← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) (١). قال السيوطي والزركشي وابن هشام والمرادي: بالغمام أي عنه. وكذلك الموزعي. وذكر السيوطي بالغمام أي معه. وأورد الجمل في هذه الباء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها للسببية: أي بسبب الغمام يعني بسبب طلوعه منها، الثاني: أنها للحال أي ملتبسة بالغمام. الثالث: بمعنى عن كقول اللَّه تعالى: (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ)، والآلوسي: يكرر ما جاء من الوجوه الثلاث ويزيد: الفرق بين باء السببية وعن؛ أن انشق عن كذا: تفتح عنه. وانشق بكذا: أنه هو الشاق له وقال النابغة الذبياني: كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليلِ على مستأنس وحِدِ بنا أي عنا. أقول: المعول في التضمين عند أهل الحِذْق من أصحاب الصناعة هو على الفعل أما ما يجري في الحرف فغير معيجٍ عليه ولا مأبوه له، وعليه نضمن (تشقق) معنى (تفطر). وتبقى الباء على أصلها من غير ضرورة إلى تأويل أو توجيه. فالسماء تتفطر بالغمام (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) إنه الانقلاب الكوني في النهاية وإنه على الكافرين عسير. وبتداني المعنيين التشقق

стр. 422

والتفطر تظهر مزية التضمين في الكشف عن سر هذه الحروف فتُكسب المعنى نفاسة والصورة حيوية وحركة. المشهد المزلزل الذي يهز القلوب بنبراته الشديدة وإيقاعاته القوية حين جمع التفطر إلى التشقق، ومن عادة العرب أن تعطي المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه عمارة لبينهما وتتميما للشبه الجامع لهما كما قال ابن جني: فقد أخذ التشقق الباء من التفطر وأخذ هذا من رسيله معنى التفتح، وكلا الفعلين المضمن والمضمن فيه أو الآخذ والمأخوذ منه يشارك في رسم هول الرهبة تشمل الكون، وتأخذ بمجامع القلوب، انقلاب كوني كبير يشمل ما في السماء من كواكب ونجوم وأفلاك: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، والانفطار: الإنشاق طولا (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، والإنشاق يكون عرضاً، (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)، (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ)، إلى آخر هذا الهول الرعيب ... والذي يُنبئُ بنهايةِ مروعةِ من الانفجارات الكونية، تصوره الآيات واقعاً مشهودا يدعو إلى الدهشة في تناسقه العجيب، ونيراته الحادة. وعلى الراتع في خمائل علم اللسان أن يتذوق من سَنا إعجازه. فسرى خيالك طائفا أفنانه ... يكفيك طيف ما يزالُ يعاودُ * * * قَالَ تَعَالَى: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) قال أبو حيان: أراد بالتقطيع والصلب: التمثيل، ولما كان الجذع مقرا للمصلوب، واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عُدّي بـ (في)،

стр. 423

وقيل: في بمعنى على. قاله الطبري: وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجذعا قال أبو السعود: (فيها) أي (عليها) وإيثار كلمة (في) للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه. وذكر الشوكاني: أي على جذوعها كقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) أي عليه ومنه قول سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا ... وذكر السيوطي: (في) بمعنى (على) تفيد الاستعلاء وأكد الزركشي: أن المصلوب لا يُجعل على رؤوس النخل، وإنما يُصلب في وسطها فكانت (في) أحسن من (على). ونص أبو عبيدة وابن قتيبة والفراء والآمدي: على أنها بمعنى (على). وأجاز الزجاج: اشتراك (في) و (على) في هذه الآية. وقال الزمخشري: شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه فلذلك قيل: في جذوع النخل. تضمين (أُصلبنكم) معنى (أَثوِينكم أو أُكِنكُم). والمتعدي بـ في

стр. 424

يُبقي الحرف على أصله، أما أن ينوب عن غيره فغير مُحتفل به، فهذه الحروف تهي عن حفظ أنفسها وتحمُّل خواصها، وعواني ذواتها، فكيف بها تتجشم احتمال سواها، وأما التضمين فقد جمع الصلب إلى معنى التثوية والإكنان لإفادة المعنيين جميعا. فإن قيل: لم جاء التعبير بالصلب؟ قلت: لأنه أراد القتلة المعروفة بالصلب على وجه الخصوص، فهو يهددهم أن يجعل جذوع النخل لحودهم وقبورهم، وبهذه الطريقة البشعة يعرض شناعة الصورة وما فيها من مَهانة وتسفّل وسقوط من الفجرة السفَلة. أما إبدال حرف من حرف، ففيه من خَيْس الخاطر ما يدعو إلى اطّراحه، وهو لضعفه إذا ناب منابه جنى عليه وتكاءده، ومعروف أن الصلب يكون على الجذوع وليس فيها فلمَ جاء فيها؟ إن الحرف (في) إنما جيء به لإفادة التثوية والأكنان، فتكون الجذوع قبورا وأضرحة لهذه الأشلاء المُمثل بها لا لتثبيتها وتسميرها ولا تكون مِشْجبا تتعلق عليها. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالطاووس في تصوير المعنى، مَن أبطله من النحاة بحجة التعاور والتناوب فقد حص ذَيله فضاع أجمل ما فيه. إنه التهديد بالقوة الوحشية يعتمده الطغاة في كل زمن، ويُسلطونه على الأبدان في الصلب ليطول بهم المُقام في جذوع النخل وفي العراء فتأكل لحومَهم الطيرُ. إن الوحوش البشرية اليوم لا فرقَ عندهم بين إنسان يُخاطَب بالحجة

стр. 425

وحيوان يُنهَش بالناب. وما أهون الدنيا في حس المؤمن الموصول بالله: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) يواجهون به الُملك والجاه والسلطان وقُوى الأرض الصغيرة والحقيرة، فيرتفعون على فتنة التمثيل والتمزيق بإيمانهم المستعلي على هذه الفتن، وعقيدتهم المنتصرة على أوهاق الجسد وجاذبية الأرض فكم كانت البشرية تخسر لو خسر هؤلاء أنفسهم في معركة العقيدة ... ما أتفه الحياة بلا عقيدة، وما أبشعها وأحطها حين يُسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد!. وإن مظهر التمثيل والتمزيق والصلب والتثوية والإكنان صغير هزيل في حساب المؤمنين، ويحسبه الجبارون المتسلطون على الأجساد عظيما. فلا تخلد إن مررت بهذه الحروف إلى الإجْبال وتُطفئ ما توحيه من معانٍ على الوجه الذي هو أضْوَأ لها وأنوه، والحجة فيها أنْور وأبهر، فاشحذْ البصر، وفتق النظر لمعرفة وجه الحكمة فيها. صفوة المعنى من الحرف أتى ... طبقْ تركبه بعد طبق * * * قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (٢). ذكر العز والزركشي: لا يصلح: مضمن معنى (لا يرضى)، أو من مجاز المحذف أي لا يصلح عاقبة عمل المفسدين. وقال الآلوسي: لا يصلح: المراد منه عدم إثبات عمل المفسدين، لا جعل الفاسد صالحا، فلا

стр. 426

يثبته ولا يديمه بل يزيله ويمحقه، أو لا يقويه ولا يؤيده بل يظهر بطلانه. وذكر الزمخشري: لا يصلح: أي لا يثبته ولا يديمه. أقول: إن دوافع اللقاء في هذا المهرجان هي: إزالة خطر السحر عن معتقداتهم. أفصح عن هذا الدافع جواب موسى ﵇: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ)، لدرء التهمة الموجهة إليه. وهو الواثق بربه أن يحق الحق ويبطل الباطل حين قال: (إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) ثم أكد هذا المعنى بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ). وهل يتوسم فيها أثارة من صلاح، وهي ما هي من الزيف والتخييل والوهم؟!. الفعل (يصلح) بصيغته في الماضي (أصلح) على وزن أفعل يفيد: مصادفة الشي على صفة من الصفات تقول: أحمدت سعيدا: صادفته محمودا وأكرمت عليا: وجدته كريما، وأبخلت زيدا: صادفته بخيلا. وعلى هذا فاللَّه لم يصادف صلاحا في عمل السحرة ولم يطالع فيها فلاحا ولم يلق فيها خيرا قط. ومن معاني (أفعل): التسمية. فنقول: أخطيت سميرا: سميته مخطئا وأصلحت عملك: سميته صالحا، وعليه نقول: (لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ): أي لا يسميه ربنا صالحا. وما ذهب إليه الزمخشري من عدم إثبات العمل ودوامه يوقعنا في إلباس، أما قول العز أو الزركشي: (لا يصلح) مضمن معنى (لا يرضى) فاستثقال يتحاماه السياق ويستولي الجفاء على جُملته. وأما قول الآلوسي: (لا يؤيد ولا يقوي) فرأي فطير ليس فيه استحكام علة. نخلص من هذا العزوف عن التضمين نأياً عن تجشم الكلفة فلا ذِكْرَ له،

стр. 427

ولا عَيْجَ به وإنَّمَا يكشف اللَّه زيف السحرة فلا يسمي عملهم صالحا لأنه لم يصادف فيه خيرا، وكيف يفلحون وقال فيهم: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) وكيف يفلحون وسماهم ربنا مفسدين؟! وإصرار المفسرين على التضمين ليس بحجة لأن مرجع ذلك إلى الاستنباط والفكرة وطريق المعرفة بها الروية ومستقاها سفْر الخاطر في صيدها حتى يكشف له عنها. فإذا كان كذلك، لزم ما رُمْته، وصح به ما قدمته. وإذا الأمورُ تشابهت ... لزمتُ بعضَ أصولها وإذا الوجوهُ تَشعَّبت ... أخذتُ خير فروعها * * * قَالَ تَعَالَى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) (٣). ذكر أبو حيان والزمخشري والعكبري: سأل أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومَظِنّة له، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذريتي فأوقعه فيهم، أو ضمن (أصلح) معنى (الطف) بي في ذريتي لأن أصلح يتعدى بنفسه كقوله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) ولذلك احتيج قوله: (فِي ذُرِّيَّتِي) إلى التأويل. وقال الآلوسي: أصلح: نزل منزلة اللازم ثم عدي بـ (في) ليفيد ما أشرنا إليه من سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم وإلا فكان

стр. 428

الظاهر: وأصلح لي ذريتي، وقيل: بـ (في) لتضمنه معنى (الطف) أي الطف بي في ذريتي والأول أحسن. أقول: لقد ضمن الزمخشري وغيره كما ذكرت فعل (أصلح) معنى (الطف أو هب) ولطف يتعدى بالباء لا باللام قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ). ولعل السياق يعدل بنا عن (الطف) إلى (بارك). والمتعدي باللام وبفي. لدلالة تضمنه على الغرض من الدعاء. فإذا دعا بنزول البركة، وحلَّتْ على الذرية فهذا ثمرة الإصلاح وغايته، إذ كيف يبارك اللَّه في ذرية غير صالحة، وكيف تكون موطنا للصلاح إن خلت من البركة؟! فجاء اللفظ كالتنبيه على الأخذ بالأسباب لتطلب، ويُجتَهد في تحصيلها. فإذا دعا بالبركة فقد دعا بتوفر أسبابها، وأعلاها وأجلها الصلاح. إن أمل المؤمن وقد ودَّع شطرا من عمره، وهو على أبواب شطر آخر، لا يدري منتهاه أن يبقى له عمل صالح من بعده، ويتحقق له ذلك لو بقي موصولا في ذريته، ولا أروح لقلبه من أن يرى في عقبه صالحا يدعو له بالبركة ويستكثر منها ويستزيد، وهي آثر عنده من كنوز الدنيا وزينتها ... أرأيت إلى التضمين في حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، لعنايته بالمعنى، وتَحقيه به، وتزكيته، وتصويره إياه! - فاجزني بدعاء ... فانت للبِرِّ أهلُ - * * *

стр. 429

قَالَ تَعَالَى: (وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (١)؟! قال أبو حيان: عدي الفعل باللام على سبيل التضمين، أي اثبت بالصبر على عبادته، وأصله أن يتعدى بـ (على)، (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أ. هـ، ومثله البيضاوي. وقال الآلوسي: لا يلائم - كما في الكشف - فصاحة التنزيل للعدول عن السبب الظاهر إلى الخفي وتعدية الاصطبار باللام مع أن المعروف تعديته بـ (على)، كما في قوله تعالى: (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيها فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمبارز: اصطبر لقرنك: أي أثبت له فيما يورد عليك من شدّاته، وفي إشارة إلى ما يكابد من المجاهدة وأن المستقيم من ثبت لذلك ولم يتزلزل. وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا عدي اصطبر بـ (على) التي هي صلته، كقوله (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)؟ قلت: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أي اثبت له فيما يورد عليك من الشدائد، يريد أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق، فاثبت لها ولا تَهِن، ولا يَضِق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل الكتاب إليك الأغاليط، وعن احتباس الوحي عليك مدة، وشماتة المشركين بك. أقول: اصطبر على وزن افتعل، ومن معاني هذه الصيغة: الاجتهاد والطلب. تقول: اكتسب: اجتهد في طلب الكسب، والاجتهاد في طلب الصبر هو السكينة والراحة والطمأنينة المتعدية باللام، وبذلك يؤدي الغرض

стр. 430

من العبادة، ويصل إلى المطلوب من السكن والسكينة وبرد اليقين. العبادة تكاليف ... فليرتفع في كل حركاته وسكناته ونياته إلى أفق العبادة الوضيء الشفيف، أفق المثول بين يدي المعبود، إنه لمنهج يحتاج إلى مصابرة لما فيه من مشقة ومكابدة ومعاناة. وبهذه اللام جمع إلى المصابرة سكينة النفس وراحة الضمير وطمأنينة القلب إذ ليس لهذا المعبود من نظير، فكيف لا تسكن النفوس إليه وترتاح القلوب بين يديه؟! إذا وجدت لهيب الضر في كبدي ... عمدت إلى صلاة الليل أبْتَرِدُ فإن صح ما رمته وثبت ما قدمته، كان الصبر (المضمن) الذي راضى نفسه فيه وشقت عليه تكاليفه، سبباً في راحة النفس وسكينتها (المضمن فيه) فالعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية. وبهذا جمع التضمين شعَاع المعنى فصوره في مكابدة الجسد على أشق الأحوال، وفي سكينة النفس على أنزه الصفات، فوسم أغفاله، وأفاء فوارده. ففي الصبر إطفاءْ لنار صبابة ... هى في الضلوع مضطرم * * * قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (١). قال أبو حيان: على العالمين يتعلق بـ (اصْطَفَى) وضمنه معنى (فضَّل) فعداه بـ (على) ولو لم يضمنه معنى فضل لعُدي بـ (مِن). ومثله قال الجمل

стр. 431

والآلوسي. وغيرهم. أقول: إن عملية الاصطفاء فيها اختيار أفضل الموجود فاصطفاء هؤلاء الأنبياء معناه اختيارهم على سواهم نتيجة الاصطفاء فلا مَنقبة ولا مَحمدة إلا وهم زيت مصباحها، ولا حسنة إلا وهم مفتاحها. فتضمين (اصطفى) معنى (اختار) والمتعدي بـ (على) أحرى بالقبول لموقعه من الفصاحة، ومراعاة للسياق. والصفوة هم الخِيَرة: قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ). وفي صيغة الافتعال ما ليس في التفعيل من الظلال ويبقى لى (على) هذه في علو قدر الرسل على سائر الخلق مزية الكشف عن التضمين الذي يُفزَع إليه ويُقتاس به كلما أوعرت بنا المسالك في الاهتداء إلى موطن الأسرار، فتدثَّر بمعانٍ بهيجة من الاختيار والاصطفاء والتفضيل من وراء التضمين ... وقد جُمعَ تحت دثاره كل معنى شريف يعطر بشَرَه، ولا يعُرُّ جوهره. كم فيهم من حاتم في الندى ... قد فاق في الفضل على حاتم * * *

стр. 432

قَالَ تَعَالَى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (١). قال الآلوسي: ذكر النحاس: صنعت الفرس أحسنت القيام عليه وقال قتادة: تُصنع على عيني: تربى وتغذى على رعايتي وحفظي وإرادتي ومرأى مني، وهو اختيار أبي عبيدة وابن الأنباري. وزعم الواحدي أنه الصحيح، ويحتمل أن تكون لام (كي) سُكنت تخفيفا ولم يظهر فتح العين للإدغام. قال الخفاجي: وهذا حسن جدا. والعين مجاز مرسل أطلق السبب (العين) على المسبب (الرعاية). أقول: مقام رفيع ومرتبة عالية، قوى جبارة وطاغية تتربص بالرضيع فتضمن (صنع) معنى (أحال) والمتعدي بـ (على)، وهو أظهرُ للمعنى وأكشف للمراد من (ربَّى وغذَّى) فليست الصناعة تغذية وحسب. تقول: أحلت عليه الأمر جعلته مقصورا عليه في جميع شؤونه، فاللَّه أحال الرضيع على رعايته، وقصر أمر تَنشِئته على عنايته وحراسته وتحت بصره، فيربى على حالِ أمنٍ وظهورٍ من الرحمة والشفقة والليان، لا تحت خوف واستسرارٍ وطغيان. فلقد سبقت محبة اللَّه صناعته الفريدة على مدى حياة موسى حين أحاله على عينه، وقصره على رعايته وجعله تحت بصره لا يغيب عنه ليكون درعا تتكسر عليه سهام البغي والشر والعدوان. فجمع التضمين المعنيين: التربية في هذه الصناعة والإحالة. مقام رفيع لموسى ﵇ كما قلت، وأرفع منه ما منحه لسيد الرسل ﷺ (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا). إنه تعبير فريد في القرآن كله لم يُوجَّه إلى نبي

стр. 433

أو رسول غيره، فأي قلم يملك أن يترجم عن شفافيته؟! حتى اللغة تطرب من سعادتها حين حملت هذا المعنى تيَّاهة بفن من التصوير من البديع الخبير، فأصابت بألفاظها مواقع الشعور انتزعتْها في أسلوب، لتظهرها في أسلوب هو أوفى من سواه وأبدع ... يا له من تقدير ... لم يُحل نبيه على عينه حين أمره بالصبر كما أحال أخاه موسى من قبله، بل جعله في عينه، لا بل في أعينه فلا يغيب عن بصره ... وحسب أرباب البيان أن يتفيئوا هذه الظلال ويستنشقوا من خمائلها ... من زهرها ... من عبيرها ... متذوقين من سَنْا إعجازه على سعته وتناشره. رعشات بيان من نور المادة اللغوية تجعل اللفظ ينبوع نور يتفجر يخلع على معناه ألوانا بهيجة، تعجز الأقلام عن تصورها. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) (٢). إبراهيم الخليل، الأواه الحليم ﵇ يتشوف إلى السرِّ في إحياء الموتى! وليس التشوف هذا للبرهان أو تقوية للإيمان بل هو مذاق آخر، بل ليرى القدرة وهي تُعيد ما بدأت لتستروح بها نفسه ... ينشد الاطمئنان حين ينكشف المحجوب عنه، وإلا فالسر يعلو على البشر إدراكه، وإنما يشهدون آثاره. ويستجيب الحكيم لهذا التطلع (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ).

стр. 434

ذكر الجمل: قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها وتخفيف الراء. صاره يصيره ويصوره: قطّعه أو أماله. وذكر الزمخشري: قرأ ابن عباس بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء صرّه يُصِيّره إذا جمعه. ثم جزئهن على الجبال، ثم ادعهن ... وقال الآلوسي: قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد (فصِرهن)، والباقون بضمهما مع التخفيف (فصُرهن) من صاره يصوره ويصيره لغتان بمعنى قطعه أو أماله لأنه مشترك بينهما، وقال الفراء: الضم مشترك بين المعنيين والكسر بمعنى القطع فقط، وهو عربي، وعن عكرمة أنه نبطي، وعن قتادة أنه حبشي، وعن وهب أنه رومي و (إليك) متعلق بـ خُذ باعتبار تضمنه معنى الضم. أقول: فصِرهن: على لغة النبطية بالكسر معناه: قطعهن ومزقهن. وعلى بقية اللغات (فصُرهن) بالضم: اجمعهن. فعلى لغة النبطية لا يتعدى الفعل بـ (إلى) ولا بدّ من تعليق الجار والمجرور بـ خُذ وبذلك يتضمن: (خذ إليك) معنى ازدلف إليك من الزلفى وهي القربى أي قرِّب إليك أربعة من الطير. وفي حديث الضحية قال ﷺ : " فطفقن يزدلفن إليه ". والمعنى: فقرب إليك أربعة من الطير فقطعهن أو مزقهن ثم ادعهن يأتينك سعيا. ولعل تضمين الأخذ معنى الازدلاف أولى في سياق الآية من الضم كما ذكر الآلوسي، أو التجزئة أو التقطيع كما ذكر آخرون. * * *

стр. 435

قَالَ تَعَالَى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (١). قال أبو حيان: ضمّن يضربن معنى يُلقين ويضعن، فلذلك تعدى بـ (على)، كما تقول: ضربت بيدي على الحائط: إذا وضعتها عليه. ومثله الزمخشري. وقال الآلوسي: عُدِّي يضرب بـ (على) كما قال أبو حيان بتضمينه معنى الوضع والإلقاء وقيل: معنى الشد. وفي اللسان: ضرب بيده إلى كذا: أهوى. وضرب على يده: أمسك. أقول: لقد تضمن (ضرب) معنى (شدَّ) والشد على الشيء: المبالغة فيه. وشد الخمارِ على جيب القميص لتغطيته وستره. لماذا؟ وقد كانت في الجاهلية تمر بين الرجال مكشوفة الصدر إلى معاقد أثدائها .. ؟ فلماذا استبدل سبحانه الضرب بالشد والإدناء (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) والإرخاء والإلقاء؟ لقد جاء التعبير بالضرب لنقف مدهوشين من خطورة الحجاب تشع من حوله ظلال الفتنة: ١ - فلا تتعرض لبَّات الصدور ومرايا الفتنة للعيون الجائعة، أو تكون كمينا للنظرات الخاطفة. ٢ - إغلاقاً لنوافذ الفتنة وأسباب الغواية لضعاف النفوس. ٣ - استعلاءً على الرغبة في كشف المحاسن أو الرغبة في إطلاع غير المحارم على المفاتن.

стр. 436

٤ - طهارةً للمشاعر من التلوّث، وصيانة للأعراض من الشبهات. ٥ - ثم جاء التعبير بالضرب من دون الإدناء والإرخاء والشد والوضع والإلقاء لئلا يقع فيه إلباس، فربما يكون في غُلو الضرب وقسوته وجفاء طبعه ويبوس لفظه ما يصرفنا عن ماء رَسِيله وصِقاله وملاطفته ورِفقه، والسياق كما مر بنا ترفُّع عن الظنون الردية وأنَفَة عن الرضا بالدنية فمتى كانت الخفرات الناعمات المحتشمات يضربن؟!. وهكذا يشحن التضمين في لفظ (يضربن) الشعور النفسي بشحنة من فقه الواقع الحياتي وفي تناسق فني عجيب ليُمهد الطريق لإزالة كل غَبَش يُلقيه أهل الكفر والنفاق على العيون، أو دنسِ يلوثون به الفطرة البشرية في عالمنا المفتون. ويرتفع بالذوق الجمالي اللائق بالإنسان المكرم فوق كل مثال (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) قالت عائشة ﵂ ما رأيت أفضل من نساء الأنصار وأشد تصديقاً لكتاب اللَّه لما نزلت (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ). فما من امرأة إلا قامت إلى مرطها المرجل فاعتجرت به. فأصبحن وراء رسول اللَّه ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان. ارتفع الذوق الجمالي فصارت الحشمة هي الجمال في عالم الحس والخيال. * * *

стр. 437

قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (١). ذكر العز: ضمن يضل (معنى) (يجني) وقدرها أبو عبيدة باللام: يضل لها أي لنفسه وهواه والضلال: الغي وأضل معناها أغوى. (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ): لأغوينهم. وقَالَ تَعَالَى: (أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا): أغوى منكم. فإذا تعدى بـ (عَنْ) تضمن معنى (حَرَف وعَدَل) ذكر الدامغاني: الضلال: الاستنزال عن الشيء. قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي يستنزلك عن طاعة الله. فهو استنزال مع انحراف وإذا تعدى بـ (في) تضمن معنى: تاه وغاب قَالَ تَعَالَى: (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ). أقول: وإذا تعدى بـ (على) تضمن معنى (جنى) كما قال العز أو جرم وأجرم. سر الضلال ومستودعه ستلقاه جناية وجريمة على صاحبه، وعلى هذا يكون المعنى: ومن غوى فإنما تجني غوايته على نفسه، ومن أجرم فإنما تنجرُّ عليه جريمته وتنسحب. (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) إنها التبعة الفردية والناموس الكوني المرتبط بقاعدة الجزاء بالعمل ولا يسأل حميم حميماً

стр. 438

(أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) و (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا). إنه التصوير الفني في تشخيص المعنى بصورة حسية، وإنه التضمين في التعبير عن غرضه واستشفاف معناه. كالزهر في نفحاته ... والغيث في جدواه * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (١) قال أبو حيان: النحويان وابن كثير: بظنين: أي متهم وهذا نظير الوصف السابق بـ (أمين) وقيل: بضعيف القوة على التبليغ من قولهم: بئر ظنون أي قليلة الماء. وكذا هو بالظاء في [مصحف] عبد اللَّه وباقي السبعة بالضاد أي بخيل يثح به لا يُبلغ ما قيل له ويبخل كما يفعل الكاهن. وذكر البروسوي: وقرئ بظنين على أنه فعيل بمعنى المفعول أي بمتهم، فهو ثقة في جميع ما يُخبر. والكفار لم يُبخلوه وإنما اتهموه، ونفي التهمة أوْلى من نفي البخل، ولأن البخيل يتعدى بالباء لا بـ (على). وزاد الآلوسي: والبخيل لا يتعدى بالباء إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه. وذكر الجمل قوله (على الغيب)، متعلق بظنين أو بضنين فـ (على) الأول بمعنى (في)، وعلى الثاني بمعنى الباء أي فلا يبخل به عليكم، بل يخبركم به ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين: أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه، فنفي التهمة أولى من نفي البخل،

стр. 439

والآخر (على الغيب) فإن البخل لا يتعدى بـ (على) وإنما يتعدى بالباء أقول: لا سند لقول الجمل (على) بمعنى (في) ولا لقول عُضيمة: (على) بمعنى الباء، أو بمعنى (في) وإنما هي على أصلها، وما هو (بمتهَمٍ) لكنه (مؤتمن) والمتعدي بـ (على) فهذا من طريف هذه اللغة الشريفة جبريل الملقِي يحمل وُيبلغ، ورسول اللَّه ﷺ المتلقي: صاحبكم تعرفونه برجاحة عقله وصدقه، صاحبكم الذي لا تجهلونه: الأمين على الغيب، يحدثكم عن يقين. وقد أطلقتم عليه: الأمين والصادق، فإن لم يكن متهما فهو مؤتمن، فأين تذهبون بأقوالكم هذه فيما تزعمونه اليوم بأنه ساحر وشاعر ومجنون؟! فما هو على الغيب بضنين، إنما هو على الغيب مؤتمن. إنه الهوى والحقد الدفين يفضح ما في الصدور من مكنون ومستور. نعم .... موضوع السياق مغفول عنه، غير مأبوه له، ودليله غير مدفوع، شاهد على مَن ذهب إلى خلافه. * * *

стр. 440

قَالَ تَعَالَى: (النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ) (١). ذكر ابن العربي: لعدتهن قيل: المعنى في عهدتهن واللام تأتي بمعنى (في) قَالَ تَعَالَى: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) أي في حياتي وهذا فاسد حسب ما بيناه في رسالة الملجئة وإنَّمَا المعنى فطلقوهن لعدتهن التي تعتبر، واللام على أصلها. كما تقول: أفعل كذا لأجل كذا، ويكون مقصود الطلاق والاعتداد مآله الذي ينتهي إليه، وكذلك قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) يعني حياة القيامة التي هي الحياة الحقيقية. وذكر ابن كثير: قال ابن عباس: لا يطلقها وهي حائض، وفي طهر قد جامعها فيه، وقال عكرمة: العدة: الطهر والقرء: الحيضة، ولا يطلقها وقد طاف عليها ولا يدري حبلى هي أم لا؟ وقال الزمخشري: إذا كانت العدة ظرفاً للطلاق وزمانه هو الطهر، فالطهر عدة إذاً، واللام فيها كاللام في قولك: لليلة بقيت من محرم. وذكر الجمل: أن اللام في الأزمان وما يشبهها للتأقيت وفي قراءة فطلقوهن من قبل عدتهن. وذكر الجلالين: لعدتهن: لأولها وقيل: مستقبلات لعدتهن. وروى الألوسي: أي لاستقبال عدتهن واللام للتوقيت نحو: كتبته لأربع ليال بقين من جمادى الأولى، أو مستقبلات لها على ما قدره الزمخشري. وروى القرطبي: قال الجرجاني: اللام بمعنى في كقوله تعالى: (لِأَوَّلِ

стр. 441

الْحَشْرِ) أي في أوله (لِعِدَّتِهِنَّ) أي في عهدتهن أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن وذلك في حال الطهر أقول: والصواب إبقاء الحَرف على أصله فليست اللام في معنى في، وتضمين (الطلاق) معنى (التسريح) أول على الفرض واللام. على اتساع مراميها. محتسبة هنا في منظور لا تملك الخروح عنه هو: مآل الاعتداد للمعتدة أو (فاصبروهن لعدتهن) أي فامسكوهن في البيوت لعدتهن. فاصبر مما يتعدى باللام كما ترى وهو مما أهملته المعاجم. تضمن الطلاق إذاً التسريح أو معنى الصبر والإمساك. (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) وعقب على الطلاق في السورة بمعان كثيرة: كالأمر بالمعروف، والمسامحة والتراضي، وإيثار الجميل، والترغيب في الخير، ثم كرر التقوى والمراقبة للَّه مرات ... نقف مدهوشين من هذا الاهتمام أمام حالة هدم لا حالة بناء .. ولأسرة

стр. 442

لا لدولة .. فما يعني هذا: لعل فيه دلالة على خطورة شأن الأسرة تشع منها المودة والرحمة وترف من حولها ظلال المحبة .. يتنزل عليها الندى .. يفوح منها العبير .. وفي كنفها تنسج وشائج الرحمة .. خيوط التكافل لتثبت الطفولة في رفيف من العطف والحنو في أطهر محضن. الطلاق ليس أمر أسرة أو أزواج بل أمر الأمة المسلمة كلها، ولا يؤاخذ فيه الأفراد الذين يرتكبونه وإنما الأمة التي تقع فيها هذه المخالفات. لقد ذاقت أمم وشعوب الوبال حين عتت عن منهج اللَّه. ذاقت فساداً وانحلالاً وفقراً وقحطاً وجوراً .. وهذا الدين نظام جاء لينشئ أمة فالجماعة كلها مسؤولة عنه وعن أحكامه. أسكنوهن .. ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن .. فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن .. لينفق ذو سعة .. سيجعل اللَّه بعد عسر يسرا .. لا عقابيل بغير علاج .. ولا قلاقل تثير الخوف، عالج القرآن الهواجس في القلب بالسماحة التيسير ... أبعد شبح الفقر إذا أنفق ووسع على زوجته، عالج ما أدى إلى الطلاق من غيظ وحنف ومشادة ومسحه بيد الرفق ونسم عليه من ينابيع المودة بلمسات التقوى. ولا تضاروهن .. نهى عن كل ألوان العنت وأوكله إلى التقوى، وعوضه في مسألة الرزق .. كل ذلك مما يدل على عظيم اهتمامه بشأن المرأة والتي يدخل منها المغرضون للنيل من الشريعة المحمدية بأنها لم تعط المرأة حق الرعاية والاهتمام. * * *

стр. 443

قَالَ تَعَالَى: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (١). ذكر العز والزركشي: مضمن معنى (مُميّزك) من الذين كفروا. وقال الآلوسي: يحتمل أن يكون تطهيره بتبعيده منهم بالرفع، ويحتمل أن يكون بنجاته عما قصدوا من القتل. وذكر أبو حيان: جعل الذين كفروا دنساً ونجساً. فكنى عن إخراجه منهم وتخليصه بالتطهير. وقال أبو السعود: ومطهرك من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم. وذكر الراغب: مطهرك: مخرجك من جملتهم ومُنزهك أن تفعل فعلهم. ومثله الزبيدي. أقول: ولعل تضمين (مطهرك) معنى (مُستخلصك) و (مُجْتبيك) و (مُنجيك)، أكشف للمعنى وأصح لتأديته، وأسفر عن وجهه من التمييز والتبعيد والإخراج. وما جاءت الطهارة إلا إيماءً إلى رجسهم ودنسهم. فاللَّه قد اصطفاه من مخالطتهم، واجتباه من سوء عشرتهم، للمزايا التي فيه وفي المصطفَيْن الأخيار من إخوانه. فلا يريبك ما توقمه بعضهم من لفظ (مطهرك) وإنما هو التضمين بعذوبته ومائه، جمع اللَّه قلبه للطهارة ونجاه من أرجاسهم ولأوائهم واستخْلصه من مخالطتهم والبقاء في مستنقعاتهم، فاللفظ في التضمين

стр. 444

يتفتح عن رصيده المذخور وإيحائه المتجدد. بالتعريض والتلويح، والإيماء دون التصريح، وكيف تصرفت الحال في تضمين الطهارة فإنها تدرأ عنه شناعة دنس الكافرين ورجسِهم. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (١). ذكر ابن الشجري: أي أظهركم عليهم. وذكر الجمل: مُظهرا لكم عليهم، فتعدية الفعل بـ (على) لتضمَّنه ما يتعدى به وهو الإظهار والإعلاء، أي أظهركم فصح تعديته بـ (على). وقال القرطبي: أظفركم مُظهرا لكم، فتعدية الفعل بـ (على) لتضمنه ما يتعدى به وهو الإظهار والإعلاء أي جعلكم ذوي غلبة وذكر الآلوسي: قال الزمخشري: الفرق بين الظفر على الشيء والظفر به من حيث الاستعلاء وهو كائن لأن المشركين اصطلحوا وهم مضطرون ورسول اللَّه ﷺ وأصحابه مختارون وفيه دغدغة لا تخفى. أقول: في الآية إشارة إلى الأربعين أو السبعين من المشركين الذين أرادوا أن ينالوا من معسكر المسلمين، فأسروا وسيقوا إلى رسول اللَّه ﷺ فأخلى سبيلهم وعفا عنهم. و (ظفر) يتعدى بنفسه وبالباء. نقول: ظفرت الشيءَ وظفرت به: فزت به ونلته. فإذا تعدى بـ (على) فقد تضمن معنى (الغلبة والاستيلاء والاستحواذ

стр. 445

والإظهار والإعلاء ... ) ومن معاني (أفعل): التمكين ٠ أي مكنكم من الاستيلاء والاستحواذ على المشركين. وهو البصير بكل خاطرة وكل حركة وكل حادث وقع لكم، وهو يختار لكم عن علم وعلى بصيرة، ولن يضيعكم إذا استسلمتم له. بلا ترقد ولا تلفت موقنين أن الأمر كله له، وأن الخيرة فيما اختاره لكم، وأنكم مسيرون بقدرته ومشيثته، وأنه يريد بكم الخير (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ... لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ). وهكذا يكشف التضمين عن جانب من: - حكمة اللَّه المغيبة وراء تدبيره ... ليدخل اللَّه في رحمته من يشاء .... - وسبب اختيار اللفظ ليضيء به المعنى وينبّه على أسبابه. * * * قَال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا) (٢). ذكر العز بن عبد السلام: أي فكفروا بها ظالمين، أي فكذبوا بها ظالمين. وقال القرطبي: جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله. وذكر الآلوسي: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) بآياتنا متعلق بـ يظلمون لتضمنه معنى (يكذبون أو يجحدون). وكذلك أبو حيان. وقال الزمخشري: كذبوا.

стр. 446

أقول: تضمن (ظلم) معنى (خان وختل وخدع) وهذه تتعدى بالباء لأن نفوسهم الظالمة خدعتهم فالقرآن معجزة الإسلام الباقية إلى يوم القيامة يخاطب الفكر والقلب ويلبي الفطرة. أما المعجزة المادية فتقتصر على من يشاهدها. فثمود الذين طلبوا آية جاءتهم الناقة وفق طلبهم ولكنهم جحدوا بها فأوردوا أنفسهم موارد الهلكة تصديقا لوعد اللَّه بإهلاك المكذبين بعد مجيء الخوارق والمعجزات، وقد رأوا المعجزة الباهرة في الناقة المبصرة. لقد جمع التضمين الظلم إلى الجحد، والتكذيب إلى الخيانة والختْل والخدْع في هذه الباء، ظلموا أنفسهم فخسروها وجحدوا بآية مرئية فأنكروها، وكذبوا بآية حسية وختلوا وخدعوا وخانوا فاستحقوا وقوع العذاب. وبهذا جمع التضمين هذا الشتات فأوعى. إنه التضمين يكشف عن طبيعة الصنعة في هذه اللغة الشريفة، وعن الغرض من إبدال هذه الحروف، والإشعاع المنير الذي يستضيء به الفعل حين يمسه حرف لا يألفه ولا يأنس به فإذا له خيال مشبوب كأنما كسبت روحه قوة، وشبَّت في نفسه شبابا يزيد في معناه، ويتفتح عن رصيده المذخور، وإيحائه المُتجدد. * * *

стр. 447

قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا) (١). ذكر العز بن عبد السلام: أي فكذبوا بها ظالمين، فضمن (فظلموا) معنى (كذبوا أو معنى كفروا) لإفادة المعنيين. وقال القرطبي: فظلموا أي كفروا ولم يصدقوا. وقال الآلوسي: فظلموا بها والظلم يتعدى بنفسه لا بالباء إلا أنه لما كان هو والكفر من واد واحد عدي تعديته أو بمعنى الكفر مجازا وتضمينا أو هو مضمن معنى التكذيب أي ظلموا كافرين بها أو مكذبين بها. وقول بعضهم: إن المعنى كفروا بها مكان الإيمان الذي هو من حقها لوضوحها، ظاهر في التضمين. قال أبو حيان: وتعدية ظلموا بالباء إما على سبيل التضمين بمعنى كفروا بها وإما أن تكون الباء سببية أي ظلموا أنفسهم بسببها. وقال الأصم: ظلموا تلك النعم بأن استعانوا بها على معصية الله. أقول: العربية مرنة سمحاء يتسع اللفظ فيها لحاجات كثيرة. لقد تضمن (الظلم) معنى (الكفر) فعدي تعديته، والكفر من أقبح الظلم وأشنعه وأسلوب القرآن يكرر من كلمة الظلم ويضمنها معنى الكفر، والكفرة يظلمون الحقيقة الكبرى في هذا الوجود ... حقيقة التوحيد. يظلمون أنفسهم في رميها في موارد الهلكة في الدنيا والآخرة ... ويظلمون الناس في عبودية الأرباب والطواغيت ويخدعونهم ... وما تحرر الإنسان واستقام إلا في ظل عبوديته لله وحده. عقيدة، وعبادة، وشريعة.

стр. 448

كما يتضمن (الظلم) معنى (التكذيب) ... والكَذَبَة يفترون على اللَّه وعلى الناس ما شاؤوا ... لطمس الحقيقة وأي ظلم أفحش من طمس الحقيقة!! هكذا يجمع التضمين فوارد المعنى، فيعلو فيه قدره، وتسبق إلى الأنفس ثقته. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (١). ذكر الزمخشري: أي لا يُنقصهم شيئا مما يتصل بمصالحهم، من بعثة الرسل وإنزال الكتب ولكن يظلمون أنفسهم بالكفر والتكذيب. وذكر ابن عباس: لا يُنقصهم من حسناتهم ولا يزيد على سيئاتهم. وقال الآلوسي: (شيئا) مفعول ثانٍ ليظلم بناء على أنه مضمن معنى (يُنقص). أقول: ولعل البخس أدنى إلى الظلم من النقص وأسوغ، فهل بخسهم ربهم حقهم في تبيين أسباب الهداية. لقد وفر لهم كل مقوماتها ... فلم يطمس جوارحهم لئلا تتعطل وظائفها، وأنزل لهم الكتاب، وبين لهم المنهج، وأرسل رسوله يبلغهم دعوته، فنفى تعالى بذلك الظلم عن نفسه. ولكنهم عطَّلوا حواسهم مختارين في تكذيبهم للحق، وعنادهم الصفيق للهدى، فارتكبوا أعظم القبائح بحق أنفسهم ومجتمعهم في تعطيل مداركهم، فليس بعد هذا وسيلة أخرى تنجح معهم بهذا الشمول وبهذه الدقة.

стр. 449

وهذه الآية تسرية عن قلب النبي ﷺ ألا يذهب حسراتٍ عليهم لأنه لم يُقصر في تبليغهم، وأن اللَّه لم يبخسهم أسباب هدايته. أرأيت كيف جعل التضمين المتعدي لمفعول متعدياً لمفعولين، فأضاف إلى الظلم البخس حين جعل فيه عصارة جديدة من ماء الحياة! لقد أمتعنا من حديثه تأنيساً بهذه اللفتات ومن حديث يزيدنا مِقةْ ... ما لحديث الموموق من ثمن ولو جاءت الآية (إن اللَّه لا يبخس الناس شيئا) لضاع علينا نفي الظلم. إنه التضمين جمع إلى نفي الظلم، نفيَ البخس، فكانت له الحُظْوة إلى الإيجاز والإعجاز، وفي عرض حقيقة من حقائق العقيدة الكبرى في محيطها الشامل. * حسب اللبيب بهذا الخير من هاد * * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) (١). ذكر العز: أي يُكذبون بها أو يكفرون بها ظالمين - على التضمين - وقال الآلوسي: بآياتنا متعلق بـ يظلمون وقُدم عليه بالفاصلة وعُدِّي الظلم بالباء لتضمَّنه معنى التكذيب أو الجحود. وقال أبو حيان: ويتعلق (بآياتنا) بقوله يظلمون، تضمن معنى يُكذبون أو لأنها بمعنى يجحدون، وجحد يتعدى بالباء قَالَ تَعَالَى: (وَجَحَدُوا بِهَا). أقول: ولعل يستخفون ويستهينون أظهر في تصوير موقفهم من

стр. 450

(يكفرون)، فالاستخفاف من أقبح الظلم وأشد الكفر لأنه استهانة بآيات الله، وأقوى صلة بخفة الموازين، وشناعةِ الخسران المهين. وما دام الوزن هو الحق فلا مغالطة مع الميزان، ولا تلبيس. لقد خسروا أنفسهم باستخفافهم بآيات ربهم، فماذا يبقى بعد أن تخِف موازينُه ويخسرَ الإنسان نفسه! فالتضمين جعل الظلم هنا يتسع إهابه لمعنى الاستخفاف غير محتبس في منظور ضيق حدده له السياق سياق الخسران، وانعقدت من ورائه مقابلة بين الخفة والاستخفاف، أفصحت عن صورة من صور الإعجاز نضرها لنا التضمين وفتق أكمامها فالجزاء من جنس العمل. لم ورد التعبير بالظلم ولم يرد بالاستخفاف؟. لو جاء - بآياتنا يستخفون - لغاب عنا معنى طمس الحقيقة، والذي ينضوي تحت كنف الظلم، فاستوفى بالظلم بيان السبب واستقصى شرح علته. فاللفظ في القرآن يمتاز بالتعبير عن أكثر من مدلول: يحمل معنى، ويومئ إلى معنى، ويستَتْبع معنى، مع التناسق العجيب بين هذه المداليل، فلا يُغني لفظ عن لفظٍ في موضعه، وكل مدلول يستوفي حظّه من الوضوح. وقليل من الناس اليوم قادرون على تذوق التعبير القرآني والاستمتاع بخصائصه الفنية لبُعدهم عن أساليبه وانصرافهم عن إعجازه. كل لفظ زهرة، وكل زهرة ابتسامة تحتها سرّ دفين. * * *

стр. 451

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ) (١). وقال: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) (٢). قال الزمخشري: ضمن ظاهر معنى باعد. وقال الآلوسي: وعدي بـ (مِنْ) وهو يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التباعد مما فيه معنى المجانبة والابتعاد. وقال الأزهري: خصوا الظهر لأنه محل الركوب والمرأة تُركب إذا غُشيت فهو كناية تلويحية أقول: تضمين (ظاهر) معنى (باعد أو فصل) لا يترسم سبيل الظهار ولا يشارف معناه إلا على استكراه. ولعل تضمينه معنى (امتنع). يأنق له ويرتاح لاستعماله. فما جعل اللَّه أزواجكم اللائي تمتنعون منهن أمهاتكم ... فلا هي مطلقة فتتزوج سواه، ولا هي زوجة فتحل له. وفي هذا منتهى قسوة الجاهلية للمرأة، وسوء معاملتها، والاستبداد بها، وسَوْمِها العَنَت. لقد أوْلاها الإسلام ما يليق بها من العناية ورفع الخسف، فجعل الطهارة تحريما مؤقتا للوطء، كفارته: عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا. وسلمت الأسرة من التصدع والاضطراب والفوضى السائدة في الجاهلية كما سلمت من نزوات الرجال وعنجهيتهم فجمع التضمين المعنيين: الظِهار والامتناع. إنه التضمين، مسلكه يدق، والتلويح بالغرض أدمث من التصريح وأعذب.

стр. 452

- رُبَّ طرف مُصرح ... عن ضميرٍ بما هَجَس - * * * قَالَ تَعَالَى: (خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (١). قال الزمخشري: يجوز ألا ينتصب (سيرتها) على الظرف أي سنعيدها في سيرتها، أو يكون أعاد من عاده بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين. ووجه ثالث أن يكون (سنعيدها) مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها، أي سنعيدها كما أنشأناها أولاً، ونصب سيرتها بفعل مُضمر أي تسير سيرتها يعني سنعيدها سائرة سيرتها الأولى: عصاً يتوكأ عليها. وقال أبو حيان: سيرتها بدل اشتمال من الضمير المنصوب في (سنعيدها). وقال أبو السعود: منصوب على نزع الخافض أي: إلى سيرتها، أو على الظرفية: سنعيدها في طريقتها، أو تقدير حال من المفعول: نعيدها عصا تسير سيرتها الأولى. وقال البيضاوي: انتصب على نزع الخافض، ويكرر مقالة من سبق. ومثله كرر الجمل والبر وسوي. أقول: المشهد يبرز القدرة في صورة بصرية - حية تسعى - وفي صورة غير مبصرة حين يسري الإيمان في قلوب الكفار فيُحييهم فإذا هم مؤمنون. ويتم التنسيق بين الخوف الذي ينتاب موسى ﵇ وبين الطمأنينة التي يسكبها ربنا على قلبه، فيلتقط الحية وهي تسعى فترتد عصا من جديد، تتحول بقدرته سبحانه، كما يسلب الإيمان من قلوب بعض المؤمنين فإذا هم كافرون. لقد منحها الحياة فدبَّت وسعت لتشهد بقدرته ثم ردها سيرتها في سلب الحياة

стр. 453

لتشهد بقدرته أيضاً. وبهذا يغنينا التضمين في (رد) عن العديد من التأويلات النحوية في النصب على الظرفية أو نزع الخافض أو بدل الاشتمال أو المفعول بفعل محذوف ... مما يجفف منابع الجمال في النص والتي كشف فيها التضمين عن سر المعجزة في تعبيره المعجز - سنعيدها - سنردها سيرتها الأولى، وصور الرد وإعادة التكوين كثيرة لا تحصى، تُثري النصَّ بمعانٍ تجاوبت بها جنبات الوجود حين أنهى اللَّه إلى عبده أصول التوحيد وكلياته بقوله سنعيدها: سنردها لقد كشف عن سر المعجزة في نشأة التكوين وإعادته في هذه الكلمة، لأن إعادة التكوين كالتكوين أو أيسر منه، وكلا اللفظين (رد وأعاد) موْنس لأخيه لا يخرج عن فصيلته. ويبقى التضمين في هذه اللغة الشريفة مظهر وحي ومصدر إثراء كالزهر في نفحاته والطل في أندائه، أما لماذا آثر لفظ الإعادة على الرد؟ لعل في هذا الأخير ما ليس في عديله من ظهور المعجزة في التكوين وإعادة التكوين. * * * قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (٢) قال الزمخشري: واللام (للرؤيا) إما أن تكون للبيان، وإما مقوية للعمل فقصد بها كما يقصد بها اسم الفاعل لانحطاطه عن الفعل في القوة، أو يضمن تعبرون معنى فعل يتعدى باللام: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا.

стр. 454

وقال أبو حيان: واللام في الرؤيا مقوية لوصول الفعل إلى مفعوله إذا تقدم عليه، فلو تأخر لم يحسن. بخلاف اسم الفاعل. ثم نقل عن الزمخشري ما أجازه من الوجوه المتكلفة. وذكر الجمل: للرؤيا فيه أوجه: أحدها: أن تكون اللام مزيدة، زيدت لتقدم المعمول، مقوية للعامل. الثاني: أن يضمن تعبرون: تُنتدبون لعبارة الرؤيا. الثالث: أن تكون (للرؤيا) خبر كنتم كما تقول: فلانا لهذا الأمر إذا كان متمكنا منه. أ. هـ. وقال الزجاج: هذه اللام أُدخلت على المفعول للتبيين وتسمى لام التعقيب لأنها عقبت الإضافة. وقال المرادي: اللام الزائدة مع المفعول به إذا ضعف بتأخيره فزيادتها مقيسة لأنها مقوية للعامل. وقال الزركشي: واللام للتعدية تعدي العامل إذا عجز، لأن الفعل يضعف بتقديم مفعوله عليه. وقال البروسوي: إن هذه اللام لم تذكر في بحث اللامات في كتب النحو ثم ذكر أقوال صاحب الجمل الآنفة. أقول: لعل تضمين عبَّر معنى (فِطن وبيَّن) والمتعديان باللام يصرفنا

стр. 455

عن وجوه متكلفة، ذهب إليها المفسرون، إلى الوجه الذي هو أضْوأ لها وأنْوَه. فالملك رأى رؤيا هالتْه، ولعله توهّم خطرها على عرشه، ولولا تحفيه بها لما استعبرها سأل الملأ من حوله من الحكماء والعلماء والكهنة عن من يجيد عبارتها، أو يبين له رموزها، لكنها أعضلت عليهم، فلم يكونوا لتأويلها بنحارير، ولا لرؤياه بعالمين، أو أنهم أحسُّوا بسوءٍ فيها يُصيبه فرغبوا عن مواجهته. ولو قيل: ما الصلة بين المضمن والمضمن فيه؟ لقلت: أليس التعبير للرؤيا هو تبيين لحقيقتها وما تؤول إليه؟ كذلك الفطانة هي الحذق والمهارة في توضيح غامضها وبيان جليتها. وهل يملك تعبير الرؤيا إلا فطِن؟ وهل يحسن العبور بها من شاطئ الغموض إلى الوضوح إلا الفَهِم؟ ثم هل ينتقل من صورتها النفسية الغامضة أو الشاحبة إلى صورتها الحسية المشرقة إلا مُبين! فليست اللام إذاً مبينة أو مقوية ولا زائدة وإنما هي صلة لفعل (بيّن وفطن) وليس تقديم الرؤيا على فعلها إلا لتوفير الإيقاع الرخيّ في الأداء التعبيري والجرس الموسيقي، فتنزّه في رياض التضمين لتجنيَ قُطوفا زكيّة وشهيَّة يخضرّ فيها اللفظ فيرمي ظلاله وثماره. هو التضمين لا يزالُ مُرتادا ... هي الرؤيا على شطيه أصنافا * * *

стр. 456

قَالَ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (١). قال الزمخشري: عتت ضمن معنى (أعرضت). وذكر القرطبي: عتت: عصت. وقال أبو حيان: عتت: أعرضت عن أمر ربها على سبيل العناد والتكبر. قال أستاذنا الأفغاني: ضمن عتت معنى انحرفت. وقال الآلوسي: وأوجب بعضهم أن يُضمن عتوا معنى التولي أي تولَّوا عن امتثال أمره عاتين. وقال ابن كثير: عتت عن أمر ربها: تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر اللَّه ومتابعة رسله. أقول: عتا يعتو عتوا وعِتياً: استكبر وتمرَّد وتجبر. فالفعل لازم لا يتعدى. وتعديته بـ (عَنْ) حملته على التضمين كما مر فالانحراف أو الإعراض أو التولي وكلها تتعدى بـ (عن). ولكني أوثر التولي على سواه لما فيه من التعالي عن اتباع أوامر اللَّه وعبادته واتباع رسله، ولما فيه من معنى (الصَّلَف) في يبوس لفظه وجفاء طبع صاحبه وعناده وكفره مما يدعونا إلى النبوِّ عنه والريبة منه والتقزز من صورته.

стр. 457

إنذار وتحذير ... فأمر الطلاق ليس أمر أسرة بل أمر الأمة كلها، عتوا عن أمر اللَّه لا يؤاخذ به الأفراد الذين يرتكبونه، وإنما تؤاخذ به الأمة التي تقع فيها المخالفة حين تنحرف عن نهج اللَّه وأوامره، تذوقه فسادا وانحلالا وفقرا وقحطا وظلما وجورا فلا طمأنينة فيها ولا استقرار. فهذا الدين منهج جاء لينشئ أمة مسلمة، فالأمة كلها مسؤولة عنه وعن أحكامه، وتبقى الحجة في تعدية الفعل بـ (عَنْ) أنْور وأبْهر فلولا (عن) لانتهت المادة اللغوية (لعتت) إلى جفاف لا نَسْمة من ورائها ولا إشراق. * * * قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (١). ذكر الجمل: تعدى استعجل بالباء من حيث تضمينه معنى المطالبة، وإلا فالذي في كتب اللغة أنه إنما يتعدى بنفسه. أقول: لا تضمين في الفعل لأنه يتعدى بالباء وليس كما قال الجمل ففي التنزيل: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ). وقَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ). وقال: (لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ).

стр. 458

وقال: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا). وقال: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ). وقال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ). وقال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ). وجاء في الحديث: " لولا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ". وقال ﷺ : " لا تعجلوا بنداء أساراكم ". وقال زهير بن أبي سلمى: فلا تحسبن يا ابن أزنمَ شحمة ... تعخلهاطاهٍ بشيٍّ مُلَهوج فالفعل إذاً يتعدى بالباء ولا تضمين فيه واللَّه أعلم. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨). قال الآلوسي: والمراد بالتعجيل تقدمه عليه لا الإتيان قبل تمام الميعاد، خلافا لبعضهم، والاستفهام للإنكار، لأن العجلة نقيصة في نفسها فكيف من أولي العزم. واللائق بهم المزيد من الحزم. وقال البروسوي: أي شيء حملك على العجلة وأوجب سبقك منفردا عن قومك وهم النقباء السبعون، وأنه سبقهم شوقا إلى ميعاد اللَّه وأمرهم أن يتبعوه (وما أعجلك): سؤال انبساط كقوله: (وَمَا تِلْكَ

стр. 459

بِيَمِينِكَ) لا سؤال إنكار كما ظن أكثر المفسرين. وقال الرازي: وأما قوله (هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) فغير منطبق على سؤاله عن سبب العجلة. أقول: (أعْجلَ) لا يتعدى بـ (عَنْ) وإنما تضمن معنى (أَبْعد) فعجلتُهُ أبعدته عن قومه. فلما سئل عن سببها (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) وغير بعيدين عني، لقد غلب الشوق عليه إلى مناجاة ربه بعد أن ذاق حلاوتها من قبل فهو إليها مشتاق عجول. وقف في حضرة مولاه لا يعلم ما أحدثه القوم خلفه في أسفل الجبل. استعد لهذا اللقاء أربعين يوما ليتلقى الألواح وفيها التوجيه من ربه والذي يقيم عليه حياة بني إسرائيل بعد أن أنقذهم من ذل الفراعنة ليصوغ منهم أمة ذات رسالة. وما كاد يتركهم في رعاية أخيه هارون حتى ينهاروا أمام أول اختبار ... إنه العجل من الذهب أضلهم به السامري وهاهم يتبعون أول ناعق إلى الوثنية، إلى عبادة العجل. والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية، فعجلته سبب في بعد قومه عنه. فجمع التضمين مع العجلة معنى البعد والذي أوحى به الحرف (عن) وقد يحمل المعنى على نقيضه كما يحمل على نظيره: أي ما أبطأهم عنك؟ ويأتي جوابه: هم أولاء على أثري، وعجلت إليك ربي لترضى. إنه التضمين وإنه النور المبين. * * *

стр. 460

قَال تعالى: (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) (١). العجلة: التقدم بالشيء قبل وقته وهي مذمومة. والسرعة: عمل الشيء أول وقته وهي محمودة. قال الزمخشري وأبو حيان والآلوسي: يقال. عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه، ويضمّن معنى (سبق) فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر. والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم. قال أبو السعود: أعجلتم أمر ربكم أي تركتموه غير تام على تضمين عجل معنى سبق. يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم مدتي وغيَّرتم بعدي كما غيَّرت الأمم بعد أنبيائها. أقول: يعود موسى ﵇ من مناجاته لربه لا يدري ما أحدث قومه من بعده ومعه ألواح التوراة. وحين علم بجلية الأمر غضب أشد الغضب وبدا ذلك في قوله وفعله: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي) أسبقتم تعاليمه فعبدتم العجل قبل مجيء أوامره؟! أتعجلتم انتظار أمره وموعده وميقاته الذي وعدنيه أربعين ليلة ففعلتم ما فعلتم؟ وهكذا يكشف التضمين وفي نبرة من غضب موسى ﵇ عن استباق قومه للأحداث وعدم انتظارهم في حفظ عهده وما وصاهم به. ولو كانت الآية - أعجلتم عن أمر ربكم - لانصرف إلى الاستعجال فقط دون الانتكاس الذي وقعوا فيه، وغضب له موسى أشد الغضب، لقد كانت النقلة بعيدة والمفاجأة قاسية أفقدته السيطرة على أعصابه فألقى الألواح وفيها كلام ربه ... تركهم على الهدى ليعود وهم يعبدون العجل.
следующие страницы →