Полный текст (835 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وممن أفرد التصنيف لمناقبه: ابن أبي حاتم، وابن شاهين والبيهقي، وأبو إسماعيل الأنصاري ويحيى بن مندة، وابن الجوزي.
وقد أفردت مصنفا لمناقبه، ونذكر ههنا نبذة يسيرة من فضائله في الحديث وعلومه، لأن المقصود يحصل بذلك ههنا.
قال عبد الله بن أحمد: كتب أبي ألف ألف حديث، وترك لقوم لم يرو عنهم مائتي ألف حديث.
وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له وما يدريك؟.
قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب.
وسئل أبو زرعة: أنت أحفظ، أم أحمد بن حنبل؟.
قال: بل أحمد. قالوا: كيف علمت ذاك؟ قال: وجدت كتب أحمد بن حنبل ليس فيها في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدثين الذين سمع منهم، فكان يحفظ كل جزء ممن سمعه وأنا أقدر على هذا.
وعن أبي زرعة، قال: أتيت أحمد بن حنبل، فقلت أخرج إلى حديث سفيان، فأخرج إلى أجزاء كلها سفيان، سفيان، ليس على حديث منها (ثنا) فلان فظننت أنها عن رجل واحد، فجعلت أنتخب فلما قرأ علي جعل يقول في
стр. 422
الحديث: (ثنا) وكيع ويحيى، و (ثنا) فلان. قال: فعجبت من ذلك. قال أبو زرعة: فجهدت في عمري أن أقدر على شيء من هذا فلم أقدر.
وقال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من (المصنف) فإن شئت تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك: بالكلام.
وقيل لأبي زرعة من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟.
قال: أحمد بن حنبل حزر كتبه اليوم الذي مات فيه فبلغت اثني عشر حملا وعدلا، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه (ثنا) فلان، وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه.
وقال صالح بن أحمد: قال أبي: كتبت بخطي ألف ألف حديث سوى ما كتب لي.
وقال أحمد بن الدورقي: سمعت أحمد يقول: نحن كتبنا الحديث من ستة أوجه وسبعة وجوه ولم نضبطه، كيف يضبطه من كتبه من وجه واحد أو نحو هذا؟
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه، وإلى ابن أبي شيبة وهو أحفظهم له، وإلى علي بن المديني، وهو أعلمهم
стр. 423
به، وإلى يحيى بن معين، وهو أكتبهم له.
وذكر يحيى بن مندة في مناقب أحمد بإسناده له عن أبي عبيد، قال: ربانيو العلم أربعة، فأعرفهم بالحلال والحرام أحمد بن حنبل، وأحسنهم سياقة للحديث علي بن المديني، وأحسنهم معرفة بالرجال يحيى بن معين، أحسنهم وضعا للباب أبو بكر بن أبي شيبة.
وقال إبراهيم الحربي: انتهى علم رسول الله ﷺ ما رواه أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام، إلى أربعة:
إلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وكان أحمد أفقه القوم.
وقال عبد الرزاق: رحل إلينا من العراق أربعة من رؤساء الحديث الشاذكوني، وكان أحفظهم للحديث، ابن المديني، وكان أعرفهم باختلافه ويحيى بن معين. وكان أعلمهم بالرجال، وأحمد بن حنبل، كان أجمعهم لذلك كله.
وقال ابن المديني: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله، أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة.
وسئل أبو زرعة: عن علي بن المديني ويحيى بن معين، أيهما كان أحفظ؟ قال: كان علي أسرد وأتقن، ويحيى أفهم بصحيح الحديث وسقيمه.
стр. 424
وأجمعهم أبو عبد الله بن حنبل، كان صاحب حفظ، وصاحب فقه، وصاحب معرفة.
قال: وما أعلم في أصحابنا أفقه من أحمد.
قيل له: اختيار أحمد وإسحاق أحب إليك، أم قول الشافعي؟ قال: بل اختيار أحمد وإسحاق أحب إلي.
وقال: ما رأت عيناي مثل أحمد في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير.
وقال أبو زرعة أيضا: ما رأيت مثل أحمد في فنون العلم.
وقال أيضا: ما رأيت أجمع من أحمد بن حنبل.
قيل (له) : إسحاق؟.
قال: أحمد أكبر من إسحاق، وأفقه من إسحاق.
وسئل أبو حاتم الرازي: عن أحمد وعلي بن المديني أيهما كان أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه.
قال أبو حاتم: وكان أحمد بارع الفهم بمعرفة الحديث، بصحيحه وسقيمه. وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه. وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال: نعم جعله أصلا، وبنى عليه.
стр. 425
وقال أحمد بن (سلمة) : قلت لأبي حاتم الرازي: أراك في الفتوى على قول أحمد وإسحاق، وعند كتاب الشافعي، وكتاب مالك والثوري وشريك، فتركت هؤلاء كلهم، وأقبلت على قول أحمد وإسحاق.
قال: لا أعلم في دهر ولا عصر مثل هذين الرجلين رحلا وكتبا وذاكرا وصنفا.
وقال النسائي: لم يكن في عصر أحمد مثل هؤلاء الأربعة: أحمد ويحيى، وعلي، وإسحاق، وأعلمهم علي بالحديث وعلله، وأعلمهم بالرجال وأكثرهم حديثا يحيى، وأحفظهم للحديث والفقه إسحاق، إلا أن أحمد بن حنبل كان - عندي - أعلم بعلل الحديث من إسحاق، وجمع أحمد المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد.
وقال العجلي: أحمد ثقة، ثبت في الحديث فقه في الحديث، متبع للآثار، وصاحب سنة (وخبر) نزه النفس.
وقال قتيبة: أحمد وإسحاق إماما الدنيا.
وقال: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث لكان هو المقدم.
стр. 426
قلت: تضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال أبو عبد الله البوشنجي: (أحمد) - عندي - أفضل من سفيان الثوري، لأن سفيان لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن به أحمد ولا علم سفيان ومن تقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد لأنه كان أجمع لها، وأبصر (بمتقنهم) ، وغالطهم، وصدوقهم، وكذوبهم (منه) .
وقال زكريا الساجي: أحمد أفضل عندي من مالك والأوزاعي والثوري، والشافعي، لأن لهؤلاء نظيرا، وأحمد (لا) نظير له، يعني في وقتهم ووقته - رضي الله عن هم أجمعين -.
" ١٩ - علي بن المديني، ت٢٣٤ ":
ومنهم علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني السعدي البصري أبو الحسن، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين في علم الحديث وعلله.
كان ابن عيينة - وهو أحد شيوخه - يروي عنه ويقول: "يلومونني على
стр. 427
حبه) والله ما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني.
وكذا روي عن يحيى القطان أنه قال: أنا أتعلم من علي أكثر مما يتعلم مني.
وعلي بن المديني هو شيخ البخاري، وعنه (تلقى) هذا العلم.
وكان البخاري يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
وقال أبو حاتم الرازي: كان علي بن المديني علما في الناس، في معرفة الحديث والعلل.
وكان أحمد بن حنبل لا يسميه، وإنما يكنيه "أبو الحسن" تبجيلا له.
وسئل أبو حاتم عن علي وأحمد: أيهما أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين. وكان أحمد أفقه، وكان علي أفهم للحديث.
وقال هارون بن إسحاق الهمداني: الكلام في صحة الحديث وسقيمه لأحمد بن حنبل وعلي بن المديني.
وسئل ابن وارة الحافظ عن ابن المديني وابن معين، أيهما أحفظ؟ قال: كان علي أسرد، وأتقن.
стр. 428
وقال ابن حبان: سمعت علي بن أحمد الجرجاني بحلب، يقول: سمعت حنبل بن إسحاق يقول: سمعت عمي أحمد بن حنبل يقول: أحفظنا للطوالات، الشاذكوني، وأعرفنا بالرجال يحيى بن معين، وأعلمنا بالعلل علي بن المديني، وكأنه أومأ إلى نفسه انه أفقههم.
ولابن المديني تصانيف كثيرة في علوم الحديث منها:
كتاب الأسامي والكنى، ثمانية أجزاء.
كتاب المدليسن، خمسة أجزاء.
كتاب أول من نظر في الرجال، وفحص عنهم، جزء.
الطبقان، عشرة أجزاء.
من روى عن رجل لم يره، جزء.
علل المسند، ثلاثون جزء.
العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا.
علل حديث ابن عيينة، ثلاثة عشر جزءا.
كتاب من (لا يحتج) بحديث ولا يسقط، جزءان.
(الكنى) ، خمسة أجزاء.
الوهم والخطأ، خمسة أجزاء.
قبائل العرب، عشرة أجزاء.
من نزل من الصحابة سائر البلدان، خمسة أجزاء.
стр. 429
التاريخ، عشرة أجزاء.
العرض على المحدث جزآن.
من حدث ثم رجع عنه، جزء.
كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال خمسة أجزاء.
سؤالات يحيى، جزآن.
كتاب الثقات والمتثبتين، عشرة أجزاء.
اختلاف الحديث، خمسة أجزاء.
الأسامي الشاذة، ثلاثة أجزاء.
الأشربة، ثلاثة أجزاء.
تفسير غريب الحديث، خمسة أجزاء.
الإخوة والأخوات، ثلاثة أجزاء.
من يعرف باسمه دون اسم أبيه، جزآن.
من يعرف (باللقب) ، جزء.
العلل المتفرقة، ثلاثون جزءا.
مذاهب المحدثين، جزآن.
كان ابن المديني قد امتحن في محنة خلق القرآن، فأجاب مكرها، ثم إنه تقرب إلى ابن أبي دؤاد حيث استماله بدنياه وصحبه وعظمه، فوقع بسبب
стр. 430
ذلك في أمور صعبة حتى إنه كان يتكلم في طائفة من أعيان أهل الحديث ليرضي بذلك ابن أبي (دؤاد) ، فهجره الإمام أحمد لذلك وعظمت الشناعة عليه حتى صار عند الناس كأنه مرتد، وترك أحمد الرواية عنه، وكذلك (إبراهيم) الحربي وغيرهما.
وكان يحيى بن معين (يقول) : هو رجل خاف فقال ما عليه.
ولو اقتصر على ما ذكره ابن معين لعذر، لكن حاله كما وصفنا.
وقد روي عنه أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. والله تعالى. يرحمه ويسامحه بمنه وكرمه.
" ٢٠ - يحيى بن معين، ت ٢٣٣ ":
ومنهم يحيى بن معين، (أبو) زكريا البغدادي، الإمام المطلق في الجرح والتعديل، وإلى قوله في ذلك يرجع الناس، وعلى كلامه فيه يعولون.
وقد قال هلال بن العلاء وحجاج بن الشاعر: من الله على هذه
стр. 431
الأمة بيحيى بن معين، نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ .
قال أحمد بن (عقبة) : سألت يحيى بن معين: كم كتبت من الحديث؟. قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث. قال (أحمد) : وإني أظن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة ألف (وستمائة ألف) .
وقال علي بن المديني: حديث الثقات يدور على (ستة) ، وذكرهم قال: وما شذ عنهم يصير إلى اثني عشر، فذكرهم.
(ثم قال) : صار حديث هؤلاء كلهم إلى يحيى بن معين.
وذكر داود بن رشيد: أن يحيى بن معين خلف له أبوه ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه.
وكان يحيى يوسع القول في الجرح، ولا يحابي أحدا، بل يصدع به في وجه صاحبه، ولهذا قال عبد الله بن أحمد الدورقي: كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو ثقة.
وسئل ابن وارة عن ابن معين وابن المديني، أيهما أحفظ؟ فقال: كان علي أسرد وأتقن، وكان يحيى أفهم بصحيح الحديث وسقيمه.
وقال سليمان بن حرب: كان يحيى بن معين يقول في الحديث هذا خطأ، فأقول: كيف صوابه؟ فلا يدري، فأنظر في الأصل فأجده كما قال.
стр. 432
وقال أبو عمرو الطالقاني: رأيتهم يقولون الناس عندنا أربعة: أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وسمعتهم يقولون: محمد بن نمير ريحانة الكوفة، وأحمد قرة عين الإسلام. وابن المديني أعلم علماء آثار رسول الله ﷺ وابن معين أعلم بروايته، وأكثر علمه آثار رسول الله ﷺ .
وعمرو الناقد، قال: ما كان في أصحابنا أحفظ للأبواب من أحمد بن حنبل، ولا أسرد للحديث من الشاذكوني، ولا أعلم بالإسناد من يحيى (بن معين) ، ما قدر أحد يقلب عليه إسنادا قط.
قال محمد بن هارون الفلاس المخرمي: إذا رأيت الرجل تقع في يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب يضع الحديث. وإنما يبغضه لما يبين أمر الكذابين.
قال أبو حاتم: توفي ابن معين بمدينة النبي ﷺ وحمل على سرير النبي ﷺ واجتمع في جنازته خلق كثير، وإذا رجل يقول: هذه جنازة يحيى بن معين، الذاب عن رسول الله ﷺ الكذب، والناس يبكون.
كان ابن معين يكره أن يدون كلامه في الجرح والتعديل، ولم يدون هو شيئا - فيما أظن - وإنما سأله أصحابه ودونوا كلامه، منهم: عباس الدوري
стр. 433
وإبراهيم بن الجنيد، ومضر بن محمد، و (الفضل) الغلابي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ويزيد بن الهيثم. وغيرهم.
" ٢١ - أبو زرعة، ت ٢٦٤ ":
ومنهم أبو زرعة، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي. أحمد الأعلام، وحفاظ الإسلام وكان من الصلاح والعبادة والخشية بمحل عظيم.
قال أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي، لما انصرف قتيبة بن سعيد إلى الري، سألوه أن يحدثهم فامتنع وقال: أحدثكم بعد أن حضر مجالسي أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة؟ فقالوا له: فإن عندنا غلاما يسرد كل ما حدثت به مجلسا مجلسا، قم فقال أبو زرعة فسرد كل ما حدث به قتيبة، فحدثهم قتيبة.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله لهم
стр. 434
مثل أبي زرعة الرازي. وما كان الله ليترك الأرض إلا وفيها مثل أبي زرعة يعلم الناس ما جهلوه.
وقال علي بن الحسين بن الجنيد: ما رأيت أحدا أعلم بحديث مالك مسندة ومنقطعة من أبي زرعة وكذلك سائر العلوم ولكن خاصة حديث مالك قيل له:
ما في الموطأ والزيادات التي ليست في الموطأ؟ (قال نعم) . وكان أحمد يعظم أبا زرعة. وإذا جالسه ترك أحمد نوافله واشتغل عنها بمذاكرة أبي زرعة.
وروي عنه أنه قال: صح من الحديث سبعمائة ألف حديث، وهذا الفتى، يعنى أبا زرعة، يحفظ ستمائة ألف حديث.
وقال يونس بن عبد الأعلى: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، وبقاؤهما صلاح للمسلمين.
وقال ابن وارة: سمعت إسحاق بن راهويه، يقول: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي.
وحلف رجل بالطلاق في زمن أبي زرعة أن أبا زرعة يحفظ مائة ألف حديث، فسئل عن ذلك أبو زرعة، فقال: ليمسك امرأته، فإنها لم تطلق منه.
стр. 435
وقال أبو مصعب الزهري: لقيت مالك بن أنس وغيره، فما رأت عيناي مثل أبي زرعة الرازي.
وقال أبو حاتم الرازي: ما خلف أبو زرعة بعده مثله، علما وفقها وصيانة وصدقا، وهذا مما لا يرتاب فيه، ولا أعلم (بين) المشرق والمغرب من كان يفهم هذا الشأن مثله، ولقد كان من هذا الأمر بسبيل.
وقال أبو حاتم أيضا: الذي كان يعرف صحيح الحديث وسقيمه وعنده تمييز ذلك، ويحسن علل الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك.
قيل له: فغير هؤلاء تعرف اليوم أحدا؟ قال: لا.
وذكر أبو حاتم شيئا من معرفة الرجال، فقال: ذهب الذي كان يحسن هذا يعني أبا زرعة، ما بقي بمصر ولا بالعراق أحد يحسن هذا.
قال أبو حاتم: وجرى بيني وبين أبي زرعة يوما تمييز الحديث ومعرفته فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكنت أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم، قل من يفهم هذا، ما أعز هذا، إذا رفعت هذا عن واحد واثنين فما أقل ما تجد من يحسن هذا.
وقال أبو يعلى الموصلي: ما سمعنا أحدا يذكر في الحفظ إلا كان اسمه أكثر من رؤيته، إلا أبا زرعة الرازي، فإن مشاهدته كان أعظم من اسمه وكان
стр. 436
لا يرى أحدا ممن هو دونه في الحفظ أنه أعرف منه، وكان قد جمع حفظ الأبواب، والشيوخ، والتفسير، وغير ذلك.
قال يحيى بن مندة: قيل أحفظ الأمة أبو هريرة، ثم أبو زرعة الرازي.
وقيل ما ولدت حوافظ أحفظ من أبي زرعة.
قال: وبلغني بإسناد هو لي مسموع أن أبا زرعة قال: أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح وأربعة عشر ألف إسناد في التفسير والقراءات، وعشرة آلاف حديث مزورة. قيل له: ما بال المزورة تحفظ؟ قال: إذا مر بي (منها) حديث عرفته.
" ٢٢ - محمد بن إسماعيل البخاري ":
ومنهم محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، مولاهم البخاري، الإمام أبو عبد الله، صاحب الصحيح وإمام المحدثين في وقته وأستاذ هذه الصناعة، وعنه أخذها كثير من الأئمة، منهم: مسلم بن الحجاج وسماه أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، وأبو عيسى الترمذي، وقد ذكر أبو عيسى في أول كتاب العلل، أنه لم ير بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد، كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل ﵀.
وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري.
стр. 437
ولما سأل مسلم البخاري عن حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة في كفارة المجلس، فبين له علته، قال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك.
وروى عن محمد بن الأزهر السجزي قال: كنت بالبصرة في مجلس سليمان بن حرب والبخاري جالس لا يكتب، فقلت: ما لأبي عبد الله لا يكتب؟ قال: يرجع إلى بخارى فيكتب من حفظه.
وقال محمد بن حمدويه سمعت البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأعرف مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال أحمد بن حمدون: رأيت البخاري ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكنى والعلل، ومحمد بن إسماعيل يمر فيه مثل السهم، كأنه يقرأ (قل هو الله أحد) .
وقال عبد الله الدارمي، قد رأيت العلماء بالحجاز والعراق فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل.
وقال ابن المديني في البخاري: ما رأى مثل نفسه.
وقال الفلاس: حديث ليس يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث، وسئل صالح بن محمد الحافظ عن البخاري وأبي زرعة، فقال: أعلمهم بالحديث البخاري وأبو زرعة أحفظهم وأكثرهم حديثا.
стр. 438
وعن أبي حاتم الرازي، قال: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق.
وقال علي بن حجر: أخرجت خراسان ثلاثة: أبا زرعة بالري، ومحمد بن إسماعيل ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل - عندي - أبصرهم وأعلمهم وأفقههم.
وعن إسحاق بن راهويه، قال: لو كان محمد بن إسماعيل في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج الناس إليه، لمعرفته بالحديث وفقهه.
وفضائل البخاري كثيرة جدا، وامتحن في آخر عمره بمسألة اللفظ بالقرآن، فإنه قال: أفعال العباد مخلوقة، فنسبه محمد بن يحيى الذهلي إلى القول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق، وأمر بهجره وضيق عليه فخرج البخاري من نيسابور إلى بخارى، فكتب محمد بن يحيى إلى والي بخارى في أخره فنفاه من بخارى فتوفي بقرية من قراها.
وقد روي عنه أنه قال: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقل هذه المقالة، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.
وروى عنه أنه قال: هذه مسألة مشؤومة، يعني مسألة اللفظ، رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، جعلت على نفسي ألا أتكلم فيها.
وللبخاري تصانيف كثيرة، وقد سبق الناس إلى تصنيف الصحيح والتاريخ، والناس بعده تبع له في هذين الكتابين. إذ كل من صنف في هذين العلمين يحتاج إلى كتابه، وقد كان أبو أحمد الحاكم يعيب من صنف فيهما.
стр. 439
بعده، ويزعم أنهم إنما أخذوا كتابي البخاري، ولا ريب أنهم استعانوا بهما، وزادوا عليهما، والله يغفر لنا ولهم أجمعين آمين.
" ٢٣ - عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ ":
ومنهم عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد السمرقندي الدارمي. يكنى أبا محمد، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين والعلماء العاملين، وقد صنف المسند والجامع التفسير، وامتحن في مسألة القرآن فلم يجب. (وألح عليه السلطان في قضاء سمرقند فتقلده وقضى قضية واحدة ثم استعفى) . فأعفي، وكان الإمام أحمد (إذا ذكره) قال: ذاك السيد عرض على الكفر فلم يقبل، وعرضت عليه الدنيا فلم يقبل.
وقال أحمد: هو إمام.
وقال محمد بن بشار بندار: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. قال بندار: وهم غلماني خروجا من تحت كرسي.
وروي عن الإمام أحمد قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان أبي زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، والحسن بن شجاع البلخي: ثم قال: أبو زرعة أحفظهم، والبخاري أعرفهم، وابن شجاع أجمعهم للأبواب، والسمرقندي أتقنهم.
стр. 440
ذكره يحيى بن مندة بإسناده.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع.
وعن أبي حاتم الرازي، قال: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من خراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أتقنهم.
وعنه قال: عبد الله بن عبد الرحمن إمام أهل زمانه.
وعن رجاء بن المرجا، قال: رأيت أحمد وإسحاق وابن المديني والشاذكوني، فما رأيت أحفظ من عبد الله، يعني الدارمي.
وعن رجاء أيضا قال: ما رأيت أحدا أعلم بحديث النبي ﷺ من عبد الله بن عبد الرحمن.
وعن أبي حامد بن الشرقي، قال: إنما أخرجت خراسان من الأئمة الحديث خمسة رجال:
стр. 441
محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وقال ابن حبان: كان عبد الله بن عبد الرحمن بن الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع وتفقه، وصنف، وحدث، وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها، وذب عن حريمها، وقمع من خالفها.
وقال محمد بن منصور الشيرازي: كان عبد الله بن عبد الرحمن على غاية من العقل الديانة ممن يضرب به المثل في الحلم والرواية، والحفظ، والعبادة، والزهادة. أظهر علم (الحديث) والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب، وكان مفسرا كاملا، وفقيها عالما ﵀.
" صيغ الأداء "
قال أبو عيسى - رحمه الله تعالى -:
والقراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يقرأ عليه، أو يمسك أصله فيما يقرأ عليه إذا لم يحفظ، وهو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع. حدثنا حسين بن مهدي البصري (ثنا) عبد الرزاق (نا) ابن جريج قال:
قرأت على عطاء بن أبي رباح: فقلت له: كيف أقول؟
قال: قل:
حدثنا سويد بن نصر، (أنا) علي بن الحسين بن واقد، عن أبي عصمة،
стр. 442
عن يزيد النحوي، عن عكرمة، أن نفرا قدموا على ابن عباس، من أهل الطائفن بكتب من كبته، فجعل يقرأ عليهم فيقدم ويؤخر، فقال:
إني بليت بهذه المصيبة، فاقرأوا علي، فإن إقراري بها كقراءتي عليكم. حدثنا سويد بن نصر، (أنا) علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن منصور بن المعتمر. قال:
إذا ناول الرجل كتابه آخر فقال: أرو هذا عني فله أن يرويه.
قال أبو عيسى:
وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: سألت أبا عاصم النبيل عن: حديث، قال: اقرأ علي. فأحببت أن يقرأ هو، فقال: أنت لا تجيز القراءة.
وكان سفيان الثوري ومالك بن أنس يجيزان القراءة.
حدثنا أحمد بن الحسين، (ثنا) يحيى بن سليمان الجعفي المصري، قال: قال عبد الله بن وهب: ما قلت (ثنا) فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت: حدثني، فهو ما سمعت وحدي. وما قلت: (أنا) ، فهو ما قرئ على العالم، وأنا شاهد. وما قلت: أخبرني، فهو ما قرأت على العلم، يعني أنا وحدي.
سمعت أبا موسى، محمد بن المثنى، يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول:
(ثنا) و (أنا) واحد:
قال أبو عيسى:
وكنا عند أبي مصعب المديني فقرئ عليه بعض حديثه فلما فرغ منه، قلت: كيف نقول: قال: قل (ثنا) أبو مصعب.
стр. 443
" أنواع التحمل "
قال أبو عيسى:
وقد أجاز بعض أهل العلم الإجازة، وإذا أجاز العالم (لأحد أن يروي عنه) شيئا من حديثه، فله أن يروي عنه.
حدثنا محمود بن غيلان، (أنا) وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز عن بشير بن نهيك، قال: كتبت كتابا عن أبي هريرة، فقلت: ارويه عنه؟
قال: نعم.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الواسطي، (ثنا) محمد بن الحسن الواسطي، عن عوف الأعرابي.
قال: قال رجل للحسن: عندي بعض حديثك. ارويه عنك؟
قال: نعم.
قال أبو عيسى:
ومحمد بن الحسن الواسطي إنما يعرف بمحبوب بن الحسن وقد حدث عنه غير واحد من الأئمة.
حدثنا الجارود، (ثنا) أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر، قال:
أتيت الزهري بكتاب، فقلت: هذا من حديثك، ارويه عنك؟ قال: نعم.
حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله عن يحيى بن سعيد قال:
стр. 444
وجاء ابن جريج إلى هشام بن عروة بكتاب، فقال: هذا حديثك أرويه عنك؟ ز
قال: نعم.
قال يحيى: فقلت في نفسي: لا أدري أيهما أعجب أمرا؟.
قال علي: سألت يحيى عن حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف. فقلت: انه يقول: أخبرني. قال: لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه.
ذكر الترمذي ﵀ ههنا مسائل من مسائل تحمل الحديث وروايته:
" المسألة الأولى: مسألة العرض "
وهو القراءة على العالم، وقد (ذكر) انه صحيح عند أهل الحديث مثل السماع من لفظ العالم، وهذا يشعر بحكاية الإجماع على ذلك، وقد ذكر جوازه عن عطاء وسفيان (الثوري) ومالك، وابن وهب.
وأما الأثر الذي أسنده عن ابن عباس فلا يصح.
وأبو عصمة في إسناده هو نوح بن أبي مريم.
وقد خرجه عبد الغني بن سعيد في كتاب "أدب المحدث والمحدث" من
стр. 445
طريق نعيم بن حماد (ثنا) نوح بن أبي مريم. عن يزيد النحوي به، فذكره. وخرج أيضا من طريق نعيم بن حماد (ثنا) نوح بن أبي مريم عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن علي: قال: القراءة على العالم والسماع منه بمنزلة.
ونوح بن أبي مريم مشهور بالكذب ووضح الحديث.
وخرج أبو بكر الخطيب من طريق سلم بن سالم، عن نوح بن أبي مريم به. وخرج أيضا حديث ابن عباس من طريق الحسين بن الحسن الأشقر، عن سلم بن سالم عن زياد بن أبي مريم. (عن يزيد النحوي به، ثم قال:
هكذا قال عن زياد بن أبي مريم) . والصواب: نوح بن أبي مريم.
وخرج الخطيب أيضا من طريق أبي مقاتل السمرقندي، عن سفيان عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علي، قال:
القراءة على العالم أصح من قراءة العالم، بعدما أقر أنه حديثه.
وهذا أيضا كذب على سفيان. وأبو مقاتل قد تقدم انه متهم بالكذب.
وخرج الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل" من طريق محمد بن
стр. 446
منصور الجواز، عن يحيى بن سليم، عن ابن جريج عن عكرمة، عن ابن عباس. انه قال:
اقرأوا علي، فإن قراءتكم علي كقراءتي عليكم.
ويحيى بن سليم تركه أحمد، ولعل ابن جريج دلسه عن غير ثقة.
وخرج الخطيب من طريق إسحاق بن الضيف، عن إبراهيم بن الحكم، حدثني أبي عن عكرمة، قال: قال ابن عباس:
اقرأوا علي فإن قراءتكم علي كقراءتي عليكم.
وإبراهيم بن الحكم ضعيف.
ورواه أيضا حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف، عن (الحكم بن) أبان بنحو سياق أبي عصمة، نوح بن أبي مريم خرجه البيهقي من طريقه ولا يصح هذا.
стр. 447
وخرج الرامهرمزي هذا الحديث من طريق إسحاق بن عيسى (ثنا) محمد بن حصين الواسطي.
قال: وقال في موضع آخر (ثناه) محمد بن يزيد الواسطي (ثنا) عون، فذكره.
قلت: ولا يصح هذا عن علي، ولا عن ابن عباس، وقد روي عن أبي هريرة من طريق علي بن (معبد) ، (ثنا) شعيب بن إسحاق الدمشقي عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة - إن شاء الله - عن بشير بن نهيك، قال: كنت آتي أبا هريرة فآخذ منه الكتب، فأنسخها، ثم أقرأها عليها، فأقول هذا سمعته منك؟ فيقول: نعم.
هذا إسناد مشكوك فيه. والصحيح عن بشير نهيك خلاف هذا اللفظ وسنذكره، وقد روي عن طائفة من التابعين، ومن بعدهم.
قال مروان بن معاوية، عن عاصم الأحول. قرأت على الشعبي: (أحاديث فأجازها لي) . وروى أيضا عن مروان عن إسماعيل عن الشعبي مثله. وروى أبو حمة (ثنا) عبد الرزاق (أنا) معمر عن أيوب عن ابن سيرين أنه
стр. 448
كان يجيز للعرض وروى داود بن عطاء المديني وفيه ضعف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
عرض الكتاب والحديث سواء.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه مثله.
وروى حنبل بن إسحاق والأثرم، قالا: (ثنا) أبو عبد الله، (ثنا) محمد بن الحسن الواسطي، (ثنا) عوف. أن رجلا قال للحسن: معي أحاديث، فإن لم تكن ترى بالقراءة بأسا قرأت عليك.
قال: ما أبالي قرأت عليك، أو قرأت علي، وأخبرتك أنه حديثي أو حديثك به.
قال: يا أبا سعيد، فأقول: حدثني الحسن؟ قال: نعم.
ورواه يحيى بن معين عن محمد بن الحسن الواسطي أيضا.
وخرجه البخاري في صحيحه عن محمد بن سلام، (ثنا) محمد بن الحسن الواسطي عن عوف، عن الحسن، قال:
لا بأس بالقرأة على العالم.
стр. 449
ومحمد بن الحسن الواسطي، هو الذي ذكره الترمذي ههنا أنه يقال له: محبوب. وقد قال ابن معين: لا بأس به وخرج له البخاري في صحيحه وضعفه النسائي. وهذا يخالف اللفظ الذي خرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل، وهو الحساني، وقد رواه محمد بن مخلد العطار عن الحساني كما رواه عنه الترمذي، إلا أن لفظه:
قال رجل للحسن: إن عندي كتابا من علمك، فأرويه عنك؟ قال: نعم.
وفي روايته أن محمد بن الحسن هو المزني، والمزني كان قاضي واسط، ليس محبوبا بصري، ليس بواسطي.
وخرج الرامهرمزي هذا الحديث من طريق إسحاق بن عيسى، (ثنا) محمد بن الحسين الواسطي.
قال: وقال في موضع آخر (ثنا) محمد بن يزيد الواسطي، (ثنا) عوف، فذكره.
قلت: ما كان إسحاق حفظ نسب هذا الرجل.
стр. 450
" من روى عنه الرخصة في العرض من التابعين "
وممن روى عنه الرخصة في العرض من التابعين ومن بعدهم مكحول، والزهري، وأيوب السختياني، ومنصور بن المعتمر، وشريك، وهو قول الثوري، والأوزاعي، ومالك، مسعر، وأبي حنيفة، والليث بن سعد وابن عيينة والشافعي وأحمد وغيرهم من أهل العلم. وكان شعبة يبالغ، فيقول: القراءة عند أثبت من السماع، ووافقه على ذلك يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي.
وروي نحوه عن ابن أبي ذئب، وأبي حنيفة، ومالك، والليث، والثوري. وهو قول أبي حاتم، وأبي عبيد.
وقال إسحاق بن هانئ: كنت أقرأ على أبي عبد الله، يعني أحمد، الحديث وأنا أنظر في كتابه، هو ينظر معي. فقال لي: هذا أحب إلي من أن أقرأ أنا عليك.
قلت له: أقول: حدثني؟ قال: قل إن شئت، لكن (أحب إلي) أن تصدق، تقول: قرأت.
" من كره العرض "
وكره طائفة العرض، منهم وكيع، ومحمد بن سلام، وأبو مسهر، وأبو عاصم. وحكى ذلك عن أهل العراق جملة. وكان مالك ينكره عليهم.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قال: لا يحل للرجل أن يروي الحديث إلا إذا سمعه من فم المحدث، فيحفظه، ثم يحدث به.
стр. 451
واستدل البخاري وغيره على صحة العرض بحديث ضمام بن ثعلبة.
وقد ذكر الترمذي ذلك عند تخريجه لحديث، في أول كتاب الزكاة.
واستدل مالك وغيره بعرض القرآن على القارئ، وبقراءة الصحيفة بالدين على من عليه الحق فيقر بها فيشهد عليه وقد اشترط الترمذي لصحة العرض على العالم أن يكون العالم حافظا لما يعرض عليه، ويمسك أصله بيده عند العرض عليه إذا لم يكن حافظا. ومفهوم كلامه انه إذا لم يكن المعروض عليه حافظا، ولا أمسك أصله انه لا تجوز الرواية عنه بذلك العرض.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس بالقراءة إذا كان رجل يعرف ويفهم ويبين ذلك.
قال سعيد بن مروان البغدادي: سمعت يحيى بن إسماعيل الواسطي يقول: القراءة على مالك بن أنس (مثل) السماع من غيره.
стр. 452
" الرواية عن الضرير والأمي إذا لم يحفظا "
وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فانه لا تجوز الرواية عنهما، ولا تلقينهما، ولا القراءة عليهما من كتاب، وقد نص على ذلك أحمد في رواية عبد الله في الضرير والأمي، لا يجوز أن حدثا إلا بما يحفظان.
وقال كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى انه لا يحفظه يقول: في كتابي كذا وكذا، ولا يقول: (ثنا) ولا سمعت.
وكذلك قال يحيى بن معين في الضرير والأمي، نقله عنه عبد الله بن أحمد وعباس الدوري.
وقال أبو خيثمة: كان يعاب على يزيد بن هارون انه كان بعدما أضر يأمر من يلقنه حديثه من كتابه ويتحفظه.
وأنكر طائفة على من كان يكتب من كتاب (موسى بن) عبيدة الربذي ثم يقرؤها (عليه) وكان أعمى.
وذكر ابن المديني عن أبي معاوية الضرير انه قال: ما سمعته من الشيخ وحفظته عنه قلت: حدثنا وما قرئ علي من الكتب، قلت: ذكر فلان.
وكان عبد الرزاق يتلقن ممن يثق به، (كما كان يزيد بن هارون يفعله، وعلى قول هؤلاء يجوز العرض على الشيخ وان كان ضريرا لا يحفظ، أو أميا لا كتاب بيده إذا كان العرض ممن يوثق به) .
стр. 453
وقد رخص ابن معين في السماع ممن يتلقن إذا كان يعرف حديثه ويعرف ما يدخل عليه، فإن لم يعرف ما يدخل عليه فانه كرهه.
وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام:
حافظ متقن يحدث من حفظه، فهذا لا كلام فيه.
وحافظ نسي، فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب، فرجع إليه حفظه الذي كان نسيه وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ.
وكان شعبة أحيانا يتذكر حديثه من كتاب.
ومن لا يحفظ شيئا، وإنما يعتمد على مجرد التلقين، فهذا هو الذي منع أحمد ويحيى بن الأخذ عنه.
" حكم التحديث من الكتاب إذا كان المحدث لا يحفظ ما فيه "
واختلف العلماء أيضا في التحديث من الكتاب إذا كان المحدث لا يحفظ ما فيه، وهو ثقة:
فقال مالك: لا يؤخذ العلم عمن هذه الصفة صفته، لأني أخاف أن يزاد في كتبه بالليل.
وحكي أيضا عن أبي حنيفة ﵀:
وعلى قول هؤلاء فلا يجوز العرض على من لا يحفظ، وان أمسك الكتاب، كما لا يجوز له أن حدث من الكتاب ولا يحفظ، وأولى.
وهكذا اشترط عثمان بن أبي شيبة في العرض أن يكون العالم يعرف ما يقرأ عليه.
стр. 454
ورخص طائفة في التحديث من الكتاب لمن لا يحفظ، منهم: مروان بن محمد، وابن عيينة، وابن مهدي، ويحيى بن معين وغيرهم.
وهذا إذا كان الخط معروفا موثوقا به، والكتاب محفوظا عنده.
فإن غاب عنه كتابه ثم رجع إليه، فكان كثير منهم يتوقى الرواية منه خشية أن يكون غير فيه شيء. منهم ابن مهدي وابن المبارك والأنصاري.
ورخص فيه بعضهم، منهم: يحيى بن سعيد.
وقال أحمد في رجل يكون له السماع مع الرجل، أله أن يأخذ بعد سنين؟
قال: لا بأس به إذا عرف الخط.
قال أبو بكر الخطيب: إنما يجوز هذا إذا لم ير فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان، أو تبديل وسكنت نفسه إلى سلامته.
قال: وعلى ذلك يحمل كلام يحيى بن سعيد.
قلت: وكذا إن كان له فهم ومعرفة بالحديث، وإن لم يحفظه.
وقد قال أبو زرعة: لما رد عليه كتابه، ورأى فيه تغييرا أنا أحفظ هذا، ولو لم أحفظه لم يكن يخفى علي.
وقد قال أحمد في الكتاب قد طال على الإنسان عهده، لا يعرف بعض حروفه فيخبره بعض أصحابه، ما ترى في ذاك؟ قال: إذا كان يعلم أنه كما في الكتاب فليس به بأس، نقله عنه ابن هانئ.
واختلفوا في المحدث الذي لا يحفظ إذا حدث من كتاب غيره.
стр. 455
فرخص طائفة فيه إذا وثق بالخط، منهم ابن جريج. وهو اختيار الإسماعيلي.
وقال أحمد: ينبغي للناس أن يتقوا هذا.
وكان يحيى بن سعيد يعيب قوما يفعلونه.
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله، قال: ما بالكوفة مثل هناد بن السري، وهو شيخهم، فقيل له: هو يحدث من كتاب وراقه.
فجعل يسترجع ثم قال: إن كان هكذا لم يكتب عن هناد شيء.
هذا كله إذا قرأ القارئ على العالم وليس معه أحد، فإن كان معه أحد يسمع معه:
فقالت طائفة: لا بد لمن يسمع معه أن ينظر في نسخته، وإلا فلا يصخ سماعه، منهم ابن وارة وغيره. وكذا قالوا في المحدث إذا قرأ عليهم من كتابه، ولم ينظروا فيه، ثم نسخوا من الكتاب من غير نظر ولا حفظ. وكذا إذا أملى المحدث، فكتب عنه بعضهم، ثم نسخ الباقون من كتابه من غير حفظ.
وذكر أحمد عن عبد الرزاق أن سفيان لما قدم اليمن جاؤوا بمن يكتب، وكانوا ينظرون في الكتاب فإذا فرغ ختموا الكتاب حتى ينسخوه.
وروى ابن عدي بإسناده عن معمر، قال:
اجتمعت أنا وشعبة والثوري وابن جريج، فقدم علينا شيخ فأملى علينا أربعة آلاف حديث من ظهر قلب. فإذا جن الليل ختمنا الكتاب، فوضعناه تحت رؤوسنا. وكان الكاتب شعبة، ونحن ننظر في الكتاب.
وذكر الخلال عن علي بن عبد الصمد المكي، قال: قلت لأحمد بن حنبل
стр. 456
ونحن في مجلس نسمع فيه الحديث، وأنا لا أنظر في النسخة: يا أبا عبد الله يجزيني أن لا أنظر في النسخة فأقول: (ثنا) مثل الصك إذا لم ينظر فيه ويشهد. قال لي:
لو نظرت في الكتاب كان أطيب لنفسك.
وذكر ابن معين عن ابن أبي ذئب أنه كان يقرأ عليهم كتابا ثم يلقيه إليهم فيكتبونه، ولم ينظروا في الكتاب.
وروي عن مالك ما يدل عليه.
ورخص في ذلك أكثر المتأخرين إذا كان صاحب الكتاب مأمونا في نفسه موثوقا بضبطه.
وروى أحمد بن حرب الموصلي، عن زيد بن أبي الزرقاء، (ثنا) سفيان الثوري في القوم يكونون جميعا، فيأتون الرجل ومعهم حديث من حديثه في كتاب، ويكون الكتاب مع بعضهم، وهو عندهم ثقة وهم أكثر (من) أن يستطيعوا أن ينظروا فيه جميعا، هل يدخل عليهم أن يصدقوا صاحبهم في مسائله؟.
قال: لا، إنما بمنزلة الشهادة.
خرجه الرامهرمزي، وحمله على أن مراد سفيان الرخصة في ذلك كما (يقرأ) الصك على المشهود عليه بالدين فيقربه فيشهد عليه من سمعه.
وكلام أحمد يدل على مثل ذلك أيضا إلا أنه استحب للسامع أن ينظر في الكتاب لتطيب نفسه.
стр. 457
المسألة الثانية: فيما يقول من عرض الحديث إذا حدث به
وقد ذكر الترمذي بإسناده عن عطاء أنه أجاز أن يقول: (ثنا) .
وذكره أيضا عن أبي مصعب صاحب مالك.
وعن يحيى نب القطان أنه قال: (ثنا) و (أنا) واحد.
وسئل محمد بن نصر المروزي ما الفرق بين (ثنا) و (أنا) ؟ قال: سواء، الخلق.
وروى محمد بن سعيد بن الأصبهاني عن شريك مثل ذلك.
وذكر الترمذي أيضا عن ابن وهب أنه كان لا يقول: (ثنا) إلا فيما سمع من لفظ العالم مع الناس، فإذا قرئ على العالم وهو شاهد، قال: (أنا) ، وإن سمع وحده قال: حدثني، وإن قرأ وحده قال: أخبرني.
والقول الأول: وهو الرخصة في أن يقول من عرض على العالم (ثنا) وهو مروي عن الحسن والزهري ومنصور والثوري ومالك وابن جريج وأبي حنيفة.
ورواه محمد بن كثير عن الأوزاعي. وروي أيضا عن يحيى بن سعيد القطان. وقد تقدم مثله عن أحمد إلا أنه استحب أن يقول: قرأت.
وقال أحمد أيضا: (ثنا) و (أنا) واحد. نقله عنه سلمة بن (شبيب)
стр. 458
وغيره وكذلك قال يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وأبو عاصم النبيل ووهب بن جرير وابن عيينة، وأبو الوليد، وإسحاق بن إبراهيم، وروي عن مالك وسفيان أيضا (وقد جمع الطحاوي في التسوية بينهما جزءا) .
وأما القول الثاني: وهو أن يقول في العرض (أنا) وفي السماع (ثنا) فهو محكي عن طائفة من العلماء منهم النسائي وقبله يونس بن عبد الأعلى.
وحكاه بعضهم عن أكثر أصحاب الحديث، وهو مأثور عن ابن جريج.
قال يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقا، إذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرنا أو أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح، يعني أنه لم يسمعه ولم يقرأه.
وروي عن الأوزاعي أنه أمر في الرواية عنه بذلك، وكذا نقله الربيع عن الشافعي وذكر أبو داود في مسائله، قال: قيل لأحمد كان "أخبرنا" أسهل من "حدثنا"؟ قال: نعم. هو أسهل. (ثنا) شديد.
وقال عوف: إذا قرأ العالم على العالم، فقال: حدثني فهي كذيبة.
وكذلك روي عن حماد بن زيد أنه منع في العرض أن يقول: (ثنا) .
وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ابن المبارك يقول: قرأت على ابن جريج، ولا يقول (أنا) .
стр. 459
وقال أحمد في رواية أبي داود: يعجبني أن يقول كما فعل، يقول: قرأت.
وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: إذا سمعت من المحدث، فقل: (ثنا) ، وإذا قرأت عليه فقل: قرأت، وإذا قرئ عليه فقل: قرئ عليه. قال: وأحب إلى أن يبين كما كان.
ولكن هذا محمول على الاستحباب كما تقدم ذلك صريحا عنه.
ومن أصحابنا من حمله الوجوب.
وقال أبو القاسم البغوي: كان أحمد لا يرى في العرض والإجازة (أنا) ولا (ثنا) إما رأيه أن يبين (الراوي) كما كان. وقرأ رجل على شريك، ثم سأله، فقال: أقول: (ثنا) شريك؟.
فقال: إذن تكذب.
وقال يحيى بن سعيد: ينبغي أن يحدث الرجل كما سمع، فإن سمع يقول: (ثنا) ، وإن عرض يقول: عرضت، وإن كان إجازة يقول: أجازني.
وقال محمد بن كثير: سألت الأوزاعي عن الرجل يقرأ على الرجل الحديث، يقول: (ثنا) ؟.
قال: لا، يقول كما صنع (يقول) : قرأت.
стр. 460
(وقال ابن معين: أرى إذا قرأ الرجل على الرجل أن يقول: قرأت) على فلان، ولا يقول: (ثنا) ، وإذا قرئ على الرجل وهو شاهد فليقل قرئ على فلان وأنا شاهد، يقول كما كان.
وقال أحمد بن صالح المصري فيمن قرأ على العالم، يقول: قرأت (قيل له: فإن قال: (ثنا) ؟ قال: لا ينبغي له أن يقول إلا كما قرأ، فإن قال: حدثنا فلم يكذب.
قيل له: فإن قال: (أنا) وأنبأنا؟ قال: هو دون (ثنا) .
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: تقول: قرأت على فلان، ولا تقول: حدثني.
وقال شعبة: أحب إلي أن يبين.
قال نعيم بن حماد: ما رأيت ابن المبارك يقول قط: (ثنا) ، وكأنه يرى (أنا) أوسع.
" التفريق بين حدثني وحدثنا، وأخبرني وأخبرنا "
وأما تفريق ابن وهب بين أن يكون سماعه أو عرضه وحده، أو مع غيره، فيقول إذا كان وحده. حدثني، أو أخبرني، وإذا كان مع غيره (يقول) (ثنا) أو أخبرنا.
فهذا محمول على الاستحباب، دون الوجوب.
следующие страницы →