← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) (١). (على) قدرها الطبري بمعنى (في)، وأما الطبرسي فقدرها بمعنى (في) و (بالباء): في زمن سليمان، أو بملك سليمان وذهب الجمل إلى تضمين تتلو معنى تفتري وتكذب. وذهب الآلوسي: إلى أن تتلو: معناه تتبع أو تقرأ. و (على ملك) متعلق بـ تتلو وفي الكلام مضاف محذوف أي عهد ملكه وزمانه. أو (الملك) مجاز عن (العهد). و (على) بمعنى (في) وقد صرح في التسهيل بمجيئها للظرفية، لأن الملك وكذا العهد لا يصلح مقروءا عليه. ومن الأصحاب من أنكر مجيء على بمعنى في وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول (يعني تفتري). أو الملك عبارة عن الكرسي لأنه من آلات ملكه فالكلام على حد: قرأت على المنبر. وقال الزركشي: تتلو الشياطين على ملك سليمان أي في زمن ملك سليمان (الظرفية) ومثله الموزعي وأما ابن السيد البطليوسي فضمن تتلو معنى تتقول وتفتري فعداه تعديته ويمكن أن تكون (على) إنما استعملت هاهنا لأن معناه أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه. كما يقال: تقولت عليه ما لم يقل. ونص الفراء على أن (في) تصلح مكان (على). أقول: ولعل ما ذهب إليه السيد البطليوسي في تضمين تتلوا معنى

стр. 247

تفتري وتتقول على عهد سليمان هو الأدنى لما عليه السياق، ينقولون عليه ما لم يقله افتراءَ عليه، ولا مساغ لتناوب الحروف وتعاورها: (على) بمعنى (في) أو (الباء) أو سواه. فمن أصر فليأخذْ في غير هذه الصناعة. ماذا كان من أهل الكتاب بعد نبذهم له وراء ظهورهم؟ هل لاذوا بما هو خير منه؟ كلا بل اتبعوا ما تفتريه الشياطين على عهد سليمان، يضللون الناس به من دعاوى مكذوبة على لسانهم، أنه كان ساحرا وأنه سخر ما سخّر عن طريق السحر الذي كان يعلمه ويستخدمه، فنفى القرآن عنه بأنه كان ساحرا (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) فجعل السحر واستخدامه كفرا، وأثبته للشياطين، (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) يتلونه: من تلا الشيءُ الشيءَ إذا تبعه، فالفِرية تتبع الفرية إلى النهاية، فهي سلسلة متتالية من افتراءات الشياطين، وليست قولة تقولوها على لسانه - صلاة اللَّه عليه - من أجل هذا جاء التعبير بالتلاوة بدلا من التقول والافتراء. أرأيت إلى التضمين والغرض الذي جيء به من أجله في تنوير ما أعتم! إنه انتزل الحقيقة من الحياة في أسلوب لإظهارها للحياة في أسلوب أوفى وأوضح! فمن نزُر حظه منه فلا سبيل إلى تحصيله إلا بالتأمل والغوص وطول النظر. * * *

стр. 248

قَالَ تَعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) . قال الجمل: قوله عليكم متعلق بـ أتممت ولا يجوز تعلقه بـ نعمتي، وإن كان فعله (أنعم) يتعدى بـ (على) لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله إلا أن ينوب منابه، ومثله قال الآلوسي. وقال العكبري: عليكم يتعلق بـ أتممت، فإن شئت جعلته للتبيين أي: أتممت أعني عليكم. (تَمَّ) يتعدى باللام قال تعالى: (أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا) وقال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ). أقول: ولعل تضمين أتم - والذي لا يتعدى بـ (على) في مثل هذا المساق - معنى (أسبغ) والمتعدي بـ (على) أفاد معنى الشمول الوارد في قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). ما ظهر لكم من جليلها وما خفي عنكم من أسرارها. فجمع التضمين - والذي كشف عنه الحرف على - معنى الإتمام من النعم المعنوية، والإسباغ من النعم الحسية فجمع الخير كله فأوعى. أجل ... نِعَمُ اللَّه رفعتنا عن سفح الجاهلية بانحرافاتها وأصنامها إلى أفق التوحيد الشفيف الرفيع، وحررتنا من سلطان الكهانة والخرافة والزعامة والسيادة فأتم نعمه وأسبغها علينا ظاهرة فيما أدركنا من أوضاع الجاهليات

стр. 249

القديمة والحديثة، وباطنة فيما لم ندركها بعد. نعم (أَكْمَلْتُ) فلا نقص يستدعي أن يكمله أحد من المخرفين ولا ظروف طارئة أو مستجدة تستدعي التطوير من ماكر أو خبيث، فأحكامه وتشريعاته ستبقى إلى قيام الساعة. (وَأَتْمَمْتُ) فلا داعي إلى المزيد وأسبغت فلا مجال للتضييق والتعسير. فمن تزيد في هذا الدين من مبتدع أو متنطع فقد زعم أن في هذا الدين نقصاً فجاء ليتمه، ومن ضيَّق وعسَّر فقد جاء التشريع ينقذه من ضيق الحس المحدود، يسبغ عليه نعمه بسعة المنهج ورُحْب النظام، ورضيت لكم هذه النعمة ونعمتي هذه - نعمة الإسلام - لا يدركها إلا من ذاق ويلات الجاهلية الحديثة والخبيثة في تصوراتها الاعتقادية ومناهجها الضالة المضلة، في تمزقها وخوائها وضياعها وحيرتها ... والرضا لنا بهذه النعمة - نعمة الإسلام - المحفوظة في الكتاب والسنة ودوامها باق على هذه الأمة لزيمٌ لها ما تمسكت بدينها إلى قيام الساعة. فارعَ هذه الحروف حق رعايتها مع إنعام الفحص عنها لتعطيك ثمارها. بقي سؤال: ما الفرق بين الإتمام والإسباغ؟ ولمَ اختير الأول؟ الإسباغ معناه التوسعة وضده التضييق فالإسلام سمح والشريعة ميسرة لا عنَتَ ولا مشقة ولا تضييق لعلمه سبحانه بضعف الإنسان فهذا الدين بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته. أما الإتمام فضده النقص، ولذلك اختاره؛ فجمع التضمين المعنيين الإتمام والإسباغ وفاز بالحسنيين ليرتعَ المتنزه في خمائله متذوقاً من عبير جناته. * * *

стр. 250

قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (٤) قال أبو حيان: وتعدى (أتموا) بـ (إلى) لتضمنه معنى (فأدوا) أي فادوه إليهم تاما كاملا، ومثله قال البروسوي. وسبقهم إلى ذلك الزمخشري. أقول: ورد الاستثناء في جماعة من بني بكر - هم بنو خزيمة - لم ينقضوا المسلمين شيئا مما عاهدوهم عليه، ولم يُعينوا عليهم عدوا فكان هذا وفاء لهم وإبقاء على عهدهم إلى نهايته، رغم حاجة موقف المجتمع المسلم في ذلك الوقت إلى تحرير الجزيرة من الشرك لأن أعداء الإسلام: الروم والفرس تنبهوا لخطره. اللَّه جعل إتمام العهد والذي خرج عن دائرته اللغوية يتضمن معنى الأداء وهو عبادة له وتقوى يحبها (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). وهذه قاعدة من قواعد الأخلاق الكبرى في الإسلام. ليست قاعدة منفعة ولا مصلحة، شأن يهود وكثير من الملل والنحل؛ وليست قاعدة من قواعد المصطلحات السياسية والمرتكزة على العرف أو القانون الدولي. إنها قاعدة تُنشىء مجتمعا دوليا تزول منه التناقضات ولا يهدده شبح الحرب ويرتفع بالبشرية إلى مستوى إنساني كريم. لقد أفادت (إلى) هذه معنى (الأداء) في فعل أتموا كاملا غير ناقص، ولو جاء التعبير أدوا إليهم عهدهم لخفي عنا معنى الإتمام، فالأداء لا يفيد التمام والكمال، ولو جاء الإتمام متعديا باللام لخفي عنا معنى الأداء.

стр. 251

أفرأيت إلى أمر هذه الحروف حين تدخل على فعل لا يألفها ولا تأنس به كيف تُفصح عن سر صنعته البيانية فتجني منه ثمرة معناه مع تشريفه وبيان الغرض من إعجازه!! إنه التضمين ... ثم يجلو الجمالَ حرفٌ مبين ... في جُملةٍ ضياؤها منشور * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) . قال الآلوسي: وجوز أن تكون (مِنْ) بمعنى اللام والمعنى توطينا لأنفسهم على طاعة الله. إلى ذلك ذهب أبو علي الجبائي، وليس ببعيد. وذكر أبو حيان: من جعل (مِنْ) بمعنى (اللام) أي لأنفسهم كما تقول: فعلت ذلك كسرا لشهوتي أي فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له. قال الشعبي: فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان لأنها إذا ثبتت على صعوبة الإنفاق انقادت وذلت، وإذا كان التثبيت مسندا إليهم كانت (مِنْ) في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر وتكون للتبعيض. مثلها: هز من عطفه وحرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسندا إلى أنفسهم كانت (مِنْ) في موضع نصب متعلقة بصفة محذوفة للمصدر تقديرها: كائنا من أنفسهم، والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل اللَّه ليس له محرك إلا هي فهي الباعثة له على ذلك والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها. قال الشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح وابن زيد: (تيقنا) أي أن نفوسهم متأكدة فهي تثبتهم على الإنفاق. قال قتادة أيضا (احتسابا) من

стр. 252

أنفسهم، وقال الشعبي والضحاك والكلبي: (تصديقا) يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم. وقال ابن جبير وأبو مالك: (تحقيقاً) في دينهم. وقال ابن كيسان: (إخلاصاً وتوطيداً لأنفسهم على طاعة اللَّه). وقال الزجاج: (مقرين) حين ينفقون أنها مما يثيب اللَّه عليها. وقال الشعبي: (عزما)، وقال يمان: (بصيرة). أقول: مؤمن عمّر الإيمان قلبه فتندى ببشاشته، ينفق ماله ابتغاء رضى مولاه وخوفا من نفسه. لا داعي إذا إلى جعل (مِنْ) بمعنى (اللام) ولا إلى حملها على معنى التبعيض، ولا إلى تعليقها بصفة محذوفة ولا ... ولا .. ، وإنَّمَا تضمن (التثبيت) معنى (الخوف) والمتعدي بـ (مِن) التثبيت على الإنفاق لتطهير النفس من الخوف، من الشح، وتعميق يقينها بالمنعم، وتوثيق صلتها بالواهب المتفضل. فلو جاء التثبيت متعديا باللام لضاع علينا معنى الخوف من الوقوع في الشح، ولو جاءت الآية: خوفا من أنفسهم من أن تشح أو تبخل لضاع علينا معنى التثبيت. فهذه اللام جمعت: خوف النفس من الشح، وتثبيتها على الطاعة، وهذا من جواهر التضمين أغنى فأثرى. فلا تعطِ يدك بتقارض الحروف، لأنه كثير الإيهام لمن يسمعه ولا حقيقة تحته بل انظر إلى أفعالها كي لا تفسد الإمتاع بها والاستملاح لها. الكلمة في التضمين حبلى، والرغبة في ولادتها تكثير سواد المعاني يطلبها حسب أغراضه، ولسد حاجاته. * * *

стр. 253

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) . اثاقل عن الشيء وتثاقل: تباطأ، ويتعدى بـ (على) ففي الحديث: " فثقل عليهم متاعهم ... ما ثقل علي ". اثاقلتم: معناه ملتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمارها. قاله أبو حيان والجمل وكذلك الأستاذ سعيد الأفغاني، وقال الزمخشري: لما ضمن الفعل معنى الميل عداه بـ (إلى)، وقرئ: أَثاقَلْتُم؟ بفتح الهمزة على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ أقول: ولعل الإخلاد أولى من الميل (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) السياق إذا يبدأ بعتاب المؤمنين ما لكم إذا قيل؟. أرضيتم؟ ثم ينتهي بالتهديد الرعيب والعذاب الشديد: إلا تنفروا يعذبكم ... ويستبدل ... ولا تضروه، لمن هذا العتاب؟ إنه للمتثاقلين عن النفير، لمن في عقيدته دخل، أو دخن، أو وهن، (اثاقلتم) ثقيلة في نطقها على اللسان تمثل الجسد الثقيل المسترخي اللاصق بالأرض، كلما رفعته روحه للتحليق جذبته جواذب الأرض ليخلد إليها، ومن أجل هذه الصيغة وموسيقاها آثره العليم الخبير وقدمه على (ركن) و (أخلد)، فالتضمين شارك في تصوير المشهد لهذا الجسد الغائص في الطين ومتاع الدنيا القليل حين جمع المعنيين الإخلاد والركون مع التثاقل، أما تضمين (أثاقل) معنى (مال) فلا يغني في رسم هذه الصورة ولا يشخص حقيقة المشهد لما في الميل من الليونة، وما في أعطافه من النعومة واللدونة تستهوي ضعيف النظر فتصرفه عن التحديق في جرس اللفظ (افاعلتم) وإيقاعه وخطر معناه، إنه النفير العام في غزوة تبوك فهذا هرقل ملك الروم مع ما ضم إليه من

стр. 254

لخم، - وجذام، وعاملة، وغسان ... من قبائل العرب، وكان وقتها حين طابت الظلال وأينعت الثمار وحبب إلى الناس المقام، فلهذه العوامل مع شدة الحر أثرها في التثاقل، فالجِرْس الموسيقي في الفعل المضمن ترفعه الرافعات فيسقط من ثقله وغلوه واشتطاطه، فجاذبية الجسد وما في إيمان صاحبه من وهن، تقاوم رفرفة الروح وانطلاقها إلى جنات الخلود ... عدن للخلوص من فناء الجسد. ولعل الركون والاسترخاء والإخلاد وما احتبس في منظوره من ظل الرهبة وهول العاقبة، يقضي بتقدمه على سواه لأنه أعون على استشفاف دخيلة النفوص وسفور المشاعر في تهديد المتثاقلين بعاقبة العذاب الشديد: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) فهل بعد هذا كله نقول: ملتم؟؟! ... إنه التضمين ... جمع فأوعى، واختزن من المشاعر ما جلَّى. أخفى لنا التضمين كل دلالةٍ ... بلطائفِ مثلِ النجومِ مُثولِ * * * قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) . قال أبو حيان: أصل ثقل أن يتعدى بـ (على)، تقول ثقل علي هذا الأمر، فإما أن يدعى بأن (في) بمعنى (على) أو يضمن ثقلت معنى فعل يتعدى بفي. قال الزمخشري: شق عليه خفاؤها وثقل عليه، أو ثقلت فيها، لأن أهلها

стр. 255

يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها، أو لأن كل شيء لا يطيقها ولا يقوم لها فهي ثقيلة فيها. وذكر القرطبي: خفي علمها على أهل السماوات والأرض، وكل ما خفي علي فهو ثقيل، وذكر ابن جريج والسدي: عظم وقعها على أهل السماوات والأرض. وقال قتادة: لا تطيقها السماوات والأرض لعظمها فالسماء تنشق، والنجوم تتناثر. والبحار تنضب. وقيل: ثقلت المسألة عنها. ويرى البيضاوي: أنها عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها. وأردف الجمل قوله: في السماوات يجوز فيه وجهان: أن تكون (في) بمعنى (على) أي على أهل السماوات أو نفس السماوات للانشقاق والزلزلة، والثاني أنها على بابها من الظرفية، والمعنى حصل ثقلها، وهو شدتها، والمراد أنها ثقلت وشقت على العالم العلوي والسفلي، وعبارة أبي السعود: أنها كبرت وثقلت على أهلها من الملائكة والثقلين فالمراد الثقل المعنوي لا المادي فقد تضمن (ثقل) معنى (عظم قدرها وخطرها في السماوات والأرض). أقول: بات حس المسلم في عالم الآخرة أعمق من دنياه، وبهذا صلح لقيادة البشرية، وأما غير المسلم فيسأل عن الساعة سؤال استنكار، فيلفته القرآن من السؤال عن موعدها إلى الاهتمام بخطرها، والتهيئ والاستعداد لها ما دام في الوقت متسع وفي العمر بقية، قبل أن تفجأه ساعته ولا ينفع عندها الندم. فالثقل تضمن معنى الخطر: جلت وعظمت في عالم الأرض وفي عالم السماء فليستعن بالله من رغب في فهم أوضاع هذه اللغة الشريفة كيف تحي ما اشتملت عليه أسرارها في مداليل ألفاظها وأحنائها، وملاءمة ذات

стр. 256

بينها، مما يضعف الكثير عن احتماله لغموضه ولطفه فالسؤال عن موعدها مصروف إلى الاهتمام بحقيقتها، إلى الشعور بهولها وخطرها وضخامتها. يصرف أنظارهم إلى شأنها العظيم، وعبئها الثقيل. إنه التضمين ... وإنه روضة تتنفس على القلب بعبير الياسمين. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) . جاء في معجم الأفعال جحده حقه وجحد بحقه: أنكره مع علمه به. أصل جحد أن يتعدى بنفسه لكنه أجري مجرى كفر فعدي بالباء لأنه ضمن معنى كفر، كما عدي كفر بنفسه في قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ)، إجراء له مجرى جحد، وقيل كفر كشكر يُعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر، ذهب إلى هذا العز وأبو حيان والعكبري والجمل. وقال الآلوسي: وعدي جحد بالباء حملا له على كفر لأنه المراد، أو بتضمينه معناه، كما أن كفر يجري مجرى جحد فيعدى بنفسه. قال سلمة بن الخرشب الأنماري: أثنِ عليها بالذي هي أهله ... ولا تكفرنها لا فلاح لكافر.

стр. 257

أقول: وإذا كان الجحود معناه الإنكار وضده الإقرار، والكفر معناه التغطية والستر، فقد جمع التضمين كلا المعنيين وما اشتملا عليه من علائق الصنعة وخصائص الحكمة. ما أضخم الذنب وما أشنع الجريمة؟! ... جحدوا آياتٍ ... وعصوا رسله ... أليست الرسالة واحدة؟ فمن عصى رسوله فقد عصى الرسل جميعا. وجمعُ الرسولِ هنا مقصود لتضخيم الجريمة وإبراز شناعتها، ومن أنكر آية عن علم فقد كفر. أرأيت كم احتوت مطاوي اللفظ في التضمين من انتشار وامتداد، يصوغه سبحانه على طريقة يُصيب به مواقع الشعور!! * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) قال العز: لا يجرمنكم معناه: لا يحملنكم على الجريمة؛ لإفادة المعنيين. قال الجمل: ضمن يجرمنكم معنى يحملنكم، ومن ثم عداه بـ (على) أو يكسبنكم وهما متقاربان، وذكر الزمخشري: عدي يجرمنكم بحرف الاستعلاء مضمنا معنى فعل يتعدى به كأنه قيل: ولا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل لكم من مَثُلة أو قذف أو قتل أو نقض عهد. وقال الآلوسي: لا يجرمنكم: لا

стр. 258

يحملنكم كما فسره قتادة ونقل عن ثعلب والكسائي. وقال الفراء وأبو عبيدة: المعنى لا يكسبنكم و (جرم) جار مجرى (كسب) في المعنى والتعدي إلى مفعول واثنين يقال: جرم ذنبا: كسبه: وجرمته ذنبا: كسبته إياه. خلا أن جرم يستعمل غالبا في كَسْبِ ما لا خير فيه وهو السبب في إيثاره هاهنا على الثاني وأصل مادته موضوعة لمعنى القطع لأن الكاسب ينقطع لكسبه، وقد يقال: أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كما يقال: أكسبه ذنبا وعليه قراءة عبد اللَّه (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) بضم الياء. أقول: تضمن (جرم) معنى (حمل) والمتعدي بـ (على) قال الشاعر: ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا فلا تحملنكم البغضاء على الجور والعسف والجريمة، فالعدل المطلق لا يميل مع الود ولا مع الكره. هو العدل المنبثق من العقيدة والبعيد عن المؤثرات الخارجية. لقد نهاهم عن الاعتداء على من صدوهم عن المسجد الحرام، والآن يحملهم على العدل مع المشنوئين المبغوضين، وهو تكليف أصعب وأشق من سابقه. ليربيهم على ضبط النفس ويكون سلوكهم منسجما مع مبادئ عقيدتهم ذات السلطان على الضمائر والنفوس. وإذا كان المراد هو حملهم على العدل حتى مع المشنوئين، وإن بالغوا في إيحاشهم، فلماذا جاء التعبير بفعل (جرم) بدلا من (حمل)؟ لعله أراد أن يشعرهم بالوقوع في الجريمة متى استجابوا لعاطفة وُدّ أو كُره. فيكون ما اختاره أوقع في النفس من رسيله وأبلغ في تربيتها من حميله. ثم استأنف فقال: (اعدلوا) ثم ذكر علة الأمر بالعدل فقال: (هُوَ أَقرَبُ

стр. 259

لِلتَّقوَى) وفيه تنبيه لوجوب العدل مع الكفار، فكيف مع المؤمنين؟ إنه العدل المطلق، وإنه من حكيم حميد ... ذلك هو التضمين الكنز الثمين فمن غض من نفاسته فلضيق أفقه وخَيسِ خاطره. * * * قَال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) . قال السيوطي: اللام بمعنى إلى وكذلك أبو حيان وابن هشام وابن عقيل والأزهري والأشموني والموزعي وقال الجمل عن ابن عباس: إلى وقت معين. وذكر الآلوسي: يجري لغاية مضروبة، ينقطع دونها سيرُهُ فاللام بمعنى إلى، وحكى الزركشي أنها بمعنى إلى وذكر لها دليلا من قوله ثعالى: (وَيُؤَخِركمْ إِلَى أَجَلى مُسَمّى). أقول: لعل فعل (يجري) تضمن معنى (يتوجه) فإن قيل: لم استبدل الجريان بالتوجه؟ أقول: لما وراء الجريان من المبتغى والمطلب فإن سألت:

стр. 260

ما الصلة بين الفعلين المضمن والمضمن فيه؟ أقول: صلة الوسيلة بالغاية، فكل جار وله في جريه وجهة فهو يطلبها، وكاية يبغي لها. مع الاستعلاء المنظور (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ). ومع الاستعلاء المطلق في الغيب (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) استواء يليق بجلاله سبحانه، يأتي التسخير (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ). ونرى معه الحكمة والتدبير (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)، (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى). أي كل يتوجه في جريانه لغاية مسماة ويبغي لمبتغاه. الأجرام الهائلة والأفلاك السابحة في الفضاء، كلٌ يتوجه لأَجَلِهِ الذي أُجِّل له، وأَمَده المُقدر له لا يتعداه قال ابن عباس: للشمس (مائة وثمانون) منزلا، كل يوم لها منزل ذلك في ستة أشهر، وللقمر (ثمانية وعشرون) منزلا في كل شهر، فالله قدر لكل كوكب سيرا خاصا ووجهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء فسبحانه وتعالى يدبر الأمر، يُفصل الآيات. أما التعاور في الحروف فولِّ وجهك عنه لا شيء تحته ولا خير من ورائه فإن دعتك ثقتك بنفسك إلى الإصرار على إبدال حرف بحرف تنتحله وتدعيه فخذ في غير هذه الصناعة. إنه التضمين في الفعل وإنه كثوب الحسناء على الحسناء لا يزيد مرتديه إلا أن ينطلق لسانه بجمال معانيه فلا يملك إلا أن ينتشيَ ويطرب. يرِق نسيمه من كل وجه ... ويعبق بالأريج المِسك طيبا * * *

стр. 261

قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) . ذكر الزمخشري والجمل: تجزي ضمن معنى تقضي أو تغني. وذكر الآلوسي: لا تنوب عنها ولا تحتمل عما أصابها. (لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ) والجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة. قال السيوطي: (عن) معناها البدل. وقرأ أبو السمَّال: لا تجزئ: من أجزأ عنه إذا أغنى عنه. فهو لازم و (شيئا) مفعول مطلق. أقول: مشهد عاصف وخطير كما يرسمه التعبير القرآني، مشهد مرهوب انقطعت فيه أواصر الرحم والنسب، من والد وولد، وقريب وحبيب وسند. غربة نفسية موحشة وهائلة، مقطوعة عن كل أحد، عاجزة عن كل شيء، ليس لها إلا ما قدمت من عمل. ويختتم المشهد: بأن وعد اللَّه حق. ويقطف الثمرة: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). فتضمين (تجزي) معنى (تُغني) أو (تنوب)، إقرار لمبدأ التبعة الفردية القائم على العدل المطلق، يوقظ الضمير ويشحذ الهمم للعمل، فلا شفاعة يؤمئذ ولا فدية إلا التقوى، وما تقدمه من صالح العمل، وكلا الفعلين المضمن والمضمن فيه يصدر من مشكاة واحدة.

стр. 262

ولو جاء التعبير القرآني ولا مولود عن والده لظهر المراد، ولكن إعادة الجزاء (هُوَ جَازٍ) فيه زيادة تقربر وبيان وَوِكادة رسوخٍ في التشهير بالإعلان عن مبدأ المسؤولية الفردية، لتكون الحجة على صاحبها أنور وأبهر وأقوى وأقهر. وحين يتعدى الفعل بالباء فإنه يتضمن معنى المكافأة. وهكذا يتضمن الجزاء: معنى الغَنَاء، أو معنى المناب، أو معنى المكافأة حسب سياقه والحرف المتعدي به، فوقوع الفعل في سياقه الذي يستدعيه يفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد، ولا يكاد يحيط بمدلول معاني الأفعال في هذه اللغة الشريفة وإدراك مطالبها مَن لم يألف مذاهب أصحابها. كل فعل زهرة، وكل زهرة ابتسامة تحتها سر دفين ... * * * قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) . لوقتها: أي في وقتها ذكره القرطبي. وذكر البيضاوي: أنه لا يُظهر أمرها في وقتها إلا هو، واللام للتاقيت كاللام في (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ).

стр. 263

وذكر الجمل: أنه لا يكشف عنها ولا يظهر للناس أمرها إلا هو بالذات. قال الآلوسي: اختلف في اللام، فقيل هي بمعنى (في) وقال ابن جني: بمعنى (عند) وقال الرضي: هي المفيدة للاختصاص، وهو على ثلاثة أضرب: يختص الفعل بالزمان لوقوعه فيه: كتبته لغرة شعبان، ووقوعه بعده: كتبته لخمس خلون من رجب، ووقوعه قبله: كتبته لليلة بقيت من رمضان. وحكى السيوطي: لوقتها أي في وقتها أو إلى وقتها. وقال الزركشي: لوقتها أي في وقتها ومثله: ابن هشام، والأشموني، وأبو حيان، والسيوطي. والأصل في كل حرف ألا يدل إلا على ما وضع له كما قال ابن الأنباري. وقال الرازي: التجلية: إظهار الشيء، والمعنى لا يظهرها في وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو. اقول: ولعل تضمين (جلَّى) معنى (أبدى) وضده (أخفى) والمتعدي باللام - لا يبديها لوقتها ويظهرها إلا هو - يفي بالغرض ونتحامى به تجشم الكلفة، ومشقة التأويل، وهل التجلية إلا كشف الستار عن المغيب ليبدو

стр. 264

ويظهر؟ وإنما تنكشف البراعة في صياغة هذه الحروف عند معرفة وجه التأويل في تضمين أفعالها المتعدية بها. ففي التجلية إزاحة الستر المسدل أمام باب الغيب الموصد وفي (جلَّى) تعمُّل وتكلُّف لخُطى الكشْف عن قصدٍ لغرض البدوِّ وما فيه من الإظهار، وتبقى اللام على أصلها ليست بمعنى (في) ولا معنى (إلى) ولا عند و ... ويبقى للتجلية ما ليس للبدوِّ في إدراك المطلب وقضاء الحاجة، والإبانة عن الغرض، وللسياق حكمه في توجيه المعنى والدلالة على القصد فجمع التضمين المعنيين في قضاء الحوائج فكان في بهاء صورته ودقة لمحاته رطبا جنيا لمشتهيه. أما الرسول ﷺ على قربه من ربه فهو (بَشَر) أمام عالم الغيب (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) فكيف يوجهون إليه هذا السؤال؟!. فاللَّه يلفتهم عن السؤال عن موعدها إلى الاهتمام بهولها وخطرها. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) . كيف؟ للتهويل وتعظيم يومِ لا حيلة في دفعه أو التخلص منه. قال الفراء ومثله السيوطي والآلوسي ليوم: أي في يوم. وذكر الرازي: لم يقل في يوم لأن المراد: لجزاء أو لحساب يوم

стр. 265

فحذف المضاف ودلت اللام عليه. قال الفراء: اللام لفعل مضمر، إذا قلت: جمعتهم ليوم الخميس كان المعنى جمعتهم لفعل يوجد في يوم الخميس، وإذا قلت: جمعتهم في يوم الخميس لم تضمر فعلا، وجمعهم لا فائدة فيه إلا المجازاة وإظهار الفرق بين المثاب والمعاقب. أقول: ولعل (جمع) هنا تضمن معنى (أحصى) والمتعدي باللام، أحصاهم ليوم الحساب، لجزاء يوم لا ريب في وقوعه، فلا يفلت منهم أحدا، سؤال يُلقى ويترك بلا جواب، كيف؟ تهديد رعيب للجميع وبدون استثناء، يشفق القلب أن يتعرض له، ويبقى للحرف دوره في إدراك المطلب والإبانة عن الغرض، وللسياق حكمه في توجيه المعنى والدلالة على القصد. أما في الحديث: " ما سمعت النبي جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك "، فالسياق هنا يتضمن معنى (قرن) وهكذا تتزاحم الأغراض على جهاته: من (أحصى) إلى (ضم) إلى (قرن) إلى (أنهى) إلى (تشدد) إلى (لبس) إلى (بنى) حسب انتظامه في شاقه وتسليكه في عبارته وتلوح دلالات الفعل من وراء التضمين كأنها نثرة من النجوم الزهر يأتلقن من الجمال، وهذا باب واسع يحتاج إلى فَضلِ تأمل فتأنس به ليكون تعريجنا عليه مَرقاة إلى تدبره، أما التناوب في الحروف: ليوم، أي في يوم، فيكفيه فقرأ ألا يلد معاني جديدة فوق معناه. * * *

стр. 266

قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) . (إلى) على بابها معناها الغاية ويكون الجمع في القبور، أو على تضمين (يجمع) معنى (يحشر) ويتعدى بـ (إلى) أو بمعنى (في) أو (مع). ذكر ذلك الزمخشري وأبو حيان، وذكر الرازي: ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة أو ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع بينكم. وحكى أبو السعود أنه قيل: (إلى) بمعنى (في)، وذكر ذلك الأشموني، والسيوطي، وابن هشام، والمرادي. أقول: وقد يتضمن معنى ضم في سياق آخر. ففي الحديث: " حتى إذا قضى رسول اللَّه مقالته جمعتها إلى صدري "، وقد يتضمن معنى أنهى أو ألقى أو أتم أو ساق. وهكذا تبقى (إلى) على أصلها ليست بمعنى (في) أو (مع) وإنما جرى التضمين في الفعل. ويتلوّن المعنى حسب السياق، فيكون بمعنى الحشر والمتعدي بـ (إلى) (فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)، أو الضم كما جاء في الحديث، أو السوق أو غير ذلك. ولعل الحشر أو السوق هنا أولى من سواه.

стр. 267

فتعريد من خشي اقتحام لجج هذه اللغة الشريفة، وتحاميه سبيل التنقيب عن أوضاعها، ينأى به عن تقصي عللها وتتبع مسالكها وإدراك مطالبها. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (٢). قال الزمخشري: أحببت مضمن معنى فعل يتعدى بـ (عَنْ)، كأنه قيل: أنبت حب الخير عن ذكر ربي، أو جعلت حب الخير مجزيا أو مغنيا عن ذكر ربي. وذكر الهمذاني في كتاب التبيان: أن أحببت بمعنى لزمت. وقال ابن أبي حاتم: عن ابن عباس ﵄ في قوله: (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) يقول: من ذكر ربي. وذكر أبو حيان: وانتصب حب الخير على المفعول به لتضمن (أحببت) معنى (آثرت) قاله الفراء. وقيل: منصوب على المصدر التشبيهي. وقيل: عدي بـ (عَنْ) فضمن معنى أنبت أو جعلته منيبا عن ذكر ربي. وقال السيوطي: أحببت: أي (أردت) وضمن معنى (آثرت) فعدي بـ (عن). وقال الرازي: التفسير الحق المطابق لألفاظ القرآن، وسليمان عليه

стр. 268

السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وقال: إنني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما لأمر اللَّه وتقوية دينه، وهو المراد بقوله: عن ذكر ربي، ثم إنه أمر بإجرائها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر بردها فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض: تشريفها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. قال الطبري: أحببت حب الخير: أي أحببت حبا للخير ثم أضيف الحب إلى الخير، وعنى بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب تسمي الخيل: الخير، وتسمي المال: الخير، أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته، وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر. حب الخير: مفعول به لأحببت المتضمن معنى (آثرت) قاله الفراء، وقيل: منصوب على المصدر التشبيهي أي أحببت الخيل كحب الخير أي حبا كحب الخير، وقيل: عدي بـ (عَنْ) لأنه تضمن معنى فعل يتعدى بـ (عَنْ) أي أنبت حب الخير، عن ذكر ربي أو جعلت حب الخير منيبا عن ذكر ربي. وذهب أبو الفتح الهمذاني إلى أن (أحببت) بمعنى (لزمت). وقالت فرقة: أحببت: سقطت إلى الأرض، مأخوذة من أحب البعير: إذا عيي وسقط أي عييت عن ذكر ربي حكاه أبو حيان ووافقه العكبري والزمخشري والجمل، وكذلك حكاه الرماني عن أبي عبيدة، وأورد البيضاوي: أصل أحببت أن يعدى بـ (على) لأنه بمعنى آثرت، لكن لما أنيب مناب أنبت عدي تعديته، وقيل: هو بمعنى تقاعدت من قوله: * مثل بعير السوء إذ أحبا * أي برك. وحب الخير مفعول له، والخير المال الكثير والمراد به الخيل

стр. 269

" الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ". وأورد الآلوسي: أن الإحباب: الإيثار على ما نقل عن الفراء فهو مما يتعدى بـ (على) لكن عدي هنا بـ (عَنْ) لتضمينه معنى الإنابة، وحب الخير مفعول به أي آثرت حب الخير منيبا له عن ذكر ربي أو أنبت حب الخير عن ذكر ربي مؤثرا له. وروى الزركشي: أنه قيل (عن) على بابها منصرفا عن ذكر ربي، فعن متعلقة باعتبار معنى التضمين أي تثبطت عن ذكر ربي وعلى هذا فحب الخير مفعول لأجله. وقال الجمل: فيها أوجه: أحببت: آثرت، وتكون (عن) بمعنى (على). أحببت: أنبت فلذلك تعدى بـ (عَنْ)، أحببت: لزمت - أجبت (من أحب البعير إذا برك من الإعياء) أي قعدت عن ذكر ربي. فحب الخير مفعول لأجله وعبارة الكرخي (أردت) أشار إلى أن أحببت مضمن معنى فعل يتعدى بـ (عَنْ) أي أردت حب الخير مجزيا أو مغنيا عن ذكر ربي. أقول: أسلوب كتاب اللَّه الكريم يصيب بألفاظه مواقع الشعور، ويكشف ما تحتها من ظاهرها الملتبس، يلتمس المقيد فيطلقه، ويتشوف إلى الجمال فيظهره، أطلق الخير على الخيل ليستهوي إليها النفوس " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ". وجاء لفظ الحب بصيغتين: صيغة الفعل ليفيد الحدوث والتجدد فيستولي

стр. 270

على قلوب من أحب الجهاد في كل عصر إلى قيام الساعة، وفي صيغة المصدر ليفيد الثبوت فلا تتحول عنه القلوب العاشقة للفداء فتميل إلى الدنيا. وهاهو سليمان ﵇ القائد العسكري - يستعرض خيوله التي أحب فيها الصفون والجَودة، وحبه لها كان تفسيرا لحقيقة وجوده، فيصل ما وراء الحياة بما له صلة بالحياة. أجل حبه لها صادر عن ذكر ربه فماذا وراء ذكر ربه؟ اللفظ المفرد في كتاب الله يتحول إلى قصة، واللمحة السريعة تكشف عن حقيقة، وتلك طريقة القرآن الكريم: يضع في اللفظ إشعاعا يضيء، يديره على طريقة يثير بها مكامن الخيال لتأخذ النفس منه ما تشاء وتترك. وهكذا تبقى كل حقيقة: كالإيمان، والخير، وذكر الله، مع كثرة صورها الموحية بحاجة في كل عصر إلى كتابة جديدة من أذهان مبدعة. فذكر ربه هو العمل بكتابه، وهو طاعته في جهاد عدوه، وهو الإعداد للمَهمَّة الضخمة لمواجهته، وهو استعراض ما لديه من قوى عسكرية لمنازلته، وكل ذلك لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وإزالة دولة الباطل هي المبتغى، ويكون الباطل دوما ذليلا زهوقا. ولن يفهم القرآن إلا من يتحرك في مثل حركته ﵇ في مواجهة الباطل لتقرير حاكمية الله في الأرض ومطاردة كل حاكمية معتدية مغتصبة. ويستمر العرض العسكري لخيوله ﵇ فقد أمر الرائضين بإعدائها وتسييرها، وتبقى الأبصار معلقة بالمشهد المعروض والأعصاب مشدودة حتى توارت بالحجاب، غابت عن بصره، وعندها قال: ردوها عليَّ، لماذا؟ كأنها شبت في نفسه شبابا، وكَسَبَت روحه قوة، وصنعت في أعصابه صناعة فريدة، فراح يباركها، ويمسح على أعناقها وسوقها لاختبار أصالتها فلما كشف ذلك

стр. 271

مجرورها بحال محذوفة وتقدير هذه الحال يحتاج منا إلى فضل تأمل صالحا أن يدخل في أكثر من مقام، ومع كل مقام يختلف المعنى المصاحب له، فإن كان حبه لخيوله لهوى شخصي، أو لشهوة، أو لدنيا، أو لسلطة، أو رياسة فتقدير الحال (صارفا)، وإن كان حبه لها لطاعة أو عبادة أو جهاد أو نشر دعوة فتقدير الحال (صادرا)، والقرائن كلها تثير إلى التزامه بطاعة ربه وذلك: ١ - حبه لها كحبه للخير فكيف تصرفه عن الخير؟!. ٢ - في استعراضه العسكري كان قائما في طاعة، مشغولا بعبادة فكيف تشغله عن ذكر ربه؟! ٣ - الخيل من وسائل جهاده المبارك فكيف يعقرها؟! ٤ - لا ورود لذكر الشمس في النص أصلا وهل يملك جنده أن يردوها عليه إن صح ما جاء على ألسنة كثير من المفسرين؟ لا شمس إذاً تغيب ولا صلاة تفوت ولا خيول تعقر وإنما هي إسرائيليات يستنكرها العقل والنقل. تدسَّت إلى بعض كتب التفاسير لتتلف وسائل الجهاد المبارك مما يتنافى مع عصمة الأنبياء، بل مع حكمة العقلاء. وإلى اليوم تلاحق يهود كل جهاد ينهض لتقضي عليه أو تفتنَّ في

стр. 272

تشويهه: تطرف ... عنف ... إرهاب ... خروج عن طاعة ولي الأمر. كما تنفق الكثير الكثير رغم شحها للقضاء عليه. أما فتنة سليمان ﵇ واستغفاره من ذنبه، فلسهوه عن تعليق قسمه بمشيئة ربه ففي الحديث الصحيح للبخاري: يقول رسول اللَّه ﷺ : " قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللَّه ولم يقل إن شاء اللَّه والذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللَّه لجاهدوا في سبيل اللَّه فرسانا أجمعين ". وبعدُ ... إن لم تكن وسائل الجهاد فلا تنتظر الجهاد. وإن لم تكن نفوس مهيأة للاستشهاد فلا تنتظر النصر. وإن لم تكن معارك النصر فلا تنتظر قيام دولة الإسلام. وإن لم تسطع شمس الإسلام فلن يقوم للحق في هذا الوجود كيان. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). قال البروسوي: حقيقة الاستحباب أن يتحرى الإنسان في الشيء ما يحبه، واقتضى تعديته بـ (على) معنى (الإيثار والاختيار) أي تضمن الإيثار. واختيار الضلالة هو من عمى البصيرة. وقال صاحب الكشف في لفظ الاستحباب ما يشعر بأن قدرة اللَّه هي المؤثرة فإن المحبة ليست اختيارية باتفاق؛ وإيثار العمى حبا وهو الاستحباب من الاختيارية. أ. هـ

стр. 273

وقال أبو حيان: فاستحبوا العمى على الهدى: أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. وقال ابن عطية: فاستحبوا: عبارة عن تكسبهم في العمل، يدلك على ذلك قوله: (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وقال تاج الدين الحنفي ما قاله أبو حيان: أي اختاروا ... وقال الزمخشري: استحبوا أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. ومثله قال الرازي. أقول: ولعل تضمين (استحب) معنى (اصطفى) أسوغ من (اختار وآثر). لأن في الاصطفاء استقصاء ونخل مع الإيثار. فهؤلاء بعد اهتدائهم بآية الناقة ارتدوا إلى الضلال واستحبوا العمى، اصطفوه من أسوأ الموجود لانتكاس قلوبهم فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. أشد أنواع العمى هو الضلال بعد الهدى، والعمى بعد الاستبصار، وبذلك استحقوا صاعقة العذاب، وأي عذاب؟ عذاب الخزي والهون مما يليق مع استكبارهم. واختيار لفظ (استحب) بدلاً من (اصطفى) لأنه مدفوع بهوى النفس، ودليل على انطفاء نور القلب، وشاهد على تسلط الهوى عليه وإغلاق كل نافذة للتفكير لئلا تسترشد بضياء الحق وهذا من أشد العمى وأقبحه. ثم إن للتضمين مقاصد في اختيار اللفظ، وأسرارا في انتقاء العبارة يتوصل إليها بالفحص عنها والتأمل فيها وخيرها ما سافر فيها النظر. * * *

стр. 274

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) . ذكر العز بن عبد السلام: تضمن يستحبون معنى يختارون ويؤثرون الحياة الدنيا على ثواب الآخرة. وأورد الآلوسي: يستحبون أي يختارونها عليها، فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليه من غيره. فالسين للطلب، والمحبة مجاز مرسل عن الاختيار والإيثار بعلاقة اللزوم، ولاعتبار التجوز عُدي الفعل بـ (على). ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل كاستجاب بمعنى أجاب. والفعل مضمن معنى الاختيار، والتعدية بـ (على) هي لذلك. وذكر الزمخشري، وردده أبو حيان: أن الاستحباب هو الإيثار والاختيار وهو استفعال من المحبة لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل عندها من الآخرة. أقول: لقد تضمن (الاستحباب) معنى (الإيثار والتفضيل) وهذا معناه: فقدوا التوازن بين الحياتين، وتعطل إدراكهم عن فهم كل من الحياتين على الحقيقة، فانتهى بهم إلى تقويم فاسد حين آثروا الفانية على الباقية يلتمسون الدنيا من غير وجهها لأن نعمة اللَّه لا تلتمس إلا بطاعته. وحين يفضل بعض الناس دنياهم على أخراهم، ويؤثرونها بالحب، عندها يبغونها عوجاء لا استقامة فيها ولا عدالة، فيصدون عن الهدى والحق،

стр. 275

وعندها كذلك يبطشون ويظلمون وينشرون الفساد في الأرض ويستأثرون بالكسب الحرام، وعندها أيضا يصدون عن سبيل اللَّه من آمن يبغونها عوجاء. فلولا (على) هذه ما ظفرنا بهذه اللطيفة من وراء التضمين. * * * قَال تعالى: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١). وحبط العمل على أضرب: أحدها أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني في القيامة. ذكر القرطبي في معنى الحبوط: البطلان والفساد. وقال البروسوي: حَبِط: بطل وذهب. وقال الآلوسي: تضمن (حبط) معنى (سقط وبطل) أي سقط عنهم ثواب أعمالهم أو زال عنهم مع فضلهم وعلو شأنهم. سبب ذلك أن أصحابها لم يقصدوا فيها وجه الله. فلو أشرك هذا الرهط من الرسل المهديين المصطفين في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي فإن مصيرهم حبوط العمل والهلك، كمصير الدابة ترعى نبتا مسموما فتنتفخ فتموت. لأن الحَبَطَ: انتفاخ بطن الدابة من كثرة الأكل. وقال الزمخشري: ولو أشركوا مع فضلهم وتقدمهم لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم كما قَالَ تَعَالَى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ). أقول: فتضمين (حبط) معنى (هلك) المتعدي بـ (عَنْ) (هَلَكَ عَنِّي

стр. 276

سُلْطَانِيَهْ) أي هلكت عني حجتي كما قال مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك أولى من سقط وبطل وزال، مراعاة للسياق وذهابا في جهات النظر، فجمع التضمين موت الدابة في حبوط بطنها من السُّمية، وهلاك العمل لعدم خلوص النية في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي. فهُدى اللَّه محصور في مصدر وحيد وهو وَحدَه يستمد منه ويحتكم إليه، وهو ما جاء عن طريق الرسل فمن حاد عن هذه الطريق فأشرك في المعتقد أو في العبادة أو في التلقي لهلك كل عمل يعمله، وضاع أجره سدى مهما بذل فيه من مجهود. نعم هلك أجر عمله كما تهلك الدابة ترعى نبتا مسموما فتنتفخ فتموت. موضوع الشرك صورة مُدرَكة يعرضه لنا سبحانه في صورة محسوسة مبصرة شائنة كريهة، ليكون أشد تأثيرا في النفوس وأبلغ. وإن للعرب ألفاظا لا يكاد يحيط بمدلولها ويدرك مطالها من لم يألف مذاهبهم. * * * قَالَ تَعَالَى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) ... أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (٢). ذكر ابن منظور: يجوز أن يضمن (حسب) معنى (قدر) فيتعدى إلى واحد. وقال الآلوسي: الظاهر أن الحسبان متعد إلى مفعولين وأن (أَن يَسْبِقُونَا) ساد مسدهما وجوز الزمخشري أن يضمن معنى التقدير فيكون

стр. 277

متعديا لواحد و (أَن يَسْبِقُونَا) هو ذلك الواحد و (أم) منقطعة ومعنى الإضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول. وتعقبه أبو حيان: بأن التضمين ليس بقياس ولا يصار إليه إلا عند الحاجة وهنا لا حاجة إليه. وقال الرازي: حكمهم في غاية السوء والرداءة، فالإمهال لا يفضي إلى الإهمال والتعجيل في جزاء الأعمال شُغْلُ من يخاف الفَوْت وحكم الشرع خلاف ما قالوه. وقال الجمل: (أم) منقطعة فتقدر بـ (بل وهمزة الاستفهام). أ. هـ السمين و (بل) التي في ضمنها للإضراب. والهمزة التي ضمنها للاستفهام التوبيخي. فالكلام انتقال للتوبيخ الأول على حسبانهم بلوغ الدرجات من غير مشاق بمجرد الإيمان، إلى توبيخ أشد وهو حسبانهم أن يفوتوا عذاب اللَّه ويفروا منه فلا ننتقم منهم. وقال أبو السعود: و (أم) منقطعة وما فيها من معنى (بل) للإضراب والانتقال إلى التوبيخ بإنكار ما هو أبطل من الحسبان الأول. وهو حسبانهم ألا يجاوزوا بسيئاتهم، وهم إن لم يُحدِّثوا أنفسهم بذلك، لكن إصرارهم على المعاصي نزلوا منزلة من يطمح في ذلك. أقول: (حسب) إن كان من باب (ظن) فلا تضمين في الفعل، وإن كان بمعنى (قدر) والمتعدي لمفعول واحد هو المصدر المؤول - أن يسبقونا - فقد ولج باب التضمين وهذا ما أُرجحه لأن إصدار حكمهم - ساء ما يحكمون - مبني على تقدير وتدبير وتفكير منهم، وليس مجرد ظن فقط. فكيف يُقدِّرُ مفسدٌ

стр. 278

أنه يفلت من العقوبة - أن يسبقونا؟! - فكما أن الابتلاء سنة لامتحان الصادق والكاذب، كذلك أخذ المسيء بإساءته سنة لا تتخلف لامتحان القلوب، وتمحيص الصفوف، ففي الحديث قال ﵊: " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ". ويستكمل المعنى بالصورة الندية للقلوب المؤمنة، صورة الراجي المشتاق إلى لقاء اللَّه بأنه السميع وأنه العليم. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (٢). قال الطبري: اللام بمعنى إلى أي فإساءتها راجعة إليها ومثل ذلك قال الزركشي. وعند الزمخشري: أنها للاختصاص، فالإحسان والإساءة مختص بأنفسكم لا يتعداه إلى غيركم. وتعقبه الآلوسي: بأنه مخالف لما في الآثار من تعدي ضرر الإساءة إلى غير المذنب، اللهم إلا أن يقال: إن ضرر بني إسرائيل لم يتعدَّهم، وفيه تكلف لأن الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعديان وهما المراد هنا. وقيل: اللام للنفع كالأولى ولكن على سبيل التهكم ولذا قيل: إن تكرير الإحسان

стр. 279

إشارة تغليبية. وجاء عن علي كرم اللَّه وجهه أنه قال: ما أحسنت إلى أحد ولا أسات إليه، وتلا هذه الآية. وذكر الجمل وأبو حيان: أن (لها) بمعنى (عليها). أقول: أحسن يتعدى بـ (إلى) فإذا تعدى بغيرها فيحمل على التضمين ولا أرى وجها لتناوب الحروف (اللام) بمعنى (إلى) أو (على) أو الاختصاص أو الاستحقاق أو ... فلنا منجاة من هذه المخاضة بتضمين (أحسن) معنى (قَدَّمَ) من قدم من خير وإحسان فلنفسه يرتد إحسانه، ومن (أساء) أي ومن (جرم) فلنفسه من السيئات يرتد جرْمُه، ويُحمل نفسه ما لا تطيق مما يثقلها ويتدافع بها. فالآية تقرر قاعدة ثابتة لا تتغير على مر العصور، قاعدة جزاء العمل - كل فرد مسؤول عن نفسه - له ثمار عمله أحسن أو أساء إن قدمتم قدّمتم لأنفسكم من إحسان. أو جرمتم من شر فلأنفسكم، وسنة اللَّه ماضية في خلقه لا تتخلف. ويبقى التضمين مصدر إثراء لهذه اللغة الشريفة تسري أحكامها في أحنائه وحواشيه على سعة أبعاده ومداليله. * * *

стр. 280

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) (١). ذكر القرطبي: ويجوز أن يكون (خلقه) مفعولا ثانياً لـ أحسن على تضمينه معنى (أعطى) وذكر الآلوسي: وقيل هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى أعطى. أعطى سبحانه كل شيء خلقه اللائق به بطريق الإحسان والتفضل. وقيل: (خلْقه) المفعول الأول، (وكل شيء) المفعول الثاني على تضمين الإحسان معنى الإلهام كما قال الفراء، أو التعريف كما قاله أبو البقاء والمعنى ألهم أو عرَّف خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه فيؤول إلى قوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) واختار أبو علي في الحجة ما ذكره سيبويه في الكتاب أنه مفعول مطلق لـ أحسن من معناه. وفي الجلالين: بفتح اللام (خلقه) فعل ماض: صفة وبسكونها (خلْقه) بدل اشتمال. أقول: في ظل مشهد النشأة الأولى نلمح هذا الفيض من الفضل العظيم الذي أودع كل شيء خصائصه وصفاته ووظائفه واستعداداته. من الذرة إلى أكبر الأجرام، ومن الخلية إلى أعقد الأجسام، يتجلى الإحسان والإنعام. كل شيء في هذا الوجود مزود بخصائص تؤهله لأداء دروه من إنسان أو حيوان أو فَلَك سابح في الكائنات، متقن الصنع، بديع التكوين، باد فيه الإحسان والإتقان، وما منحه من التناسق والكمال. وها نحن نتملَّى آيات الإحسان والإتقان في كل ما نبصر ونسمع ونحس وندرك في رحلتنا على هذا الكوكب من جمال الصانع الحكيم فيما صنع وأباع ومنح. إن عنصر الإحسان مقصود في هذه الآية ليتضمن (ما وهب ومنح) من

стр. 281

إتقان الصنعة وحُسْنِها (فيما صنع وسوَّى وأبدع) فيرقى إلى حد الجمال والكمال: جمال الصورة وكمال التكوين في كل ما خلق مع تناسق الكل في هذا الوجود. تلفتنا الآية في كل ما حواه التضمين من هذه اللطائف إلى الاستمتاع بها ليتتبع القلب اليقظ مواطن الحسن والجمال في هذا الوجود. ولا يدرك القلب هذا النعيم إلا حين يستيقظ من الإلْفَة، ويبصر بنور اللَّه الأشياء كما أبدعها الصانع، فيحس بالصلة بين المبدع وما أبدع، فيزيد شعوره بجمال ما يرى ويحس. إن هذا الوجود جميل، وإن جماله لا ينفد، هذه الفراشة ... هذه الوردة ... هذه النجمة ... تلك الغيوم ... في هذا الوجود متناسقة لا عوج فيها ولا فطور. يلفتنا كتاب ربنا إليها لنتملاها وهو يقول: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) ليوقظ القلب فيتتبع مواطن الحسن والجمال في هذا الوجود. إنه التضمين كلما زدته فكراً زادني معنى، أتعرف أسراره ليفتح القلب على لطائفَ من هذه اللغة الشريفة. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (٢). أحسن يتعدى بـ (إلى). قال: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ). وقد يتعدى بالباء (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ولا يتعدق الجار والمجرور بـ إحسانا لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ذكر ذلك أبو حيان والعكبري: وقد يكون ضمن (أحسن) معنى (لطف). وقيل: المفعول محذوف أي (صنعه).

стр. 282

قال السيوطي: أحسن بي: أي (إليَّ) أفاد معنى الغاية. أ. هـ. وذكر الزمخشري: يقال أحسن إليه وبه وكذلك أساء إليه وبه. قال زهير: * إذا قوم بأنفسهم أساؤوا * وأساء في تعديته مثل أحسن. وقال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلَّت وفي الحديث قال ﷺ : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن ". وقال الآلوسي: حمله بعضهم على تضمين أحسن معنى لطف ولا يخفى ما فيه من اللطف، والمعروف في الاستعمال تعديه بالباء، وبه صرح في الأساس وعليه المعول (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) وفي الحديث الشريف قال ﷺ : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ". وقيل الباء بمعنى إلى. وقيل المفعول محذوف. أي أحسن صنعه بي فالباء متعلقة بالمفعول المحذوف، وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله وهو ممنوع عند البصريين. وفرق الزركشي بين الحرفين وأكد أن الباء أليق بيوسف لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التي صار إليها. أقول: إذا كان الفعل أحسن يتعدى بالباء فلا تضمين. وما دام الخلاف قائما فتضمينه معنى (لطف) المتعدي بالباء كما مر يستنيم إليه السياق، فاللطف فرع من الإحسان، والإحسان أعم منه وأشمل.

стр. 283

وفي قول يوسف ﵇ غاية الأدب وكمال الاعتراف بالجميل حين عبر (بالباء) بدلا من (إلى) لأن ألطاف اللَّه مسَّته فما كان أشد بها أُنْسه، إنها زهور تفوح بالعطر حين لصقت به محاسنه، فلم يجعل محاسن اللَّه وألطافه خارجة عنه، بعيدة منه، تصل إليه بـ (إلى) كما جاء في قوله تعالى: (كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) مخاطبا قارون بلسان قومه أن يحسن إلى الناس كما أحسن اللَّه إليه. وأي إحسان أعز وأشرف من الجاه والسلطان! ومن كمال أدبه لم يذكر الجب مراعاة لمشاعر إخوته. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) (١). قال النحاة: الجملة الخبرية إذا خلت من فائدة الخبر أفادت معنى التعجب إذا اقتضى المقام ذلك. وعليه يكون؛ قد أحسن: أي ما أحسن رزقهم وما أعظمه. قال الزمخشري: فيه معنى التعجب والتعظيم. وقال الجمل: أي رزقا عظيما عجيبا فيه تعجب وتعظيم لما رُزقوا من الثواب. قال البروسوي: ولا يبعد أن يكون (له) بمعنى (إليه). أ. هـ. أي على مذهب أهل الكوفة في تضمين الحروف. أقول: الأوْلى أن نضمن (أحسن) معنى (أعد) والمتعدي باللام. فهو

стр. 284

سبحانه فوق نعمة الذكر والنور والهداية والصلاح، وعدهم بأحسن الرزق فأعده لهم وهيأه. فجمع التضمين من وراء اللام إعداد الرزق وتحسين أصنافه وأنواعه على اختلاف جهاته وسما به من واقعه المادي إلى المجال الروحي في تصور المؤمن: رزق الروح بالتفريد. تتفرد بحبه، فلا تعشق معه سواه. ورزق القلب بالتجريد. ورزق اللسان بالتوحيد. وبهذه اللمسة يُنشئ في قلب المؤمن ألا يتعلق بدنياه ولا بأحد سوى الله، ويكون ذلك من تكامل السعادات النفسية، وتعاظم الدرجات الروحانية تُلوِّح وتُبشِّر ... إنه التضمين وإنها اللام جاءت لتصوير المعنى وتشريفه بالإعداد له والتهيئة لصاحبه إعزازا لمقامه وتكريما لمنزلته ويبقى أثر التلميح على النفس غير التصريح والتكشيف. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (١). قال أبو حيان: والظاهر أن (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) متعلق بـ يحفظونه. قيل: (مِنْ) للسبب كقولك: كسوته من عري، ويكون معناها ومعنى الباء سواء. يحفظونه بأمر اللَّه وبإذنه، قال ابن جريج: يحفظون عليه عمله، وقال قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله، وقرأ علي وابن عباس وعكرمة وزيد وجعفر يحفظونه بأمر اللَّه يؤيد السببية.

стр. 285

وقال الزمخشري: يحفظونه من أجل أمر الله، أي: اللَّه أمرهم بحفظه. وقيل بحفظه من بأس اللَّه ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له أن يمهله رجاء أن يتوب. ويصير المعنى إلى التضمين أي: يدعون له بالحفظ من نقمات اللَّه رجاء توبته. وزاد الجمل يحفظون عمله بإذن اللَّه فحذف المضاف وهو (عمل) وتقديره: يحفظونه بأمر الله وإعانته. وقال البروسوي: يحفظونه من المضار التي أمر اللَّه بالحفظ منها. وقال الزركشي: روى الأخفش عن يونس أن (مِنْ) بمعنى (الباء). ومثله قال ابن قتيبة. وقال الرازي: نقلا عن الفراء: فيه تقديم وتأخير، له معقبات من أمر اللَّه. أقول: إذا كان اللَّه قد أمر الملائكة بحفظ العبد كما ذكر الزمخشري وغيره، فلماذا يخشى المذنب من ذنبه ومعه من يحفظه؟ أو يدعو له بالحفظ من عذاب الله؟ ولعل تعليق (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بالفعل يحفظونه هو الذي دفعهم إلى ركوب المسلك الحزن، ووكلهم إلى تشتيت ملامح الصورة للمشهد الكوني الكبير، وتفريطهم هذا أوقعهم في حَيْس الخاطر وألجأهم إلى دعوى التناوب والتعاور، (مِنْ) بمعنى الباء. في جو من تظليل الصورة وعدم تسليط الضوء عليها عن قصد وعمد، وفي مشهد تحيط به الضبابية متلفع بالخفاء تخيم عليه الرهبة، نرقب علم اللَّه المحيط بكل شيء، خفياً لا تراه العيون، وراء السر المستخفي بالليل وخلف
следующие страницы →