Полный текст (668 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(مع) لكنه استحسن التضمين. أما الزمخشري: فجمع المعنيين السخرية والإنهاء فقال: أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها.
وابن عاشور قال: خلا فعل قاصر ويعدى (بالباء واللام ومن ومع) بلا تضمين ويعدى بـ (إلى) على تضمين معنى آب وخلُص، ويعدى بنفسه على تضمين تجاوز وباعد ومنه (افعل كذا وخلاك ذم).
وذهب الرازي: إلى تضمينه معنى مضى ومنه (القرون الخالية) وضمنه الخازن معنى رجعوا و (إلى) بمعنى الباء أو مع، ونفى الطبري التعاقب هنا وجعل التضمين أصوب، وضمنه الشوكاني معنى ذهبوا وانصرفوا وضمنه الزركشي معنى انصرفوا وقال: التضمين أولى من معنى الباء أو مع.
أقول: ولعلي أميل إلى تضمينه معنى (خَلُص) لأن خلوة المنافقين كانت في خلوصهم إلى شياطينهم عند إيابهم ومرجعهم إليهم، على حين لقاءاتهم بالمؤمنين لمحات عابرة وسريعة.
نفهم هذا من سياق الآية (وَإِذَا لَقُوا) لقاءٌ عابر وسريع وأسلوب المنافقين أن يستتروا عن الأعين فهم بحاجة إلى خلوة، وجاء اللقاء بالمؤمنين في جملة فعلية ليفيد الحدوث الخاطف، ومع الشياطين في جملة اسمية لتفيد الثبوت والاستمرار. أو تضمين (خلا) معنى (أوى وسكن) أو (ضوى)
стр. 317
لأنهم يلقون الراحة في الإيواء إليهم بدليل قولهم (إِنَّا مَعَكُم) فخُلوّهم إلى شياطينهم يجدون السكينة في معيتهم، ويبقى التضمين صاحب فضل بتأليق المعنى في صورة تستهوي القارئ الفطِن، وتستولي على النفس الزكية. فلولا (إلى) هذه لما انكشفت لنا خِسة المنافق وقذارة نفسه الدنية، بلقائه العابر والخاطف بالمؤمنين واستكانته وراحته وخلوصه إلى شياطين الإنس من الكافرين.
المؤمن يتصرف في النور والمنافق حريص على العَتَمَة، يتصرف خفاءً لئلا يراه أحد يهْتبل خلوةَ لِيَضْوى إلى شياطينه يَخلُص إليهم، وتسكن روحه وتطمئن وبهذا يُخفى قبحه ويستر جريمته، لأن أحداً لا يرضى عن عمله ... أرأيت كم في (إلى) مع فعل (خلا) من إعجاز! إنه التضمين وإنه لكنز دفين، يومئ ولا يُبيح، يُلمح ولا يُصرح، يُكِنُ ولا يُعْلِن، يُخافت ولا يجهر.
سلسل قليلا إنما ... سرعان ما يتمنَّعُ
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (٢)
حكى أبو حيان: الأوْلى أن يضمن فعل (خلا) معنى فعل يتعدى بـ (إلى) أي (انضوى واستكان) لأن تضمين الأفعال أوْلى من تضمين الحروف.
стр. 318
وقال القرطبي: لمَ وُصِلَتْ بإلى وعُرفُها أن توصل بالباء؟ قيل: خلَوْا هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا وقال قوم: (إلى) بمعنى (مع) وفيه ضعفٌ، وقال قوم: (إلى) بمعنى (الباء) وهذا يأباه الخليل وسيبويه. وفي هامش الجمل: ضمن السيوطي (خلا) معنى (رجع). وقال عبد الفتاح الحموز: الفعل خلا يتعدى بـ (مع) ويجوز أن يُضمن معنى (انضوى).
أقول:: فعل خلا يتعدى بالباء. خلا به: انفرد به. ولعل تضمين (خلا) معنى (ارتاح إليه وسكن) أقرب إلى السياق، فخُلوّهم إلى بعض يجدون السكينة والطمأنينة والارتياح، وفي خلواتهم هذه ما شئت من وسائل الكيد والفتنة، يُحذرنا اللَّه منها حين يكشفها لنا. وتلك جبلتهم وما نلقاه من شرورهم بل وما يلقاه العالم كله منهم من نقضٍ للمواثيق ونكول عن العهود، وجدالهم بالباطل وتحريفهم لنصوص كتابهم ومخالفة شريعتهم.
وهاهم المسلمون اليوم يعانون من مكرهم ودسائسهم وعدوانهم ما عاناه أسلافهم من قبل.
أين المسلمون الذين ينتفعون من هدي القرآن في ردّ كيد يهود ومكرهم؟ بل والقضاء عليهم ويهود اليوم يبذلون الكثير لصرف المسلمين عن كتابهم بكل الوسائل كي لا يكون مصدرا لقوتهم من جديد، وكل مُعادٍ للإسلام أو صارف عنه حتى ولو كان من بني جلدتنا تحت أي شعار كان: فهو يهودي أو من عملاء يهود وسيبقى يهود مستمتعين بنعمة الأمن ما دام المسلمون غافلين عن فريضة الجهاد، أو متثاقلين.
стр. 319
ويبقى الفضل في توجيه المعنى للحرف الذي لا يتعدى به فعله، فيتصرف في تضمينه وتوجيهه في مسارح النظر حَسْب ما يرشد إليه الدليلُ ويشهدُ على صحّته القياسُ والنظر.
* له أنجمٌ في فنّة زُهْرُ *
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا) (١).
ذكر ابن القيم: اخترت: أصله أن يتعدى بحرف الجر (مِنْ) لأنه يتضمن إخراج شيء من شيء، وجاء محذوفا في هذه الآية لتضمن الفعل معنى فعل غير متعدٍ كأنه (نخل قومه وميزهم) فمن هنا أسقط حرف الجر واللَّه أعلم كما أسقط في (أمرتك الخير) أي ألزمتك وكلفتك وذكر الزمخشري: من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل. وقال الآلوسي: اختار يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بـ (مِن) وقد حذفت هنا وأوصل الفعل، ونحوه قول الفرزدق:
منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هبت الرياح الزعازع
- وسبعين رجلا - مفعول أول وأُخر عن الثاني لما مر مرارا.
وذكر أبو حيان: أن اختار افتعل من الخير وهو التخير والانتقاء وهو من الأفعال المتعدية إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر وهي مقصورة على السماع (اختار - استغفر - أمر - كنّى - زَوَّج - صدّق) ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل. اخترت زيدا الرجال. قال الشاعر:
стр. 320
اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم ... واعتل من كان يُرجى عنده السول
وسبعين هو المفعول الأول وقومه هو الثاني وتقديره: من قومه. ومن أعرب قومه: المفعول الأول وسبعين بدلا منه فإعرابه فيه بُعد وتكلف. وإلا لقال: واختار سبعين رجلا من قومه.
أقول: وتضمين اختار معنى (تخذ) يجعل القوم كلهم ممثلين في هؤلاء السبعين وهم شيوخهم وخيرتهم وخلاصتهم، ولم يجد موسى ﵇ من يصلح للمَهمّة التي خرج إليها إلا هؤلاء السبعين، فاتخاذه لهم يغنيه عن سواهم. أما (نخل وميز) فيما اختاره ابن القيم من التضمين فيتعدى لمفعول واحد. ولو سأل سائل: لم جاء التعبير بلفظ اختار بدلا من تخذ؟ لأجبت: ليفيد معنى الخِيَرة في الاصطفاء والانتقاء. ثم من معاني (افتعل): الاجتهاد - كاكتسب: اجتهد في الكسب - ومعناه هنا أنه ﵇ اجتهد في الانتقاء واختيار السبعين لتصلح هذه الخِيَرة حضور الميقات. فالتضمين جمع المعنيين.
جاء التعبير القرآني اختار موسى قومه هكذا على العموم أي قومه جميعا ثم خصص فقال: سبعين، ليشير إلى أن هؤلاء السبعين هم القوم وهم الخلاصة ولا قيمة للعامّة ولا شأن للدهماء والرجراجة. أما كان إبراهيم يعدل أُمَّة؟ (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) فلو أعدنا (مِنْ) التي ادعى العديد سقوطها وانتصاب ما بعدها على نزع الخافض، لحرمتْنا من ارتشاف رحيق هذا البيان، وما فيه من خصائص الحكمة والإتقان، ولعشَت أعيننا عن سنَا إعجازه.
إنه التضمين:
هو كالهلال ملثماً ... والبدر حسناً إن سفر
стр. 321
ويلاه ما أحلاه إنْ ... كشفَ اللثامَ أو استتر
فالقول بسقوط الحرف مرذول مُطّرح، ومقام زَلْخ، لا تُعطِ بيدك مع أول خاطر له، وكِلِ الحال إلى ملاطفة التأول وتأتَّ له ما استطعت.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) (١)
التدبير: التفكر في دبر الأمور والنظر في عاقبتها. أورد الجمل: (إلى) متعلقة بـ (يُدبر) لتضمنه معنى (يُنزل) أما الزمخشري: فقال: يدبر الأمر: يُنزله مدبرا من السماء إلى الأرض، والأمر: المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ونقل القرطبي عن ابن عباس قوله: ينزل القضاء والقدر، وقيل: ينزل الوحي مع جبريل، وقيل: إن العرش موضع التدبير وما دون العرش موضع التفصيل وما دون السماوات موضع التصريف. وقال البروسوي: إضافة التدبير إلى ذاته سبحانه إشارة إلى أن تدبير العباد عند تدبيره لا أثر له. والتدبير بالنسبة إليه تعالى هو التقدير وتهيئة الأسباب.
وقال الآلوسي: والفعل مضمن معنى الإنزال، والجاران متعلقان به، و (مِنْ) ابتدائية و (إلى) انتهائية أي يدبره على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة مُنزلا له من السماء إلى الأرض. وقال ابن جُزي: يدبر أمر الدنيا بأسباب
стр. 322
سماوية نازلة آثارها إلى الأرض يراعي المصالح تفضلا وإحسانا، وقيل: يدبر الأمر بإظهاره في اللوح فينزل به الملك.
أقول: من وحي التدبير وفي ظلال خلقه للسماوات والأرض وما بينهما، وفي الاستعلاء المطلق على هذا الخلق (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) يُطرح سؤال: أين الولي من دونه؟ أين الشفيع الخارج على سلطانه؟ ويأتي الجواب: لا أحد مخلوق عبثا ولا شيءَ متروك سُدى، إلا ويد التدبير ظاهرة في خلقه أفلا تتذكرون!.
كل شيء حيثما امتد البصر متقن الصنع، بديع التكوين، يتجلى فيه الإتقان والتدبير.
يرسم التعبير القرآني منظوراً شاملاً ضخماً من السماء إلى الأرض بكلمتين اثنتين: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) يمنح المؤمن رصيدا ضخما من ذخائر الكمال والجمال ليتملى آيات الإحسان المنبثقة من جمال صَنُعة الخالق.
ويعرض صفة الألوهية في صفحة الوجود والهيمنة على الكون في أوجز وأعجز تعبير: - يدبر الأمر - ومجال تدبيره أوسع وأشمل من السماء والأرض.
هذا التدبير لامر السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من خلائق، لا يعلمها إلا هو، يتضمن: (التنزيل)، و (التقدير)، و (التنسيق)، و (التفصيل)، و (التصريف)، و ... وما تتسع له العبارة ... ذلك هو اللَّه (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) وهذه صفات أُلوهيته: صفة الخلق، والتدبير، والقدير، والإحسان، والإنعام، والإتقان، و ... ولا يُدركُ قلب المؤمن هذه الآفاق إلا حين يستيقظ من ملالة الإلف والعادة، ويبصر بنور اللَّه جمال هذا الوجود وفق ما يريده له مبدعه، ووقتها يحس بالصلة بين المبدع وما أبدع، والمدبر وما صنع.
стр. 323
وللقارئ البصير أن يفهم من السياق بعد ذلك ما يكشف عن كنه العبارة (يُدَبِّرُ) ويتصور المقصود فيما تضمنته من رصيدها الزاخر وإيحائها المتجدد، أوسعْته عيون تطمح فيه لفضلٍ يرجع إليه، ويقضي بتفرده وصمديته.
أجل ... الوقوف على المعنى الحرفي من أسباب القصور في الفهم لأنه يُهمل المعنى الدلالي والذي فيه المعنى الوظيفي والمعنى الاجتماعي و ... وهذا موضع متناهٍ في حُسنه، فأبَه له، وحاذِرْ ألا يستطيل نظرك إليه لِتشتفَّ من أنواره.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)) (١).
قال الزركشي: وتجيء (في) بمعنى (مع) نحو (فادخلي في عبادي) وذكر الجمل عن الكرخي مثل ذلك
وقال أبوحيان: تعدى ادخلي أولا بـ (في) وثانيا بنفسه لأنه إذا كان المدخول في ظرف غير حقيقي تعدت إليه بـ (في) نحو: دخلت في الأمر ودخلت في غمار الناس. وإذا كان المدخول ظرفا حقيقا تعدت إليه بغير واسطة ومثله قال الجمل.
وذكر الفارقي: فأما دخلت البيت فإن البيت مفعول تقول: البيتَ دخلتُه، فإن قلت: فقد أقول دخلت فيه - قيل: هذا كقولك عبد اللَّه نصحت له ونصحته. ألا ترى أن دخلت إنما هو عمل فعلته وأوصلته إلى الدار لا
стр. 324
يمتنع منه مثل ما كان من الدار، تقول: دخلت المسجد ودخلت البيت، قال اللَّه : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) فهو في التعدي كقولك: عمرت الدار وهدمت الدار. فأما دخلت فإنها عند سيبويه لا تتعدى، وإن قولهم: دخلت البيت إنما على حذف حرف الجر كأنه أراد دخلت إلى البيت أو في البيت، وحُذف حرف الجر. وفيه دليل آخر هو أن تقول: دخلت في الأمر ودخلت في السلم وما جرى مجراه، ولا يجوز حذف حرف الجر وإنما يحذف الظرف، فلو كان متعديا لجاز أن يتعدى إلى هذا بغير حرف.
أ. هـ.
أقول: يا أيتها النفس المطمئنة ... هكذا في روحانية وتكريم ... في ثناء وتطمين ... المطمئنة: المُخْبتة المنيبة ... ارجعي بعد غربة ... فادخلي في المختارين ... وادخلي جنة النعيم ... جنة الخلد الندية.
لعل تضمين فادخلي في عبادي معنى: فاسلكي في عبادي واندمجي فيهم وانتظمي في سلكهم. يُعفينا من تضمين الحروف (في) بمعنى (مع) والسلوك هو الدخول فلمَ عدل عن السلوك إذاً؟ السلوك معناه المرافقة المؤقتة والعابرة أما الدخول فالمراد به الاستقرار والاندماج والمعايشة فالتضمين جمع المعنيين وفاز بالحسنيين، السلوك مع الأبرار، مع الاستقرار في دار الأخيار، دار النعيم المقيم ... بأنفاسها النديَّة والرضيَّة.
* * *
стр. 325
قَالَ تَعَالَى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) (١).
قال السيوطي: أي في حين غفلة ضمن (دخل) معنى (سلك) قال تعالى: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) وقال (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) قال الموزعي وابن عقيل وكذلك الأشموني والزركشي والأزهري وابن هشام والفراء والسيوطي: (على) بمعنى (في). وذكر الجمل: قوله على حين غفلة حالا من الفاعل أي مختلساً أو من المفعول. أ. هـ.
كرخي. وقال الآلوسي: فالظاهر أن (على) بمعنى (في) قال الأعشى:
- وصل على حين العشيات والضحى ... ولا تحمد الشيطان واللَّه فاحمدا -
وقال الرازي: ودخلها يوما على حين غفلة من أهلها والأكثر وقت القيلولة في منتصف النهار.
أقول: وهكذا يلجؤون إلى تضمين الحروف (على حين) بمعنى (في حين) ولو رجعنا إلى السياق في مورد الحرف لآنسَنا في الدلالة على معناه وأرشدنا إلى سر اختياره، لقد دخل موسى ﵇ المدينة يتحين الغفلات من أهلها كي لا يشعر بدخوله أحد، فولوجه على ترقب، متحيناً
стр. 326
غفلة أهلها (فالدخول) تضمن معنى (الحلول والولوج) والمتعدي بـ (على) وهاهو زكريا ﵇ يدخل المحراب (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) فدخوله بـ (على): دخول تفقد وتلطف وتشرف فتضمن معنى (الفتح) وهاهم إخوة يوسف يدخلون عليه: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ) و (فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ) فدخولهم بـ (على) دخول استرحام واستعطاف ومسغبة فتضمن معنى (استفتح وطلب النعمة) وهاهي الملائكة تدخل على إبراهيم ﵇: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا) فدخولهم عليه دخول تسليم وإقبال يبشرونه بغلام فتضمن معنى (إقبال وترحيب) ودخولهم على داود ﵇: (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) كان دخول مفاجأة فتضمن معنى (هجم) عن طريق التمثيل في صورة خصمين بغى أحدهما على الآخر. وهاهي الملائكة تدخل على المؤمنين في جنات النعيم (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) فدخولهم عليهم دخول تبريك وتهنئة وترحيب وتسليم فهل نَحمِل معنى حرف على حرف كما
стр. 327
فعل أصحاب التناوب إن اعتاص علينا معنى من معانيها وأحْزَن؟!.
فلنعط لكل سياق حقه ومستحقه إن تأملته أعطاك مقادته، وإن تناكرته حرمت نفسك فائدته وسددت عليها باب الحظوة به. ويبقى الفعل مع حرفه المتعدي به (دخل على) في التضمين كالطاووس مَن أبطله من النحاة والمفسرين بحجة التعاور والتناوب في الحروف فقد حَصَّ ذَيْله فضاع أجمل ما فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (١)
ما تدعون إليه: ما تدعون إلى كشفه ذكره الزمخشري، وقال أبو حيان: دعا يتعدى إلى مفعول به دون حرت جر. قَالَ تَعَالَى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقال: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) ولا تقول: دعوت إلى اللَّه بمعنى دعوت اللَّه إلا بدعوى تضمين، ضمن يدعون معنى يلجؤون، كأنه قيل: فيكشف ما يلجؤون فيه بالدعاء إلى الله.
أقول: يواجه السياق في هذه الآيات الفطرة حين تواجه الهول فيهزها ويوقظها - فتتعرى من كل رُكام، وتتجه في قرارتها إلى بارئها وحده تسأله النجاة (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) بحرف الإضراب، بل وبتقديم إياه لإفادة الحصر والقصر إنه جواب الفطرة وإن لم ينطق بها اللسان نسيت ما اذعته من الآلهة المزيفة (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) إنه
стр. 328
موقف الفطرة عند رؤية العذاب، إن معرفة الفطرة بربها هو حقيقتها التي فطرها بارئها عليها، وألوان الشرك طارئ عليها، بل وركام يَرين عليها، فإذا واجهت الهول الهائل تساقطت عنها القشور وتمزقت ثياب الزور. وقد تزول بصيحة حق تزلزلها، ولن يخلو كل عصر من مجدد يطلق هذه الصيحة على مر العصور.
أفصحت الفاء عن الحقيقة وأن الكاشف هو اللَّه الذي تتوسلون إليه وتطلبون، فيكشف بعضه أو جميعه (إن شاء) وَفْق حكمته وتقديره، أو لم يستجب حسب علمه وتدبيره. فتضمن الدعاء معنى الضراعة والوسيلة.
ولقد جاء الحرف (إلى) مع فعل (تدعون) وهو لا يألفه ولا يتعدى به عناية بما وراءه وتلويحا بغرضه، والإيماء دون التصريح أحلى وأدمث من أن يكون مكاشفة ومصارحة وجهرا. وقل ما يجيء التضمين صريحا وإنما يجيء من طريقٍ يخفى ومسلك يدق.
وإذا كان ما تسالونه من حاجاتٍ وترفعون من مطالبَ هو جانب من جوانب الدعاء وطرف منه، فالجوانب الأخرى أهم وأقمن: كالرجاء والتوسل والتضرع والخضوع والتذلل. فصِلة الدعاء بالضراعة (تضرعون إليه) جزء من كل، عدل الحكيم سبحانه من لفظٍ إلى لفظ لنتنته على أسبابه، ويتجلى لنا وجه الحكمة في اختياره فيتفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد.
إنه التضمين .. من أي عطفيه التفت، وجد معاني مشرقة لا تغيب ..
ثم إن دعا يتعدي بالياء: [(يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ)] فيتضمن معنى: استحضر.
* * *
стр. 329
قَالَ تَعَالَى: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (١).
ذكر أبو حيان: دمر الله عليهم أي أفسد عليهم ما اختصوا به من أنفسهم وأولادهم وأموالهم وحكى الزمخشري: دمره: أهلكه: ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به، والمعنى دمر اللَّه عليهم: ما اختص بهم من أنفسهم وأموالاهم وأولادهم وكل ما كان لهم. وقال الجمل: المفعول محذوف أو ضمن (دمر) معنى (سخط).
وذكر الآلوسي: جاءت المبالغة من حذف المفعول، وجعلته نسياً منسياً، والإتيان بكلمة الاستعلاء (على) وهي لتضمن التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم أو نحوه. وذكر البروسوي: قال الطيبي: كأن في دمر عليهم تضمين معنى (أطبق) فعدي بـ (على)، فإذا أطبق عليهم دماراً لم يخلص منهم أحد.
أقول: إنه مشهد وإنها لفتة إلى مصارع الغابرين من الأمم يلوي أعناق الذين كفروا من العرب خاصة والعجم عامة ليشهدوا كيف دمر اللَّه كل شيء فوق رؤوسهم، وجعلهم تحت الأنقاض عبرة لمن أراد أن يعتبر. إن تعدد مدلول دمَّر عند المفسرين: سخط، وأفسد، وأهلك، وأوقع، وطبق، ليدلنا على ثراء التضمين وغناه. فالتدمير مضمن معنى الدمدمة، والإخناء، والقضاء على من عصاه ومعاقبته له وليس التدمير: أي الدمدمة وهي إرجاف الأرض بهم
стр. 330
وإطباق العذاب عليهم وطحنهم وإهلاكهم إلا نتيجة من نتائج غضب اللَّه تعالى على الكفرة والمشركين.
والحرف (على) في علوّه يذهب في إثراء الصورة كل مذهب في هوْل القضاء والإخناء، ووَسْم أغفاله ورسْم أشكاله وزمّ شوارده، فهل من مُعتبر!.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١).
قال السيوطي: أي به، أي بسببه. وذكر أبو حيان: يجوز أن تكون فيه للسببية (أي بمعنى الباء) يمثركم بسببه. وذكر الزمخشري: فهي أي في هذا التدبير بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، فإن قلت: وهلا قلت: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول. للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قَالَ تَعَالَى (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ). ومثله الرازي.
وقال القرطبي: " يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" أَيْ يَخْلُقُكُمْ وَيُنْشِئُكُمْ" فِيهِ" أَيْ فِي الرَّحِمِ.
وَقِيلَ: فِي الْبَطْنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَابْنُ كَيْسَانَ:" فِيهِ" بِمَعْنَى بِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى" يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" يُكَثِّركُمْ بِهِ، أَيْ يُكَثِّركُمْ يَجْعَلُكُمْ أَزْوَاجًا، أَيْ حَلَائِلُ، لِأَنَّهُنَّ سَبَبُ النَّسْلِ.
стр. 331
وقال ابن قتيبة: فيه: أي في الزوج: أي في بطون الإناث، وفيه: أي في الرحم لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر، وذكر أبو السعود: فيه: أي فيما ذكر من التدبير: أي جعل الناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد كالمنبع للبث والتكثير.
أقول: إن الحرف (في) لا يتحمل التضمين لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، وإنما جرى التضمين في الفعل ليبشّر بولادة معان أخر منها: البثّ، والخِصب (يبثكم ويُخصبكم). يوحي بهما ويحملان معناه فكان هذا الجعل والتدبير منه سبحانه سبباً من أسباب الخِصب والنماء والبث.
ولعل اختيار (الذرء) دون (البثّ والخِصب) لما فيه من معنى الخلق والنشأة والإيجاد وما وراءه من معان، والخِصب من نتائجه.
فنحن مع هذه الحروف نفتقر في تحصيل معانيها إلى الوقوف على أفعالها ومغازي تراكيبها مع التأمل والتدبر، لنفتح شيل التنقيب عن أوضاعها وأسرار معانيها من طريق تخفى ومسلك يدق.
* فواحه تزكو كزهر الروض باكره المطر *
* * *
стр. 332
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) (١).
حكى العز: أي فلما تركوا ما أمروا به ... التجوّز بالتذكير عن الأمر.
وقال الزمخشري: نسوا ما ذكروا به: تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرْهم. أي تضمن التذكير معنى الوعظ والنسيان معنى الترك. وأورد أبو حيان: (نسوا) تركوا الاتعاظ والازدجار بما ذكروا به من البأس، استدرجناهم بتيسير طلباتهم الدنيوية. قال القرطبي: (نسوا) تركوا ما ذكروا به، وذلك لأن التارك للشيء إعراضا عنه قد صيَّره بمنزلة ما قد نسي.
أقول: سياق الآيات من إصرارهم على ترك التضرع عند نزول العذاب ومن قسوة قلوبهم، ومن تزيين الشيطان لهم وحملهم على المعاصي، كل ذلك لَيدل على أنهم تركوا ماجاءهم من مواعظ وأوامر وراء ظهورهم عن إصرار وعمد لا عن نسيان وسهو وغفلة ومن أجل ذلك فتح اللَّه عليهم فتنة السراء وآتاهم من كل ما سألوه ثم أخذهم بعذابه فإذا هم مبلسون، فالتضمين جرى في التجوز بالنسيان عن الترك والإعراض، وبالتذكير عن الأمر لتنبيه قلوب المؤمنين من خطر ذلك المسلك، تعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية، فما عاد يستشعر وخزة من ضمير تفتح مغاليق قلبه وترد إليه وعيه.
بقي سؤال: إذا كان نسيان ما ذكروا به مضمناً معنى تركهم عن عمد
стр. 333
وإصرار فلماذا جاء التعبير بلفظ النسيان ولم يأت بلفظ الترك؟ وجاء بلفظ التذكير بدلا من الأمر؟ والجواب:
أولاً: نلاحظ المقابلة بين النسيان والتذكر في الآية وما فيه من جمال فني.
ثانياً: - إن شأن المعرض عن أمر ذكرتَهُ به وأمرته كشأن الناسي في ظاهر الأمر كلاهما لم يأتِ من الأوامر والنواهي بشيء.
ثالثاً: إن وصف المتمردين المعتدين على سلطان اللَّه بالنسيان، فيه تعطيل لأجهزة الاستقبال الفطرية فيهم، فلا يقظة من قلب ولا تَنبهَ من ضمير.
رابعاً: ما رسمته الآية السابقة في وصف حالهم: قست قلوبهم ... لا يتضرعون إلى ربهم ... مصرون فلا يرجعون عما زينه الشيطان لهم من الإعراض والعناد ... بعد هذا الانحراف في الفطرة التي فسدت فلا يُرجى لها صلاح بعد كل هذا تصفهم الآية بالنسيان، إنه إذاً تعطيل للفطرة، واستهزاء بالأوامر الربانية، ومن أجل ذلك فتح عليهم كل باب مغلق، وفتنة السراء أشد من فتنة الضراء لأن هذه قد تكون سبباً في عودته إلى صوابه.
والتضمين لون من ألوان النشاط الفكري، وله صلة بعلم الدلالة حيث لا تأتيك معه المعاني مصرحاً بها مكشوفاً عن وجهها، بل مستورة من وراء حجاب لتكون أبهى وألطف. فاستروح إليه، واعتاده. واجعله منك في برهان لائح لِتسْطَعَ إشراقاته في نفسك.
* * *
стр. 334
قَالَ تَعَالَى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (١).
ذكر أبو حيان والزركشي: أذلة عدي بـ (على) وإن كان الأصل اللام لأنه ضمن معنى (الحنو والعطف). وحكى الزمخشري: أذلة جمع ذليل وأما ذلول فجمعه ذُلُل. ومن زعم إنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه لأن ذلولا لا يجمع على أذلة. فإن قيل فهلا قلت: أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه من التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ومثله قال الرازي، وقال الآلوسي: لكنه عدي بـ (على) لتضمنه معنى العطف والحنو المتعدي بها، وقيل: للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ولعل المراد بذلك أنه استعيرت (على) لمعنى اللام ليؤذن أنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى عَلَوهم بهذه الصفة، وكون المراد به أنه
ضمن الوصف معنى الفضل والعلو، يعني أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم أذلاء في أنفسهم بل لإرادة أن يضموا إلى علو منصبهم وشرفهم فضيلة التواضع، لا يخفى ما فيه لأن قائل ذلك قابله بالتضمين فيقتضي أن يكون وجها آخر لا تضمين فيه. وقيل: عُديت الذلة ب (على) لأن العزة في قوله: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) عُدِّيت بها كما يقتضيه استعمالها وقد قارنتها فاعتبرت المشاكلة.
стр. 335
وقد صرحوا إنه يجوز فيها التقديم والتأخير، وقيل: لأن العزة تتعدى بـ (على) والذلة ضدها فعوملت معاملتها من حمل النقيض على النقيض كما يحمل النظير على النظير. أ. هـ. ومثله قال البروسوي.
أقول: وإذا كان حُب اللَّهِ لعبدهِ لا نظيرَ له في مذاقات الحب ولا شبيه، فإن حُب العبدِ لربه ما استطاعت أن تصوره حتى فلتات ألسنة كبار المحبين وأقلام العارفين. والمفهوم من المحبة لله هي على حقيقتها، وهي غير القُربات والطاعات فيما ذهب إليها كثير من المفسرين. فقد نفاها الأعرابي عن نفسه، إذ ليس في جعبته منها شيء وأثبت حبه الخالص فقط حين سأل رسول اللَّه ﷺ عن الساعة فقال له: " وما أعددت لها؟ قال: حب اللَّه ورسوله، فقال صلوات ربي وسلاماته عليه: " المرء مع من أحب ".
نعم الحب ... إنه الروح الشفيف ... اللطيف ... البهيج ... الندي ... البشوش ... لا يملك مذاقه إلا العارفون. ومن ذاق فقد عرف.
اللَّه الجليل في ملكوته ... في عظمته ... يتفضل على عباده بالحب ... حبا يليق بجلاله، فأي قلم يملك التعبير عنه، بل أي عبارة تحيط بكنهه؟!.
إن التصور الإسلامي يجعل العلاقة بين حقيقة العبودية والألوهية علاقة ندية ودودة وليست قسرية ولا قهرية رغم تنزيه الجليل المنعم المتفضل، ومن يملك أن يحيط بمداليلها وشعبها!.
ولعل التضمين في (ذل) معنى (حدب، وعطف، وحن) المتعدي بـ (على)،
стр. 336
وليس المشاكلة اللفظية في تعدية الذلة بـ (على) مقابل تعدية العز بها، ولا من باب التقديم والتأخير، ولا من باب حمل النقيض على النقيض. وإنما معناه: فسوف يأتي اللَّه بقوم أحنة على المؤمنين، حَدِبين عليهم، مشفقين عاطفين.
وآثر الأسلوب الحكيم أذلة على أحنة وأحدبة لإغراء المؤمنين بالاتصاف بها دون سواها لما فيها من نسيان الذات وغياب الأنا، مع اللين واليسر والسماحة والود. إنها أُخوة ترفع الحواجز وتزيل الكُلف وتُصفِّي النفوس، ذلة ليس فيها مَهانة، ذلة ليس معها حساسية بالذات تجعله عصياً على أخيه.
أرأيت التضمين ما أذهبه في مسارح النظر! وغرضه الفحص عن حقائق التأويل، ليوقفنا على أسرار التنزيل فيزيل اللبْس - حين يتعدى الفعل بغير حرفه - مُفتقاً عن أكمام إعجازه جانياً من قطوف ثمراته.
هل يشبه الإعجاز تغريد البلابل في السحر؟!.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (١).
حكى الزمخشري: في اجتماع الهمزة والباء على التعدية نظر لأنهما متعاقبتان وهو الذي اقتضى قوله: فعلوا الإذاعة، ليخرجها عن الباء المُعَاقِبة للهمزة وهو أبلغ من أذاعوه. وقال القرطبي: أفشوه وأظهروه قبل أن يقفوا على حقيقته لكن ما فائدة الباء إن جاءت مزيدة؟! قيل: الباء زائدة نقل ذلك
стр. 337
الجمل والعكبري، ولفظ قيل يدل على التضعيف والتمريض. وقال الآلوسي: أذاعوا به: أفشوه والباء مزيدة. وقال النسفي: الباء مزيدة.
وقال الجمل: قيل: ضمن أذاع: تحدث فعداه تعديته.
اقول: يا عجبا من سوء تصورات وكالات الأنباء وضعف مداركهم، فإن البوح بكل خبر يأتيهم والتحدث به، وإشاعته يدل على شخصية همجية، والقرآن يريد أن يعد شخصية المسلم إعداداً مخالفاً لمألوفه، شخصية حضارية تخضع لقيادة موحدة: تجمع وتحلل وتستنبط و ... فلا بَوْحَ ولا حديث ولا إفشاء إلا بإذن.
نعم حين يصبح أمر الأمن أو الخوف حديث المجالس في القضايا الحربية فسوف يحدث خلخلة في الصف وبلبلة في النفوس الضعيفة، لا بد إذا من الوقوف على جليته وأن يُرَد إلى ذوي الاختصاص في تحليل الأخبار ليقف الذين يستنبطونه منهم على تحليله وتعليله ومعرفة مغزاه.
ونبقى مع الفعل أذل في سوء مزاج من هذه الباء إن لم نفهم الغرض من تعديته بها. أما القول بزيادتها فلا حفل به ولا شأن له، ويتشنّع علينا تَحَفُلُهُ.
ولعل تضمين الفعل يكشف عن غرضه، فتضمين (أذاع) معنى (باح أو تحدث) والمتعدي بالباء ينسجم مع السياق وإن كان يوحشنا بوجهه ولا
стр. 338
تروقنا طلعته لما يحمل في حالتي (الأمن أو الخوف) من خطرٍ على صفوف المجاهدين، فكيف بنا مع إذاعة كل نبأ وإشاعته ونشره على الملأ، إنه سيحمل إذاً وِزْر ما أحدث من تصدع في الصف، وخلخلة في المعسكر، بل ما يحدثه من أثر مدمّر في نفوس المجاهدين خاصة والمسلمين عامة.
فالتضمين جمع المعنيين: صرح بأخطرهما - الإذاعة - ليقطع الطريق على كل منافق أو معطّل، أو متشكك ألا يتجراً على إعلان خبر أو نشره، ووارى في جعبته أقلهما خطراً وهو البث والبَوْح بأي خبر يلهج به ضعيفٌ أو واهي العزيمة.
بعض من المهاجرين ضعفت نفوسهم عن تكاليف القتال، فلا نستبعد أن
نرى فيهم صفة الإذاعة - بأمر من الأمن أو الخوف - لأن هذه تدل على عدم
الدربة على النظام ولا تدل على النفاق.
فعلى الناظر في كتاب اللَّه أن يتجشم المشقة في إنعام النظر في هذه الحروف لمعرفة ما استودعه اللَّه في أفعالها المتعدية بها لأنها أدل على لطف المسلك، وأشهد للغرض، وأوفى بشرح العلة من وجه لا يفطن له إلا من أوتي النظر.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (١).
ذكر الآلوسي: خمسة وجوه في اللام.
أحدها: أن اللام زائدة والفعل منصوب بأن مقدرة بعدها وزيدت لتأكيد
стр. 339
معنى الإرادة لما في لام العلة من الإشعار والإرادة والقصد كما زيدت في: لا أبا لك.
ثانيها: للتعليل ومفعول يريدون محذوف (يريدون الإطفاء).
ثالثها: أن الفعل (يريدون) حال محل المصدر: مبتدأ واللام للتعليل والمجرور بها خبر أي إرادتهم كائنة لإطفاء نظير - تسمع بالمُعَيدي خيرٌ من أن تراه -.
رابعها: أن اللام مصدرية بمعنى أن من غير تقدير والمصدر مفعول به ويكثر ذلك بعد فعل الإرادة.
خامسها: أن (يريدون) منزل منزلة اللازم لتاويله (يوقعون الإرادة) قيل: وفيه مبالغة لجعل كل إرادة لهم للإطفاء. أ. هـ.
وذكر الزمخشري: وكان هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك. وإطفاء نور اللَّه بأفواههم تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم: هذا سحر.
أقول: (يريدون) والإرادة شعور نفسي لا خطر فيه إن لم يظهر على السطح في قول أو عمل، كالحسد. لم تأت الآية (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ) وحَسب لأن الحسد متوفر لدى كثير من الناس بل جاءت (إِذَا حَسَدَ) أي إذا ظهر في صورة فعلية نحو محسوده.
واللام في قوله (لِيُطْفِئُوا) مع مجرورها: (المصدر المؤول لإطفاء)
متعلقان بفعل يريدون المتضمن معنى يسعون والمتعدي باللام الإرادة هي
стр. 340
النية، وتعديتها باللام تضمنت معنى السعي، والسعي عمل، فالتضمين جمع إلى
الإرادة السعي أي إلى النية العمل، ولا يغني أحدهما عن الآخر في قبول العمل
كما في قول اللَّه سبحانه: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ
مُؤْمِنٌ) فجمعت الآية الإرادة مع السعي.
فيهود يسعون في حرب الإسلام والمسلمين في شتى الوسائل حربا
مسعورة تجلت:
١ - بالاتهام (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ).
٢ - بالدس والوقيعة بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج.
٣ - بالانضمام إلى الأعداء في غزوة الأحزاب.
٤ - بالإشاعات الكاذبة في حديث الإفك: عبد اللَّه بن أُبي بن سلول.
٥ - بالإسرائيليات المدسوسة في السيرة والتفسير.
إنها صورة بائسة مضحكة، تدعونا إلى رثاء هؤلاء الأغبياء وهم يحاولون
جادِّين مجتهدين لإطفاء نور الله، ورغم ما يرصدونه من حرب وكيد في كل
بلد من ديار المسلمين، ما زال لهذا الدين دوره يؤديه مهما سعى أعداؤه
المهازيل في التشكليك والتضليل، وله أهله لا يخافون في اللَّه أحدا.
إنه التضمين يكشف عن وجه الإرادة فإذا هي المسعى الخبيث لإطفاء
نور اللَّه حاشاه أن يُطفِئَ نورَه أحدٌ.
أما ما جاء في قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ ... ) فليست الإرادة هنا بمعنى الرغبة، وليست اللام كما ذكر
стр. 341
المفسرون زائدة أو للتوكيد أو للتعليل أو مصدرية أو ... وإنما يتعدى بها فعل
يريد ومعناه هنا في سياق الآية (يقصد) ففي اللسان وفي معجم الأفعال للملياني: القصد: الاعتماد والأم. فقَصَد له. معناه: اعتمده وطلبه فقصدُ اللَّه هنا هو طلبه للتبيين والهداية. وفي قوله سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) قصْدُ اللَّه إزالة الحرج. وفي قوله سبحانه: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) قصْدُ الله: تطهيرُكُم وإتمام النعمة عليكم، وفي قوله سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فقصدُ اللَّه هنا إذهابُ الرجسِ عن أهل البيت وإبعادُه.
فكيف تصرفت الحالُ فالتضمين فاشٍ في مناحي القول في هذه اللغة الشريفة فُشُواً لا يكاد يحاط به، وهو مسْهُو عنه لم يُنتصف منه.
والله يكشف للمريد وجه الحقيقة ما استتر ...
* * *
فال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) (٤).
ذكر أبو حيان: الرؤية علمية وضمنت معنى ما يتعدى ب (إلى) فلذلك لم تنصب مفعولين كأنه قيل: ألم ينته علمك إلى كذا؟ قال الراغب: رأى يتعدى بنفسه دون الجار فإذا عُدي ب (إلى) اقتضى - أي تضمن - معنى النظر
стр. 342
المؤدي إلى الاعتبار نحو (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ). وقال الزجاج: ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء؟ وذكر الرضي: مضمن معنى الانتهاء.
وقال الآلوسي: الرؤية إما بمعنى الإبصار مجازاً عن النظر، لأن النظر دون الإدراك، وإما بمعنى الإدراك القلبي متضمنا معنى الوصول والانتهاء، ولهذا تعدت ب (إلى) وقد يتعدى اللفظ على هذا المعنى بنفسه وقل من نبَّه عليه قال امرؤ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا ولم تتطيب
أقول: الرؤية هنا مجملة، والمراد منها التدبر والتفكر والاتعاظ، فسياق الآية لم يحدد شخصية هؤلاء الخارجين من يهود حذرا من الموت، لأن السياق سياق عبرة وعظة وتصحيح للتصور وبيان الحكمة الإلهية، فإن الحذر والفزع والخروج لن يرد عنهم قضاءً أو يحفظ حياة، فلو ثبتوا وصبروا لكان أولى بهم.
فالرؤية مضمنة معنى النظر، والمتعدي بـ (إلى) وهو لا يحتاج إلى مفعول ولا مفعولين: ألم تنظر يا محمد .. ألم تتنبه إلى مصارع هؤلاء؟ ليلفت نظر المؤمنين إلى نتائج الممتَحنين. فمن تأمل التضمين وقد جمع مع الرؤية النظر، والاعتبار والتأمل والتفكر فقد وفَى الصنعة حقها، ورَبَا بها أفرعَ مَشارفها، وعرف منه وبه عنايته في تبيين المعنى وتأليق صورته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها، تجربة لا يذكر القرآن أصحابها ويعرضها في اختصار: خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فلم ينفعهم الخروج والفرار والحذر، وأدركهم
стр. 343
قدر اللَّه الذي خرجوا حذرا منه (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)، وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها، قال مجاهد: لما أُحيوا بقيت رائحة النَّتَن موجودة في نسلهم إلى اليوم.
فالمقصود تشجيع المؤمنين على القتال وإذا علم الإنسان أن فراره لا ينجيه هانت عليه مبارزة أعدائه وبذل روحه وماله وأتبعها الله بقوله (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فهي تشجيع على القتال ما دام الفرار لا ينجي من القدر، قال الشاعر:
في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة ... والمرء في الجبن لا ينجو من القدر
وقال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تموت جبانا
فالرؤية تضمنت معنى الاتعاظ والنظر .. إنه التضمين.
* يُثنى على فضله الأعجام والعربُ *
* * *
قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (٣).
قال أبو السعود: ألم تر: ألم تنظر فهو تعجب للنبي ﷺ ولكل من تتأتى منه الرؤية من حال أهل الكتاب وسوء صنيعهم واختلافهم، إنما كان بعدما جاءهم العلم، وذهب الشوكاني وكثير من المفسرين إلى أن (ألم تر)
стр. 344
وقال أبو حيان: ألم تر: ألا تعجب من هؤلاء المدعوين إلى كتاب اللَّه أي في حال دعوتهم إلى كتاب اللَّه ليحكم بينهم!.
أقول: (ترى) ضمن معنى (تنظر) فعدي بما يتعدى به. وكان الباعث عليه لفت النظر وأخذ العبرة أما الاستفهام فقد خرج إلى معنى التعجب.
نعم سؤال استغراب وتعجب من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب والكتاب واحد في الحقيقة:
أوتي يهود نصيبا منه - التوراة -
وأوتي النصارى نصيبا منه - الإنجيل -
وأوتي المسلمون الكتاب كله - القرآن - لأنه جمع أصول الدين كله - قرأ معناه جمع، قرأت الماء في الحوض جمعته - فليحذر المسلمون اليوم ولينظروا إلى مصير أهل الكتاب ليتعظوا من مواقفهم. والتعبير بالرؤية عن النظر أي التدبر أو الاعتبار أو ... - لا تنحصر في لفظ يُدْعَون إلى كتاب اللَّه ليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم ... فيتخلف فريق منهم وُيعرض عن تحكيم الشريعة: الأمر الذي تناقض مع دعوى أنهم من أهل الكتاب وأنهم مصدقون به. يُخرجون شريعة اللَّه من حياتهم ويدَّعون أنهم مؤمنون.
وعجبي لا ينقضي من المسلمين اليوم حين يُعرِضون عن التحاكم إلى كتاب الله ويدَّعون أنهم مسلمون.
بلاء لا يُقادَرُ قَفرُه، وغضبٌ ينتهي إلى شِقوتهم وطَرْدِهم من رحمة الله والعياذ بالله.
* فما عُذرنا ألَّا يضيق بنا المصدرُ *
* * *
стр. 345
قَالَ تَعَالَى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) (١).
قال المبرد: في قوله: ردف لكم، معناها ردفكم، وذهب بعضهم إلى أن أصل ردف التعدي، بمعنى لحق وتبع، فاحتمل أن يكون مضمنا معنى اللام، قال أبو حيان: ولذلك فسره ابن عباس: يقرب لما كان يجيء بعد الشيء قريب منه ضمن معناه أو زيدت اللام في مفعوله لتأكيد وصول الفعل إليه كما زيدت الباء في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال الزمخشري وقد عُدي بمن على سبيل التضمين لما يتعدى بها قال الشاعر:
فلما ردفنا من عمير وصحبه ... تولى سِراعا والمنيةُ تُعْنِقُ
أي دنوا من عمير وقيل: ردفه وردف له لغتان. وذكر العكبري مثل ذلك أي دَنَوْا من عمير.
وذكر الزمخشري: قيل لهم عسى أن يكون ردفكم بعضه هو عذاب يوم بدر، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم ومعناه تبعكم ولحقكم.
ومثله البيضاوي وذكر الجمل: وجوها أظهرها أن ردف ضمن معنى فعل يتعدى باللام أي دنا وقرب.
وقال الآلوسي: أصل معنى ردف: تبع، والمراد به هنا لحق ووصل، وهو مما يتعدى بنفسه وباللام كنصح، وقيل: اللام داخلة على
стр. 346
المفعول لأجله والمفعول به الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه محذوف أي (ردف الخلق لأجلكم) ولا يخفى ضعفه. وقيل: إن الكلام تم عند (ردف) على أن فاعله ضمير يعود على الوعد، ثم استأنف بقوله تعالى: (لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) على أن (بعض) مبتدأ (لكم) متعلق بمحذوف وقع خبراً له ولا يخفى ما فيه من تفكيك للكلام، والخروج عن الظاهر لغير دل لفظي، ولا معنوي، والمعنى: قل عسى أن يكون لحقكم ووصل إليكم بعض الذي تستعجلون حلوله وتطلبونه وقتاً فوقتاً أ. هـ.
أقول: شبح العذاب وراءهم كالرديف وراء الراكب، لا يدري أحدهم متى يكون، ولكنهم في غفلة سامدون ... أيستعجلونه؟! يا له من موقف ترتجف له القلوب ... العذاب من ورائهم، ولكنهم يستهزئون بالوعيد، ويستهينون بالعذاب يقولون: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هو؟ ويأتيهم جواب يشفي الغليل (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) وفي عسى هذا طمع وإشفاق ومعناه: عساكم زلف لكم بعضه في بدر! كما تمَول للراسب في الاختبار عساك نلت المراد! فتضمين ردف معنى (زلف وبدا) والمتعدي باللام يُبلغُنا المراد، لأنه يُبدي لهم دُنو العذاب ومُزدلفة، نفهم ذلك من جوابه (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ) فالرديف ما سيلحق بكفار قريش قي قبورهم من العذاب بعد قتلهم، والمزدَلَف ما تقدمهم من العذاب من سيوف المؤمنين والتنكيل بهم في بدر، والمعنيان مرادان المضمن والمضمن فيه، ما زَلف من عذاب التنكيل بهم وقتل زعمائهم، وما سيتبعهم من عذابٍ في قبورهم، والألفاظ على معانيها أدلة، وأبلغ القول ما تعددت وجوه
стр. 347
إفادته، فإن تأملته جلا عليك محاسنَه، وإن تناكرتَهُ، سد عليك باب الحُظوة به.
فجمع التضمين بُدوه، ودُنُوه ومُزدَلَفه، وأغنى عن زيادة اللام أو حذف
المفعول أو التعدي بمن أو جعل المتعدي لازما أو التعليق بمحذوف أو ... أو ... إنه التضمين يجلي الغامض ويصل إلى الخفي ويتنسم عبير البيان بالسهل الممتنع.
فهو ينشر ما انطوى ... كالنور يهدي من عثر
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ) (١).
قال الزمخشري: أرسل إلى جبريل واجعله أي هارون نبيا وآزرني به واشدد به عضدي. أ. هـ. وذكر القرطبي: أرسل إليه جبريل بالوحي وجعله رسولاً معي.
موسى ﵇ بعد أن أمره ربه (ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) سأل ربه الرسالة لأخيه هارون لأنه أفصح منه، والداعية يحتاج إلى لسان وبيان وحجج ولأن لآل فرعون ذنبا عليه، فخاف أن يقتلوه فتنقطع دعوته أو تموت. ومفعول أرسل محذوف ذهب المفسرون إلى تقديره: جبريل. وليس بشيء.
أقول: لعل تضمين (أرسلَ) معنى (أوحى) يفتح لنا منافذ على المعنى يساعدنا عليه السياق. ففعل أوحى يتعدى بـ إلى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)
стр. 348
و (أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) و (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) و ... وموسى طلب من ربه أن يوحي إلى أخيه بالرسالة بلفظ (أرسلْ) أي أوحِ إليه بالرسالة: صيره رسولا. فجمع التضمين المعنيين الوحي والرسالة. ويأتي الجواب من ربه (كلا) بالردع تعقيبا على ما رغب فيه أو خاف منه: أخاف أن يكذبون ... ويضيق صدري ... ولا ينطلق لساني ... فأرسل إلى هارون ... فأخاف أن يقتلون.
ويذهب جُل المفسرين إلي إيقاع لفظ كلا على آخر حديث موسى (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا) ويأتي التعقيب (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وهل يرد التأكيد بالتثنية في هذه الأوامر لولا ما أفاده النص (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ) من استجابة الدعاء؟!.
سياق القصة يطوي المسافات والأبعاد والأزمان ويترك فجوات بين المشاهد، ليصل إلى المواقف الحية مباشرة، لقد استجاب اللَّه دعوة موسى ﵇ فإذا هارون ﵇ رسول مع أخيه (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ).
أرأيت إلى حروف المعاني كيف سخرها التضمين في هذه اللغة الشريفة لتنهض بالمعنى إلى غايته وتكون مرقاة إلى تدبره! إنه التضمين:
له غاية تُحيي القلوب ونظرة على كثرة الأغراض تهدي إلى الرشد
* * *
стр. 349
قَالَ تَعَالَى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) (١).
قال الزمخشري: اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها.
وقال الرازي: قال فيها ولم يقل منها لئلا يكون ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال.
وذكر الآلوسي: جوز بعضهم أن تكون (في) بمعنى (من) التبعيضية.
وقال أبو حيان: اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق، وقال فيها ولم يقل منها تنبيها على ما قاله ﵇: " ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلها الزكاة "، والمستحب أن يكون الإنفاق عليهم من فضلاتها المكتسبة. وقيل: في بمعنى من أي منها.
أقول: فتضمين (رزق) معنى (اتجر) كان من وحي الحرف (في) وتوجيهه، حين تسلط عليه فعل لا يتعدى به. أما سياسة التناوب والتعاور: (في) بمعنى (من) فتستنكرها مصلحة اليتيم، ويستهجنها أهل النظر، إذ تفوت عليهم كثيرا من اللطائف. فالنص جاء حمايةً لمال اليتيم على أساس من التكافل الاجتماعي وحمايةً لمصلحته، فلا ينفق ما ورثه في سنوات معدودات ثم يمد يده إلى الناس أعطَوْه أو منعوه ... حماية اليتيم في حفظ ماله كانت بإنشاء تشريع يدير لليتيم أمواله في تجارة رابحة ويرعى مصالحه رعاية حسنة أمينة في نظام خاضع للرقابة الإلهية،
стр. 350
قال صلوات اللَّه عليه: " ألا من ولي يتيما له مال فلْيتجر فيه ".
إنه التضمين خفقة تكشف عن حقيقة، ولمحة تحمل صورة تتفتح عن رصيدها المذخور وإيحائها المتجدد.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (٢).
يرى الزمخشري: بأن رضيته لكم يعني اخترته لكم. وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده.
وقال الطبري: رضيت لكم الاستسلام لأمري والانقياد لطاعتي على ما شرعت لكم من حدوده، دينا: يعني طاعة منكم لي.
أما الجمل (٥): فيرى أن في رضي وجهين: أحدهما: أنه متعدٍ لواحد وهو الإسلام، ودينا حال والثاني: مضمن معنى (صير وجعل) فيتعدى لاثنين أحدهما متعلق برضي والثاني متعلق بمحذوف حال من الإسلام لكنه قدم عليه.
وقال الآلوسي: رضيت لكم: اخترته لكم من بين الأديان وقد نظر في الرضى معنى الاختيار ولذا عدي باللام. ومنهم من جعل الجار صفة لـ (دين) قدم عليه فانتصب حالا، و (الإسلام) و (دينا): مفعولا رضيَ إن ضُمن معنى صير، أو: دينا منصوب على الحالية من الإسلام، أو تمييز من لكم، والجملة مستأنفة معطوفة على أكملت، وإلا فإنه لم يرضَ لهم الإسلام قبل
стр. 351
ذلك اليوم دينا وليس كذلك. ويكرر أبو حيان قول الزمخشري وابن عطية.
ويقول القرطبي: أعلمتكم برضاي به لكم دينا وقيل: رضيت عنكم، ويحتمل رضيت إسلامكم دينا باقيا.
أقول: تضمين (الرضا) معنى (التصيير والجعل) غير سديد يتجافى عنه السياق، فما معنى أن يصير الإسلام دينا، وماذا كان قبل تصييره؟ وتضمين (رضي) معنى (اختار) لا يستقيم لأنه لا يتعدى إلى مفعولين وعندها يصبح الدين فضلة ما دام حالاً، ولعل تضمين (رضي) معنى (وهب) أسوغ وآنس وأحكم فهو يتعدى لمفعولين، فالمنعم أتم عليهم نعمه حين وهب لهم الإسلام دينا، فهذه الهبة الربانية من تمام النعمة وكمالها، وهي رمز الرضا وعنوان المحبة، إذ كيف يهب لهم هذا الدين وهو غير راضٍ لهم إياه؟! وهل يخصني أحد بهبة غالية نفيسة إلا إذا كان في منتهى الرضا عني! جاء النص من أن هذا الدين الذي وهبه لهذه الأمة قد ارتضاه بعد أن أتمه وأكمله. ولم يدع السياق أمر الطاعة والاتباع مجملاً، بل نص على وجوب الحكم بما أنزل نصاً، وإلا فهو الكفر ... والظلم ... والفسق.
وما كان تعدي (رضي) باللام إلا صرفا لوهم السامع عن أن يقف عند حدود الرضا وحسب، بل من وراء الرضا هذه الجوهرة السنية والمنحة الإلهية والهبة الربانية ... إنها الإسلام العظيم وإنها الدين القويم. فاللَّه العليم الحكيم اختار لفظ (رضيت) وعداه باللام ليضمّ إلى عبير الهبة وشذاها، نسيم الرضا وألطافه فتروعنا بهجته، ويؤنسنا بوجهه، فتكون هذه الهبة الفوّاحة (الإسلام) ما تتمثّل به نفوسهم دينا قِيمًا وعقيدة ترسو في تصورهم ومنهجاً
стр. 352
يتحكم في كل شؤون حياتهم الفردية والاجتماعية والدولية. يستحقون به رضا مولاهم.
إنه التضمين ...
على ضروب البيان ... لم يشتفِ بمثيل
* * *
قَالَ تَعَالَى: (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) (١).
قال الطبري: لعملها الذي عملت في الدنيا من طاعة ربها راضية وقيل: لثواب سعيها في الآخرة راضية.
وقال البيضاوي: اللام بمعنى الباء أي وجوه راضية بسعيها أي بعملها حين رأت ثوابه. وذهب أبو حيان: إلى أنها راضية بعملها في الدنيا بالطاعة. وأما الآلوسي فقد قال: اللام ليست للتعليل بل مثلها في رضيت بكذا أي بسعيها راضية أي اللام بمعنى الباء، وقيل: وفي الكلام مضاف مقدر أي (لثواب سعيها راضية) وجوز اللام للتعليل أي لأجل سعيها في طاعة القَه راضية، وذكر الزمخشري: رضيت بعملها لَمّا رأتْ ما أداهم من كرامة أقول: إنه رضا يفيض من الوجوه، وينبثق من النفس ويتشعب في حناياها، واطمئنان للقلب بهذا الشعور، شعور الرضا، ولا أروح للقلب من رضا المولى الكريم، وجوه ناعمة بما وجدت، حامدة بما عملت لأنها وجدت عقباه، وأحست بالراحة والطمأنينة لما قدمته. فـ (رضي) تضمن معنى
стр. 353
(ارتاح وسكن واطمأن) فتعدى باللام، والرضا يكون في المحابِّ كما يكون في المكاره، أما الراحة والسكن والطمأنينة فلا تكون إلا في المحاب.
فاللام ليست بمعنى الباء وهل يغني حرف عن حرف في تأدية المعنى الذي اختصه اللَّه واختار له من الحروف ما يُثريه ويُغنيه؟. وليست اللام للتعليل، وليس في الكلام مضاف مُقدَّر.
نعم جاءت اللام مع الرضا لتفيد فوق الرضا معنى الاطمئنان والراحة.
لقد جمع التضمين معنى الرضا إلى الراحة والسكينة والطمأنينة، ولا يتأتى هذا الثراء مع صرف الحرف إلى سواه ولا مع دعوى زيادته، وهذا نهج مأمومٌ عند عارفيه، ونظائره كثيرة فاشية، وليس أروح لقلب المؤمن من أن يطمئن إلى مسعاه ويرضى عاقبته ويستمتع بشعور الرضا عن عمله والاطمئنان له حين يرى رضوان اللَّه عنه، قد أشرقت له نفسه.
إنه التضمين ... ورُبَّ طرف أفصح من لسان.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) (٤)
ذكر القرطبي: أن رضي له قولا: أي رضي قوله. فجعل اللام زائدة.
стр. 354
وقال أبو حيان: (له) معناه (لأجله) وكذا في (رضي له) أي (لأجله) ويكون (مَن) للمشفوع له، أو بدل من الشفاعة على حذف مضاف أي إلا شفاعة من أذن له. أو منصوب على الاستثناء على هذا التقدير أو استثناء منقطع فنصب على لغة الحجاز ورفع على لغة تميم.
وذهب الزمخشري، والبيضاوي، والجمل، والآلوسي: إلى أن أذن له ورضي له: أي لأجله.
أقول: والذي تطمئن إليه النفس هو أن (الرضا) تضمن معنى السمع ومعناه هنا القبول حين تعدى باللام. أما أن يكون الرضا لأجل قوله فما أراها منسجمة مع السياق. فاللَّه أذن له أن يشفع، ورضي له أن يقول، فالرضا حصل قبل أن يقول، وليس من أجل ما سوف يقول، فشفاعته هذه معلاة له، شاهدة بفضله، ورضوان اللَّه عنه، وقبوله شاهد على عُلو قدره في حضرة المليك حيث يغمر النفوسَ جلالُه، فتخشع له الأبصار، وتَعِقد الألسنةَ خشيتُه، ويُخيم الصمتُ الرهيب على الجميع، فالوجوه عانية، والألسنة تخافُتٌ والكلام بتحريك الشفاه همسٌ واستسرارٌ من هيبة الرحمن، فلا شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن وقَبِلَ له أن يقول، وكتب له القبول.
فجمع التضمين المعنيين: الرضا وما فيه من العذوبة مصرحا به،
стр. 355
والقبول مدلولاً عليه بسياقه الشافع له؛ فأوحى بالغرضين وأثرى المعنى وأغناه وجمع شَعَاعه وأبدى عن مَكنونه. ولو جاء بغير هذه اللام لما خرج عن معنى فذ والذي هو الرضا وحسب.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) (١).
ذهب الزمخشري وتبعه أبو حيان إلى أنْ تتهافت سائر الأنفس فيما تعرضت له أعز نفسٍ عند اللَّه من شدةٍ وهولٍ فضلا عن أن يضنُوا بأنفسهم على ما سمح بنفسه صلوات اللَّه وسلامه عليه.
وقال القرطبي: لا يرضون لأنفسهم بالخفض والركد ورسول اللَّه ﷺ في المشقة. يقال أرغبت عن كذا: أي ترفعت عنه؟ وذكر الجمل: أن الباء - بأنفسهم - للتعدية ويصح أن تكون للسببية أي بسبب صونها. ورغبت عنه أي أعرضت عنه. وذكر أبو السعود: في معنى (لا يرغبوا) أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا يصونوها عما لم يصن عنه نفسه. بل يكابدون معه من الأهوال والخطوب. جاء الكلام في معنى النهي لان كان على صورة الخبر.
وذكر أستاذنا سعيد الأفغاني: (يرغبوا) تضمن معنى (يبخلوا).
أقول: تأنيب خفي لكنه موجع يستنكر مبدأ التخلف عن رسول اللَّه ﷺ لمن يدعي صُحبته من الصفوة المختارة. فلا يحق لهم أن يُؤثروا أنفسهم عما يتحمله رسول اللَّه. ولا عذرَ لهم في أن يُشفقوا على أنفسهم عن مثل ما
следующие страницы →