكرية عن الانشغال بغير ما خلقت له، فما خلقت إلا لتعمل وتنتج وتبدع.
الإيمان بالغيب هو العقبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز ما تدركه حواسه ... نقلة بعيدة لحقيقة الوجود، وما وراء الوجود. وإن وراء الكون حقيقة أكبر من هذا الوجود ... حقيقة الذات الإلهية لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول؛ فمحاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود محاولة فاشلة، بل عابثة لأنها تبدد طاقة العقل التي لم تخلق لهذا المجال إنه التضمين ...
* بصير بمعرفة المقام خبير *
يخلع على اللفظ (يؤمنون) مشاعر ندية، يترجمها عنه هذا الشمول من: تصديق ... وإقرار ... ويقين ... وإدراك، ولكنها تنبعث من وحدة العقيدة.
* * *
стр. 224
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١).
الباء تفيد الاستعلاء كـ على أي عليه بدليل: (إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) هذا ما ذهب إليه السيوطي أما أبو حيان: فيرى الباء في (بقنطار) وفي (بدينار) للإلصاق وقيل: بمعنى (على)، إذ الأصل أن يتعدى بـ (على) كما قال سبحانه: (مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ). وقيل الباء بمعنى (في) أي في حفظ قنطار وفي حفظ دينار.
وقال الموزعي: الباء بمعنى (على) بدليل قوله تعالى: (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) وقول الشاعر:
أربٌّ يبول الثُّعلُبان برأسه ... لقد ذَل مَن بالت عليه الثعالب
ويرى الجمل: في هذه الباء ثلاثة أوجه:
إحداها: أنها على أصلها من الإلصاق وفيه قلق.
وثانيها: أنها بمعنى (في) ولا بد من حذف مضاف أي في حفظ دينار.
وثالثها: أنها بمعنى (على) وقد عدي بها كثيرا.
وقال الرازي: يقال أمنته بكذا وعلى كذا. فمعنى الباء: إلصاق
стр. 225
الأمانة، ومعنى على: استعلاء الأمانة. وقيل أمنتك بدينار: وثقت بك فيه، وأمنتك عليه جعلتك أمينا عليه وحافظا له.
أقول: ميزان اللَّه واحد وعند أهل الكتاب وخاصة يهود موازين، فهم يجعلون للتعامل مقاييس، فالأمانة هي بين يهود فقط، أما غيرهم من الأميين يعنى العرب وسواهم فلا حرج عليهم في أكل أموالهم والتدليس عليهم واستغلالهم.
فـ (تأمن) تضمن معنى (تبلو وتختبر) وهذا يتعدى بالباء. وفي تضمينه هذا أنك وضعته موضع التجربة والاختبار: فيكون موضع الثقة حين يؤديه إليك، كما يكون خائنا فلا يؤديه إليك، والأمانة تنكشف لنا بالتعامل أي بالابتلاء والاختبار. فهما وسيلة من وسائل كشفها ومعرفتها، فكان الباء جاءت منبهة ألا نضع الثقة في أحد إلا بعد تجربة واختبار، والآية تضع قانونا للتعامل التجاري موجزا في هذه العبارة: لا وثوق إلا بعد تجربة ولا أمن إلا بعد اختبار.
والتضمين في الفعل أكشف لسفور المعنى وأنصع من إجرائه في الحرف، ولو أخذنا بتضمين الحروف لغفلنا عن جوهر البيان وخفاياه. ولو جاء التعبير بتبلو وتختبر بدلا من تأمن لاحتبس في منظور ضيق. وإنما الأمانة يسرح فيها النظر إلى غير نهاية. فالتضمين جمع المعنيين: الأمانة مع الاختبار فأغنى وأثرى. فاستعن به واستروح إليه لتُجيد الغَوصَ في لُجج المعاني.
* * *
стр. 226
قَال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (١).
تستأنسوا مضمن معنى تستأذنوا لفيدهما جميعا هذا ما قاله العز بن عبد السلام أما البيضاوي والجمل: فذهبا إلى أن: (تستأنس) أي تستأذن من الاستئناس بمعنى الاستعلام من أنس الشيء إذا أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف: هل يراد دخوله أو لا يؤذن له؟ أو من الاستئناس الذي هو خلاف الإيحاش، فإن المستأذن مستوحش ألا يؤذن له، فإذا أذن له استأنس.
أو تتعرفوا: هل ثَم إنسان من الإنس؟
أقول: ولعل التضمين هنا في منتهى اللطف في الأسلوب الذي يأتي به الطارق، حتى يقع الأنس في نفوس أصحاب البيت، استعدادا لاستقباله، وهذا من معاني صيغة استفعل. وللناس ظروف في بيوتهم تخفى على ضيوفهم، وضرورات ما ينبغي للطارقين أن يُحرجوهم. فجاء التعبير (تستأنسوا) ولم يأت (تستأذنوا).
ومن صور الاستئناس أن يسمع من أهل البيت متكلما، فإن صمتوا لظروف خاصة بهم فليرجع، أو يقال له بصريح العبارة: ارجع فليرجع فذلك أزكى لنفسه.
أرأيت إلى فضل التضمين كيف استودعت أحضانه من نور المادة اللغوية
стр. 227
ما حوته مطاوي اللفظ من أسرار وما فيها من انتشار وامتداد لا تراها في غير هذه اللغة الشريفة، حتى لا يكاد يحيط بمدلول معانيها، وإدراك مطالبها من لم يألف مذاهبهم؟! نعم ... العرب تتلطف بعذوبة ألفاظها لقضاء حوائجها، لأنها تتعامل مع نفوس بشرية تهدف إلى إثارة كوامن الخير فيها.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (١).
(عن) بمعنى (على) كما يرى السيوطي والموزعي.
أما أبو حيان: فيرى أن بخل يتعدى بـ (على) وعن وكأنما إذا عُدي بـ عن ضُمن معنى الإمساك، وكذلك الزمخشري: بخل عليه وعنه، ومثله ضننت.
وأورد الجمل: ما أورده أبو السعود والسمين: بخل وضن يتعديان بـ على تارة وبـ عن أخرى، والأجود أن يكونا حال تعديهما بـ (عَنْ) مضمنين معنى الإمساك.
أما صديق حسن خان فقال: الأجود في تعديهما بـ (عَنْ) مضمنتين معنى
стр. 228
الإمساك وأمسك يتعدى بـ (عَنْ) كما في الحديث الشريف.
أقول: البخل يكون بالمال إذا منع العبد حق اللَّه فيه. وحين دُعي المسلمون للبذل في سبيل اللَّه ونصرة الدين وجهاد العدو، أمسك البعض عن البذل. فالآية ترسم صورة لواقع الجماعة المسلمة في البذل والشح. فالأشحاء يمسكون عن الإنفاق لنصرة الدين وحماية العرض والذود عن الذمار. إنهم يمسكون عن أنفسهم ويحرمونها بأيديهم فـ (عن) هنا أدت دورا في تصوير هذا المعنى ما كانت لتؤديه (على) لأن معنى الإمساك إنما أوحت به (عن) وشهدت بفضل سفور مراده الآية ترسم صورة لواقع الجماعة المسلمة مع رسول اللَّه ﷺ فمنهم من يبخل وهذا يعني أن هناك من لا يبخل، وقد سجل القرآن خوارق في البذل حين جاد الصديق بكل ما يملك. وما يبذله المؤمن في نصرة دينه إنما هو رصيد له حين يُحشر الناس حفاة عراة ليس لهم إلا هذا الرصيد. وما ينفقه المؤمن إنما هو من مال اللَّه ومن فضله، واللَّه يسترد هبته إذا شاء، ويستبدل من شاء لهذا الفضل (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). واللَّه قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس لخطره فقال: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) أما (على) فقد جاءت في سياق الحرص على الزوجة (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) لإفادة معنى عدم التخلي عنها، وفي إمساك المطر أي انقطاعه، والإمساك عن التلبية أي التوقف عنها، والإمساك عن الكلام أي
стр. 229
السكوت. والإمساك هو المنع عموماً (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). وهكذا فاللفظ قبل دخوله في النظم يختلف عن معناه بعد دخوله في التأليف وملاءمته لجيرانه ومؤانسته لإخوانه، وللحروف التي تعدى بها، فدخوله في النظم يُفَتق عن أكمامه ليجني قطوف ثماره.
إنه التضمين ... وإنه زهر الخزامى والندى والياسمين.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢).
قال العز بن عبد السلام: ضمن تبدي معنى تصرح فعدي بالباء وكذلك الزمخشري، ومثله الجمل وأورد قول السمين: الباء زائدة وقيل: سببية، والمفعول محذوف أي القول. وقال الزركشي: ضمن لتبدي به معنى تخبر به أو لتعلن، ليفيد الإظهار معنى الإخبار لأن الخبر قد يقع سراً غير ظاهر، ومثله ابن قيم الجوزية.
أقول: إن أمرها بدا في ملامح وجهها وفي سرعة إقبالها عليه، وعرض نفسها لإرضاعه؛ ولكن بُدوها بدون الجهر به لا برهان لهم عليها ولا دليل، فالبُدو: ما كان بغير قصد، نقول: بدا الصبح وبدت الشمس وبدا لي في الأمر شيء، والجهر يقتضي رفع الصوت لإظهار المراد عن قصد، ثم جاء متعديا بالباء لتبدي به وهو يتعدى بنفسه (تبديه) لماذا؟ ليتضمن معنى التصريح
стр. 230
والجهر والمتعدي بالباء. وحتى التضمين جاء في سياق الاحتراز بفعل المقاربة (كادت) ثم (لولا) امتناع لوجود، فلولا أن اللَّه ربط على قلبها بالصبر لجهرت به وصرحت بل كادت ... ولكن اللَّه ربط لسانها وكأنما كان قلبها على لسانها فربطه ربنا بالصبر. فهل تكون الباء زائدة وهي التي كشفت هذه اللطيفة من وراء التضمين؟ فلا تأنس لأول خاطر يبدو لك قبل إحكامه وإنعام النظر فيه، وتفظن لهذه الحروف إذا دُفعت في مسالكها لتُريك من أسرار الفروق بين أفعالها المتعدية بها في كتاب الله ما تُسفم لعظمة الصنعة فيه مما يملأ الطرف ويعجز عنه الوصف.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٢).
جاء في مفردات الراغب: البطر: دَهَش يعتري الإنسان من سوء احتمال الندمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها (معيشتها) منصوب على التمييز عند الكوفيين، أو مشبه بالمفعول عند بعضهم، أو مفعول به على تضمين بطرت معنى فعل متعدٍ أي (خسرت معيشتها)، على مذهب أكثر البصريين، أو على إسقاط (في) على مذهب الأخفش، أو على الظرف على
стр. 231
تقدير: أيام معيشتها كقولك: جئتك خفوقَ النجم على قول الزجاج، هذا ما يراه أبو حيان أما الزمخشري فقال: (معيشتها) إما بحذف الجار وإيصال الفعل كقوله سبحانه (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) وإما عدى الظرف: زيد ظني مقيم؛ أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها. وإما بتضمين بطرت معنى كفرت وغمطت. وقيل البطر: سوء احتمال الغنى وهو ألا يحفظ حق اللَّه فيه.
أقول: من النواميس التي لا تتخلف أن الترف مدعاة للفسق (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا). والتضمين أولى من إسقاط حرف الجر أو النصب على الظرفية أو حذف مضاف، لأنه أشيع وأسير لامتداد معناه في المضمن والمضمن فيه، وهو أحسن من معنى فذ.
وتضمين (بطرت) معنى (غوت وأترفت) وكلاهما متعدٍ أسفرُ لوجه المعنى من خسرت أو كفرت كما جاء في الكشاف فالغواية والترف هما ما يُظاهر السياق على تصويرهما في هذه الآية والآيات اللاحقة من أجل التوقّي من فواقرهما المُبيرة، ولسلامة المجتمع المسلم من شرّهما، فهما سبب هلاك القرى التي يرونها شاخصة تروي مصارع أهلها الداثرين، خاوية تحكي قصة البطرين المترفين، لم تُسكَن من بعدهم، فلْيحذر المسلمون من كفر النعم ونزول النقم. ولو سأل سائل: لم آثر التعبير القرآني الفعل اللازم على الفعل المتعدي؟ لقلت: لو جاء التعبير بالغواية لضاع علينا سببها، فقد يكون
стр. 232
إبليس، أو الهوى، أو الجهل أو الترف والبطر ..... أما إيثاره البطر فقد دل على أن سبب الهلاك كان هو الترف والبطر وحسب، فَصرْف النعمة إلى غير وجهها وعدم القيام بحقها جعل الغواية من نتائجه، فجمع التضمين المعنيين على وجه مُستطاب، وأسلوب مُستملَح.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (١).
جوز الزمخشري نصب (مقاما) على الظرف، على تضمين يبعثك معنى يُقيمك ومثله حكاه الزركشي، وأبو حيان. وقال الجمل: (مقاما) يجوز أن يكون مفعولا به ليبعثك على تضمنه معنى (يعطيك) أو على تضمين الفعل المذكور ذلك أي عسى أن يبعثك فيقيمك مقاما أي في مقام أو يقيمك في مقام محمود باعثا، وهو مصدر من غير لفظ الفعل لأن: نبعث بمعنى نقيم. تقول: أقيم من قبره وبُعث من قبره.
أقول: ولعل الأنهضَ بالمراد والأضوغ في الدلالة تضمينه معنى (منح) فالتهجد مِنْحة ربانية، عسى أن يمنحك به ربك المقام المحمود، مقام الشفاعة، يُعليك ويرفعك بها. ولو سألت لم جاء بلفظ البعث إن كان المراد منح الرفعة والعلو؟ لقلت: قد ينصرف العلو إلى الدنيا فاللَّه أعطاه مكانة في
стр. 233
الدنيا لم يمنحها لأحد من رسله مما يُكتب وُينشر عن سيرته العطرة، ولكن المراد علو الأخرة، فلذلك جاء بلفظ البعث، فجمع التضمين المعنيين: أحدهما مدلولا عليه بالتعريض والتلميح لتبدو محاسنه والآخر بالتصريح مَنْبهةَ على غرضه، فتعدى إلى مفعولين، وهكذا ألقى التضمين النورَ في المادة اللغوية فحلِيت به وأنِقتْ له، لِتَتَزَاحَمَ الأغراض على جهاته حسب انتظامه في سياقه وتسليكه في عبارته، فاعتاده كلما مسَّت بك الحاجة إليه فهو مما يستعان به ويفزع إليه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (٢) .
وقال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (٣).
فإن قلت: كيف تعلق قوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) بفعل البلوى؟ قلت: من حيث تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلم أيكم أحسن عملا. فإن قلت: أتسمي هذا تعليقا؟ قلت: لا إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعا كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق. هذا ما رآه
الزمخشري. أما أبو حيان فيقول: أصحابنا يسمون ما منعه الزمخشري تعليقا، فيقولون في الفعل إذا عدي لاثنين ونصب الأول وجاءت بعده جملة
стр. 234
استفهامية، أو بلام الابتداء، أو بحرف النفي، كانت الجملة معلقة عنها الفعل، وكانت في موضع نصب كما لو علقت في موضع المفعولين.
وقال الجمل: الجملة (أيكم أحسن) في محل نصب سدت مسد مفعولي نبلو لأنه في معنى نعلم، وعلق بأي الاستفهامية عن العمل. وقال في سورة الملك: وجملة (أيكم أحسن) مفعول ثانٍ ليجلوكم لما في البلوى من معنى العلم.
أقول: إذاً تضمن (ابتلى) معنى (علم أو رأى) فعدي لمفعولين والسؤال: لم جاء التعبير ليبلوكم ولم يأت ليراكم؟ فأُجيب: الرؤية: هي إدراك المرئي المحسن من المسيء. أما الابتلاء: فهو سَبْر النفس وفَليها بعد تكليفها لكشف حالها في الطاعة أو المعصية، فلا تغفل ولا تلهو ولا يدعها تطمئن أو تستريح، فإذا استيقظ القلب حذر وتوقى. فأعْطي المضمن حكما من أحكام المضمن فيه وهو الرؤية القلبية وفيها معنى الكشف، يرتاد آفاق الكون وخفايا الغيب، لترى يد اللَّه تبعث اليقظة من وراء الابتلاء لإظهار المكنون في علم اللَّه من سلوك البشر وما يستحقون من الجزاء، وهذا أمر هذه سبيله أحببنا استيفاءه تأنسا به، وما خلق الموت والحياة إلا لهذه الرؤية الكاشفة عن سريرة المبتلى.
* وفي سَبْر القلوبِ عيونُ *
* * *
стр. 235
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١).
ذكر الجمل: اللام في لإبراهيم غير زائدة فتكون معدية للفعل على أنه مضمن معنى فعل يتعدى بها. ومن فسَّر بوأنا بـ أنزلنا قال: إنها زائدة، وبه قال أكثر المعربين.
وفي القرطبي: قيل: بوأنا لإبراهيم مكان البيت أي أريناه أصله لِيبنيه، وقد كان درس بالطوفان وغيره، وقيل: جعلنا لابراهيم مبوأ. وفسر الجلالين بوأنا بـ (بينَّا) لأجل أن ينصب المفعول الذي هو مكان البيت وفسره أيضاب (أمرنا) لأجل أن تكون (أن) مفسرة لبوأنا والذي فيه معنى القول دون حروفه. وقال الرازي: (وَإِذْ بَوَّأْنَا) أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعا يرجع إليه للعبادة.
أقول: ولعل تضمينه معنى (خار) أسوغ للسياق لأن اللَّه اختار لإبراهيم مكان البيت واصطفاه من بين أنبيائه - وخار يتعدى باللام - والغرض من إقامة البيت منذ اللحظة الأولى هو (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) إنه التوحيد الخالص فهو بيت اللَّه وحده دون سواه، يطهره للطائفين والقائمين والركع السجود ولهؤلاء أنشأ البيت، فإذا فرغ من إقامته على قاعدة التوحيد الخالص كُلِّف بأن يُؤذن في الناس بالحج، فاللَّه خار له هذا المكان ليقيم البيت على أصله قبل الطوفان. فالذين حكموا بزيادة اللام - وهم أكثر المعربين
стр. 236
- انصرفوا عن ديباجته، ولم يكترثوا بعبارته ولا للسياق الذي ينتظم فيه، ويشفع بشرح أحواله، ولا للقرينة التي وجهت مساره، ونبهت على أسبابه لقد وقفوا على اللفظ منفردا فعدلوا عن الصواب. ويبقى للحرف دوره في إدراك المطلب والإبانة عن الغرض، وللسياق حكمه في توجيه المعنى، والدلالة على القصد.
ثم لِمَ جاء التعبير "بوأنا لإبراهيم " ولم يأت اخترنا لإبراهيم؟ لو قال اخترنا لضاع علينا معنى النزول ولو قال بوأنا إبراهيم لضاع علينا معنى الاختيار. فتعدية الفعل بغير حرفه جمعت المعنيين النزول والاختيار.
إنه التضمين ... مَسْهوٌّ عنه، لا يكاد يحاط به. تراه في غاية السهولة حين ينكشف ويتضح، ولكن ما أشد صعوبته حين يستتر فلا يستبين.
يا ليته تبدو أسرّةُ وجههِ ... يا صاحِ مَن يكُ مثلُه لم يُجهلِ
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (١).
الفعل (استبان) يكون لازما ويكون متعديا، قال الزمخشري: يكون لازما فيتضمن معنى (ظهر ووضح) ويكون السبيل مرفوعاً، وبه قرأ العشر ما عدا نافعاً. ويكون متعديا فيتضمن معنى (استوضح)، ويكون السبيل منصوباً، وبه قرأ نافع وتبعه على قراءته أبو حيان والبيضاوي، وقال الآلوسي: قرأ نافع بالتاء (تستبين) ونصب السبيل أي تستوضح يا محمد ﷺ سبيل المجرمين لتعاملهم بما يليق بهم.
وأخلص بعد هذا إلى أن أشق ما تعانيه الحركات الإسلامية اليوم هو
стр. 237
الغَبشَ والغموض في مدلول الوحدانية والشرك وفي مدلول الجاهلية والإسلام. وأشق ما نعانيه أصحاب مبدأ: استبانة الطريق، وكشف الإلباس فيما اختلط على الناس والترجيم الذي يوقع في الشك مَن ضَعُف نظره وقل علمه. إن المياعة في المنهج ومعرفة السبيل أضاعت الكثير ولا تزال.
فعلى الدعاة إلى اللَّه أن يستوضحوا مخططات المجرمين ويجدُّوا في معرفتها والبحث عنها ويُبينوها لأتباعهم وشعوبهم كي لا تتكرر المأساة عند اجتياز العقبة وندخل في التيه مرة بعد مرة.
أقول: نحن اليوم في حاجة إلى أن نضمن استبان المعنيين معا (وضح واستوضح) أي إلى القراءتين معا الرفع والنصب لتتضح لنا سبيلُ المجرمين، ولنُوضح نحن دعاة الإسلام سبيلَها لمن لم تتضح له من المسلمين.
نفصل الآيات فلا ندع ريبة في بيان الباطل وكشفه ليستقر في نفوس المؤمنين، إن الذين يعاونونهم إنما هم المجرمون في وضوح وعن يقين.
واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف المنهج لأن أي غبَش أو شُبهةٍ في موقف المجرمين تنعكس سوءا على المؤمنين فالطريقان مفترقان فلا بد من الاستبانة والوضوح.
كل حركة إسلامية يجب أن تتعرف سبيل المجرمين في عالم الواقع لا في عالم النظريات لئلا تلتبس الملامح، وكل من لم يشهد بمفهوم الوحدانية كائناً من كان اسمه ولقبه، لم يدخل في الإسلام. فأشق ما نعانيه هو اختلاط الشارات والعناوين. أعداؤنا اليوم يعكفون على توسيع الالتباس وتعميقه وتلبيسه لندخل في التيه، ويصبح مرجع الحكم في أمر الإسلام والكفر لعرف الناس واصطلاحهم لا إلى قول اللَّه ورسوله.
أجل ... يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة هذه العقبة كي تنطلق طاقاتهم فلا يعوقها غبَش ولا يعيبها لَبس، وأن تبدأ دعوتهم إلى اللَّه باستبانة سبيل المجرمين فلا تأخذهم في كلمة الحق هوادة ولا مداهنة، ولا خشية ولا
стр. 238
خوف، وألا يقعدهم عنها أو يثبطهم صيحة مرجف أو لومة خائر ... وأن يحتملوا متاعب هذا المقام الزلخ والطريق اللاحبة، لأنهم على مفرق طريق: سبيلِ المؤمنين وسبيلِ المجرمين.
إنه التضمين ... لا يزال يفتر عن بديعة ... ويفضي إلى لطيفة.
* * *
قَال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) .
الاتباع: الاقتداء، أو الموالاة. ذهب أبو حيان وتبعه العكبري: إلى تضمين تبع معنى انحرف فعدي بـ (عَنْ)، وقال أبو البقاء في (عَمَّا جَاءَكَ) في موضع حال أي عادلا عما جاءك ولم يضمن (تبع) معنى ما تعدى بـ عن.
وهذا ليس بجيد لأن (عن) حرف ناقص لا يصلح أن يكون حالا من الجثة، كما لا يصلح أن يكون خبرا، وإذا كان ناقصا فإنه يتعدى بكون مقيد، والكون المقيد لا يجوز حذفه، أو تضمين (تتبع) معنى (تتزحزح وتنحرف) كما ذكر الجمل. وكذلك ضمنه الزمخشري: معنى انحرف: لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم.
أقول: لقد تضمن النهي عن الاتباع معنى الصرف. لأنه يفي بالمراد وأدنى للسياق، فأمر تعالى نبيه ﷺ أن يصرف أهواءهم ويردها عما جاءه من
стр. 239
الحق لئلا يختلط باطلهم بحقه، فقد جعل اللَّه لأهل الحق شرعة ومنهاجا، ولأهل الباطل شرعتهم ومنهاجهم، ولا لقاء بينهما - (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦).
عرضت يهود على رسول الله ﷺ أن تؤمن له إذا تصالح معها على التسامح في أحكام خاصة كحكم الرجم. وتنزل هذه الآية لتقطع الطريق على كل رغبة في الاتباع أو حتى في التساهل في أمر دينه وشريعته لما يسمونه: وحدة الصف، وتأليف القلوب، والتطويع، ووحدة الأديان ... إن شريعة اللَّه أغلى من أن تلتبس بالأهواء، وأبقى من أن يُضحى بحكم من أحكامها مسايرة لرغبة حاكم، أو رغبة في تأليف قلوب فرقة أو مذهب أو طائفة، أو ميلا إلى التساهل في بعض الأمور التي تبدو ليست من أساسيات الشريعة. فاللَّه قطع الطريق على هؤلاء جميعا حفظا لدينه بالحرف (عن) الذي أفاد معنى الصرف، صرف هؤلاء جميعا عن شرعه الحكيم، وردهم عن منهجه القويم، خشية أن يضل. ولو جاء الأمر بالصرف لانحصر في منظور ضيق لا يخرج عنه، ولضاع معنى النهي عن الاتباع والولاء، وهو منزلق الدعوات والدعاة.
فالتضمين جمع فأوعى في تحصين المعنى وتشريفه، والإبانة عنه وتصويره. ولو لجأنا إلى تقدير حال محذوفة - وهو بخالف أصول النحو - لذهبت الأنَسَة التي فيه والحسن الذي حواه، وتضمين (تبع) وهو متعد معنى (انحرف) كما مر وهو لازم يُضيِّق واسعا بحذف المفعول.
إنه التضمين ... وإنه كنز دفين، من صبر عليه ذاق لذة الاستمتاع به.
* * *
стр. 240
قَالَ تَعَالَى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) (١) روى البروسوي: أتبعه إتباعا إذا طلب الثاني اللحوق بالأول. وتبعه تبعاً: إذا: مرّ به ومضى معه. وذكر المالقي: أن الباء بمعنى مع، وكذلك المرادي، والسيوطي، وأورد الجمل: في تفسير الباء وجوهاً:
أحدها: أن تكون الباء للحال وذلك أن (أتبع) متعد لاثنين حذف ثانيهما
والتقدير: أتبعهم فرعون عقابه. وقدره الشيخ رؤساءه وحشمه والأول أحسن.
الثاني: الباء زائدة في المفعول الثاني، فأتبعهم فرعون جنوده كقوله:
(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وأتبع قد جاء متعديا لاثنين مصرحا بهما (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ).
والثالث: أنها المعدية، على أن أتبع قد يتعدى لواحد بمعنى تبع ويجوز
على هذا الواحد أن تكون الباء للحال أيضا، بل هو الأظهر.
وقال أبو السعود: تبعهم ومعه جنوده وقيل: أتبعهم فرعون نفسه فحذف المفعول الثاني وقيل: الباء زائدة.
أقول: ولعل تضمين (أتبع) معنى (ألحق). فألحقهم فرعون بجنوده
стр. 241
أسوغ من الزيادة في الحروف أو إبدالها، وليس إتباع فرعون بني إسرائيل إلا طلبا في اللحوق بهم للإجهاز عليهم فجمع التضمين المعنيين من غير إكراه ولا إغصاب. وحاز أسباب الإيجاز ونال سبيل الإعجاز، فاخلُدْ إليه وتعللْ به.
والعدول من لفظ إلى آخر يستضيء به المعنى ويتنبه على أسبابه. وفيه جمال خاطره وسِناد رأيه، وإقامة برهانه.
ويأتي السياق فيما أصاب فرعون وجنوده مجملا من غير تفصيل، ليكون وقعه في النفوس شاملا ومهولا. لقد تولت يد القدرة إدارة المعركة، بعد أن استعلن الإيمان في وجه الطغيان لا يخشاه ولا يرجوه: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) دون لجلجة ولا خوف ... وهنا تدخلت يد القدرة لإعلان النصر ... (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ).
إنه التضمين لا حذف ولا تقدير، ولكنه ملاطفة التأول، وفضل تأملٍ فيما أوحى إليه فِعْله وساغ من معانيه.
* كالمسك في نَشْره وفي عَبَقِه *
* * *
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (٣).
قال الآلوسي: كان استئذانه ﵇ في اتباعه له مشروطا بالتعليم، والشرط مفهوم من (على) فقد قال الأصوليون: إن (على) تستعمل في معنى يفهم منه كون ما بعدها شرطا لما قبلها، وذكر السرخسي: أنه معنى
стр. 242
حقيقي لها، لكن النحاة لم يتعرضوا له، وقد تردد السبكي في وروده، والحق أنه استعمال صحيح يشهد به الكتاب، حقيقة أو مجازا. ولا ينافي انفهام الشرطية تعلق الحرف بالفعل قبله، كما أنه لا ينافيه تعلقه بمحذوف حال: هل أتبعك باذلا تعليمك إياي؟ أقول: لقد تضمن الاتباع هنا معنى الطاعة، والطاعة مشروطة بالتعليم، والشرط مستفاد من الحرف (على) وقد أغفل النحاة هذا المعنى، وهو مثبت في كتاب اللَّه في الآية هذه وآيات أخر، وفي لغة العرب. فإذا مر بنا فعل ومعه حرف لا يألفه، ولا يأنس به، فلنحتكم إلى عِلل هذه اللغة الشريفة ولنترافعْ إلى طبيعة الصنعة فيها، وعندها نلقى في التضمين عونا على تجاوز العقبة، ففيه من الإيجاز ما جمع الاتباع والطاعة وهما من لوازم طلب العلم، ثم أتبعها بالصبر وهو من صفات طالب العلم، وأكدها بعدم العصيان قال تعالى: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا). وهذا تناهٍ في البيان بهذا الأدب اللائق بنبي يستفهم ولا يجزم، يعجز عن وصفه اللسان. وأبلغ بيان ما سافر فيه النظر.
ولعل التأتي بين الألفاظ وملاءمة ذات بينها لإقرار التناسب هو سرُّها وجوهرها وتلك هي الصناعة الفنية: تتناول السر فتعلنه، وتلمس المقيد فتطلقه، وتستدرك النقص فتتمه، وتكشف الجمال فتظهره.
* * *
стр. 243
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ) .
(ترك) متعدٍ إلى واحد لأنه بمعنى التخلية، ولو ضُمن معنى صيَّر لتعدى إلى اثنين ثانيهما وراء ظهوركم. قاله الجمل: أي صيرتم ما منحناكموه من المال والخول وراء ظهوركم. وضمنه الراغب: جعلتم ما منحناكموه وراء ظهوركم. وقال الآلوسي: وهو متضمن للتوبيخ، أي شُغلتم به عن الآخرة، فما قدمتم منه شيئا لأنفسكم.
أقول: مشهد رعيب، مرهوبة إيحاءاته يهز القلوب، جاؤوا ربهم كما ولدتهم أمهاتهم، عراة حفاة غُرلاً فأين إذاً المال والخول والأهل والولد والعز والسلطان؟! ندَّ كلُّ شيء وتفرق كل أحد، لقد تركوه خلفهم، وجعلوه وراء ظهورهم فصار حسراتٍ عليهم. (ترك) الذي بمعنى (ودع) والمتعدي لواحد صار هنا في هذا السياق من أفعال التحويل (رد) متعدٍ لاثنين: ورَدَدْتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وهكذا يجعل التضمين الفعل المتعدي لمفعول واحد متعديا إلى اثنين، ليكون أذهب في مسارح النظر، يأخذ الناظر فيه إلى أنحائه ومصارفه، فيروق ماؤه وُيؤنس بوجهه.
وهذا باب واسع يدعوك إلى الأنس به، ويكون تعريجك عليه مرقاة إلى تدبره، وله في القلب منافذ لأشعته الروحانية تتساقط منها معانيه.
وهذا البيان بريد الفؤاد ... لسان المقال على درَرِه
* * *
стр. 244
قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ) (١). (ترك) لا يتعدى بـ (عَنْ)، فذهب أكثر المفسرين - كالزمخشري وأبي السعود - إلى تعليق الصلة بحال محذوفة وقدروها (صادرين) وضمنها بعضهم (معرضين) وذكر السيوطى، والجمل: أن (عن) بمعنى (اللام) وتبعهم في ذلك الآلوسي فقال: عن قولك: بسبب قولك المجرد عن البينة، فعن للتعليل كما في قوله تعالى: (إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) وإليه أشار ابن عطية في المحرر الوجيز.
أقول: واللجوء إلى التقدير فيه استثقال لنفور الحس عنه، سواء كان التقدير صادرين أو معرضين أو غير ذلك وتضمين (عن) معنى (الباء) أو اللام غير محتفل به. ولعل التضمين في الفعل ينجينا من المسلك الوعر. وتضمين (ترك) معنى (نحّى) ئؤدي الغرض، وينسجم مع السياق، ويذهب في استحسانه. فما نحن بمنحّي آلهتنا عن زعمك الذي زعمت في توحيد الربوبية والألوهية، ولا بمخالفيها عما أفصح به لسانك فكيف بتركها؟!
стр. 245
نعم ترك عبادتها بعيد كل البعد عن تصورهم لأسباب:
منها: قولهم: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).
ومنها: أنها عندهم في مجال التقديس، ولذلك أصابت هوداً بالمس والجنون لأنه تعرض لها بسوء كما زعموا.
ومنها: أن الذي يصدر عن قولك يكون معجبا برأيك، محترِمًا لك، أما هؤلاء فيسخرون.
تنحيتها إذاً أمرٌ محتمل إن أتيتهم ببينة، وليس مع هود معجزة ولا بينة حسية وما جاءت (عن) إلا لتجمع التنحية والترك معا تحت إطار التضمين لتكشف عن خبيئة نفوسهم، واجتلاء المدخل إلى قلوبهم، فالانحراف والمخالفة والحيدان والزيغان والتنحية عن تقديسها غير مريح فكيف بتركها.
لقد عتَوْا عن أمر ربهم واختاروا الوثنية على التوحيد والدينونة لأصنام بشرية أو حجرية على الدينونة لله وحده، وكذبوا هودا وسخروا منه، فما هم بخارجين عن تقديسها لمجرد أقواله.
فأْبَه لحروف المعاني ولا تجفُ عليها لتكشف لك عن سرها، سائغا مأنوساً مُتقبَّلاً.
* * *
стр. 246
قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) (١).
(على) قدرها الطبري بمعنى (في)، وأما الطبرسي فقدرها بمعنى (في) و (بالباء): في زمن سليمان، أو بملك سليمان وذهب الجمل إلى تضمين تتلو معنى تفتري وتكذب. وذهب الآلوسي: إلى أن تتلو: معناه تتبع أو تقرأ. و (على ملك) متعلق بـ تتلو وفي الكلام مضاف محذوف أي عهد ملكه وزمانه. أو (الملك) مجاز عن (العهد). و (على) بمعنى (في) وقد صرح في التسهيل بمجيئها للظرفية، لأن الملك وكذا العهد لا يصلح مقروءا عليه.
ومن الأصحاب من أنكر مجيء على بمعنى في وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول (يعني تفتري). أو الملك عبارة عن الكرسي لأنه من آلات ملكه فالكلام على حد: قرأت على المنبر. وقال الزركشي: تتلو الشياطين على ملك سليمان أي في زمن ملك سليمان (الظرفية) ومثله الموزعي وأما ابن السيد البطليوسي فضمن تتلو معنى تتقول وتفتري فعداه تعديته ويمكن أن تكون (على) إنما استعملت هاهنا لأن معناه أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه. كما يقال: تقولت عليه ما لم يقل. ونص الفراء على أن (في) تصلح مكان (على).
أقول: ولعل ما ذهب إليه السيد البطليوسي في تضمين تتلوا معنى
стр. 247
تفتري وتتقول على عهد سليمان هو الأدنى لما عليه السياق، ينقولون عليه ما لم يقله افتراءَ عليه، ولا مساغ لتناوب الحروف وتعاورها: (على) بمعنى (في) أو (الباء) أو سواه. فمن أصر فليأخذْ في غير هذه الصناعة.
ماذا كان من أهل الكتاب بعد نبذهم له وراء ظهورهم؟ هل لاذوا بما هو خير منه؟ كلا بل اتبعوا ما تفتريه الشياطين على عهد سليمان، يضللون الناس به من دعاوى مكذوبة على لسانهم، أنه كان ساحرا وأنه سخر ما سخّر عن طريق السحر الذي كان يعلمه ويستخدمه، فنفى القرآن عنه بأنه كان ساحرا (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) فجعل السحر واستخدامه كفرا، وأثبته للشياطين، (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) يتلونه: من تلا الشيءُ الشيءَ إذا تبعه، فالفِرية تتبع الفرية إلى النهاية، فهي سلسلة متتالية من افتراءات الشياطين، وليست قولة تقولوها على لسانه - صلاة اللَّه عليه - من أجل هذا جاء التعبير بالتلاوة بدلا من التقول والافتراء. أرأيت إلى التضمين والغرض الذي جيء به من أجله في تنوير ما أعتم! إنه انتزل الحقيقة من الحياة في أسلوب لإظهارها للحياة في أسلوب أوفى وأوضح! فمن نزُر حظه منه فلا سبيل إلى تحصيله إلا بالتأمل والغوص وطول النظر.
* * *
стр. 248
قَالَ تَعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
قال الجمل: قوله عليكم متعلق بـ أتممت ولا يجوز تعلقه بـ نعمتي، وإن كان فعله (أنعم) يتعدى بـ (على) لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله إلا أن ينوب منابه، ومثله قال الآلوسي. وقال العكبري: عليكم يتعلق بـ أتممت، فإن شئت جعلته للتبيين أي: أتممت أعني عليكم. (تَمَّ) يتعدى باللام قال تعالى: (أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا) وقال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ).
أقول: ولعل تضمين أتم - والذي لا يتعدى بـ (على) في مثل هذا المساق - معنى (أسبغ) والمتعدي بـ (على) أفاد معنى الشمول الوارد في قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). ما ظهر لكم من جليلها وما خفي عنكم من أسرارها. فجمع التضمين - والذي كشف عنه الحرف على - معنى الإتمام من النعم المعنوية، والإسباغ من النعم الحسية فجمع الخير كله فأوعى.
أجل ... نِعَمُ اللَّه رفعتنا عن سفح الجاهلية بانحرافاتها وأصنامها إلى أفق التوحيد الشفيف الرفيع، وحررتنا من سلطان الكهانة والخرافة والزعامة والسيادة فأتم نعمه وأسبغها علينا ظاهرة فيما أدركنا من أوضاع الجاهليات
стр. 249
القديمة والحديثة، وباطنة فيما لم ندركها بعد. نعم (أَكْمَلْتُ) فلا نقص يستدعي أن يكمله أحد من المخرفين ولا ظروف طارئة أو مستجدة تستدعي التطوير من ماكر أو خبيث، فأحكامه وتشريعاته ستبقى إلى قيام الساعة.
(وَأَتْمَمْتُ) فلا داعي إلى المزيد وأسبغت فلا مجال للتضييق والتعسير.
فمن تزيد في هذا الدين من مبتدع أو متنطع فقد زعم أن في هذا الدين نقصاً فجاء ليتمه، ومن ضيَّق وعسَّر فقد جاء التشريع ينقذه من ضيق الحس المحدود، يسبغ عليه نعمه بسعة المنهج ورُحْب النظام، ورضيت لكم هذه النعمة ونعمتي هذه - نعمة الإسلام - لا يدركها إلا من ذاق ويلات الجاهلية الحديثة والخبيثة في تصوراتها الاعتقادية ومناهجها الضالة المضلة، في تمزقها وخوائها وضياعها وحيرتها ... والرضا لنا بهذه النعمة - نعمة الإسلام - المحفوظة في الكتاب والسنة ودوامها باق على هذه الأمة لزيمٌ لها ما تمسكت بدينها إلى قيام الساعة. فارعَ هذه الحروف حق رعايتها مع إنعام الفحص عنها لتعطيك ثمارها. بقي سؤال: ما الفرق بين الإتمام والإسباغ؟ ولمَ اختير الأول؟ الإسباغ معناه التوسعة وضده التضييق فالإسلام سمح والشريعة ميسرة لا عنَتَ ولا مشقة ولا تضييق لعلمه سبحانه بضعف الإنسان فهذا الدين بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته. أما الإتمام فضده النقص، ولذلك اختاره؛ فجمع التضمين المعنيين الإتمام والإسباغ وفاز بالحسنيين ليرتعَ المتنزه في خمائله متذوقاً من عبير جناته.
* * *
стр. 250
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (٤)
قال أبو حيان: وتعدى (أتموا) بـ (إلى) لتضمنه معنى (فأدوا) أي فادوه إليهم تاما كاملا، ومثله قال البروسوي. وسبقهم إلى ذلك الزمخشري.
أقول: ورد الاستثناء في جماعة من بني بكر - هم بنو خزيمة - لم ينقضوا المسلمين شيئا مما عاهدوهم عليه، ولم يُعينوا عليهم عدوا فكان هذا وفاء لهم وإبقاء على عهدهم إلى نهايته، رغم حاجة موقف المجتمع المسلم في ذلك الوقت إلى تحرير الجزيرة من الشرك لأن أعداء الإسلام: الروم والفرس تنبهوا لخطره.
اللَّه جعل إتمام العهد والذي خرج عن دائرته اللغوية يتضمن معنى الأداء وهو عبادة له وتقوى يحبها (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
وهذه قاعدة من قواعد الأخلاق الكبرى في الإسلام. ليست قاعدة منفعة ولا مصلحة، شأن يهود وكثير من الملل والنحل؛ وليست قاعدة من قواعد المصطلحات السياسية والمرتكزة على العرف أو القانون الدولي. إنها قاعدة تُنشىء مجتمعا دوليا تزول منه التناقضات ولا يهدده شبح الحرب ويرتفع بالبشرية إلى مستوى إنساني كريم.
لقد أفادت (إلى) هذه معنى (الأداء) في فعل أتموا كاملا غير ناقص، ولو جاء التعبير أدوا إليهم عهدهم لخفي عنا معنى الإتمام، فالأداء لا يفيد التمام والكمال، ولو جاء الإتمام متعديا باللام لخفي عنا معنى الأداء.
следующие страницы →