← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس. الثاني: هو التوجه إلى اللَّه والتجرد من كل شعور سواه، وبهذا يتحقق معنى العبادة والذي يتمثل في عبودية كل شيء لله دون سواه. وعندها يكون قد فرَّ لله حقا، فرّ من أوهاق هذه الأرض وجواذبها ومغرياتها، وحقق غاية وجوده من الخلافة في الأرض لا لذاته هو ولا لذاتها ولكن لتحقيق معنى العبادة فيها ثم الفرار إلى اللَّه منها. أقول: (فرَّ) يتعدى بـ (مِن). فلمَ عدّاه الحكيم بـ (إلى)؟ هل ضمَّنه معنى لجأ واللجوء إلى كنف اللَّه ورحمته هو منجاة من عذابه كما جاء في الحديث الشريف، واللجوء أضوأ من الفرار أو الهروب وأنوه، لجفاء طبعٍ يوحشك في هذا، وليانٍ وحنوٍّ يُؤنسك في ذاك. والفرار صورة حسّية عجيبة لا يقوم مقامها في هذا السياق أي لفظ آخر، فهي تستحثنا على وجه السرعة إلى البَدار ما دُمنا في هذه الدار، والآن الآن قبل ألا يكون آن ... أن نفر من أين؟ من الهوى والنفس والدنيا الدنيّة ... وإلى أين؟ إلى اللَّه نلجأ بتوبة نصوح، ونتوجه بعمل صالح يزحزحنا من النار إلى الجنة. أرأيت كيف يُكسب التضمينُ اللفظَ نفاسة حين ضم إلى الفِرار اللجوء فجمع النقيضين في عروته، لعله يذهب بك في استحسان معناه ما يستولي على هوى نفسك. * * *

стр. 492

قَال تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (١). ذكر العز بن عبد السلام والزركشي: فرض أي أنزل ليفيد معنى معنى الإنزال. وقال الزمخشري: أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعني: الذي حقلك صعوبة هذا التكليف لرادك إلى معادٍ. وقَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ). فرض: وقَّت. وفرض رسول الله: سَنَّ. قاله الفيروزآبادي في القاموس المحيط وقال الآلوسي: فرض فيهن: ألزم نفسه. واستدل من (فيهن) أنه لا يجوز إلا في هذه الأشهر. كما قال ابن عباس وعطاء، إذ لو جاز في غيرهن كما ذهب إليه الأحناف لما كان في قوله فيهن فائدة. وعند الشافعي أن يصير محرما بعمرة. أقول: حين تعدى الفعل بـ (على) تضمن معنى (أوجب) فجمع وجوب التكليف وتيسيره وأوجب على رسوله تبليغه للناس. رغم مطاردة المشركين، ويسَّر عليه الدعوة بصبره على الأذى حيث نزلت عليه هذه الآية في الجحفة قريبا من مكة موطن الخطر وهو مُطارد من قومه وبلده الذي يعز عليه فراقه، موطن صباه ومهد ذكرياته لولا أن دعوته أعز عليه من بلده، متوجها إلى المدينة المنورة، نعم إنك اليوم مطارد وغدا منصور وعائد فاطمئن إلى وعد اللَّه الذي لا تستريب فيه. وحين تعدى الفعل بـ (في) تضمن معنى التوقيت فجمع مع التوقيت لوازم التكليف، وإنما الفرض من اللَّه الذي فرض الحج ركنا. فأنت إن ألزمت نفسك به نية وعملا، نويت وشرعت في أشهر الحج تكون قد فرضته على نفسك لهذا الموسم فصار مُلزِماً لك، فصرت ملتزما

стр. 493

بالحج (في) هذا الموسم وإن كان في الأصل مندوباً، وهكذا كلما تعدى الفعل بحرف من حروف المعاني خصصه بمعنى فوق معناه وكشف لنا في صلته هذه عن أسرارِ استودعها الله في مبناه، مغفولا عنها غير مأبوهٍ لها لولا التضمين وهو وجْه من التأويل أظهر مزيتَهَا وأبهر في صناعتها؛ وإنَّمَا يغضُّ من نفاستها ضِيق الأفق وخَيْس الخاطر لدى نفرٍ من المعربين. * * * قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) (١). ذكر الزركشي: ضمن فرض معنى أصفى. وقال قتادة: أحل. وقال الحسن: خصَّه به. وقال الضحاك: من الزيادة على أربع. وقال الزمخشري: فرض: أي قسم وأوجب من قولهم: فرض لفلان كذا ومنه فروض العسكر. سن اللَّه ذلك في الأنبياء الماضين فيما أباح لهم ووسَّع عليهم في باب النكاح وغيره، فكان لداوود ١٠٠ امرأة و ٣٠٠ سُرَّيَّة، ولسليمان ٣٠٠ امرأة و ٧٠٠ سُرَّيَّة. وقال الآلوسي: قسم له وقدر. وقال الملياني الأحمدي: فرض له: أعطاه جعل له فريضة. وقال البروسوي: قسم اللَّه له وقدَّر. أقول: قدّر اللَّه لرسوله أن يتزوج بزينب ليبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء لتكون مَعْلاة له وشاهدة بفضله ولم يكن بد من نفاذ أمر الله، لا يحسب للناس حسابا فيما كلفه اللَّه به، فاللَّه هو الذي يفرض، وهو الذي يُقدر، وهو الذي يختار، وهو الذي يُسخر، وهو الذي يقضي حسب علمه ويُحلل ويُحرم حسب حكمته. واختار سبحانه لفظ (فرض) على سواه (قدَّر أو

стр. 494

أصفى أو أحل أو قضى أو سخر) لحكمة. فلا يكل الحال إلى مجال النظر ومسالك التأول، فيعتَسِف مُعْتَسِفٌ، أو يَهِم واهم بإخضاع اللغة في قَسْر وعَنَت إلى مزاجه أو اجتهاده. فحين يتعدى الفعل بأكثر من حرف، أجد نفسي دائم التنبيه والبحث عن اختلاف معانيه معها، فالفعل (فرض) حين تعدى باللام كان له عند أهل النظر موضع للنفس به مُسْكة. هو أعزم لها، وأجمل بها وأدل على حكمتها ... أجل فرض له في هذا السياق: (أحل له وأباح) ولا حاجة بعد ذلك إلى الإطالة: قدر وأصفى وقضى وسخر و ... أما في سورة التحريم (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ). فقد تضمن (فرض لكم) معنى (شرع). قال الزمخشري: (فرض لكم) فيه معنيان: أحدهما: شرع لكم الاستثناء في أيمانكم. والثاني: شرع لكم تحلتها بالكفاءة. وقال الآلوسي: شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقدته الأيمان بالكفارة ومثله أبو السعود. وقال الجمل: شرع لكم تحليلها أي الخروج منها والخلاص. وقال الماوردي: (فرض) فيه وجهان: أحدهما: بين اللَّه لكم المخرج من أيمانكم. الثاني: قدر اللَّه لكم الكفاءة في الحنث في أيمانكم. وقال البروسوي: الفرض هنا بمعنى الشرع والتبيين كما دل عليه (لكم) فإن (فرض). بمعنى (أوجب) إنما يتعدى بـ (على). * * *

стр. 495

قَالَ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (١). قال أبو حيان: والتفريط والتقصير حقه أن يتعدى بـ (في) (مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) وإذا كان كذلك فيكون قد ضمن ما أغفلنا وما تركنا ويكون (من شيء) في موضع المفعول به و (مِنْ) زائدة والمعنى ما أغفلنا وما تركنا في الكتاب شيئاً يحتاج إليه من دلائل الألوهية والتكاليف. ويَبْعد جَعل (مِنْ) هنا تبعيضية وإن قاله بعضهم. أ. هـ وذكر الجمل: يقال: فرَّط الشيء وضيقه وتركه، وفرط في الشيء لا من الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه. وذكر الآلوسي: التفريط: التقصير وأصله أن يتعدى بـ (في) وقد ضمن هنا معنى (أغفلنا وتركنا)، ف (من شيء) في موضع المفعول به و (من) زائدة للاستغراق ويبعد جعلها تبعيضية. وحكى القرطبي: ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره إما تفصيلا وإمَّا تأصيلا قال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ). أقول: حين تعدى فرَّط بـ (مِنْ) جمع مع نفي التفريط الذي هو التقصير معنى السلامة من التضييع والخلوص من الإغفال والبرء من التقصير وهذه جميعاً تتعدى بـ (مِنْ). وحين نفى تعالى عن كتابه هذه المعاني، فقد أثبت ما يقابلها من استيعاب كتابه لكل أمر من الدين بالضرورة (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ليكون الانتفاع به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية.

стр. 496

إذاً ما فرطنا في الكتاب من شيء معناه: سلمنا الكتاب من كل تفريط. وبرأناه من كل تقصير. وأخلصناه من كل تضييع. وباب التضمين لا يُفثج. ثم ما قيمة الخارقة المادية التي يطلبونها أمام الخارقة التي يرونها مع امتداد أبصارهم في دواب الأرض وطيور السماء. إن منهج القرآن يربط الفطرة بهذا الوجود ليفتح نوافذها، ويدع للكون أن يفعل فعله في الكائن البشري فيتلقى ويستجيب (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ). * * * قَالَ تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) . ذكر الزركشي: عدَّاه لتضمَّنه معنى كشف الفزع عنه. وقال الزمخشري: فزع عن قلوبهم: كُشِف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم. وذكر القرطبي: قال ابن عباس: خُلِّي عن قلوبهم الفزع. قال قطرب: أخرج ما فيها من الخوف. وقال مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة. وقال الآلوسي: أزيل الفزع عن قلوب الشفعاء والمشفوع لهم بظهور سطوع أنوار الإجابة والارتضاء من آفاق رحمة الملك الرفيع.

стр. 497

وقال الرازي: أزيل الفزع عنهم يقال: قرد البعير إذا أخذ منه القراد. ويقال لهذا تشديد السلب. وذكر البروسوي: التفزيع من الأضداد، فإنه انقباض ونفار يعتري الإنسان من شيء مخيف. وهو إزالة الخوف والفزع. أقول: ينتظر المشفوع فيهم أن يتأذن ذو الجلال بالشفاعة، ويطول الترقب، وتعنو الوجوه للحي القيوم، تخشع القلوب للرحمن وتسكن الأصوات، ويمتد الزمن في الانتظار الطويل، ثم ... ثم يصدر الأمر من الجليل فتنتاب الرهبة الشافعين والمشفوع لهم. فإذا أفاقوا من الروعة التي غمرتهم فأذهلتهم، وكشف رداء الهيبة الملقى عليهم، وسري عن قلوبهم قالوا للملائكة: ماذا قال ربكم وهو المتفرد بالعلو والكبرياء فيجيبون: قال الحق وأذِنَ في الشفاعة .. إنها الفرحة الغامرة في الإجابة الموجزة وفي المشهد الخاشع المذهل المرهوب ... فتضمين (التَسْرية) - سري عن قلوبهم - أذهب في الاستحسان من كَشْفِ الفزع كما قال مجاهد وغيره. أو خروج الفزع أو إزالته، لما في الكشف والخروج والإزالة من العموم المُستوحش، وما في التسرية من الخصوص المُستأنس مع عذوبة جرسه ورقة حواشيه وذَوْب روحه في زوال الهم وكشف الغم على هَيْنة وفي طُمأنينة نديَّة.

стр. 498

والذي يحكم في تفاضل هذه الأقوال هو حظها من الاستحسان. لقد جمع التضمين الفزع الذي استدعاه الموقف المذهل الرهيب قبل أن يأذن الجليل بالشفاعة مع التسرية التي جلت الهم وكشفت الغم عن الشافعين والمشفوع لهم بعد أن أذن الرحمن في الشفاعة. فهل لغير التضمين أن يُثْريَ في تنوع دلالة الفعل وإشراقاته، ما يوحيه للمتنزه في رياضه والراتع في خمائله!! سقانيَ بعد البَينِ بعضَ مودتي ... فلم تستطع نفسي سبيلا إلى الصبر * * * قَالَ تَعَالَى: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً) (١). قال العكبري: وقيل أجرا مفعول به لأن (فضَّل) تضمّن معنى (أعطى) قيل بأجرٍ منصوب على نزع الخافض وذكر الجمل: أجرا في نصبه أربعة أوجه: أحدها: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله. الثاني: النصب على إسقاط الخافض. الثالث: النصب على أنه مفعول ثانٍ كأنه ضمن فضل معنى أعطى. الرابع: أنه حال من درجات. أ. هـ. السمين الحلبي. وذكر الآلوسي: أجرا مفعول به لتضمنه معنى (الإعطاء) وقيل: منصوب بنزع الخافض.

стр. 499

أقول: لعل تضمين (فضل) معنى (زاد) والمتعدي إلى (مفعولين وعلى) كما جاء في الحديث: " فلم أكن لأزيده على ما فرض اللَّه له شيئا " ليُنهض مُنته فيكون أوْلى بتقديمه، وليجمع إلى التفضيل الزيادة بل الفضل هو الزيادة السنية لمن بذل نفسه وماله في سبيل اللَّه أما الحرص والشح والخوف في مواجهة التكاليف فلا بد من معالجته، لينهض القَعَدة من السفح إلى المُرتقى السامق، ولينالوا هذا التفضيل ويحظوا بهذه الزيادة في التمجيد من درجات الأجر العظيم مع النبيين والصديقين. لم جاء التعبير بالتفضيل إذاً بدل الزيادة؟ لعل الغرض هو حَفْز الهمم على إدراك المطالب، ليأنف القَعَدة من انحطاط منازلهم، فالمفضول غير مأبوهٍ له ولا مُحتفَل به ولا يتعلق به غرض (والراضي بالدون دني) كما قال ابن الجوزي، وتبقى زيادة الأجر للمجاهدين على القَعَدة ناهضة بهم شاهدة بفضلهم. أما تضمينه العطاء كما ذكر البعض فلانتشار شؤونه وعدم دخول (على) عليه سوَّأ إلينا التمسك به فلا يُستدل به على غرضه وأما إسقاط الجار فاعدلْ عنه فمَسْلكه وعْر التَورُّد، وأما الحال فلا تتقدم على صاحبها. ويبقى التضمين كالمولود الجديد يحتاج إلى من يترجم عنه معاني النظر. * * *

стр. 500

قَالَ تَعَالَى: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) (١). السماء على عظمتها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق. ذكر الزمخشري: الباء في (به) مثلها في قولك: فطرت العود بالقدوم فانفطر به. يعني تنفطر بشدة ذلك اليوم. ويجوز أن يراد: السماء مثقلة به إثقالا يؤدي إلى انفطارها لعِظَمِهِ عليها وخشيتها من وقوعه. كقوله: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقال البروسوي: فالباء للسببية وهو الظاهر ويجوز أن تكون بمعنى (في) وإليه ذهب المكي في قوت القلوب حيث قال: حروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض. وقيل: الباء للآلة والاستعانة، قال بعضهم: وهذا لا يليق بجناب اللَّه تعالى. وذكر الجمل: متشققة بسبب هوله والباء في (به) سببية وجوز الزمخشري أن تكون للاستعانة. وفي القرطبي: أنها بمعنى (في). وحكى الهروي وأبو حيان: الباء بمعنى (في). وذكر الموزعي: أنها بمعنى (فيه) واستشهد بقول الأعشى. أقول: صورة الهول الأكبر تنشعب به السماء، ومن قبل وجفت له الأرض والجبال، كما شابت له الولدان، فالباء رسمت صورة الانشقاق كالفتيا التي تشعبت بالناس فجعلتهم شعبا، وكالهموم التي تشعبت بصاحبها فمزقته مزقا. منفطر إذاً تضمن معنى منشعب مشهد شاخص وصورة من الطبيعة

стр. 501

الصامتة تكتسي مشاعر إنسانية حية حين قال منفطر ولم يقل منفطرة، السماء مثقلة بالهم الأكبر الذي شعبها فمزقها فالباء أضافت إلى المادي (الانفطار) المعنوي (الانشعاب) ففازت بالحسنيين فليست الباء للاستعانة ولا للسبب، ولا الباء بمعنى في وإنَّمَا الباء على أصلها. ويبقى التضمين في الفعل أنزه في شرف النظم وأظهر لمزية اختيار اللفظ المفصح عن موقف ... والمشارك في تكوين صورة ... من دعوى التناوب والعاور والذي لم نحل بطائل منه. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) (٢). ذكر العز: ضمن تفعلوا معنى (تُسدوا أو تُوصلوا) لإفادة المعنيين. وكرر ذلك الجمل. وقال الزمخشري: وعُدِّي تفعلوا بـ (إلى) لأنه في معنى (تسدوا وتولوا). وروى الطبري: إلا أن توصلوا من الوصية لهم، والنصرة والعقل عنهم وقال أبو حيان: وعُدِّي بـ (إلى) لأن المعنى: إلا أن توصلوا إلى أوليائكم. والكتاب: إما اللوح وإما القرآن. وقال البيضاوي: والمراد بفعل المعروف التوصية.

стр. 502

أقول: رد الإسلام نظام الإرث والديات إلى قرابة الدم والنسب، بعد أن أبطله في نظام الإخاء بين المهاجرين والأنصار حيث كان تدبيرا مؤقتا منه (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) وأولو الأرحام بعضهم أوْلى ببعض في كتاب اللَّه من المؤمنين والمهاجرين ولكن لا يمنع أن يوصي الولي بعد مماته أو يهب في حياته لوليه في الإخاء ما شاء (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا). وتضمين (فَعَل) معنى (أزلّ) والمتعدي بـ (إلى) أدنى إلى السياق وأَعْنى بمقام الأولياء من الإيصال والإعطاء، لما في أعطاف اللفظ من التواضع والصفاء مع اللدونة والعذوبة، تُفيض ماء البشر والبشاشة عليهم. وما جاءت (إلى) إلَّا مَنْبهة على فعل المعروف ليتسارع الناس إليه، ويخفّون إلى مُشارفته لإبقاء صِلات المودة الخالصة بين الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء فيوصي الولي لوليه بعد مماته، أو يَهبَه في حياته ليبقى هذا النبع الفوَّار على أُهبة الفيضان كلما استدعت الضرورة الطارئة إليه في حياة مجتمع مسلم وليد. إلا أن ترثوا إلى أوليائكم معروفاً، ليبقى النبع يفيض ويتفجّر، وتبقى الحياة مشدودة إلى آفاق وسيعة. وآثر (تفعلوا) على (تُزلوا) لأن الثاني محصور في النعم المادية، أما الأول ففي اللسان والبنان، في المادي والمعنوي. أوليست اللغة وسيلة تساعد الفرد على تكييف سلوكه وضبطه بما يتفق مع توجيهات هذه الآيات البيّنات؟!

стр. 503

وليس استحسان لفظ دون لفظ يرجع إلى جِرْسه، بل تقديمه موقوف على وجوه بيانه فيُخلي مكانه لأخيه حين يُصيب من الحقيقة قَدْر ما يكشف عن مُراده ويكون مرقاة إلى فهمه. إنه التضمين ... فالزمْه حتى تمهّر. فالعمل عليه. والوصية به ... * * * قَال تعالى: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (٢). قال الزركشي: فقير: ضمن معنى (سائل) وقال الزمخشري: عدي فقير باللام لأنه ضمن معنى (سائل) وطالب يريد: فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليَّ من خير الدين. وذكر الآلوسي: إنني لأي شيء تنزل من خزائن كرمك إليَّ من خير جَل أو قَل فقير، أي محتاج. ومثله الجلالين: ولما أشرنا إليه من تضمنه معنى الاحتياج عُدِّي باللام، وجوز أن يكون مضمنا معنى الطلب واللام للتقوية، وقيل: يجوز أن تكون للبيان. أقول: ولعل تضمين (فقير) معنى (حائج) أسوغ من سائل وطالب فهو يتعدى باللام وتضمين (أنزلت) معنى (سقت أو أنهيت) ينسجم مع السياق

стр. 504

ومع التعدية بـ (إلى). ولسان الحال يقول: اللهم ما أنهيت إليَّ وسقت من زينة الحياة أنا في حاجة له. ولعل اختيار لفظ (فقير) بدل (حائج أو محتاج) كان تحقيقا لمعنى الذل والافتقار إلى اللَّه والعبودية بين يديه نسمع معه همس المناجاة وعمق الاتصال برب المستضعفين مع مراعاة لإيقاع الفاصلة القرآنية وموسيقاها الرخية في امتداد صوته الخافت في شكوى حال الخائف الشريد الغريب العَزَب يلتمس الرحمة منه ثم يصمت ... وينصت إلى حديث تخفق له جوانحه وتشرق له نفسه، إنه ترجمة الدعاء، وإنه تفسير الرجاء وإنه لمنحة السماء (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) وجاءت دعوة أبيها علاجا: لأوضاعه الحياتية فتعتدل: (أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ). وأوضاعه النفسية فتسكن (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ). وأوضاعه المادية فتستقر: (تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ). ثم تتنزل عليه الرسالة ذات التكليف الضخم والمحتاج إلى زاد ضخم فتستفرغ همه لينطلق في خدمة دعوته ويبني أمة على أساس مكين (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ). إنه التضمين في سعة أفقه، ولُطف مُتسرَّبه ... بحر لا يُفْثج ولا يُغرَّض. * * *

стр. 505

قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) (١). قال الزمخشري: ويجوز أن يراد (ألقوا علينا). وقال أبو السعود: صُبوا أو الإفاضة: الإعطاء. وذكر البروسوي: مثله ونقل عن أبي حيان: والصحيح تضمين أفيضوا معنى ألقوا. وقال الجمل: بتضمين أفيضوا معنى ألقوا، وتضمين (أو) معنى (الواو) لقوله: (حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ). أقول: أفاض لا يتعدى بـ (على) إلا على وجه من التضمين. ولعل تضمين (أفاض) معنى (أجرى أو صب أو أفرغ) أسد من تضمينه معنى (ألقى) كما قال: الجمل والزمخشري وغيره لأن الإلقاء إنما يكون في المتاع (أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ) و (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا). أو في المعاني النفسية و (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي). ولا يكون في إنزال الماء والرزق. فأصحاب النار يسألون أهل الجنة أن يُفرغوا عليهم ثَمَدا من الماء يصبوه

стр. 506

أو يُجروا عليهم قليلا من الرزق، راجين متوددين أو مُصانعين مُستجْدين، في لمحات سريعة وخاطفة، فكان جواب أهل الجنة: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). الإفاضة من الماء أو الدمع ما كثر وزاد فلم يُطق حَبْسَه. استعراض حي ومشهد أخاذ للاستجداء المُخْزي بالقليل الفائض عن الحاجة (بالفضلات) .... وللجواب المر الأليم هكذا (بالتحريم). ولولا (على) هذه لما حلينا بهذه اللطائف فيما أومأت إليه في تصوير الحالة النفسية للنماذج البشرية التي عَرَض لها السياق من باب التضمين، من طريق يخفى ومسلك يدق. فاستروحْ إليه واعتاده كلما مسَّت الحاجة إليه. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) . ذكر الأشموني: (مِنْ) بمعنى (الباء) وذكر أبو حيان: قال أبو البقاء: من الدمع فيه وجهان: أحدهما: أن (مِن) لابتداء الغاية أي فيضها من كثرة الدموع. الثاني: أن يكون حالا: تفيض مملوءة من الدمع ومعناها من أجل الذي عرفوه، وقيل: (مِنْ) بمعنى (الباء) أي بالدمع. وقال الزمخشري: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء حتى يَطْلُع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض موضع الامتلاء من إقامة المُسبب

стр. 507

مقام السبب. تسيل من الدمع من أجل البكاء. وذكر القرطبي: من الدمع: أي بالدمع وهو في موضع الحال. أقول: (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): (مِن) على أصلها، و (فاض) تضمن معنى (وَكَفَ) فأعين الذين سمعوا ما نزل على الرسول من الحق تفيض ... بل تكِف تعبيرا عن التأثر الشديد والعميق بمعرفة الحق فتحكي ما لا يحكيه اللسان بهذه الصورة الشاخصة بالدمع الهتون، غضَّ من نفاستها التعاور: (مِنْ) بمعنى (الباء). ثم ينطلقون وراء الشُحْنة الحبيسة من هذا التأثر قائلين: آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. فالوكف وقد خلَّف الفيض وراءه، سبقت مآقيه اللسان لتحكي الحالة النفسية التي كان عليها هؤلاء النفر من المؤمنين. فالذين جعلوا (من) بمعنى (الباء أو اللام أو لابتداء الغاية)، لم يُكلفوا أنفسهم مشقة البحث عما رسمه مشهد الدمع المُنهمر على الخدود في لفظ (وكف) تَروعك صورته وتبلغ حاجتَها إلى نفسك. ولو نشموا فيه وتَهيئوا له لبلغوا مُرادهم منه في معرفة وجه التأويل في صياغة هذه الحروف، وأنها ما جاءت إلا لتُظهر في السياق مزية هي أكثف عن غرضه وأبْهر في صناعته. إنه التضمين ... لم يُنْتصَف منه: وما أقبلت على توضيح معجزة إلا انصرفت بعجز عن تقصيها * * *

стр. 508

قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (١). قال الزركشي: (قَبِل) مضمن معنى (العفو والصفح)، وقال أبو عبيدة: بتعاقب عن ومن في هذه الآية وقدرها ابن قتيبة: من عباده. وحكى السيوطي: عن بمعنى من بدليل: (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا) وذكر ذلك الموزعي. وقال البيضاوي: عداه بـ (عَنْ) لتضمنه معنى التجاوز. ولتضمَّنه معنى (الأخذ) يُعدى بمن. قبلته منه: أخذته. ولتضمنه معنى الإبانة والتفريق يُعدى بـ (عن). قبلته عنه: أزلته وأبنْته عنه. وذكر الجمل: والقَبول يُعدى إلى مفعول ثانٍ بمن. وبعن لتضمَّنه معنى الأخذ والإبانة. وقال الآلوسي: يقبل التوبة بالتجاوز عما تابوا عنه. والقبول يُعدى بعن لتضمَّنه معنى الإبانة. وبمن لتضمَّنه معنى الأخذ كقوله: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ). أي تُؤخذ. وقيل: القَبول مضمَّن هنا معنى التجاوز. والكلام على تقدير مضاف أي يقبل التوبة متجاوزا عن ذنوب عباده وهو تكلف. وذكر البروسوي: عُدِّي القبول بـ (عَنْ) لتضمَّنه معنى التجاوز. وذكر أبو حيان وقبلته عنه: عزلته عنه وأبنته. أي يزيل الرجوع عن المعاصي، وذكر الرازي: قال الكشاف ومعنى قبلته عنه: أخذته وأثبته عنه.

стр. 509

أقول: لم جاء (يقبل التوبة) بدلا من (يتوب) وقد عطف عليه (ويعفو)؟ وما غرض (عن) والسياق يناسبه (مِن) (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا)؟ لو جاء الفعل يتوب بدلا من يقبل التوبة لعدَّاه بـ (على) كما في الآية (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ). إذاً ماذا يبقى لو قَبِل توبة التابئين، وعفا عن السيئات؟ وما معنى (عن)؟ الذي يتشوف إليه التائب هو الحصول على الرضا من التواب الرحيم. وتأتي (عن) لتُشارف الفعل (قَبِل) وتصانعه ليتخذها قرينة مُخَصصة له، وليتلوح من ورائه تضمن (القبول) معنى: (الرضى) وبتصاقب الفعلين وتداني حاليهما يستبشر الذين ينتظرون عطاءه غير المحدود من فَيْضه المذخور لعباده التائبين: إنه قبل توبة التائبين مع الرضا عنهم ... ثم عفا عن السيئات ... وهل يكون الرضى إلا بعد القبول؟ هكذا جمع التضمين بين الرضا والقبول بهذه العصا السحرية (عن). مراتب ثلاث كل واحدة تُنزل الغيث على القلوب القانطة، وتنشر الرحمة على الأفئدة اليابسة، لتُنبت الأمل وتُحيي الأنفس وتفتح أبواب السماء: لقد قَبِل توبة التائبين العائدين بعد ضلال أو ضياع أو شرود ... ثم ماذا؟ ثم رضيَ عنهم ... وهذا الرضا أندى من كل ما سواه. ثم عفا عن سيئاتهم وصفح ... ومحا ما سلف ... وهو العليم بما يفعلون.

стр. 510

أي تعبير يقوم مقامه في إلقاء ما ألقى من ظلال الطمأنينة والراحة .... ثم عفا عما سلف. اللَّه أكبر .... فضل الله بلا حساب .... بلا حدود ... بلا قيود .... إنها أرقى درجات المنح والسخاء وبعدُ. فعلينا أن نطلب وجه التأويل في هذه الحروف لنعرف كيف المأخذ فيما يرد علينا منها في هذا النظم البديع، ونتحاشى سبيل من غضَّ من نفاستها حين رماها للتعاور والتناوب. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) . قال الزمخشري: فيه وجهان: الأول: اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يُسعط به ويلد، والثاني: أن يكون مصدرا على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون بمعنى استقبلها، كـ تقصَّى بمعنى: استقصاه. قال البيضاوي: بقبول حسن أي: بذي قبول حسن أو تقبلها بمعنى استقبلها كـ تقصى وتعجل. أي فأخذها في أول أمرها. وقال الجمل: فتقبلها: صيغة التفعل ليست للتكلف كما هو أصلها بل بمعنى أصل الفعل كتعجب بمعنى عجب وقَبِلَها بمعنى رضيها مكان الذكر المنذور ولم يقبل أنثى قبلها. وفي الباء وجهان: أحدهما: أنها زائدة أي قبولا حسنا منصوب على المصدر بعد حذف الزوائد أي لو جاء على تقتل لقيل تقبُّلا. الوجه الثاني: أن الباء ليست زائدة والمراد بالقبول: ما تقبل به الشيء نحو السعوط لما يسعط به.

стр. 511

أقول: ما معنى أن تكون الباء زائدة؟ وإنما جرى التضمين في الفعل (تقبَّل) معنى (رعى أو راعى) والمتعدي بالباء فجمع إلى حسن القبول تمام الرعاية وكمال العناية الربانية. والعلاقة بين الرعاية والقبول وشيجة فرعاها ربها برعاية حسنة، إذ كيف يتقبلها بحسن القبول إذا لم يهيئ لها أسباب الرعاية؟ وقد جاء التصريح بها في قوله تعالى: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) وكانت رعاية اللَّه وعنايته بمريم ظاهرة حين يرى زكريا عندها كل ألوان الرزق فيضا من عند اللَّه لتنشأ مباركة مجدودة. أرأيت إلى شرف التضيمن كيف يبلِّغك الحاجة بالتلوّم على رياضة كل معنى معتاص عليك؟ من غير دعوى زيادة في الحروف ولا حمل صيغة على صيغة، ومعلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، لكنه أعجز البلغاء وقهر الفصحاء فلم ينقدح منهم زند، ولم يمض لهم حدٌّ. * * * قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) ذكر الأشموني: (عن) معناه (مِنْ) وكذلك الزركشي والسيوطي وابن هشام.

стр. 512

وقال الجمل: القبول هو الرضى بالعمل والإثابة عليه، فالقبول ليس قاصرا على أفضل وأحسن عباداتهم بل يعم كل طاعاتهم. فضمن القبول معنى الرضا فعداه بـ (عن). أقول: (عن) على أصلها وفعل تقبل الذي يتعدى بـ (مِن) عدَّاه ربنا بعن لماذا؟ ليتضمن معنى (حفي) فالله سبحانه يُخبر عن أولئك التائبين الراغبين في مرضاته الشاكرين لنعمائه أنه يتحفى ويتحرى عن أحسن أعمالهم وأفضلها فيتقبلها منهم، ليكونوا في أوائل الناجحين فالتضمين جمع المعنيين: التحفي والقبول ليفيدهما جميعا. فالمحاسب البصير يفرز بحاسوبه أحسن أعمالهم فإذا هي في ميزان الكريم تبلغ غاية ليس وراءها من نهاية. وأما سيئاتهم فيتجاوز عنها بلُطفه وكرمه حتى يُزيل عنهم التظني، وأين يجري عنهم التحري؟ في أصحاب الجنة وسكانها، فاللَّه يتحرى عنهم في أصحاب الجنة وفاءً بوعد الصدق الذي وُعِدوه في الدنيا، ولن يُخلف اللَّه وعده وهو جزاء إنعامه، ويرضى عنهم ويتقبل منهم أحسن ما عملوه ويتجاوز عن سيئاتهم. ولو ورد التعبير بلفظ القبول متعديا بـ (مِن) (يتقبل منهم) لضاع علينا التحفي ولكن (عن) هذه منحتنا تلك اللطيفة، نتحفى عنهم ونستقصي أحسن ما عملوه، أي نبالغ في السؤال عن أحسن أعمالهم، فنتقبلها منهم. يا اللَّه ما أكرم اللَّه ... إنها نسمات تتروح بعبير الزهر، وتتندى في نسيم السحر. فإن أمعنت النظر في أمثالها تَكاسَيت في البحث عنها وقطفت ثمارها.

стр. 513

أما الذين قالوا بالعدول من حرف إلى حرف كالأشموني وابن هشام والسيوطي والزركشي وسواهم، فما العلة التي سوغت لهم مجيء (عن) بدلا من (مِنْ)؟! وما فائدة التناوب؟. فاستَوحِش منه، ولا تأنس بخاطر يبدو لك فيه، فهو واهٍ ضعيفٌ ساقط لا وجه له. أرأيت كم وراء هذه الحروف من كنوز استودعتْها هذه اللغة الشريفة في أفعالها. دل عليها التضمين وأرشد إليها النظر!. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) (١). ذكر العز: (قدرنا) معنى (علمنا) ليفيد التقدير والعلم جميعا. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله قدرنا، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمين فعل التقدير معنى العلم وكسرت همزة (إن) إجراء لفعل التقدير مجرى العلم والعلة في كسرها وجود اللام. فإن قلت: لم أسند الملائكة فعل التقدير لأنفسهم وهو لله؟ قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله. وقال القرطبي: قدرنا أي قضينا وكتبنا. وكذلك البروسوي: حكمنا وقضينا. وقال أبو السعود: علق فعل التقدير بأفعال القلوب لتضمَّنه معنى (العلم) ويجوز حمله على معنى (قلنا) لأنه بمعنى القضاء. وقال أبو حيان: وكسرت (إن) إجراء لفعل التقدير مجرى العلم، إما لكونه بمعناه أو لترتبه

стр. 514

عليه. وأسند التقدير إليهم ولم يقولوا: قدر الله، لأنهم هم المأمورون بإهلاكهم كما يقول من يلوذ بالملك: أمرنا بكذا والآمر هو الملك. وقال الجمل: قوله قدَّرنا ضمن معنى العلم ولذلك كسرت همزة (إن) وجاءت في خبرها اللام وإسناد التقدير للملائكة مجاز فهم رسل اللَّه ووسائط بينه وبين خلقه وإنما فعلوه بأمر الملك لاختصاصهم بأوامره وقربهم منه. وفعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم. أقول: إن تضمين (قدَّر) معنى (قضى أو حكم أو كتب) فهذا لا يكون إلا لله ولا يصح من أحد سواه. ومن معاني (فَعَّل) النسبة إلى الفعل كـ فهَّمته: نسبته إلى الفهم، وفسَّقته: نسبته للفسق وعليه يكون المعنى. نسب الملائكة التقدير لأنفسهم فيما حكم اللَّه به وبيان ما قضاه وكتبه، إنها من الهالكين لأنهم مأمورون من الله، فأسندوا التقدير لأنفسهم وهذا مسلك من هذه اللغة الشريفة أنُف، تعجب من وسيع مذاهبها وبديع أغوارها فيه. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) . قال العز (تقسطوا) معنى (تُحسنوا) لإفادة معنى العدل والإحسان جميعا. وقال الزمخشري: (تقسطوا) (تفضوا إليهم بالقسط ولا

стр. 515

تُعلموهم)، وناهيك بتوصية اللَّه المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين ويتحاموا ظلمهم مترجمة عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم. وذكر الجمل: قوله تفضوا إنما فسر بذلك ليصح تعدية تمسطوا بـ (إلى) فضمّن (تمسطوا) معنى (تفضوا) فعُدِّي تعديته. وذكر الآلوسي: ولا تفضوا إليهم بالقسط، فالفعل مضمن معنى (الإفضاء) ولذا عُدِّي بـ (إلى). أقول: المسلم يعيش لعقيدة فلا جهاد في عصبية من جنس أو أرض أو عشيرة أو نسب ... ولكن لتكون عقيدته هي السائدة ومنهجها هو المطبق في الحياة. والإسلام لا تحمل عقيدته خصومة لأحد ولا يتطوع بالعدوان على أحد يحرص على استبقاء المودة في النفوس مع جميع الملل والنحل. ولا ييئس من محاسنة الجميع ومسالمتهم ما لم يقاتلوه في الدين أو يُخرجوه من دياره. وتلك هي شريعته الدولية: السلم: وتسلموا إليهم، لا يغيرها إلا وقوع العدوان عليهم، وضرورة رده، أو خوف الخيانة وهي تهديد بالعدوان أو الوقوف في وجه الدعوة حين يُمنع الدعاة من تبليغها. فنظام الإسلام يجمع الناس تحت لواء المحبة ولا ييئس حتى في حال الخصومة أن يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة والتحبب إلى النفوس فتنفتح لسماع الحق وتتجه هذا الاتجاه المستقيم. وأكد ذلك بحب اللَّه للمقسطين، وقبل ذلك قال سبحانه: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) وهذا الرجاء من اللَّه لا بد أنه سيكون، ولقد كان وفتحت مكة وأسلمت قريش وطُويت الثارات وتصافت

стр. 516

القلوب. ولعل تضمين (تقسطوا) معنى (توددوا وتحسنوا) أذهب بها في الدلالة على القصد وأكشف لها في إدراك ما وراءها من المطلب. فالقسط الملتبس بالإحسان يسوق إلى الود وهما من لوازم تأليف القلوب. وقد عطفه على البر ليكون له لزيما وعليه دليلا لتداني حالَيْهما فالعدل مُفضٍ إلى الودِّ وهو من أسبابه والتلويح بالمراد أحلى من التصريح وأدمث. أما الإفضاء كما ذكر الزمخشري والجمل والآلوسي فهو إزالة الفضاء للوصول إلى العدل وليس غير. ففيه من غموض المسرب ما لا يوصلنا إلى المراد إلا على استكراه. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (٢). قال الزمخشري: من ذكر الله: من أجل ذكره أي إذا ذكر اللَّه عندهم أو آياته اشمأزوا وزادت قلوبهم قساوة كقوله تعالى: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) وقُرئ: عن ذكر الله. فإن قلت: ما الفرق بين (مِنْ) و (عن)؟ قلت: إذا قلت: قسا قلبه من ذكر اللَّه فالمعنى ما ذكرت من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه، وإذا قلت: عن ذكر اللَّه فالمعنى: غلظ عن قبول الذكر

стр. 517

وجفا عنه، ونظيره: سقاه من العَيمة أي من أجل عطشه. وسقاه عن العَيمة: إذا أرواه حتى أبعده عن العطش. وقال الرازي: إنه صار سبباً لمزيد القسوة، دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات. وذكر الجمل: أشار إلى أن (مِنْ) بمعنى (عن) وأن الذكر هو القرآن وأن في الكلام مضافا مقدرا وبعضهم جعل (مِنْ) تعليلية أي قست بسبب، ومن أجل ذكر الله، فإذا سمعوه نفروا وزادوا قسوة لفساد قلوبهم، والدواء النافع قد يكون داء لبعض المرضى. وقال الآلوسي: من ذكر اللَّه أي من أجل ذكره سبحانه الذي حقُّه أن تلين له القلوب، أي إذا ذكر اللَّه تعالى عندهم أو آياته أشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة، وقُرئ (عن ذكر الله) والمتواتر أبلغ لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبيا عن قبوله من القاسي عنه بسبب آخر، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر لأن توسعته وجعله محلا للإسلام دون القلب الذي فيه ما يدل على شدّته وإفراط كثرته التي فاضت حتى ملأت الصدر فضلا عن القلب. ثم ذكر الفرق بمِن الضيق والقساوة، ولماذا أسنده إلى الله، ولماذا أسندها إلى القلوب؟ أقول: القلوب صنوف ... قلوب تطمئن إلى ذكر اللَّه (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) تتلقاه بإشراق واستنارة، وتتفتح، فتنشرح له وتتندى به. وقلوب تستقبله في وجل وارتعاش، فتلين له الجلود وتسكن له القلوب.

стр. 518

وقلوب عاسية قاسية، تشمئز من سماعه، فتنفر وتكتئب وتنقبض، تلقاه بغلظة وعتمة في جفاف وقسوة، فتضمين اسم الفاعل (قاسية) معنى (نافرة أو مشمئزة) أولى من تضمين الحروف: (مِنْ) معنى (عن)، يشهد لصحته شياعة استعماله في بابه، فالقسوة إنما تتولد من النفور، وليس الاشمئزاز وهو امتلاء القلب غيظا إلا من أسباب القسوة. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي نفرت، وكلا النفور والاشمئزاز يتعدى بمن. هكذا تظهر مزية هذه الحروف حين تدخل على أفعال أو مشتقات لا تتعدى بها، ويعظم فضلها حين تسلط النظر على الخبيء فيستخرج، وعلى الدفين فيطلب إنها عرائس تزف إليك، يسافر فيها الطرف وقد عرف طريق الاستمتاع بها. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) . قال ابن عباس: قضينا: بيَّنا لبني إسرائيل. وذكر الزمخشري: قضينا: أوحينا إليهم وحيا مقضيا أي مقطوعا مبتوتا بأنهم يفسدون. ونقل ذلك عنه البيضاوي وحكى أبو حيان: قضى

стр. 519

يتعدى بنفسه (قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ) ولما ضمن معنى الإيحاء تعدى بـ (إلى). وذكر البروسوي: قضى إليه: أنهاه وأبلغه. أي أعلمناهم وأوحينا وحيا جازما وبيّنا في الكتاب أي التوراة. فإن الإنزال والوحي إلى موسى إنزال ووحي إليهم. ونقل الجمل عن السمين: قضى يتعدى بنفسه (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا) وإنما تعدى هنا بـ (إلى) لتضمنه معنى أنفذنا وأوحينا أي وأنفذ إليهم بالقضاء المحتوم. أ. هـ. السمين. وقال الجمل: قضى يتعدى بنفسه أو بـ (على) وإنما عداه بـ (إلى) لتضمنه معنى أوحينا ويجوز أن يكون لتفسدن جوابا لقوله (وقضينا) لأنه ضُمِّن معنى القسم ثم قال: المراد بالإيحاء: الإعلام والإخبار بما سيحل بهم، والموحى به محذوف أي بالفساد. أقول: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا ... ) في الأفق الساجي مع جو الإسراء اللطيف، وفي تظليل الصورة بالعتمة ... يأتي العروج في مقام العبودية كي لا تلتبس بمقام الألوهية كما فعل النصارى. رحلة تربط بين عقائد التوحيد من إبراهيم وإسماعيل إلى محمد ﷺ ، كما تربط بين المقدسات من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ... قضينا ... ليس قضاءً قهرياً عليهم فاللَّه لا يقضي بالفساد حاشاه وإنما أوحى إلى بني إسرائيل في التوراة خبر ما كان وما سيكون بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين وسيسيطرون في الأرض المقدسة،

стр. 520

فالقضاء تضمن معنى الوحي وإنهاء الخبر إليهم وإعلامهم عما سيفعلونه وهو في علمه سبحانه من مآلهم الذي لم يكشف عنه الستار بعد. وأنهم كلما عَلَوْا نشروا الفساد في الأرض سلَّط اللَّه عليهم من يُدمرهم، وما دام القضاء بمعنى الوحي، فلم لم تأتِ الآية: وأوحينا إلى بني إسرائيل؟ لو قال: وأوحينا لضاع معنى القضاء والقدر. ولو قال: وقضينا (على) لضاع علينا معنى الوحي والإنباء. فالتضمين جمع المعنيين عن طريق الحرف (إلى) وأعلن عن وجوده بقوتين: قوة القضاء المبتوت من عالم الأزل، وقوة البيان والتبليغ فيما أوحى. فهل تأخذ البشرية اليوم حِذرها منهم مما ينشرون من ألوان الفساد بين العباد في شتى البلاد؟!. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) . ذكر الآلوسي: والذي هذه صفاته يقضي قضاء ملتبسا بالحق لا بالباطل لاستغنائه عن الظلم، وقوله: لا يقضون بشيء تهكم بآلهتهم من باب المشاكلة وأصله لا يقدرون على شيء. وقال القرطبي: يقضي: أي يُجازي. فتضمن القضاء معنى الجزاء. وحكى الزمخشري: قال: لعله تضمن يحكم. وذكر أبو حيان: لا يقضون بشيء: قَدْحٌ في أصنامهم وتهكم بهم.

стр. 521

وقال الطبري: فيجزي محسِنكُم بالإحسان والمسيءَ بالإساءة. أقول: مشهد من مشاهد القيامة يتفرد فيه الجليل بالمُلك والحكم والقضاء ... موقف خاشع ورهيب يوم هم بارزون لا يخفى على اللَّه منهم شيء. القلوب لدى الحناجر ... كاظمين ... لا شفيع ولا حميم، يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. من المتفرد بالحكم والقضاء يوم الجزاء، يوم الفصل؟ اللَّه وحده الذي يحكم ... وبماذا؟ بالحق فقد تضمن القضاء معنى (الحكم) فتعدى بالباء. أجل يحكم بالحق عن علم وخبرة ... عن سمع وبصر ... لا يخفى عليه شيء حنى خائنة الأعين وخافية الصدور ... لا ظلم اليوم ذلك هو الحاكم المتفرد في ملكوته فأين الذين يحكمون من دونه؟. إن للتضمين غفيرة توجب له المزية، وتبلغ به مواقع الاستحسان، حين ضم في إهابه إلى القضاء معنى الحكم والجزاء. * * *

стр. 522

قَالَ تَعَالَى: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (١). ذكر الزمخشري: عدي قضينا بـ (إلى) لأنه ضُمِّن معنى أوحينا كأنه قيل: وأوحينا إليه مقضيًّا مبتوتا وفسر (ذَلِكَ الْأَمْرَ) بقوله: (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ) وفي إبهامه تفخيم له وتعظيم. وذكر الجمل: قضينا ضَمن معنى أوحينا فعدي به وهو (إلى) و (ذلك) مفعول القضاء. و (الأمر) بدل منه أو عطف بيان. وذكر أبو السعود في قوله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ): يقضي إليك وحيه: أي يتم وحيه. وذكر الآلوسي: قضى مضمن معنى أوحى ولذا عدي تعديته. وجعل المُضمّن حالا وهو أحد الوجهين المشهورين في التضمين. وذكر أبو حيان: ولما ضمن قضينا معنى أوحينا تعدت تعديتها بـ (إلى) أي: وأوحينا إلى لوط مقضيا مبتوتا والإشارة بذلك إلى ما وعده تعالى من هلاك قومه، وأن دابر تفخيم للأمر وتعظيم له، وهو في موضع نصب على البدل أو على إسقاط الباء بأن دابر هؤلاء ... وذكر الشوكاني: قضينا إليه: أوحينا إليه ومثله البيضاوي. أقول: تضمين (قضى) معنى (أسرَّ) (وهو من الأضداد) يتعدى

стр. 523

بـ إلى جاء هنا بمعنى أخفى لينسجم مع السياق ومعناه: أسررنا إليه ذلك الأمر الخطير والقضاء المبرم: أن آخر القوم ودابرهم مقطوع مع الصبح وإذا انقطع آخرهم انقطع أولهم. قدم السياق هذه النتيجة ليُطلعه على خطورتها، فلا يلتفت أحد من أتباع لوط إلى الديار، ولا يبطئ أو يتلكأ في الخروج منها لئلا يصيبه ما سيصيبهم نتيجة شذوذهم الجنسي حين أحسُّوا بوجود شباب مردٍ، حسان الوجوه في بيت لوط ففرحوا بالصيد السمين في الفاحشة الشاذَّة المريضة. فقد أسر اللَّه سبحانه إلى لوط ﵇ بما جرى به القضاء في إهلاك قومه مع الصبح ليسرع ومن آمن معه في الخروج سالمين. فصلة المضمّن بالمضمّن فيه أن تبليغ الحكم جرى بطريقة سرية. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (٢). ذكر الزمخشري: مِن قضى عليه: إذا أماته (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) إذاً تضمن قضى معنى أجهز، وأجهز عليه أماته فحين تعدى بـ (على) أفاد معنى الموت وحين تعدى بـ (في) أفاد معنى الفصل والتمييز كما في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). وقال أبو السعود: أي ليمتنا حتى نستريح وهو لا ينافي من إبلاسهم لأنه جؤار وتمنٍّ للموت. وذكر البيضاوي: يقضي علينا: من قضى عليه إذا أماته وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه جُؤار.

стр. 524

أقول: أرأيت كيف اختلف معنى (قضى) عند دخول هذه الحروف عليه؟ وهو مما يُوافق أوضاع اللغة ولا يُنافرها (فقضى عليه) تضمن معنى (أجهز عليه) بدليل جواب مالك: إنكم ماكثون ودليل آخر في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) وقوله تعالى: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) وقوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ). ففعل (القضاء) حين تعدى بالحروف أرأيت كيف اختلف معناه حسب الحرف المتعدي به؟! وكذلك حين جاء متعديا بنفسه اختلف معناه حسب أسيقته: ففي يوسف: ٦٨: (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) تضمَّن (قضى) معنى أنفذ، أو أظهر. وفي البقرة: ١١٧: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) تضمن معنى أراد. وفي الأحزاب: ٢٣: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) تضمن معنى وفَّى نذره، حين استشهد. وفي الأحزاب: ٣٦: (إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا) تضمن معنى ألزم. وفي طه: ٧٢: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) تضمَّن معنى اصنع ما أنت صانع.

стр. 525

وفي فصلت: ١٢: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) تضمن معنى خلقهن. وفي القصص: ٢٨: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) تضضن معنى وفَّيت. وفي البقرة: ٢٠٠ (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) تضمن معنى أديتم. وفي عبس: ٢٣ (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) تضمن معنى لم يقم بواجبه. وفي الحج: ٢٩ (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) تضمن معنى يزيلوا وسخهم. وفي الأنفال: ٤٢ (وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) تضمن معنى أمضى. وهكذا حملنا ظاهر الفعل (قضى) على المحتمل المرجوح من معانيه بدليل يعضده السياق فيجعله راجحاً. والحمل على السياق في هذه اللغة يكاد يكون مغفولاً عنه غير مأبوه له لِدقته ولُطفه. وكثرة الحمول في العربية (أي التضمين) مذهب شريف يمرّ به الكثير ساهين عن فضله. فلا تعدُ عيناك عنه فتطفئ مصباحاً من مصابيح هذه اللغة الشريفة. * * *

стр. 526

قَال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) . قال الرازي: قضاء اللَّه هو حكمه. وقال الجمل: أي إذا أراد أمراً. وقال الآلوسي: قضى يعني أمر. أقول: القضاء معناه الإلزام. إذا ألزم اللَّه ورسوله أحداً أمرا فإنه لا خِيَرة للمؤمنين في المأمور به فقد تضمَّن (الأمر) معنى (المأمور به). ولو تركنا النص على ظاهره بدون تضمين لصار المعنى: لا خِيَرة للمؤمنين في صفة اللَّه تعالى وهذا غير مفيد، وإذا تعذر حمله على نفس الأمر وجب حمله على المأمور به ويصير المعنى: إذا ألزم الله ورسوله المكلف أمراً فلا خيرة له في المأمور به وإذا انتفت الخيرة تعين الوجوب. وإلزام الأمر هو توجيهه على المكلف شاء أم أبى. وإلزام الأمر غير إلزام المأمور به. ومخالفة الأمر إخلال بمقتضاه، والتارك لأمر اللَّه مخالف يستحق العقوبة. فلفظ (القضاء) يتحمل معنى (الإرادة، والأمر، والحكم، والإلزام ... ) وغير ذلك من معان. ولعل الأمر والإلزام أدنى للسياق لقوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) فالعصيان إنما يكون بعد الأمر وليس بعد الإرادة أو الحكم أو ......

стр. 527

ونص الآية أعم من أن تكون له علاقة بإبطال التبني أو إحلال مطلقات الأدعياء أو زواج النبي ﷺ من زينب ﵂ بعد طلاقها من زيد مولاه وما أحدث من ضجة عند أعداء الإسلام. أجل لن يثمر الجهد الإنساني إلا حين يستقيم القلب على هدى الله، ويطمئن الضمير إلى قدر اللَّه الذي لا يتم أمر في هذا الوجود إلا بمقتضاه ووفق مشيئته. نعم الآية هنا أشمل وأوسع من ربطها بحادث خاص لأنها تقرر كلية من كليات التصور الإسلامي. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) . ذكر أبو حيان: أي صنعهن وأوجدهن. وقال القرطبي: أي أكملهن وفرغ منهن وقيل: أحكمهن. وقال أبو السعود: أي خلقهن خلقاً إبداعياً وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة. وذكر الجمل والآلوسي: أي صيرها سبع سماوات لأنه ضمن معنى صيّرهن بقضائه سبع سماوات. وقال عبد الفتاح أحمد الحمز: من الأفعال المضمنة معنى التصيير: قضى. أقول: فالقضاء في هذا السياق اتسع إهابه فتضمَّن معاني عديدة من:

стр. 528

الحكمة، والكمال، والإيجاد، والخلق، والتكوين، والتصيير، والإتقان، والإبداع، وحسن الصنعة فقضاهن: صيَّرهن، وأتم تكوينهن - سبع سماوات - في يومين من أيام الله، كوَّن فيهما النجوم والسدم، فتعدى القضاء إلى مفعولين. ومن شرف هذه اللغة أن يتسع إهاب اللفظ فيها ليتضمن بالسبر والتأمل من وجوه التأويل ما يُبدي محاسنَه ويُظهر فضلَه. أما من قل حَفْلُهم بما وراءه، وما يحمل في جعبته، فبما أصابهم من خمود النفس وخَيْسِ الخاطر. * * * قَال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ) . ذكر أبو حيان: قُرئ يقضي الحق: معنى يُنفذه. فعداه إلى مفعول به. وقيل: يقضي بمعنى يصنع، وقيل: حذف الباء أي بالحق. كل ما يصنعه فهو الحق. وقرأ مجاهد وابن جبير: يقضي بالحق. ولو قال: ينفذ الحق لكان أوْلى فإنفاذ الحكم من مستلزمات القضاء. وقال الرازي: يقضي: القضاء الحق أو يصنع الحق. وقال الجمل: وأما نصب الحق ففيه وجوه: الثاني: أنه ضمن يقضي معنى ينفذ فلذلك عدَّاه إلى المفعول به. والثالث: أن قضى بمعنى صنع غير مُعدى بنفسه. والرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي يقضي بالحق فلما حذف انتصب مجروره. وفي قراءة يقص الحق من قص الأثر أي تتبعه فالحق مفعول به

стр. 529

وذكر الآلوسي: إما صفة مصدر أي يقضي قضاء الحق، أو مفعول به ويقضي متضمن معنى ينفذ، أو من قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره كقول الهذلي: * مسرودتان قضاهما داود * وقال الزمخشري: يقضي القضاء الحق. أقول: الحكم لله وحده، يقص الحق، ويخبر به، ويفصل فيه، فهو من شأن الألوهية وحدها، ومن خصائصها أما الرسول ﷺ فبشر، يوحى إليه، فيبلِّغ ويُنذِر. فهل بعد هذا من تنزيه لذاته سبحانه! لا تضمين إذاً في قراءة حفص (قص) ولا داعي إليه. وباقي القراء (يقضي الحق) تضمن معنى أنفذه أو صنعه أو أمضاه. إنه التضمين ... مفتاح سداد وذخيرة معاد. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) . قال أبو حيان: أجاز أبو البقاء أن يكون قطَّعنا بمعنى صيرنا، وأن ينتصب اثنتي عشرة على أنه مفعول ثانٍ بـ (قَطَّعْنَاهُمُ)، وجزم الحوفي: بأن اثنتي عشرة مفعول لـ (قَطَّعْنَاهُمُ) أي جعلناهم. وقال أبو السعود: (اثنتي عشرة) ثاني مفعولي قطَّع لتضمنه معنى التصيير، أو حال من مفعوله أي فرقناهم معدودين هذا العدد.

стр. 530

وقال الجمل: والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يعدى لاثنين، فعلى هذا يكون اثنتي عشرة حالا من مفعول قطَّعناهم أي فرقناهم معدودين، وجوز أبو البقاء أن يكون قطَّعناهم متضمن معنى صيّرناهم، وأن اثنتي عشرة مفعول ثانٍ وجزم الحوفي بذلك. وذكر الآلوسي: قطع يقرأ مشدداً ومخففا، والأول هو المتواتر، ويتعدى لواحد، وقد يضمن معنى صيَّر فيتعدى لاثنين، فقوله: (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) حال أو مفعول ثانٍ أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم. إنها الرعاية الربانية تشمل موسى ﵇ كما شملت قومه بعد أن عبدوا العجل، ثم كفروا عن خطيئتهم فتاب اللَّه عليهم فطلبوا رؤية اللَّه جهرة فأخذتهم الرجفة ثم أحياهم بدعاء موسى لهم، تتجلى هذه الرعاية في ردهم حسب فروعهم اثنتي عشرة أمة. ترجع كل أمة منها إلى حفيد من أحفاد جدهم يعقوب وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية، وجعل اللَّه لكل منهم عينا فلا يعتدي بعضهم على بعض حين ضرب موسى بعصاه الحجر، وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى من أفخر الطعام. ولكن الجبلة اليهودية ملتوية عن الاستقامة عصية عن الهدى، يأتيها الابتلاء فلا تصبر، لأن الصبر يحتاج إلى طبيعة ترتفع عن الأهواء والأطماع. فتضمين التقطيع معنى (الرد) والمتعدي لمفعولين يستنيم إليه السياق لأنه عودة بهم إلى أصولهم الاثنتي عشرة أمة ترجع كل واحدة إلى حفيد. أما تقدير حال محذوفة فمستثقل، وأما التصيير فغير وارد. فكم كانوا حتى أصارهم إلى هذا العدد؟!.
следующие страницы →