Полный текст (668 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قَالَ تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (١).
قال الزمخشري: عتت ضمن معنى (أعرضت).
وذكر القرطبي: عتت: عصت.
وقال أبو حيان: عتت: أعرضت عن أمر ربها على سبيل العناد والتكبر.
قال أستاذنا الأفغاني: ضمن عتت معنى انحرفت.
وقال الآلوسي: وأوجب بعضهم أن يُضمن عتوا معنى التولي أي تولَّوا عن امتثال أمره عاتين.
وقال ابن كثير: عتت عن أمر ربها: تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر اللَّه ومتابعة رسله.
أقول: عتا يعتو عتوا وعِتياً: استكبر وتمرَّد وتجبر. فالفعل لازم لا يتعدى. وتعديته بـ (عَنْ) حملته على التضمين كما مر فالانحراف أو الإعراض أو التولي وكلها تتعدى بـ (عن). ولكني أوثر التولي على سواه لما فيه من التعالي عن اتباع أوامر اللَّه وعبادته واتباع رسله، ولما فيه من معنى (الصَّلَف) في يبوس لفظه وجفاء طبع صاحبه وعناده وكفره مما يدعونا إلى النبوِّ عنه والريبة منه والتقزز من صورته.
стр. 457
إنذار وتحذير ... فأمر الطلاق ليس أمر أسرة بل أمر الأمة كلها، عتوا عن أمر اللَّه لا يؤاخذ به الأفراد الذين يرتكبونه، وإنما تؤاخذ به الأمة التي تقع فيها المخالفة حين تنحرف عن نهج اللَّه وأوامره، تذوقه فسادا وانحلالا وفقرا وقحطا وظلما وجورا فلا طمأنينة فيها ولا استقرار.
فهذا الدين منهج جاء لينشئ أمة مسلمة، فالأمة كلها مسؤولة عنه وعن أحكامه، وتبقى الحجة في تعدية الفعل بـ (عَنْ) أنْور وأبْهر فلولا (عن) لانتهت المادة اللغوية (لعتت) إلى جفاف لا نَسْمة من ورائها ولا إشراق.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (١).
ذكر الجمل: تعدى استعجل بالباء من حيث تضمينه معنى المطالبة، وإلا فالذي في كتب اللغة أنه إنما يتعدى بنفسه.
أقول: لا تضمين في الفعل لأنه يتعدى بالباء وليس كما قال الجمل ففي
التنزيل: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ).
وقَالَ تَعَالَى: (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).
وقال: (لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ).
стр. 458
وقال: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا).
وقال: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ).
وقال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ).
وقال: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ).
وجاء في الحديث: " لولا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ". وقال ﷺ : " لا تعجلوا بنداء أساراكم ". وقال زهير بن أبي سلمى:
فلا تحسبن يا ابن أزنمَ شحمة ... تعخلهاطاهٍ بشيٍّ مُلَهوج
فالفعل إذاً يتعدى بالباء ولا تضمين فيه واللَّه أعلم.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨).
قال الآلوسي: والمراد بالتعجيل تقدمه عليه لا الإتيان قبل تمام الميعاد، خلافا لبعضهم، والاستفهام للإنكار، لأن العجلة نقيصة في نفسها فكيف من أولي العزم. واللائق بهم المزيد من الحزم.
وقال البروسوي: أي شيء حملك على العجلة وأوجب سبقك منفردا عن قومك وهم النقباء السبعون، وأنه سبقهم شوقا إلى ميعاد اللَّه وأمرهم أن يتبعوه (وما أعجلك): سؤال انبساط كقوله: (وَمَا تِلْكَ
стр. 459
بِيَمِينِكَ) لا سؤال إنكار كما ظن أكثر المفسرين.
وقال الرازي: وأما قوله (هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) فغير منطبق على سؤاله عن سبب العجلة.
أقول: (أعْجلَ) لا يتعدى بـ (عَنْ) وإنما تضمن معنى (أَبْعد) فعجلتُهُ أبعدته عن قومه. فلما سئل عن سببها (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) وغير بعيدين عني، لقد غلب الشوق عليه إلى مناجاة ربه بعد أن ذاق حلاوتها من قبل فهو إليها مشتاق عجول. وقف في حضرة مولاه لا يعلم ما أحدثه القوم خلفه في أسفل الجبل.
استعد لهذا اللقاء أربعين يوما ليتلقى الألواح وفيها التوجيه من ربه والذي يقيم عليه حياة بني إسرائيل بعد أن أنقذهم من ذل الفراعنة ليصوغ منهم أمة ذات رسالة.
وما كاد يتركهم في رعاية أخيه هارون حتى ينهاروا أمام أول اختبار ... إنه العجل من الذهب أضلهم به السامري وهاهم يتبعون أول ناعق إلى الوثنية، إلى عبادة العجل. والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية، فعجلته سبب في بعد قومه عنه. فجمع التضمين مع العجلة معنى البعد والذي أوحى به الحرف (عن) وقد يحمل المعنى على نقيضه كما يحمل على نظيره: أي ما أبطأهم عنك؟ ويأتي جوابه: هم أولاء على أثري، وعجلت إليك ربي لترضى.
إنه التضمين وإنه النور المبين.
* * *
стр. 460
قَال تعالى: (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) (١).
العجلة: التقدم بالشيء قبل وقته وهي مذمومة. والسرعة: عمل الشيء أول وقته وهي محمودة. قال الزمخشري وأبو حيان والآلوسي: يقال.
عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه، ويضمّن معنى (سبق) فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر. والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم.
قال أبو السعود: أعجلتم أمر ربكم أي تركتموه غير تام على تضمين عجل معنى سبق. يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم مدتي وغيَّرتم بعدي كما غيَّرت الأمم بعد أنبيائها.
أقول: يعود موسى ﵇ من مناجاته لربه لا يدري ما أحدث قومه من بعده ومعه ألواح التوراة. وحين علم بجلية الأمر غضب أشد الغضب وبدا ذلك في قوله وفعله: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي) أسبقتم تعاليمه فعبدتم العجل قبل مجيء أوامره؟! أتعجلتم انتظار أمره وموعده وميقاته الذي وعدنيه أربعين ليلة ففعلتم ما فعلتم؟ وهكذا يكشف التضمين وفي نبرة من غضب موسى ﵇ عن استباق قومه للأحداث وعدم انتظارهم في حفظ عهده وما وصاهم به. ولو كانت الآية - أعجلتم عن أمر ربكم - لانصرف إلى الاستعجال فقط دون الانتكاس الذي وقعوا فيه، وغضب له موسى أشد الغضب، لقد كانت النقلة بعيدة والمفاجأة قاسية أفقدته السيطرة على أعصابه فألقى الألواح وفيها كلام ربه ... تركهم على الهدى ليعود وهم يعبدون العجل.
стр. 461
لقد استبقوا موعده وميقاته واستعجلوا قضاءه وعقابه، وما حذف الحرف (عن) إلا لغرض مخصوص فإذا بدهك في هذه اللغة موضع منه ليس في سليقته ونجره فتنبه عليه، وتأت له، ولاطفْه بالصنعة والتأمل فإن ذلك يُمكنك منه.
* * *
قَال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (١).
عدا: فعل متعدٍ يقال: عداه إذا جاوزه ومنه قولهم: عدا طوره. وتعدّى بـ عن لتضمنه معنى نبا وعلا. قال الزمخشري: نبتْ عنه عينه وعلَتْ عنه: إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: فأي غرض في هذا التضمين وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك؟ قل: الغرض فيه إعطاء مجموع المعنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذّ.
وقال أبو حيان والزركشي: ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم ونحوه قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ). أي لا تضموها إليها آكلين.
وقال ابن كثير: قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم يعني تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.
وقال الآلوسي: قيل: إن (عدا) حقيقة معناه (تجاوز) كما صرح
стр. 462
الراغب. والتجاوز لا يتعدى بـ (عَنْ) إلا إذا كان بمعنى العفو كما صرحوا به أيضا وهو هنا غير مراد فلا بد من تضمين (عدا) معنى (نبا وعلا) في قولك: نَبَتْ عنه عينه، وعلت عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به وهو الذي ذهب إليه الزمخشري.
ثم قال: لم يقل ولا تعدهم عيناك أو لا تعلُ عيناك عنهم وارتكب التضمين ليعطي الكلام مجموع معنييه وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ. ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.
وقال السهيلي: ولا تعدُ أي لا تجاوزهم عيناك ولكنه أوصل إلى المفعول بـ (عَنْ) حملا على المعنى لأنك إذا تجاوزت الشيء وتعديته فقد انصرفت عنه فحمل (لا تعدُ) على (لا تنصرف) أي ضمن لا تعدُ معنى لا تنصرف. وبهذا اللفظ فسره الفراء.
أقول: لعل تضمين (تعدو) معنى (تسهو أو تغفل) أكشف في تشخيص العلة من سواه لأن تحول الاهتمام عنهم إلى مظاهر الحياة الدنيا وزينتها فذلك هو الرسوب.
احبس نفسك معهم ولا تسهُ عيناك عنهم فهؤلاء الفقراء: صهيب وبلال، سلمان وخبَّاب وعمار، هم القاعدة الصلبة وعلى مثلهم تقوم الدعوات.
стр. 463
فاصحبهم أنت للأخيار مفتقر ... ما قيمة العيش لولا هذه الزُّهُر
لا تعد عيناك عنهم تبتغي عرضا ... من زينة الدنيا في خدها صَعَرُ
واسلك سبيلهم عساك تدركهم ... تدعْ ذنوبا يُعفي خلفها الأثرُ
اللَّه غايتهم، محمد قدوتهم، رابطة العقيدة وثقت بين قلوبهم. أما المال والجاه والنسب فقيم نفيسة في ميزان الجاهلية محاها الإسلام. لا تغفل عيناك عنهم ولا تطمع في إيمان من أصابهم رغد العيش وزينة الدنيا، يريدون أن يتجروا بدينهم في سوق الدعوات، ويحققوا في اعتناقه ما شاؤوا من أطماع،
إنهم سَفَه لا وزن لهم ولا شأن في ميزان الإسلام. أما ما ذكره بعض المفسرين بتضمين تعدو معنى تنبو فالنبوُّ فيه كبرياء وصَلَف وهو عن السياق بعيد وهو عن خلق رسول اللَّه ﷺ أبعد، وأما (تقتحم) فلا يتعدى بـ (عَنْ) فاضطره إلى الحذف والتأويل فضلا عن كدرة لفظه.
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) فلا ملل ولا استعجال: يتوجهون إلى ربهم لا يتحولون ولا يبتغون إلا رضاه.
ولو سأل سائل: لم اختار الخبير العليم (عدا)؟ فأقول: لِتعلق الغرض به وأنه ترجمة للغة العيون حين تسهو عن الجوهر وتتطلع إلى العَرَض: زينة الحياة الدنيا، فكأنه أليق بمعناه وأوفق لمراده. أما الانصراف فهو ترجمة لنزوات النفس حين تتحول من الآخرة إلى الأولى ومن الجوهر إلى العرض،
وأما السهو والغفلة فهما ترجمة للقلب حين ينقطع عن الذين يريدون وجه الله، وصبر النفس مع هؤلاء يستدعي يقَظَة القلب ورقته، وهذا ما أنَّسَني باستحسانه ثم هو جنوح إلى المستخف وعدول عن المستثقل.
* * *
стр. 464
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١).
وانتصاب الطلاق إما على إسقاط حرف الجر لأن عزم يتعدى بـ (على). قال ابن دريد: عزمت عليك. أقسمت عليك: * عزمت على إقامة ذي صباح *.
وقال العكبري: فلما حذف الحرف نصب. ويجوز حمل عزم على نوى فعداه بنفسه. وعزم بلغة هذيل: حقق.
قال أبو حيان: يتضمن (عزم) معنى (نوى) فيتعدى إلى مفعول به، ومعنى العزم هنا: التصميم على الطلاق، ويظهر أن جواب الشرط محذوف تقديره: فليوقعوه أي الطلاق، وفي قوله في هذا التقسيم: فإن فاؤوا، وإن عزموا الطلاق، دليل على أن الفرقة التي تقع في الإيلاء لا تقع بمعنى الأربعة
الأشهر من غير قول، بل لابد من القول لقوله: عزموا، والعزم على فعل الشيء ليس فعلا للشيء، ويؤكده (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) إذ لا يسمع إلا الأقوال، وجاءت هاتان الصفتان باعتبار الشرط وجوابه إذا قدرناه، فليوقعوه أي الطلاق فجاء سميع باعتبار الطلاق لأنه من باب المسموعات وهو جواب الشرط، ولا تدرك النيات إلا بالعلم، وتأخر هذا الوصف لمراعاة رؤوس الآي ولأن العلم أعم من السمع فمتعلقه أعم، ومتعلق السمع أخص. وأبعد من قال: فإن الله سميع لإيلائه لبعد انتظامه مع الشرط قبله. وفي حاشية الجمل: عزموا الطلاق أي عليه. نصب الطلاق على نزع الخافض لأن عزم يتعدى بـ (على). وقال الآلوسي: عزموا الطلاق: أي صمموا قصده بأن لم يفيئوا وصمموا على الإيلاء. فإن اللَّه سميع (لإيلائهم) الذي صار منهم طلاقا بائنا بمعنى العدة (علم) بغرضهم من هذا الإيلاء فيجازيهم على وفق نياتهم،
стр. 465
وهذا ما حمل عليه الحنفية هذه الآية، فإنهم قالوا: الإيلاء من المرأة أن يقول: واللَّه لا أقربك أربعة أشهر فصاعدا على التقييد في الأشهر، أو لا أقربك على الإطلاق. وقال القرطبي: (عزموا) العزيمة: تتميم العقد على الشيء. يقال: عزم عليه عزما وعزيمة، والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله (وعزموا الطلاق) دليل على أنها لا تطلق بمعنى مدة أربعة أشهر كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضاً فإنه قال: (سميع) يقتضي مسموع بعد المضي: وقال أبو حنيفة: سميع لإيلائه عليم بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة اشهر. فالمولي من امرأته ليس عليه شيء حتى تمضي
أربعة أشهر فإن فاء وإلا طلق.
قال القاضي ابن عربي: تقدير الآية عندنا: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا بعد انقضائها فإن اللَّه غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن اللَّه سميع عليم تقديرها عندهم: فإن فاؤوا فيها فإن اللَّه غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة - يريد مدة التربص بها - فإن اللَّه سميع عليم. وقد يتضمن العزم معنى الإيقاع لأنه يستلزمه غالباً.
أقول: وهذا احتمال متساوٍ ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه، وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياسا فذلك أَجَلٌ ضربه الله، وبانقضائه انقطعت العصمة وأبِينَتْ من غير خلاف، فلو نُسي الفيء وانتقضت المدة لوقع الطلاق.
إنه التضمين ... فاقبله وأنت مطمئن إليه، فإنه أنفى للشبهة، وأمنع للشكِّ، وأدخل في اليقين.
* * *
стр. 466
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) (١).
ذكر الزمخشري: ولا تعزموا عقدة النكاح من عزم الأمر وعزم عليه وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح في العدة لأن العزم على الفعل يتقدمه، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أشد وأنهى.
وقال أبو حيان: يتضمن تعزم معنى ما يتعدى بنفسه أي تنووا أو تصححوا أو تباشروا، وقيل: انتصب على المصدر. ومعنى تعزموا: تعقدوا، وقيل: انتصب على إسقاط (على) وعقدة النكاح ما تتوقف عليه صحة النكاح على اختلاف العلماء في ذلك، ولذلك قال ابن عطية: عزم العقدة: عقدها بالإشهاد والولي، وبلوغ الكتاب أجله: انقضاء العِدة وهذا النهي معناه التحريم فلو عقد عليها في العدة فسخ الحاكم النكاح.
قال الراغب: العزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر.
قال القرطبي: والمعنى لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة.
قال النحاس: ويجوز أن يكون: ولا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعزموا وتعقدوا واحد. حَرّم عقد النكاح أثناء العدة وأباح التعريض.
وقال البروسوي: ولا تعزموا عقدة النكاح: لا تقصدوا قصدا جازما عقد (عقدة النكاح) وفي النهي عن مقدمة الشيء نهي عن الشيء على وجه أبلغ. وقيل: المعنى لا تقطعوا ولا تبرموا عقدة النكاح ويكون النهي عن نفس الفعل لا عن قصده.
أقول: يأتي التعبير القرآني في منتهى الدقة وغاية اللطف فلم يقل: لا
стр. 467
تعزموا على عقدة النكاح: أي تنووها. بل قال: لا تعزموا عقدته؛ أي (تظهروها وتباشروها وتحققوها)، النية التي في القلب خافية لا حرج على صاحبها فيها ولا معها، وإنما الحرج وإنَّمَا المنهي عنه أن تظهر على السطح بصورة عزيمة تنشئ العقدة.
جاء النهي عن الاقتراب من حدود الخطر في فترة العدة فضلا عن اجتيازه، فلم يقل (ولا تعقدوا) بل قال: (ولا تعزموا) والعزم على الفعل يتقدم الفعل، والعزم على عقدته يتقدم عقدته. فإذا جرى النهي عن العزم فالنهي عن العقد أنهى. ولعل السياق قبلها - لا تواعدوهن سراً - وبعدها - واعلموا أن اللَّه يعلم مافي أنفسكم فاحذروه - يؤنسنا بصحة ما عرضنا له، فاللَّه عليم بالمشاعر المستكنَّة والعلاقات الشديدة الحساسية بين الرجل والمرأة. يظاهر ما أثبتناه قوله تعالى في سورة محمد ﷺ : (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) أي جد الجد ولزم فرض القتال فلو صدقوا اللَّه لكان خيرا لهم.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٢).
وقال: (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ).
عكف يتعدى بـ (على) كقوله تعالى: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ).
فقيل: (لها) بمعنى (عليها) كما قيل في قوله تعالى: (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) أي فعليها. والظاهر أن اللام لام التعليل أي لتعظيمها. وصلة (عاكفون) محذوفة أي على عبادتها.
стр. 468
ذكر الزمخشري والعكبري: قيل: ضمن (عاكفون) معنى (عابدون) فعداه باللام. وقال: لم ينو لـ (عاكفون) محذوفا وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقولك: فاعلون العكوف لها، أو واقعون لها. وقال أبو حيان: عكف يتعدى بـ (على) فقيل (لها) هنا بمعنى (عليها). والظاهر أن اللام في (لها) لام التعليل أي لتعظيمها، وصلة عاكفون محذوفة أي على عبادتها، وقيل: ضمن عاكفون معنى عابدين فعداها باللام. وقال الآلوسي: اللام في (لها) للبيان فهي متعلقة بمحذوف كما في قوله تعالى: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ). أو للتعليل فهي متعلقة بـ (عاكفون) وليست للتعدية لأن عكف إنما يتعدى بـ (على) كما في قوله: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) وقد نزل الوصف هنا منزلة اللزوم أي التي أنتم لها فاعلون العكوف، واستظهر أبو حيان كونها للتعليل وصلة (عاكفون) محذوفة أي عاكفون على عبادتها، ويجوز أن تكون اللام بمعنى (على) (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) وتتعلق حينئذٍ ب (عاكفون) على أنها للتعدية. وجوز أن يؤول العكوف بالعبادة فاللام حيئنذ كما قيل: دعامة لا معدية. وقيل: لا يبعد أن تكون للاختصاص، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً و (عاكفون) خبر بعد خبر. ومن الناس من لم يرتض تأويل العكوف بالعبادة لما أخرج ابن أبي شيبة وغيره عن علي ﵁ أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم ... لأن يمس أحدكم جمرا خير له من أن يمسها، وفيه نظر.
أقول: كلمة عاكفون تفيد الانكباب الدائم المستمر عليها والتعلق بها يشهد على ذلك الجملة الاسمية: (أنتم لها عاكفون)، وفي الشعراء: (فَنَظَلُّ
стр. 469
لَهَا عَاكِفِينَ) وكأنهم ... يعبدونها دلنا ظاهر جوابهم عليه (وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)، فهو دليل عبادتهم لها تقليدا لآبائهم ووراثة عن أجدادهم فهم متحجرون عقليا لا يقوم لهم دليل على عبادتها يخلع عليها أية قداسة. وتعدي المشتق (عاكفون) باللام وهو يتعدى بـ (على) شاهد على تضمنه معنى الصلاة والتقديس لها والمتعديان باللام. فجمع التضمين معنى تعلق القلوب بها في انكبابهم الدائم عليها مع الصلاة والتقديس لها. ثم العكوف مطلق والصلاة والتقديس مقيدان وحمل المطلق على المقيد دليله غير مدفوع. وتبقى العربية مرنة تتسع لعديد من المداليل وتختزن الكثير من المشاعر والأفكار عن طريق التضمين.
* * *
قَال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) (٣).
ذكر أبو حيان والرازي والآلوسي: ليعلم أي ليَميزَ وليُظهرَ.
وذكر الجمل: ولما ضمّن ليعلم معنى يظهر تعدى لمفعول واحد.
أقول: التصور الإسلامي له من الشمول ما ليس لسواه. وهو يُقرّ بوجود الإرادة الفاعلة، ولكنها تجري في ناموس مرسوم ومشيئة مدبِّرة. فإرادة الإنسان
стр. 470
وحريته وتفكيره تقع موافقة لقدر اللَّه ومشيئته المحيطة بكل شيء في تناسق وتوازن. فإذا نزل به مصاب نتيجة خطأ ارتكبه، كانت النازلة هذه من وسائل التمحيص والإعداد والتربية. وبهذا التصور تطمئن قلوب المؤمنين وهم يواجهون قدر الله، ويتعاملون مع سننه الكونية، وأن اللَّه يفعل ما يريد بهم وبمن حولهم.
(فالعلم) تضمن (الفرز والتمييز) فتعدى لواحد وَجَمَع التضمين المعنيين: العلم والفرز والكشف، علْم اللَّه الذي به يتم الفرز والتمييز والكشف. وما وقع في غزوة أحد لم ينته، فوراء المخالفة والألم تمييز المؤمنين من المنافقين، وتمحيص قلوب المؤمنين وكشف ما فيها من غَبَش، لأن الألم وسيلة من وسائل التربية والتمحيص. هذا الموقف المكشوف يحسون من ورائه أنهم أداة من أدوات القدر يفعل بها اللَّه ما يشاء.
فموقف عبد اللَّه بن سلول ومن معه كشفهم اللَّه في هذه الموقعة وميز المسلمين منهم فقد كان يرأس النفاق، فحرمه قدوم رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة ما كانوا يعدونه له من الرئاسة فيهم والذي جعلهم يرفضون الاستجابة إلى عبد اللَّه بن عمرو بن حرام وهو يقول لهم (تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا) محتجين بأنهم لا يعلمون وجود قتالٍ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ).
* * *
стр. 471
قَال تعالى: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١).
ذهب أبو حيان: إلى أن (مِنْ) متعلقة بـ يعلم على تضمين ما يتعدى بمن كأن المعنى: واللَّه يميز بعلمه المفسد من المصلح ... وذكر أبو السعود: العلم بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد و (مِنْ) لتضمينه معنى التمييز، وقد حمل المخالطة على المصاهرة ففيه وعد ووعيد، خلا أن في تقديم المفسد مزيدَ تهديدٍ وتأكيداً للوعيد. وذكر الآلوسي: تضمن (يعلم) معنى (يميز) ولذا عداه بمن. وكذلك أستاذنا سعيد الأفغاني.
أقول: قواعد التكامل الاجتماعي حريصة على رعاية مصلحة اليتيم.
وبعد أن سُمِحَ لأوصيائه بخلط طعامه وماله بطعامهم وأموالهم ليرفع عنهم العنت ما داموا أعضاء في أسرة كبيرة، ربط هذا السماح بعلمه وهدد بكشفه، وجعله ضمانا لتنفيذ تشريعه ما دام عارفاً بالنيات، عليما بالنفوس صالحها من فاسدها. فليست القضية في الشكل: يخلط أو لا يخلط، بل في نية الوصي وفي ثمرات عمله.
نعم ... لما أريد (بالعلم) معنى (الكشف) و (الفرز) عدي بمن إيذانا أنه بمعناه وإشعارا بأن الوصي مكشوف أمره مفروز من سواه في فساده أو صلاحٍ قد ابتغاه عن طريق مؤاكلته أو مصاهرته لمن يرعاه.
стр. 472
وفي تسليط الأضواء على الوصي ليخرج اللَّه عمله هذا من العتمة إلى النور ومن التليمح إلى التصريح، فيه من التهديد بكشف حاله ما فيه. كما فيه من التربية بأن ضمانة تنفيذ التشريع لا تأتي من خارج النفس إن لم تنبثق من أعماق الضمير ويبقى في تضمين (الكشف) و (الفرز) ما يزيد على (التمييز) الذي يظل مستورا في علم المميز والفارز لا ينكشف لسواه. ولعل في هذا التضمين من التخويف مثل ما فيه من اليسر في تحري مصلحة اليتيم. فاليتامى أخوة للأوصياء وأعضاء أسرة واحدة، لا حرج في مخالطتهم ولا يكلف اللَّه الأوصياء عنتا ومشقة إن أرادوا الخير والصلاح لمصلحة اليتيم.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) (١).
قال القرطبي: تضمن (لنعلم) معنى (لنرى). قال علي بن أبي طالب ﵁: معنى لنعلم لنرى والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم. وقيل: لنميز أهل اليقين من أهل الشك ذكره الطبري عن ابن عباس.
وذكر الجمل: إلا لنعلم أي وما جعلنا ذلك لشيء من الأشياء إلا لنمتحن الناس أي نعاملهم معاملة عن يمتحنهم فنعلم حينئذٍ. ثم قال: إلا ليظهر علمنا من يتبع الرسول من ... وقال الآلوسي: ضمن العلم معنى التمييز.
стр. 473
وكذلك قال الزمخشري، أو أريد به التمييز في الخارج ويؤيده تعديه بمن كالتمييز، وبه فسر ابن عباس ﵄ وتشهد له قراءة اليُعلم) على البناء للمفعول.
أقول: مرة أخرى يعود المفسرون ابن عباس والزمخشري وغيرهما إلى
تضمين (علم) معنى (ماز) كما مر في سورة البقرة: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢).
وتضمين (علم) معنى (فرز وكشف) والمتعدي بـ (مِن) يزيد الموقف وضوحا. فمعرفة السفهاء (يهود لعنهم الله) الذين أثاروا الفتنة في تحول القبلة، تحتاج إلى دخول اختبار. هذا الاختبار كان في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت العتيق، ليكون التلقي في حس - العصبة المؤمنة، من مصدر وحيد وفريد، مع الطاعة والتسليم دون نقاش. (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) اللَّه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ولكنه سبحانه، يريد أن يكشف المكنون فيما سيكون.
يريد أن يفرز يهود والمنافقين ممن أطاعه واتبع رضوانه، فيأخذ كلا بما يستحق، ولكن ... بعد امتحان. (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ).
أجل فتنة كبيرة ... فإذا كان الهدى فلا كبيرة، إنما هو السمع والطاعة، وإنما هو الاطمئنان والراحة مع الرضى وبرد اليقين، أما عن علاقة العلم بالفرز فأقول: العلم وسيلة من وسائله، وهكذا تنجلي في التضمين معانٍ خفية
стр. 474
من الفرز والكشف لا تتأتى لسواه فلا تتوهمه واشدد يدك به. فهو إذا تأملته من لطيف ما توارد في كتاب اللَّه وأصنعِهِ وآنقه.
جوهر التضمين ما أنفَسَه! ... يكشف المعنى إذا المعنى انصفق
* * *
قَالَ تَعَالَى: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٢).
ذكر العز: لتصيرنّ أو لتدخلنّ. قال الزركشي: ضمن تعودن معنى لتدخلنّ أو لتصيرنّ. وقال الزمخشري: العود يستدعي الرجوع إلى حال كان عليها قبل، ولكنه هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية تقول: (عاد لا يكلمني) والمعنى: أو لتصيرن كفارا مثلنا. وقال أبو حيان: وعاد لها استعمالان: أحدهما: أن تكون بمعنى صار، والثاني: بمعنى رجع إلى ما كان عليه. وقال الآلوسي: تعود بمعنى تصير كما أثبته بعض النحاة واللغوين وعلى ذلك قول الشاعر:
فإن لم تكن الأيام تحسن مرة ... إليَّ فقد عادت لهن ذنوب
ْفكأنهم قالوا: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن مثلنا والجار والمجرور (في ملتنا) في موضع الحال ليكن منكم الخروج من قريتنا أو العودة إليها كائنين في ملتنا ولا يخفى بعده وعُدِّي العود بـ (في) إيماءً إلى أن الملة بمنزلة الوعاء المحيط بهم.
стр. 475
أقول: ولعل تضمين (الثبوت والدخول) أوضح من الصيرورة والطاغوت وضع شعيبا بين أحد أمرين: الخروج (لَنُخْرِجَنَّكَ) والمراد به المطاردة والملاحقة للقضاء عليه أو: الثبوت لتثبتن في ملتنا ومراده الاندماج والذوبان، واختيار (لتعودن) بدلا من (تثبتت) إشارة إلى كراهيتهم أن يرجعوا إلى الملة الخاسرة، ملة الطاغوت التي نجاهم اللَّه منها، وها هو شعيب ﵇ يستنكر ما يتهدده به الطغاة من إعادته مع من آمن إلى الملة التي نبذوها
(أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ) (٢).
فيواجه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة حين تخرج عن سلطانه وحيا بالتلويح دون التصريح (أَوْ لَتَعُودُنَّ) وذلك أقوى من أن يكون مكاشفة ومصارحة وجهرا عناية بما وراعه من المقاصد، وتوصلا إلى إدراك المطالب.
إن تكاليف الخروج مهما عظمت أهون بكثير من تكاليف العبودية الفاحشة للطواغيت مهما رافقها من سلامة الأمن وتيسير الرزق لأنهما لجام يقود بهما الطاغوت كل من يتصور أنه ناح بدينه وعرضه تحت حكمه.
أجل من ظن ذلك فهو واهم أو فاقد الإحساس، ومهما كانت تكاليف الغربة باهظة فهو الرابح حتى في ميزان الدنيا قبل ميزان الآخرة. فالجاهلية في
стр. 476
كل عصر لا تقبل من الرسل والدعاة أن ينفصلوا بتجمعهم وقيادتهم عنها، بل تفرض عليهم أن يعودوا ليثبتوا فيها بل ليدخلوا ويذوبوا في التجمع الجاهلي ويندمجوا فيه (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) ويقول الذين لا يدركون خطر العودة أي خطر الثبوت فيهم والبقاء في تجمعهم بل خطر الاندماج في التجمع الجاهلي وفقدان شخصيتهم الإسلامية بحجة الضرورة يقولون: لندخل ولنثبت في ملتهم ونزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم. هكذا يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على الانفكاك منها.
إن تميز المسلم بعقيدته لا بد من أن يتبعه تميز وتحيز في تجمعه وقيادته وولائه، وتَنْحِيته للأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطة، ولا خيار له في ذلك، لأن هذه المفاصلة من لوازم العمل الدعوي كما أشارت الآيات الكريمة، إن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في قاعدة أو جماعة أو حكومة لا تدين إلا لله ولا تعترف إلا بسلطانه ولا تُحَكِّم إلا شرعه، لها قيادتها ومنهجها المستمد من كتاب اللَّه وسنة نبيه، وتنبذ كل قانون أرضي ولو صدر عن هيئته أمم أو عصبة أمم ... إن وجود مثل هذه الجماعة أو القاعدة أو الحكومة يهدد طواغيت الأرض كافة فتفرض عليها
المعركة فرضا ولو آثرت ألا تخوضها معها: لنخرجنك ... أو لتعودن ... ليس غير.
إنه معلم من معالم هذا الدين واضح وجلي ولكن أكثر الناس يضعف عن احتماله لثقل تكاليفه: مطاردة وملاحقة وتضييق وتهديد في كل مكان ... يدع القصور ليعيش في الكهوف .. يأنس بما كان يستوحش منه ...
стр. 477
يطوي الليالي يقتات على كسرات ... يستبدل القسوة باللين والشظف بالنعيم والخوف بالأمن ...
أرأيت كم أوحى الحرف (في) حين دخل على فعل لا يتعدى به فأطلق يده في توجيه دلالاته!!.
إنه التضمين وهذا من جنى ثمراته.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ) (١).
قال أبو حيان: سقطت الباء قياسا قبل (أن) - عهد إلينا بأن لا نؤمن - أو مفعول به على تضمين عهد معنى ألزم فكأنه ألزمنا أن لا نؤمن.
وقال الجمل: عهد إلينا: أمرنا وأوصانا وردّد ذلك الآلوسي والبروسوي. وقال العكبري: أن لا نؤمن: يجوز أن يكون في موضع جر على تقدير: بأن لا نؤمن لأن معنى عهد هو وصّى. ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير حرف الجر المحذوف. ويجوز نصبه بعهد لأن معناه ألزم.
أقول: هؤلاء يهود قتلة الأنبياء يزعمون أنهم لا يؤمنون بمحمد ﷺ حتى يأتيهم بقربان وتهبط نار فتأكله، وما دام لم يفعل فهم على عهدهم مع اللَّه ملتزمون بالزبور كما يزعمون والباء تسقط قياسا قبل (أن) المصدرية. والعهد
стр. 478
هنا معناه الوصاة وهو أظهر لشناعة يهود وأكشف عن خستهم ولؤم طبيعتهم من تضمين عهد معنى (ألزم وأمر) لأنهم يريدون تبرير كفرهم بالرسالة المحمدية بقوة تدينهم وفرط عنايتهم بأوامر ربهم فاللَّه أمرهم وألزمهم (كذا) فلا يؤمنون لرسول حتى يأتيهم بمعجزة.
أما تضميننا (الوصاة) فاحتمال التحلل منها ليس بالهين على المتقين ذوي البصيرة وهذه تتعدى بـ (إلى) والباء كما جاء في المعجم.
ويبقى للسياق دوره في توجيه المعنى فيما دل عليه دليل وأرشد إليه نظر، في فضح كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر وافترائهم على الله، لا يصح الغفول عنه والغضُّ من نفاسته، فهو أنبه له وأذهب في كشف الستر عنه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (٢).
ذكر أبو حيان والآلوسي والعكبري: عهدا مفعول به على تضمين (عاهدوا) معنى (أعطوا). وقال الزمخشري: وقرئ (عوهدوا) واليهود موسومون بنقض العهود. والنبذ: الرمي بالذم.
أقول: الأيدي النابذة للمواثيق ... مشهد حسي يصور تصرف يهود الأرعن، موسوما بالحماقة وسوء الأدب ليكشف عن جحودهم وحقدهم الدفين
стр. 479
للإسلام والإنسانية جميعا. إنه انحراف الفطرة لأن النفوس السليمة لا تملك إلا الإيمان مع وجود الحجة والبرهان. ومع كراهيتهم لسواهم لا يحفظ بعضهم عن بعض. فما أبرموا عهدا إلا نقضه فريق منهم.
القرآن يكشف هذه السمة الوخيمة فيهم مع أنبيائهم ومع نبينا صلوات اللَّه عليهم أجمعين.
فتضمين (عاهد) معنى (أبرم) أعون على ظهور مزية الصنعة البيانية في قراءة ابن عباس لما بين النقض والإبرام من المقابلة. وتضمين (عاهد) معنى أعطى (أكشف) عن المعنى الوظيفي، ويألفه السياق ويرتاح لاستعماله فهم لا يَثْبتون على عهد ولا يستمسكون بعُروة، بل لا يحفظ بعضهم عن بعض. بئس خَلة في يهود ما يقطعون على أنفسهم عهدا إلا نقضته فئة منهم، صورة قميئة صورة النبذ تشخص النزوة والهوى، وتحمل الحقد الدفين على الإنسانية، لا تثبت على عهد، ولا تجتمع على رأي، سمة النبذ ذات إشعاع، تكشف عن وضع نفسي منحط، فيه مراوغة والتواء، مثلما فيه خداع ونفاق. تعيش يهود في ظله الآثم، وتتنفس في جوِّه الحبيس على مر العصور، شهده السلف، ونشهده اليوم في عالمنا الإسلامي والغرب النصراني على سواء. وسيشهده الخلف إلى قيام الساعة. ولكن أين مَن يتعظ؟!
ويبقى للسياق دوره في تلوّحُ المعنى واستشرافه، لتحديد مدلوله في الموضع الذي بات عليه، ودون قطع اليقين فيه.
* * *
стр. 480
قَالَ تَعَالَى: (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ) (١).
وقال: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) (٢).
ويتساءل الزمخشري: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم وما معنى على؟ قلت: لما كان الغُدُو إليه ليصرموه ويقطعوه كان عدوا عليه، كما تقول: عدا عليهم العدو، ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال كقولهم: يُغدى عليهم بالجَفْنة وُيراح: أي فأقبِلوا على حرثكم باكرين. ومثله أبو حيان والجمل أي ضمّنه معنى (أقبلوا).
وذكر الآلوسي: ويجوز أن يكون من: غدا عليه إذا أغار بأن يكون قد شبه غدوهم لقطع الثمار بغدو الجيش على شيء، لأن معنى الاستعلاء والاستيلاء موجود فيه وهو الصرم والقطع. وضمنه أبو السعود: الإقبال أو الاستيلاء، ومثله البروسوي. ثم قال: وزاد بعضهم أنه يتعدى بـ (على) كما في القاموس: غدا عليه غُدواً وغُدوة.
أقول: لا تضمين في الفعل لأنه يتعدى بـ (على) جاء في اللسان: غدا عليه غدوا وغُدوا بكر وغاداه وغدا عليه: باكره وهو المراد في الآية الكريمة. قال زهير:
ولقد غدوت على القنيص بسابحٍ ... مثل الوَذيلة جُرشُع لَأمُ
فهو يغدو على صيده باكراً بجواد خفيف كالفضة في صفائه وبريقه، ضخم الجنبين شديد وقال أيضا:
стр. 481
غدوت عليه غُدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصريم عواذِلُه
ويروى بكرت عليه غُدوة. وقال الأعشى الكبير:
يروح فتى صِدقٍ ويغدو ... عليهم بمِلء جفان من سَديفِ يُدفق
يغدو عليه ويروح: أي بكرة وعشياً بجفان مملوؤة من شحم السنام يتدفق من غير انقطاع والغدو على الضيوف بالجفان ليس فيه معنى الغارة ولا معنى الاستعلاء، وفي الحديث: " فغدا علينا حين أصبح ". فأي غارة في معنى الغدو في هذه الشواهد؟! وفي معجم الأفعال المتعدية بحرف غدا يغدو
غدواً وغدوانا عليه: بكر ثم كثُر في الذهاب والانطلاق.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) (٤).
قال أبو حيان: قرأ الجمهور فاستغاثه أي طلب غوثه ونصره على القبطي وقرأ سيبويه والزعفراني بالعين المهملة والعون أي طلب الإعانة منه على القبطي.
قال البروسوي: أي سأله أن يغيثه بالإعانة ولذلك عُدي بـ (على). وقال الآلوسي: ولتضمين الفعل معنى النصر عُدي بـ (على) وُيؤيده قوله تعالى: (اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ) ويجوز أن تكون تعديته بـ (على) لتضمينه معنى الإعانة ويؤيده أنه قُرئ: استعانه بالعين المهملة.
اقول: لا تضمين في القراءة الشاذة لأن الإعانة تتعدى بـ (على) وأما في
стр. 482
قراءة الجمهور فقد تضمنت الاستغاثة معنى النُصْرة كما ذكر الآلوسي، ونصر يتعدى بـ (على): (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، ويؤيده قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ). وهكذا يكون للسياق دوره في إيضاح المعنى فترفقْ به يُمطِك كاهله. بقي سؤال: لم استبدل العليم الاستغاثة بالنصرة؟ إنها الاستغاثة بموسى ﵇: واغواثاه ... واغواثاه ... في الموقف العصيب.
فلو أغاثه على الذي من عدوه فكأنما نصره عليه. فجمعت (على) هذه المعنيين من وراء التضمين: الإغاثة والنصرة، وكانت أشد ملامحة لغرضه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٣).
وقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) (٤).
ذكر الزركشي والجمل: (الباء) بمعنى (في). وقال الماوردي: وهو الوقت الذي أخر يعقوب الاستغفار لبنية حتى استغفر لهم فيه أي جعل الباء بمعنى (في).
أقول: ولعل تضمين (استغفر) معنى (جار) أو (تهجد) أو
стр. 483
(رفَّ) والمتعدي بالباء أولى من تعاور الحروف. إنهم أيقاظ في جنح الليل متهجدون بالأسحار متوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يهجعون تخف بهم مكابدة السهر نشِطوا للقيام .... فهم يجأرون بأصفى الأوقات وأقربها إلى المولى يطلبون قضاء الحاجات من محو الذنوب وستر العيوب وشفاء القلوب. فالأسحار حصون التائبين والمتهجدين، وملاذ المستغفرين وملجأ المنيبن، يلحون بالدعاء، فإن اللَّه ينزل عند السحر إلى السماء الدنيا يقول: هل من مستغفر فأغفر له. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالسراج المنير، من أبطله بحجة التناوب والتعاور فقد أطفأ نوره وطمس بيانه، ومن محاسنه أنه جمع بوحي هذه الباء إلى الاستغفار التهجد للضراعة والاستغاثة. فإن أنت تأملته أعطاك مقادته وجلى عليك محاسنه، وإن تناكرته سدَدْت عليك باب الحُظْوة به، أما العلاقة بين الجؤار والاستغفار فجدّ وثيقة .. الاستغفار رجوع إلى السلامة، لدى محو السيئات، وعلاج الآفات، وزوال الكربات وفي هذا الرجوع أية فرحة ... إنها رفيف المني .. والغيث المغيث .. فيها ذلة وضراعة وابتهال ...
* * *
стр. 484
قَالَ تَعَالَى: (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) .
وقال سبحانه: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا).
وقَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ).
ذكر السيوطي والموزعي: (مِنْ) بمعنى (عن). وقال البروسوي: لم نكن غافلين عنه حيث نبهنا عليه، بل كنا ظالمين. وكيف يحمل الحرف معنى سواه؟ وغفل يتعدى بـ (عن). إذاً لماذا عداه بـ (مِن)؟
الغفلة سهو يعتري صاحبه من قلة التحفظ والتيقظ وضدها: النباهة. ونبَّه يتعدى بـ (مِن). أقول:
العرب تحمل النظير على نظيره كما تحمله على نقيضه فتعدي الغفلة بما تعدي به المَنْبَهة. وسيبويه يستعمل هذا كثيرا في المصادر.
في المشهد المعروض، الأبصار فيه شاخصة. والتفجع الأليم حين تنكشف الحقائق مرئية مبصرة بلا حجاب، إنهم كانوا في مَنْبَهة من هذا وعلى علم، بدليل قولهم: بل كنا ظالمين، فلو كانوا في غفلة عن مشهد هذه
стр. 485
الحقيقة لما نسبوا الظلم لأنفسهم، فاستعمال القرآن الغفلة مكان المنبهة هو للتهكم بهم والسخرية منهم، كما تقول للكسول يا مجتهد! وللجبان يا بطل.
أما في القصص (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) جرت مجرى التفاؤل كما تقول العرب للديغ سليما، فأهل المدينة يرصدون تحرك موسى ﵇ ليقتلوه أو يلقوا القبض عليه فهم في منبهة ويقظة ولكنه متستر متخف متفائل بربه يرجوه أن يكونوا في غفلة عنه فلا يشعروا بدخوله. وفي سورة ق: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) تضمنت الغفلة معنى الريبة، والمتعدية بـ (مِن)، لقد كنت في ريبة من هذا الموقف العصيب، وفي شك من هذه النهاية الأسيفة التي لم تكن تتوقعها، يشهد على ذلك قول قرينة (مُعْتَدٍ مُرِيبٍ) والمريب هو الشاك في اللَّه وفي دينه، فمنشأ الريبة هو الغفلة، والعلاقة بين الريبة والغفلة سببية، هكذا موجب القياس.
فإلطاف النظر في لفظ (الغفلة) ومواقعها وأسيقتها، وتعديتها بغير حرفها فتح لنا بصائر: فضمناها معنى السخرية في موضع ومعنى التفاؤل في موضع ومعنى الريبة في موضع آخر. فإن كان ما ذهبنا إليه هو الراجح، كُفينا مؤونة شرحه لمزيد لُطفه.
وللباحث ألا يقطع برأيه بعد إمعان الفحص عنه وإحكامه، لأنه أمر يرجع إلى الاستنباط والفكرة وليس فيه مرجعٌ أو قول ملة. إنه التضمين ... وإنه كنز ثمين.
* * *
стр. 486
قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) (١).
أصل معنى الفتنة، إذابة الجوهر ليظهر غشه ثم استُعمل في التعذيب والإحراق: وقال جُل المفسرين (يُفْتَنُونَ): يعذبون ويحرقون.
قال الرازي: قيل يُحرقون والأولى (يُعرضون) عرض المجرب الذهب على النار، فكلمة (على) تناسب ذلك ولو كان المراد يحرقون لكان بالنار أو في النار أليق لأن الفتنة هي التجربة.
وذكر الزمخشري: يُحرقون ويُعذبون. ومنه الفتين وهي الحرَّة لأن حجارتها محرقة.
وقال الجمل: عُدِّي يفتنون بـ (على) لتضمنه معنى يُعرضون وقيل: يُجبرون.
أقول: آدم ونوح بشخصيهما وقع الاختيار عليهما، أما إبراهيم وعمران فالاصطفاء لهما ولذريتهما، فوراثة النبوة ليست وراثة عرق وإنما وراثة عقيدة.
فالذين اصطفاهم اللَّه من عباده لحمل رسالته ودينه ليكونوا طلائع البعث على مدار التاريخ، هؤلاء المصطفون هم ذرية بعضهما من بعض.
ولعل تضمين (يُفتنون) معنى (يُكبون) أعون على استكمال المشهد، فهم يُكبون على النار يذوقون طعم الفتنة فيها، وفي تضمين يُكبون والمتعدي
стр. 487
بـ على يتوافر مذاق الفتنة أكثر مما يتوافر في العرض كما قال الرازي. والسياق يعين على تصوير الموقف العصيب (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) وهذا العنف في المشهد يليق بالسهوة التي يعيش في غمرتها الخراصون، والذين يسألون أيان يوم الدين لا طلبا لمعرفته ولكن تكذيبا واستبعاداً لمجيئه.
ويبقى التضمين غوراً بطينا في العربية، وفي حمل اللفظ على نسيبه ولازم معناه، لشرح أحواله المحيطة به، والكشف عن غموض ما خفي من صفحته يترجم عنه مذاقات الألم وطعومه حين يُكب على النار ليذوق مسَّ سقر.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) (١)
روى الطبري: قال البعض بأيكم المجنون كأنه وجه معنى (الباء) في قوله بأيكم إلى معنى (في) والتأويل في أي الفريقين المجنون، وقال آخرون: بأيكم المفتون، وكأن الذين قالوا هذا القول وجهوا المفتون إلى معنى الفتنة أو الفتون. وقال آخرون: معناه أيكم أوْلى بالشيطان فالباء على قول هؤلاء زيادة.
وقال الزمخشري: فتن أي: محن بالجنون، ولأن العرب يزعمون أنه من تخييل الجن، والباء مزيدة أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود أي بأيكم الجنون كقوله تعالى: (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ).
وذكر أبو حيان وتبعه الجمل: حصل الفتون واستقر وثبت بأيكم؟.
وفي السمين ذكر أربعة أوجه:
стр. 488
١ - أن الباء مزيدة في المبتدأ والتقدير: أيكم المفتون. مزيدة كزيادتها في: بحسبك زيد.
٢ - أن الباء بمعنى في فهي ظرفية كقولك: زيد بالبصرة أي فيها والمعنى: في أي فرقة وطائفة منكم المفتون.
٣ - أنه على حذف مضاف: بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وتكون الباء سببية.
٤ - أن المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، والتقدير: بأيكم الفتون.
وأشار الآلوسي: أن الباء للملابسة. وقال البروسوي: الباء للإلصاق نحو: به داء.
أقول: قريش ولها المشيخة والرئاسة قبل البعثة، تحارب الدعوة بعنف وتقول في صاحبها قولتها الفاجرة الغبية خشية من زوال مكانتها القبلية، فكان أسلوبها في السخرية والاستهزاء للعُصبة المؤمنة على ضعفها وفقرها وققتها مؤذيا أشد الأذى للنفوس، ولو كانت نفس رسول كريم. فكان اللَّه يواسي ويسرِّي عن نبيه ﷺ ومن معه ويوصيهم بالصبر الجميل ويتولى الدفاع عنهم.
فالمفتون هو الممسوس وهو مصدر، بأي الفريقين الصحق. وسيكشف النص عن حقيته فقد تضمن (فتن) معنى (مسَّ) والمتعدي بالباء ولعله أكشف في الدلالة عن المراد، يظاهرنا عليه السياق، ودعوى مَسِّهِ بالجنون صورة من
стр. 489
صور الفتن كشف عنها عمرو بن هشام أبو جهل حين رمى قائد الدعوة بالجنون كما يفعل السُذج وهو يعلم بأنه في موضع الذؤابة من قومه، وعتبة حين جاء يساومه كتجار المبادئ يُدهنون لو يدهن، وهو أعلم الناس بمكانته، أما من ذهب إلى أن (الباء) بمعنى (في) فاطرحه ولا تعِجْ عليه ومن ادعى زيادتها نجيبه بقول المرادي: ما أمكن تخريجه على غير الزيادة لا يحكم عليه بالزيادة وتخريج كثير من هذه الشواهد ممكن على التضمين. أ. هـ.
وأشرف وجوه التأويل ما كان أجلى لبيان المعنى وأظهر. وبه أوْلى وأجدر. فالتضمين مرقاة إلى تدبر المعنى عند غموض الحال ولطف المدخل.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) .
قال العز بن عبد السلام: أي أن يصرفوك. وذكر الزمخشري: أن يفتنوك: أن يخدعوك فاتنين.
وقال القرطبي: أن يفتنوك يُزيلوك عما كنت عليه، قاله الهروي وقيل: يصرفوك. وذكر أبو حيان: يخدعوك وتلك المقارنة في فتنته في زعمهم سببها: رجاؤهم أن يفتري على اللَّه غير ما أوحى اللَّه إليه، أو يضيف إلى اللَّه ما لم يُنزل عليه.
أقول: إن زعماء قريش أدهى من أن يطلبوا من رسول الله ﷺ أن يترك ما جاءه من الحق، وما طمعوا في صرفه عن دعوته ولا إزالته عنها، ولا أن يفتري على اللَّه أو يزيد أو يُنقص فيما أوحى اللَّه إليه. ولكنهم كانوا يطلبون
стр. 490
منه بعض التنازلات ليتم بينهم وبينه لقاء. فتضمين (يفتنوك) معنى (يحرفوك أو يزحزحوك) وكلاهما متعدٍ بـ (عَنْ) أدنى للسياق وأنأى عن اللبس في تضمين يصرفونك ويزيلونك ويخدعونك، والانحراف وهو من صور الفتنة - في جزء يسير ينتهي إلى انحراف كبير، ولذلك جاء التحذير الرهيب من هذه الجزئية أو البعضية (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا) والتسليم أو التنازل من الداعية في جانب ولو ضئيل لأصحاب السلطة هزيمة روحية لا تغتفر. فترفق في اختيار ما طابق من اللفظ معناه وشهد لصحته مساقة واسْتتَبّ على مَنْهجه وأمِّه، ثم ما خفي عنك منه فلا تخِفَّ إلى نقْضِه، وإلا أوعرتْ بك سبُله وأشكل عليك تحرير القول فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (٢).
قال الزمخشري: فروا من معصيته وعقابه إلى طاعته وثوابه. وقال أبو حيان: جمعت لفظة (ففروا) بين التحذير والاستدعاء ويُنظر إلى هذا المعنى قول النبي ﷺ : " لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك "، قال ابن عطية: وهو تفسير حسن. وقال أبو السعود: اهربوا إلى الله. وقال الجمل: اذهبوا.
ومعنى الفرار إلى اللَّه هو التخلص من الأوهاق والأثقال لأداء الوظيفة التي خلق العباد لها ومنحهم وجودهم لتأديتها، فحقيقة العبادة إذن تتمثل في أمرين:
стр. 491
الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس.
الثاني: هو التوجه إلى اللَّه والتجرد من كل شعور سواه، وبهذا يتحقق معنى العبادة والذي يتمثل في عبودية كل شيء لله دون سواه.
وعندها يكون قد فرَّ لله حقا، فرّ من أوهاق هذه الأرض وجواذبها ومغرياتها، وحقق غاية وجوده من الخلافة في الأرض لا لذاته هو ولا لذاتها ولكن لتحقيق معنى العبادة فيها ثم الفرار إلى اللَّه منها.
أقول: (فرَّ) يتعدى بـ (مِن). فلمَ عدّاه الحكيم بـ (إلى)؟ هل ضمَّنه معنى لجأ واللجوء إلى كنف اللَّه ورحمته هو منجاة من عذابه كما جاء في الحديث الشريف، واللجوء أضوأ من الفرار أو الهروب وأنوه، لجفاء طبعٍ يوحشك في هذا، وليانٍ وحنوٍّ يُؤنسك في ذاك.
والفرار صورة حسّية عجيبة لا يقوم مقامها في هذا السياق أي لفظ آخر، فهي تستحثنا على وجه السرعة إلى البَدار ما دُمنا في هذه الدار، والآن الآن قبل ألا يكون آن ... أن نفر من أين؟ من الهوى والنفس والدنيا الدنيّة ... وإلى أين؟ إلى اللَّه نلجأ بتوبة نصوح، ونتوجه بعمل صالح يزحزحنا من النار إلى الجنة.
أرأيت كيف يُكسب التضمينُ اللفظَ نفاسة حين ضم إلى الفِرار اللجوء فجمع النقيضين في عروته، لعله يذهب بك في استحسان معناه ما يستولي على هوى نفسك.
* * *
стр. 492
قَال تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (١).
ذكر العز بن عبد السلام والزركشي: فرض أي أنزل ليفيد معنى معنى الإنزال. وقال الزمخشري: أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعني: الذي حقلك صعوبة هذا التكليف لرادك إلى معادٍ.
وقَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ).
فرض: وقَّت. وفرض رسول الله: سَنَّ. قاله الفيروزآبادي في القاموس المحيط وقال الآلوسي: فرض فيهن: ألزم نفسه. واستدل من (فيهن) أنه لا يجوز إلا في هذه الأشهر. كما قال ابن عباس وعطاء، إذ لو جاز في غيرهن كما ذهب إليه الأحناف لما كان في قوله فيهن فائدة. وعند الشافعي أن يصير محرما بعمرة.
أقول: حين تعدى الفعل بـ (على) تضمن معنى (أوجب) فجمع وجوب التكليف وتيسيره وأوجب على رسوله تبليغه للناس. رغم مطاردة المشركين، ويسَّر عليه الدعوة بصبره على الأذى حيث نزلت عليه هذه الآية في الجحفة قريبا من مكة موطن الخطر وهو مُطارد من قومه وبلده الذي يعز عليه فراقه، موطن صباه ومهد ذكرياته لولا أن دعوته أعز عليه من بلده، متوجها إلى المدينة المنورة، نعم إنك اليوم مطارد وغدا منصور وعائد فاطمئن إلى وعد اللَّه الذي لا تستريب فيه. وحين تعدى الفعل بـ (في) تضمن معنى التوقيت فجمع مع التوقيت لوازم التكليف، وإنما الفرض من اللَّه الذي فرض الحج ركنا. فأنت إن ألزمت نفسك به نية وعملا، نويت وشرعت في أشهر الحج تكون قد فرضته على نفسك لهذا الموسم فصار مُلزِماً لك، فصرت ملتزما
стр. 493
بالحج (في) هذا الموسم وإن كان في الأصل مندوباً، وهكذا كلما تعدى الفعل بحرف من حروف المعاني خصصه بمعنى فوق معناه وكشف لنا في صلته هذه عن أسرارِ استودعها الله في مبناه، مغفولا عنها غير مأبوهٍ لها لولا التضمين وهو وجْه من التأويل أظهر مزيتَهَا وأبهر في صناعتها؛ وإنَّمَا يغضُّ من نفاستها ضِيق الأفق وخَيْس الخاطر لدى نفرٍ من المعربين.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) (١).
ذكر الزركشي: ضمن فرض معنى أصفى. وقال قتادة: أحل. وقال الحسن: خصَّه به. وقال الضحاك: من الزيادة على أربع. وقال الزمخشري: فرض: أي قسم وأوجب من قولهم: فرض لفلان كذا ومنه فروض العسكر. سن اللَّه ذلك في الأنبياء الماضين فيما أباح لهم ووسَّع عليهم في باب النكاح وغيره، فكان لداوود ١٠٠ امرأة و ٣٠٠ سُرَّيَّة، ولسليمان ٣٠٠ امرأة و ٧٠٠ سُرَّيَّة. وقال الآلوسي: قسم له وقدر. وقال الملياني الأحمدي: فرض له: أعطاه جعل له فريضة. وقال البروسوي: قسم اللَّه له وقدَّر.
أقول: قدّر اللَّه لرسوله أن يتزوج بزينب ليبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء لتكون مَعْلاة له وشاهدة بفضله ولم يكن بد من نفاذ أمر الله، لا يحسب للناس حسابا فيما كلفه اللَّه به، فاللَّه هو الذي يفرض، وهو الذي يُقدر، وهو الذي يختار، وهو الذي يُسخر، وهو الذي يقضي حسب علمه ويُحلل ويُحرم حسب حكمته. واختار سبحانه لفظ (فرض) على سواه (قدَّر أو
стр. 494
أصفى أو أحل أو قضى أو سخر) لحكمة. فلا يكل الحال إلى مجال النظر ومسالك التأول، فيعتَسِف مُعْتَسِفٌ، أو يَهِم واهم بإخضاع اللغة في قَسْر وعَنَت إلى مزاجه أو اجتهاده. فحين يتعدى الفعل بأكثر من حرف، أجد نفسي دائم التنبيه والبحث عن اختلاف معانيه معها، فالفعل (فرض) حين تعدى باللام كان له عند أهل النظر موضع للنفس به مُسْكة. هو أعزم لها، وأجمل بها وأدل على حكمتها ... أجل فرض له في هذا السياق: (أحل له وأباح) ولا حاجة بعد ذلك إلى الإطالة: قدر وأصفى وقضى وسخر و ... أما في سورة التحريم (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
فقد تضمن (فرض لكم) معنى (شرع).
قال الزمخشري: (فرض لكم) فيه معنيان: أحدهما: شرع لكم الاستثناء في أيمانكم. والثاني: شرع لكم تحلتها بالكفاءة.
وقال الآلوسي: شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقدته الأيمان بالكفارة ومثله أبو السعود.
وقال الجمل: شرع لكم تحليلها أي الخروج منها والخلاص.
وقال الماوردي: (فرض) فيه وجهان: أحدهما: بين اللَّه لكم المخرج من أيمانكم. الثاني: قدر اللَّه لكم الكفاءة في الحنث في أيمانكم.
وقال البروسوي: الفرض هنا بمعنى الشرع والتبيين كما دل عليه (لكم) فإن (فرض). بمعنى (أوجب) إنما يتعدى بـ (على).
* * *
стр. 495
قَالَ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (١).
قال أبو حيان: والتفريط والتقصير حقه أن يتعدى بـ (في) (مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) وإذا كان كذلك فيكون قد ضمن ما أغفلنا وما تركنا ويكون (من شيء) في موضع المفعول به و (مِنْ) زائدة والمعنى ما أغفلنا وما تركنا في الكتاب شيئاً يحتاج إليه من دلائل الألوهية والتكاليف. ويَبْعد جَعل (مِنْ) هنا تبعيضية وإن قاله بعضهم. أ. هـ
وذكر الجمل: يقال: فرَّط الشيء وضيقه وتركه، وفرط في الشيء لا من الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه.
وذكر الآلوسي: التفريط: التقصير وأصله أن يتعدى بـ (في) وقد ضمن هنا معنى (أغفلنا وتركنا)، ف (من شيء) في موضع المفعول به و (من) زائدة للاستغراق ويبعد جعلها تبعيضية. وحكى القرطبي: ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلا وإمَّا تأصيلا قال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).
أقول: حين تعدى فرَّط بـ (مِنْ) جمع مع نفي التفريط الذي هو التقصير معنى السلامة من التضييع والخلوص من الإغفال والبرء من التقصير وهذه جميعاً تتعدى بـ (مِنْ). وحين نفى تعالى عن كتابه هذه المعاني، فقد أثبت ما يقابلها من استيعاب كتابه لكل أمر من الدين بالضرورة (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ليكون الانتفاع به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية.
следующие страницы →