← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذلك اليوم دينا وليس كذلك. ويكرر أبو حيان قول الزمخشري وابن عطية. ويقول القرطبي: أعلمتكم برضاي به لكم دينا وقيل: رضيت عنكم، ويحتمل رضيت إسلامكم دينا باقيا. أقول: تضمين (الرضا) معنى (التصيير والجعل) غير سديد يتجافى عنه السياق، فما معنى أن يصير الإسلام دينا، وماذا كان قبل تصييره؟ وتضمين (رضي) معنى (اختار) لا يستقيم لأنه لا يتعدى إلى مفعولين وعندها يصبح الدين فضلة ما دام حالاً، ولعل تضمين (رضي) معنى (وهب) أسوغ وآنس وأحكم فهو يتعدى لمفعولين، فالمنعم أتم عليهم نعمه حين وهب لهم الإسلام دينا، فهذه الهبة الربانية من تمام النعمة وكمالها، وهي رمز الرضا وعنوان المحبة، إذ كيف يهب لهم هذا الدين وهو غير راضٍ لهم إياه؟! وهل يخصني أحد بهبة غالية نفيسة إلا إذا كان في منتهى الرضا عني! جاء النص من أن هذا الدين الذي وهبه لهذه الأمة قد ارتضاه بعد أن أتمه وأكمله. ولم يدع السياق أمر الطاعة والاتباع مجملاً، بل نص على وجوب الحكم بما أنزل نصاً، وإلا فهو الكفر ... والظلم ... والفسق. وما كان تعدي (رضي) باللام إلا صرفا لوهم السامع عن أن يقف عند حدود الرضا وحسب، بل من وراء الرضا هذه الجوهرة السنية والمنحة الإلهية والهبة الربانية ... إنها الإسلام العظيم وإنها الدين القويم. فاللَّه العليم الحكيم اختار لفظ (رضيت) وعداه باللام ليضمّ إلى عبير الهبة وشذاها، نسيم الرضا وألطافه فتروعنا بهجته، ويؤنسنا بوجهه، فتكون هذه الهبة الفوّاحة (الإسلام) ما تتمثّل به نفوسهم دينا قِيمًا وعقيدة ترسو في تصورهم ومنهجاً

стр. 352

يتحكم في كل شؤون حياتهم الفردية والاجتماعية والدولية. يستحقون به رضا مولاهم. إنه التضمين ... على ضروب البيان ... لم يشتفِ بمثيل * * * قَالَ تَعَالَى: (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) (١). قال الطبري: لعملها الذي عملت في الدنيا من طاعة ربها راضية وقيل: لثواب سعيها في الآخرة راضية. وقال البيضاوي: اللام بمعنى الباء أي وجوه راضية بسعيها أي بعملها حين رأت ثوابه. وذهب أبو حيان: إلى أنها راضية بعملها في الدنيا بالطاعة. وأما الآلوسي فقد قال: اللام ليست للتعليل بل مثلها في رضيت بكذا أي بسعيها راضية أي اللام بمعنى الباء، وقيل: وفي الكلام مضاف مقدر أي (لثواب سعيها راضية) وجوز اللام للتعليل أي لأجل سعيها في طاعة القَه راضية، وذكر الزمخشري: رضيت بعملها لَمّا رأتْ ما أداهم من كرامة أقول: إنه رضا يفيض من الوجوه، وينبثق من النفس ويتشعب في حناياها، واطمئنان للقلب بهذا الشعور، شعور الرضا، ولا أروح للقلب من رضا المولى الكريم، وجوه ناعمة بما وجدت، حامدة بما عملت لأنها وجدت عقباه، وأحست بالراحة والطمأنينة لما قدمته. فـ (رضي) تضمن معنى

стр. 353

(ارتاح وسكن واطمأن) فتعدى باللام، والرضا يكون في المحابِّ كما يكون في المكاره، أما الراحة والسكن والطمأنينة فلا تكون إلا في المحاب. فاللام ليست بمعنى الباء وهل يغني حرف عن حرف في تأدية المعنى الذي اختصه اللَّه واختار له من الحروف ما يُثريه ويُغنيه؟. وليست اللام للتعليل، وليس في الكلام مضاف مُقدَّر. نعم جاءت اللام مع الرضا لتفيد فوق الرضا معنى الاطمئنان والراحة. لقد جمع التضمين معنى الرضا إلى الراحة والسكينة والطمأنينة، ولا يتأتى هذا الثراء مع صرف الحرف إلى سواه ولا مع دعوى زيادته، وهذا نهج مأمومٌ عند عارفيه، ونظائره كثيرة فاشية، وليس أروح لقلب المؤمن من أن يطمئن إلى مسعاه ويرضى عاقبته ويستمتع بشعور الرضا عن عمله والاطمئنان له حين يرى رضوان اللَّه عنه، قد أشرقت له نفسه. إنه التضمين ... ورُبَّ طرف أفصح من لسان. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) (٤) ذكر القرطبي: أن رضي له قولا: أي رضي قوله. فجعل اللام زائدة.

стр. 354

وقال أبو حيان: (له) معناه (لأجله) وكذا في (رضي له) أي (لأجله) ويكون (مَن) للمشفوع له، أو بدل من الشفاعة على حذف مضاف أي إلا شفاعة من أذن له. أو منصوب على الاستثناء على هذا التقدير أو استثناء منقطع فنصب على لغة الحجاز ورفع على لغة تميم. وذهب الزمخشري، والبيضاوي، والجمل، والآلوسي: إلى أن أذن له ورضي له: أي لأجله. أقول: والذي تطمئن إليه النفس هو أن (الرضا) تضمن معنى السمع ومعناه هنا القبول حين تعدى باللام. أما أن يكون الرضا لأجل قوله فما أراها منسجمة مع السياق. فاللَّه أذن له أن يشفع، ورضي له أن يقول، فالرضا حصل قبل أن يقول، وليس من أجل ما سوف يقول، فشفاعته هذه معلاة له، شاهدة بفضله، ورضوان اللَّه عنه، وقبوله شاهد على عُلو قدره في حضرة المليك حيث يغمر النفوسَ جلالُه، فتخشع له الأبصار، وتَعِقد الألسنةَ خشيتُه، ويُخيم الصمتُ الرهيب على الجميع، فالوجوه عانية، والألسنة تخافُتٌ والكلام بتحريك الشفاه همسٌ واستسرارٌ من هيبة الرحمن، فلا شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن وقَبِلَ له أن يقول، وكتب له القبول. فجمع التضمين المعنيين: الرضا وما فيه من العذوبة مصرحا به،

стр. 355

والقبول مدلولاً عليه بسياقه الشافع له؛ فأوحى بالغرضين وأثرى المعنى وأغناه وجمع شَعَاعه وأبدى عن مَكنونه. ولو جاء بغير هذه اللام لما خرج عن معنى فذ والذي هو الرضا وحسب. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) (١). ذهب الزمخشري وتبعه أبو حيان إلى أنْ تتهافت سائر الأنفس فيما تعرضت له أعز نفسٍ عند اللَّه من شدةٍ وهولٍ فضلا عن أن يضنُوا بأنفسهم على ما سمح بنفسه صلوات اللَّه وسلامه عليه. وقال القرطبي: لا يرضون لأنفسهم بالخفض والركد ورسول اللَّه ﷺ في المشقة. يقال أرغبت عن كذا: أي ترفعت عنه؟ وذكر الجمل: أن الباء - بأنفسهم - للتعدية ويصح أن تكون للسببية أي بسبب صونها. ورغبت عنه أي أعرضت عنه. وذكر أبو السعود: في معنى (لا يرغبوا) أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا يصونوها عما لم يصن عنه نفسه. بل يكابدون معه من الأهوال والخطوب. جاء الكلام في معنى النهي لان كان على صورة الخبر. وذكر أستاذنا سعيد الأفغاني: (يرغبوا) تضمن معنى (يبخلوا). أقول: تأنيب خفي لكنه موجع يستنكر مبدأ التخلف عن رسول اللَّه ﷺ لمن يدعي صُحبته من الصفوة المختارة. فلا يحق لهم أن يُؤثروا أنفسهم عما يتحمله رسول اللَّه. ولا عذرَ لهم في أن يُشفقوا على أنفسهم عن مثل ما

стр. 356

تعرضت له نفس رسول الله ﷺ في سبيل دعوته في الحر والبرد في الشدة والعسْر يواجه أعباء الدعوة ولأواءها. إنه النذير، وإنه النكير على مَن تخلف من أهل طيبة الطيبة ومَن حولها. السياق إذاً سياق استنكار على أهالي المدينة المنورة أن يؤثروا أنفسهم على رسول الله، وهم أصحاب هذه الدعوة وهم قاعدتها الصُلبة. أيشفقون على أنفسهم ورسول اللَّه يواجه تكاليف دعوة ربه؟! فالرغبة عن نفس نبيهم تضمنت الضنانة بأنفسهم عنه، ولذلك جاء التأنيب (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي لا يليق بهم أن يتخلفوا عن رسول الله ﷺ ولا يبخلوا بأنفسهم عنه. وهكذا يصير التضمين وسيلة كشفٍ عن خبايا النفوس، ليتفتح اللفظ عن رصيده حين يقع في السياق الذي يستدعيه فلا أزعج من أن يقال عن المتخلف: إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول الله ﷺ الذي تفتديه الأنفس. وهو يزعم أنه جندي من جنود الدعوة، وأنه يتأسى بقائده الحكيم. ويزعم أنه من جند ... طه ويرغب عن مرافقة الحبيب!! * * * قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (٢). قال الطبري: فإذا فرغت من أمر الدنيا فاجعل رغبتك له فجعل (إلى) بمعنى (اللام). وقال الزمخشري: اجعل رغبتك إليه خصوصا وعنه نقل الجمل. وقال البيضاوي: فارغب بالسؤال ولا تسأل غيره. أقول: حين يتعدى الفعل رغب بـ إلى يتضمن معنى الضراعة ففي حديث

стр. 357

الدعاء: " رغبة ورهبة إليك ". قال النمر بن تولب: - ومتى تُصبك خصاصةْ فارجُ الفتى ... وإلى الذي يعطي الرغائب فارغب وتقول: إليك الرغباء ومنك النعماء فكأنما تضمنت الرغبة هنا معنى التضرع والتوجه والانصراف. نعم الرغبة في هذا السياق حين تعدت بـ (إلى) تضمنت معنى التفرغ من شواغل الأرض للتجرد إلى اللَّه وحده، والتطلع إلى مستودع الزاد فينهل، ومورد الأنس فيعبّ ما وسعه من نَهَلِ وعَبّ. وفي تضرعه هذا بين يديه ونصَبه، يمسح كل عناء أصابه أو مشقة أثقلت كاهله، فيخف حِمله وُيرفع عنه إصْره، ويُسرَّى عنه، وينشرح صدره، ويطمئن قلبه. والرغبة أخيرا معناها هنا التوجه والتطلع إلى منابع التيسير كلما تعسرت مسيرة دعوته، وكاده الماكرون للانحراف بمنهجه، أو عرقلة خطاه، أو .... أو ... أرأيت إلى هذه الحروف كم لها من أسرار خفية! لقد كانت (إلى) هذه صلة العسر باليسر، والمشقة بالراحة، والفناء بالبقاء، والعدم بالوجود. إنه التضمين وهذا من جنى ثمراته. أما من جعل إلى بمعنى اللام أو الباء فليس بشيء ولا حظ له في إدراك المطلب وما أبعد الصواب عنه. * * *

стр. 358

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) (١). قال الطبري: راغبون في أن يُبدلنا من جنتينا خيراً منها أي تضمين إلى معنى في. وقال الرازي: طالبون منه الخير راجون لعفوه. وقال أبو حيان: أي طالبون إيصال الخير إلينا منه. وقال البيضاوي: عُدي بـ إلى لانتهاء الرغبة أو لتضمنه معنى الرجوع ومثله قال الآلوسي: أقول: ولعل تضمين (راغبون) معنى (راجعون) يشي بجفاف الدلالة ويُبوس ظلالها، فليس رجوعهم إلى اللَّه كأيِّ رجوع ولكنه عودة مصحوبة بتوبة وندم واستسلام. فلا أكرم من هذه (الرغبة) ما دام معها سُمو المطلب وتجديد العهد وتبييض الصفحة. فتضمين (راغبون) معنى (ضارعون ومبتهلون) أذهبُ بها في الدلالة على إسلام الوجه والنفس والقلب لله ، مع ضراعة وابتهال وتوسل. هذا التوجه إلى الله هو هداية الفطرة إلى بارئها، وهو ثمرة الإيمان وضمان سعادة الإنسان. إنه ميلاد تحرر الضمير من عبودية النظم والأشخاص والأساطير والأوهام. أما تضمينها معنى (راجون) كما قال الرازي فلا يتعدى بـ إلى وما كنا لنقف على هذه الفوارد لو جاءت الآية: إنا إلى ربنا راجعون أو طالبون. ويبقى التضمين من محاسن هذه اللغة الشريفة نُدلي إليه مُستسقين كلّما جفَّ الثرى وأجدبت أقوال الُمعربين. * * *

стр. 359

قَالَ تَعَالَى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (١). ذكر أبو حيان: عُدي الرفث بـ (إلى) وإن كان أصله الباء لتضمنه معنى (الإفضاء). وقد ذهب ابن جني وغيره كابن الشجري والزركشي إلى أنها في معنى الإفضاء. وأنت لا تقول رفثت إلى المرأة وإنما تقول: رفثت بها أو معها، ولكنه لما كان الرفث هنا بمعنى الإفضاء، وكنت تُعدي أفضيت بـ إلى، جئت بـ (إلى) مع الرفث إيذانا بأنه في معناه. أقول: الرفث: الإفحاش. وهو بالفرج: الجماع وباللسان: المواعدة للجماع، فتضمين الرفث وهو مقدمات المباشرة أو المباشرة ذاتها معنى الإفضاء والمتعدي بـ (إلى) يمنح العلاقة بين الزوجين لمسة إنسانية تترفع بها عن عالم الحيوان، لمسة حانية فيها من الرفق والنداوة والشفافية مثلما ما فيها من سمّو المشاعر. أما ما ذهب إليه ابن الجوزي: أن إلى بمعنى الباء فنُبُو عن فقاهة النظم وغضٌّ من نفاسته. وتحسُرُ (إلى) هذه عن مَسافر وجهها الجميل لتحكي ما اشتملت عليه المشاعر حين جمعت الرفث إلى الإفضاء فيما أحلّ اللَّه للزوجين في شهر الصيام، لتَنْأى بهما عن عُرام الجسد والحبيس في الرغبات المكبوتة في

стр. 360

اللحم والدم بعد أن تستتْبع خلفها معنى السِتْر يتدثر به كل من الزوجين (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ). ولتتصل بأُفق أرفع من الأرض، وبغاية أسمى من اللذة، تَرِقُّ وترقى إلى معارج عُليا للتربية والعطاء ... فيربط توجيه كل نشاط باللَّه (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ). ومن هنا ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم لترقية البشرية والاستعلاء بها، وقيمة المنهج الإسلامي للتربية حين يربط كل نشاط وكل حركة باللَّه . وحسب التضمين أنه جعل في لفظ الرفث نداوة يخضر بها ويرمي ظلاله، ولمسةً رفّافةً تنأى عن عُرام الجسد، تبتغي الإعفاف والإنجاب وتوقظ معنى الستر في هذا الحرف (إلى)، فجمع من صنوف البيان ما ذاع صيته على كل لسان. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ). قرأ عاصم وحمزة والكسائي درجاتٍ بالتنوين وقرأ الباقون درجاتِ بالإضافة. ففي قراءة الأوائل وقع رفع الدرجات، على (مَن) لا على الدرجات. والرفع عند الباقين واقع على الدرجات. ليس لنا أن نرد إحدى اللغتين بصاحبتها لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها، فالقرآن نزل بسبع لغات كلها كافٍ شافٍ كما قال صلوات اللَّه عليه. ذكر أبو حيان: درجات ظرف أو مفعول ثانٍ. ضمن نرفع معنى ما يتعدى

стр. 361

إلى اثنين أي نعطي من نشاء درجات، أما الصلة (على قومه) فعلقها الآلوسي بـ آتيناها لتضمنه معنى الغلبة. أقول: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) ألهمه اللَّه الحجة وأظهره على قومه، وبمقتضى حكمته منحه درجات عليَّة عَلَتْ بها حُجته وارتفع على قومه فكشف عن تفاهة تصورهم وزَيْف مُعتقدهم، وبمقتضى مشيئته خصَّه بهذه الدرجات من سائر خَلقه، إنه منطق المؤمن الواثق بربه، المدرك حقائق هذا الوجود، يجد اللَّه في نفسه وضميره، وخاطره، وفي الكون كله من حوله ... اللفظ يختلف معناه حسْب انتظامه في عبارته. أين معنى الرفع في قوله سبحانه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) من معناه في قوله: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) و (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ). جاء الرفع للدرجات حين تعدى لمفعول واحد فهو سبحانه يزيده منها ما يشاء أما في التعدية لمفعولين فقد جاء الرفع لإبراهيم لا للدرجات تأليقا لمكانته وظهورا على قومه، فهي جائزة سنيّة، ومنحة ربانية، لا تفتح الأعين من أحلامها بل تفتح الأرواح على أحلامها. جاء الرفع إذاً متعديا لمفعولين في قراءة عاصم وحمزة والكسائي ليُهيئ لإبراهيم ﵇ فرصة الظهور على قومه، وليخلع عليه مِنحة من فضل ربه، تظهر فيها مزيتة على قومه في الحجة التي ألهمه إياها فتعلو، ويدحض حجتهم فتهوي ويرتفع على قومه عقيدةً ومنزلة وحجة. فجمع التضمين المعنيين: المنحة والظهور ليكون أبلغ في إعجاز الآية الكريمة. ولو سألت: لم جاء التعبير ترفع بدل تمنح؟ أقول: وهل كل منح

стр. 362

يستلزم الظهور والرفع؟! إبراهيم ﵇ .. هذا النمط الفريد من البشر، صنع اللَّه به ما صنع من الخوارق حين آتاه الحجة، ليتعامل بمقضياتها مع قومه في وعي والتزام تأخذنا روعته .. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (١). قال السيوطي: عن بمعنى بعد وتساءل الزمخشري: فإن قلت فما محل (عن طبق)؟ قلت: صفة لـ طبق: طبقا مجاوزا عن طبق. أو حال من ضمير تركبن طبقا مجاوزين عن طبق. وقد ذهب الآلوسي: إلى أن المراد بالركوب الملاقاة أي لتلاقنَّ حالاً مجاوزة لحال أو كائنة بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، وقيل طبقات في الشدة بعد الموت من مواطن القيامة وأهوالها. وقيل: الطبق عشرون عاما، وروى القرطبي عن عكرمة: حالا بعد حال، وعن سعيد بن جبير: منزلة بعد منزلة. وعن الحسن: رُخاء بعد شدة، وغنى بعد فقر، وصحة بعد سقم. أقول: السياق يصور الحالة النفسية في ركوب الأطباق، وينسقها مع إيقاع المشاهد الكونية في الآفاق. فالشفق الخاشع فيه معنى الوداع. والليل الحالك وفيه معنى الرهبة والخشية والجلال. والقمر الساحر يبدد نوره سُدْفة الليل البهيم، فيه معنى البهجة والأمل العريض. لمحات كونية رائعة تخاطب القلب وتهز المشاعر مُلوحة بالقسم. ويأتي جواب القسم .... لَتركبن. وأي ركوب هذا؟! إنه التعبير عن

стр. 363

المعاناة وما يلاقيه المسافر من مشقة الأسفار، وما يكشفه ركوبه عن سهول وجبال وآكام. بل وما يكشفه ركوبه من مجاهل النفس عن منازلَ وأحوالٍ كلما ارتقت منزلة سعت لأعلى منها، وكلما كشفت حقيقة جهدت لتدرك غيرها. ومن أحوال القلب عن تقلبات ومجاهدات ومكاشفات: من رقة بعد شدة ومطاوعة بعد إباء، واتصال بعد انقطاع، وقرب بعد ابتعاد. ومن أحوال الكون عما يأتي به الليل من ظلمة بعد نور، والقمر عن اكتمال بعد نقصان، ومن طوارق الليل والنهار، وعند الختام ما يكشفه من مواطن القيامة عن حال بعد حال. الألفاظ في هذا الكتاب المعجز موحية وخلفها سر دفين، تُلمّح بالغرض ولا تصرح. فالتضمين جرى في (تركبن) ومراده (تكشفن) المتعدي بـ عن وجاء الركوب على طرف من الملامحة لأنه وسيلة من وسائل الكشف كما أسلفت. وفيه من اللمحات والسبحات ما يستجيش في القلب أقصى المشاعر تناغيه وتناجيه. فجلَّى التضمين وجه الحكمة في اختيار هذا الفعل ... يستضيء به المعنى ويبدي لنا عن مكنونه. جاء التضمين في ركوب الأطباق ليكشف صفحة عن هذه الكائنات تِلْوُ صفحة، وطوية عن عالم النفس إثْر طوية، ولو جاء التعبير: لتكشفن لخلا من معنى العَنَت والمشقة الموجودة في الركوب. ويبقى التضمين مصدر إثراء وعطاء في كتاب اللَّه الكريم، إن فزعت إليه حليت به وأنِقْت له. وإن تحاميته

стр. 364

نَزُر منه حظك وتخلفتْ عنه مرتبتك، فمرتقاه صعب، ومسلكه شاق، ومطلبه عسير. * وظهر الأرض من دونه وعْرُ * وبعدُ إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا) (١). قال أبو حيان: عُدِّي اركبوا ب (في) لتضمنه معنى: صيروا فيها أو ادخلوا فيها، وقيل: (في) زائدة للتوكيد أي اركبوها. وقيل: اركبوا الماء فيها. ثم نقل عن بعض المحققين قولهم: الركوب: العلو على شيء متحرك ويتعدى بنفسه، واستعماله هاهنا بفي ليس لأن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ظن، فإن أظهر الروايات أنه ﵇ ركب هو ومن معه في الأعلى، بل لرعاية جانب المحلية والمكانية في الفلك. وقد فرَّق الجمل وفقل فقال: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا) لغير الإنس وقال: (ارْكَبُوا فِيهَا) للإنس. واستعماله كلمة (في) ليس لأجل أن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ظُن فإن أظهر الروايات أنه جعل الوحوش ونظائرها في جوفها والأنعام في وسطها وركب ومَن معه في الأعلى، بل لرعاية جانب المحلية والمكانية في الفلك، والسر فيه أن معنى الركوب: العلو على شيء له حركة إرادية كالحيوان أو قسرية كالسفينة، ففي الأول: ركبت الفرس (وَالْخَيْلَ

стр. 365

وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) وفي الثاني: يلؤح بمحلية المفعول بكلمة (في) (رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ) و (رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) وقد نقل الآلوسي هذه الأقوال وأضاف: قيل التعدية بذلك لأنه ضمن معنى ادخلوا. أ. هـ. ونقل الرازي قول الحوفي: ولفظة (في) في قوله (اركبوا فيها) لا يجوز أن تكون صلة الركوب لأنه يقال: ركبت السفينة، لا في السفينة بل الوجه أن يقال: مفعول اركبوا محذوف والتقدير: اركبوا في السفينة وأيضا: يجوز أن يكون فائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال اركبوها لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهرها. أقول: هذا نوح ﵇ يقول للخِيَرة من قومه اركبوا فيها ... إنه التعبير عن الاستسلام للمشيئة الإلهية في الركوب والجريان والرسو ... فماذا يملك نوح في هذه اللُّجة الطاغية؟!. الموج كالجبال يطغى على الذرى والوديان ... إنه مشهد العاصفة المدمرة في الطبيعة الصامتة. الركوب هنا تضمن في سياق الآية معنى الحظ والمتعدي بـ في. فلْيحطوا فيها يتابعوه ولا يعصوه فيما أمر حيث لا عاصم ولا حامٍ ولا واقٍ من أمر اللَّه إلا من رحِم، فقد جمع التضمين الركوب مع المتابعة

стр. 366

والاستسلام، مع عدم العصيان فيما أمرهم به ﵇ فكان إلى الإيجاز أميل، وبه أعنى، وفيه أرغب. وهذا مما أهملته المعاجم أما ما قيل من زيادة (في) فمنسوب إلى سوء التأمل. وأما تضمين اركبوا معنى: صيروا أو ادخلوا أو انزلوا فمستكره. فترفق بهذه الحروف بالملاينة في التأويل والتلطف بحسن الصنعة لتنال منها مرامك وتأوي إلى سداد، وتؤول إلى ثقة. * * * قَالَ تَعَالَى (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) (١). جاء في كتاب الأفعال: ركض ركضا: مشى، وفي الأمر: فعله ماشيا أو جالسا، والأرضَ ضربها برجله، والدابةَ استحثها، والطائر والفرسَ: أسرعا والصواب ركض الفرس. والجوهري: الركض: تحريك الرجل ومنه (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ). وركضت الفرس برجلي استحثثته ليعدو. وقال الفراء: (إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) يهربون وينهزمون ويفرون. وقال الزجاج: يهربون من العذاب. وقال البروسوي: يهربون مسرعين راكضين دوابهم. ومثله البيضاوي فالفعل يتعدى بالباء وبفي ولا يتعدى بمن إلا على التضمين كما قال الفراء والزجاج أي يهربون وينهزمون منها وذكر الآلوسي: والركض كناية عن الهرب وجوّز أن يكون استعارة تبعية. أقول: (من) هذه هي التي آذنتنا بما تضمنه فعلها من معنى الهزيمة

стр. 367

والفرار حين تعدى بغير حرفه المعتاد وحملناه على حقيقته من غير دل إلى المجاز. إنها صورة حسية تشخص حالتهم النفسية، وقد أظلمت عليهم نفوسهم، ودُمِّرت عليهم ديارهم، فهم من بأس النازلة وهولها يضطربون كالفئران في المصيدة، حركات عشوائية بلا تفكير ولا شعور، يطلبون سبيل النجاة. فالركض على سعته وتناشره، اغترق جميع مداليله. إنها الهزيمة من باس الله وعذابه، وإنه الدمار يحل بالقرى الظالم أهلها، وحسبوا أن الركض ينجيهم من العذاب، والهرب والفرار يخلصهم من الدمار، وأنهم أسرع من إدراكه لهم، ولكنها الغفلة. ثم تلسعهم لذعة التهكم المرير: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ). وعندها يستحسرون .... يا ويلنا! إنا كنا ظالمين ..... ولات ساعة مَندم. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (٣). رجّح العكبري: (غير تخسير) الأقوى في المعنى أن يكون (غير) هنا استثناء في المعنى وهو مفعول ثانٍ لتزيدونني أي: فما تزيدونني إلا تخسيرا. ويضعف أن تكون صفة لمحذوف في تزيدونني شيئا غير تخسير وهو ضد المعنى. أما أبو السعود فقال: (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي) إذاً باستتباعكم إياي أي لا تفيدونني - إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى يزيدوه منه - غير تخسير أي تجعلونني خاسرا بإبطال أعمالي

стр. 368

وتعريضي لسخط اللَّه تعالى. وقد نقل الآلوسي عن ابن عطية قوله: المعنى فما تُعطونني فيما أقتضيه منكم من الإيمان غير تخسير لأنفسكم. وعن مجاهد ما تزدادون أنتم باحتجاجكم بعبادة آبائكم إلا خسارا. وأضاف الزيادة إلى نفسه لأنهم أعطوه ذلك وكان قد سألهم الإيمان. وقال الزمخشري: غير تخسير يعني: تخسرون أعمالي وتبطلونها أو غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران. أقول: أتدعونا أن نترك آلهة آبائنا إلى عبادة إله واحد؟ يا لخيبة الرجاء فيك يا صالح! ويجيبهم: ماذا يكون يا قوم إن قصرت في إبلاغكم دعوة ربي احتفاظا برجائكم فيَّ؟ إن مراعاته لرجائهم فيه، سيعطيه خسارة فوق خسارة، خسارة الوقوع في غضب اللَّه لتقصيره في تبليغهم دعوة ربه، وخسارة الحرمان من شرف الرسالة التي شرفه اللَّه بها. سيزيدونه إذاً خسارة الدنيا فوق خسارة الآخرة. وإنما غالب أمرهم، ومجموع غرضهم أن يكص عن دعوته إلى التوحيد. وعلى أسلوب من الملامحة لهذا الغرض جاء معنى الزيادة في خسارته، إذ ليس هو من الخسران في شيء حتى يزيدوه منه. إن الداعية إلى اللَّه يستعلي بإيمانه أمام قوى الجاهلية، يقف من أنظمتها وأجهزتها موقف المفاصلة، فلا مهادنة ولا ملاينة، فالتضمين جعل الفعل (زاد) والمتعدي لمفعول واحد متعديا لمفعولين وهو موحٍ جدا في هذا السياق لأنهم سيخسرون خسارتين: خسارة الدنيا فوق خسارة الآخرة. فمن غفل عن تضمين زاد، فقد بخسه حقه، وأبطل مزيته، وضيَّع خالصه ولُبّه. * * *

стр. 369

قَالَ تَعَالَى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (١). ذكر الزمخشري: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) كفرا مضموما إلى كفرهم. وتبعه الجمل فقال: ضمن الزيادة معنى الضم فلذلك عدي بـ (إلى)، وقيل: إلى بمعنى مع. ومثله قال الآلوسي: فزادتهم نفاقا مضموما إلى نفاقهم فالزيادة متضمنة معنى الضم ولذا عُديت بـ (إلى)، وقيل: إلى بمعنى مع ولا حاجة إليه. ونحوه قال البيضاوي: فزادتهم كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها. وزاد البروسوي: فزادتهم رجسا أي كفرا بها مضموما إلى الكفر وعقائد باطلة، وأخلاقا ذميمة، والفرق بين الرجس والكفر أن الأول يُستقذر طبعا والثاني يُستقذر عقلا. أقول: وأما الذين في قلوبهم رجس من النفاق فأضافت إلى رجسهم ونفاقهم رجسا جديدا وماتوا وهم كافرون. لعل تضمين (زاد) معنى (ضيف أو أضاف) والمتعدي بـ (إلى) أوْلى من تضمين إلى معنى مع أو تضمين الزيادة

стр. 370

معنى الضم، وأن إضافة رجس جديد إلى رجس قديم وإسناده إليه استحواذ للنفاق والمرض على قلوبهم وتحكمه فيهم لانطفاء نور الفطرة في أفئدتهم: * قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وهكذا يجمع التضمين إلى معنى الزيادة ضيافة يستضيف بها رجسا إلى رجسهم ليكون أجفى في الطبع وأذهب في القُبح وأفحش في النظر. والفرق بين اللفظين الزيادة والإضافة ملحظه دقيق فالزيادة ما زاد عن الحد، فالمؤمنون بلغوا حدا رفيعا من الإيمان فجاء نزول هذه الآيات مَعْلاةً لهم ليزيدهم حبا وكرامة ورفعة فهم يستبشرون. وأما المنافقون فلا حد لنفاقهم وأمراض قلوبهم فأضافهم نزول هذه الآيات إلى أمراضهم مرضا استجد فيهم لم يكن فيمن سبقهم وإلى نفاقهم نفاقا لا يكاد يُحاط به لِتَناشُره وانبثاثه. دل عليه السؤال المريب: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا) تفوح منه روائح عفنة من القلوب المريضة كشفها لنا علام الغيوب. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (٢). ذكر الزمخشري: ليزدادون عند نزول القرآن لحسدهم، تماديا في الجحد وكفرا بآيات الله. وجعل الجمل: (طغيانا) المفعول الثاني. وفسّرها الآلوسي بقوله: أي ليزيدنهم طغيانا على طغيانهم وكفرا على

стр. 371

كفرهم وقال: (كثيرا) مفعوله الأول و (طغيانا) مفعوله الثاني. وقال أبو حيان: إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر، ثم نقل عن مقاتل قوله: وليزيدن بني النضير ما أنزل من ربك من أمر الرجم والدماء طغيانا وكفرا. وقال ابن جني: ومدّ النهر ومددته، قال اللَّه : (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) وسرحت الماشية وسرحتها، وزاد الشيء وزدته، وخسف المكان وخسفه الله، ودلع لسانه ودلعته ..... فهذا كله شاذ على القياس وإن كان مضطردا في الاستعمال، إلا أن له عندي وجها لأجله جاز؛ وهو أن كل فاعل غير القديم سبحانه، فإنما الفعل منه شيء أعيره وأعطيه وأقدر عليه، فهو وإن كان فاعلا فإنه لما كان مُعانا مُقدرا صار كان فعله لغيره (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) إن الفعل لله وإن العبد مكتسبه لأنه قد كان فاعله في وقت فعله إياه إنما هو مُشاء إليه أو مُعان عليه. أقول: قل يا أهل ... النداء مقصود به مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هم عليه. إن إقامة التوراة والإنجيل مقتضاها الأول الدخول في الإسلام، واللَّه يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة ستزيدهم عنادا وطغيانا وكفرا ولكن لا بد من ذلك وما داموا معاندين ومصرين على الكفر فاللَّه يفضحهم: لستم على شيء ويخاطب رسوله ألا يأس عليهم لأنهم هلكى لا يُقيمون كتابهم - الإنجيل والتوراة - فالتضمين جعل الفعل (زاد) والمتعدي لمفعول واحد متعديا لمفعولين. وهذا من باب الحكمة في معاملة الطغاة، فالجزاء من جنس

стр. 372

العمل، وتوجيه منه لرسوله صلوات اللَّه عليه، وقطع الطريق على التفكير في الملاينة معهم إذ لا بد من الصدع بالحق، وقد جاءت كلمة الحق حاسمة: (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). فهذه الزيادة منه سبحانه تليق بطغيانهم، فهم يستحفونها عن كفاءة عالية، بل ويستوجبها إصرارهم على كفرهم. إنه التضمين وإنه نسيج وحده. على ضروب البيان .. لم يَشتف بمثيل * * * قَالَ تَعَالَى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) (١) ذكر الجمل: زوَّج يتعدى بنفسه إلى مفعولين وعدي للثاني بالباء لتضمنه معنى (قرناهم). وقال الآلوسي: ويعلم مما ذكر أن قول بعض الفقهاء (زوجته بها) خطأ لا وجه له. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: زوجناهم: أنكحناهم والمراد على ما قال أكثر من واحد: قرناهم. وقال أبو السعود: وزوجناهم: قرناهم بهن. ومثله قال البيضاوي ولذلك عدي بالباء. ووافقه البروسوي أيضا. ونقل عن صاحب المفردات قوله: ولم يجئ في القرآن زوجناهم حورا كما يقال: زوجته امرأة تنبيها أن ذلك لا يكون على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة، قيل: ثم لا يكون العقد في الجنة لأن فائدته: الحِل، والجنة ليست بدار كلفة من تحريم أو تحليل. وذكر الخليل: أن الباء للإقحام ومعناه زوجناهم حورا عينا. وقال

стр. 373

الجوهري في صحاحه: تقول العرب زوجته امرأة، وتزوجت امرأة وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة. قال: وقول اللَّه تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أي قرناهم بهن. وقال الفراء: تزوجت بامرأة لغة: في أزد شنوءة. أقول: لعل تضمين زوج معنى (أكرم ومتع) والمتعدي بالباء، أحلى جنى وأعذب، لأنه كالرمز والإيماء على المرتقى السامي فيُطلب والعزيز الخبيء فيُستخرج فالزواج في الجنة إمتاع وليس للمُكرَم إلا أن يترقى في منازل الإكرام ويعلو في مراتب المتعة حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع. فإمتاعه بحوراء بل بحور لا حَصَر لهن، حلقة في سلسلة صور التكريم في المشهد البهيج من النعيم المقيم. أما صرف الزواج للقِران والقرينة (فعولة بمعنى مفعولة) فمستوحش في مسالك الاستعمال يُعر معناه كُدرة لفظة، قال تعالى: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) وقال سبحانه: (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) وقال: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) وقال ﷻ : (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) وقال: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) وقال: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ). فهل نستسيغ ما قاله أكثر المفسرين من تضمين الزواج في الجنة معنى القِران! فالباء هذه صرفت معنى الزواج إذاً إلى الإمتاع، وهل كان الزواج في

стр. 374

جنة النعيم لغير المتعة، فصارت الباء كالمنبهة على تكريم أهل الجنة بالحور العين وليست مقحمة ولا زائدة ولا ... فجمع التضمين الحسنيين ودل على الغرضين فاشددْ يدك به ولا تَنْبُ عنه فالخيرُ في وجهه والفضل في سجاياه. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) (١). ذكر الزمخشري: تعدى السؤال إلى المفعول الثاني بـ (إلى) لتضمنه معنى الإضافة أما الآلوسي فقد قال: والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بـ (إلى) لتضمنه معنى الإضافة كأنه قيل: لقد ظلمك بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب، أو ظلمك بسؤال نعجتك مضافة إلى نعاجه. وقريبا منه قول ابن جزي: سؤال مصدر مضاف إلى المفعول وإنما تعدى بـ (إلى) لأنه تضمن معنى الضم والإضافة كأنه قال: بسؤال نعجتك مضافة أو مضمومة إلى نعاجه. أقول: إن تعدّي السؤال بـ (إلى) حملنا على تضمينه معنى (طلب) و (ابتعى) و (رغب) ولعل إلحاح صاحب التسع والتسعين نعجة على خليطه أن يكفل نعجته الوحيدة وذلك بضمها إلى نعاجه دليل بغيه وظلمه: (وَإِنَّ

стр. 375

كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أما إصدار الحكم من داود ﵇ في القضية بكون الخصم ظالما بمجرد دعواه ومن غير بينة وقبل أن يسمع منه، فدليل على استثارته وتعجله. ثم أحس ﵇ أنه سها عن طلب البينة وأنه تعجل، وأنه الابتلاء من اللَّه ... فاستغفر ربه وخرَّ راكعا وأناب. والتعقيب على القصة، يكشف عن طبيعة الفتنة، ويحدد المقصود من الابتلاء. (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) والهوى هو الانفعال وعدم التريث والتثبت والتبين. ولولا (إلى) والتي لا يتعدى بها فعل السؤال لما فهمنا معنى الضم والطلب والابتغاء والرغبة. ولو قال: لقد ظلمك بضم نعجتك لفسد المعنى لأنه لم يضمها ولا أضافها وإنما طلب إليه أن يضمها إليها: (أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) فتضمين السؤال معنى الطلب والابتغاء والرغبة - لقد ظلمك بابتغاء نعجتك إلى نعاجه - دل على شرف هذه اللغة بأن اللفظ لتناشره وانبثاثه غيرُ محصور في منظور ضيق لا يخرج عنه فهو من أي عِطفَيه التفت، يجد معنى فوق معناه. هو أوفق له وأملأ به، يعطي ... ثم يعطي عن ميزة وعلى بصيرة. * * *

стр. 376

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (١). ذكر الزمخشري وجوها منها: - الباء في (به) صلة سل كقوله: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) أو سأل به: اعتنى به. - أو صلة (خبيرا). فسل رجلا خبيرا به وبرحمته. أو فسل بسؤاله خبيرا. - أو تجعله حالا عن الهاء فسل عنه عالما بكل شيء. وفي الجمل: به متعلق بـ خبيرا وقدم عليه لرعاية الفاصلة القرآنية. وقال الملياني الأحمدي: خبر بالشيء: علمه بحقيقته وكنهه. وقال البطليوسي: إنما جاز استعمال الباء مكان عن بعد السؤال لأن السؤال عن الشيء إنما يكون عن عناية به واهتبال بأمره، فلمّا كان السؤال بمعنى العناية والاهتبال، عُدِّي بما يُعديان به. وأما قوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون فاسأل عنه العلماء ذوي الخبر من خلقه، والثاني: أن يريد فاسأل بسؤالك إياه خبيرا، أي إذا سألته فقد سألت خبيرا عالما، كما تقول: لقيت بزيد الأسد أي لقيت الأسد بلقائي إياه، فالمسؤول في هذا الوجه هو اللَّه ، والباء على وجهها، والمسؤول في الوجه الأول غير اللَّه تعالى، والباء بمعنى عن. والقول الثاني عندي أجود وإن كان الأول غير بعيد. أ. هـ.

стр. 377

وذكر السيوطي: فاسأل به: المجاوزة كعن أي عنه بدليل (يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ) وقيل: استدع به خبيرا ضمن (فاعتن أو اهتم به)، لأن السؤال عن الشيء اعتناء به. ومثله قال ابن هشام والأشموني والزركشي والمرادي وذكر البيضاوي والآلوسي: ويجوز تضمين (سأل) معنى (فتش) فعدي بـ (عَنْ)، ويجوز تضمين سأل معنى اعتنى فيتعدى بالباء، والباء عند البصريين للسبب، ولا يجوز أن تكون بمعنى عن. وقال ابن هشام: فيه بُعد لأن المجرور لا يقتضي أن يكون مسؤولا عنه. وقال الرازي: فاسأل به خبيرا و (به) يعود إلى خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش والباء صلة الخبير. أقول: ويبقى المعنى منوطا بما أومأ إليه السياق وعقد السائل عليه الغرض. فمع السيطرة والاستعلاء (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) الرحمة الشاملة (الرَّحْمَنُ). ومع الرحمة الدائمة الخبرة المطلقة (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) فاكتف به خبيرا لدى سؤالك عن أي أمر، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فالسائل إذا ظفر بخبير فليكتف به عن سؤال سواه. لأنه محيط بظواهر الأمور وبواطنها، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء اللَّه سبحانه. والعلاقة واضحة بين المضمن والمضمن فيه فالسائل إنما يكفيه الخبير، لأنه حين يسأل فإن لديه حاجة يسأل عمن يكفيه إياها، وهل يسأل إلا خبيراً (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا): فاكتفِ به خبيراً سبحانه. أو يكون الكلام من باب التجريد والباء ليست صلة ولكنها باء التجريد: سببية، والخبير هو اللَّه تعالى، فإذا سألته فقد سألت خبيراً عالماً.

стр. 378

أما جعل الباء بمعنى عن، أو تضمين السؤال معنى التفتيش أو الاعتناء المتعدي بالباء، أو (به) صلة (الخبير) قُدمت، أو تجعله حالاً عن الهاء أو ... أو ... فأرجو السلامة من التورّط فيه، إذ كيف أسال عن الخالق أحداً من المخلوقين مهما بلغ به العلم؟!. إنه التضمين بألفاظه الجَزلة البادنة، فهي حبالى تستكمل حملها ... حتى تلد على يد طبيب صناع. * وجُل المعاني بالولادة تظهرُ * * * * قَالَ تَعَالَى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)) . السؤال: استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إليها. وسأل يتعدى بنفسه قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا). ويتعدى بـ عن قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) ويتعدى بـ (إلى) وقد تعدى هنا بالباء فلا بد من حمل المعنى على التضمين، وتضمين الباء معنى (عن) قال به مجموعة من المفسرين ولا شيء وراءه. وذهب الزمخشري إلى تضمين (سأل) معنى (دعا) فعُدي تعديته، كأنه قيل: دعا داعٍ بعذاب واقع من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه ومنه قوله تعالى: (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ

стр. 379

آمِنِينَ). وعن قتادة: سأل سائل عن عذاب. على مَن ينزل وبمن يقع، وعلى هذا الوجه مُضمن معنى عني واهتم. ثم تساءل بم يتصل (للكافرين)؟ قلت: بعذاب أو بالفعل دعا أو بواقع. فإن قلت: من اللَّه بم يتصل؟ قلت: بواقع أو بدافع. وتبعه في ذلك أبو السعود. وزاد عليه أبو حيان بتضمين سأل سائل: بحث باحث. وضمن الآلوسي معنى الاهتمام والاعتناء. أقول: ألسؤال هو عن الحقيقة الكبرى والتي تتصدى السورة لإقرارها في النفوس، وهي من الحقائق العسيرة الإدراك عند المشركين، وقد لقيت منهم معارضة نفسية عميقة، وينكرونها أشد الإنكار. فالسائل يستعجل بوقوع العذاب، ومتى سيكون، وتقرر الآيات أنه قريب، وأن أحدا لا يملك دفْعه أو منْعه فالسؤال عنه من تعاسة السائل المستعجل. وأرى تضمين السؤال معنى (النَجَز والاستعجال) فهو أسيق من دعا كما ذكر الزمخشري ونقله عنه كثير من المفسرين، لأن السؤال إذا كان بمعنى الدعاء والطلب والمتعدي بالباء - قَالَ تَعَالَى: (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ) فلا فاندة هنا من الترادف ... فالكفار من باب التهكم والاستهزاء، يتحدون رسول اللَّه ﷺ ويستنجزونه وعده بوقوع العذاب واستعجاله استنجز مستنجز بعذاب واقع، فحقيقة الآخرة تلقوها بدهش، وأنكروها بعنف، والعذاب واقع بهم لا محالة، لأنه حاصل بتقدير اللَّه ، وأن أحدا لا يمكنه دفعه. ْفالقرآن يواجه المستعجل بوقوع العذاب بسياط لاذعة تفتح الأعين على

стр. 380

الخطر الداهم القريب، ولولا الباء لانصرف السؤال إلى حقيقته وهو الاستفتاء وطلب المعرفة، ولخفي عنا غرض السائل المستنجز، فقد ضم إلى السؤال طلب العذاب واستعجاله برفع العقيرة تهكما وسخرية. والتضمين تعريض بالمعنى وتلويح به وهو أحلى من التصريح وأدمث. أما من قال بتضمين الباء معنى عن فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه، ومن قال بزيادتها، فالبيان المعجز غني عن زيادتها، وإنما تنكشف البراعة عند معرفة وجه التأويل لهذه الحروف بمعونة المقام ودلالة القرائن، وأنها جاءت لتُكسب المعنى غِنى وفُشُوا، ورفعة وسموا. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (١). ذكر الجمل: اللام بمعنى على وإنَّمَا عبر بها للمشاكلة، قال أبو البقاء: وهو الصحيح لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله حسنة وسيئة، أو بمعنى على واللام للمشاكلة مثل: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) و (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ). وهذه اللام تتعلق بمحذوف على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءة لا لغيرها كما أشار إليه المصنف. وقال الآلوسي: فلها أي فالإساءة عليها لما يترتب على ذلك من العقاب، فاللام بمعنى على كلما في قوله: * فخرَّ صريعا لليدين وللفم * وعبر بها لمشاكلة ما قبلها. وقال الطبري: هي بمعنى إلى، فإساءتها راجعة إليها. وقيل: إنها للاستحقاق كما في قوله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

стр. 381

وعند الزمخشري: أنها للاختصاص، وتعقب بأنه مخالف لما في الآثار من تعدي ضرر الإساءة إلى غير المذنب. وقيل: للنفع كالأولى لكن على سبيل التهكم. أقول: أحسن وأساء يتعديان بـ (إلى) فإن تعديا بغيرها يَحسُن حملهما على التضمين. قَالَ تَعَالَى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ). وفي الحديث: " يا ربِّ أُسيءَ إليَّ ". فإذا تعدى (أساء) باللام فقد تضمن معنى (جَرَم). فمن جرم فلنفسه من السيئات يرتد قَسْمه وجَرْمه وكَسْبه، ويُحمِّل نفسه ما لا تُطيق مما يُثقلها ويتدافع بها. وإذا تعدى أحسن باللام تضمن معنى (جاد) جدت له بالمال جوداً ورجل مجواد. وفي الحديث: " تجودتها لك " أي تخيرت أجودها. وإذا تعدى أساء بـ (في) تضمن معنى (نكى). وفي الحديث: " أعوذ باللَّه أن أسوءك في عائشة ". وإذا تعدى بالباء تضمن معنى (تأذى) ففي التنزيل: (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا). وهكذا يستضيء كل سياق بحرفه في استشفات معناه على طرف من المُلامحة، وتبقى الحال موكولة إلى ملاطفة التاؤل وسَعَة النظر. والانتفاع بها ليس إلى غاية، ولا وراءها من نهاية. والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من سياق اللفظ تبيانا * * *

стр. 382

قَالَ تَعَالَى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (١). قال الموزعي: واختلف أهل العلم في الباء فقيل: للمصاحبة وقيل: للاستعانة. وتساءل السهيلي: ما فائدة دخول الباء في: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ). ولم تدخل في: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى). وأجاب: التسبيح قسمان: أحدهما: أن يُراد به التنزيه والذكر. والثاني: يُراد به الصلاة. وهي ذكر مع عمل، فإذا أردت التسبيح المجرد فلا معنى للباء لأنه لا يتعدى بحرف جر فلا تقول: سبحت بالله، وإذا أردت المتضمن لمعنى الصلاة أدخلت الباء فتقول: سبح باسم ربك وصل باسم ربك أي مفتتحا باسمه. وكذلك دخلت اللام في قوله: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ). لأنه أراد السجود والطاعة (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). أما أبو حيان فقال في معناها: أي ملتبسا بحمده على هذه النعم التي خوَّلكها مِن نصرك على الأعداء وفتْحِك البلاد وإسلام الناس. وذهب ابن هشام ومن معه كابن عقيل والزركشي: إلى أن الباء للمصاحبة والحمد مضاف إلى المفعول أي فسبحْه حامدا له: نَزّهْهُ عما لا يليق به، وأثبتْ له ما يليق به. وقيل: الباء للاستعانة والحمد مضاف إلى الفاعل: أي سبِّحه بما حِمد به نفسه، إذاً ليس كل تنزيه بمحمود، ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات؟.

стр. 383

أقول: لكن تضمين التسبيح معنى الصلاة كما قال السهيلي، اضطره إلى الحذف والتأويل حين قال ملتبسا بحمده. فالتسبيح ليس محصورا في الصلاة والذكر بل يأتي بمعنى التوبة والإنابة والبراءة ويأتي بمعنى الحمد والشكر والثناء و .... التسبيح تظليل الصورة بتنزيهه عن الشريك والشبيه والمثيل، يُلقي ظله على النعم وأصناف المحامد، ليرق القلب فيلهج بحمده العميم الواسع ويستغفره من كل تقصير بحقه. فذِكْر الاستغفار إذاً لما يقع فيه الإنسان من تقصير وغفلة عن الاتصال بالملأ الأعلى لإدراك أسرار هذا الوجود وخالق الوجود، تحجبه طينته الأرضية عن جلال الخالق فيغفل عن تسبيحه وحمده، والتسبيح بمعنى البراءة (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) فالمسبح يتبرأ من حوله وقوته وعلمه وتدبيره إلى حول اللَّه وقوته وقدرته، وكل شيء بيده. والتسبيح بمعنى التوبة (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ). و (مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ) فالتسبيح هنا: السرعة في الانقياد، والخفة في الطاعة. والتسبيح بحمده يتضمن صورا عديدة: أن يكون اللسان لَهِجا بذكره، غَرِيًّا بالثناء عليه، والقلبُ وَلُوعا بحمده، حَفِلا بمرضاته، مشغوفا بشكره، والفؤادَ مشغولا بتنزيهه. كل هذه الصور (أغرِ، والهج، واحفل، واشغَف بحمده) عرائس

стр. 384

تسبيحٍ من وراء التضمين تصرح بغرضه. وكثير يضعف عن احتماله لِخفائه ولطفه. رُبَّ طَرف مصرح ... عن ضميرٍ بما هَجَس * * * قَالَ تَعَالَى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) قال الزمخشري ومثله الرازي والجمل: تسابقا إلى الباب، على حذف الجار وإيصال الفعل كقوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) أو على تضمين استقبا معنى ابتدرا. وقال أبو حيان: وأصل (استبق) أن يتعدى بـ (إلى) فحذفت اتساعا. أقول: لعل تضمين استبقا الباب معنى (قصداه ويمماه) والمتعدي بنفسه. يجمع المعنيين: التسابق مع اليمِّ والقصد. ويبقى للتضمين مزية الكشف عن رصيد المعنى، فقَصْدُه البَاب مسرعا ليسبقها إنما كان لخروجه فائزا بنفسه. وتيممها الباب تسُابقه لإحكام إغلاقه، والفوزِ بحاجتها منه. صاحب الحاجة أعمى ... لا يرى إلا قضاها ولو قلنا بالحذف والإيصال لأجدب المعنى وجفَّ ماءُ بشاشته، فما كلُّ

стр. 385

حذفِ يشفع بشرح أحواله المحيطة به، فنضطر في معرفته أن نلجأ إلى سياقه، والسياق هدانا بمعونة المقام ودلالة القرائن إلى قصدهما من وراء الاستباق: فقصده لينجوَ ... شهد ببراءته أهلها حين قال العزيز: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) وقصدها لتظفر بمطلوبها فقدَّت قميصَه من دُبُر لترده عن الباب وتظفرَ بحاجتها. وهاهي تدرأ شناعة السقوط عن نفسها حين تلصق به ظاهر معزتها فتسأل زوجها العزيز (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا). وخشيت من عاقبة السؤال أن يؤدي إلى غير ما اعتزمته ونقضِ ما رامته، فقالت: (إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) خوفاً عليه أن يبطش العزيز به، هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول. أما ما ذكره الزمخشري وغيره من الحذف والإيصال فلا يكشف عن غرضه، فما كل زهرِ يُنْبِتُ الروضَ طيبُ. * * * قَالَ تَعَالَى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) (٤). قال الزمخشري: استبقوا إليها غيركم. وقال أبو السعود: تسابقوا إليها بنزع الجار. وقال الجمل: بادروا إلى الطاعات. والخيرات منصوب بنزع الخافض.

стр. 386

اقول: يصرف الله المسلمين عن الانشغال بما يبثه أهل الكتاب من دسائس وأقاويل، يأمرهم بالعمل ويصرفهم عن الجدل. إنه الجِدّ ... تصغُر إلى جواره الأقاويل والأباطيل، والمراد من السباق المسارعة والعجلة، وهو غايته وثمرته، علَّه يفوز بجائزة المليك (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) فتضمن (الاستباق) معنى (الابتدار) فعُدي تعديته: في الحديث: " فابتدرت أنا وعائشةُ الكوزةَ فبدرتُها ". وفي الحديث: " فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ". وفي الحديث: " رأيت بضعة وثلاثبن ملكا ببتدرونها ". وقال الأعشى: وبدرت القول أن حييتها ... ثم أنشأت أُفدي وأُهن يتبادرون فناءَه ... قبل الشروق وبالأصائل وبهذا فاز التضمين بفضل المعنيين جميعا الاستباق مع الابتدار. والتضمين في كلام العرب فاش فُشوا في غاية الانتشار فهي تُعنى بألفاظها وتراعيها وتهذبُها لتُصيبَ منها أغراضَها. والمراد بالخيرات عمومها وصنوفها دون تخصيص، ولم ترتبط بمكان - أينما تكونوا - وارتبطت بالآخرة بعيدة عن المصالح الدنيوية والمآرب الذاتية - يأتِ بكم الله جميعا - فالسرعة السرعة ... والبِدار البِدار ما دمتَ في هذه

стр. 387

الدار، والآن الآن قبل أن لا يكون آن. كل خير زهرة، وكل زهرة ابتسامة، ترمي ظلالها المتلألئة وخلفها سِر دفين. فهل نجنح إلى ما ذهب إليه القائلون بنزع الخافض وهو جنوح عارٍ عن أي فائدة بيانية؟ أم نتحرى الكيس في الإجابة عن نزعها؟ فنضمن الفعل فعلا خالِفا له في وجوده، يحتفِل له ويُفيض فيه إشعاعا كأنه رعشات بيان من نور المادة اللغوية تجعل اللفظ ماءً سائغاً، يُثري معناه، ونفزع إليه عند غيابه لتحصيل الغرض الذي أريد منه، وجيء به من أجله. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) (١). قال الزمخشري: لا يخلو أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل. والأصل فاسبتقوا إلى الصراط، أو يضمن معنى ابتدروا، أو يُجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، أو ينتصب على الظرف. وذكر أبو حيان ونقله الآلوسي: ذهب ابن الطرواة إلى أن الصراط من الظروف المكانية فيجوز انتصابها على الظرفية بخلاف ما صرح بها سيبويه إذ جعل انتصابها على الظرفية من الشذوذ وأنشد: - لدن بهزِّ الكفِّ يعسلُ متنه ... فيه كما عسل الطريقَ الثعلبُ أي في الطريق وقرأ الجمهور: [(فَاسْتَبَقُوا)] فعلا ماضيا معطوفا على طمسنا أو مفعولا به على تضمين استبقوا معنى بادروا

стр. 388

أقول: نخلص من خلال ما مر إلى تصورٍ لمشهد فيه سخرية من المكذبين الذين قالوا للمؤمنين: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). فهم الآن مطموسة أعينهم يقتحمون الصراط، يهجمون الصراط، يتزاحمون عليه يتخبطون كالعميان، يتساقطون (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) أوليس التقحم هو الوقوع في أُهْوية من غير روية؟! تضمن استبق إذاً معنى (اقتحم) وهو يتعدى بنفسه ويصور مشهد المكذبين أحسن تصوير فلا داعي إلى الحذف والإيصال ولا إلى الإسقاط ولا إلى نصب الصراط على الظرفية. مشهد فيه من البلاء قَدْرَ ما فيه من السخرية والاستهزاء. سخرية بالمكذبين، واستهزاء بالمستهزئين حين قالوا: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فهم عميان ومع العمى يستبقون الصراط، يقتحمونه يتزاحمون على العبور، يتخبطون ويتساقطون حين يسارعون متنافسين فأنى يبصرون؟ إنهم في هذا المشهد في حال تثير السخرية والهزء، وطالما يصرفنا التضمين عن كثير من. التعقيد في العبارة والحذف والتأويل والتقديم والتأخير، فإذا نحن مع سهولة العبارة، وسلامة التركيب، ومع لطف المأخذ وجودة الصنعة لا حاجة إلى المجاز ما دام مفهومه مستقلا بنفسه. ثم إن التقحم والهجوم أعون على رسم المشهد لهؤلاء المطموسة أعينهم، مشهد فيه من السخرية لهؤلاء المستهزئين ما فيه، فهم مع العمى يتقحمون ويتساقطون عند الصراط في المعبر في جهنم. فإن شدَوتَ من طريف هذه اللغة التي لا يكاد يحاط بها، فبالملاطفة والإكثاب من غير إكراه ولا إغصاب. * * *

стр. 389

قَالَ تَعَالَى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١). السبق لغة: الفوات. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبَ ... أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) قال الطبري: وما نحن بمسبوقين أيها الناس في أنفسكم وآجالكم، فمُفتات علينا فيها في الأمر الذي قدرناه لها من حياة أو موت، لا يتقدم ما أجلناه ولا يتأخر، فجعل (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) جملة معترضة. أ. هـ. وقال العز: ويأتي متعديا بـ (على) فيحمل على التضمين: وما نحن بمغلوبين، ولا يقال: سبق على كذا إلا مضمنا. وضمنه القرطبي وابن جزي والشوكاني: مغلوبين. وضمنه الجلالين: عاجزين وجعل (على) بمعنى (عن) لأن فعل عجز يتعدى بـ (عَنْ) فنضطر إلى تضمين الحروف أيضا وجوز الجمل: تعليق (على أن نبدل) بمسبوقين أو بـ قدرنا. وضمنه البروسوي: (قادرين) لا يغلبنا أحد على أن نذهبكم ونأتي بأشباهكم. أقول: أمر الخلق وأمر الموت واضح لا تعقيد فيه، وهو أضخم الحقائق الكونية يخاطب الفطرة. نحن قدرنا الموت لا يفلت منه أحد، وهو حلقة في سلسلة النشأة المتكاملة، وتقديرنا مبني على تبديل وتجديد في الأجيال لعمارة الأرض والخلافة فيها حتى تنتهي النشأة الأولى (الدنيا) وتبدأ

стр. 390

النشأة الآخرة وترسو السفينة في مقرها الأخير. وتأتي الجملة المعترضة كما أشار الطبري - وما نحن بمسبوقين - فلا نسبق في أمر الإماتة (قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) وأمر التبديل (نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) وأمر النشأة الآخرة (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) ولا يفلت من تقديرنا هذا أحد ولا يفوت تدبيرنا أحد. أمر النشأة الأولى والخلق والموت مألوف (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) إنها معجزة لا يدري البشر كنهها، فالخلية الأولى (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) تصير خلقا لا يصدقها العقل لولا أنهم يشهدون وقوعها (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) هذه الخلية تنقسم إلى ملايين ... وكل مجموعة تُنشئ جانبا من المخلوق: العظام، العضلات، الأعصاب، الغدد ... وتتخصص كل طائفة منها بعمل لا تُخطئه ليكون الإنسان في أحسن تقويم تحت عين الخالق. اللَّه قدّر الموت كما قدر الحياة فإذا انتهى الأجل المضروب لهذه الحياة الدنيا جاءت النشأة الأخرى والتي لا يدري البشر عن عالمها المجهول شيئا (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ). نعم قدرنا الموت وما نحن بمسبوقين. وحين علقنا الصلة (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) أي على تبديل أمثالكم بمسبوقين يكون توجيه المعنى بتضمين مسبوقين معنى (مُكدين) والمتعدي بـ (على) أي وما نحن بمُكدين على تبديل أمثالكم. نعم ... فما نحن بممتنع
следующие страницы →