← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إتقان الصنعة وحُسْنِها (فيما صنع وسوَّى وأبدع) فيرقى إلى حد الجمال والكمال: جمال الصورة وكمال التكوين في كل ما خلق مع تناسق الكل في هذا الوجود. تلفتنا الآية في كل ما حواه التضمين من هذه اللطائف إلى الاستمتاع بها ليتتبع القلب اليقظ مواطن الحسن والجمال في هذا الوجود. ولا يدرك القلب هذا النعيم إلا حين يستيقظ من الإلْفَة، ويبصر بنور اللَّه الأشياء كما أبدعها الصانع، فيحس بالصلة بين المبدع وما أبدع، فيزيد شعوره بجمال ما يرى ويحس. إن هذا الوجود جميل، وإن جماله لا ينفد، هذه الفراشة ... هذه الوردة ... هذه النجمة ... تلك الغيوم ... في هذا الوجود متناسقة لا عوج فيها ولا فطور. يلفتنا كتاب ربنا إليها لنتملاها وهو يقول: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) ليوقظ القلب فيتتبع مواطن الحسن والجمال في هذا الوجود. إنه التضمين كلما زدته فكراً زادني معنى، أتعرف أسراره ليفتح القلب على لطائفَ من هذه اللغة الشريفة. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (٢). أحسن يتعدى بـ (إلى). قال: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ). وقد يتعدى بالباء (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ولا يتعدق الجار والمجرور بـ إحسانا لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ذكر ذلك أبو حيان والعكبري: وقد يكون ضمن (أحسن) معنى (لطف). وقيل: المفعول محذوف أي (صنعه).

стр. 282

قال السيوطي: أحسن بي: أي (إليَّ) أفاد معنى الغاية. أ. هـ. وذكر الزمخشري: يقال أحسن إليه وبه وكذلك أساء إليه وبه. قال زهير: * إذا قوم بأنفسهم أساؤوا * وأساء في تعديته مثل أحسن. وقال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلَّت وفي الحديث قال ﷺ : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن ". وقال الآلوسي: حمله بعضهم على تضمين أحسن معنى لطف ولا يخفى ما فيه من اللطف، والمعروف في الاستعمال تعديه بالباء، وبه صرح في الأساس وعليه المعول (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) وفي الحديث الشريف قال ﷺ : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ". وقيل الباء بمعنى إلى. وقيل المفعول محذوف. أي أحسن صنعه بي فالباء متعلقة بالمفعول المحذوف، وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله وهو ممنوع عند البصريين. وفرق الزركشي بين الحرفين وأكد أن الباء أليق بيوسف لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التي صار إليها. أقول: إذا كان الفعل أحسن يتعدى بالباء فلا تضمين. وما دام الخلاف قائما فتضمينه معنى (لطف) المتعدي بالباء كما مر يستنيم إليه السياق، فاللطف فرع من الإحسان، والإحسان أعم منه وأشمل.

стр. 283

وفي قول يوسف ﵇ غاية الأدب وكمال الاعتراف بالجميل حين عبر (بالباء) بدلا من (إلى) لأن ألطاف اللَّه مسَّته فما كان أشد بها أُنْسه، إنها زهور تفوح بالعطر حين لصقت به محاسنه، فلم يجعل محاسن اللَّه وألطافه خارجة عنه، بعيدة منه، تصل إليه بـ (إلى) كما جاء في قوله تعالى: (كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) مخاطبا قارون بلسان قومه أن يحسن إلى الناس كما أحسن اللَّه إليه. وأي إحسان أعز وأشرف من الجاه والسلطان! ومن كمال أدبه لم يذكر الجب مراعاة لمشاعر إخوته. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) (١). قال النحاة: الجملة الخبرية إذا خلت من فائدة الخبر أفادت معنى التعجب إذا اقتضى المقام ذلك. وعليه يكون؛ قد أحسن: أي ما أحسن رزقهم وما أعظمه. قال الزمخشري: فيه معنى التعجب والتعظيم. وقال الجمل: أي رزقا عظيما عجيبا فيه تعجب وتعظيم لما رُزقوا من الثواب. قال البروسوي: ولا يبعد أن يكون (له) بمعنى (إليه). أ. هـ. أي على مذهب أهل الكوفة في تضمين الحروف. أقول: الأوْلى أن نضمن (أحسن) معنى (أعد) والمتعدي باللام. فهو

стр. 284

سبحانه فوق نعمة الذكر والنور والهداية والصلاح، وعدهم بأحسن الرزق فأعده لهم وهيأه. فجمع التضمين من وراء اللام إعداد الرزق وتحسين أصنافه وأنواعه على اختلاف جهاته وسما به من واقعه المادي إلى المجال الروحي في تصور المؤمن: رزق الروح بالتفريد. تتفرد بحبه، فلا تعشق معه سواه. ورزق القلب بالتجريد. ورزق اللسان بالتوحيد. وبهذه اللمسة يُنشئ في قلب المؤمن ألا يتعلق بدنياه ولا بأحد سوى الله، ويكون ذلك من تكامل السعادات النفسية، وتعاظم الدرجات الروحانية تُلوِّح وتُبشِّر ... إنه التضمين وإنها اللام جاءت لتصوير المعنى وتشريفه بالإعداد له والتهيئة لصاحبه إعزازا لمقامه وتكريما لمنزلته ويبقى أثر التلميح على النفس غير التصريح والتكشيف. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (١). قال أبو حيان: والظاهر أن (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) متعلق بـ يحفظونه. قيل: (مِنْ) للسبب كقولك: كسوته من عري، ويكون معناها ومعنى الباء سواء. يحفظونه بأمر اللَّه وبإذنه، قال ابن جريج: يحفظون عليه عمله، وقال قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله، وقرأ علي وابن عباس وعكرمة وزيد وجعفر يحفظونه بأمر اللَّه يؤيد السببية.

стр. 285

وقال الزمخشري: يحفظونه من أجل أمر الله، أي: اللَّه أمرهم بحفظه. وقيل بحفظه من بأس اللَّه ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له أن يمهله رجاء أن يتوب. ويصير المعنى إلى التضمين أي: يدعون له بالحفظ من نقمات اللَّه رجاء توبته. وزاد الجمل يحفظون عمله بإذن اللَّه فحذف المضاف وهو (عمل) وتقديره: يحفظونه بأمر الله وإعانته. وقال البروسوي: يحفظونه من المضار التي أمر اللَّه بالحفظ منها. وقال الزركشي: روى الأخفش عن يونس أن (مِنْ) بمعنى (الباء). ومثله قال ابن قتيبة. وقال الرازي: نقلا عن الفراء: فيه تقديم وتأخير، له معقبات من أمر اللَّه. أقول: إذا كان اللَّه قد أمر الملائكة بحفظ العبد كما ذكر الزمخشري وغيره، فلماذا يخشى المذنب من ذنبه ومعه من يحفظه؟ أو يدعو له بالحفظ من عذاب الله؟ ولعل تعليق (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بالفعل يحفظونه هو الذي دفعهم إلى ركوب المسلك الحزن، ووكلهم إلى تشتيت ملامح الصورة للمشهد الكوني الكبير، وتفريطهم هذا أوقعهم في حَيْس الخاطر وألجأهم إلى دعوى التناوب والتعاور، (مِنْ) بمعنى الباء. في جو من تظليل الصورة وعدم تسليط الضوء عليها عن قصد وعمد، وفي مشهد تحيط به الضبابية متلفع بالخفاء تخيم عليه الرهبة، نرقب علم اللَّه المحيط بكل شيء، خفياً لا تراه العيون، وراء السر المستخفي بالليل وخلف

стр. 286

المعقبات من أمر الله، لا يعلم كنه طبيعتها إلا الله، يتعقبوننا في كل خاطرة وخالجة في الصغيرة والكبيرة، من بين أيدينا ومن خلفنا، يُحصون علينا النَّفَس فنحن معهم كالكتاب المفتوح لا تخفى عليهم منا خافية، يحفظون كل شيء عنا جملة وتفصيلا، فكل تعبير أو تحبير، وكل همسة أو نبْسة مستوعبة في صدورهم يحفظونها عن ظهر قلب. فأحدنا كالمتهم المستراب في سياسة نفسه، لا يمشي خطوة إلا بين جواسيس تحصي عليه حتى أسباب النية وتجمع منه حتى نزوات النفس وتترجم عنه حتى معاني النظر. معقبات من أمر الله، ما هذا الأمر؟ ما شأنه؟ ما طبيعته؟ ما صفته؟ لو شاء اللَّه البيان لبين وفضل، ولكن مشيئته اقتضت أن تبقى الصورة غائمة لتوحي بالرهبة، بالوجل، بالإشفاق، ونبقى في حذر عند كل تصرف، ومن له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذه الضبابية بالكشف والتفصيل. معقبات ... خامرني منها شيء لذَّ بنفسي لست أحسن وصفه، معقبات من أمره وكفى ... هل هي مخابرات في جهاز سري صدرت عن أمر ملكي ولها مهمات خاصة؟ أوليس التعقيب بعيدا عن معنى الحفظ أي الرعاية والكلاءة؟ فالمعقب من شأنه المتابعة والملاحظة والملاحقة المستمرة لإنجاز ما كلف به من أوامر ومهام، بعيدا كل البعد عن معنى الكلاءة والرعاية والحفظ والذي لا يساعد السياق عليه. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، سواء عنده من أسر ومن جهر، من استخفى بالليل أو سرب بالنهار، ما لهم من دونه من وال، وكل شيء عنده بمقدار، يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق. في هذا الجو من الرهب والخوف وعالم الأسرار يأتي ذكر المعقبات ويأتي بعدها (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). فالحفظ هو حفظ الاستظهار ضد النسيان لا حفظ الحراسة

стр. 287

والرعاية، معقبات ... وللعرب في ألفاظها دلالات تقضي بها حوائجها وأغراضها لا يعرفها سواهم، وصار السياق؛ له معقبات من أمر اللَّه من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه، ولكن هذا السياق لا ينسجم مع الإيقاع الموسيقي للفاصلة القرآنية فلا بد من تقديم (يحفظونه) على الجار والمجرور (من أمر الله). معقبات ... يحفظون كل شيء عنه: أعماله، تصرفاته، حركاته، سكناته، نظراته، همساته. يحصون عليه أنفاسه، يراقبون ما يحدثه من تغيير في نفسه ومشاعره وواقعه فيغير اللَّه ما به وفق ما غير ما بنفسه. ميزان دقيق وحاسوب ذري فلا مجال للشك، ولا مجال للعبث. لا وجود للتضمين في الآية إذاً ولا داعي إلى تأويلات تصرفنا عن المورد العذب إلى ظنون يستولي التكلف على جملتها وتفصيلها. فلا تعجل بظن قبل علم ... فعند العلم تنقطع الظنون كلون الشهد مشتبها وليسست ... تُخبِّر عن مذاقته العيون * * * قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّ مَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (١). حفي به حفوا وحفاوة: بالغ في إكرامه وتلطف به فهو حاف وحفي، وأحفى في السؤال: ألحف. وذكر الراغب: الإحفاء: الإلحاح في المطالبة أو البحث عن تعرف

стр. 288

الحال (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا). وقال أبو حيان: (عنها) متعلق بـ يسألونك، وصلة حفي محذوفة أي بها. أو متعلق بـ حفي على جهة التضمين، والتقدير: كأنَّك كاشف بحفاوتك عنها. أو (عن) بمعنى الباء، وذكر مثل ذلك العكبري والجمل. وقال الزمخشري: كأنَّك بليغ في السؤال عنها لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه استحكم علمه فيه ورصُن، وأحفى في المسألة إذا ألحف، وحفي بفلان وتحفى به: بالغ في البِرِّ به. وقرأ ابن مسعود كأنَّك حفي بها. وقيل إن قريشا سألوا رسول الله ﷺ عن الساعة، فقيل: يسألونك عنها كأنَّك حفي تتحفى بهم فتخصهم بتعليم وقتها لأجل قرابتهم. وأجاز أبو عبيدة أن تكون (عن) موضع الباء وبهذا قال ابن قتيبة. وشاهده: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) أي بالهوى وأيد الطبري تعاقب (عن) والباء هنا وأَولَ حفي بلطيف. وقال البيضاوي: حفي: فعيل من حفي عن الشيء إذا سأل عنه، فإن من بَالغَ في السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه به، ولذلك عُدي بـ عن، وقيل: هو صلة يسألونك. وقال الآلوسي: وهو يتعدى بالباء لكونه متضمنا لمعنى بليغ في السؤال عنها حتى أحكمت علمها. حفي عنها أي مبالغ في العلم بها. ذكر بعضهم أن الحفاوة في الأصل: الاستقصاء في الأمر للاعتناء به، قال الأعشى:

стр. 289

فإن تسألوا عني فيا رب سائل ... حفي عن الأعشى به حيث أصعدا عُدي الوصف بـ (عن) اعتبارا لأصل معناه وهو السؤال والبحث، وقيل لأنه ضمن معنى الكشف ولولا ذلك لعدي بالباء. أقول: لعل تعليق (عنها) بـ يسألونك أرجح من سواه وصلة (حفي) محذوفة كما أشار أبو حيان وأحرى من أن يزل في معرةِ التعاور والتناوب: عنها أي بها أو تضمين (حفي) معنى (كاشف أو ملحف أو مبالغ) ... ، وما جاءت (كأنك) إلا على وجه من الاستخفاف بظنهم فيه حين حَسِبوه على علم بها أو مهتما بالبحث عن التعرف على حالها، ولم يدركوا أن أمر الغيب بيد اللَّه لا يُطلع على غيبه أحدا، ولم يدركوا كذلك أدب الرسول ﷺ مع ربه في أمر الغيب، وفي مقام العبودية. ولعل تأخير صلة يسألونك إنما كان لمجرد التنغيم الصوتي ومراعاة للتناسق الفني في الإيقاع الموسيقي ثم لا يكون تقديم أو تأخير إلا لفائدة، فتأخير صلة يسألونك فيه توبيخ للسائلين عن سؤالهم لأنهم يستخفون بها أو بالمسؤول عنها أو بهما معا، فهو صلوات اللَّه عليه لا يعرفها ولا يشغل نفسه بمعرفتها ما دامت من اختصاص مولاه الجليل، وقد أخفاها عن خلقه. هذا في تأخير الصلة وأما في حذفها من حفي فأفصحُ من ذكرها، ولن تجد في الإثبات بلاغة كالذي في الحذف. وهل ذهب ظنهم به عند سؤاله عنها إلا إلى اهتمامه بها؟! فلا سبيل إلى هذه اللطيفة إلا بحذف الصلة وترك ذكرها. وهكذا يكون الحذف مع التقديم والتأخير سبيلا إلى لطائف ممتعة. فلا تضمين إذا في الآية. وكذلك في بيت الأعشى لا تضمين وإنَّمَا فيه تقديم وتأخير. فيا رب سائل عن الأعشى حفي به ... * * *

стр. 290

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ) (١). ضمن (يحشرون) معنى (يساقون) فعدي تعديته أي بـ (إلى)، ذكره السيوطي. وقال الجمل: يسحبون. وجمع صديق خان المعنيين فقال: يجمعون مسوقين إلى جهنم. وذكر البيضاوي: مقلوبين على وجوههم وذكر الحديث: قال صلوات اللَّه عليه: " يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ... وصنفاً على وجوههم ". وقال أبو حيان: يحشر الكافر على وجهه بأن يسحب على وجهه. ومثله قال الرازي. أقول: حشر يتعدى بنفسه وبـ عن وبـ إلى ولا يتعدى بـ (على)، فإذا تعدى بها نجعله مترددا في مسارح النظر كيما يجد قرينة له تُخصصه في معنى معين. ولعل تخصيصه بمعنى (جرَّ) تنزله أفرع منازله، ففي الحديث قال ﷺ : " وتجرون على وجوهكم ". ولا يخفى ما في الجر على الوجوه من الإهانة والمذلة والمشأمة! فالمشهد معكوس كانقلاب مقاييسهم في منطقهم العقيم مع رسول اللَّه ﷺ وجداله في الباطل، فانقلاب صورتهم تليق بانقلاب تصورهم، وتأبِّيهم على الحق، واستكبارهم عليه. فهم وراء فساد النظم والأوضاع. تتنفس شهواتهم في جوها العفن كالديدان، لا يعيشون إلا في مستنقع آسن، فطبيعي أن يأتي

стр. 291

مشهد الجر على الوجوه موشحاً في كُدرة لفظه وبَذاذة سَمْته ليكون مُؤذناً لإذلال كبريائهم وزلزلة كيانهم. إنه التضمين، يُبدع إبداعه حين يلوح في إعجاز من البيان عن غضبه وسخطه ... فكيف لو صرح؟!. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (١). ذهب ابن كثير وأبو حيان: إلى تضمين (حافظون) معنى (ممسكون أو قاصرون) وتكلف الزمخشري وجوها: (عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) في موضع حال: إلا وَالِينَ على أزواجهم أو قوامين عليهن، من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها، ونظيرة: فلان على البصرة أي واليا عليها أو تعلق بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم. أ. هـ. وذكر السمين في الصلة على أزواجهم أربعة وجوه نقلها عنه الجمل أحدها: أنه متعلق بـ (حافظون) على تضمين معنى ممسكين أو قاصرين وكلاهما يتعدى بـ (على) قال تعالى: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)، الثاني: أن (على) بمعنى (مِنْ) أي إلا من أزواجهم كما جاءت (مِنْ) بمعنى (على) (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ) وإليه ذهب الفراء، والثالث: أن يكون في موضع نصب على الحال قال الزمخشري

стр. 292

أي إلا والين أو قوامين عليهم من قولك كان فلان على فلانة فمات عنها. الرابع: أن يتعلق بمحذوف يدل عليه؛ غير ملومين قال الزمخشري؛ وكأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم .. ونقل بعضها الآلوسي وزاد عليها. وذكر العكبري: أن على أزواجهم لا يجوز تعلقها بـ ملومين لأمرين: الأول: ما (بعد) أن لا يعمل فيما قبلها والثاني: المضاف إليه لا يعمل فيما قبله. ويرى الفراء وتبعه ابن مالك بأن (على) بمعنى (مِنْ) كما استعملت (من) بمعنى (على) في قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ). أقول: لعل تضمين (حافظون) معنى (خافون) فإنما يفيد الستر والحفظ الذي أومأ إليه السياق والمتعدي باللام وصلة (عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) متعلقة بملومين الذي يتعدى بـ (على). حفظ القلب بحفظ الجوارح من فتنة التطلع لغير الحلال، وطهارة البيت هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع ومحضن الطفولة من الفساد الناشئ عن كشف العورات لينشأ الناشئة في طهارة وأمن وستر. فهم يخفون لفروجهم فلا يكشفونها إلا على أزواجهم أو ما ملكته أيمانهم فهم غير ملومين من كشفها عليهن، وبذلك تتوثق العلاقة بين المضمن والمضمن فيه، ويتوثق الحفظ مع ستر العورة وخفيتها ولا يخالف أوضاع اللغة ولا ينافرها ولا يحتاج معها إلى

стр. 293

تأويل، ولا إبدال حرف مكان حرف ويبقى التضمين سرا لطيفا من أسرار هذه اللغة الشريفة وفيها حياؤها ووقارها، شبابها وعاطفتها. فتزلَّف إليها لتتقمَّمها وتستضيء بمعانيها. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (٢). ذكر العز بن عبد السلام: (حقيق) ضمن معنى (حريص) ليفيد أنه محقوق يقول الحق وحريص عليه وكذلك ابن قيم الجوزية. أما الزمخشري: فقد عدد وجوه القرآن فيها وقال: فيه أربع قراءات مشهورة (حَقِيقٌ عَلَى) قراءة نافع. و (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ) وهي قراءة عبد اللَّه و (حقيق بأن لا أقول) وهي قراءة أبي وفي المشهورة إشكال ولا تخلو من وجوه: أحدها: أن تكون مما يقلب من الكلام لا من الإلباس قال أحمد: القلب يستعمل في اللغة على وجهين: أحدهما: قلب الحقيقة إلى المجاز لوجه من المبالغة كقوله: * وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر * ومعناه: تشقى الضياطرة بالرماح، قال أبو حيان: وأصحابنا يخصون

стр. 294

القلب بالشعر ولا يجيزونه في فصيح الكلام فينبغي أن ننزه القراءة عنه. الثاني: أن ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقا عليه، كان هو حقيقا على قول الحق أي لازما له. والثالث: أن يضمن (حقيق) معنى (حريص) كما ضمن هيجني معنى ذكرني. والرابع: وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام ولا سيما وقد قال له فرعون: كذبت. حين قال: إني رسول من رب العالمين فيقول: أنا حقيق على قول الحق. أي: واجب عليَّ قول الحق، أن أكون أنا قائله والقائم به. وقد أشار الآلوسي إلى أن (حقيق) صفة رسول، أو خبر بعد خبر. وقيل خبر مبتدأ محذوف أي: أنا حقيق وهو بمعنى جدير و (على) بمعنى (الباء) كما قال الفراء وعليه قول الهذلي وامرئ القيس و (على) تبقى على ظاهرها وهذا من قبيل تضمين الأسماء (حقيق) معنى (حريص) كما يتضمن الفعل معنى الفعل والمشتق معنى المشتق. وذكر السيوطي: (على أن) أي (بأن) وقال الفراء والطبري والطوسي: (على) بمعنى (الباء) وكذلك الموزعي.

стр. 295

وقال أبو حيان: قال قوم: ضمن (حقيق) معنى (حريص) وقال أبو الحسن والفراء والفارسي: (على) بمعنى (الباء) كما أن (الباء) بمعنى (على) في قوله: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ) أي على صراط ويشهد بهذا الوجه قراءة أُبي؛ (بأن لا أقول) قال الأخفش: وليس ذلك بالمطرد: لو قلت: ذهبت على زيد تريد بزيد لم يجز. أقول: الحرف لا يسلك مسلك التضمين لأن مفهومه غير مستقل بنفسه فمن قال (على) بمعنى (الباء) فتحاماه ولا تحفل به. وإلطاف النظر في مشتقه (حقيق) وهو من مبالغات اسم الفاعل يبعث على الكشف عما استودعه اللَّه فيه من أسرار كما يتفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد فموسى ﵇ يجد نفسه (أمينا على) تبليغ الحقيقة التي جاء بها هو وكل رسول قبله؛ حقيقة التوحيد والتي تقضي بزوال كل نظام غيرها. كما يجد نفسه (حريصا على) إعلان هذه الحقيقة في وجه الطاغوت وفي إعلانها تحرير الإنسان من الخضوع والتبعية والعبودية لغير الله. كما يرى نفسه ملزما بقول الحق، واجباً عليه أن يصرح بهذه الحقيقة وجوبا شرعيا، مهما كلفته من تبعات. وقد ملكت عليه جوارحه كلها فجمع التضمين الحرص والأمانة والإلزام والوجوب فأوعى، ونال بهذا مزية الإيجاز والإعجاز فأغنى. * * *

стр. 296

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) أقول: لعل المراد من عدم الاستحياء هنا الكرم والفضيلة والتي تمنع من الوقوع فيما يعاب كما قال ابن جزي، وليس الذل والانكسار كما قال الجمل، ولا الترك اللازم للانقباض كما قال الآلوسي. فاللَّه من كرمه وفضله على عباده لا يمسك عن ضرب المثل بالبعوضة والنملة والعنكبوت لما فيها من حكمة، وما وراءها من بيان للناس وفائدة، فجاء تضمين (استحى) معنى (أمسك) والمتعدي بـ عن، و (أَنْ يَضْرِبَ) منصوب على نزع الخافض، ويبقى (أمسك) أسد من (امتنع) كما قال الآلوسي لأن الامتناع يوحي بحائل على اللَّه - حاشاه سبحانه أن يحول دونه حائل - جاء التضمين ليدل على جميل إحسان اللَّه على عباده بتفهيمهم وسائل الإيضاح هذه تبصيرا لهم وتنويرا. والعبرة في الصغير - بعوضة - كالعبرة في الكبير - السماوات والأرض -. لم جاء التعبير بلفظ الاستحياء ولم يرد بلفظ الإمساك؟ لعل في لفظ الاستحياء تطمينا لقلوب المؤمنين وإدخال الأنس إلى نفوسهم بأن ربهم حيي كريم يعرفهم على نفسه بصفاته ويضرب لهم الأمثال تطمينا لقلوبهم بما عرفوا من حكمته في كل ما يصدر عنه، ولا يعاب على ما مِنْ شأنه الاستحياء من ذكره وإغاظة لأعدائهم من منافقين ويهود ومشركين - حَمَلة التشكيك في المدينة المنورة - وإنهم لا يعرفون الأدب مع الخالق ولا

стр. 297

يرجون له الوقار في طرح السؤال: ماذا أراد اللَّه ... باشتمال علمه على المصلحة أو المفسدة كما قال الحسن البصري ويأتي الجواب صاعقة على رؤوسهم: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا). وكالندى على قلوب المؤمنين: (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا). وما كنا لنقف على هذه اللطائف السنية لولا التضمين، يزيل اللبس ويهدي السبيل، لائح كالنجم لا يغيب عن رائيه. * * * قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ) . ذكر ابن هشام: فقد ضمن (يُحْمَى) معنى (يوقد) (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ). وقال الجمل: أحميتها أي أوقدت عليها لتحمى. وتساءل الزمخشري قائلا: فإن قلت هلا قيل: تحمى؟ قلت: إن النار يحمى عليها. أي يوقد، ذات حمى وحر شديد، ولو قيل: يوم تحمى لم يعط هذا المعنى. فإن قلت: فإذا كان الإحماء للنار لم ذكر الفعل؟ قلت: لأنه مسند إلى الجار والمجرور أصله يوم تحمى النار عليها فلما حذفت النار قيل: يحمى عليها لانتقال الإسناد عن النار إلى عليها كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير. فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر بالتاء (تحمى) أ. هـ.

стр. 298

وجعل الآلوسي: الإحماء للنار مبالغة لأن النار في نفسها ذات حمى، فإذا وصفت بأنها تحمى دل على شدة توقدها ثم حذفت النار، وحول الإسناد إلى الجار والمجرور تنبيها على المقصود بأتم وجه. وذهب الراغب: إلى أن الحمى: الحرارة المتولدة من الجواهر المحمية كالنار والشمس في نار حامية أي حارة. لم خص الذهب والفضة بالذكر؟ أقول: لا قيمة اليوم للأوراق النقدية في العملة المحلية لأي بلد إن لم يكن لها رصيد ذهبي فلا أقول أحميت على الفضة وإنما أقول أحميت الفضة فما اللطيفة فيها؟ أقول: المقصود أن يحمى على النار هذا الرصيد وأن يوقد على الأموال - من ذهب وفضة - نار ذات حمى وحر شديد لماذا؟ لتكوى بها جباههم ثم ماذا؟ ثم جنوبهم وأخيرا ظهورهم لأنهم بخلوا عن تجهيز الجند، وتلك اللطائف ذات الشفافية من المعاني الروحانية في هذه اللغة. هذا رجل من أهل الصفة من الصحابة حين مات وجدوا في ثيابه دينارا فقال رسول الله ﷺ : هذه كية من النار، كما وجدوا في إزار آخر دينارين فقال صلوات اللَّه عليه: هاتان كيتان. ها هي عملية إحماء الذهب والفضة قد تمت بعد أن أوقد عليها، ليبدأ بعدها العذاب الأليم للذين يكنزونها، ولا يُؤدُّون زكاتها. فلذة الكنز تنتهي إلى (فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ). وتبدأ بعدها عملية التذوق: بكي الجباه ... ثم كي الجُنوب ... وأخيرا كي الظهور، فإذا انتهى عذاب الجسد جاء بعده الترذيل والتأنيب. وصورة لمصائر مَنْ تَهيَّب من لقاء الروم في الحر الشديد، ومن بخِلَ في النفقة لتجهيز جش العسرة.

стр. 299

فعل (حمي) لا يتعدى بـ (على) نقول: حميت الذهب أو سواه، فتضمين الإحماء هنا معنى الإيقاد فتعدى تعديته، قَالَ تَعَالَى: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) لماذا جاء الإحماء إذاً بدل الإلقاد لأن الإيقاد وسيلة الإحماء وأداته. والقرآن يتميز بإيجازه، فقد جمعت الآية كلا المعنيين الإيقاد والإحماء عن طريق الحرف (على) حين دخل على فعل لا يتعدى به، فتنبَّه لأمثاله لتظفر بمتناهٍ في حسنه وتجني ثمرة معناه. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (١) ذكر الزركشي: أخبتوا ضمن معنى (أنابوا) فعدي تعديته. وزاد عليه العز بن عبد السلام فقال: أخبتوا: تضمن معنى أنابوا وتابوا ليفيد أنه جمع بين التوبة والتواضع. أما الزمخشري: فقد أفاد أن أخبتوا يعنى اطمأنوا وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع، من الخبت: الأرض المطمئنة ومنه قولهم للشيء الدنيّ: الخبيت. ينفع الطيب القليل من الرزق ... ولا ينفع الكثير الخبيت التاء بدل الثاء، وذهب الآلوسي: إلى أن أصل الإخبات نزول الخبت وهو المنخفض من الأرض ثم أطلق على اطمئنان النفس والخشوع تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم صار حقيقة فيه ومنه الخبيت الدني. ونقل القرطبي عن ابن عباس: أخبتوا: أنابوا، وعن قتادة: خشعوا

стр. 300

وخضعوا، وعن مقاتل: أخلصوا، وعن الحسن: الخشوع للمخافة الثابتة في القلب. وقال الجمل: فإذا قلت: أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه. وإذا قلت: أخبت له فمعناه خضع وخشع. أقول: الإخبات: الخشوع (متعدٍ باللام) - السياق يعرض صورة لصفة من صفات أصحاب الجنة وفي مشهد من مشاهد القيامة: الذين أخبتوا إلى ربهم. والإخبات يتعدى باللام فعداه ربنا بـ (إلى) ليتضمن معنى الركون والتواضع والاطمئنان من غير تشك ولا قلق، بل مع هدوء نفس وسكون قلب، وأمنٍ واستقرار، ورضىً وتسليمٍ لكل ما يأتي به الله. فقد جمع التضمين إلى المحسوس - وهو المنخفض من الأرض المطمئنة - كل المعاني النفسية التي ذكرتها فاستولى بذلك على الفضل وحاز بحسن الصنعة: الرياسة والنُّبل، وهذا من عناية العرب بألفاظها، وتَسانُدِها إلى سليقتها. ولو قال: أخبتوا لربهم لما خرج الفعل عن معنى الخضوع ولجفّ الثرى ويبس ما كان مخضرا. وهذه من وظائف التصوير الفني الذي يغلب على أسلوب كتاب اللَّه الكريم في تعبيره المعجز حين جمع التضمين إلى المحسوس: المعقول والمدرك، فنال روعة الفن، واستدعى إعجاز البيان. * * *

стр. 301

قَالَ تَعَالَى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (١). ذكر ابن جني: شبه الجملة إذا متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير. فهو لا يجيز تعليقه بفعل خرج. وخرج يتعدى بـ (مِن): (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا) تضمن معنى انسل. (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ) تضمن معنى برز. ويتعدى بالباء: خرج به أي أخرجه - فتضمن اللازم معنى المتعدي. ويتعدى بـ (عَنْ): خرج عن حقه لأخيه - تضمن معنى تنازل. ويتعدى بـ (على): خرج عليه - تضمن معنى نبذ طاعته. أقول: وهنا تعدى بـ (على) ولكنه تضمن معنى (ظهر) و (تطاول) و ... مشهد يتطاول فيه البغي معرضا عن النصح، مصرا على الفساد، مغترا بماله، متعاليا في زينته. مشهد يتشهاه المحرومون والمبهورون والمأخذون بحب الدنيا وفتنتها وزينتها، وأما (في زينته) فمتعلقة بحال محذوفة (متعاليا) كما رأيت ويستعلى آخرون بإيمانهم على المنصب والجاه والمال والزينة (وَقَالَ

стр. 302

الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ). وهكذا يبقى الفعل (خرج) مطلقا من غير قيد سانحا في مسارح النظر حتى يخصصه الحرف المتعدي به، والسياق الذي ورد فيه فيما هو أليق، وأوفق لمراده ويأخذ فيه الناظر إلى أنحائه ومصارفه فيما يتأتى له ولا يتعسفه. وللعرب في ألفاظها دلالات تقضي بها حوائجها وأغراضها. إنه التضمين يحدد مسار الفعل ويفتح للنص آفاقاً تعين على إدراك المزيد من احتمالاته، حروف المعاني تتحكم في توجيه معناه، فمن تفطن لها، تنكشف له أسرارها. * * * قَالَ تَعَالَى: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) قال السيوطي: أي في تسع آيات. وذكر أبو حيان: (في) بمعنى (مع) وقال الزجاج: (في) بمعنى (مِنْ) تقول: خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان أي منها. والظاهر أن (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ) متعلق بمحذوف تقديره: اذهب. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون: ألقِ عصاك، وأدخل يدك. في جملة تسع آيات أو إحدى عشرة، ثنتان منها اليد والعصا. فعلى الأول اليد والعصا داخلتان في التسع وعلى الثاني تكون (في) بمعنى (مع). وأورد الجمل: كذا فعل ابن عطية أعني أنه جعل (فِي تِسْعِ) متصلا

стр. 303

بـ ألقِ وأدخل إلا أنه جعل اليد والعصا من جملة التسع، وقال: تقديره يمهد له ذلك وينشره في تسع آيات، و (في تسع) في محل نصب متعلق بمحذوف حال أخرى من ضمير تخرج، وقد صرح بالمحذوف في سورة طه: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) وفي السمين: (في تسع) فيه أوجه: أحدها: أنها حال ثالثة من فاعل تخرج، الثاني: أنها متعلقة بمحذوف أي اذهب في تسع، والثالث: أن يتعلق بالقِ عصاك وأدخل يدك. أقول: ألحرف (في) على أصله ليس بمعنى (مع) ولا بمعنى (مِنْ). فالموقف في مواجهة الطغيان عصيب ولكنه واثق من النصر بعد المعجزة الأولى في عصاه وما يجهزه به مولاه الآن من (وَأَدْخِلْ يَدَكَ) لتعود بيضاء من غير سوء، وتعود آية شاخصة للعيان كشف له عن ثنتين وسيكشف لرسوله صلوات اللَّه عليه عن الباقيات في سورة الأعراف. فتضمين (تخرج) معنى (تعود) أسد وأحكم من تأويل حال محذوفة، أو تعليق الجار والمجرور بفعل محذوف تقديره يذهب أو ينشر أو يمهد أو ... وتضمين الحرف معنى الحرف يُذهب الأَنسَة التي في الفعل (تعود)، والحسن الذي حواه لأن الحرف لا يقوم معناه بنفسه، فكيف يتضمن معنى سواه؟! وها نحن في تضمين (تعود) نبصر إيجابية صفات اللَّه وفاعليتها في إعادة التكوين (بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) منارة تضيء للروح كلما أظلمت أو أعتمت

стр. 304

فإذا بها ذَوْب روح يتندى من الرفيق الأعلى، فجمع التضمين المعجزتين: آية القدرة في العودة مع آية الإبدل في الخروج في لحظة واحدة ليكشف عن حقائق التأويل في أسرار التنزيل في الموكب الممتد في شعاب الزمن. وكذلك كبراء قريش كعاقبة فرعون يستقبلون القرآن مستيقنين أنه الحق، ولكنهم يجحدونه، لأنهم يحسون بالخطر على وجودهم ومصالحهم. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعً ا) (١) يسأل الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الخرور للذقن؟ قلت: السقوط على الوجه. قال: فما معنى اللام في خرَّ لذقنه ولوجهه؟ قلت جعل وجهه وذقنه للخرور واختصه به؛ لأن اللام للاختصاص. ويرى أبو حيان: وضع الجبهة على الأرض غاية الخرور ونهاية الخضوع وأول ما يلقى الأرض حالة السجود الذقن أو عبر عن الوجوه بالأذقان كما يعبر عن كل شي ببعض ما يلاقيه. ويرى الطبرسي: أن اللام بمعنى (على) نقلا عن ابن عباس وقتادة. وذكر الزركشي: أنها بمعنى (على). وذكر الجمل: للأذقان: أي الوجوه، واللام بمعنى (على) أو على بابها متعلقة بـ يخرون بمعنى (يذلون) وخصت الأذقان بالذكر لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب الأرض. وذكر الموزعي: اللام بمعنى (على).

стр. 305

أقول: وفي جو من الخشوع وفي حالة من الشعور ممن أوتوا العلم وهم يسمعون تلاوة من كتاب اللَّه المبين، لا يملكون معه أنفسهم فيذلون ويخضعون يخرون للأذقان سجدا. لا يسجدون وإنما يخرون سجدا. وتقصر الألسنة عن تصوير المشاعر وتضيق الألفاظ عن وصفها فتشاركها العيون المليئة بالدمع معبرة عما تكنه الصدور، وألسنتهم تلهج بالتسبيح، يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم هذا الحال خضوعاً وذلة وخشوعاً فوق خشوع اللب والقلب. وفي إطار هذه الحالات الشعورية الغامرة تختلط المشاعر فتختلط معها الحواس. واختيار اللام جاء لخدمة تصوير المشهد حين تضمن (يخرون للأذقان) معنى (يذلون ويخضعون) فما كان سجودهم عن وعي كامل منهم، فهم لا يسجدون وإنما يخرون للأذقان سجدا، وسرعة السقوط هذه تتفق مع سرعة النطق باللام المكسورة، ولا تتأتى لـ (على) في ثلاثة حروف آخرها مدّ يمتد فيه النفس، وغاية الخرور: السرعة لتحقيق معنى العبودية في لباس التذلل والخضوع، وفي تصاقب الخرور مع البكاء يخرون، يبكون، وتداني حالَيْهما يجعل (اللام) أظهر من (على) في سفور المعنى، وأنوه لبيان المقام، ألا ترى أن هذا المقام يقل معه الكلام ويحذف فيه أحناء المقال! إن في جِرس هذه الحروف وخفقات إيقاعها السارب في النفس دلالات على تركيبها المعجز في النظم. إنه التضمين وهذه ثمراته. * * *

стр. 306

قَالَ تَعَالَى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (١). ولا تدْعُني في شأن قومك، واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، فقد ضمن (خاطب) معنى (دعا) حكاه الزمخشري. وضمنه الآلوسي (راجع) فقال: لا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم، وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل ولا تدعني فيهم، وأكد التعليل (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) فلا سبيل إلى كفه. أقول: انتهى الإنذار، وانتهى وقت الجدل، فلا تحفل ولا تبتئس فقد تقرر مصيرهم وانتهى الأمر فيهم، ولعل تضمين (خاطب) معنى (آمر أو راجع): لا تراجعني فيهم، ولا تؤامري فيهم، أقيس لتعدّيه بالباء ويشهد السياق على صحته فنهيهُ عن مؤامرته في أمر الظالمين يقطع الطريق في استدفاع العذاب عنهم، والالتماس في شأنهم. واختيار الحكيم سبحانه لفظ (خاطب) دون سواه ليكون أعم وأشمل وليقطع لسان كل متحدث في شأنهم، سواء كان مراجعا أو مُؤامرا، أو داعيا، أو شافعا، أو ملتمسا، أو ...

стр. 307

ويبقى التضمين مصدر إغناء للمعنى وإثراء فاشددْ عليه يدك للأَنسَة التي فيه، فهو كثير التَّوْق إلى جمع اللطائف، قوي المُنة في البحث عنها. * قد ناق في المجد ذويه * * * * قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١). قال أبو السعود: يأتي الفعل لازما أو متعديا: اللازم متضمن معنى انفرد والمتعدي أفرد. فالفعل متعد وصيغة الافتعال للإنباء عن الاصطفاء، والفعل لازم و (مَن) فاعله، والضمير العائد إلى (مَن) محذوف مقدر أي ينفرد برحمته من يشاء. وقال الجمل: يستعمل متعدياً ولازماً فعلى الأول يخص وعلى الثاني يتميّز. وذكر أبو حيان: يحتمل أن يكون يختص لازما أي على تضمين ينفرد أو متعديا على تضمين يُفرد. أقول: السياق يُلوح بتعدي الفعل لما اختص اللَّه به محمداً ﷺ والمؤمنين من فضله واصطفاهم لعلمه بأنهم أهل هذه الخصوصية وهذا الفضل، وأفردهم برحمة منه ليكونوا على حذر من أضاليل يهود، وما يُخفونه من حقد دفين على المؤمنين حسدا على ما اختاره الله لهم من تحويل القبلة من بيت المقدس - قبلة اليهود ومُصلَّاهم - إلى البيت الحرام.

стр. 308

ولو ضمنا (اختص) معنى (انفرد وفاز) على اللزوم لكان المعنى: ومن شاء من العباد أن ينفرد برحمة ذي الفضل العظيم فليس أعظم من هذه النعمة، نعمة الإسلام. وفي هذا التوجيه ما يستجيش في حس العبد وقلبه الشعور بعظيم فضل الله، وجزيل إحسانه أن يترك له باب الاختيار مفتوحا ليلجه متى شاء، ومن شاء ممن رضي باللَّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا. وحين يشي السياق بتعدد فُهومه، فقد دل على عُلو قدره وسَنا مرتبته: به فنون المعاني قد جُمعن فما ... تفتر من عجب إلا إلى عجب وتلك اللطائف الخفية في هذه اللغة الشريفة، تملأ الطرف ويعجز عنها الوصف أسْفَرَ عن محاسن وجهها التضمين في الكتاب المبين، فاستروح إليه وتعقل به كلما تاقت نفسك له أو مسّتْك الحاجة إليه. * * *

стр. 309

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) (١). ذكر العز: وتخشى مضمن معنى (تستحي الناس). عادة جاهلية متأصلة عميقة الجذور في المجتمع، رسول اللَّه ﷺ مندوب لتقرير قاعدة جديدة (إحلال مطلقات الأدعياء) نزلت في زينب بنت جحش ﵂، لتحطيم الفوارق الجاهلية الموروثة، فزيدٌ من الموالي تبناه رسول اللَّه ﷺ وزوّجه زينب ابنة عمته ليبطل هذه العادة. ضريبة باهظة ما كان سواه صلوات اللَّه عليه قادرا على احتمالها، يواجه بها مجتمعه الكاره لها، ويتوجَّس من مواجهته بها ولم تكن الآيات قد نزلت بها بعد. وقال الراغب: الخشية: خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون عن علم بما يُخشى منه، ولذلك خُص العلماء بها (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وقال الآلوسي: تخاف من اعتراضهم، وقيل: تستحي وقال البروسوي: إشفاقاً منه عليهم ورحمة بهم، وتخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة. أقول: لعل التضمين وقع من حيث صَرَف الخشيةَ إلى الناس، وإنما يُصرفُ إلى الناس الحياء. والخشية محصورة باللَّه . فقد ضمن الخشية الحياء فعداه بنفسه والحياء يتعدى بحرف الجر (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ

стр. 310

الْحَقِّ). ولولا هذا الملحظ الشرعي في المشترك اللفظي (تخشى) والذي دل عليه وجه من التأويل ولا يستقيم المعنى بدونه، لما بدت لنا محاسن التضمين، وقد جاء مدلولا عليه بغيره، غير مكشوف عن وجهه، ذاهبا به مذهب التعريض والتلميح، فإيثار الخشية على الحياء كان توجيها منه سبحانه إلى عباده أن يصرفوا الخشية إليه وحده فهو مختص بها، واختصاصه بها ينفي ما عداه، فلا يجوز أن يشترك معه سواه، فللَّه عاقبة التضمين، يُذهب اللبس، ويُزيل العوائق، ويهدي السبيل. * به تُدفَع الجُلّى ويُجبَر الكسرُ * * * * قَالَ تَعَالَى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٢). قال الراغب: المخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله. أ. هـ. وخالف يتعدى بنفسه وبـ إلى وحين عُدي بـ (عَنْ) تضمن معنى صدَّ أو أعرض. وإذا قال ابن عطية: (عن) هي لما عدا الشيء، أن يقع خلافهم بعد أمره، كما تقول: كان المطر عن ريح. فقد قال أبو عبيدة والأخفش: (عن) زائدة نقل ذلك أبو حيان. وذكر الزركشي ....................

стр. 311

والعكبري: تضمن يخالفون معنى يميلون أو يعرضون أو يعدلون أو ينحرفون أو يزيغون. وقال الزمخشري؛ يصدون وهم المنافقون فحذف المفعول لأن الغرض ذكر المخالَف. وأما المخالف عنه: فهو اللَّه أو رسوله والمعنى عن طاعته ودينه. وذكر الموزعي: أن (عن) بمعنى (بعد). وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة والمعنى يخالفون بعد أمره كما قال امرؤ القيس في معلقته: وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل وذكر الآلوسي: أكثر استعمالها بدون (عن) فإذا ذكرت (عن) فعلى تضمين معنى الإعراض، وقيل: الخروج - يخرجون عن أمره - ونقل عن ابن الحاجب معنى التباعد والحَيَد أي يحيدون عن أمره بالمخالفة وهو أبلغ من يخالفون، وحذف المفعول لقبح حال المخالف وتعظيم أمر المخالَف عنه. وذكر الجمل: و (عن) إما لتضمينه معنى الإعراض أو حمله على معنى يصدونه عن أمره دون المؤمنين. مِن: خالفه عن الأمر: إذا صد عنه. أو تكون (عن) زا ئدة. أقول: تعبير التسلل يتمثل فيه الجبن عن المواجهة، وحقارة الشعور المرافق له في النفوس وأما (عن) بمعنى (بعد) فتحصيل حاصل، فهل تُعَد مخالفا قبل إصدار الأوامر؟! وأما ما ارتضاه أبو عبيدة والأخفش من زيادة عن فقد عَزُب عنهما غرضه لدقته ولُطفه، فلو أسقطنا الحرف لَتجافَى الفعل عن معناه وزال عنه أجمل ما فيه، ولن نُعيد إليه ما كان له من الحسن واللطف حتى نرد

стр. 312

عليه ما أسقطناه عنه. وقول الزمخشري: تضمَّن معنى (يصدون) وهم " المنافقون " فالسياق يدل على توجيه الخطاب لكل من كان حول رسول اللَّه ﷺ في الخندق من منافقين ومرجفين ومثبطين ومؤمنين فتخصيص العموم غير وارد. وما ذهب إليه ابن الحاجب في تضمينه معنى (حاد) فقد كان في منتهى الفقاهة في تصوير الحالة النفسية للنماذج البشرية حول رسول اللَّه ﷺ ، والتحذير الرهيب من اللَّه أن تصيبهم فتنة في الدين أو الدنيا أو عذاب أليم في الآخرة، التحذير لا لمن خَالف الأوامر، أو صد، وإلا لقال: يخالفون أمره. وإنما لمن حاد عنها، والحيدان أدنى درجات المخالفة عن المنهج الرباني والسنة المطهرة. وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب، لأن اللَّه حذر من مخالفة أوامره ونواهيه في الحدود والآداب والأخلاق في سورة النور هذه وتوعد بالعقاب عليها بفتنة تختل فيها الموازين ويختلط الحق بالباطل ويشقى بنارها الجميع فإن كان التحذير هو من الحيدان فلم جاء التعبير بالمخالفة؟ أجيب: الحيدان قد يكون عن سهْوِ وغفلة، وهذا يرده إلى الصواب التنبيه. أما المخالفة فإنها تصدر عن تصميم وقصد وعدم مبالاة بالأوامر شأن المنافقين الذين يتسللون ويذهبون بغير إذن النبي ﷺ . وفي ذلك يكمن الخطر. تلك الآداب التي تنتظم بين أفراد الجماعة يستقيم أمرها بوقار قائدها وهيبته. وباستقرار هذه المشاعر في أعماق ضميرها تصبح قانونا نافذا في حياتها، وإلا

стр. 313

أصابتهم فتنة يختلط فيها الحق بالباطل ولا يتميز خير من شر. أرأيت إلى التضمين في توجيهه للمعاني عند تقرير حال أوضاع الحروف؟ وكيف تسري أحكامها في أحناء الجملة وحواشي التركيب؟!. وإنما يفطن له من دُفع في مسالكه وصدق القائل: * وتحت الرُغْوة اللبنُ الفصيح * * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (١). المعنى: لست أريد أن أفعل الشيء الذي نهيتكم عنه. يقال: خالفني فلان إلى كذا، إذا قصده وأنا مولٍّ عنه، وخالفني عنه: إذا ولَّى عنه وأنا قاصده. حكى أبو حيان. ومثله الزمخشري فقال: يلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأل عن صاحبه فيقول: خالفني إلى الماء يريد أنه ذهب إليه واردا وأنت عنه صادراً. ومنه قوله سبحانه: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى) يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم. تتعلق (إلى) بمحذوف: أي مائلا إلى ما أنهاكم عنه. ولذلك قال بعضهم: فيه حذف يقتضيه (إلى) تقديره: وأميل إلى أو يبقى (أَنْ أُخَالِفَكُمْ) على ظاهر ما يفهم من المخالفة ويكون في موضع المفعول به لأريد وتقديره: مائلا إلى، أو يكون (أَنْ أُخَالِفَكُمْ) مفعولا لأجله وتتعلق (إلى) بقوله: وما

стр. 314

أريد بمعنى وما أقصد أي على التضمين، وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه ولذلك قال الزجاج: وما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه. وذكر الآلوسي: في الكلام فعل محذوف معطوف على المذكور، أي وأميل إلى ... ويجوز أن يبقى أخالف على ظاهره من المخالفة، ويكون أن وما بعدها في موضع مفعول به لأريد ويقدر: مائلا إلى ... أو يكون (أن) وما بعدها في موضع المفعول به و (إلى) متعلق بـ أريد، أي وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه. وأما أبو السعود فقال: ضمن (أريد) معنى (أقصد) فعداه بـ (إلى). أقول: شعيب ﵇ يكرر نصحه للذين مردوا على الانحراف في السلوك والفساد في التعامل والاستغلال في الكسب في البخس والتطفيف، وهو تاجر مثلهم وقد رزقه اللَّه الرزق الحسن المبارك، فإذا نهاهم عن الغش في الميزان والمكيال فلا يمضي من خلفهم ليفعل ما نهاهم عنه من ألوان الفساد، فقد ضمن (أراد) معنى (قصد أو ابتغى) والمتعدي بـ (إلى) فصار المعنى وما أقصد ولا أبتغي إلى ما نهيتكم عن مخالفتكم إلى البخس في المكيال والتطفيف في الميزان لأحقق لنفسي نفعا، وبعض المخالفات لون من ألوان المخادعة والمداورة والمراوغة. الالتزام بالعقيدة والمسعى الطيب، والخلق القويم، إنما يُفوت الكسب الخبيث، يُضيع الفرص القذرة، معوضا عنها بالكسب الطيب والرزق الحلال. والمجتمع الصالح النظيف لا غَدْر فيه ولا غش ولا رَوَغان.

стр. 315

وجاهلية اليوم تتهم الذين يربطون العقيدة بالسلوك الشخصي والتعامل المادي، بالرجعية والتخلف، فما علاقة الدين بالربا والاقتصاد الحر؟! فلْيُروج بضاعته بأي أسلوب شاء (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)؟! هكذا سخر منه قومه كما يسخر اليوم الكفرة الفجرة: وهل يقوم اقتصاد على غير قواعدَ ربوية؟! نعوذ باللَّه من العمى بعد الإبصار. إنه التضمين ... وفي مطاويه من أسرار المعاني ما لا تراه في غير هذه اللغة الشريفة. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) (٢). جاء في اللسان: خلا إليه مال إليه والميل العدول إلى الشيء والإقبال عليه. وفي مفردات الراغب: خلا به: سار معه في خلاء، وخلا إليه: انتهى إليه في خلوة. وفي معالم التنزيل: (إلى) بمعنى (الباء) وقيل بمعنى (مع). إذاً فعل (خلا) يتعدى بالباء والى ومع، إلا أن أبا حيان قال: إذا تعدى بالباء احتمل معنيين: أحدهما الانفراد والآخر السخرية، ولا يحتمل إلا معنى واحداً إذا تعدى بـ (إلى). وذلك بتضمينه معنى صرف أي صرفوا خلاهم إلى شياطينهم وفي الآية (٧٦) في البقرة: [(وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)] قال: الأوْلى أن يضمن فعل خلا معنى فعل يتعدى بـ (إلى) أي: انضوى واستكان، لأن تضمين الأفعال أوْلى من تضمين الحروف. ونص ابن كثير: على تعاقبها مع

стр. 316

(مع) لكنه استحسن التضمين. أما الزمخشري: فجمع المعنيين السخرية والإنهاء فقال: أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها. وابن عاشور قال: خلا فعل قاصر ويعدى (بالباء واللام ومن ومع) بلا تضمين ويعدى بـ (إلى) على تضمين معنى آب وخلُص، ويعدى بنفسه على تضمين تجاوز وباعد ومنه (افعل كذا وخلاك ذم). وذهب الرازي: إلى تضمينه معنى مضى ومنه (القرون الخالية) وضمنه الخازن معنى رجعوا و (إلى) بمعنى الباء أو مع، ونفى الطبري التعاقب هنا وجعل التضمين أصوب، وضمنه الشوكاني معنى ذهبوا وانصرفوا وضمنه الزركشي معنى انصرفوا وقال: التضمين أولى من معنى الباء أو مع. أقول: ولعلي أميل إلى تضمينه معنى (خَلُص) لأن خلوة المنافقين كانت في خلوصهم إلى شياطينهم عند إيابهم ومرجعهم إليهم، على حين لقاءاتهم بالمؤمنين لمحات عابرة وسريعة. نفهم هذا من سياق الآية (وَإِذَا لَقُوا) لقاءٌ عابر وسريع وأسلوب المنافقين أن يستتروا عن الأعين فهم بحاجة إلى خلوة، وجاء اللقاء بالمؤمنين في جملة فعلية ليفيد الحدوث الخاطف، ومع الشياطين في جملة اسمية لتفيد الثبوت والاستمرار. أو تضمين (خلا) معنى (أوى وسكن) أو (ضوى)

стр. 317

لأنهم يلقون الراحة في الإيواء إليهم بدليل قولهم (إِنَّا مَعَكُم) فخُلوّهم إلى شياطينهم يجدون السكينة في معيتهم، ويبقى التضمين صاحب فضل بتأليق المعنى في صورة تستهوي القارئ الفطِن، وتستولي على النفس الزكية. فلولا (إلى) هذه لما انكشفت لنا خِسة المنافق وقذارة نفسه الدنية، بلقائه العابر والخاطف بالمؤمنين واستكانته وراحته وخلوصه إلى شياطين الإنس من الكافرين. المؤمن يتصرف في النور والمنافق حريص على العَتَمَة، يتصرف خفاءً لئلا يراه أحد يهْتبل خلوةَ لِيَضْوى إلى شياطينه يَخلُص إليهم، وتسكن روحه وتطمئن وبهذا يُخفى قبحه ويستر جريمته، لأن أحداً لا يرضى عن عمله ... أرأيت كم في (إلى) مع فعل (خلا) من إعجاز! إنه التضمين وإنه لكنز دفين، يومئ ولا يُبيح، يُلمح ولا يُصرح، يُكِنُ ولا يُعْلِن، يُخافت ولا يجهر. سلسل قليلا إنما ... سرعان ما يتمنَّعُ * * * قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (٢) حكى أبو حيان: الأوْلى أن يضمن فعل (خلا) معنى فعل يتعدى بـ (إلى) أي (انضوى واستكان) لأن تضمين الأفعال أوْلى من تضمين الحروف.

стр. 318

وقال القرطبي: لمَ وُصِلَتْ بإلى وعُرفُها أن توصل بالباء؟ قيل: خلَوْا هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا وقال قوم: (إلى) بمعنى (مع) وفيه ضعفٌ، وقال قوم: (إلى) بمعنى (الباء) وهذا يأباه الخليل وسيبويه. وفي هامش الجمل: ضمن السيوطي (خلا) معنى (رجع). وقال عبد الفتاح الحموز: الفعل خلا يتعدى بـ (مع) ويجوز أن يُضمن معنى (انضوى). أقول:: فعل خلا يتعدى بالباء. خلا به: انفرد به. ولعل تضمين (خلا) معنى (ارتاح إليه وسكن) أقرب إلى السياق، فخُلوّهم إلى بعض يجدون السكينة والطمأنينة والارتياح، وفي خلواتهم هذه ما شئت من وسائل الكيد والفتنة، يُحذرنا اللَّه منها حين يكشفها لنا. وتلك جبلتهم وما نلقاه من شرورهم بل وما يلقاه العالم كله منهم من نقضٍ للمواثيق ونكول عن العهود، وجدالهم بالباطل وتحريفهم لنصوص كتابهم ومخالفة شريعتهم. وهاهم المسلمون اليوم يعانون من مكرهم ودسائسهم وعدوانهم ما عاناه أسلافهم من قبل. أين المسلمون الذين ينتفعون من هدي القرآن في ردّ كيد يهود ومكرهم؟ بل والقضاء عليهم ويهود اليوم يبذلون الكثير لصرف المسلمين عن كتابهم بكل الوسائل كي لا يكون مصدرا لقوتهم من جديد، وكل مُعادٍ للإسلام أو صارف عنه حتى ولو كان من بني جلدتنا تحت أي شعار كان: فهو يهودي أو من عملاء يهود وسيبقى يهود مستمتعين بنعمة الأمن ما دام المسلمون غافلين عن فريضة الجهاد، أو متثاقلين.

стр. 319

ويبقى الفضل في توجيه المعنى للحرف الذي لا يتعدى به فعله، فيتصرف في تضمينه وتوجيهه في مسارح النظر حَسْب ما يرشد إليه الدليلُ ويشهدُ على صحّته القياسُ والنظر. * له أنجمٌ في فنّة زُهْرُ * * * * قَالَ تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا) (١). ذكر ابن القيم: اخترت: أصله أن يتعدى بحرف الجر (مِنْ) لأنه يتضمن إخراج شيء من شيء، وجاء محذوفا في هذه الآية لتضمن الفعل معنى فعل غير متعدٍ كأنه (نخل قومه وميزهم) فمن هنا أسقط حرف الجر واللَّه أعلم كما أسقط في (أمرتك الخير) أي ألزمتك وكلفتك وذكر الزمخشري: من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل. وقال الآلوسي: اختار يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بـ (مِن) وقد حذفت هنا وأوصل الفعل، ونحوه قول الفرزدق: منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هبت الرياح الزعازع - وسبعين رجلا - مفعول أول وأُخر عن الثاني لما مر مرارا. وذكر أبو حيان: أن اختار افتعل من الخير وهو التخير والانتقاء وهو من الأفعال المتعدية إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر وهي مقصورة على السماع (اختار - استغفر - أمر - كنّى - زَوَّج - صدّق) ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل. اخترت زيدا الرجال. قال الشاعر:

стр. 320

اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم ... واعتل من كان يُرجى عنده السول وسبعين هو المفعول الأول وقومه هو الثاني وتقديره: من قومه. ومن أعرب قومه: المفعول الأول وسبعين بدلا منه فإعرابه فيه بُعد وتكلف. وإلا لقال: واختار سبعين رجلا من قومه. أقول: وتضمين اختار معنى (تخذ) يجعل القوم كلهم ممثلين في هؤلاء السبعين وهم شيوخهم وخيرتهم وخلاصتهم، ولم يجد موسى ﵇ من يصلح للمَهمّة التي خرج إليها إلا هؤلاء السبعين، فاتخاذه لهم يغنيه عن سواهم. أما (نخل وميز) فيما اختاره ابن القيم من التضمين فيتعدى لمفعول واحد. ولو سأل سائل: لم جاء التعبير بلفظ اختار بدلا من تخذ؟ لأجبت: ليفيد معنى الخِيَرة في الاصطفاء والانتقاء. ثم من معاني (افتعل): الاجتهاد - كاكتسب: اجتهد في الكسب - ومعناه هنا أنه ﵇ اجتهد في الانتقاء واختيار السبعين لتصلح هذه الخِيَرة حضور الميقات. فالتضمين جمع المعنيين. جاء التعبير القرآني اختار موسى قومه هكذا على العموم أي قومه جميعا ثم خصص فقال: سبعين، ليشير إلى أن هؤلاء السبعين هم القوم وهم الخلاصة ولا قيمة للعامّة ولا شأن للدهماء والرجراجة. أما كان إبراهيم يعدل أُمَّة؟ (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) فلو أعدنا (مِنْ) التي ادعى العديد سقوطها وانتصاب ما بعدها على نزع الخافض، لحرمتْنا من ارتشاف رحيق هذا البيان، وما فيه من خصائص الحكمة والإتقان، ولعشَت أعيننا عن سنَا إعجازه. إنه التضمين: هو كالهلال ملثماً ... والبدر حسناً إن سفر
следующие страницы →