← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قَال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) . قال الرازي: قضاء اللَّه هو حكمه. وقال الجمل: أي إذا أراد أمراً. وقال الآلوسي: قضى يعني أمر. أقول: القضاء معناه الإلزام. إذا ألزم اللَّه ورسوله أحداً أمرا فإنه لا خِيَرة للمؤمنين في المأمور به فقد تضمَّن (الأمر) معنى (المأمور به). ولو تركنا النص على ظاهره بدون تضمين لصار المعنى: لا خِيَرة للمؤمنين في صفة اللَّه تعالى وهذا غير مفيد، وإذا تعذر حمله على نفس الأمر وجب حمله على المأمور به ويصير المعنى: إذا ألزم الله ورسوله المكلف أمراً فلا خيرة له في المأمور به وإذا انتفت الخيرة تعين الوجوب. وإلزام الأمر هو توجيهه على المكلف شاء أم أبى. وإلزام الأمر غير إلزام المأمور به. ومخالفة الأمر إخلال بمقتضاه، والتارك لأمر اللَّه مخالف يستحق العقوبة. فلفظ (القضاء) يتحمل معنى (الإرادة، والأمر، والحكم، والإلزام ... ) وغير ذلك من معان. ولعل الأمر والإلزام أدنى للسياق لقوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) فالعصيان إنما يكون بعد الأمر وليس بعد الإرادة أو الحكم أو ......

стр. 527

ونص الآية أعم من أن تكون له علاقة بإبطال التبني أو إحلال مطلقات الأدعياء أو زواج النبي ﷺ من زينب ﵂ بعد طلاقها من زيد مولاه وما أحدث من ضجة عند أعداء الإسلام. أجل لن يثمر الجهد الإنساني إلا حين يستقيم القلب على هدى الله، ويطمئن الضمير إلى قدر اللَّه الذي لا يتم أمر في هذا الوجود إلا بمقتضاه ووفق مشيئته. نعم الآية هنا أشمل وأوسع من ربطها بحادث خاص لأنها تقرر كلية من كليات التصور الإسلامي. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) . ذكر أبو حيان: أي صنعهن وأوجدهن. وقال القرطبي: أي أكملهن وفرغ منهن وقيل: أحكمهن. وقال أبو السعود: أي خلقهن خلقاً إبداعياً وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة. وذكر الجمل والآلوسي: أي صيرها سبع سماوات لأنه ضمن معنى صيّرهن بقضائه سبع سماوات. وقال عبد الفتاح أحمد الحمز: من الأفعال المضمنة معنى التصيير: قضى. أقول: فالقضاء في هذا السياق اتسع إهابه فتضمَّن معاني عديدة من:

стр. 528

الحكمة، والكمال، والإيجاد، والخلق، والتكوين، والتصيير، والإتقان، والإبداع، وحسن الصنعة فقضاهن: صيَّرهن، وأتم تكوينهن - سبع سماوات - في يومين من أيام الله، كوَّن فيهما النجوم والسدم، فتعدى القضاء إلى مفعولين. ومن شرف هذه اللغة أن يتسع إهاب اللفظ فيها ليتضمن بالسبر والتأمل من وجوه التأويل ما يُبدي محاسنَه ويُظهر فضلَه. أما من قل حَفْلُهم بما وراءه، وما يحمل في جعبته، فبما أصابهم من خمود النفس وخَيْسِ الخاطر. * * * قَال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ) . ذكر أبو حيان: قُرئ يقضي الحق: معنى يُنفذه. فعداه إلى مفعول به. وقيل: يقضي بمعنى يصنع، وقيل: حذف الباء أي بالحق. كل ما يصنعه فهو الحق. وقرأ مجاهد وابن جبير: يقضي بالحق. ولو قال: ينفذ الحق لكان أوْلى فإنفاذ الحكم من مستلزمات القضاء. وقال الرازي: يقضي: القضاء الحق أو يصنع الحق. وقال الجمل: وأما نصب الحق ففيه وجوه: الثاني: أنه ضمن يقضي معنى ينفذ فلذلك عدَّاه إلى المفعول به. والثالث: أن قضى بمعنى صنع غير مُعدى بنفسه. والرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي يقضي بالحق فلما حذف انتصب مجروره. وفي قراءة يقص الحق من قص الأثر أي تتبعه فالحق مفعول به

стр. 529

وذكر الآلوسي: إما صفة مصدر أي يقضي قضاء الحق، أو مفعول به ويقضي متضمن معنى ينفذ، أو من قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره كقول الهذلي: * مسرودتان قضاهما داود * وقال الزمخشري: يقضي القضاء الحق. أقول: الحكم لله وحده، يقص الحق، ويخبر به، ويفصل فيه، فهو من شأن الألوهية وحدها، ومن خصائصها أما الرسول ﷺ فبشر، يوحى إليه، فيبلِّغ ويُنذِر. فهل بعد هذا من تنزيه لذاته سبحانه! لا تضمين إذاً في قراءة حفص (قص) ولا داعي إليه. وباقي القراء (يقضي الحق) تضمن معنى أنفذه أو صنعه أو أمضاه. إنه التضمين ... مفتاح سداد وذخيرة معاد. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) . قال أبو حيان: أجاز أبو البقاء أن يكون قطَّعنا بمعنى صيرنا، وأن ينتصب اثنتي عشرة على أنه مفعول ثانٍ بـ (قَطَّعْنَاهُمُ)، وجزم الحوفي: بأن اثنتي عشرة مفعول لـ (قَطَّعْنَاهُمُ) أي جعلناهم. وقال أبو السعود: (اثنتي عشرة) ثاني مفعولي قطَّع لتضمنه معنى التصيير، أو حال من مفعوله أي فرقناهم معدودين هذا العدد.

стр. 530

وقال الجمل: والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يعدى لاثنين، فعلى هذا يكون اثنتي عشرة حالا من مفعول قطَّعناهم أي فرقناهم معدودين، وجوز أبو البقاء أن يكون قطَّعناهم متضمن معنى صيّرناهم، وأن اثنتي عشرة مفعول ثانٍ وجزم الحوفي بذلك. وذكر الآلوسي: قطع يقرأ مشدداً ومخففا، والأول هو المتواتر، ويتعدى لواحد، وقد يضمن معنى صيَّر فيتعدى لاثنين، فقوله: (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) حال أو مفعول ثانٍ أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم. إنها الرعاية الربانية تشمل موسى ﵇ كما شملت قومه بعد أن عبدوا العجل، ثم كفروا عن خطيئتهم فتاب اللَّه عليهم فطلبوا رؤية اللَّه جهرة فأخذتهم الرجفة ثم أحياهم بدعاء موسى لهم، تتجلى هذه الرعاية في ردهم حسب فروعهم اثنتي عشرة أمة. ترجع كل أمة منها إلى حفيد من أحفاد جدهم يعقوب وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية، وجعل اللَّه لكل منهم عينا فلا يعتدي بعضهم على بعض حين ضرب موسى بعصاه الحجر، وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى من أفخر الطعام. ولكن الجبلة اليهودية ملتوية عن الاستقامة عصية عن الهدى، يأتيها الابتلاء فلا تصبر، لأن الصبر يحتاج إلى طبيعة ترتفع عن الأهواء والأطماع. فتضمين التقطيع معنى (الرد) والمتعدي لمفعولين يستنيم إليه السياق لأنه عودة بهم إلى أصولهم الاثنتي عشرة أمة ترجع كل واحدة إلى حفيد. أما تقدير حال محذوفة فمستثقل، وأما التصيير فغير وارد. فكم كانوا حتى أصارهم إلى هذا العدد؟!.

стр. 531

والسؤال الآن: لم جاء التعبير بالتقطيع (وَقَطَّعْنَاهُمُ) بدلا من الرد؟ والجواب: لعل هذه الجبلة عصية عن الهدى كما جاء في ختام هذه الآية: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وظلال التقطيع والتمزيق مستوحش يليق بظلمهم لأنفسهم بعد أن غَلّتْ نعمة اللَّه أيديهم فجاء ردهم إلى أصولهم بلفظ التقطيع والتمزيق، ليجمع التضمين المعنيين، ويتدثر بثوبين كل واحد ينبئ عن أخيه. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون). ذكر العكبري: أي تقطعوا في أمرهم. عدي تقطعوا بنفسه لأنه بمعنى قطَّعوا أي فرّقوا. ومثله الجمل. وقال الزمخشري: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه، فيصير لهذا نصيب ولذاك نصيب تمثيل لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى. وذكر الآلوسي: تقطع مضمن معنى الجَعْل فلذا تعدى إلى (أمرهم) بنفسه. وقال أبو البقاء: تقطعوا أمرهم أي في أمرهم أي تفرقوا. وقيل: عدي بنفسه لأنه بمعنى التمييز ولا يخفى على ذي تمييز.

стр. 532

أقول: من معاني تفعَّل: الاتخاذ: توسدت ثوبي: أي تخذته وسادة. وعليه تقطعوا أمرهم: اتخذوه قطعا. الزبور واحد فجعلوه زبرا كثيرة، وتصريم الذبيحة: تقيطع أشلائها مزقا ليخرج كل مقتطع بمِزْقة أو نصيب، ولا تخفى شناعة هذه الصورة، تحطُّ من قداسة كتابهم ودينهم، وتغضُّ من نفاسة معتقدهم. أحزاب لا تلتقي على منهج، وأوزاع لا تجتمع في سبيل، لغفلةٍ تغمر القلوب المنحرفة أو الضالة عن الحق لا تفكر في الخروج من التيه أغلقت أعينها عن كل شعاع منير، حين تخذت دينها مزقا، كل حزب بمزقته فرح، وعليه صار تضمين (تقطع) معنى (تَخِذ) والمتعدي إلى مفعولين. إنه التضمين تنال به الرغائب ولا يناله إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق وجرى فيها على عِرْق. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) . ذكر أبو حيان: الأولى أن يتضمن أقعدن معنى فعل متعدٍ (لألزمن) بقعودي صراطك المستقيم. وذكر القرطبي: لأقعدن لهم بالصد عنه وتزيين الباطل له. وقال الزركشي: أقعدن يجب تضمينه فعلا متعديا: ألزمن لك (أملكن).

стр. 533

وروى الشوكاني: أقعدن لهم: لأجهدن في إغوائهم حتى يفسدوا. وحكى أبو السعود: لأقعدن لآدم وذريته ترصدا لهم كما يقعد القطَّاع للقطع على السابلة. أقول: إخذ إبليس العهد على نفسه بأن يغوي ذرية من كان سببا في مأساته ولعنه وطرده من الجنة فقال: لأقعدن ... وصراط اللَّه المستقيم ليس حِسًّا بل معناه الإيمان والطاعة الموصلة إلى رضا الله، بل معناه الإسلام. والقعود ليس حِسًّا كذلك بل هو مشهد شاخص مُحَس مُبصَر يتضمن (الرصد والإلثاث والتنكير والتشويه) يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. تنوعت الأساليب واختلفت الصور ليأخذ أبناء آدم حذرهم من عدوهم. وحين أجيب إبليس إلى طلبه من الإنظار، وأخذ على نفسه العهد بإغواء من كان السبب في طرده، اقتضت مشيئة اللَّه أن يدع الكائن البشري للابتلاء، فيشق طريقه بنفسه بما رُكب في فطرته من استعداد للخير والشر يصطرعان ... وبما أمده من كتب على أيدي الرسل. نعم ترك لإبليس فرصة الإغواء كما ترك لأبناء آدم فرصة الاختيار. فتضمين (قعد) معنى (رصد) لأرصدن لهم صراطك - كما ذكر أبو السعود - مستوحى من قوله تعالى: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ). ولعل تنكيره أو تشويهه، لأنكرن وأشوهن، فلا يهتدي إليه أحد، نكون

стр. 534

قد جمعنا مع لَبْثه على الصراط ولزومه إياه وعدم بَرَاحه، معنى التجهيل لمَعالِمه من طريق تشويهه لصد سالكيه عنه بكل وسيلة يملكها. أوليس قعوده عليه ولزومه إياه وإلثاثه به تشويها له؟ وأنجع هذه الوسائل وأهمها أن يتسخط المؤمن عطاء ربه، ولهذا أتبعها بقوله (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) وليس هذا الداء بالهين ولا العلاج مُسعِفَاً، ولا السعي مُنجِحاً متى رام ذلك. والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية، فإلتأثه على صراط اللَّه المستقيم سبب في تنكيره وتشويهه، إنما يُرى اللعين في طرق الغواية والضلال والفساد. فاللام من جهة، وتعدية الفعل اللازم من جهة أخرى: أضاءتا لنا ما خفي علينا من هذه اللطائف. فول وجهك نحو التضمين لتبلغ منه حاجتك في جَنْي هذه الرقائق. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا) . قال الزمخشري: لا تقعدوا موعدين وصادِّين عن سبيل الله. وذهب الأخفش: إلى أن الباء بمعنى (على) ولم يسنحسنه أبو علي بحجة أن الباء بمعنى (على) ليس بمقيس، هذا ما نسبه الطبرسي لأبي علي.

стр. 535

وقال الجمل: الباء يجوز أن تكون على حالها من الإلصاق أو المصاحبة أو تكون بمعنى (في). وحكى الآلوسي: أنهم كانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا. أقول: ليس المراد القعود المؤقت، وإنما المراد اللبث والثَّواء وطول المُقام. فالفعل قعد متضمن (تربَّص أو ثوى أو تأرَّض) وهذه جميعا تتعدى بالباء فشعيب يتوجه بدعواه إلى أهل مدين: يا قوم اعبدوا اللَّه ما لكم من إله غيره. ثم ينهاهم عن ... وعن ... والتربص بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل اللَّه من آمن به. فالسياق يشير إلى تربصهم بكل صراط وقطعهم لكل طريق على المؤمنين، ويتوعدونهم فيصدونهم عن السبيل. نعم سبيل الحق واحدة ولكن المناهج المتشعبة عنها كثيرة فأهل مدين يُلثون بكل صراط، ويتربصون بكل طريق، بكل شعبة من شعابها، يتوعدون المؤمنين ويصدونهم عن صراط اللَّه القويم ويريدونها عوجاء. دعاهم إلى التريث والتعايش بغير أذى حتى يحكم الله، ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان ممثل في جماعة مستقلة، لا تدين له بل تعلن الخروج عن سلطانه، ولذلك يفرض المعركة على سواه فرضا. فالباء على أصلها والتضمين أصاب من الدواة مدادها: القعود مع التأرُّض والإلثاث وطول المقام أما ما

стр. 536

توهمه بعضهم من إفادة الباء معنى المصاحبة أو الظرفية أو الإلصاق أو الاستعلاء فاحفظ نفسك منه، ولا تسترسل إليه إذ لا دليل معه عليه. إنه التضمين ... فاستفتح به ما استغلق عليك من دلالات هذه الأفعال. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) . ذكر أبو حيان: التضعيف الذي في قفينا ليس للتعدية إذ لو كان للتعدية لكان يتعدى إلى اثنين لأن قفوت يتعدى إلى واحد، أقول: قفوت زيدا أي تبعته فلو جاء على التعدية لكان: وقفينا من بعده الرسل، وكونه لم يجئْ كذلك: يَبْعد أن تكون الباء زائدة في المفعول الأول ويكون المفعول الثاني محذوفا لكنه ضمنه معنى (جئنا)، وجئنا من بعده بالرسل يقفو بعضهم بعضا (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ). وذكر أبو حيان: على آثارهم متعلق بـ قفينا وبعيسى متعلق به أيضا. وهذا على سبيل التضمين أي ثم (جئنا) على آثارهم بعيسى بن مريم قافيا لهم. أقول: من معاني فعَّل التكثير، أي بكثرة الرسل يقفو بعضهم إثر بعض. وتضمين (قفى) معنى (الحق) والمتعدي بالباء: أدق من جئنا بالرسل، وليست التقفية إلا صورة من صور الإلحاق، فالعلاقة بين المضمن والمضمن

стр. 537

فيه عموم وخصوص، أما صلة التقفية بالمجيء فتبقى معها في سوء مزاج تبعث على مراجعتها وإعادة النظر فيها. أو تضمين (قفا) معنى (أردف) والمتعدي بالباء وأردفنا من بعده بالرسل. أو (عقب) وعقبنا من بعده بالرسل: أي والينا من بعده بالرسل وتبقى هذه اللغة الشريفة سمحاء اللفظ، فيها يَختزنُ العديدَ من الدلالات، ويتسعُ لتلبيةِ كثيرٍ من الحاجات فلا يطوي عن إحداها بِشْره هذا وإن إخضاع الحق للهوى الطارئ والنزوة المتقلبة متأصل عند يهود - لعنهم اللَّه - لهم هوى فيه وانعطاف نحوه، فقد آتاهم اللَّه الكتاب وألحقهم من بعد موسى بالرسل تترا، يقفو بعضهم بعضا، سلسلة لا تنقطع وكان آخرهم عيسى ابن مريم أيده بمعجزات باهرات فلما جاءهم بالحق استنكروه وكذبوه فبئست الخلة هذه، كشفت عن لؤمهم وخسة طبعهم وفسولته ودناءته، ثم عن قتلهم الأنبياء صلوات اللَّه عليهم. فالفضل لهذه الباء بعثتنا على المراجعة لفعل (قفا) وإلطاف النظر فيه. * * * قَالَ تَعَالَى: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ). ذكر العز وأبو حيان والزركشي والجمل: ضمن استقيموا معنى (وجِّهوا) فلذلك تعدى بـ (إلى): أي وجهوا استقامتكم إليه وارجعوا إلى

стр. 538

توحيده وقيل: ضمن معنى (فاذهبوا). وقال البيضاوي: استقام تتعدى بـ في. استقيموا في أفعالكم متوجهين إليه. وذكر الآلوسي: استووا في التوجه إليه على التوحيد الخالص من الشرك. وفي اللسان: ترك الشرك والتزام الطاعة أقول: إن تضمين استقام معنى (انقاد) أدنى إلى السياق وألصق به من (ذهب أو استوى أو وجّه) فانقاد إلى اللَّه معناها لزم الطاعة، واستقام على المنهج وقد عطف عليها ربنا الاستغفار وهو توبة من ذنب وأوبة إلى صواب. فمن انقاد إلى اللَّه فقد استقام على طريقه، والتزم بمنهج شريعته. فالعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سبب ونتيجة، فمن أخذ بالأسباب بلغ المراد. وتنتهي الآية بالكشف عن شناعة جريمة الشرك، فالويل كل الويل للمشركين لقد اشترط التضيمن الاستقامة في السلوك: فما كل توجه إلى اللَّه يسلم من صور الشرك، ولا كل توجه إليه يكون خالصا من حظوظ النفس، ومن غلبة الهوى وصنوف الشرك. فهذه الحروف إنما جعلت سُلَّما إلى تحصيل المطلوب مما عَزُب من معاني أفعالها، ودق مسلكه، ونزح به غرضه، نتوصل إلى معرفتها بإلطاف النظر على وجه مستطاب.

стр. 539

ويبقى لفظ (استقيموا) والمتعدي بغير حرفه شاهدا على غرضه، يوجه الناظر فيه لمصارفه وأنحائه، فيسلك السهل واليسر، ويتقي الحَزْن والوَعْر، ومن دون ما اتقى متابٌ وإخباتٌ وعَبرةُ نادمِ. * * * قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١). ذكر أبو حيان: بأن القول الكذب يفترونه على اللَّه بادعائهم أن ذلك في كتابهم ويتعلق (على الله) بـ (يقولون) بمعنى يفترون. قال الآلوسي: تضمن يقولون معنى يفترون وتعلق به الجار والمجرور (على الله) ويجوز أن يكون حالا من الكذب مقدما عليه. ولم يُجوز أبو البقاء تعلقه به لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وأجازه غيره لأنه كالظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره. أقول: ميزان اللَّه واحد وعند يهود موازين ... تلك صفتهم يزعمون أن دينهم يأمرهم بأكل أموال الأميين العرب فلا حرج على اليهودي أن يغش ويخدع ويدلس لسوى اليهود. (يقولون) تضمن معنى (يفترون) كما مر والافتراء أن تتقول على غيرك ما لم يقله، فلماذا جاء التعبير بلفظ القول ما دام يحمل معنى التقول والافتراء؟ لو قَالَ تَعَالَى: يتقولون أو يفترون لقيد الافتراء في سياق هذه الآية فقط

стр. 540

أي يتقولون على اللَّه بأنه سمح لهم في التوراة بأكل أموال الأميين وخيانتهم (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) ولكن بلفظ (يقولون) عمم كذبهم وأطلقه على كل أقوالهم في أي مجال كان فكل قول موسوم بالكذب والافتراء على الله. وهكذا كشف التضمين بالحرف (على) افتراءهم على اللَّه في أكل أموال المسلمين عربا وعجما، ووسمهم بفعل (يقولون) بالكذب المتأصل في نفوسهم على اللَّه وعلى المسلمين بل وعلى العالم أجمع بدليل قوله تعالى: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي يعلمون أنهم كاذبون مفترون على الله، بأنه لم يجعل في التوراة في حقهم حرمة وقال نبينا ﷺ عند نزول هذه الآية: " كذب أعداء الله. ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ". فأبه لهذه الحروف تبلغ منها حاجتك. والحذر من يهود إخوان الشياطين وأحفاد القردة والخنازير. إذا فتح إبليس طريق الخروج من الجنة فهم قطعوا طريق العودة إليها، عليهم لعنة اللَّه إلى يوم الدين. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) . ذكر أبو البقاء: إن (ما) مفعول على تضمين قال معنى (ادعى). ومثله السمين الحلبي.

стр. 541

وقال الجمل: أقول بمعنى أدعي. أقول: يا لهذا العبد الصالح في مثل هذا الموقف الرهيب، ومن مثل هذه الفِرية التي شاعت وانتشرت على الألسنة! أهاهو يواجهها بالتبرئ المطلق (مَا يَكُونُ لِي) لا يحق، ولا يحوز، وما ينبغي، ولا يصح ... لم يقل: ما قلته .... بل ما يكون لي أن أقول. فقدم ناسخ القول عليه وفوض ذلك بالكلية إلى علم العليم المحيط بكل شيء، وهذا منتهى الأدب والتذلل بين يدي ذي الجلال لا مزيد فيه ولا مطمع في مزيد .... إنه جواب الراجف الواجف الخاشع المنيب إن كنت قلته فقد علمته وفي تنزيه اللَّه المطلق سبحانك وفي التبرئ الكامل الذي استشهد عليه بذات اللَّه إن كنت قلته فقد علمته -. لقد تضمن القول هنا معنى الادعاء: أن أقول أي أدَّعي. وكل ادعاء بحاجة إلى شاهد أو دليل لإثباته أو نفيه، ولقد نفى ﵇ هذه الدعوى أو الفرية المنسوبة من قالة السوء على لسانه، بأنها ليست من حقه، ولا حتى في تصوره؛ وشاهده على براءته هو علام الغيوب (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي) وهذه شهادة لا تُرد ودليله على صدقه (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) فماذا بعد علم العليم الحكيم؟! ثم لا أجمل ولا ألطف من نفي العلم هنا (وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) إلا أن الإقرار بالجهل أرق وألطف. إنه التضمين حمل (القول) فيه معنى (الادعاء) ليدل على إيجازه وإعجازه ويكشف عن ما استودعه فيه من أسراره.

стр. 542

وتضمن (ما يكون) معنى: (ما يصح) و (ما يحق) و (ما يجوز) و ... لينفي الظِّنة عن نفسه. فإن أمضيت الحُكم فضعْ خاتمك عليه واشددْ يدك به، وإن قعدَ به فهمك فأعرِضْ عنه. ودعْه إلى سواك. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (١). ذكر الزمخشري والعز: إن (كبَّر) عُدِّي بـ (على) لأنه تضمَّن معنى (الحمد). وقال ابن عباس: تكبروا: تعظموا. وروى الآلوسي: أن المراد من التكبير الحمد والثناء مجازا لكونه فردا ولذلك عُدِّي بـ (على)، واعتبار التضمين أي لتكبروا حامدين ليس بمعتبر لأن الحمد نفس التكبير ولكونه على هذا عبادة قولية، ناسب أن يُعلل به الأمر بالقضاء الذي هو نعمة قولية أيضا. وعن ابن عباس: أن التكبير عند إهلال شوال حتى يفرُغُوا من عيدهم. وقال أبو السعود: وتعدية فعل التكبير بـ (على) لتضمنه معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا اللَّه حامدين على ما هداكم والمعنى بالتكبير: تعظيمه تعالى بالحمد والثناء عليه. وأشار السيوطي: على ما هداكم أي لهدايته إياكم: (على) بمعنى

стр. 543

اللام. وكذلك الزركشي. والموزعي. وروى أبو حيان: قيل: التكبير عند رؤية الهلال في آخر رمضان، وقال ابن عباس: هلال شوال. وقيل: التكبير المسنون في العيد. وقال سفيان: يوم الفطر. أقول: تضمن (التكبير) معنى (الحمد والثناء) فعُدي تعديته فما علاقة التكبير بالحمد؟ الصوم نعمة من نعم اللَّه يستحق منا الشكر والحمد والثناء، أما التكبير والتعظيم فمظهر من مظاهر الثناء على اللَّه المجيد. فالصائمون يشعرون بنعم اللَّه محسوسة ملموسة في استجابتهم لأوامره وفي استجابته لدعائهم (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) فليكبروا اللَّه الماجد ويحمدوه على هذه الدورة التربوية في مدرسة رمضان. وإذا كان التكبير صورة من صور الحمد والثناء، على اللَّه فتعظيم اللَّه وتمجيده لا يتم إلا بحسن الثناء عليه وفي الصلوات الإبراهيمية: الحمد مقرونٌ بالتمجيد والتعظيم (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وهل يليق حسن الثناء إلا بعظيم! وهل يستحق الحمد إلا الكبير الجليل! والتكبير في الحج تعظيم للجليل وتمجيد مقرون بالحمد (اللَّه أكبر ولله الحمد) فهو صورة من صور الثناء على الله، فمزية التضمين أنه جمع المعنيين

стр. 544

جميعا ليجعل اللغة وسيلة تساعدنا بحسن الصنعة ولطف المأخذ على تكييف سلوكنا مع كتاب اللَّه وأوامره، ومؤسسة تربط النشاط اللغوي بقانون الغاية من الخَلق والتكوين. * * * قَالَ تَعَالَى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (١). ذكر أبو حيان: ضمن (مستكبرين) معنى (مكذبين) فعُدي بالباء، أو تكون الباء للسبب أي يحدث لكم بسبب استماعه استكبارٌ وعتو. وقيل: الباء تتلعق بـ (سامرا) أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه، ومثله قال الآلوسي وقال الجمل: مستكبرين به: الجار والمجرور متعلق بقوله (مستكبرين) والباء سيية أوب (سامرا) والباء بمعنى (في) والضمير للبيت أو للحرم. وذكر القرطبي: الضمير في (به) عائد على الحرم أو المسجد أو مكة. يقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف، لنا أعظم الحقوق على الناس، قالت فرقة: الضمير يعود على القرآن. (سامرا): أي سمَّارا (تهجرون): تنطقون بالفاحشة أو تهجرون: تتكلمون بهوس وهذيان كما يفعل المريض.

стр. 545

أقول: في حال عود الضمير (به) على الحرم أو المسجد الحرام يكون تضمين (مستكبرين) معنى (معتزين) ولكن اعتزازهم هذا يبقى ملتوتا بكبرياء الجاهلية عن الإذعان للحق، موسوما بعمى البصر والبصيرة. يتخذون من الحرم عزة لانتسابهم إليه، ومن شخصية الرسول ﷺ مادة للسخرية والهزء وفاحش القول به في مجالسهم، يتناولونه بهوس كالمجانين. وفي حال عود الضمير (به) على القرآن يكون تضمين (مستكبرين) معنى (مستخفين) ومن معاني استفعل: اعتقاد صفةٍ فيه، نقول: استصوبه: اعتقد صوابه. والاستخفاف ضد الاستكبار. تقول: للجبان يا بطل! فهم يصرفونه عن حقيقته إلى فعل المردة والشياطين حيث كانوا يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا ينفث على لسانه، وأن الرسول ساحر فهم يطلقون ألسنتهم بهَجْر القول وفحشه فيه، وهم حول أصنامهم يَسمرون. وليست جاهلية العرب قديماً إلا نموذجا لجاهلية اليوم، فما الشبهات التي تصد الناس اليوم عن الهدى؟ ما حجة المعرضين عن الإسلام اليوم؟ (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) .. كلا بل أكثرهم للحق كارهون فهم لدناءتهم وسقوطهم يستخفون بكل داعية ويهزؤون، وتبقى حروف المعاني مفاتح كنوز للمعاني، ولولا الباء لما بَعَثَنا المشتق (مستكبرين) على المراجعة له وإلطاف النظر فيه. * * *

стр. 546

قَالَ تَعَالَى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) (١). قال الطبري: كتب لكم: أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة. وقال ابن حميد عن ابن إسحاق: كتب لكم: وهب لكم. وقال السُدّي: أمر: أي أمركم اللَّه بها. وقال الزمخشري: كتب اللَّه لكم: قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم. وقال الجمل: كتب لكم: أمركم بدخولها، وفي حاشيته للسيوطي: أمركم بدخولها وهي الشام. وقال أبو حيان: ومعنى كتبها لكم: قسمها وسماها أو خط في اللوح أنها لكم مسكن وقرار، والظاهر استعمال كتب في الفرض. وفي النهر المادّ: سماها لكم. أقول: لفظ (كتب) عند المفسرين جاء واسع الإهاب من كثرة دلالاته: (أثبت، أو خط في اللوح، أو وهب، أو أمر، أو قسم، أو سمَّى، أو فرض، أو ... ) وما أحب أن أضيق واسعا أو أتعسف في حده بمدلول بعينه، ليتنسم شذاه كل راغب في جَنْي الثمَر، ومجتهد في تحصيل الحِكم. إنه التضمين يَكِل حال اللفظ إلى سَعة النظر ومُلاطفة التأوّل، وأبلغ الكلام ما تعقدَتْ وجوه إفادته. والحصيف إذا شارف معنى لا يقطع فيه برأي إلا بعد إمعان الفحص عنه وتحرَّي الكَيْس فيه.

стр. 547

ولكن إسرائيل هي إسرائيل!! الجبن ... والتمحّل .... والنكوص على الأعقاب .... ونقض المواثيق (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا) فالجبلة مكشوفة بلا حجاب. ما دام الخطر ماثلا وقريبا منهم، لن يدخلوا حتى مع وعد اللَّه لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض، وأن اللَّه قد كتبها لهم ومنحها إياهم فهي إذن يقين ولا مجال فيه للشك لأنها منحة السماء. ولكنهم يريدونها رخيصة بلا ثمن ولا جهد ولا جهاد. يريدونها نصرا عزيرا يتنزل عليهم من السماء. وهيهات ... وهيهات. إنها يهود ... وإنها لسَقَط المتاع، وإن عليها لعنة السماء. * * * قَال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ). وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ). وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ) . ذكر العز بن عبد السلام: كتب: فرض وألزم. فضمن الكتاب معنى الفرض. وقال أبو حيان: أخبر تعالى: بكتب القصاص أولا وهو إزهاق الروح وإتلافها. وهو أشق التكاليف ثم بكتب الوصية وهو إخراج المال عديل الروح، ثم بكتب الصيام وهو منهك للبدن. أقول: (الكتب) كما سلف مضمن معنى (الفرض) فهو متعد بما تعدى

стр. 548

به، فإذا سأل سائل: ما معنى أن يجيء التعبير بالكتب ولم يَرِد بالفرض؟ أقول: لأن أحكام اللَّه أنزلها في كتابه وكتبها على عباده، فالكتابة تثبيت لأحكامه المفروضة على العباد والفرض قديم والكتابة محدثة ويأتي التعقيب بالتقوى بعد هذه الفروض الثلاث لماذا؟ لأن العمل بها موكول بالتقوى وشاهد عليها. وفي الحديث قال ﷺ : " قيدوا العلم بالكتاب ". وهكذا يكشف اللفظ في التضمين عن أبعاد مدلوله، حسب وضعه في سياقه مما استودعته فيه هذه اللغة الشريفة. إنَّ الصوم استعلاء على ضرورات الجسد وإيثار للآجلة على العاجلة. والقصاص استعلاء على العواطف وحظوظ النفس في القتل أو عند قبول الدية على حد سواء. والجهاد استعلاء بالبشرية كلها أن ترتفع على ذاتها، وتتمرس على طاعة ربها. وما جاءت (على) في الفروض الثلاثة إلا لتظهر فيها مزية من الجهة التي هي أصح لتأديتها، وأخص بها، وأكشف عنها، وأبهر في صناعها. ويبقى التضمين في الفعل تروعك بهجته ويؤنسك بوجهه. * * *

стр. 549

قَالَ تَعَالَى: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) . قال الزمخشري: أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، ونصب الأدلة لكم على توحيده. أما أبو حيان: فضمنها (أوجب) وقيل: (قضى وأنفذ)، وقيل (وعد)، وقيل: (أخبر). وضمنها الجمل: قضى وأوجب إيجاب تفضل، لا أنه مستحق عليه تعالى. أقول: حين تعدى الفعل (كتب) بغير حرفه، تكون هذه الحروف مفاتيح أقفالها، لا تُدافع أبوابها إلا بمقدار ما تُدفع. فلفظ الفعل مرتبط بعلم صاحب القلم حين كتب. موصول بصفاته حين سطَّر على نفسه، وخطَّه في كتابه فوق العرش: " رحمتي سبقت غضبي " وفي رواية: " غلبتْ " كما روى الشيخان. فمدلول اللفظ مرتبط بمراد صاحبه - ولا نهاية للإحاطة بمراده سبحانه - بل هو مفتاح كنوزه، ومن هنا لا أجنح إلى تقييده عند تضمينه لئلا أحدّه بحدود، أو أضع في يديه القيود، ليبقى مصدر إشعاع يسدّ حاجة كل ذي حاجة من المفسرين. وإنما أُشارفه على طَرَفِ من الُملامحة فأقول: كتبها بإرادته وأنفذها بمشيئته، وقضاها على نفسه لا يوجبها عليه موجب، ولم يقترحها عليه مُقترح، وإنما إرادته الطليقة وربوبيته السمحاء، تفضل البارئ أنْ جعل رحمته مكتوبة عليه، خطها هو على نفسه، وجعلها عهدا منه لعباده، بمحض إرادته ومطلق مشيئته، رحمة تملأ القلب بالرجاء، بالأمل، بالدهش، بالعجب، بالراحة والسرور.

стр. 550

حوت الجمال فلو ذهبت تزيدها ... في الرسم حُسناً ما استطعت مزيداً ثم تفضل عليهم أُخرى أن أبلغهم ما كتب. فمَنْ هم حتى تَبْلغ العناية بهم أن يُبلِّغهم ما جرت به إرادته وخطَّه قلمه في الملأ الأعلى! إنه منتهى التكريم لآدم وذريته. هذا البلاغ ياع القلب البشري في دَهَش، بل في أُنْس أنيس في رَوْح ورَيْحان، في كنف مطمئن ودود لطيف، يُتْرع القلبَ بحلاوة مذاقاته. إنه التضمين، وإنه كثوب الحسناء على الحسناء فيه أسرار من معاني مرتديه. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) . ذكر العز: أي إنما يجنيه على نفسه. وقال الزمخشري: يبقى على نفسه لا يتعداه إلى غيره. وقال أبو حيان: في لفظة (على) دلالة استعلاء الإثم واستيلائه وقهره له. وقال القرطبي: أي عاقبته عائدة عليه، والكسب ما يجريه الإنسان إلى نفسه نفعاً، أو يدفع عنه به ضرراً. وقال الآلوسي: فإنما يكسبه على نفسه بمشيئته لا يتعدى ضرره إلى غيرها، فليحترز عن تعريضها للعقاب والوبال.

стр. 551

وقال البروسوي: فإن رين الإثم يظهر في صفاء مرآة قلبه، يعميه عن رؤية الحق ويعميه عن سماعه. أقول؛ (كسب) يتعدى بنفسه فعداه تعالى بـ (على) لتضمنه معنى (جرَّ) فـ (على) هذه تحمل معنى استعلاء الإثم واستيلائه على صاحبه وقهره له وإبراز شناعته، وإفحاش صورته لتحاميه والعزوف عنه، ونفور الحس منه بعد أن تلوح خطره، والكسب معناه طلب الرزق. واختار تعالى لفظ كسب ليحصل للنفس تشوف إليه يبعث على طلبه والإقبال عليه والتنشيم فيه رغبة في مكسبته. ولكنه جاء متعديا إلى الإثم والعدوان (يكسب إثما) ليفاجئ الحس بغير ما كان آخذا فيه ومنصتا إليه ولو أحس الخائض في الإثم بما فيه من خسارة، لهرب من ظله، وفثأ شره عن نفسه، ولكنه حين يجترح الإثم ويرتكب المعصية إنما يلتذها لتزيين الشيطان لها، يحسبها مكسبة له، يحياها ويتنفس في جوها العفن وتنعدم في لغة الهوى ونزغات القلوب كلمة الفضيلة إذ الغاية إشباع اللذة وإرواء الغريزة. فلا تسقني سِرا إذا أمكن الجهر ... ولا خيرَ في اللذات مِن دونها سِتر فهو يرتكب المعاصي ويجاهر بها وتحلى نفسه بما استسرت منها. وما كان هذا الحسن في توجيه المعنى ليظهر لولا فضل التضمين، ثم في تنافر الضدين كسب وجز وجنى - المضمن والمضمن فيه غاية الإعجاز، يروض النفوس بالخوف وبالطمأنينة على مقومات جديدة للتصور الإسلامي: الخوف من عمله السيئ، والطمأنينة إلى أنه لا يحمل وزر غيره فليست هناك خطيئة

стр. 552

موروثة كما تدعى الكنيسة ولا أحد من رجال الدين يكفر عنه خطاياه. إنه ميزان العدالة يقرر فردية التبعة، يحاسب المرء على ما اجترح، لا يتعداه إلى سواه: ومن يكسب إثما فإنما يجره على نفسه، إنه الميزان الذري وإنها محكمة السيئة والحسنة. * * * قَالَ تَعَالَى: (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ). ذكر أبو حيان والعكبري والجمل: أن الأصل يتعدى كفر بالباء، وعُدِّي بنفسه في الآية إجراء له مجرى جحد أقول: وأصل جحد أن يتعدى بنفسه وأُجري مجرى كفر فتعدى بالباء في قوله (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) فضمن جحد معنى كفر فتعدى بالباء كما ضمن كفر معنى جحد فتعدى بنفسه. الجحود بآيات اللَّه ومعصيته رسلَه، والدينونة للطواغيت، خروج من الإسلام إلى الشرك، لأن توحيد الربوبية هو توحيد الحاكمية الشاملة لكل شؤون الحياة، وحياة البشرية لا تصلح إلا بهذا التوحيد. أما العبادة بمفهوم تأدية الشعائر التعبدية فقط، فمفهوم حسير النظر، ناقص التكوين. و (عبد) معناه (دان وخضع وذلّ) فالعبودية هي الدينونة الشاملة لله وحده

стр. 553

في شؤون الدنيا والآخرة ... وعادٌ كفرت ربها حين جحدت هذه الدينونة. والدينونة لله وحده بلا شريك، ونبذُها لأحد من خلقه يفاصل المؤمنون بها المشركين، وهذه المفاصلة يجب أن تتم منذ اللحظة الأولى، ولقد يبطئ الفصل وتكثر التضحيات، ولكن وعد اللَّه لا شك آتٍ، وعلى العصبة المسلمة أن تمضي في طريقها، مستيقنة أن سنة اللَّه جارية وأن العاقبة للتقوى. القرآن يتنزل على رسوله ﷺ ومعه القلة المؤمنة، يريهم معالمه في مراحله جميعا، ويأخذ بأيديهم، وينقل خطاهم بموكب الدعوة على مدار التاريخ، وبات مأنوساً مألوفاً، لا موحشاً ولا مَخُوفاً، إنهم زمرة في موكب موصول، وليسوا مجموعة شاردة في تِيهٍ مقطوع، يمضون من نقطة البدء إلى الختام وفق سنة جارية. هذا القرآن لا يفتح أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به لتحقيق مدلوله في عالم الواقع، لا لمن يقرؤه للتبرك أو للدراسة والاستمتاع. إنه يتنزل ليكون مادة حركة وتوجيه، الذين يواجهون الجاهلية ويجاهدون البشرية الضالة ويكافحون الطاغوت هم وحدهم يفقهون هذا القرآن، ويتذوقون ما تعنيه نصوصه لأنهم يجدونها ممثلة في أحداث ووقائع، فالبشرية اليوم لا تصلح ولا ترتفع إلا بهذا التوحيد. * * *

стр. 554

قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) . ذكر أبو حيان: كفر يتعدى إلى واحد، وهنا ضمن معنى حُرِم فعُدي إلى اثنين أي فلن تُحرموا ثوابه. وقال الجمل: جيء به على لفظ المبني للمفعول لتنزيهه عن إسناد الكفر إليه وتعديته إلى مفعولين الثاني: الهاء في (تكفروه) لتضمينه معنى الحرمان فكأنه قيل: فلن تُحرموه. أي تحرموا جزاءه. وذكر الزمخشري: لما جاء وصف اللَّه بالشكر - واللَّه شكور حليم - نفى عن نفسه نقيض ذلك. فإن قلت: لم عُدِّي إلى مفعولين وشكر وكفر يتعدى إلى واحد؟ قلت: ضمن معنى الحرمان، فلن تحرموه بمعنى فلن تحرموا جزاءه. وذكر الآلوسي: لن يحرموا ثوابه ولهذا تعدى إلى مفعولين. وقال البروسوي: ولا يجوز إضافة الكفران إلى اللَّه إذ ليس لأحد عليه نعمة حتى يكفرها، ولكن لما جعل الشكران مجازا عن وصول الثواب، جعل الكفران مجازا عن منعه ونقصه وعداه لمفعولين لأنه ضمنه معنى الحرمان كقوله تعالى: (فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ). أقول: ما دام الفعل (كفر) لازما وأريدت تعديته فلماذا لم يأتِ بلفظ (النقصان)؟ الكفر: سَتْر النعمة وحاشَ للَّه أن يستر عملا من أعمال الخير لعباده أو يجحده لكمال نزاهته سبحانه واستحالة صدور النقص عنه تعالى.

стр. 555

لو قال (لن ينقصوه) لكان معناه: يعطيهم إياه كاملا، ولكن قد يكون العطاء سرا من غير علانية، واللَّه يريد كشفه وظهوره على رؤوس الخلائق فنفى عنه السِتْر (كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا)، أما قول الزمخشري: يحرموه ففيه إيحاش، وحاش لله أن يحرم أحدا، فلفظ الحرمان فىِ هذا السياق مستوحش، وهو في مقام الذات العلية مستنكر. فكشف لنا التضمين عن سِر اختياره للفظة (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) مما استولى الخفاء على حَميله " يُحرموه " أو ينقصوه، وأبلغ القول ما تعددت وجوه إفادته، فلا تترسم سبيل من ضاق عليه مسلك هذه اللغة على سعتها وانبثاثها وتناشرها، فأزمَّ شواردها في قول مسترثٍّ، وتعبير غث. وأخيراً جاء التعبير بالبناء للمجهول جَريا على سَنَن الكبرياء في هذه اللغة الشريفة. * * * قَالَ تَعَالَى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) . ذكر ابن منظور في اللسان: كِدت الرجل أكيده. والكيد: المكر والخبث وهو الاحتيال. وكاده: أراده بسوء. المكر احتيال في خفية، والكيد في الحروب حلال، والمكر في كل شأن حرام. المكر: الخديعة والاحتيال وفي الدعاء: " اللهم امكر لي ولا تمكر علي " أ. هـ. وقال الزمخشري: عُدي

стр. 556

يكيدوا باللام، فإن قلت: هلا قيل: فيكيدوك كما قيل: فكيدوني؟ قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمّن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف وذلك نحو: فيحتالوا لك. وقال أبو حيان: عُدِّي يكيد باللام وفي (فكيدوني) بنفسه فاحتمل أن يكون من باب شكر وشكر له. واحتمل أن يكون من باب التضمين، ضمن فيكيدوا معنى ما يتعدى باللام، كأنه قيل: فيحتالوا لك بالكيد. والتضمين أبلغ لدلالته على معنى الفعلين. وذكر الآلوسي: فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تتصدى لمدافعتها. وقال القرطبي: أي يحتالوا في هلاكك، واللام في (لك) تأكيد. وروى أبو السعود: قيل: إنما جيء باللام لتضمنه معنى الاحتيال المتعدي باللام ليفيد معنى المضمن والمضمن فيه للتأكيد، فيحتالوا لك ولإهلاكك حيلة وكيدا. أقول: إخوة يوسف ﵇ جمعوا إلى الكيد - وهو الاحتيال في خفاء -: (الإساءة). ولعلم يعقوب بما تكنه صدور أولاده لأخيهم يوسف وما تُخفي قصدوهم قال له: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا) ليكون آكد في التخويف من إساءتهم له وأبلغ. فتضمين (كاد) معنى (أساء) يجمع إلى الكيد وهو إرادة السوء إيقاع الإساءة، فهم يحتالون في توجيه الأذى إليه، وإيقاعه في شَرَكِه مما زينه الشيطان لهم. أما الذين ضمَّنوا الكيد معنى الاحتيال فما أضافوا جديدا لأن الكيد معناه الاحتيال في خفاء كما جاء في لسان العرب، ولا يتعدى باللام. فزَمَّ التضمين شوارد خفيات النفوس فأوعى.

стр. 557

وما دامت اللغة وسيلة مساعدة على تكييف السلوك وضبطه، فقد لجأ يعقوب ﵇ إلى التعريض دون التصريح، وعلى طرفٍ من المُلامحة، لئلا يفجأ حس يوسف بما عليه إخوته من إضمار السوء له مع الحسد والبغضاء فقال: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) من قَتل أو تشريد أو إلقاء في الجب أو ... وإذاً فليأخذ حذره من كل حيلة. وأخيراً لم قال: فيكيدوا ولم يقل: فيسيئوا؟ الكيد كما قلت: إرادة السوء في خفاء، وأخوة يوسف كانوا من اللباقة وحسن المعاشرة ما يمنعهم من إظهار الإساءة لأخيهم فكيف يقول فيسيئوا! * * * قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) (٢) . ذكر الزركشي: لا تقل (على) بمعنى (مِنْ) وإنَّمَا يضمن (اكتالوا) تحكموا في الاكتيال، كِلت لزيد ووزنت له: مفعولهما غير زيد لأن مطلوبهما ما يكال أو يوزن، فالأصل دخول اللام. ثم قد تحذف لزيادة فائدة لأن كيل الطعام ووزنه يتضمَّن معنى المبايعة والمقارضة مع حرف اللام. فإن قلت: كلت لزيد أخبرت بكيل الطعام خاصة. وإذا قلت: كلت زيدا فقد أخبرت بمعاملته ومبايعته مع الكيل، كأنَّك قلت: بايعته بالكيل والوزن. قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) أي بايعوهم كيلا ووزنا وأما قوله اكتالوا على الناس فإنما دخلت (على) لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري. ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، فزيادة الحروف تؤذن بزيادة المعنى.

стр. 558

ذكر السيوطي: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) أي من الناس. وكذلك الموزعي. أقول: لا تضمين في الحروف وإنَّمَا التضمين في الفعل: جرى في الاكتيال حين اكتسى بثوب التسلط، أو الاستيلاء، كما ذكر أبو السعود في تفسيره، فلتسلطه على الناس، يستوفي حقه إذا اشترى، فلا خسران لحقه، ويبخس الناس حقهم إذا باع، فلا يقوى أحد على استيفاء حقه منه. فاللَّه يعلن الحرب على المطففين من كبار التجار، وذوي النفوذ في مكة، حين دعا عليهم: ويل للمطففين .... والدعاء من اللَّه قرار. والمطفف يستوفي حقه إذا اشترى ويطفف في الكيل وينقص الميزان إذا باع. يكتالون على الناس لا من الناس ... فكان لهم سلطاناً على الناس يستخدمون نفوذهم في التسلط: لا لاستيفاء حقهم بل لقسرِ الآخرين على قبول الجَور منهم. وإطلاق هذه الصرخة المدوية على الغبن والبخس والتطفيف بالحرب في البيئة المكية وهم سادتها وأصحاب السلطان فيها، والإسلام ما زال محاصرا ... لتدل عل أن هذا المنهج لا يقبل المساومة أو أنصاف الحلول. ولذلك قال العباس بن عبادة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس ... قالوا فما لنا يا رسول اللَّه قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك فبسط يده فبايعوه. الحديث. * * *

стр. 559

قَالَ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) . قال الزمخشري: ما صح لرجل ولا امرأة من المؤمنين أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا. وذكر الجمل: وما كان أي ما صح وما استقام، وقيل: ما ينبغي لمؤمن .... ومثله الآلوسي وقَال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). قال الزمخشري: وهذا نهي بليغ مع تقبيح لأمرهم وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية. أقول: أهل المدينة وهم الصفوة المختارة والقاعدة الصلبة لهذه الدعوة، ومن حولهم من الأعراب وهم الحزام الأمني لها ينزل القرآن بالنكير على المتخلفين منهم، وهل أوجع من هذا التأنيب الخفي: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا) ولكنه أسلوب مهذب غاية التهذيب، رصين في منتهى الرصانة، في فعل الكون المنفي (ما كان) تضمنت معنى (الاستنكار) أو كما قال الزمخشري معنى (التقبيح والتوبيخ)، فهل كفعل الكون يتحمل ما يتحمله سواه! فهو على سعة إهابه وانتشار استعماله وكثرة دورانه يتضمَّن ما يستدعيه السياق من المعاني: فهو في سورة الأحزاب (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ) يتضمن: (ما يجوز، ما ينبغي، ما يليق، ما يحسن، ما

стр. 560

يصح، ما يستقيم) وهي على تزاحم شؤونها وتعدد أغراضها مما يعين عليه المقام ويفزع إليه وينهض بحاله. أما في التوبة فهي صورةُ التأففِ المكظوم من هؤلاء المتخلفين من أهل المدينة ولا أوجع ولا أمرَّ من قوله إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول اللَّه ﷺ ، ولولا تصويره إياها لبقيت خافية علينا. فهل ترى كالتضمين أوفرَ غِنى وأوسع انتشارا من مَصَارِفه وأنحائه. فلتكن هذه الملاحظ الأنف مرقاةً له لمعرفة كنوزه. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) . ذكر العز: يلحدون في معنى يكذبون أو يميلون عن الصدق بأنها سحر أو شعر ومثلها (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) أي يكذبون في اشتقاق أسمائه: العُزى: من العزيز، واللات: من الله. وذكر الراغب: ألحد السهم الهدف: مال عن قصده. وقال الزمخشري: ألحد الحافر ولحد: مال عن الاستقامة فحفر في شق فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. وقال أبو حيان: قال أبو مالك: يميلون عن آياتنا. وقال السدي: يعاندون رسلنا فيما جاؤوا به من البينات والآيات. وقال الجمل: يميلون عن الاستقامة بالطعن والتحريف والتأويل الباطل واللغو. وقال قتادة: يكذبون. وقال السدي: يعاندون ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. وفي

стр. 561

الكرخي: لحد وألحد لغتان بمعنى: جار عن الحق وألحد: جادل ومارى. وذكر الآلوسي: يلحدون في آياتنا: أي ينحرفون في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة فيحملونها على المحامل الباطلة وهو مراد ابن عباس بقوله: يضعون الكلام في غير موضعه. وقال قتادة: الإلحاد: التكذيب. وقال مجاهد: المكاء والصفير واللغو. أقول: تهديد مبطن ولكنه مخيف - لا يخفون علينا - مكشوفون بإلحادهم ومماراتهم في آياتنا، أفحسبوا أنهم يفلتون من الحساب؟!. ثم يأتي تهديد رعيب أشد منه: اعملوا ما شئتم من إلحادكم ومماراتكم إنه بما تعملون بصير، فقد ضمن فعل (ألحد) المتعدي بنفسه معنى (مارى) المتعدي بـ (في) قَالَ تَعَالَى: (أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ). فالممارة من التولية والمجادلة والشك والميل والانعطاف ... وليس الباعث عليها ظهور الحق وإنما التعجيز وإظهار الغلبة (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا) وما كان لهؤلاء الملحدين أن يفتضح امرهم وتنكشف سوءات نياتهم حين أوعرت بهم السبل في نقض ما جاء من الحق - لولا التضمين الذي أضاء ما خفي من أسرارهم، حين تعدى الفعل بالحرف وهو يتعدى بنفسه. وتبقى معرة المماراةِ أزْرى على أصحابها من الإلحاد لخبث أسلوبهم في مقاومة الحق، وتناشر ألسنتهم في تَلْوِيتِهِ. * * *

стр. 562

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (١). قال الزمخشري: لطيف التدبير لأجله [رفيق]. وقال البيضاوي: لطيف التدبير له، إذ ما من صعب إلا ويتسهل. وذكر الجمل: ضمن لطيف معنى (مدبر) فعدّاه باللام - واللطيف هنا العالم بخفايا الأمور والمدبر لها. وقال ابن الأثير: اللطيف الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح. أقول: لعل تضمين (اللطيف) معنى (المدبر) يتجافى عنه السياق، إذ لسنا في مقام التدبير والتقدير والتصوير والإبداع ... ولكنا على بساط الود والرفق والإحسان والرحمة. ولعل تضمينه معنى (الودود) والمتعدي باللام، وما في الود من الحب والرحمة ما يستنيم إليه السياق وتستريح إليه النفس، فهو سبحانه ودود، جواد، مُنعم، متفضل، ... ويوسف ﵇ وقد مسه الإحسان ولصق به (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ولم يقل من الْجُبِّ لئلا يجرح مشاعر أخوته، يناله اللطف بالود له والرحمة والسعة في العيش والعز في السلطان واليقظة في القلب والسماحة في الخلق، فلا سلطان للشيطان عليه كما تسلط على إخوته فنزغ بينهم.

стр. 563

ومن وراء اللطيف الودود يأتي التدبير والتقدير والحكمة (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فيشمله بحكمته وتدبيره ويرعاه في كل مراحل حياته. وهكذا يغيب عنه في فرحة اللقاء بأهله الملك والسلطان والأهل والإخوان ليبقى قلبه وقد مسه اللطف موصولا بخالق الأكوان. ويذكر النعم على إخوته (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) فينطلق لسانه - بما يحس به قلبه من لطف اللَّه الخفي له ولأهله - في تسبيح مولاه فيلهج بالدعاء أن يحفظ له دينه حتى يتوفاه، وأن يلحقه بالصالحين من عباده. ثم إن العلاقة بين اللطيف والودود - المضمّن والمضمّن فيه - ذَوْب روحٍ يتندَّى من الرفيق الأعلى، ومن دونهما وشائج الإيناس، وحبال المودة والرحمة تبسط له ما شاء وما يشاء. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) . قال الزمخشري: الباء بالمودة إما زائدة مؤكدة للتعدي، مثلها (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف معناه تلقون إليهم أخبار رسول اللَّه ﷺ بسبب المودة. وقال الجمل: الباء في المودة سببية، وقيل: زائدة في المفعول، وقيل: تلقون مفعوله محذوف.

стр. 564

وذكر الآلوسي: الباء زائدة في المفعول كما في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وكذلك الزركشي. وقيل: الباء للتعدية لكون المعنى تفضون إليهم بالمودة، وأفضى يتعدى بالباء. وقيل: للسببية. والإلقاء مجاز عن الإرسال لأخبار النبي ﷺ بسبب المودة بينكم. أقول: ليس في كتاب اللَّه حرف زائد، وليست المودة متاعا يُلقى إليهم، وإنما الباء على أصلها وما جاءت هنا إلا لتظهر في الصياغة مزية وتؤدي في المشهد المحسوس دورا ماتعا (فَأَلْقَى) تضمن معنى (تقرب) والتقرب بآصرة رحم أو معروف إلى عشيرته لتكون له عند القوم يد، فقد ألقى رسالته إلى قرابته ليتقرب إلى عشيرته فتكون له عندهم زلفى، ولو سألت عن سر استبدال تتقربون بتلقون لعلمت بأن لفظ (تلقون) يصور الحدث الذي جرت فيه الواقعة حين ألقى حاطب بن أبي بلتعة بالكتاب إلى أهل مكة يعلمهم بعزم رسول اللَّه ﷺ على غزوهم، والذي يعزز هذا التوجيه سياق الآية: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) ثم يكشف اللَّه ما استتر (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ) فالسورة تبدأ بالنهي عن موالاة الأعداء لتتم عملية المفاصلة بين رابطة الطين ورابطة الدين، إنه التنظيم الاجتماعي والسياسي في المجتمع المدني في واقع عملي من خلال ما جريات الأحداث وفي غمرتها تتم عملية التربية، فمن الناس من هو مثقل برواسب الماضي وجواذب الأرض يحتاج إلى تذكير وتخويف من عصبية الجنس والعشيرة والقرابة فلا يتقرب إليهم بمودة ولا منفعة

стр. 565

يبذلها ولا رحم ولا قرابة. وهكذا يسفر معنى التقرب بهذه الباء عن وجهه الجميل فلك لذة التمتع به، ومهره على من اجتهد في تحصيله. * * * قَالَ تَعَالَى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ). حكى أبو حيان: قال مقاتل: من أمره: أي بأمره، ويظهر أن (من) لابتداء الغاية. وذكر الشوكاني: من أمره: من قضائه. وذكر الآلوسي: أن (من أمره) قيل: بيان للروح، وعند ابن عباس تفسير الأمر بالقضاء، فجعلت من ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالا أو صفة: ناشئا من أمره. والذي فسر الروح بجبريل قال: (مِنْ) سببية: أي من أجل تبليغ أمره أقول: ذو العرش صاحب المقام الأسنى، والمستعلي على كل موجود، يلقي الروح - جبريل - على مَن يختاره من عباده لرسالته، ولغايةٍ هي: الإنذار بيوم الجزاء، يوم القضاء، يوم التلاق. فلعل الإلقاء هنا تضمن معنى (البعث) والمتعدي بـ (مِن) رفيع الدرجات يبعث جبريل ﵇ من أمره على من يشاء ممن اصطفاه من خلقه لينذر ويبلغ. وجاء التعبير بالإلقاء بدلا من البعث لتظهر مزية الاستعلاء وتنكشف
следующие страницы →