← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الكرخي: لحد وألحد لغتان بمعنى: جار عن الحق وألحد: جادل ومارى. وذكر الآلوسي: يلحدون في آياتنا: أي ينحرفون في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة فيحملونها على المحامل الباطلة وهو مراد ابن عباس بقوله: يضعون الكلام في غير موضعه. وقال قتادة: الإلحاد: التكذيب. وقال مجاهد: المكاء والصفير واللغو. أقول: تهديد مبطن ولكنه مخيف - لا يخفون علينا - مكشوفون بإلحادهم ومماراتهم في آياتنا، أفحسبوا أنهم يفلتون من الحساب؟!. ثم يأتي تهديد رعيب أشد منه: اعملوا ما شئتم من إلحادكم ومماراتكم إنه بما تعملون بصير، فقد ضمن فعل (ألحد) المتعدي بنفسه معنى (مارى) المتعدي بـ (في) قَالَ تَعَالَى: (أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ). فالممارة من التولية والمجادلة والشك والميل والانعطاف ... وليس الباعث عليها ظهور الحق وإنما التعجيز وإظهار الغلبة (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا) وما كان لهؤلاء الملحدين أن يفتضح امرهم وتنكشف سوءات نياتهم حين أوعرت بهم السبل في نقض ما جاء من الحق - لولا التضمين الذي أضاء ما خفي من أسرارهم، حين تعدى الفعل بالحرف وهو يتعدى بنفسه. وتبقى معرة المماراةِ أزْرى على أصحابها من الإلحاد لخبث أسلوبهم في مقاومة الحق، وتناشر ألسنتهم في تَلْوِيتِهِ. * * *

стр. 562

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (١). قال الزمخشري: لطيف التدبير لأجله [رفيق]. وقال البيضاوي: لطيف التدبير له، إذ ما من صعب إلا ويتسهل. وذكر الجمل: ضمن لطيف معنى (مدبر) فعدّاه باللام - واللطيف هنا العالم بخفايا الأمور والمدبر لها. وقال ابن الأثير: اللطيف الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح. أقول: لعل تضمين (اللطيف) معنى (المدبر) يتجافى عنه السياق، إذ لسنا في مقام التدبير والتقدير والتصوير والإبداع ... ولكنا على بساط الود والرفق والإحسان والرحمة. ولعل تضمينه معنى (الودود) والمتعدي باللام، وما في الود من الحب والرحمة ما يستنيم إليه السياق وتستريح إليه النفس، فهو سبحانه ودود، جواد، مُنعم، متفضل، ... ويوسف ﵇ وقد مسه الإحسان ولصق به (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ولم يقل من الْجُبِّ لئلا يجرح مشاعر أخوته، يناله اللطف بالود له والرحمة والسعة في العيش والعز في السلطان واليقظة في القلب والسماحة في الخلق، فلا سلطان للشيطان عليه كما تسلط على إخوته فنزغ بينهم.

стр. 563

ومن وراء اللطيف الودود يأتي التدبير والتقدير والحكمة (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فيشمله بحكمته وتدبيره ويرعاه في كل مراحل حياته. وهكذا يغيب عنه في فرحة اللقاء بأهله الملك والسلطان والأهل والإخوان ليبقى قلبه وقد مسه اللطف موصولا بخالق الأكوان. ويذكر النعم على إخوته (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) فينطلق لسانه - بما يحس به قلبه من لطف اللَّه الخفي له ولأهله - في تسبيح مولاه فيلهج بالدعاء أن يحفظ له دينه حتى يتوفاه، وأن يلحقه بالصالحين من عباده. ثم إن العلاقة بين اللطيف والودود - المضمّن والمضمّن فيه - ذَوْب روحٍ يتندَّى من الرفيق الأعلى، ومن دونهما وشائج الإيناس، وحبال المودة والرحمة تبسط له ما شاء وما يشاء. * * * قَالَ تَعَالَى: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) . قال الزمخشري: الباء بالمودة إما زائدة مؤكدة للتعدي، مثلها (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف معناه تلقون إليهم أخبار رسول اللَّه ﷺ بسبب المودة. وقال الجمل: الباء في المودة سببية، وقيل: زائدة في المفعول، وقيل: تلقون مفعوله محذوف.

стр. 564

وذكر الآلوسي: الباء زائدة في المفعول كما في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وكذلك الزركشي. وقيل: الباء للتعدية لكون المعنى تفضون إليهم بالمودة، وأفضى يتعدى بالباء. وقيل: للسببية. والإلقاء مجاز عن الإرسال لأخبار النبي ﷺ بسبب المودة بينكم. أقول: ليس في كتاب اللَّه حرف زائد، وليست المودة متاعا يُلقى إليهم، وإنما الباء على أصلها وما جاءت هنا إلا لتظهر في الصياغة مزية وتؤدي في المشهد المحسوس دورا ماتعا (فَأَلْقَى) تضمن معنى (تقرب) والتقرب بآصرة رحم أو معروف إلى عشيرته لتكون له عند القوم يد، فقد ألقى رسالته إلى قرابته ليتقرب إلى عشيرته فتكون له عندهم زلفى، ولو سألت عن سر استبدال تتقربون بتلقون لعلمت بأن لفظ (تلقون) يصور الحدث الذي جرت فيه الواقعة حين ألقى حاطب بن أبي بلتعة بالكتاب إلى أهل مكة يعلمهم بعزم رسول اللَّه ﷺ على غزوهم، والذي يعزز هذا التوجيه سياق الآية: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) ثم يكشف اللَّه ما استتر (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ) فالسورة تبدأ بالنهي عن موالاة الأعداء لتتم عملية المفاصلة بين رابطة الطين ورابطة الدين، إنه التنظيم الاجتماعي والسياسي في المجتمع المدني في واقع عملي من خلال ما جريات الأحداث وفي غمرتها تتم عملية التربية، فمن الناس من هو مثقل برواسب الماضي وجواذب الأرض يحتاج إلى تذكير وتخويف من عصبية الجنس والعشيرة والقرابة فلا يتقرب إليهم بمودة ولا منفعة

стр. 565

يبذلها ولا رحم ولا قرابة. وهكذا يسفر معنى التقرب بهذه الباء عن وجهه الجميل فلك لذة التمتع به، ومهره على من اجتهد في تحصيله. * * * قَالَ تَعَالَى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ). حكى أبو حيان: قال مقاتل: من أمره: أي بأمره، ويظهر أن (من) لابتداء الغاية. وذكر الشوكاني: من أمره: من قضائه. وذكر الآلوسي: أن (من أمره) قيل: بيان للروح، وعند ابن عباس تفسير الأمر بالقضاء، فجعلت من ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالا أو صفة: ناشئا من أمره. والذي فسر الروح بجبريل قال: (مِنْ) سببية: أي من أجل تبليغ أمره أقول: ذو العرش صاحب المقام الأسنى، والمستعلي على كل موجود، يلقي الروح - جبريل - على مَن يختاره من عباده لرسالته، ولغايةٍ هي: الإنذار بيوم الجزاء، يوم القضاء، يوم التلاق. فلعل الإلقاء هنا تضمن معنى (البعث) والمتعدي بـ (مِن) رفيع الدرجات يبعث جبريل ﵇ من أمره على من يشاء ممن اصطفاه من خلقه لينذر ويبلغ. وجاء التعبير بالإلقاء بدلا من البعث لتظهر مزية الاستعلاء وتنكشف

стр. 566

صورة قدرة ذي الجلال، تغمر القلب مهابة وعظمة. وينطلق صوت الجليل في الصمت الرهيب (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ ولا مجيب سواه (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). فلا كبرياء لغيره ولا استعلاء لسواه. إن اختيار الألفاظ في النظم كاختيار الجواهر في العِقد الثمين، يعلو بها المعنى مرتقى تنقطع الأطماع دونه، والتضمين يبلغنا حاجة من هذا الجمال الفني تبعا للغرض الذي جيء به من أجله. نعم (بعث) تعدى بـ (إلى) حين أخذ دور الهداية، وخرج مُخرج الإرشاد (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ) ثم هو يتعدى بـ (على) حين يأخذ دور التهديد الرعيب بوقوع العذاب الشديد (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) وقال: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ). جاء الفعل (يلقي) إذاً لينشئ في حس المؤمن تصورا لذي القدرة والجلال، العالي المقام في سياق النذارة (لينذر) وما كان آخذا فيه ومُنْصَبًّا إليه، ولولا (مِنْ) هذه لما استوقفنا فعل (ألقى) ليُبديَ لنا عن صفحته، وتحلى النفس بمعرفة السبب الذي جيء به من أجله في تنرله من علوه متناسقا في ظلاله مع جِرسه وإيقاعه (يلقي ... لينذر) يبعث جبريل على من يشاء من رسله لينذر أو يبلغ أو ... فلا يدفعك المَلال حين تعتاص عليك هذه الحروف إلى استكراه حالها فترميها للتناوب والتعاور، أو التعليق بمحذوف، أو ... وتصرفك عما استودعته فيها هذه اللغة الشريفة من خصائص الإتقان والصنعة وأسرار الإبداع والحكمة. * * *

стр. 567

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قال الزمخشري: الباء مزيدة مثلها: أعطى بيده للمنقاد. والمعنى: لا تُقْبِضُوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل بأيديكم: بأنفسكم. وقيل: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك نفسه بيده. وقال أبو حيان: بعد أن عرض لمعاني صيغة أفعل وأنها هنا للجَعْل على ما استقرأه علماء التصريف وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون الهمزة للتعدية كخرج وأخرجته. والثاني: أن تجعله على صفة، كاطردته أي وجدته طريدا وأحمدته وجدته محمودا. والثالث: أن تجعله صاحب شيء بوجه ما. و (ألقى) هي من القسم الثاني أي: لا تجعلوا أنفسكم لَقي إلى التهلكة فتهلك، وحام الزمخشري حول هذا المعنى فلم ينهض به. وقال البيضاوي: والباء مزيدة والمراد بالأيدي: الأنفس. ولا تلقوا بأيديكم إليها فحذف المفعول وعدى الإلقاء بـ (إلى) لتضمنه معنى الإنهاء. وقال الجمل: الباء مزيدة، مثلها: أعطى بيده للمنقاد. والمعنى: لا تُقْبِضُوا التهلكة أيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل: بأيديكم: بأنفسكم. وقيل: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما يقال: أهلك نفسه بيده. وذكر ابن يعيش نقلا عن سيبويه زيادة الباء في المفعول. وكذلك ذكرها السيوطي والزركشي. أقول: الآية توضح أن الوقوع في المهالك سببه الشح وترك النفقة في القتال وتجهيز الغزاة، أو الجبن عن بذل النفس في ساحات الجهاد، فتُمنى

стр. 568

الأمة بالهزيمة فتهلك، فإن انتهوا عما نهاهم اللَّه عنه بلغوا درجة الإحسان: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فالمعنى الأول: يجعلك تنفق في سبيل اللَّه ولا تلقي بيدك إلى التهلكة بترك القتال، والمعنى الثاني؛ لا تُقدِم على القتال بلا إعداد كافٍ. فاللَّه يريد منا أن نزن الأمور وزناً يجعلنا: لا نترك الجهاد فيغلب علينا عدونا فنهلك، ولا نحب القتال لمجرد الرغبة فيه قبل التدريب فيه والاستعداد له. إنه التعبير ... لكنه مُشع أعطى أكثر من معنى وأشار إلى أكثر من مدلول. جاء النهي عن الوقوع في هذه المهالك بفعل (ألقى) والذي لا يتعدى بالباء، فقال بعضهم: هي زائدة زيدت في المفعول - وإن كانت غير مقيسة - وعبّر باليد عن النفس ولا تُلقوا أنفسكم إلى التهلكة. وقال بعضهم: إن المفعول في المعنى هو (بأيديكم) لكنه ضمن (ألقى) معنى (أفضى) فعبر بالنفس عن الأيدي، ألا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة. ولعل تضمين (ألقى) معنى (رمى) والمتعدي بالباء يعفينا من القول بزيادة الباء فالبيان المعجز غني عن الزيادة: وقولهم الزيادة فاطرحه ... وتنكشف المزيةُ للسؤول وإنَّمَا تنكشف البراعة عند معرفة وجه التأويل في هذه الحروف، وما جاءت إلا لتكسب المعنى نُبلا وتظهر فيه مزية أخص به وأبهر في صناعته.

стр. 569

والمفعول محذوف (أنفسكم) وليس في الإثبات بلاغة كالتي في الحذف: فلا ترموا أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم أي بما جنته أيديكم من الشح في النفقة في تجهيز الغزاة. وفي المثل: يداك أوكتا وفوك نفخك. وفي لفظ (الرمي) ما ليس في الإلقاء من المهانة والمشْأمة قَالَ تَعَالَى: (تَرْمِي بِشَرَرٍ) وقال: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ) وقال: (يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) وهذا الإيحاش مراد في سياق الشح بالمال والإمساك عن النفقة في تجهيز الغزاة، مقصود في عجز الأمة وهزيمتها حين تتخلف عن جهاد عدوها. ونحن مع التضمين لا نحتاج إلى ركوب المسلك الحَزْن بدعوى الزيادة - وهو منكور عند أهل النظر - ولا بدعاوى كثيرة تُعقد المعنى وتجفّف ثراه. والسؤال أخيراً لم جاء التعبير (بالإلقاء) بدل (الرمي)؟ نفس المؤمن مكرمة عند اللَّه فلا يليق بها أن تُرمى. ففي الرمي من المهانة والبذاذة ما ليس في الإلقاء كما أسلفت قَالَ تَعَالَى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) وقال: (فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا) وقال: (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ) وقال: (سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ولذلك جاء النهي للمؤمنين بالإلقاء بدلا من الرمي. أفرأيت ما تؤديه هذه الحروف من فوائد وأسرار حين تصاحب فعلا، كيف تخرجه عن مألوفه فتخصصه أو تُقيده أو تُطلقه أو تخرج به عن معناه المعجمي حسب طريقة عرضها!! أجل ... ما دام الحرف بعض الفعل من حيث كان مُعديا له وموصلا، فهو جزء منه أو كالجزء لقوة اتصاله به، فكيف ندعي زيادته؟ واجتماع

стр. 570

الأصلي والزائد ممتنع لا مستكره، كاجتماع البياض والسواد، نثبت بهذا تخلف علل النحويين عن المتكلمين. وبعد ... فلولا باء أيدي الأشحاء أو الجباء، لما انكشف لنا الرميُ في هذه التهلكة، فافزع إلى التضمين عسى أن تربأ بالصنعة البيانية أفرع مشارفها وتحصل على هذه اللطائف. * * * قَالَ تَعَالَى: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ). قال الزمخشري: لُمْتُنَّنِي فِيهِ: لم تتصورْنه بحق صورته، ولو تصورتنَّهُ لعذرتنني في الافتتان به. وذكر السيوطي: فيه أي لأجله ومثله قال الزركشي. وقال أبو حيان لعذرتنَّني في الافتتان به. قال القرطبي: لُمْتُنَّنِي فِيهِ: أي بحبه أي من تضمين الحروف. وقال الآلوسي: لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي عيرتنني في الافتتان فيه. أي من تضمين الأفعال. أقول: ألفضيحة كانت في مجتمعها أشيع وأسير من أن تزُمها في تعبير رقيق (لُمْتُنَّنِي) وصفت به نفسها لتخفف من شناعة موقفها المَشِين، فهي أرفع

стр. 571

شخصية نسائية في المجتمع، امرأة العزيز تراود أدنى شخصية منزلةً في مجتمعها .. مملوك .. خادم .. وتلك فضيحة مُزرية مَشينة، فجاء التعبير القرآني من الدقة ما جلَّى حقيقتها وكشف الحرف (فيه) ما عتَّمه قولها علينا. فالفعل (لام) يتعدى بـ (على) وما ذهب إليه الإتقان وغيره في تضمين (في) معنى (اللام) فأمر لا يثبت عند النظر، وكذلك القرطبي ضمن (في) معنى (الباء). فكيف يتحمل الحرف معنى سواه ومفهومه غير مستقل بنفسه؟ ونَكِل الحال إلى تضمين الفعل لسَعَةِ استعماله وانتشار مواقعه. فتضمين (لام) معنى (خزي) وهو يتعدى بـ (في) أحكم وأصنع، ومعناه لغة وقوعها في بلية فذلت وهانت وافتضحت وخزيت حين عرضت ما عرضت في مراودتها لفتاها - أي خادمها - ومكر النساء عظيم، فقد أطلقت الملامة (العذل) لتُخفي الخزي والفضيحة التي شاعت على ألسنتهن. لكن زلات اللسان (فيه) كشفت ما أرانيه التضمين من إخفاء نزواتها المكشوفة (لمتنني)، إنها اللغة العاطفية في مواجهتها لذوات القصور، وليست اللغة العقلية في إدراك الموقف الشائن. أخزيتنني فيه - فضحتنني -. ثم إن التذمر الجماعي منهن (تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ) كان من كونه مملوكا لا من الفعلة نفسها وقد تغير موقفهن حين مكرت بهن فأخرجته عليهن ليَلقين حين رأينه من الدَهَش والانبهار ما لقيت لقد عرضن أنفسهن عليه

стр. 572

بطريقة ما سكت عنها السياق وكشف عنها موقف يوسف ﵇ (وَإِلَّا تَضرِف عَنِى كيدَهُنَ أَصْبُ إِلَتهنَ) ولم تر باسا من الجهر بنزوتها عندئذ أمامهن (أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) مع الإصرار والإغراء والتهديد بالسجن (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ) فيناجي الفتى ربه (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) جميعا مشتركات (بهمسة أو بلفتة أو بحركة أو .... ) ليقع في حبالهن في لحظة ضعف مع الإغراء المستمر. ثم إن الآية لم تقف عند لحظة الهبوط في الجنس .. موقف امرأة العزيز ونساء القصر، وتترك اللوحة التصويرية بعيدة عن لحظة الارتقاء مقصورة على لون معين. بل منحتها قبسا يصلها بحقائق الوجود العليا (موقف يوسف ﵇ (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ) هذه النظرة الشمولية لها أكبر الأثر في ارتفاع مستوى الفن، وتمنح الموقف الإحاطة بكل جوانب العواطف البشرية لترتقيَ بالفن إلى الشمولية الكونية. فإلطاف النظر في الفعل يبعث على الكشف عن أسراره مما لا سبيل للطاعن فيه. فأبه لهذه الحروف تبلُغْ منها حاجتك ولا تسلُكْ سبيل مَن أعتمت عليه فرمتْه إلى التعاور والتناوب. * * *

стр. 573

قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) . اللين ضد الخشونة ومعناه: زوال الخشية والقشعريرة. ذكر أبو حيان: ضمن تلين معنى تطمئن. وقال الزمخشري: فإن قلت؛ ما وجه تعدية (لانَ) بـ (إلى)؟ قلت: ضمّن معنى فعلٍ متعدٍ بـ (إلى) كأنه قيل: سكنت أو اطمأنت إلى ذكر اللَّه، ليِّنة غير منقبضة راجية غير خاشية. وروى الجمل: قيل: إلى بمعنى عند. وقال البروسوي: وتعدية اللين بـ (إلى) لتضمَّنه معنى السكون والاطمئنان، تسكن وتطمئن إلى ذكر الله لينة غير منقبضة، راجية غير خاشعة أو تلين ساكنة مطمئنة على أن المتضمّن يقع حالا من المتضمّن. وقال البيضاوي: والتعدية بـ (إلى) لتضمين معنى السكون والاطمئنان، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها. أقول: تقشعر ... ثم تلين ... صورة حية مشرقة وضيئة، شخصتها ألفاظ يسيرة في غاية الإعجاز. نعم ... الذين يخشَون ربهم في حذر ومراقبة واجفة، وحساسية مرهفة مما يسمعون من آيات الوعيد ... شفافية الروح تفتح بصائرهم للمعرفة المستنيرة، وتمنح قلوبهم نعمة الفهم وسرعة التلقي. تقشعر جلودهم لما يسمعون ثم ماذا؟ ثم تسكن وتهدأ. قلوبهم تخشى من وعيد اللَّه ثم تأنس وتطمئن إلى وعد الله، وتنشرح.

стр. 574

ذلك هدى الله منحهم نور البصيرة فاستجابوا للهدى والنور. فتضمين (اللين) معنى (الأنس والاطمئنان والانئراح) والمتعدي بـ (إلى) أوْلى من تضمين (إلى) معنى (عند) وأسفر لعرائس الأنس تُزَف إلى تلك القلوب على تراتيل الذكر الحكيم. * * * قَالَ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ). ذكر السيوطي: الباء زائدة في المفعول. وذكر المرادي: أن زيادتها مع المفعول غير مقيسة مع كثرتها نحو (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ). وقال الزمخشري: فليمدد بسبب: مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق. ونقل الجمل: أي فليمدد إلى سقف بيته بحبل. أقول: سبق أن عرض ربنا سبحانه نموذجاً من الناس يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة، وكأنَّها صفقة تجارية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى

стр. 575

حَرْفٍ) نعم على حرف ... غير متمكن من عقيدته ولا متثبت في عبادته، قابلا للسقوط في كل لحظة عند مس الفتنة، يدعو ... حزبا ... عشيرة ... سلطة ... (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) ويجسِّم هذه الحالة النفسية من الضيق حين ينزل بها الضر وهي على غير صلة بالله، فقدت كل رجاء بالفرج، كل نسمة رخية، كل نافذة مضيئة، وقد استبد بها الضيق، وثقل على صدرها الكرب، نعم يجسم هذه الحالة (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ). لعل (مد) تضمن معنى (توجه) والمتعدي بالباء وإلى، فجمع التضمين المد إلى التوجيه. وفعل مد في حركته القلقة والزعزعة النفسية المصاحبة للغيظ والضيق والقنوط حين ينزل الضر بالنفس، وهي على غير اتصال باللَّه يرسم هذا الفعل مشهد امتداد حبل معلق في سقف بيته تعلق به، فليقطعه فيسقط أو يقطع نَفَسَهُ فيختنق. وحين تعدى الفعل بالباء تحول هذا المد إلى توجه بعصبة كافرة أو هيئة فاجرة أو حزب أو عشيرة. وكلها أسباب أرضية لا تملك نفعا ولا ضرا، ثم يكف - يقطع - عن هذا التوجه، فماذا تكون النتيجة؟ هل ينقذه تدبيره هذا مما يغيظه؟ لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء، ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضراء إلا في حمى العقيدة. وبهذا الحرف - الباء - ينقلب المنظور من واقع مادي ضيق مشهود، سقف وحبل إلى معنى أوسع، إلى هيئة أو عشيرة وهي الحماية الأرضية لأصحاب المبادئ المادية، لكنه لا يرتفع عن تراب الأرض

стр. 576

وعتمة الروح، فلا شفاء لقلبه ولا ذهاب لغيظه ما دام مرتبطا بالتراب والطين. فالتضمين جرى في الفعل - مد وقطع - والباء على أصلها أضاءت لنا ما استتر من أسرار هذه الحروف. فلا يذهب بك الخاطر إلى توهم زيادتها أو تناوبها، وتعرّف كيف المخرج مما يرد عليك منها على وجه من التأويل يزيل الشناعة عنها، وترتفع في معرفة إعجازها في النظم البديع عن التقليد وأنها تنزيل من حكيم حميد. أما العلاقة بين المضمن والمضمن فيه فسببية، وهل مد هذا المشؤوم حبله إلا ليتوجه بقوى الأرض؟ ومن شؤمه أنه استعان بأسباب أرضية ولهذا: لا يرى ما تريه ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت رام معه في غير مرمى، ومُعن نفسك معه في غير جدوى. فمن استبد به الضيق، وثقل عليه الكرب، فليتوجه بطريقة أو بأسلوب إلى اللَّه لإزالة كربه ودفْعِ الضُرّ عنه، وكل سبيل غير هذه السبيل لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا مضاعفة الضيق وزيادة الكرب ثم يعجز في النهاية. فلْيستَبْقِ المكروب هذا الخيط من الأمل وليتوجه بهذا الحبل من الرجاء إلى السماء وليستهْدِ بهذه الشمعة المضيئة قبل أن يخنقه اليأس ويفوت الأوان. * * *

стр. 577

قَال تعالى: (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ) (١). ذكر الراغب: المرية: التردد في الأمر وهو أخص من الشك (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ). والامتراء والمماراة: المحاجة فيما فيه مرية (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) وقَالَ تَعَالَى: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) وقال: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ) وأصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحَلبِ. وجاء في قاموس القرآن فلا تمار فيهم يعني لا تجادل. وقال الطبري: كذبوا بإنذاره شكًّا منهم فيه. قال أهل التأويل: تماروا بالنذر لم يصدقوه. وذكر القرطبي: شكوا فيما أنذرهم الرسول وهو تفاعل من المرية، وقال الآلوسي: الفعل مضمن معنى التكذيب ولولاه تعدى بفي. وذكر البروسوي: ضمن معنى التكذيب فعدي. من المرية وأصله تماروا على وزن تفاعلوا. وأتساءل: لم عدل سبحانه عن التكذيب والمتعدي بالباء إلى (المماراة) والمتعدي بـ (في)؟ وهذه تحتمل التكذيب كما تحتمل المجادلة، وهي أقوى من الشك. لقد حذرهم لوط ﵇ وأنذرهم عاقبة الشذوذ الملوث القدر حين راودوه عن ضيوفه من غير استحياء، ولا تحرّج من حرمة نبيهم. فشكوا في نذارته وارتابوا فيما بينهم، وجادلوا نبيهم فتدخلت يد القدرة (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ) فكان العمى هو النذير.

стр. 578

والجواب: إن موقف قوم لوط من نبيهم ﵇ غير مُوَحَّد فهم بين ممارٍ في نذارته مشكك، وبين مترددٍ مرتاب به مكذب، ولو أجمعوا على تكذيبه لجاء النص: فكذبوا بالنذر، ولكنهم في إقبال من أمر عدوانهم وإدبار، يجادل بعضهم بعضا يدلنا على ذلك صيغة (فاعل) التي تفيد المشاركة بين طرفين، ويتمارون في صحة ما يهددهم به. فالتضمين يشخص لنا الموقف بكل دقائقه النفسية من شك، ومحاجة، وجدل، وتكذيب بعد أن هاج سُعارهم الجنسي الشاذ للاعتداء على ضيوفه، وحَسِبوهم غِلمانا صِباحَ الوجوه. وما كنا لنجني هذه اللطائف لولا نباوة التضمين، حين كشف عن دخيلة نفوسهم مما خفي عنا من عوارضها، ولخص موقفهم فجمع: الشك مع المِراء مع التكذيب. فافزع إلى التضمين فمطمحه نبيل، وإن كان مسلكه غير يسير. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)) . ذكر السيوطي: لمسكم فيه: أي لأجله. وقال أبو السعود: لمسكم فيما أفضتم فيه أي بسبب ما خضتم فيه. وذكر القرطبي: لمسكم فيه أي بسببه ومثله الجمل والآلوسي. أقول: مس ضمن معنى (أوقع) ولولا فضل اللَّه عليكم لأوقعكم فيما خضتم فيه عذاب عظيم والمس أول درجاته، لأنه أحب أن تشيع الفاحشة في

стр. 579

نفوس المؤمنين لتشيع بعد ذلك في واقعهم، فكان تعدّي الفعل بـ (في) وهو لا يتعدى بها إيذانا بوقوع العذاب، لكنه تعالى بلطفه بهم ورحمته، جعل المس مكانه، ليومئ به إلى قربه ودنوه إلطافا منه بهم وإحسانا إليهم، أما تضمين (في) معنى (اللام أو الباء) أو إنابة حرف عن حرف فاحفظ نفسك منه. كما يحتمل السياق تضمين (مس) معنى (غشي) والمس طرف الغشيان وجانبه، يُستدل به عليه وينقاد على وتيرته، ولولا ألطاف اللَّه الخفية لغشي الجماعة المسلمة كلها عذاب عظيم يتناسب مع الفرية، وقد مست المقدسات التي تقوم عليها الجماعة المؤمنة، ولأفلت الزمام واختلت المقاييس، فيما أفاضوا فيه أي (في اقتحام لُجَجِه) أيما إفاضه. لقد كشف حكم القذف عن شناعة الجرم وقد تناول ست النبوة الطاهر، عِرْضَ أكرمِ إنسانٍ على الله، وعرض أكرم إنسان على رسول اللَّه ﷺ وعرض صفوان الذي لم يشهد عليه رسول اللَّه ﷺ إلا خيرا، ذلك حديث الإفك وقد شغل المسلمين شهرا كاملا. لقد جعل التضمين مس العذاب كالرمز والإيماء إلى اقتراب الضراء في بُطءٍ ومن ورائه غاشية من العذاب تأخذهم أجمعين، لولا فضل اللَّه العظيم على عباده المؤمنين. ولو وقفنا عند المس لا نتعداه لأجدب المعنى وجف علينا ثراه فتدسس إلى دفينٍ توارى تحته كأنه رعشات بيان تنتشر، أو ينبوع نور يتدفق، تتكشّف في أفقه معانٍ لا يحيط بها فكر ولا يمتد إليها النظر، إنه التضمين ... وإنه غاية الأمل. * * *

стр. 580

قَالَ تَعَالَى: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). ذكر الفيروزأبادي: مس يتعدى بالباء (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ). وقال أبو السعود: لمسكم: لأصابكم لأجل ما أخذتم من فداء الأسرى. وروى السيوطي: (في) تفيد التعليل بمعنى (اللام) وكذلك قاله المرادي. وقال الآلوسي: لمسكم: أي لأصابكم لأجل أخذكم من الفداء عذاب عظيم. أقول: لقد سبق في قضاء اللَّه أن يغفر لأهل بدر. يقول رسول اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليه: " فقد عُرِض علئ عذابهم أدنى من هذه الشجرة ". فتضمين (مسَّ) معنى (ضارَّ). فالضر أخص في الدلالة على المعنى المراد. والسياق في الآية ينسق خطوات التعبير مع الحالة النفسية للنماذج البشرية التي عرض لها: (رسول اللَّه وأبو بكر يبكيان) فمنظر الضر، وهو عذاب لا يُقادر قَدْره من شدته، قريب كل القرب، يكاد يمسهم جميعا - أدنى من هذه الشجرة - لكن اللَّه نجاهم منه بقضاء سبق في علمه ألا يعاقب أحداً بخطإٍ في اجتهاد، وذكر المعلول ولم يتعرض لتفصيل العلة. ثم إن

стр. 581

(ضارّ) يتعدى بـ (في) ومعنى الكلمة عند أرباب النظرية الاجتماعية للغة، مستفاد من تركيبها أي في استعمالها أو في الدور الذي تُؤديه من خلال سياقها. ولهذا وجدتني منصرفا إلى تَضمين (مس) معنى (ضارّ) ليكون أدلّ على المراد وأوثق بما نيط به من تصوير منظر الضراء المضرة في بطء وقرب تكاد تصيبهم أجمعين. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ). ذكرت المعاجم أن (مضى) قاصر لا يتعدى وعليه اضطر الآلوسي إلى تضمينه معنى (الحلول والتوطن) ليصبح متعديا ويصير صالحا لتعليق (حيث) به. وذكر الجمل قوله: (حيث تؤمرون) عدي (امضوا) إلى (حيث). كما قدره البيضاوي وامضوا إلى حيث أمركم اللَّه بالمضي إليه مصر أو الشام. وفي السمين: (حيث) على بابها من كونها ظرف مكان مبهم ولإبهامها تعدى إليها الفعل من غير واسطة. أقول: لعل توافر شواهد موثوقة تجعلك تتحفظ من أقوال بعض المعربين والمفسرين، ففي قول الكلحبة العرني:

стр. 582

إذا نمضيهم عادت عليهم ... وقيدها الرماح فما تريم الفعل (تمضي) متعد بنفسه وهو مما أهملته المعاجم كما قال شاكر وهارون ومعناه: تُنفذهم هذه الفرس في القتال وتعود عليهم لتقتل بقيتهم فإذا أثقلْتها الجراح فلا تبرح ولا تريم. فمضى في الآية معناه: أنفذوا موضع نجاتكم كما أمر اللَّه - مصر أو الشام - فهو ليس بقاصر، وعليه تكون حيث مفعولا به ولا تضمين في الفعل. ولا داعي بعد ذلك أن نشغل أنفسنا بقول أبي حيان: إن (حيث) ظرف لا يتصرف فلا يكون فاعلا أو مفعولا أو مبتدأ ولا بقول الزمخشري: إن (حيث) مفعول به غير صريح لأنه من الظروف المبهمة. فما ذكره الآلوسي عن ابن هشام وقوعها مفعولا به فيما نقله عن الفارسي وخرّج عليه (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) يؤيد ما أثبتناه. واللَّه أمر لوطاً أن يسير بقومه، فمضى في مؤخرتهم لا يدع أحدا منهم منهم أن يلتفت أو يتلكأ أو يتخلف كي ينفذوا مكان نجاتهم كما أمرهم الله. فدابرهم مقطوع في الصباح ولا بد من اليقظة. (مضى) إذاً يأتي لازما كما يأتي متعديا وقد جاء هنا متعديا، ولا تضمين في الفعل. واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 583

قَالَ تَعَالَى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا) (١). قال الزمخشري: أرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا يعني الحجارة (فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) ومثله قال البيضاوي. وذكر أبو حيان والجمل: ضمن أمطرنا معنى أرسلنا فلذلك عداه بـ (على) كقوله: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً). وذكر الآلوسي: وفرق بين مطر وأمطر ثم قال: ويقال: أمطرت عليهم كذا أي أرسلته إرسال المطر. وحاصل الفرق كما في الكشف ملاحظة معنى الإصابة في الأول (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) أي مصيبنا والإرسال في الثاني. لهذا عُدِّي بـ (على). أقول: ولعل تضمين (أمطر) معنى (أرسل) والمتعدي بـ (على) يفيد معنى تسليط العذاب كما في قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) وفي قوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ) وفي قوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) وفي قوله: (أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا). أما تضمينه معنى (أنزل) نفيه معنى الخير قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) ولهذا آثرنا (أرسل) على (أنزل) لأن السياق يشي

стр. 584

بالعذاب. واحتمال اللفظ للمعنى شيء، ودلالته عليه شيء آخر. فالمطلق للمقيدات غيرُ دال، والعام بالنسبة للأفراد دال. الجاهلية الحديثة تطارد الذين يتطهرون ... في أفكارهم وتصوراتهم لأنها ترحب بالدنسين القدرين، وجاءت الخاتمة بلا تفصيل (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ) لأنها من الغابرين الدنسين. مطرا مهلكا فيه ما فيه من العواصف أرسله عليهم ليطهر الأرض من الدنَس الذي كانوا فيه والوحل الذي عاشوا فيه. وكل سوء بلغ الحد انتهى ... للمنتهى ومن الدمار دواء * * * قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) . أجاز أبو البقاء، وكذلك أبو حيان: أن يكون قوله: (مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) مفعولا به على تضمين الفعل معنى أعطيناكم. وذكر الجمل: قوله (مكناهم) عدَّاه بنفسه وقوله (نمكن لكم) عداه بالحرف والفرق بينهما: أن مكنه في كذا معناه أثبته فيه، وأما مكن له فمعناه جعل له مكانا. وقال: إذا ضمن مكنا معنى (أعطينا) كانت (ما) مفعولا به أي أعطيناهم مكانا ملتبسا ومصحوبا بالقوة والسعة. وقال أبو حيان: وتعدى مكن بنفسه وبحرف الجر والأكثر تعديته باللام - مكنا ليوسف في الأرض - وقال أبو عبيدة: مكناهم ومكنا لهم لغتان فصيحتان كنصحته ونصحت له.

стр. 585

أقول: هؤلاء المعرضون المكذبون إذاً تعوزهم الرغبة في الاستجابة، ويمسك بهم العناد في إعراضهم عن النظر في الأدلة والتدبر في مصارع الأجيال، فقد أعطاهم من أسباب القوة ما لم يُهيئ مثله لقريش. فالتمكين تم بمشيئة اللَّه ليبلوهم فيه أيؤدون حقه من العبودية له والتلقي منه وحده أم يجعلون من أنفسهم طواغيت؟ (أولم يروا) يلفت أنظارهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم - عاد بالأحقاف، وثمود بالحجر - يمرون على أطلالهم في رحلة الشتاء والصيف ويمرون بقرى لوط المخسوفة وبعضها منهم قريب. حقيقة ينساها البشر حين ينحرفون عن شرط الاستخلاف. (فالتمكين) حين تضمن معنى (المنح) تعدى إلى مفعولين، وحين تعدى باللام تضمَّن معنى التهيئة. منحناهم أسباب التثبيت والتمكين في الأرض، لم نُهيئ لكم مثله أنتم يا معشر قريش. ثم عصوْا ربهم فأخذناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم آخرين. حقيقة ينساها الناس حين يمكن لهم في الأرض وأنهم فيها مستخلفون .... إنه التضمين يمنح الفعل وجها مستطابا نستمتع به على قدر ما يحمل من دلالات في مسارح النظر. * فهو طَرف مُصرِح ... عن ضمير بما هَجَس * * * *

стр. 586

قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) (١). قال أبو السعود ومثله الآلوسي: يقال: مكنه فيه أي أثبته فيه، ومكن له فيه أي جعل له مكانا فيه. ولتقاربهما وتلازمهما يستعمل كل منهما في مقام الآخر. والمراد في المكان: المكانة والمنزلة. وروى الجمل: مكن يتعدى بنفسه وباللام مكنه ومكن له. أقول: لم يتعرض أحد من المفسرين للفرق بينهما إلا فيما أشار إليه أبو السعود ثم قال: ويستعمل كل منهما في مقام الآخر. كيف يكون مكنه بمعنى مكن له؟! حين يتعدى الفعل بنفسه وبالحرف ... أجد نفسي دائم التنقير والبحث عن اختلاف المعنى بينهما. فالمتأمل لحال هذه اللغة الشريفة يجد فيها من الحكمة والدقة مع التعدي بهذه الحروف ما يملك عليه فكره، ولعل الفرق؛ أن (مكنا له) تضمن معنى (مهدنا له أسباب التمكين) بتعطيف قلب عزيز مصر عليه (وهيأنا له سبله) في إنزاله في قصره، حين قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) والمثوى هو المبيت والمنزل. وأما (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) فقد حصل لهم التمكين واستقرت لهم دعائمه. وفي الأنعام تعريض بنقص التمكين لكم عمن سبقكم (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ).

стр. 587

فتضمين (مكن له) معناه (مهد له أسباب التمكين ويسرها). يؤدي غرض السياق في الآية من تهيئة أسباب التمكين وتيسيرها حين بدأت بشائرها في قلب الرجل عندما قال (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا). فاللَّه هيأ له وهو الشريد في أيدي النخاسين. مكانا في مصر - بيت العزيز - تمهيداً لتمكينه في الأرض. أرأيت إلى هذه اللام كيف منحت فعلها معنى التهيئة والتمهيد والتيسير والتسهيل. إنه التضمين غاية في البيان المعجز. وإنه القمر المنير واللسان المبين. ثم يأتي التعقيب: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ). آتاه اللَّه الحلم، وكان هذا جزاء إحسانه سلوكاً وعقيدة و ... (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). * * * قَالَ تَعَالَى: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) ذكر الزمخشري: (لا) زائدة هي للتأكيد كما في أول الأعراف وكذلك الجمل. وقال الرازي ومثله البروسوي: (لا) غير مزيدة و (منعك) مجاز عن (دعاك) والمعنى ما دعاك إلى ترك اتباعي.

стр. 588

وقال الآلوسي: قال علي بن عيسى: إن (لا) ليست زائدة والمعنى ما حملك على عدم الاتباع؟ فإن المنع عن الشيء مستلزم للحمل على مُقابله. أقول: ولعل تضمين (منع) معنى (أغرى) ألصق بالمعنى وأدنى للمراد فالمنع عن الشيء إغراء به. أي ما أغراك يا هارون بعدم اتباع أمري حين رأيتهم ضلوا يستنكر عليه مخالفته في تنفيذ أمره ويؤنبه على تركهم يعبدون العجل ولم يتدخل في إبطاله. لم جاء التعبير إذاً بالمنع بدل الحداء والإغراء؟ ظاهر الأمر أنه س امتنع عن اتباع أخيه وامتثال أمره، بدليل السؤال الموجه إليه: أفعصيت أمري؟!. لكن هارون ﵇ لم يمتنع في الحقيقة عن اتباع أخيه، وإنما حرصه على وحدة الصف فلا ينشعب أو ينصدع، وعلى جمع الكلمة فلا تتفرق وتذهب ريحهم، هو الذي أغراه ودفعه إلى ذلك الموقف. هارون ﵇ إذاً خشي أن يعالج الأمر بالعنف فيتفرق بنو إسرائيل شِيعا: منهم من يعبد العجل ومنهم من يتبع موسى ﵇. فيكون قد أحدث فيهم شرخا وخرج عن الطاعة، فوحدة الصف هي التي أغرته بهذا الموقف. فالحمل على التضمين منجاة من آفة الزيادة، لمن توهمه منها أو أرابه فيها، ومن زعم المجاز، فلا قرينة له فيه. ومن حكم بزيادتها فقد زهد بقيمتها أو أعرض عن تدبرها. ومن قال مؤكدة فماذا تؤكد؟ كتاب أحكمت آياته فلا مناص من التدسي إلى دفين توارى تحت نظم مفرداته لفهم معانيه والكشف عن مقاصده. * * *

стр. 589

قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ). المكر: صرف الغير عقا يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مكر محمود: وذلك أن يتحرى فعلا جميلا، قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ومكر مذموم: وهو أن يصرف الغير عما يريده من الخير بحيلة أو يتحرى فعلا قبيحا قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). ذكر ذلك الراغب الأصفهاني. وذكر أبو حيان والزمخشري والجمل: (مكر) لازم. والسيئات: نعت لمصدر محذوف أي المكرات السيئات أو ضمن يمكرون معنى يكسبون فنصب السيئات " مفعولا به ". وجوز الآلوسي أن يكون السيئات مفعولا على تضمين (يقصدون أو يكسبون). أقول: مكر: فعل لازم عدَّاه الحكيم سبحانه توصيلا إلى إدراك أنحائه ومراميه، وسياق الآيات يشي بتضمين معنى (يحيكون). إن الذين يدبرون السيئات يحيكون خيوطها طلبا للعزة الكاذبة والغلبة الموهومة، فإن مكرهم وتدبيرهم وحياكتهم سوف تنتهي إلى بوار وخسران، فليس طريق العزة صناعةَ سيئاتٍ، لإيذاء المؤمنين والمؤمنات. ولا عنادا يستكبر على الحق، ويتشامخ بالباطل، ولا طغيانا فاجراً يضرب في عتو وجبروت يحارب اللَّه ورسوله، ولا اندفاعا باغيا يخضع للنزوة ويذلّ للشهوة، ولا قوة عمياء تحقق عزة موهومة، لأن نهايته إلى بوار وإلى العذاب الشديد.

стр. 590

يوم كانت السيادة لقريش على سائر القبائل قال بعض مَن آمن (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) فجاء الجواب: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) وهذه الحقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين، وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل والمناهج. ويكفي أن تستقر في القلب لتقف بك أمام الدنيا كلها عزيزا ثابتا لا تحني رأسك لمخلوق أو وضع أو حُكم أو دولة أو سلطان. لماذا؟ لأن العزة لله ولا يفوز بها أحد بغير رضاه. وأسباب العزة ووسائلها: العمل الطيب، والعمل الصالح فيُكرم صاحبهما ويُمنح العزة والاستعلاء. ولولا التضمين لما انجلت هذه المحاسن وانكشفت شواردها، إذ لو جاء الفعل لازما لصرفنا عن النظر إليه. وأما ما ذهب إليه المفسرون في تضمين الفعل معنى كسب في قوله تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ). فيومئ إلى الحالة النفسية التي يتلبس بها مرتكب السيئة. من لذته بها، يحيا معها ولها، يتنفس في جوها وتملأ عليه عالمه النفسي، أما المكر فالفرق لائح بين من يدبر المؤامرات لإيذاء المسلمين والمسلمات، وبين مرتكب الموبقات يَلتذها ويحيا لها ويظنها مكسبة. فالأول أخطر بكثير لأن حياكته على سواه، ومكسبة الثاني على نفسه لا يؤذي غيره، فمن لحظ هذا الفرق الدقيق بقلبه وأدرك هذا النظم البديع بلبه، عرف أن المكر هنا متضمن حياكة مؤامرات لا كسبَ لذةِ موبقات، وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد. * * *

стр. 591

قَالَ تَعَالَى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) . ذكر الزمخشري: أن (لا) صلة، فإن قلت: ما فائدة زيادتها؟ قلت: توكيد معنى الفعل وتحقيقه. فإن قلت: لم سأله عن المانع وقد علم ما منعه؟ قلت: للتوبيخ. وقال أبو حيان: الظاهر أن (لا) زائدة تفيد التوكيد والتحقيق. وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك إذ أمرتك، يدل على زيادتها قوله تعمالى: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ). وسقوطها في هذا دليل على زيادتها. وقيل: يقدر محذوف: ما منعك فأحوجك ألا تسجد. وقيل: ما منعك مَن أمرك، ومَن أمرك ألا تسجد. وقال القرطبي: قيل: (لا) زائدة، فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألا تسجد أو من دعاك إلى ألا تسجد. وقال الطبري: ما منعك من السجود فأحوجك أو فأخرجك أو فاضطرك إلى ألا تسجد له. أقول: في مشهد مثير واحتفال مَهيب يحشد له الجليل في الملأ الأعلى ملائكته وفيهم إبليس، وتشهده السماوات والأرض، يعلن فيه ميلاد الإنسان ويأمرهم بالسجود له زيادة في تكريمه. ويسجد لهذا المخلوق الجميع ما عدا إبليس إذ جعل لنفسه حقا فيما يرى في تنفيذ ما يتلقاه من الأوامر، فكشف عن طبيعته الشريرة والأصيلة وليست العارضة: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) تصوير يشخص الخلجات النفسية والمعاني العقلية. أما من ادعى زيادتها فمتسرع لم يتحرَّ الكيس

стр. 592

في دعواه ولم يسلك طريق المعرفة بها ليُكشفَ له عنها. ومن قال مؤكدة، فماذا تؤكد ثبوت المنع أم نفيه؟ أو قال للتحقيق، فماذا تحقق؟ ومن ادعى أن المنع مجاز عن الاضطرار، فقد رد عليه السكاكي: بأنه لا قرينة في هذا المجاز، وأنه من باب التضمين ما حملك على ألا تسجد، ولعل تضمين (منع) معنى (حدا) أظهر للمعنى في هذا السياق وأسْير، فما حداك على ألا تسجد، والعلاقة بين المنع والحدو وشيجة فكلاهما فيه حمل النفس على ما تكره من أمر السجود، وإلجاؤها إلى ما يؤدي بها إلى الهلاك في رفضها للأمر - إذ أمرتك - وقسرها وقهرها على طاعة مولاها. فالمنع في الأعراف جاء مصحوبا بظرف (إذ أمرتك) ومعناه: ما حداك على ألا تسجد حين أصدرت أمري إليك؟ فرفْض السجود هو بالتالي رفْض الأوامر. وتقرير حال أوضاع الحروف يوجهنا كيف تسري أحكامها في أحناء الآية فنحمل المعنى على التضمين لننجو من آفة زيادة الحروف. أما المنع في (ص) فليس فيه تضمين. بقي أن أقول: لم جاء التعبير بالمنع بدل الحداء؟ والجواب: لعله في لفظ ما (منعك) يسأله سبحانه عن الموانع وهي بمعناها اللغوي قسرية قهرية لا إرادية. وفي لفظ (ما حداك) يسأله عن الدوافع وهي طوعية إرادية. وفي اختيار الأولى بدل الثانية إيقاع له في الحرج وكشف عن الجريمة في أسلوب ساخر لاذع لأن أحدا لم يمنعه من السجود، وإنما امتنع بملء حريته وبكامل وعْيه، وبتصميم من إرادته. فأي جواب سَيُبَرِّرُ ما وقع فيه، وما أخذ به نفسه؟ لقد قال: أنا خير منه. " فأنا " الإبليسية هي الدافع له على التمرد والباعث له على التأبي عن الطاعة، وهي

стр. 593

السبب في عُتوّه وصلفه وكبريائه فإذا قَالَ تَعَالَى في الحديث الشريف: " الكبرياء ردائي من نازعني فيه قصمته ولا أبالي "، فقد قصمه بسبب منازعته إذ أخرجه فأهبطه. فاختيار (ما منعك) على حميله (ما حداك) فلأنه سُلَّمٌ إلى تحصيل المطلوب من زلات الألسن وما تخفي الصدور. فلو لم يكن تحصيل هذا المعنى إلا في نُبْل اللفظ ونَباوته لكان حجة على تقدمه. أما حذف (لا) في (ص) وإثباتها في (الأعراف) فلأن السؤال عن المنع في (ص) على حقيقته لا تضمين فيه، وجاء الجواب من المولى الجليل أستكبرت أم كنت من العالين؟ أما في (الأعراف) فتضمن سؤال المنع السؤال عن الدوافع فلا بد من (لا) النافية وإلا يفسد المعنى. جاء الحرف (لا) ليشارف معنى (الحداء) وقد تزاحمت الأغراض على جهاته، تفانيه لنَباوة محله فيزداد بها سفورا، وببديع نظمها تجليا وظهورا. * * * قَال تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) . قال البيضاوي: أماته اللَّه مائة عام: ألبثه ميتا مائة عام أو أماته اللَّه فلبث ميتا مائة عام، ثم بعثه: ثم أحياه. وقال أبو السعود: أماته: ألبثه على الموت.

стр. 594

وذكر الآلوسي: فألبثه مائة عام ولا بد من اعتبار هذا التضمين، لأن الإماتة بمعنى إخراج الروح وسلب الحياة مما لا يتعدى. أقول: صورة الخُواء (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) تنعكس في حس الشاك في أمر البعث فيسأل (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) ويأتيه الجواب في تجربة حسية: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) ويُسأل بعدها (كَمْ لَبِثْتَ) ويجيب: (يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). جواب محدود الإدراك لتجربة محدودة الوسائل. إن حقيقة الموت والحياة يُعنى بها القرآن أشدَّ العناية لتتعلق ضمائر المؤمنين باللَّه مباشرة. وهذا ما انتهى إليه السائل (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). إنه جواب الفطرة: تترك الغيب المحجوب لعلام الغيوب. فالتضمين يكشف عن السر المكنون في دبيب الحياة في مشهد البلى والخواء في قوله: فأماته ... ثم بعثه. ألبثه ميتا ... ثم أحياه بتجرية عملية بعيدة عن المنطق العقلي والأسلوب الجدلي. فللَّه عاقبة التضمين! يجعل الفعل اللازم متعديا والمتعدي لازما، يغدو من البيان في حلل ويروح في حلل، دليله غير مدفوع، يحتاج إلى تأمل، ليُزيل القبْس، ويهدي السبيل، فارفقْ به يُمطك غاربُه، وإن تورطته أوعرتْ بك سُبُلُه. * * *

стр. 595

قَالَ تَعَالَى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ). ذكر أبو حيان: أن الجملة الاستفهامية في موضع نصب لـ (أُنَبِّئُكُمْ)، لأنه معلق بمعنى: أعلمكم، سدت مسد المفعول الثاني والثالث. الأصل في نبأ وأنبأ أن يتعديا إلى واحد بأنفسهما وإلى ثان بحرف الجر، ويجوز حذفه فنقول: نبأت به ونبأنيه، فإذا ضمنت معنى (أعلم) تعدت إلى ثلاثة مفاعيل. ومجمل القول: يختص التضمين عن غيره من المعديات بأنه قد ينقل الفعل إلى أكثر من درجة. عُدي أخبر وخبَّر وحدَّث ونبَّأ إلى ثلاثة، لما ضمن معنى أعلم وأرى، بعدما كان متعديا إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بالجار نحو (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ). أقول: تضمن (نبَّأ) معنى (أعلم). إنما جيء به لغرض: لقد كان في العرب كهان يتنبؤون، يزعمون أن الجن تخبرهم، وفي الناس من يركن إلى نبوءاتهم ويصدقهم، يقولون عن القرآن شعر وأن النبي ﷺ شاعر، يحارون في وصف ما أنزل وقد هز مشاعرهم وغلب على قلوبهم فلم يروا له نظيرا. فاللَّه ينبئهم بما أرابهم فيه كهنتهم، بل يعلمهم حقيقة هذا الدين وأنه يدعو إلى عقيدة ذات منهج، فلا يعيش على رؤى ولا يسير وراء أوهام، ولا يقنع بأحلام، ولا يتبع الهوى. فالغرض من التضمين هو توثيق النبأ، فما كل نبأ صحيح أما العلم فلا يكون إلا عن يقين. أرأيت لم اختار العليم الحكيم لفظ (نبأ) بدلا من (أعلم)؟!. إنه التضمين يكشف عن أسرار التنزيل، وإنها اللغة في إعجازها البياني،

стр. 596

إن خفيت عنا اليوم فقد كانت بادية الصفحة للسلف إذ كانوا ألطف أذهانا وأسرع خواطر وأجرأ جنانا، وأذهب في الأنس بها والتورد لها. والأمر في هذا أظهر، وشواهده أسْير وأكثر. * * * قَالَ تَعَالَى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ). قال الزمخشري: تنبت وفيها الدهن، وقُرئ تُنبت، وفيها وجهان: أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت وأنشد لزهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل والثاني: أن مفعوله محذوف: أي تُنبت زيتونها وفيه الزيت، وقُرىْ: تُنبَت بضم التاء وفتح الباء، وحكمه حكم تُنبإ. قرأ ابن كثير وأبو عمرو (تُنْبِت) وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر (تَنْبُت) وقرأ ابن مسعود: (تخرج الدهن وصبغٍ للآكلين) وغيره: تخرج بالدهن أي تثمر بالدهن وعن بعضهم: تنبت بالدهان. وقال الآلوسي: الباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قولك: جاء بثياب السفر وهي متعلقة بمحذوف وقع حالا من خبر الشجرة أي تنبت ملتبسة بالدهن وهو عصارة كل ما فيه دسم، والمراد هنا الزيت وملابستها به باعتبار ملابسة ثمرها، فإنه الملابس له في الحقيقة. وجَوّزَ أن تكون الباء متعلقة بالفعل مُعدية له كما في قولك: ذهبت بزيد كأنه قيل: تُنبت الدهن بمعنى

стр. 597

تتضمنه وتحصله، ولا يخفى أن هذا وإن صح إلا أن إنبات الدهن غير معروف في الاستعمال. وقيل: الباء زائدة كما في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ونسبة الإنبات إلى الشجرة بل وإلى الدهن مجازية. قال الخفاجي: ويحتمل تعدية أنبت بالباء لمفعول ثانٍ. قال الزركشي: إن الباء زائدة ثم قال: في موقع آخر: واعلم أنه لكون الباء بمعنى الهمزة لا يُجمع بينهما، فإن قلت: كيف جاء تنبت بالدهن، والهمزة في أنبت للنقل؟ قلت: لهم في الانفصال عنه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الباء زائدة، والثاني: أنها باء الحال كأنه قال: تُنبت ثمرها وفيه الدهن. والثالث: أن نبت وأنبت بمعنى. وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: إن الباء مقحمة والمعنى: تُنبت الدهنَ. أقول: لمن تقحم الباء أو جعلها زائدة: لقد استسرفت فيما تجشمت، ولعل تضمين (تُنبت) معنى (تنضح) أقرب للسياق وأحكم، لأن نضح يتعدى بالباء وكان النَّضح يحكي حكاية وصول الزيت إلى ثمرة الزيتون يرشح به نَسْغها شيئاً بعد شيء، تختزنه في ثمراتها حتى تمتلئ به ثم يُعصر فيكون منه الدهن (الزيت) وإذا كان حمل الظاهر (تنبت) على المحتمل

стр. 598

(تنضح) لابد له من دليل يعضده ليجعله راجحا، فتعدية نضح بالباء قرينة مرجحة له، والسياق بعد هذا يشي بالنماء والعطاء على هَينة وفي بطءٍ على المدى، كما تُرشح الأم ولدها باللبن. وجمع التضمين المعنيين ليفيدهما جميعا: الإنبات والنضح. أما أن نجعل الباء زائدة فمسألة مَعيفة ومذهب على علاته ذميم، والتورد فيه وعْر المسلك ثم هو تضييع للحكمة من وجودها، فما جاءت إلا لتُكسب المعنى نُبْلا وتظهر في النظم مزية، فمن غفل عن سر بيانها وحسن صنعتها فليُمسكْ عن القول بزيادتها، فالبيان المعجز غني عن الزيادة. * * * قَالَ تَعَالَى: (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا). الانتباذ: الاعتزال والانفراد، وقال البيضاوي: انتبذت متضمن معنى (أتت) وقال البروسوي: مكانا مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان. وقال أبو حيان: انتبذت: افتعل من نبذ ومعناه ارتمت وتنحت وانفردت. وانتصب مكانا على الظرف أي في مكان. وقال السدي: لتَطهُر من حيضها. وقال غيره: لتتعبد. وقال الجمل: مكانا منصوب على الظرفية، ويصح أن يكون مفعولا به على تضمين انتبذت معنى أتت وفي السمين ما يؤيده: انتبذت مكانا:

стр. 599

اتخذته بمعزل بعيدا عن القوم. ووافقه أبو السعود: مكانا مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان المترتب وجودا واعتبارا على أصل معناه العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه. أي انفردت منهم وأتت مكانا شرقيا. وذكر الرازي: انتبذت: تنحَّت يقال: جلس نبذة من الناس أي ناحية و (انتبذت) معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية المشرق. وذكر ابن عباس: انتبذت: انفردت وتنحَّت. أقول: النبذ: الرمي إلى بعيد أو الإلقاء أو الطرح استهانة به وإظهارا للاستغناء عنه قَالَ تَعَالَى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) وانتبذ - على وزن افتعل - من معاني هذه الصيغة الاتخاذ أو الطلب، فمريم اتخذت مرمى بعيدا في شرقي أهلها أو طلبت معزلا (شعورا بمهانتها) منبوذا انتحت فيه في الشرق من أهلها. وقلت (مرمى) لأن النبذ: الرمي إلى بعيد فقد تضمن (انتبذت) معنى (اعتزلت) أي تنحت. والذي أنَّسني بهذا المعنى وسوغ هذا التضمين صيغة انتبذت - افتعل: اعتزل - كما قلت، وما أدري من أين جاء المفسرون بتضمين الانتباذ معنى (المجيء). ويبقى التضمين كنزا من كنوز هذه اللغة نخلد إليه حين لا يثبت عند النظر سواه. فنأوي إلى سداد ونؤول إلى ثقة. * * *

стр. 600

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ) . ذكر أبو حيان والعكبري: نتقنا: جذبنا بشدة، وفوقهم حال عاملها محذوف تقديره: نتقنا الجبل كائنا فوقه. وقال الحوفي وأبو البقاء: فوقهم ظرف لـ نتقنا، ولا يمكن ذلك إلا إن ضُمِّن نتقنا معنى فعل يمكن أن يعمل في (فوقهم) أي: رفعنا بالنتق الجبل فوقهم فيكون كقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ). وقال الزمخشري: نتقناه: قلعناه ورفعناه، ومنه نتق السقاء إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه. وذكر الجمل: أن فوقهم فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف حال من الجبل، والثاني: أنه ظرف لـ نتقنا قاله الحوفي وأبو البقاء ولا يمكن ذلك إلا أن يُضمن معنى فعل يمكن أن يعمل في فوقهم أي: رفعنا بالنتق الجبل فوقهم فيكون كقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) والنتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به، وقيل: النتق: الجذب بشدة. وقال الفراء: هو الرفع، وقال ابن قتيبة: هو الزعزعة وقد عرفت أن فوقهم يجوز أن يكون منصوبا بنتق لأنه بمعنى رفع. أ. هـ. وفي لسان العرب: النتق: الزعزعة والهز والجذب والنفض. ونتق الشيء جذبه واقتلعه وقال الفراء: نتقنا أي رفعنا أقول: تضمين (نتق) هنا على اختلاف طعومه وألوانه وأشكاله من الرفع
следующие страницы →