Полный текст (668 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
اقول: يصرف الله المسلمين عن الانشغال بما يبثه أهل الكتاب من دسائس وأقاويل، يأمرهم بالعمل ويصرفهم عن الجدل. إنه الجِدّ ... تصغُر إلى جواره الأقاويل والأباطيل، والمراد من السباق المسارعة والعجلة، وهو غايته وثمرته، علَّه يفوز بجائزة المليك (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) فتضمن (الاستباق) معنى (الابتدار) فعُدي تعديته: في الحديث: " فابتدرت أنا وعائشةُ الكوزةَ فبدرتُها ". وفي الحديث: " فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ". وفي الحديث: " رأيت بضعة وثلاثبن ملكا ببتدرونها ".
وقال الأعشى:
وبدرت القول أن حييتها ... ثم أنشأت أُفدي وأُهن
يتبادرون فناءَه ... قبل الشروق وبالأصائل
وبهذا فاز التضمين بفضل المعنيين جميعا الاستباق مع الابتدار.
والتضمين في كلام العرب فاش فُشوا في غاية الانتشار فهي تُعنى بألفاظها وتراعيها وتهذبُها لتُصيبَ منها أغراضَها.
والمراد بالخيرات عمومها وصنوفها دون تخصيص، ولم ترتبط بمكان - أينما تكونوا - وارتبطت بالآخرة بعيدة عن المصالح الدنيوية والمآرب الذاتية - يأتِ بكم الله جميعا - فالسرعة السرعة ... والبِدار البِدار ما دمتَ في هذه
стр. 387
الدار، والآن الآن قبل أن لا يكون آن. كل خير زهرة، وكل زهرة ابتسامة، ترمي ظلالها المتلألئة وخلفها سِر دفين.
فهل نجنح إلى ما ذهب إليه القائلون بنزع الخافض وهو جنوح عارٍ عن أي فائدة بيانية؟ أم نتحرى الكيس في الإجابة عن نزعها؟ فنضمن الفعل فعلا خالِفا له في وجوده، يحتفِل له ويُفيض فيه إشعاعا كأنه رعشات بيان من نور المادة اللغوية تجعل اللفظ ماءً سائغاً، يُثري معناه، ونفزع إليه عند غيابه لتحصيل الغرض الذي أريد منه، وجيء به من أجله.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) (١).
قال الزمخشري: لا يخلو أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل.
والأصل فاسبتقوا إلى الصراط، أو يضمن معنى ابتدروا، أو يُجعل الصراط مسبوقاً لا مسبوقاً إليه، أو ينتصب على الظرف. وذكر أبو حيان ونقله الآلوسي: ذهب ابن الطرواة إلى أن الصراط من الظروف المكانية فيجوز انتصابها على الظرفية بخلاف ما صرح بها سيبويه إذ جعل انتصابها على
الظرفية من الشذوذ وأنشد: -
لدن بهزِّ الكفِّ يعسلُ متنه ... فيه كما عسل الطريقَ الثعلبُ
أي في الطريق وقرأ الجمهور: [(فَاسْتَبَقُوا)] فعلا ماضيا معطوفا على طمسنا أو مفعولا به على تضمين استبقوا معنى بادروا
стр. 388
أقول: نخلص من خلال ما مر إلى تصورٍ لمشهد فيه سخرية من المكذبين الذين قالوا للمؤمنين: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
فهم الآن مطموسة أعينهم يقتحمون الصراط، يهجمون الصراط، يتزاحمون عليه يتخبطون كالعميان، يتساقطون (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) أوليس التقحم هو الوقوع في أُهْوية من غير روية؟! تضمن استبق إذاً معنى (اقتحم) وهو يتعدى بنفسه ويصور مشهد المكذبين أحسن تصوير فلا داعي إلى الحذف والإيصال ولا إلى الإسقاط ولا إلى نصب الصراط على الظرفية. مشهد فيه من البلاء قَدْرَ ما فيه من السخرية والاستهزاء. سخرية بالمكذبين، واستهزاء بالمستهزئين حين قالوا: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فهم عميان ومع العمى يستبقون الصراط، يقتحمونه يتزاحمون على العبور، يتخبطون ويتساقطون حين يسارعون متنافسين فأنى يبصرون؟ إنهم في هذا المشهد في حال تثير السخرية والهزء، وطالما يصرفنا التضمين عن كثير من. التعقيد في العبارة والحذف والتأويل والتقديم والتأخير، فإذا نحن مع سهولة العبارة، وسلامة التركيب، ومع لطف المأخذ وجودة الصنعة لا حاجة إلى المجاز ما دام مفهومه مستقلا بنفسه. ثم إن التقحم والهجوم أعون على رسم المشهد لهؤلاء المطموسة أعينهم، مشهد فيه من السخرية لهؤلاء المستهزئين ما فيه، فهم مع العمى يتقحمون ويتساقطون عند الصراط في المعبر في جهنم. فإن شدَوتَ من طريف هذه اللغة التي لا يكاد يحاط بها، فبالملاطفة والإكثاب من غير إكراه ولا إغصاب.
* * *
стр. 389
قَالَ تَعَالَى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١).
السبق لغة: الفوات. قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبَ ... أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) قال الطبري: وما نحن بمسبوقين أيها الناس في أنفسكم وآجالكم، فمُفتات علينا فيها في الأمر الذي قدرناه لها من حياة أو موت، لا يتقدم ما أجلناه ولا يتأخر، فجعل (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) جملة معترضة. أ. هـ.
وقال العز: ويأتي متعديا بـ (على) فيحمل على التضمين: وما نحن بمغلوبين، ولا يقال: سبق على كذا إلا مضمنا.
وضمنه القرطبي وابن جزي والشوكاني: مغلوبين.
وضمنه الجلالين: عاجزين وجعل (على) بمعنى (عن) لأن فعل عجز يتعدى بـ (عَنْ) فنضطر إلى تضمين الحروف أيضا وجوز الجمل: تعليق (على أن نبدل) بمسبوقين أو بـ قدرنا. وضمنه البروسوي: (قادرين) لا يغلبنا أحد على أن نذهبكم ونأتي بأشباهكم.
أقول: أمر الخلق وأمر الموت واضح لا تعقيد فيه، وهو أضخم الحقائق الكونية يخاطب الفطرة. نحن قدرنا الموت لا يفلت منه أحد، وهو حلقة في سلسلة النشأة المتكاملة، وتقديرنا مبني على تبديل وتجديد في الأجيال لعمارة الأرض والخلافة فيها حتى تنتهي النشأة الأولى (الدنيا) وتبدأ
стр. 390
النشأة الآخرة وترسو السفينة في مقرها الأخير. وتأتي الجملة المعترضة كما أشار الطبري - وما نحن بمسبوقين - فلا نسبق في أمر الإماتة (قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) وأمر التبديل (نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) وأمر النشأة الآخرة (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) ولا يفلت من تقديرنا هذا أحد ولا يفوت تدبيرنا أحد.
أمر النشأة الأولى والخلق والموت مألوف (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) إنها معجزة لا يدري البشر كنهها، فالخلية الأولى (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) تصير خلقا لا يصدقها العقل لولا أنهم يشهدون وقوعها (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) هذه الخلية تنقسم إلى ملايين ... وكل مجموعة تُنشئ جانبا من المخلوق: العظام، العضلات، الأعصاب، الغدد ... وتتخصص كل طائفة منها بعمل لا تُخطئه ليكون الإنسان في أحسن تقويم تحت عين الخالق.
اللَّه قدّر الموت كما قدر الحياة فإذا انتهى الأجل المضروب لهذه الحياة الدنيا جاءت النشأة الأخرى والتي لا يدري البشر عن عالمها المجهول شيئا (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ).
نعم قدرنا الموت وما نحن بمسبوقين.
وحين علقنا الصلة (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) أي على تبديل أمثالكم بمسبوقين يكون توجيه المعنى بتضمين مسبوقين معنى (مُكدين) والمتعدي بـ (على) أي وما نحن بمُكدين على تبديل أمثالكم. نعم ... فما نحن بممتنع
стр. 391
علينا أمر التقدير والتدبير في النشأة والإعادة، ومعلوم أنه سبحانه لا يفعل شيئا إلا ووجه الحكمة قائم فيه، وإن خفيت عنا أغراضه ومعانيه. والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه أي: بين (نفي السبق والإكداء) هي: نفي المُعوقات ودَحض مَعرتها ويغنينا التضمين عن الحذف والتقدير والتأويل وتعاور الحروف وتناوبها، لأنه ألطف في الأذهان، وأسرع للخواطر، وأجمع لوجوه البيان.
والثناءُ عليك قليلُ ... والكثير فيك يقل
أما تضمين (مسبوقين) معنى (عاجزين) أو (مغلوبين) فصورة فجَّة غير لائقة بجلال اللَّه ووقاره.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (١).
سبق يتعدى بـ (إلى) جاء في أساس البلاغة أن تعدية الفعل باللام تفيد المجاز أي لهم فيها سابقة. ذكر الزمخشري: لها سابقون: أي فاعلون السَّبْق لأجلها أو إياها سابقون أي ينالونها قبل الآخرة حيث عُجلت لهم الدنيا. ومعنى (وهم لها) كمعنى:
* أنت لها أحمد من بين البشر *
وقال الجمل: نقلا عن السمين: اللام بمعنى إلى. يقال: سبقت له وإليه، وقُدم للفاصلة والاختصاص. وقيل: اللام للتعليل وتكون الجملة مؤكدة
стр. 392
لما قبلها فتفيد الثبوت بعدما دلت الأولى على التجدد.
وفي أبي السعود: اللام لتقوية العامل، والمعنى يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، وهم لأجلها فاعلون السبق.
وذكر الآلوسي: وهو إما مُنزل منزلة اللازم أي فاعلون السبق، أو مفعوله محذوف أي سابقون الناس. وجوز ألا يكون المراد بالخيرات: الطاعات. واللام للتعليل وهو متعلق بما بعده. والمعنى يرغبون في الطاعات وهم لأجلها سابقون الناس إلى الثواب أو الجنة.
أقول: ومن المعاني لفعل (سبق) قولهم: لفلان سابقة في هذا الأمر.
فهؤلاء لهم سوابق في الخيرات، ولهم فيها أيادٍ سلفت فهي (الخيرات والمبرات) ليست جديدة عليهم فهم يمارسونها من قديم.
ومن معاني سبق إذا وقفنا عند (هم لها): أنهم جديرون بالسبق في الخير بما لا حصر لصنوفه، وأنهم أهل له، ولهم فيه قدم راسخة. ويبقى لموقعية الحرف الدلالةُ على غرضه الذي أومأ إليه، وما اختير في سياقه إلا لغرض يُؤديه في مائه ورُوائه، فكِلِ الحالَ إلى مُلاطفة التأوّل، ولا تضع الأغلال في عنق اللام لتحصرها بالتعليل أو التقوية أو بمعنى إلى أو ... بل أطلق يدها مع (السابقين) في تنوع دلالاتها متوجهةً في كل تصور ترتاح لهذا التسابق نفوسُهم، فلها هوى فيه وانعطاف نحوه، لتنعم بالرضا وتفيض بصنوف الخير.
إنه التضمين، يَلِدُ فيه اللفظ معاني جمة، لكل معنى طبيعة، تعلوها نَضْرة روحه.
стр. 393
تأملُ العين منها ... محاسناً ليس تنفدُ
فبعضها قد تناهى ... وبعضها يتولَّدُ
* * *
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (٢).
قال الزمخشري والرازي: فيها توجيهان:
١ - يرغبون في الطاعات يبادرونها.
٢ - يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام. وكرر قولهما الجمل.
ويرى الآلوسي: أن إيثار (في) على (إلى) للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات، لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها بطريق المسارعة (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ). متمكنون منها تمكن المظروف في ظرفه.
أقول: لعل تضمين (يسارع) معنى (يسابق) و (يجدُّ): جَدَّ فلان في أمره إذا كان ذا مضاء، وفي الحديث: " إذا جدّ في السير " أي اهتم وأسرع فيه. أدنى للسياق، وألصق بالمراد من (رغب) لأن الرغبة لا تزال في حيز
стр. 394
النية لم تتحول إلى عزيمة أو تنفيذ، أما الجد والتسابق فهو آثر في أنفسهم، تأهبوا له، ونشّموا فيه، ومارسوه ... فهم أوائل في فعل الخير، إنها اليقظة التي يُولدها الإيمان حين يستقر في القلب، ويتصل بالخالق. يدلنا على ممارستهم لها ما جاء في وصفهم (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) فلهم فيها يد سلفت يمارسونها من قبل وليست جديدة عليهم.
ولو سأل سائل: ما داموا يمارسونها، لمَ جاء التعبير بالمسارعة؟ أقول: ليُضيف معنى الجد والمضي والاهتمام والسَّبْق في ممارستها والتنشيم فيها والتعجيل في أدائها. وليسست الممارسة التي تتساهل من ضعف، وتترخص من كسل.
إنه التضمين ...
* ربما أستفْتحُ بالتضمين مغاليقَ الكَلِم *
* * *
قَالَ تَعَالَى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ... إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى
الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ) (١).
قال أبو السعود: ليس عليهم إثم ولا إلى معاتبتهم سبيل، وإنما السبيل في اللائمة والعقوبة على الذين ... ونقله الجمل. وقال أبو حيان: يستأذنونك في التخلف عن الجهاد وهم قادرون عليه لغناهم وكان خبر السبيل هو (على الذين).
أقول: ترك ربنا (السبيل) مفتوحا ليعدد شعابه، ويطلق مناحي القول فيه، فقد يكون سبيل المعاتبة أو المؤاخذة أو المضايقة أو الحرج أو الجُناح
стр. 395
أو الإثم ... فـ (على) أفادت استعلاء العقوبة بكل صنوفها على المتخلفين عن الغزو. فتضمين (السبيل) معنى (المأخذ).
والمؤاخذة تعدت بـ (على) لتسلطها على الذنب واستعلائها على أصحابه (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) والمثوبة تعدت بـ (إلى) لتيسر أسبابها ووصول المتقين إليها. ثم المؤاخذة (مفاعلة) مشتقة تتعلق بها الصلة (على الذين) والمعنى: إنما مأخذ الإثم ومَخزاته وسوأتُهُ على الأغنياء الذين يجدون ما ينفقون في تجهيز أنفسهم للقتال، ثم يستأذنونك معتذرين عن الخروج معك، مبخَلة منهم ومَجبَنة. أفرأيت إلى الحرف كيف غير المعنى؟! فـ (على) دخلت على (السبيل) فأعطتها معنى الأذاة والإزْراء والشَيْن.
و (إلى) دخلت على (السبيل) فاعطتها معنى النجاة والإطراء والزَيْن. فإن مررت بهذه الحروف فتشرف إليها مستشفاً لها، وارفق بها لتُوليك جانبها، وتُمطيك غاربها، ثم لا تقطع فيها برأي ليقوم لك العذر فيها، فيعلوَ فيه قولك ويعنو لصحته خصمُك.
إنه التضمين ... يمنح اللفظ روحا ترفرف في جناحيه.
الحسن في كل جنح ... من عارضيْه مُورَّد
لا ينفد الحسن منه ... والقول فيه سينفد
* * *
стр. 396
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) (١).
ضمن العز (أسرفوا) معنى (جنَوْا) وقال الآلوسي: أسرفوا على أنفسهم: أفرطوا في المعاصي، وضمنها معنى الجناية (جنوا) ليصح تعديه بـ على، والمضمّن لا يلزم أن يكون معناه حقيقيا.
وقال الزمخشري: أسرفوا: جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغُلو فيها. وتبعه البيضاوي. ويرى صاحب الشهاب فيما نقله عنه الجمل: أن الإسراف مجاز لاستعمال المقيد - وهو الإفراط في صرف المال - في المطلق ثم تضمينه معنى الجناية ليصح تعديته بـ (على) والمضمن لا يلزم فيه أن يكون معناه حقيقيا. والإسراف يتضمن معنى الإشراك بالله (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) كما يتضمن معنى الإفراط في المعاصي (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ).
أقول: ولعل تضمين (عَدَوْا) أدل على المراد من (جَنَوْا) لأن جنى على نفسه: أذنب ذنبا يؤاخذ عليه، أما عدا على نفسه: ظلمها وجاوز القَدْر في ظلمها فالعدوان مع سياق القنوط أوْلى من الجناية، فالإسراف على النفس
стр. 397
مطلق كما مر يشمل الإشراك والإفراط في أنواع المعاصي والعدوان عليها مقيد. ولعل استعمال الإسراف بدلا من العدوان أسوغ مع السياق (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) سياق الرحمة وفتح باب الأمل، فلا يقنطوا ولا ييأسوا ويبقى المسرف على نفسه [وَجِلاً] قلبُه بين اليأس مما حصدت يداه في ظلم نفسه، وبين الرجاء فيما عند الغفور الرحيم. يفتح لهم أبواب رحمته على مصاريعها بالتوبة ويدعوهم إلى الأوْبة إليه غير قانطين ولا يائسين، فمن أسرف في المعصية ولجَّ في الذنب وأَبَقَ عن الحمى وشرد عن الطريق، ليس بينه وبين الرحمة الندية وظلالها الرخية إلا التوبة، وإلا الأوبهَ إلى الباب المفتوح ليس عليه من يمنع، ولا يحتاج الوالج فيه إلى استئذان، ففضل التضمين أنه جمع المعنيين جميعا فالزمه لِشرفه واشدد يدَك به.
لقد كان نسَّاجا يسد خصاصها ... بقول كطعم الشُّهد مازجة العَذْبُ
* * *
قَالَ تَعَالَى: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١).
ذكر الزركشي والسيوطي وابن هشام والمرادي: الباء بمعنى عن. وذهب الزمخشري: إلى أن السعداء يُؤتوْن صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين والأشقياء من وراء ظهورهم وشمائلهم، فجعل النور في الجهتين شعارا وآية. وقال أبو حيان: وقيل الباء (بمعنى) عن، وعبر
стр. 398
بالإيمان تشريفا لها. ويرى الجمل: أن بأيمانهم أي في جهة أيمانهم.
وقيل: عن جميع جهاتهم، وخص اليمين لأنها أشرف الجهات. وقرأ أبو حَيْوة وسهل بن شعيب: بإيمانهم بكسر الألف، والباء سببية. وقال أبو البقاء: بإيمانهم استحقوه، الباء للاستحقاق وبإيمانهم يقال لهم بشراكم. أهـ.
السمين الحلبي. وبأيمانهم أي عن أيمانهم قال ذلك الخازن.
أقول: صورة وضيئة ومشهد من مشاهد التكريم. تضمين (يسعى) معنى (يُضيء) ويشع وهو يتعدى بالباء، ومعناه: نورهم يُضيء بين أيديهم كما يُضيء بأيمانهم، وقد صارت مشاعل لكل سُدْفة يُبددها، فليست الباء بمعنى (عن)، ولا في الجهة، ولا للسبب، ولا للإلصاق، ولا للاستحقاق، وإنما هي على أصلها، فليس ممشى النور بين أيديهم في هذا المشهد الجميل إلا شعارا لطيفا هادئا يفيض إشراقا من أرواحهم ويُضيء بأيمانهم ويغلب على طينتهم، لينير لهم الطريق. فمسعاه لأجل إضاءته، وإضاءته نتيجة لمسعاه.
واختيار (سعى) بدلا من أضاء فيه إعزاز لهم وتكريم، فنورهم كالسُّعاة والخدم يمشي بين أيديهم وبأيمانهم يحمل المشاعل، فمشكاتها من حياة القلوب وكنوز البصائر، وتسمع بعدها من آيات التكريم تزلت لهم الملائكة أحلى البشائر: (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ).
ولولا التضمين في تعدية الفعل بغير حرفه لما انصرف لفظ السعي إلى معنى الإضاءة مضموما إلى مثيله (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، ذاهبا في مجاري استحسانه كل مذهب، وفي مواقع إتقانه وإحكامه كل موقع، يُضيء نورهم
стр. 399
ويتألق إشعاعا. لطائف لا يحصرها عدد من وراء التضمين: لفظ يرتدي ثوبَ لفظٍ حين نتقصى فيه النظر بشاهده ودليله، أو بتأويله وتفسيره.
فلو أن ركبا يمَّموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل بك الركبُ
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (١).
قال أبو حيان والزمخشري والجمل والزجاج: (نفسه) تمييز عند الكوفيين أو شبه مفعول به أو مفعول به، لأن سفه يتعدى بنفسه أو ضُمن معنى (جهل) أو على إسقاط حرف الجر والصحيح أن (سفِه) على الكسر يتعدى بنفسه كما حكاه المبرد وثعلب، وأما على الضم (سفُه) فلازم.
وذكر العز: ضمن (سفه) معنى (جهل) وذكر الزمخشري: وقيل: انتصاب النفس على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه. وقيل معناه سفه في نفسه فحذف الجار كقولهم: زيد ظني مقيم. أي في ظني مقيم والوجه هو الأول.
وذكر أبو حيان: وانتصاب نفسه على أنه تمييز على قول بعض الكوفيين وهو الفراء، أو مشبه بالمفعول على قول بعضهم أو مفعول به، إما لكونه سفه يتعدى بنفسه كسفه المضعّف، وإما لكونه ضُمن معنى ما يتعدى، أي (جهل) وهو قول الزجاج وابن جني، أو (أهلك) وهو قول أبي عبيدة، أو على إسقاط حرف الجر وهو قول بعض البصريين، أو توكيد لمؤكد محذوف تقديره: سفه قوله نفسه حكاه مكي، أما التمييز فلا يجيزه البصريون لأنه معرفة وشرط التمييز
стр. 400
عندهم أن يكون نكرة وأما كونه مشبهاً بالمفعول فذلك عند الجمهور مخصوص بالصفة ولا يجوز بالفعل أن تقول: زيد حَسَنٌ الوجهَ. ولا يجوز حسن الوجه ولا يحْسُنُ الوجهُ، وأما إسقاط حرف الجر وأصله من سفه في نفسه، فلا ينقاس، وأما كونه توكيداً وحُذف مؤكده ففيه خلاف، وأما التضمين فلا ينقاس، وأما نصبه على أن يكون مفعولا به ويكون الفعل يتعدى بنفسه فهو الذي نختاره لأن ثعلبا والمبرد حكياه: أن سفِه بكسر الفاء يتعدى كسفه.
قال ابن عباس: معنى (سفه نفسه): خسر نفسه وقال أبو روق: عجز رأيه عن نفسه، وقال يمان: حمق رأيه، وقال الكلبي: قتل نفسه، وقال ابن بحر: جهلها ولم يعرف ما فيها من الدلائل. وأما سفُه فمعناه صار سفيها مثل فقُه: صار فقيها. أ. هـ. وذكر الآلوسي: نفسه مفعول به، وأما سفُه بالضم فلازم، ويشهد له ما جاء في الحديث: قال ﷺ : " الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس ". وقيل: إنه لازم أيضاً وتعدى المفعول لتضمنه معنى ما يتعدى إليه أي (جهل نفسه) لخفة عقله وعدم تفكره، أو قيل: أن النصب بنزع الخافض أي في نفسه فلا ينافي اللزوم. أ. هـ.
قال الزجاج: القول الجيد عندي في هذا أن سفه في موضع جهل فالمعنى جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه، فوضع سفه في موضع جهل وعُدي كما عدي. وفي الحديث الثابت المرفوع: حين سئل النبي ﷺ عن الكبر فقال: (الكبر من سفه الحق)، أي جهل الحق فلا يراه حقاً. وفي حديث آخر: " ولكن البغي من سفه الحق ".
стр. 401
أقول: إنسان يُدعى إلى ملة إبراهيم ﵇، إلى الحنيفية السمحة، إلى الإسلام، وتتهيأ له فرصة الارتفاع ولكنه يهبط، يرغب عنها بمحض إرادته، ما أتعسه وما أشقاه! وما أبشعها من صورة وأسوأها من خاتمة، لقد سفه نفسه.
النفس العزيزة وقد كرمها اللَّه حين نفخ فيها من روحه، يمتهنها صاحبها ويحتقرها فتخزى.
وبهذا التوجيه في تضمين سفه معنى (امتهن واحتقر) يكون أدنى إلى مفهوم اللغة وأحكم في الدلالة على المراد، للتناسق مع الحالة النفسية التي يصورها، والنموذج البشري الذي يعرض له.، فالسَّفَه: خفة الحلم، أما المهانة: فضعف الرأي ومن عادة العرب أن يعطوا المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه عِمارة لبينهما، وتتميماً للشبه الجامع لهما.
فجمع التضمين السفاهة مع المهانة: وخفة الحلم مع الظلم فخزي في نفسه من معرته وأي ظلم لها أشد من الرغبة عن ملة إبراهيم ﵇ عن الإسلام.
إنه التضمين: اللمحة السريعة تكشف عن حقيقة، وهي أوسع من أن تنحصر في لفظ، وإلا لما كانت حقيقة، يكتسي فيها اللفظ إشعاعاً لتعميق معناه والإبانة عن صُوَرِه، فهو هنا - أي اللفظ - من مُبُدوء الكلام ومكروهه، أبدعته حماقة السفيه وفجوره وإلحاده، وبذلك عز مطلب التضمين وبعد شأوه ...
بصير بعورات الكلام إذا التقى ... شريجان بين القوم حق وباطل
* * *
стр. 402
قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) (١).
ذكر الزمخشري: (سكت) تضمن معنى (انصرف عنه أو فتر) وقال أبو حيان: ولما طُفئ غضبه شبه خمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم وهو سكوته. وذكر القرطبي: المراد لما كسرت ثورة غضبه ﵇، وقل غيظة ثم قال: وقرأ معاوية بن قرة، سكن بالنون وأصل السكوت: السكون
والإمساك.
وروى الطبري: ولما كفَّ موسى عن الغضب، وكذلك كل كافٍّ عن شيء ساكت عنه وإنَّمَا قيل: للساكت عن الكلام ساكت لكفِّه عنه. وقد ذُكر عن يونس الجرمي أنه قال: يقال سكت عنه الحزن. وقال الرازي: المراد بالسكوت السكون والزوال، ولا يجوز الصمت لأن سكت بمعنى سكن، وأما صمت فمعناه سدَّ فاه عن الكلام وذلك لا يجوز في الغضب.
أقول: نُقْلة بعيدة ... موسى ﵇ في الحضرة الإلهية، موقف تنقطع عن بلوغه الأطماع، وتنعقد عن وصفه الألسنة، ينتقل بإشراقاته إلى جو مترد بانتكاساته، فقد اتخذ قومه في غيبته من حُلتهم عجلا يعبدونه.
محنة يصطلي موسى ﵇ بنارها، وموقف يثير الغضب ويستولي على النفس فيندلع لسانه بالحِمَم وهل الغضب إلا شعور يتلبس بصاحبه فيفقده السيطرة على نفسه؟
بعد هذا الانفعال:
١ - يلقي الألواح وفيها الأوامر والنواهي، وفيها تكاليف الرسالة والخلافة.
стр. 403
٢ - يأخذ برأس أخيه يجره إليه لقد تعسر معه ولم يتسهل، مشهد عاصف خطير كما رسمه التعبير القرآني ولكن العبد الصالح الطيب من رقةِ داخَلَتْهُ ورحمة، يمتص غضب أخيه: -
أ - بندائه الرقيق الرفيق الناعم: يابن أم ...
ب - وبكشفه لحقيقة الموقف: (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي).
ج - وفي خطابه لقومه: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) فالتضمين أشار إلى الخبيء من المشاعر ليُطلب، والدفين ليُستخرج، فقد تضمن (سكت) معنى (انفك أو كفَّ أو انصرف) وكلها تتعدى بـ عن فـ (عن) هذه كانت مفتاحنا إلى تنوير الموقف في تصوير الخفي عن مشاعره والمستور في حناياه. جاء السكوت كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء إلى ما كان عليه موسى سلام اللَّه عليه من انتفاخ سحره وهيجان حفيظته. ويسكن الغضب وينفك عنه الشعور المتلبسق بنفسه، ويكف عن إثارته والذي عقد لسان ثورته عن الكلام ويَصرفه عن كل فَعَال، عائدا كما كان. إنه
التضمين (اجدى من الغيث) وهذه سبيله قل من يعتاده أو يشتغل به أو يبعث على إلطاف النظر فيه.
* * *
стр. 404
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) (١).
ذكر الزمخشري: يسلكه أي يدخله والأصل يسلكه في عذاب كقوله سبحانه: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) ومثله الرازي، فعدي إلى مفعولين إما بحذف الجار وإيصال الفعل كقوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) وإمَّا بتضمينه معنى يدخله. وحكى الجمل: سلك يتعدى للمفعول الثاني بـ (في) وعُدي هنا بنفسه لتضمنه معنى يدخله.
وقال الآلوسي: يسلكه مضمن معنى يُدخله ولذا تعدى إلى المفعول الثاني (عذابا) بنفسه دون (في) أو هو من باب الحذف والإيصال. وفي اللسان: سلك المكان، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه. وذكر الملياني: يسلكه تضمن معنى يكلفه.
أقول: تعبير رهيب وصورة من العذاب توحي بالمشقة، والتي تزداد بازدياد صعوده. والرمز للمشقة بالتصعيد جاء في أكثر من سورة، فهي حقيقة ملموسة. ولعل تضمين سلك معنى (أرهق) أوْلى من أدخل أو كلّف
стр. 405
أو من باب الحذف والإيصال. التصعيد من أشق السير إرهاقاً يقطع صاحبه الحياة في قلق وكرب وضيق كأنما يصعد في السماء ففي التنزيل: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا). فَذِكرُ اللَّه والاستقامة على منهجه ينال بهما الغنى والوَفر، والإعراض عنهما يسلبه الرخاء والأمن، ويرهقه عذاباً صعداً ومَعيشة ضنكاً، ويبقى للتسليك إيقاعه في تصوير منظر الضُّر الملازم له، والإرهاق المصاحب له. ومن شرف التضمين أن يضم للمعنى المذكور معاني متنوعات، يُطرّزُ أثوابها السياق بمعونة المقام.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) (٢).
ذكر الزمخشري: (به) في موضع الحال كما تقول: يستمعون بالهزء أي هازئين، أعلم بما به يستمعون.
وذكر أبو حيان: قال الحوفي: لم يقل يستمعونه أو يستمعونك، وكان مضمنا أن الاستماع كان على طريق الهزء فجاء بالباء ليُعلم أن الاستماع ليس المراد تفهم المسموع .. وقال أبو البقاء: الباء بمعنى اللام. وقال ابن عطيه: فكأنه قال: نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به أي هو ملازمهم ففضح اللَّه بهذه الآية سرهم. أ. هـ.
стр. 406
وذكر الرازي: نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزء والتكذيب.
وذكر السمين والجمل: (به) الباء سببية والمعنى: ما يستمعون إليك بسبه وهو الهزء والتكذيب، أو الباء بمعنى اللام، والاستماع كان على طريق الهزء بأن يقولوا مجنون أو مسحور.
وذكر الآلوسي: (به) أي ملبسين به من اللغو والاستخفاف والهزء بك وبالقرآن.
أقول: الباء على أصلها وتضمين استمع معنى (عُني به وشُغل به واهتم) وليس كما قال الجمل من تضمين الباء معنى اللام فهو: - أعني المستمع لهذا القرآن - عنٍ بسمو بيانه، ومبلغ إعجازه، مشغول اللب به، وهذه العناية سبيلها الاستماع (يَسْتَمِعُونَ) وكبراء قريش أذكى من أن يخفى عليهم
ما في التنزيل من سمو وإعجاز ولذلك لم يملكوا أنفسهم من الاستماع به وإليه مع مبلغ الاهتمام والتأثر والانبهار، على شدة ما يمانعون قلوبهم ويدافعونها.
أجل ... نحن أعلم بما يُعنَوْن به ويَشغلون أسماعهم به، وتدبر ما فيه ووعيه، فهم يجاهدون قلوبهم أَلا ترق، وعقولهم ألا تنساق وراءه، وفطرتهم ألا تتأثر به، وهم إذ يستمعون إليك ويصغون، يتناجون بما أصاب قلوبهم من سمو إعجازه ولَيانها للحق، بدليل قوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) ثم يتآمرون على أن يحجزوا أنفسهم عن سماع ما خَلبَ عقولهم وقلبوهم ثم يعودون، وليس غريبا أن يذهب الجمل إلى جَعلِ
стр. 407
الباء سببا للهزء والتكذيب، لأنه نقل عن سواه، بل الغرابة أن يسلك الزمخشري هذا المسلك الوعر فيقول؛ (يستمعون بالهزء) هكذا مبهوتا بلا لحظٍ، محشوبا بلا صنعة، كيف والسياق يفهمنا من المنطوق ما ليس منطوقا، فالظالمون منهم، وسَمُوه بالسحر، وليس في السحر هزء ولا سخرية، وأما سوى الظالمين فقدروه (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) ولم يقل سخر وهزئ، ولكن غلبت عليهم شقوتهم حرصا على زعامتهم وما يستتبعها من مصالح. ولو كانوا ساخرين لما تحاجزوا عن سماعه وتعاهدوا مرات ومرات ثم يعودون. قال الأخنس بن شريق: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال يا أبا ثعلبة: واللَّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به، ثم أتى أبا جهل: فقال: يا أبا الحكم: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسَي رِهان قالوا: مِنَّا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟ لقد حجزوا أنفسهم عن هذا القرآن الذي خلب قلوبهم وألبابَهم وهددهم في امتيازاتهم، وكسر كبرياءهم. أقول لهؤلاء: إن الذين لا يجرؤون على قول ما يعتقدون فهم جبناء، تعوزهم الثقة بأنفسهم.
أرأيت إلى هذه الباء وصلتها بالموقف (يَسْتَمِعُونَ بِهِ) كيف فتحت لنا بصائر؟! ما كانت لتَضَحَ لو قال: يستمعونه، مما استودعته فيها هذه اللغة الشريفة من أسرار الإتقان والصنعة، فإذا كان للباء كل هذا الشأن فلا بد أن يسافر الخاطر في صَيدها حتى يُكشف له عنها، ولو جاءت مع غير هذا الفعل وفي غير هذا السياق لعدمنا وجود هذه الدلالة فيها، فعلى الناظر في هذه الحروف أن يأخذ إلى أنحائها ومصارفها، ويتأتى لها ويلاطفها ولا يتعسّفَها، لتفتح عن كنوزها.
стр. 408
بقي سؤال: إذا كان المراد انشغال الفكر والقلب بالقرآن فلم قال يستمعون؟ لو قال يهتمون به لضاعت علينا وسيلة الاهتمام وهي السمع إلا أن يقول: يهتمون بما يسمعونه من القرآن أو يشغلون به أسماعهم ما دامت معجزته صلوات اللَّه عليه سمعية وليست بصرية كموسى وعيسى.
ولو قال يسمعونه بدلًا من يستمعون به لضاع علينا انشغال قلوبهم بسحر بيانه، والإعجاز البياني يقتضي الإيجاز.
وتعدية الفعل بغير حرفه المألوف وفر لنا هذا الإعجاز عن طريق التضمين، فافزعْ إليه لتحلى نفسُك به، إنه الشَّهْدُ: من ذاق عرف.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) (١).
قال أبو حيان: ليست اللام زائدة بل ضمن معنى (تصغي وتميل) فعُدِّي باللام، وردد ذلك الجمل والعز والزركشي والآلوسي وذكر السهيلي للسمع معاني عدة: سمع الإدراك، وسمع الفهم، وسمع القبول، وسمع الاستجابة ...
стр. 409
أقول: صورة الزراية بهذا الفريق من الناس ذوي الهياكل الجميلة، والأشكال الوسيمة، والألسنة الزَرِبة، وخلابة المنطق، يستميلون سمعك فتنصت لقولهم. ولكن كل ذلك قشرة من التظاهر والمَلق والالتواء، تستر حقدهم الدفين وكفرهم الكنود، إنه النفاق وإنه الخوف من أن ينكشف ويفتضح.
تَسِمُهم الآية بالخواء والطمس والجبن والفزع والحقد ... يتوجسون من كل حركة، من كل صوت، من كل هاتف يحسبونه عرفهم ووقف على حقيقتهم - هم العدو فاحذرهم - يعيشون مع رسول اللَّه صلى عليه وسلم عشر سنوات لا يُعرّفه اللَّه على أسمائهم إلا قُبيل وفاته، وإن كان يعرفهم في لحن القول - المداورة والالتواء - وفي سيماهم - الانفعالات والانطباعات - فتضمين (سمع) معنى (أنصتُ واستجاب) والمتعدي باللام يحكي خَلابة ألسنتهم، يستميلون المستمع لما يرتضيه من فصاحتهم فينصت لهم ويستجيب لكنهم أخشاب شجر لا شجر، أجل لا حياة رلا ثمر، لا خير في وجوههم، ولا فضل في سجاياهم.
أرأيت إلى ما أفاض عليك التضمين من ماء بشاشته حين تعدى الفعل بغير حرفه وما استودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الإعجاز في الإيجاز .. !
* * *
стр. 410
قَال تعالى: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (١).
قال الزركشي: يصغون. وذكر السيوطي والعاملي: وعدي السماع بـ إلى لتضمنه معنى الإصغاء. وقال الزمخشري: فرق بين سمعت فلانا يتحدث وسمعت إليه يتحدث وسمعت حديثه، قلت: المتعدي بنفسه يفيد الإدراك، والمتعدي بـ (إلى) يفيد الإصغاء مع الإدراك، وقال أبو حيان: والمتعدي بـ (إلى) ضمن: لا ينتهون بالسمع إلى الملأ.
وقال أبو السعود: لا يتطلبون السماع والإصغاء إليه. وقال البروسوي: التسمع وتعديته بـ (إلى) لتضمنه معنى الإصغاء، وقال الرازي: أصل يسمعون: يتسمعون، تقول العرب تسمعت إلى فلان، وسمعت فلانا، ولا يقولون سمعت إلى فلان.
أقول: تناثرُ الكواكب في السماء أجمل مشهد تقع العين عليه، ولا تمل من طول النظر إليه، جاء جمال التكوين مع كمال الوظيفة، فلهذه الكواكب وظيفة أخرى، وأن منها شهبا ترجم الشياطين، تذودهم عن الارتقاء إلى الملأ الأعلى، ولئن خطف شيطان مارد خطفةً مما يدور في الملأ الأعلى تبعه شهاب فأحرقه.
أجل ... لم ينف ربنا السمع عنهم بإزالته (جربت البعير: أزلت جربه) (يسمعون: يزيل سمعهم) بل أثبت عجزهم عنه رغم محاولتهم له (إِلَّا مَنْ خَطِفَ) وذلك بقوله (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ)، تقذفهم الشهب
стр. 411
لدى كل محاولة يائسة في استراق السمع ليظفروا بأثارة من خبر. كما سلب فعل السمع من الدلالة على زمن مخصوص ليكون مبهما ومعلقا على أي وقت تجري فيه محاولة التسمع.
وقرئ: (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى)، وقرئ: (لَا يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى).
وما ذهب إليه المفسرون من تضمين السمع معنى الإصغاء لا شيء من ورائه، ولكن لما أريد تضمين السمع معنى الرقي أو الارتقاء عداه العليم بـ (على) إشعارا أن الرقي وسيلة السمع في الوصول إلى مبتغاه، إلى الملأ الأعلى لاستراق السمع، ولكن هيهات ... فكيف يفلت المرتقي من قذائفَ محرقةٍ تأتيه من كل جانب دحورا؟
إنه التضمين يأخذ بيدك لتستضيء به ولا مَعدِل لك عنه، تفزع إليه لتحصيل الغرض الذي أُريد منه، وجيء به من أجله.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَ ذَكَّرُونَ) (٣).
ذكر الزمخشري: لبلد ميت الأصل بلد ليس فيه حياة فأنزلنا به: بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوق.
стр. 412
وقال أبو حيان: اللام للتبليغ كما قلت لك وفرق بين سقت لك مالا، وسقت لأجلك مالا، فالأول معناه أوصلته لك، والثاني لا يلزم منه وصوله.
وذكر الجمل: لبلد ميت: اللام للتبليغ كقولك: قلت لك. فأنزلنا به الضمير يعود لأقرب مذكور وهو بلد ميت، فلا بد أن تكون الباء ظرفية بمعنى أنزلنا في ذلك البلد. وقيل: يعود على السحاب. ثم في الباء وجهان أحدهما: بمعنى (مِنْ) أي: فأنزلنا من السحاب الماء، والثاني: سببية أي أنزلنا بسبب السحاب. وقيل: يعود على السَّوق فأنزلنا بسبب سوق السحاب.
وهو ضعيف. فأخرجنا به: الخلاف في الهاء كالذي في قبلها. ويزيد عليه وجهاً آخر بالعود على الماء ولا ينبغي أن يُعَولَ عليه. أ. هـ السمين. وذكر الآلوسي: اللام لبلد: للتعليل أي لأجله ومنفعته وإحيائه وسقيه، وكذلك قال الرازي. ومثله قال الخليل بن أحمد الفراهيدي.
وذكر صاحب التوضيح: اللام للانتهاء بمعنى إلى بلد.
أقول: عرض سريع وخاطف لآثار الربوبية في هذا الكون، ونموذج من الرحمة: السحاب الثقال يسوقه الريح، ومعه المطر الهتون، والزرع المُفرع، والثمر النضيج .... آثار الفاعلية والتدبير والتقدير للملك الحكيم، والخالق الرازق، يُنشئ برحمته الأسباب، وكل ذلك يجري وَفقَ النواميس التي أودعها في الحياة وتركها تتحرك وَقق مشيئته. ثم ربط بين النشأة الأولى والنشأة الآخرة فمعجزته في الحياة واحدة ... (ساق) إذاً تضمن معنى (وجَّه) والمتعدي باللام وسياق الآية بتوجيه
стр. 413
الماء وإنزاله، وإخراج الثمرات به يحملنا على ترجيح التضمين لأن الفعل يتعدى بـ (إلى) (فسقناه إلى بلد ميت). والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه لازمتة لأن من لوازم السَّوْق: التوجيه.
وبهذا تنتفي العفوية أو المصادفة في كل ما يجري في الكون كما يدعي الخرَّاصون وتنتفي الجبرية الآلية كما يزعم الماديون بأن الكون آلة عمياء، فالتضمين يدع قلوبنا يقظة، كل شيء يتحرك حسب المشيئة الإلهية فنرى يد اللَّه الفاعلة وفق نواميسه الحكيمة.
إذ ليس من خير يعمُّ الورى ... إلا يد الحكمة جلية فيه
فاللام على أصلها ليس لتعليل ولا تبليغ ولا بمعنى (إلى)، ولا بمعنى (في) وإلا لكان فيها إلباس واستثقال. فاحفظ نفسك من تضمين الحروف ولا تسترسل إليه.
فقلت تعاورا * واللَّهِ فُحْشا ... وتنكشف المزية للرشيد وإذا كان الفعل في سورة فاطر متعديا بـ (إلى) فلأن السياق مختلف.
وأما أنزل فالباء على أصلها ليست بمعنى (مِن) ولا بمعنى (في) لأن الفعل يتعدى بالباء قَالَ تَعَالَى: (يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ). وفي الحديث:
" أنزل بهم بلاء فلم يرفعه عنهم ". وهو بتخفيف الزاي وتشديدها قراءة سبعية، ونزول الماء بسبب السحب أمر بدهيٌّ. فجمع التضمين بهذه اللوم المعنيين.
فهذه الحروف مفاتح أفعال لا تُدافَع أبوابُها إلا بمقدار ما تُدفَع.
* * *
стр. 414
قَالَ تَعَالَى: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) (١).
قال الحوفي: (رَجُلًا): منصوب بـ (سَوَّاكَ) مفعول به ثانٍ أي جعلك رجلا فعدى سَوَّى إلى اثنين أي على التضمين: ذكره أبو حيان والجمل.
وذكر الزمخشري ومثله البيضاوي: سَوَّاك رجلا: عدَّلك وكمَّلك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال، ومثله قال الآلوسي: عدَّلك وكمَّلك إنسانا ذكرا، ثم إنه يستعمل بمعنى الخلق والإيجاد كما في قوله: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) فإذا قرن بالخلق والإيجاد كما هاهنا فالمراد به الخلق على أتم حال وأعدله حسبما تقتضيه الحكمه. ونَصبُ (رجلا) على ما قال أبو حيان: على الحال محوج إلى التأويل، والتضمين لا يحتاج إلى تأويل.
وقال أبو السعود: سَوَّاكَ رجلا: أي صيرك رجلا وبذلك عداه لمفعولين. وأما في قوله تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) فلم يتضمن معنى التصيير، ولذلك لم يتعد إلى مفعولين.
أقول: ها هو صاحبه الفقير لا مال عنده ولا ثمر، لكنه معتز بربه، بعقيدته وإيمانه، يخاطب صاحبه المغرور، منكرا عليه بطره وكِبره، مذكرا إياه بمنشئه المهين من ماء وطين، وينذره عاقبة الكبرياء ...
إنها عزة المؤمن، لا تعرف المداراة مع الأغنياء، ولا تبالي بأصحاب الجاه أو السلطان، ولا تجامل مع الأصحاب تجهر بالحق في أقسى
стр. 415
الظروف: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)؟! فالتسوية هنا عائدة على النشأة (مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) وقد تضمنت معنى (الجعل والتصيير) فتعدت إلى مفعولين.
ونصب (رجلا) على الحال جائز، وليس بالوجه، إنما الوجه تضمين سوَّى معنى صير المتعدي لمفعولين، فالتضمين جمع المعنيين: تسوية اللَّه إياه بالقدر والكيفية على ما اقتضت حكمته فيما يصان عن الإفراط والتفريط، وتصييره رجلا ولا كالرجال.
وهكذا فاز التضمين بالحسنيين: فالوصية به والعمل عليه.
جمع الخلتين حُسناً وقدْرا ... إن هذا من فعل من يتمرَّى
* * *
قَالَ تَعَالَى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) (٢).
وقال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (٣).
قال العز والجمل والعكبري والزركشي وأبو حيان: الباء دالة على الإلصاق أو ضمن يشرب معنى يروى فعدي بالباء، وقيل: الباء زائدة. قال السيوطي: الباء للتبعيض) (مِنْ) أي يشرب منها. قال عنتره:
* شربت بماء الدحرضين فأصبحت *
أي من ماء. وقال الزركشي: وتأتي الباء زائدة مع المفعول كقوله:
стр. 416
عينا يشرب بها عباد الله. قال الطبري: يشرب بها: يروى بها وينتفع، وقيل: يشرب بها ويشربها بمعنى واحد. وقال النيسابوري: يشرب بها: (الباء) بمعنى (مع) مثل شربت الماء بالعسل. ومثله الرازي. وكذلك البروسوي. وقال ابن قيم الجوزية: إنهم يضمنون يشرب معنى يروى فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين: أحدهما بالتصريح والثاني بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها، وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري. وأن يقال: يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم. فإذا قال: يشرب منها دل على الشرب بصريحه وعلى الري بخلاف الباء فتأملْه. أ. هـ.
أقول: ما أشار إليه شمس الدين بن قيم الجوزية والزمخشري وغيره: في تضمين فعل (شرب) معنى (روي) مخدوش: فالري من الماء ونحوه لا يكون إلا عن ظمأ، وأهل الجنة لا يظمؤون، قَالَ تَعَالَى: (لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى). وإنَّمَا ينصرف معنى الشرب إلى التلذذ والاستمتاع والمتعدي بالباء، فجاءت الباء عناية بما وراءها ووصولا لإدراك مطلبها ولو جاءت الآية: عينا يتلذذ بها عباد اللَّه ويستمتع، لانصرف إلى إمتاع البصر في انفجار الماء من العين وتدفقها، أو إمتاع الجسد بالتحمم والابتراد، أو إمتاع السمع بخرير الماء لدى تدققه، أو إمتاع النفس بجمال المشهد الكلي يتفتح عن رصيده المذخور، وإيحائه المتجدد.
стр. 417
الآية تصرفنا إذاً إلى لذة الشرب على وجه الخصوص لأن التذوق أكثر الحواس استمتاعا، ولذّة الشعور به ترقى عن كل ما سواه.
نعم والتذوق مسبب عن الشرب وهو من لوازمه، وهو الغاية المطلوبة منه وليس عارضا من عوارضه، والذائقة واللذة أخص من الشرب إذ يمتنع حصولها بدونه، وهي أثبت وأرسخ منه، فأثرها يبقى في القلب ويطول، والشرب عارض زائل. وهذا أمر غفل عنه كثير من المفسرين حين شغلتهم الوسيلة عن الغاية، فالتضمين جمع بينهما بقوته وسلطانه، فلم يدَعْنا نقف على طرف منهما ولا نأنس بالآخر إلا على استكراه. وأما قول السيوطي: الباء بمعنى (مِنْ) فليس بشيء، لقد وقف على الشرب لا يعدوه ولم يُنعم النظر في صورته والمشهد الذي جاء فيه، فخفي عنه غرضه لأنه يحصر معانيه في منظور ضيق، وتنتهي اللغة عنده إلى حطب يابس. فما معنى أن نجعل (الباء) بمعنى (مِنْ) والحرف لا يقوم معناه بنفسه وإنما إفادته متوقفة على تركيبه. فمن أصر فليأخذ في غير هذه الصناعة لأنه يُخرج العبارة من التي أريدت له ويُذهب استطابتها ويُفسد الإمتاع بها والاستملاح لها، ومن اعتاص عليه الغرض من مجيء هذه الباء ووجد المسلك إلى معرفتها عَسوفا فالتضمين يهديه السبيل، لا يُفثَج بحرُه ولا يُغَرَّض. ومعلوم أنه سبحانه، لا يُغيَّر حرفا بحرف أو يُبدَّل إلا ووجه الحكمة قائم فيه، وإن خفيت عنّا أغراضه ومعانيه.
نعم جاءت الباء مَنْبَهة على الخبيء ليُطلب، والدفين ليُستخرج.
ولولاها لخَفيتْ عنا هذه اللطائف، فاحتسِ من شرابها بَرودا عذباً، وتحرَّ الكَيْس في الإجابة عن تناوبها أو دعوى زيادتها.
لقد جلَّى التضمين وجه الحكمة في اختيار الفعل الذي يستضيءُ به المعنى ويتنبَّه على أسبابه.
أجل في الشرب من الدلالة ما لا خفاء به، إنه للاستمتاع بهذه العين
стр. 418
وما فيها من لذة للشاربين، تُخامر عقول المتحابين، يتعاطاها المتواصلون يتبادلون كأسا (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ)، إنها لذوي الصبابة وأهل القُربى من المولى الجليل، شراب مصفى ختامه مسك هذا الرحيق يُفض ختامه ثم يمزج بماء التسنيم ليشرب به المقربون
* فمشربه التسنيمُ ومقربه الأنْسُ *
من كأس محبة ممزوجة بالكافور لإفادة برد اليقين فتستقر محبتهم وتستمر لذتهم:
فشرابها كالشهد يُمتعُه ... ويقول مِن فرحٍ هَيَا رَبَّا
* * *
قَالَ تَعَالَى: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (٣).
ذكر العز والزركشي: ضُمن (لَا تُشْرِكْ) معنى (لا تعدل) أي لا تسوِّ باللَّه شيئاً. من العدل والتسوية.
وتال ابن القيم: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) ضُمن معنى لا تعدل، والعدل: التسوية. أي لا تسوِّ باللَّه شيئا في العبادة والمحبة، فإنهم عبدوا الأصنام كعبادة اللَّه، وأحبوها كحب اللَّه، ولذلك قال الذين في النار (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وما سووهم
стр. 419
به إلا في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجمال والجلال أ. هـ .. وقال الرازي: الإشراك: وضع المعبودية في غير اللَّه ولا يجوز أن يكون غيره معبوداً أصلاً.
أقول: يعرض لقمان حقيقة التوحيد بأسلوب وعظي. إنها نصيحة والد لولده فيها العطف ومعها الحنان بعيدة عن سوء الظن، مُبرأة من الشُبه، وعلى لسان من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
نعم (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) بالجملة الفعلية ويعقل نهيه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) بالجملة الإسمية مؤكدة بمؤكدين: (إن) و (اللام) فتضمن الشرك هنا معنى التسوية والمتعدية بالباء. والتسوية بين من لا نعمة إلا هي منه، وبين من لا نعمة منه ألبتَّةَ، لظلم عظيم.
وفي قوله تعالى: (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) ضمن لا تشرك معنى لا تعدل. والعدل التسوية أيضاً يتعدى بالباء كما مر. وفعل أشرك يتعدى بـ في كما ذكر معجم الأفعال المتعدية بحرف: أشركه في الأمر: أدخله معه فيه (وشَرِكه أفصح).
* * *
стр. 420
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيب) (١).
قال الجمل: شكِ منه أي من كتابك أي القرآن. وجوز أبو حيان
والآلوسي: أن تكون منه بمعنى فيه.
أقول: الفعل شك يتعدى بـ (في) فعداه بـ (مِن) لماذا؟ هل هم مرتابون ولنقص في الدليل؟ لا، ولكنه الهوى والحقد الدفين. إنه تلبيس الحق لإخفائه وكتمانه وتضييعه، فارتيابهم ظاهري شكلي لأنهم على يقين من الحق يشهدونه واضحا ولكنهم عن عمد وفي قصد وإصرار يختلفون فيما بينهم ليطمسوا آيات اللَّه ويحرفوها.
وهذا ديدن يهود عليهم لعنة اللَّه على مدار التاريخ. لقد جعلوا ما ينبغي أن يكون مبدأ اليقين ومنشأه، مبدأ الشك ومنشأه فحقيق بهم ألا يغفُلوا عن الحقيقة التي جاء بها رسولهم وأن تعيش في ذاكرتهم، والذي أشار إلى معنى اليقين هو حرف الجر (مِنْ) والمتعدي به فعل اليقين، فتضمَّن الشك معنى اليقين فتعدى بـ (مِن)، وحَمْل النقيض على النقيض كحَمْل النظير على النظير معروف مشهور فلذلك ساغ أن ينوب عنه، إنهم لفي يقين منه ولكنها الضلالة التي وصفهم اللَّه بها واللعنة التي حلَّت عليهم، وَوَصْفُ اليقين بأنه مريب هو من باب السخرية بهم. ذلك هو التضمين يكشف الأسرار ويهتك الأستار إن تأهبت له، ونَشفت فيه، حَليتَ به، وإن تحاميته فذلك إليك وعاقبته عليك.
* * *
стр. 421
قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) (١).
قال السيوطي والزركشي وابن هشام والمرادي: بالغمام أي عنه. وكذلك الموزعي. وذكر السيوطي بالغمام أي معه. وأورد الجمل في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها للسببية: أي بسبب الغمام يعني بسبب طلوعه منها، الثاني: أنها للحال أي ملتبسة بالغمام. الثالث: بمعنى عن كقول اللَّه تعالى: (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ)، والآلوسي: يكرر ما جاء من الوجوه الثلاث ويزيد: الفرق بين باء السببية وعن؛ أن انشق عن كذا: تفتح عنه. وانشق بكذا: أنه هو الشاق له وقال النابغة الذبياني:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليلِ على مستأنس وحِدِ
بنا أي عنا.
أقول: المعول في التضمين عند أهل الحِذْق من أصحاب الصناعة هو على الفعل أما ما يجري في الحرف فغير معيجٍ عليه ولا مأبوه له، وعليه نضمن (تشقق) معنى (تفطر). وتبقى الباء على أصلها من غير ضرورة إلى تأويل أو توجيه. فالسماء تتفطر بالغمام (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) إنه الانقلاب الكوني في النهاية وإنه على الكافرين عسير. وبتداني المعنيين التشقق
стр. 422
والتفطر تظهر مزية التضمين في الكشف عن سر هذه الحروف فتُكسب المعنى نفاسة والصورة حيوية وحركة.
المشهد المزلزل الذي يهز القلوب بنبراته الشديدة وإيقاعاته القوية حين جمع التفطر إلى التشقق، ومن عادة العرب أن تعطي المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه عمارة لبينهما وتتميما للشبه الجامع لهما كما قال ابن جني: فقد أخذ التشقق الباء من التفطر وأخذ هذا من رسيله معنى التفتح، وكلا الفعلين المضمن والمضمن فيه أو الآخذ والمأخوذ منه يشارك في رسم هول الرهبة تشمل الكون، وتأخذ بمجامع القلوب، انقلاب كوني كبير يشمل ما في السماء من كواكب ونجوم وأفلاك: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، والانفطار: الإنشاق طولا (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، والإنشاق يكون عرضاً، (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)، (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ)، إلى آخر هذا الهول الرعيب ... والذي يُنبئُ بنهايةِ مروعةِ من الانفجارات الكونية، تصوره الآيات واقعاً مشهودا يدعو إلى الدهشة في تناسقه العجيب، ونيراته الحادة.
وعلى الراتع في خمائل علم اللسان أن يتذوق من سَنا إعجازه.
فسرى خيالك طائفا أفنانه ... يكفيك طيف ما يزالُ يعاودُ
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)
قال أبو حيان: أراد بالتقطيع والصلب: التمثيل، ولما كان الجذع مقرا للمصلوب، واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عُدّي بـ (في)،
стр. 423
وقيل: في بمعنى على. قاله الطبري:
وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجذعا
قال أبو السعود: (فيها) أي (عليها) وإيثار كلمة (في) للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه.
وذكر الشوكاني: أي على جذوعها كقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) أي عليه ومنه قول سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا ... وذكر السيوطي: (في) بمعنى (على) تفيد الاستعلاء وأكد الزركشي: أن المصلوب لا يُجعل على رؤوس النخل، وإنما يُصلب في وسطها فكانت (في) أحسن من (على). ونص أبو عبيدة وابن قتيبة والفراء والآمدي: على أنها بمعنى (على).
وأجاز الزجاج: اشتراك (في) و (على) في هذه الآية. وقال الزمخشري: شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه فلذلك قيل: في جذوع النخل.
تضمين (أُصلبنكم) معنى (أَثوِينكم أو أُكِنكُم). والمتعدي بـ في
стр. 424
يُبقي الحرف على أصله، أما أن ينوب عن غيره فغير مُحتفل به، فهذه الحروف تهي عن حفظ أنفسها وتحمُّل خواصها، وعواني ذواتها، فكيف بها تتجشم احتمال سواها، وأما التضمين فقد جمع الصلب إلى معنى التثوية والإكنان لإفادة المعنيين جميعا. فإن قيل: لم جاء التعبير بالصلب؟ قلت: لأنه أراد القتلة المعروفة بالصلب على وجه الخصوص، فهو يهددهم أن يجعل جذوع النخل لحودهم وقبورهم، وبهذه الطريقة البشعة يعرض شناعة الصورة وما فيها من مَهانة وتسفّل وسقوط من الفجرة السفَلة. أما إبدال حرف من حرف، ففيه من خَيْس الخاطر ما يدعو إلى اطّراحه، وهو لضعفه إذا ناب منابه جنى عليه وتكاءده، ومعروف أن الصلب يكون على الجذوع وليس فيها فلمَ جاء فيها؟ إن الحرف (في) إنما جيء به لإفادة التثوية والأكنان، فتكون الجذوع قبورا وأضرحة لهذه الأشلاء المُمثل بها لا لتثبيتها وتسميرها ولا تكون مِشْجبا تتعلق عليها. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالطاووس في تصوير المعنى، مَن أبطله من النحاة بحجة التعاور والتناوب فقد حص ذَيله فضاع أجمل ما فيه.
إنه التهديد بالقوة الوحشية يعتمده الطغاة في كل زمن، ويُسلطونه على الأبدان في الصلب ليطول بهم المُقام في جذوع النخل وفي العراء فتأكل لحومَهم الطيرُ.
إن الوحوش البشرية اليوم لا فرقَ عندهم بين إنسان يُخاطَب بالحجة
стр. 425
وحيوان يُنهَش بالناب. وما أهون الدنيا في حس المؤمن الموصول بالله: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) يواجهون به الُملك والجاه والسلطان وقُوى الأرض الصغيرة والحقيرة، فيرتفعون على فتنة التمثيل والتمزيق بإيمانهم المستعلي على هذه الفتن، وعقيدتهم المنتصرة على أوهاق الجسد وجاذبية الأرض فكم كانت البشرية تخسر لو خسر هؤلاء أنفسهم في معركة العقيدة ... ما أتفه الحياة بلا عقيدة، وما أبشعها وأحطها حين يُسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد!.
وإن مظهر التمثيل والتمزيق والصلب والتثوية والإكنان صغير هزيل في حساب المؤمنين، ويحسبه الجبارون المتسلطون على الأجساد عظيما. فلا تخلد إن مررت بهذه الحروف إلى الإجْبال وتُطفئ ما توحيه من معانٍ على الوجه الذي هو أضْوَأ لها وأنوه، والحجة فيها أنْور وأبهر، فاشحذْ البصر، وفتق النظر لمعرفة وجه الحكمة فيها.
صفوة المعنى من الحرف أتى ... طبقْ تركبه بعد طبق
* * *
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (٢).
ذكر العز والزركشي: لا يصلح: مضمن معنى (لا يرضى)، أو من مجاز المحذف أي لا يصلح عاقبة عمل المفسدين. وقال الآلوسي: لا يصلح: المراد منه عدم إثبات عمل المفسدين، لا جعل الفاسد صالحا، فلا
следующие страницы →