← История

История · id 95543

الموسوعة التاريخية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 398 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وفاة أبي حيان صاحب التفسير . العام الهجري: ٧٤٥ الشهر القمري: ربيع الأول العام الميلادي: ١٣٤٤ تفاصيل الحدث: الشيخ أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي المغربي المالكي ثم الشافعي، مولده بغرناطة في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، وقرأ القرآن بالروايات، واشتغل وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية وإسكندرية والقاهرة والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق، واجتهد في طلب العلم، حتى برع في النحو والتصريف وصار فيهما إمام عصره، وشارك في علوم كثيرة، وكان له اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم خصوصاً المغاربة؛ وهو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك، ورغبهم في قراءتها، وشرح لهم غوامضها، ومن أشهر مصنفاته البحر المحيط وهو تفسيره للقرآن، ثم اختصره وسماه النهر وله كتاب في التراجم اسمه مجاني العصر، وله تحفة الأريب في غريب القرآن وله طبقات نحاة الأندلس، توفي في القاهرة عن ٩١ عاما. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2837

مطر وثلج لم يعهد مثله أهلك الزرع والحرث بدمشق . العام الهجري: ٧٤٥ الشهر القمري: رمضان العام الميلادي: ١٣٤٥ تفاصيل الحدث: كثر سقوط الثلج بدمشق حتى خرج عن العادة، وأنفقوا على إزالته من الأسطحة ما ينيف على ثمانين ألف درهم، فإنه أقام يسقط أسبوعين، وفي هذه السنة تواتر سقوط البرد بأرض مصر، مع ريح سوداء، وشعث عظيم، وبرق ورعد سهول، ثم أعقب ذلك عام شديد الحر، بحيث تطاير منها شرر أحرق رءوس الأشجار، وزريعة الباذنجان وبعض الكتان، حتى اشتد خوف الناس، وضجوا إلى الله تعالى، وجاء مطر غزير، ثم برد فيه يبس لم يعهد مثله، فكانت أراضي النواحي تصبح بيضاء من كثرة الجليد، وهلك من شدة البرد جماعة من بلاد الصعيد وغيرها، وأمطرت السماء خمسة أيام متوالية حتى ارتفع الماء في مزارع القصب قدر ذراع، وعم ذلك أرض مصر قبليها وبحريها، ففسدت بالريح والمطر مواضع كثيرة، وقلت أسماك بحيرة نستراوة وبحيرة دمياط، والخلجان وبركة الفيل وغيرها، لموتها من البرد، فتلفت في هذه السنة بعامة أرض مصر وجميع بلاد الشام بالأمطار والثلوج والبرد، وهبوب السمائم وشدة البرد، من الزروع والأشجار، والبائهم والأنعام والدور، ما لا يدخل تحت حصر، مع ما ابتلي به أهل الشام من تجريد عساكرها وتسخير أهل الضياع وتسلط العربان والعشير، وقلة حرمة السلطنة مصراً وشاماً، وقطع الأرزاق وظلم الرعية. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2838

إندونيسيا (الشرق الأقصى) اعتنق أهل سومطرة الإسلام وتولى الملك عليهم مسلم . العام الهجري: ٧٤٦ العام الميلادي: ١٣٤٥ تفاصيل الحدث: ليس هذا التاريخ هو تاريخ دخول الإسلام إلى هذه الجزيرة بل هو قبل ولكن لا يمكن تحديد التاريخ بدقة ولكن ذكرناه هنا في تاريخ هذه السنة لنذكر مشاهدة الرحالة ابن بطوطة لهذه الجزيرة حيث قال عن مشاهدته لها وللإسلام فيها ووصف سلطانها قائلا: وهو السلطان الملك الظاهر من فضلاء الملوك شافعي المذهب محب للفقهاء يحضرون مجلسه للقراءة والمذاكرة وهو كثير الغزو والجهاد ومتواضع يأتي إلى صلاة الجمعة ماشيا على قدميه وأهل بلاده شافعية محبون للجهاد يخرجون معه تطوعا وهم غالبون على من يليهم من الكفار والكفار يعطون الجزية على الصلح، أما ماركو بولو الذي جاء إلى هذه الجزيرة قبل ابن بطوطة بأقل من خمسين سنة حيث كان فيها عام ٦٩٢هـ وقال عنها: إن جميع سكان البلاد عبدة أوثان اللهم إلا في مملكة برلاك الصغيرة الواقعة في الزاوية الشمالية الشرقية من الجزيرة حيث سكان المدن وحدهم مسلمين أما سكان المرتفعات فكلهم وثنيون أو متوحشون يأكلون لحوم البشر، ولا يعقل في أنه أقل من خمسين سنة ينتشر الإسلام في كل الجزيرة على ما وصفه ابن بطوطة، ولكن يبدو أن ماركو بولو أراد من ذلك الوصف شيئا آخر والله أعلم، ويذكر أن الإسلام دخل إلى هذه الجزر عن طريق التجار المسلمين وعن طريق رحلة كثير من السكان إلى بلاد الإسلام للتجارة وعودتهم إلى بلادهم دعاة للإسلام. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2839

وفاة السلطان الصالح إسماعيل وتولي أخيه الكامل شعبان . العام الهجري: ٧٤٦ الشهر القمري: ربيع الأول العام الميلادي: ١٣٤٥ تفاصيل الحدث: في ربيع الأول اشتد مرض الملك الصالح إسماعيل فدخل عليه زوج أمه ومدبر مملكته الأمير أرغون العلائي في عدة من الأمراء ليعهد الملك الصالح إسماعيل بالملك لأحد من إخوته - وكان أرغون العلائي المذكور غرضه عند شعبان كونه أيضاً ربيبه ابن زوجته - فعارضه في شعبان الأمير آل ملك نائب السلطنة، إلى أن اتفق المماليك والأمراء على تولية شعبان، وحضروا إلى باب القلعة واستدعوه، وألبسوه أبهة السلطنة وأركبوه بشعار الملك ومشت الأمراء بخدمته، والجاوشية تصيح بين يديه على العامة، ولما طلع إلى الإيوان وجلس على الكرسي وباسوا الأمراء له الأرض وأحضروا المصحف ليحلفوا له، فحلف هو أولاً أنه لا يؤذيهم، ثم حلفوا له بعد ذلك على العادة، ودقت البشائر بسلطنته بمصر والقاهرة، وخطب له من الغد على منابر مصر والقاهرة، وكتب بسلطنته إلى الأقطار، ثم في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر المذكور جلس الملك الكامل بدار العدل، وجدد له العهد من الخليفة بحضرة القضاة والأمراء، وخلع على الخليفة وعلى القضاة والأمراء وكانت مدة سلطنة الصالح إسماعيل ثلاث سنين وشهران وأحد عشر يوماً، وأما الملك الجديد شعبان فلقب بالملك الكامل، ودقت البشائر، ونودى بسلطنته في القاهرة ومصر، وخطب له في الغد على منابر ديار مصر، وكتب بذلك إلى الأقطار مصرا وشاما. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2840

خراب سيس بسبب ظلمهم . العام الهجري: ٧٤٦ الشهر القمري: شوال العام الميلادي: ١٣٤٦ تفاصيل الحدث: إن قاصد نائب حلب توجه إلى سيس بطلب الحمل، وقد كان تكفور كتب في الأيام الصالحية بأن بلاده خربت، فسومح بنصف الخراج، فلما وصل إليه قاصد نائب حلب جهز الحمل، وحضر كبير دولته ليحلفوه أنه ما بقى أسير من المسلمين في مملكته، كما جرت العادة في كل سنة بتحليفه على ذلك، وكان في أيديهم عدة من المسلمين أسرى، فبيت مع أصحابه قتلهم في الليلة التي تكون خلفه في صبيحتها، فقتل كل أحد أسيره في أول الليل، فما هو إلا أن مضى ثلثا الليل خرجت في الثلث الأخير من تلك الليلة ريح سوادء، معها رعد وبرق أرعب القلوب، وكان من جملة الأسرى عجوز من أهل حلب في أسر المنجنيقي، ذبحها عند المنجنيق، وهي تقول: " اللهم خذ الحق منهم " فقام المنجنيقي يشرب الخمر مع أهله بعد ذبحها، حتى غلبهم السكر وغابوا عن حسهم، فسقطت الشمعة وأحرقت ما حولها، حتى هبت الريح تطاير شرر ما احترق من البيت حتى اشتعل، بما فيه، وتعلقت النيران مما حوله حتى بلغت موضع تكفور، ففر بنفسه، واستمرت النار مدة اثني عشر يوماً، فاحترق أكثر القلعة؛ وتلف المنجنيق كله بالنار، وكان هو حصن سيس، ولم يعمل مثله واحترق المنجنيقي وأولاده الستة وزوجته، واثني عشر رجلاً من أقاربه، وخربت سيس، وهدم سورها ومساكنها، وهلك كثير من أهلها، وعجز تكفور عن بنائها. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2841

فتنة الأعراب بالصعيد . العام الهجري: ٧٤٧ الشهر القمري: ربيع الثاني العام الميلادي: ١٣٤٦ تفاصيل الحدث: اشتد فساد العربان بالصعيد والفيوم والإطفيحية، فأخرج الأمير غرلو إلى إطفيح فأمن غرلو شيخ العربان مغنى، وأخذ في التحيل على نمي حتى قبض عليه، وسلمه لمغنى، فعذبه عذاباً شديداً، فثارت أصحابه، وكبسوا الحي وتلك النواحي، وكسروا عرب المغنى، قتلوا منهم ثلاثمائة رجل وستين امرأة، وذبحوا الأطفال، ونهبوا الأجران وهدموا البيوت، ولحقوا بعربان الصعيد والفيوم فكانت عدة من قتل منهم في هذه السنة نحو الألفي إنسان، لم يفكر أحد في أمرهم، ولا فيما أفسدوه. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2842

خروج يلبغا اليحياوي نائب دمشق عن طاعة السلطان وتحريضه بقية النواب على خلعه . العام الهجري: ٧٤٧ الشهر القمري: جمادى الأولى العام الميلادي: ١٣٤٦ تفاصيل الحدث: انشغل السلطان بملذاته وملاهيه وأعرض عن تدبير الأمور، فتمردت المماليك، وأخذوا حرم الناس، وقطعوا الطريق، وفسدت عدة من الجواري، وكثرت الفتن بسبب ذلك حتى بلغ السلطان، فلم يعبأ بهذا، وقال: " خلوا كل أحد يعمل ما يريد "، وقد تظاهر الناس بكل قبيح، فاشتد الأمر على الناس بديار مصر وبلاد الشام، وكثر دعاؤهم لماهم فيه من السخر والمغارم، وتنكرت قلوب الأمراء، وكثرت الإشاعة بتنكر السلطان على الأمير يلبغا اليحياوي نائب الشام، وأنه يريد مسكه حتى بلغه ذلك فاحترز على نفسه وبلغ الأمير يلبغا اليحياوي قتل يوسف أخي السلطان، وقوة عزم السلطان على سفر الحجاز موافق لأغراض نسائه، فجمع أمراء دمشق، وحلفهم على القيام معه، وبرز إلى ظاهر دمشق في نصف جمادى الأولى وأقام هناك وحضر إليه الأمير طرنطاي البشمقدار نائب حمص، والأمير أراق الفتاح نائب صفد، والأمير أستدمر نائب حماة، والأمير بيدمر البدري نائب طرابلس، فاجتمعوا جميعاً ظاهر دمشق مع عسكرها، وكتبوا بخلع الملك الكامل، وظاهروا بالخروج عن طاعته، وكتب الأمير يلبغا اليحياوي نائب الشام إلى السلطان: " إني أحد الأوصياء عليك، وإن مما قاله الشهيد ﵀ لي وللأمراء في وصيته، إذا أقمتم أحداً من أولادي ولم ترتضوا سيرته جروه برجله، وأخرجوه، وأقيموا غيره، وأنت أفسدت المملكة، وأفقرت الأمراء والأجناد، وقتلت أخاك، وقبضت على أكابر أمراء السلطان الشهيد، واشتغلت عن الملك، والتهيت بالنساء وشرب الخمر: وصرت تبيع أخبار الأجناد بالفضة " وذكر الأمير يلبغا اليحياوي له أموراً فاحشة عملها، فقدم كتابه في يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى، فلما قرأه السلطان الكامل تغير تغيراً زائداً، وكتب الكامل الجواب يتضمن التلطف في القول، وأخرج الأمير منجك على البريد إلى الأمير يلبغا اليحياوي في ثاني عشريه، ليرجعه عما عزم عليه، فكثرت القالة بين الناس بخروج نائب الشام عن الطاعة حتى بلغ الأمراء، والمماليك، فطلب الأمراء إلى القلعة، وأخذ رأيهم، فوقع الاتفاق على خروج العسكر إلى الشام مع الأمير أرقطاي، وقدم كتاب نائب الشام أيضاً - وفيه خط أمير مسعود بن خطير، وأمير علي بن قراسنقر، وقلاوون، وحسام الدين البقشمدار - يتضمن: " أنك لا تصلح للملك، وأنك أنما أخذته بالغلبة من غير رضى الأمراء "، وعدد ما فعله، ثم قال: " ونحن ما بقينا نصلح لك، وأنت فما تصلح لنا، والمصلحة أن تعزل نفسك "، فاستدعى السلطان الكامل الأمراء، وحلفهم على طاعته، ثم أمرهم بالسفر إلى الشام، فخرجوا من الغد، ثم إن منجك ساعة وصوله دمشق قبض عليه يلبغا اليحياوي نائب الشام، وسجنه بالقلعة، فبعث السلطان الطواشي سرور الزينى لإحضار أخويه أمير حاجي وأمير حسين؛ فاعتذر بوعكهما، وبعثت أمهاتهما إلى الأمير أرغون العلائي والأمير الحجازي يسالأنهما في التلطف مع السلطان في أمرهما، ثم عرف الأمير أرغون العلائي والأمير ملكتمر الحجازي بما جرى للسلطان من تخوفه منهما فتوحش خاطر كل منهما، وانقطع العلائي عن الخدمة وتعلل، وأخذت المماليك أيضاً في التنكر على السلطان، وكاتب بعضهم الأمير يبلغا اليحياوي نائب الشام، واتفقوا بأجمعهم حتى اشتهر أمرهم وتحدثت به العامة؛ ووافقهم الأمير قراسنقر. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2843

خلع السلطان الكامل شعبان وقتله وتولية أخيه المظفر حاجي . العام الهجري: ٧٤٧ الشهر القمري: جمادى الآخرة العام الميلادي: ١٣٤٦ تفاصيل الحدث: إن الأمراء كلهم تنكروا للسلطان الكامل شعبان لما ظهر منه من أمور استوجبت بغضهم له، فألح السلطان في طلب أخويه المسجونيين حسن وحاجي، ثم حصلت بذلك فتنة وآلت إلى الحرب بين الأمراء، وطلب السلطان الأمير أرغون العلائي واستشاره، فأشار عليه بأن يركب بنفسه إليهم، فركب ومعه الأمير أرغون العلائي وقطلوبغا الكركي وتمر الموساوي، وعدة من المماليك، وأمر السلطان فدقت الكوسات حربيا، ودارت النقباء على أجناد الحلقة والمماليك ليركبوا، فركب بعضهم وسار السلطان في ألف فارس حتى قابل الأمراء، فانسل عنه أصحابه، وبقي في أربعمائة فارس، فبرز له آقسنقر ووقف معه، وأشار عليه أن ينخلع من السلطنة، فأجابه إلى ذلك وبكى، فتركه آقسنقر وعاد إلى الأمراء، وعرفهم ذلك، فلم يرض أرغون شاه، وبدر ومعه قرابغا وصمغار وبزلار وغرلو في أصحابهم حتى وصلوا إلى السلطان، وسيروا إلى الأمير أرغون العلائي أن يأتيهم، ليأخذوه إلى عند الأمراء، فلم يوافق الأمير أرغون العلائي على ذلك، فهجموا عليه، وفرقوا من معه، وضربوه بدبوس حتى سقط إلى الأرص؛ فضربه يلبغا أروس بسيف قطع خده، وأخذ أسيراً، فسجن في خزانة شمايل وفر السلطان الكامل شعبان إلى القلعة، واختفى عند أمه زوجة الأمير أرغون العلائي، وسار الأمراء إلى القلعة، وأخرجوا أمير حاجي وأمير حسين من سجنهما، وقبلوا يد أمير حاجي، وخاطبوه بالسلطة، ثم طلبوا الكامل شعبان وسجنوه، حيث كان أخويه مسجونين؛ ثم قتل شعبان في يوم الأربعاء ثالثه وقت الظهر، ودفن عند أخيه يوسف، ليلة الخميس فكانت مدته سنة وثمانية وخمسين يوماً، وجلس حاجي على سرير الملك، في يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، ولقب حاجي بالملك المظفر، وله من العمر خمس عشرة سنة، وقبل الأمراء الأرض بين يديه، وحلف لهم أولا أنه لا يؤذي أحداً منهم، ولا يخرب بيت أحد، وحلفوا له على طاعته، وركب الأمير بيغرا البريد ليبشر الأمير يلبغا اليحياوي نائب الشام، ويحلفه وأمراء الشام. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2844

المرينيين يحتلون تونس وينهون دولة الحفصيين فيها . العام الهجري: ٧٤٨ العام الميلادي: ١٣٤٧ تفاصيل الحدث: بعد وفاة أبي يحيى المتوكل أبو بكر الحفصي ظهرت فتن أثارها أمراء البيت الحفصي، مما أتاح الفرصة أمام بني مرين بزعامة ملكهم أبي الحسن علي بن عثمان للانقضاض على دولتهم فسار إلى تونس واستولى عليها وفر أبو الحسن بن أبي حفص عمر الثاني ملك الحفصيين ثم قبض عليه بعد ذلك وقتل، فتم للمرينيين ملك المغرب كله الأقصى والأوسط والأدنى. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2845

وقعة بين الأرمن والمسلمين في سيس . العام الهجري: ٧٤٨ الشهر القمري: محرم العام الميلادي: ١٣٤٧ تفاصيل الحدث: قدم البريد من حلب بأن صاحب سيس جهز مائتي أرمني إلى ناحية أياس، فلما قربوا من كوار ليهجموا على قلعتها قاتلهم أربعون من المسلمين؛ فنصرهم الله على الأرمن، وقتلوا منهم خمسين، وأسروا ثلاثين، وهزموا باقيهم، فقتل بكوار عدة ممن أسر، وحمل بقيتهم إلى حلب؛ فكتب بالإحسان إلى أهل كوار والإنعام عليهم. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2846

قتل نائب الشام يلبغا اليحياوي . العام الهجري: ٧٤٨ الشهر القمري: جمادى الآخرة العام الميلادي: ١٣٤٧ تفاصيل الحدث: كثر قتل السلطان حاجي للأمراء مما أثار حفيظة نائب دمشق يلبغا اليحياوي عليه، فعمل على مراسلة النواب نائب صفد ونائب حماة على أن يتفقوا على قتل السلطان كما قتل الأمراء حيث زاد شره وكثر الفساد، فوافقه في الظاهر، ووصل الخبر إلى مصر فسير جيشا مع بعض الأمراء للقبض على يلبغا وتولية غيره إمرة دمشق، فعلم بذلك يلبغا فهرب هو وبعض مماليكه حتى وصل إلى حماة فاستقبله نائبها على أنه معه، ولكنه قبض عليه وسجنه عنده، ثم في يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخر قتله نائب حماة وجهز رأسه وأرسله إلى القاهرة للسلطان المظفر حاجي، وقيل بل إن العسكر المصري أخذه من حماة وأدخله إلى دمشق وهو مربوط وساروا به إلى مصر ثم في الطريق في يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة قتل يلبغا فيما بين قاقون وغبرة، وأخذوا رأسه إلى السلطان، والله أعلم بما كان، وأصبح نائبا عنه في دمشق الأمير سيف الدين أرغون شاه. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2847

اغتيال السلطان المظفر حاجي وتولية أخيه حسن ناصر الدين . العام الهجري: ٧٤٨ الشهر القمري: رمضان العام الميلادي: ١٣٤٨ تفاصيل الحدث: كثر اشتغال السلطان باللعب بالحمام وتقريب الأوباش واللعابين وغيرهم من أرباب الملاهي والفساد، وأنكر عليه الأمراء أكثر من مرة حتى حصل بينه وبينهم جفاء وعمل على التدبير لهم لقتل بعضهم وهم كذلك عملوا على تدبير قتله فتحادث الأمراء فيما بينهم واتفقوا وتواكدوا جميعاً في يوم الخميس تاسع رمضان على الركوب في يوم الأحد ثاني عشره، فما ارتفع النهار حتى وقفوا بأجمعهم لابسين آلة الحرب، عند قبة النصر ومعهم النائب أرقطاي فأرسل السلطان الرسول إليه يستخبره عما يريدونه منه حتى يفعله لهم، فأعادوا جوابه أنهم لابد أن يسلطنوا غيره، فقال: ما أموت إلا على ظهر فرسي، فقبضوا على رسوله، وهموا بالزحف إليه، فمنعهم الأمير أرقطاي النائب، فبادر السلطان بالركوب إليهم، وأقام أرغون الكاملي وشيخو في الميسرة، وأقام عدة أمراء في الميمنة، وسار بمماليكه حتى وصل إلى قريب قبة النصر، فكان أول من تركه الأمير أرغون الكاملي والأمير ملكتمر السعيدي، ثم الأمير شيخو، وأتوا الأمير أرقطاي النائب والأمراء، وبقي السلطان في نحو عشرين فارساً، فبرز له الأمير بيبغا روس والأمير ألجيبغا، فولى فرسه وانهزم عنهم، فأدركوه وأحاطوا به، فتقدم إليه بيبغا روس، فضربه السلطان بطير، فأخذ الضربة بترسه، وحمل عليه بالرمح، وتكاثروا عليه حتى قلعوه من سرجه فكان بيبغا روس هو الذي أرداه، وضربه طنيرق فجرح وجهه وأصابعه، وساروا به على فرس إلى تربة آقسنقر الرومي تحت الجبل، وذبحوه من ساعته قبل العصر، وكانوا لما أنزلوه وأرادوا ذبحه توسل إلى الأمراء، وهو يقول: بالله لا تستعجلوا على قتلي، وخلوني ساعة، فقالوا: فكيف استعجلت على قتل الناس، لو صبرت عليهم صبرنا عليك، وصعد الأمراء إلى القلعة في يومهم، ونادوا في القاهرة بالأمان والاطمئنان، وباتوا بها ليلة الاثنين، وقد اتفقوا على مكاتبة الأمير أرغون شاه نائب الشام بما وقع، وأن يأخذوا رأيه فيمن يقيمونه سلطاناً، فأصبحوا وقد اجتمع المماليك على إقامة حسين بن الناصر محمد بن قلاوون في السلطة، ووقعت بينه وبينهم مراسلات، فقبض الأمراء على عدة من المماليك، ووكلوا الأمير طاز بباب حسين، حتى لا يجتمع به أحد، وغلقوا باب القلعة، وهم بآلة الحرب يومهم وليلة الثلاثاء، وقصد المماليك إقامة الفتنة فخاف الأمراء تأخير السلطة حتى يستشيروا نائب الشام أن يقع من المماليك ما لا يدرك فارطه، فوقع اتفاقهم عند ذلك على حسن بن الناصر محد بن قلاوون، فتم أمره، فكانت مدة المظفر حاجي سنة وثلاثة أشهر واثني عشر يوماً، وعمره نحو عشرين سنة، فقام الأمراء بسلطة حسن هذا وأركبوه بشعار السلطنة، في يوم الثلاثاء، رابع عشرى رمضان، سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وأجلسوه على تخت الملك بالإيوان، لقبوه بالملك الناصر سيف الدين قمارى فقال السلطان للأمير أرقطاى نائب السلطة: يا بة! ما اسمي قمارى، إنما اسمي حسن، فقال أرقطاى: يا خوند! والله إن هذا اسم حسن على خيرة الله فاستقرت سلطنته وحلف له الأمراء على العادة، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2848

وفاة الإمام الذهبي . العام الهجري: ٧٤٨ الشهر القمري: ذو القعدة العام الميلادي: ١٣٤٨ تفاصيل الحدث: الإمام خاتمة الحفاظ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تركماني الأصل من أهل ميافارقين، اشتهر بالعلم والورع كان له نظر ثاقب في العلل والرجال وأحوالهم وعلم الحديث، ومصنفاته كثيرة جدا تنبئ عن علمه الزاخر في الحديث والرجال والتاريخ، فله الكتاب المشهور تاريخ الإسلام وطبقات مشاهير الأعلام وله في الرجال كتب كثيرة أشهرها ميزان الاعتدال في أحوال الرجال، وتذكرة الحفاظ وطبقات القراء وله تعليقات على المستدرك وله كتاب الكبائر والطب النبوي وغيرها كثير يصعب حصره هنا، توفي في ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة وصلي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق ودفن بباب الصغير. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2849

طاعون أطلق عليه الوباء الأسود اجتاح العالم بأسره وقتل الكثير من البشر . العام الهجري: ٧٤٩ العام الميلادي: ١٣٤٨ تفاصيل الحدث: كثرت الأخبار بوقوع الوباء في عامة أرض مصر، فكثر الوباء حتى بلغ في شعبان عدد من يموت في كل يوم مائتي إنسان، فكان فيها الوباء الذي لم يعهد في الإسلام مثله، فإنه ابتدأ بأرض مصر آخر أيام التخضير وذلك في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين، وما أهل محرم سنة تسع وأربعين حتى انتشر الوباء في الإقليم بأسره، واشتد بديار مصر في شعبان ورمضان وشوال، وارتفع في نصف ذي القعدة، وكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف إلى عشرين ألف نفس في كل يوم، وعملت الناس التوابيت والدكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجرة، وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحفرت الحفائر وألقوا فيها، وكانت الحفرة يدفن فيها الثلاثون والأربعون، وأكثر، وكان الموت بالطاعون يبصق الإنسان دماً، ثم يصيح ويموت؛ ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم، بل عم أقاليم الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا جميع أجناس بني أدم، وغيرهم حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر، وأول ابتدائه من بلاد القان الكبير حيث الإقليم الأول، وبعدها من توريز إلى أخرها ستة أشهر، وهي بلاد الخطا والمغول، وأهلها يعبدون النار والشمس والقمر، وتزيد عدتهم على ثلاثمائة جنس، فهلكوا بأجمعهم من غير علة، في مشاتيهم ومصايفهم، وفي مراعيهم، وعلى ظهور خيولهم، وماتت خيولهم، وصاروا كلهم جيفاً مرمية فوق الأرض، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، على ما وصلت به الأخبار من بلاد أزبك ثم حملت الريح نتنهم إلى البلاد، فما مرت على بلد ولا خركاه ولا أرض، إلا وساعة يشمها إنسان أو حيوان مات لوقته وساعته، فهلك من زوق القان الكبير خلائق لا يحصى عددها إلا الله، ومات القان وأولاده الستة، ولم يبق بذاك الإقليم من يحكمه ثم اتصل الوباء ببلاد الشرق جميعها، وبلاد أزبك وبلاد اسطنبول وقيصرية الروم؛ ودخل إلى أنطاكية حتى باد أهلها، وخرج جماعة من جبال أنطاكية فارين من الموت، فماتوا بأجمعهم في طريقهم؛ وعم الوباء بلاد قرمان وقيصرية وجميع جبالها وأعمالها، ففني أهلها ودوابهم ومواشيهم، فرحلت الأكراد خوفاً من الموت، فلم يجدوا أرضاً إلا وفيها الموتى، فعادوا إلى أرضهم، وماتوا جميعاً، وعظم الموتان ببلاد سيس، ومات من أهل تكفور في يوم واحد، بموضع واحد مائة وثمانون نفساً؛ وخلت سيس وبلادها، ووقع في بلاد الخطا مطر لم يعهد مثله في غير أوانه، فماتت دوابهم ومواشيهم عقيب ذلك المطر حتى فنيت، ثم مات الناس والطيور والوحوش حتى خلت بلاد الخطا؛ وهلك ستة عشر ملكاً في مدة ثلاثة أشهر، وباد أهل الصين، ولم يبق منهم إلا القليل؛ وكان الفناء ببلاد الهند أقل منه ببلاد الصين، ووقع الوباء ببغداد أيضاً، وكان الإنسان يصبح وقد وجد بوجهه طلوعاً، فما هو إلا أن يمر بيده عليه مات فجأة، وكان أولاد دمرداش قد حصروا الشيخ حسن بها، ففجأهم الموت في عسكرهم من وقت المغرب إلى باكر النهار من الغد، حتى مات عدد كثير فرحلوا وقد مات منهم ستة أمراء ونحو ألف ومائتا رجل، ودواب كثيرة؛ فكتب الشيخ حسن بذلك إلى سلطان مصر، وفي أول جمادى الأولى: ابتدأ الوباء بأرض حلب، فعم جميع بلاد الشام وبلاد ماردين وجبالها، وباد أهل الغور وسواحل عكا وصفد، وبلاد القدس ونابلس والكرك، وعربان البوادي وسكان الجبال والضياع، ولم يبق في بلدة جينين سوى عجوز واحدة خرجت منها فارة، ولم يبق، بمدينة لد أحد، ولا بالرملة؛ وصارت الخانات وغيرها ملآنة بجيف الموتى، ولم يدخل الوباء معرة النعمان من بلاد الشام، ولا بلد شيزر، ولا حارم، وأول ما بدأ الوباء بدمشق كان يخرج خلف أذن الإنسان بثرة فيخر صريعاً ثم صار يخرج بالإنسان كبة تحت إبطه، فلا يلبث ويموت سريعا، ثم خرجت بالناس خيارة، فقتلت قتلا كثيراً، وأقاموا على ذلك مدة، ثم بصقوا الدم، فاشتد الهول من كثرة الموت حتى أنه أكثر من كان يعيش بعد نفث الدم نحو خمسين ساعة، وبلغ عدد من يموت بحلب في كل يوم خمسمائة إنسان، ومات بغزة من ثاني المحرم إلى رابع صفر - على ما ورد في كتاب نائبها - زيادة على اثنين وعشرين ألف إنسان، حتى لقت أسواقها، وشمل الموت أهل الضياع بأرض غزة، وكان أواخر زمان الحرث، فكان الرجل يوجد ميتا والمحراث في يده، ويوجد أخر قد مات وفي يده ما يبذره، وماتت أبقارهم، وخرج رجل بعشرين نفرا لإصلاح أرضه، فماتوا واحداً بعد واحد، وهو يراهم يتساقطون قدامه، فعاد إلى غزة، وسار منها إلى القاهرة، ودخل ستة نفر لسرقة دار بغزة فأخذوا ما في الدار ليخرجوا به فماتوا كلهم، وفر نائبها إلى ناحية بدعرش، وترك غزة خالية، ومات أهل قطا، وصارت جثثهم تحت النخيل وعلى الحوانيت، حتى لم يبق بها سوى الوالي وغلامين من أصحابه وحاربة عجوز، وعم الوباء بلاد الفرنج، وابتدأ في الدواب، ثم الأطفال والشباب، فلما شنع الموت فيهم جمع أهل قبرص من في أيديهم من الأسرى المسلمين، وقتلوهم جميعاً من بعد العصر إلى المغرب، خوفا أن يبيد الموت الفرنج، فتملك المسلمون قبرص، فلما كان بعد عشاء الآخرة هبت ريح شديدة، وحدثت زلزلة عظيمة، وامتد البحر من المينة نحو مائة قصبة فغرق كثير من مراكبهم وتكسرت، فظن أهل قبرص أن الساعة قامت، فخرجوا حيارى لا يدرون ما يصنعون، ثم عادوا إلى منازلهم، فإذا أهاليهم قد ماتوا، وهلك لهم ثلاثة ملوك واستمر الوباء فيهم مدة أسبوع، فركب فيهم ملكهم الذي ملكوه عليهم رابعاً بجماعته في مركب يريدون جزيرة بقرب منهم، فلم يمض عليهم في البحر سوى يوم وليلة حتى مات أكثرهم في المركب؛ ووصل باقيهم إلى الجزيرة، فماتوا بها عن أخرهم، ووافى هذه الجزيرة بعد موتهم مركب فيها تجار، فماتوا كلهم وتجارتهم إلا ثلاثة عشر رجلا، فمروا إلى قبرص وقد بقوا أربعة نفر، فلم يجدوا بها أحداً؛ فساروا إلى طرابلس الغرب، وحدثوا بذلك، فلم تطل إقامتهم بها وماتوا، وكانت المراكب إذا مرت بجزائر الفرنج لا يجد ركابها بها أحدا، وإن صدفت أحدا في بعضها يدعوهم أن يأخذوا من أصناف البضائع بالصبر بغير ثمن؛ لكثرة من كان يموت عندهم صاروا يلقون في البحر، وكان سبب الموت عندهم ريح تمر على البحر، فساعة يشمها الإنسان سقط، ولا يزال يضرب برأسه الأرض حتى يموت، وقدمت مركب إلى الإسكندرية فيها اثنان وثلاثون تاجراً وثلاثون رجل، ما بين تجار وعبيد؛ فماتوا كلهم، ولم يبق منهم غير أربعة من التجار وعبد واحد، ونحو أربعين من البحارة؛ فماتوا جميعاً بالثغر، وعم الموت أهل جزيرة الأندلس، إلا مدينة غرناطة، فإنه لم يصب أهلها منه شيء وباد من عداهم حتى لم يبق للفرنج من يمنع أموالهم، فأتتهم العرب من إفريقية تريد أخذ الأموال إلى أن صاروا على نصف يوم منها، مرت بهم ريح، فمات منهم على ظهور الخيل جماعة كثيرة، ودخلها باقيهم، فرأوا من الأموات ما هالهم، وأموالهم ليس لها من يحفظها، فأخذوا ما قدروا عليه، وهم يتساقطون موتى، فنجا من بقي منهم بنفسه، وعادوا إلى بلادهم، وقد هلك أكثرهم؛ والموت قد فشا بأرضهم، بحيث مات منهم في ليلة واحدة عدد عظيم، وماتت مواشيهم ودوابهم كلها، وعم الموتان إفريقية بأسرها، جبالها وصحاريها ومدنها، وجافت من الموتى، وبقيت أموال العربان سائبة لا تجد من يرعاها، ثم أصاب الغنم داء، فكانت الشاه إذا ذبحت وجد لحمها منتنا قد اسود، وتغير أيضاً ريح السمن واللبن، وماتت المواشي بأسرها، وشمل الوباء أيضاً أرض برقة إلى الإسكندرية، فصار يموت بها في كل يوم مائة، ثم مات بالإسكندرية في اليوم مائتان، وشنع ذلك حتى أنه صلى في يوم الجمعة بالجامع الإسكندري دفعة واحدة على سبعمائة جنازة، وصار يحملون الموتى على الجنويات والألواح، وغلقت الأسواق وديوان الخمس؛ وأريق من الخمر ما يبلغ ثمنه زيادة على خمسمائة دينار، وقدمها مركب فيه إفرنج، فأخبروا أنهم رأوا بجزيرة طرابلس مركبا عليه طير يحوم في غاية الكثرة، فقصدوه فإذا جميع من فيه من الناس موتى، والطير تأكلهم، وقد مات من الطير أيضاً شيء كثير، فتركوهم ومروا، فما وصلوا إلى الإسكندرية حتى مات زيادة على ثلثيهم، وفشى الموت بمدينة دمنهور، وتروجه، والبحيرة كلها حتى عم أهلها؛ وماتت دوابهم فبطل من الوجه البحري سائر الضمانات، والموجبات السلطانية، وكل الموت أهل البرلس ونستراوه، وتعطل الصيد من البحرة لموت الصيادين، وكان يخرج بها في المراكب عدة من الصيادين لصيد الحوت، فيموت أكثرهم في المراكب ويعود من بقي منهم فيموت بعد عوده من يومه هو وأولاده وأهله، ووجد في حيتان البطارخ شيء منتن، وفيه على رأس البطرخة كبه قدر البندقة قد اسودت، ووجد في جميع زراعات البرلس وبلحها وقثائها دود، وتلف أكثر ثمر النخل عندهم، وصارت الأموات على الأرض في جميع الوجه البحري، ولا يوجد من يدفنها وعم الوباء جميع تلك الأراضي، ومات الفلاحون بأسرهم، فلم يوجد من يضم الزرع وزهد أرباب الأموال في أموالهم، وبذلوها للفقراء، وكان ابتداء الوباء من أول فصل الصيف، وذلك في أثناء ربيع الآخر، فجافت الطرقات بالموتى، ومات سكان بيوت الشعر ودوابهم وكلابهم وتعطلت سواقي ألحنا، وماتت الدواب والمواشي وأكثر هجن السلطان والأمراء، وامتلأت مساجد بلبيس وفنادقها وحوانيتها بالموتى، ولم يجدوا من يدفنهم، وجافت سوقها فلم يقدر أحد على القعود فيه؛ وخرج من بقي من باعتها إلى ما بين البساتين، ولم يبق بها مؤذن، وطرحت الموتى بجامعها، وصارت الكلاب فيه تأكل الموتى، ورحل كثير من أهلها إلى القاهرة وتعطلت بساتين دمياط وسواقيها، وجفت أشجارها، لكثرة موت أهلها ودوابهم، وصارت حوانيتها مفتحة والمعايش بها لا يقربها أحد، وغلقت دورها، وبقيت المراكب في البحيرة، وقد مات الصيادون فيها والشباك بأيديهم مملوءة سمكاً ميتاً، فكان يوجد في السمكة كبة، وهلكت الأبقار الخيسية والجاموس في المراحات والجزائر، ووجد فيها أيضاً الكبة، وقدم الخبر من دمشق بأن الوباء كان بها أخف مما كان بطرابلس وحماة وحلب، فلما دخل شهر رجب والشمس في برج الميزان أوائل فصل الخريف هبت ريح في نصف الليل شديدة جداً، واستمرت حتى مضى من النهار قدر ساعتين، واشتدت الظلمة حتى كان الرجل لا يرى من بجانبه؛ ثم انجلت، وقد علت وجوه الناس صفرة ظاهرة في وادي دمشق كله، وأخذ فيهم الموت منه شهر رجب، فبلغ في اليوم ألفا ومائتي إنسان، وبطل إطلاق الموتى من الديوان، فصارت الأموات مطروحة في البساتين وعلى الطرقات، فنودي في دمشق باجتماع الناس بالجامع الأموي، فصاروا إليه جميعاً، وقرأوا به صحيح البخاري في ثلاثة أيام وثلاث ليال؛ ثم خرج الناس كافة بصبيانهم إلى المصلى، وكشفوا رءوسهم وضجوا بالدعاء، وما زالوا على ذلك ثلاثة أيام، فتناقص الوباء حتى ذهب بالجملة، وابتدأ الوباء في القاهرة ومصر بالنساء والأطفال، ثم في الباعة، حتى كثر عدد الأموات، فركب السلطان إلى سرياقوس، وأقام بها من أول رجب إلى العشرين منه وقصد العود إلى القلعة، وأشير عليه بالإقامة بسرياقوس وصوم شهر رمضان بها، فبلغت عدة من يموت ثلاثمائة نفر كل يوم بالطاعون موتاً وجباً في يوم أو ليلة، فما فرغ شهر رجب حتى بلغت العدة زيادة على الألف في كل يوم، وصار إقطاع الحلقة ينتقل إلى ستة أنفس في أقل من أسبوع؛ فشرع الناس في فعل الخير، وتوهم كل أحد أنه ميت وفي شعبان: تزايد الوباء في القاهرة، وعظم في رمضان، وقد دخل فصل الشتاء فرسم بالاجتماع في الجوامع للدعاء، واشتد الوباء بعد ذلك حتى عجز الناس عن حصر الأموات، فلما انقضى شهر رمضان قدم السلطان من سرياقوس، وحدث في شوال بالناس نفث الدم، فكان الإنسان يحس في بدنه بحرارة، ويجد في نفسه غثيان، فيبصق دماً ويموت عقيبه، ويتبعه أهل الدار واحد بعد واحد حتى يفنوا جميعاً بعد ليلة أو ليلتين؛ فلم يبق أحد إلا وغلب على ظنه أنه يموت بهذا الداء، واستعد الناس جميعاً، وأكثروا من الصدقات، وتحاللوا وأقبلوا على العبادة، ولم يحتج أحد في هذا الوباء إلى أشربة ولا أدوية ولا أطباء، لسرعة الموت، فما تنصف شوال إلا والطرقات والأسوق قد امتلأت بالأموات، وانتدبت جماعة لمواراتهم، وانقطع جماعة للصلاة عليهم في جميع مصليات القاهرة ومصر، وخرج الأمر عن الحد، ووقع العجز عن العدو، وهلك أكثر أجناد الحلقة؛ وخلت أطباق القلعة من المماليك السلطانية لموتهم، وما أهل ذو القعدة إلا والقاهرة خالية مقفرة، لا يوجد في شوارعها مار، بحيث إنه يمر الإنسان من باب زويلة إلى باب النصر فلا يرى من يزاحمه، لكثرة الموتى والاشتغال بهم وعلت الأتربة على الطرقات، وتنكرت وجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصياح، فلا تجد بيتا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وفيه عدة أموات وصارت النعوش لكثرتها تصطدم، والأموات تختلط، وخلت أزقة كثيرة وحارات عديدة، وصارت حارة برجوان اثنين وأربعين داراً خالية، وبقيت الأزقة والدروب، مما فيها من الدور المتعددة خالية، وصارت أمتعة أهلها لا تجد من يأخذها، وإذا ورث إنسان شيئاً انتقل في يوم واحد عنه إلى رابع وخامس، وحصرت عدة من صلى عليه بالمصليات خارج باب النصر وخارج باب زويلة، وخارج باب المحروق وتحت القلعة، ومصلى قتال السبع تجاه باب جامع قوصون، في يومين، فبلغت ثلاثة عشر ألفا وثمانمائة، سوى من مات في الأسواق والأحكار، وخارج باب البحر وعلى الدكاكين، وفي الحسينية وجامع ابن طولون، ومن تأخر دفنه في البيوت ويقال بلغت عدة الأموات في يوم واحد عشرين ألفا، وأحصيت الجنائز بالقاهرة فقط في مدة شعبان ورمضان تسعمائة ألف، سوى من مات بالأحكار والحسينية والصليبة وباقي الخطط خارج القاهرة، وهم أضعاف ذلك، وعدمت النعوش، وبلغت عدتها ألفا وأربعمائة نعش، فحملت الأموات على الأقفاص ودراريب الحوانيت وألواح الخشب؛ وصار يحمل الإثنان والثلاثة في نعش واحد على لوح واحد، وطلبت القراء إلى الأموات، فأبطل، كثير من الناس صناعاتهم، وانتدبوا للقراءة أمام الجنائز، وعمل جماعة من الناس مدراء، وجماعة تصدوا لتغسيل الأموات، وجماعة لحملهم؛ فنالوا بذلك سعادة وافرة، وصار المقرئ يأخذ عشرة دراهم وإذا وصل الميت إلى المصلى تركه وانصرف لآخر، وصار الحمال يأخذ ستة دراهم بعد الدخلة عليه إذا وجد، ويأخذ الحفار أجرة القبر خمسين درهماً؛ فلم يمتع أكثرهم بذلك، وماتوا، وامتلأت المقابر من باب النصر إلى قبة النصر طولا، وإلى الجبل عرضاً، وامتلأت مقابر الحسينية إلى الريدانية، ومقابر خارج باب المحروق والقرافة، وصار الناس يبيتون بموتاهم على الترب، لعجزهم عن تواريهم، وكان أهل البيت يموتون جميعا وهم عشرات، فما يوجد لهم سوى نعش واحد، ينقلون فيه شيئاً بعد شيء، وأخذ كثير من الناس دوراً وأثاثاً وأموالا من غير استحقاق، لموت مستحقيها؛ فلم يتمل أكثرهم، مما أخذ ومات، ومن عاش منهم استغنى به، وأخذ كثير من العامة إقطاعات الحلقة، وقام الأمير شيخو والأمير مغلطاي أمير آخور بتغسيل الناس وتكفينهم ودفنهم، وبطلت الأفراح والأعراس من بين الناس، فلم يعرف أن أحداً عمل فرحاً في مدة الوباء، ولا سمع صوت غناء، وتعطل الأذان من عدة مواضع، وبقي في الموضع المشهور بأذان واحد، وبطلت أكثر طبلخاناه الأمراء، وصار في طبلخاناه المقدم ثلاثة نفر، بعدما كانوا خمسة عشر، وغلقت أكثر المساجد والزوايا، واستقر أنه ما ولد أحد في هذا الوباء إلا ومات بعد يوم أو يومين، ولحقته أمه، وشمل في آخر السنة الفناء بلاد الصعيد بأسرها، وتعطلت دواليبها، ولم يدخل الوباء ثغر أسوان، فلم يمت به سوى أحد عشر إنساناً، وتواترت الأخبار من الغور وبيسان وغير ذلك من النواحي أنهم كانوا يجدون الأسود والذئاب والأرانب والإبل وحمر الوحش والخنازير وغيرها من الوحوش ميتة، وفيها أثر الكبة، وكانت العادة إذا خرج السلطان إلى سرحة سرياقوس يقلق الناس من كثرة الحدأة والغربان، وتحليقها على ما هناك من اللحوم الكثيرة؛ فلم يشاهد منها شيء مدة شهر رمضان، والسلطان هناك، لفنائها، وكانت بحيرات السمك بدمياط ونستراوة وسخا توجد أسماكها الكثيرة طافية على الماء، وفيها الكبة، وكذلك كلما يصطاد منها، بحيث امتنع الناس من أكله، وكثر عناء الأجناد وغيرهم في أمر الزرع، فإن الوباء ابتدأ في آخر أيام التخضير، فكان الحراث يمر ببقره وهى تحرث في أراضي الرملة وغزة والساحل، وإذا به يخر ميتا والمحراث في يده، ويبقى بقره بلا صاحب، ثم كان الحال كذلك بأراضي مصر، فما جاء أوان الحصاد حتى فني الفلاحون، ولم يبقى منهم إلا القليل فخرج الأجناد وغلمانهم لتحصد، ونادوا من يحصد ويأخذ نصف ما يحصده، فلم يجدوا من يساعدهم على ضم الزروع، ودرسوا غلالهم على خيولهم، وذروها بأيديهم؛ وعجزوا عن كثير من الزرع، فتركوه، وكانت الإقطاعات قد كثر تنقلها من كثرة موت الأجناد، بحيث كان الإقطاع الواحد يصير من واحد إلى آخر حتى يأخذه السابع والثامن، فأخذ إقطاعات الأجناد أرباب الصنائع من الخياطين والإسكافية والمنادمين، وركبوا الخيول، ولبسوا تكلفتاه والقباء، ولم يتناول أحد من إقطاعه مغلا كاملا، وكثير منهم لم يحصل له شيء، فلما كان أيام النيل، وجاء أوان التخضير تعذر وجود الرجال، فلم يخضر إلا نصف الأراضي، ولم يوجد أحد يشتري القرط الأخضر، ولا من يربط عليه خيوله فانكسرت بلاد الملك من ضواحي القاهرة، مثل المطرية والخصوص وسرياقوس وبهتيت، وتركت، ألف وخمسمائة فدان براسيم بناحية ناي وطنان، فلم يوجد من يشتريها لرعي دوابه، ولا من يعملها دريسا، وخلت بلاد الصعيد مع اتساع أرضها، بحيث كانت مكلفة مساحي أرض سيوط تشتمل على ستة آلاف نفر يجيء منهم الخراج، فصارت في سنة الوباء هذه تشتمل على مائة وستة عشر نفرا. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2850

الفتنة بالكرك بين بني نمير وبني ربيعة . العام الهجري: ٧٥٠ العام الميلادي: ١٣٤٩ تفاصيل الحدث: اشتدت الفتنة في بلاد الكرك بين بني نمير وبني ربيعة، فإن الملك الناصر محمد بن قلاوون كان لما أعياه أمرهم وتحصنهم بجبالهم المنيعة أخذ في الحيلة عليهم، وتقدم إلى شطي أمير بني عقبة، وإلى نائب الشام ونائب غزة ونائب الكرك، بأن يدخلوا إلى البرية كأنهم يصطادون ويوقعون بهم؛ فقبضوا على كثير منهم، وقتلوا في جبالهم خلقا كثيراً منهم، وحبسوا باقيهم حتى ماتوا، فسكن الشر بتلك الجهات إلى أن كانت فتنة الناصر أحمد بالكرك، عاد بنو نمير وبنو ربيعة إلى ما كانوا عليه من الفساد، وقوي أمرهم، فركب إليهم الأمير جركتمر نائب الكرك، وطلع إليهم فقاتلوه، وقتلوا من أصحابه عشرة، وكسروه أقبح كسرة؛ فكتب لنائب الشام الأمير أرغون شاه بتجهيز عسكر لقتالهم. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2851

وفاة ابن التركماني . العام الهجري: ٧٥٠ الشهر القمري: محرم العام الميلادي: ١٣٤٩ تفاصيل الحدث: علاء الدين علي ابن القاضي فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الحنفي المعروف بالتركماني توفي في يوم الثلاثاء عاشر المحرم بالقاهرة، ومولده في سنة ثلاث وثمانين وستمائة؛ كان إماماً فقيهاً بارعاً نحوياً أصولياً لغوياً، أفتى ودرس واشتغل وألف وصنف، وكان له معرفة تامة بالأدب وأنواعه، وله نظم ونثر، كان إمام عصره لا سيما في العلوم العقلية والفقه أيضاً والحديث، وتصدى للإقراء عدة سنين، وتولى قضاء الحنفية بالديار المصرية في شوال سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، عوضاً عن قاضي القضاة زين الدين البسطامي، وحسنت سيرته، ودام قاضياً إلى أن مات، وتولى عوضه ولده جمال الدين عبد الله، من مصنفاته كتاب بهجة الأريب في بيان ما في كتاب الله العزيز من الغريب والمنتخب في علوم الحديث والمؤتلف والمختلف والضعفاء والمتروكون والدر النقي في الرد على البيهقي ومختصر المحصل في الكلام ومقدمة في أصول الفقه والكفاية في مختصر الهداية ومختصر رسالة القشيري وغير ذلك. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2852

قتال العشير والعربان بسبب كثرة فسادهم ببلاد القدس ونابلس . العام الهجري: ٧٥٠ الشهر القمري: جمادى الآخرة العام الميلادي: ١٣٤٩ تفاصيل الحدث: في عاشر جمادى الآخر خرحت التجريدة من مصر إلى قتال العشير والعربان، وسببه كثرة فسادهم ببلاد القدس ونابلس، وكان قد قبض على أدى بن فضل أمير جرم، وسجن بقلعة الجبل، ثم أفرج عنه بعناية الوزير منجك، فجمع أدى وقاتل سنجر بن علي أمير ثعلبة فمالت حارثة مع أدى، ومالت بنو كنانة مع سنجر، وجرت بينهم حروب كثيرة، قتل فيها خلائق، وفسدت الطرقات على المسافرين، فخرجت إليهم عساكر دمشق، فلم يعبئوا بهم، فلما ولي الأمير يلجك غزة استمال أدى بعد أيام، وعضده على ثعلبة؛ واشتدت الحروب بينهم، وفسدت أحوال الناس، فركب يلجك بعسكر غزة ليلا، وطرق ثعلبة، فقاتلوه وكسروه كسرة قبيحة، وألقوه عن فرسه إلى الأرض، وسحبوه إلى بيوتهم فقام سنجر بن علي أمير ثعلبة عليهم حتى تركوا قتله، بعد أن سلبوا ما عليه، وبالغوا في إهانته، ثم أفرجوا عنه بعد يومين فعاد يلجك إلى غزة، وقد اتضع قدره وتقوى العشير، بما أخذوه من عسكره، وعز جانبهم، فقصدوا الغور، وكبسوا القصير المعيني، وقتلوا به جماعة كثيرة من الجبلية وعمال المعاصر، ونهبوا جميع ما فيه من النقود والأعمال والعسكر وغيره، وذبحوا الأطفال على صدر الأمهات، وقطعوا الطرقات، فلم يدعوا أحداً يمر من الشام إلى مصر حتى أخذوه، وقصدوا القدس، فخلى الناس منه ثم قصدوا الرملة ولد فانتهبوها؛ وزادوا في التعدي، وخرجوا عن الحد، فوقع الاتفاق على ولاية الأمير سيف الدين دلنجي نيابة غزة، وأبقى على إقطاعه بمصر، وخلع عليه وأخرج إليها وكتب بخروج ابن صبح من دمشق على ألفي فارس، وتجهز الوزير منجك ومعه ثلاثة أمراء من المقدمين، في يوم السبت رابع عشره، وبينما الوزير ومن معه في أهبة السفر إذ قدم الخبر أن الأمير قطيلجا توجه من حماة إلى نيابة حلب، عوضاً عن الأمير أرقطاي وهذا وقد قدم الوزير النجابة لكشف أخبار العشيرة، فلما رحل عن بلبيس عادت نجابته بأن ثعلبة ركبت بأجمعها، ودخلت برية الحجاز، لما بلغهم مسير العسكر إليهم، فنهب أدى كثيراً منهم، وانفرد في البلاد بعشيرة، فعاد الوزير بمن معه، وعبر القاهرة في ثاني عشريه بعد أربعة أيام، ثم في مستهل رجب قدم الخبر بأن الأمير دلنجي نائب غزة بلغه كثرة جميع العشير، وقصدهم نهب لد والرملة؛ فركب إليهم ولقيهم قريباً من لد، منزل تجاههم، وما زال يراسلهم ويخدعهم حتى قدم إليه نحو المائتين من أكابرهم، فقبضهم وعاد إلى غزة، وقد تفرق جمعهم، فوسطهم كلهم قدم الأمير قبلاي غزة، فاحتال على أدى حتى قدم عليه، فأكرمه وأنزله، ثم رده بزوادة إلى أهله فاطمأنت العشرات والعربان لذلك، وبقوا على ذلك إلى أن أهل رمضان، ثم حضر أدى في بنى عمه لتهنئة قبلاي بشهر الصوم فساعة وصوله إليه قبض عليه وعلى بني عمه الأربعة، وقيدهم وسجنهم، وكتب إلى على بن سنجر: " بأني قد قبضت على عدوك ليكون لي عندك يد بيضاء، فسر سنجر بذلك، وركب إلى قبلاى، فتلقاه وأكرمه، فضمن له سنجر درك البلاد، ورحل قبلاى من غده ومعه أدى وبنو عمه يريد القاهرة، فقدم في يوم الاثنين حادي عشره، فضربوا على باب القلة بالمقارع ضرباً مبرحاً وألزم أدى بألف رجل ومائتي ألف درهم، فبعث إلى قومه بإحضارها، فلما أخذت سمر هو وبنو عمه في يوم الاثنين خامس عشريه وقت العصر، وسيروا إلى غزة صحبة جماعة من أجناد الحلقة، فوسطوا بها، فثار أخو أدى، وقصد كبس غزة، فخرج إليه الأمير دلنجى ولقيه على ميل من غزة، وحاربه ثلاثة أيام، وقتله في اليوم الرابع بسهم أصابه، وبعث دلنجي بذلك إلى القاهرة، فكتب بخروج نائب صفد ونائب الكرك لنجدته. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2853

معركة بين بني مرين وبني عبدالواد بنو زيان . العام الهجري: ٧٥١ العام الميلادي: ١٣٥٠ تفاصيل الحدث: بعد أن خرج أبو الحسن المريني من تونس وعاد الحفصيون إلى تملك تونس، ركب البحر يريد الجزائر ومعه ستمائة سفينة وفي الطريق غرقت أكثر السفن من الرياح والأمواج العالية فوصل بعدد قليل إلى الجزائر، وكانت عبدالواد قد تجهزت لاسترداد ملكهم من بني مرين الذين استولوا على الجزائر من سنة ٧٤٨هـ وحاول أبو الحين هذا أن يصدهم عنها مستعينا بقلة ممن نجا معه من الرجال فجرت بين الفرقين حروب هزم فيها أبو الحسن وولى هاربا بعد أن قتل ابنه الناصر في هذه الحروب. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2854

وفاة ابن قيم الجوزية . العام الهجري: ٧٥١ الشهر القمري: رجب العام الميلادي: ١٣٥٠ تفاصيل الحدث: شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، إمام الجوزية، وابن قيمها، توفي في ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء وصلي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الأموي، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير ﵀، وقد كانت جنازته حافلة ﵀، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه، وكمل له من العمر ستون سنة ﵀، ولد في سنة إحدى وتسعين وستمائة وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في العلوم المتعددة، لا سيما علم التفسير والحديث والأصلين، ولما عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علما جما، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا، وكثرة الابتهال، وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذيه، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد، وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، أما مصنفاته فأكثر من أن تحصر هنا ولكن من أشهرها زاد المعاد في هدي خير العباد، وإعلام الموقعين عن رب العالمين ومدارج السالكين وغيرها كثير كثير ﵀ وجزاه خيرا. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2855

عودة الحفصيين إلى تونس بعد خروج بني مرين منها . العام الهجري: ٧٥١ الشهر القمري: ذو القعدة العام الميلادي: ١٣٥١ تفاصيل الحدث: عاد أبو العباس الفضل بن أبي بكر بن يحيى بن إبراهيم بن عبدالواحد بن أبي حفص في ذي القعدة ليملك تونس مرة أخرى، وكان قد قدم إلى تونس السلطان أبو الحسن علي بن أبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبدالحق ملك بني مرين صاحب فاس، وملك تونس وإفريقية ثم سار منها للنصف من شوال، واستخلف ابنه أبا العباس الفضل. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2856

الفتنة بمنى بين المصريين واليمنيين . العام الهجري: ٧٥١ الشهر القمري: ذو الحجة العام الميلادي: ١٣٥١ تفاصيل الحدث: في العاشر من ذي الحجة كانت الوقعة بمنى، وقبض على المجاهد على بن المؤيد داود بن المظفر أبو سعيد المنصوري عمر بن رسول صاحب اليمن سبب ذلك أن ثقبة لما بلغه استقرار أخيه عجلان في إمرة مكة، توجه إلى اليمن، وأغرى المجاهد بأخذ مكة وكسوة الكعبة، فتجهز المجاهد، وسار يريد الحج في جحفل كبير بأولاده وأمه حتى قرب من مكة، وقد سبق حاج مصر، فلبس عجلان آلة الحرب، وعرف أمراء مصر ما عزم عليه صاحب اليمن، وحذرهم غائلته، فبعثوا إليه بأن " من يريد الحج إنما يدخل مكة بذلة ومسكنة، وقد ابتدعت من ركوبك والسلاح حولك بدعة لا يمكنك أن تدخل بها، وابعث إلينا ثقبة ليكون عندنا حتى تنقضي أيام الحج، ثم نرسله إليك " فأجاب المجاهد إلى ذلك، وبعث ثقبة رهينة، فأكرمه الأمراء، وأركبوا الأمير طقطاي في جماعة إلى لقاء المجاهد، فتوجهوا إليه ومنعوا سلاحداريته من المشي معه بالسلاح، ولم يمكنوهم من حمل الغاشية، ودخلوا به مكة، فطاف وسمى، وسلم على الأمراء واعتذر إليهم، ومضى إلى منزله وصار كل منهم على حذر حتى وقفوا بعرفة، وعادوا إلى الخيف من منى، وقد تقرر الحال بين الشريف ثقبة وبين المجاهد على أن الأمير طاز إذا سار من مكة أوقعاهما بأمير الركب ومن معه، وقبضا على عجلان، وتسلم ثقبة مكة، فاتفق أن الأمير بزلار رأى وقد عاد من مكة إلى منى خادم المجاهد سائراً، فبعث يستدعيه فلم يأته، وضرب مملوكه - بعد مفاوضة جرت بينهما - بحربة في كتفه فماج الحاج، وركب بزلار وقت الظهر إلى طاز فلم يصل إليه حتى أقبلت الناس جافلة تخبر بركوب المجاهد بعسكره للحرب، وظهرت لوامع أسلحتهم، فركب طاز وبزلار والعسكر، وأكثرهم بمكة، فكان أول من صدم أهل اليمن الأمير بزلار وهو في ثلاثين فارساً، فأخذوه في صدورهم إلى أن أرموه قرب خيمة، ومضت فرقة منهم إلى جهة طاز، فأوسع لهم، ثم عاد عليهم وركب الشريف عجلان والناس، فبعث طاز لعجلان " أن احفظ الحاج، ولا تدخل بيننا في حرب، ودعنا مع غريمنا "؛ واستمر القتال بينهم إلى بعد العصر، فركب أهل اليمن الذلة، والتجأ المجاهد إلى دهليزه، وقد أحيط به وقطعت أطنابه، وألقوه إلى الأرض، فمر المجاهد على وجهه ومعه أولاده، فلم يجد طريقاً، ولديه إلى بعض الأعراب، وعاد بمن معه وهم يصيحون: " الأمان يا مسلمين " فأخذوا وزيره، وتمزقت عساكره في تلك الجبال، وقتل منهم خلق كثير، ونهبت أموالهم وخيولهم حتى لم يبق لهم شيء، وما انفصل الحال إلى غروب الشمس، وفر ثقبة بعربه، وأخذ عبيد عجلان جماعة من الحجاج فيما بين مكة ومنى، وقتلوا جماعة، فلما أراد الأمير طاز الرحيل من منى سلم أم المجاهد وحريمه لعجلان، وأوصاه بهن وركب الأمير طاز ومعه المجاهد محتفظاً به، وبالغ في إكرامه، وصحب معه أيضا الأمير بيبغا روس مقيداً، وبعث الأمير طنطاي مبشراً، ولما قدم الأمير طاز المدينة النبوية قبض على الشريف طفيل. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2857

خروج أحمد الساقي أمير صفد عن الطاعة . العام الهجري: ٧٥١ الشهر القمري: ذو الحجة العام الميلادي: ١٣٥١ تفاصيل الحدث: سببه أنه لما قبض على الوزير منجك، خرج الأمير قمارى الحموي، وعلى يده ملطفات لأمراء صفد بالقبض على أحمد، فبلغه ذلك من هجان جهزه إليه أخوه فندب الأمير أحمد الساقي طائفة من مماليكه لتلقي قمارى، وطلب نائب قلعة صفد وديوانه، وأمره أن يقرأ عليه كم له بالقلعة من غلة، فأمر لمماليكه منها بشيء فرقه عليهم إعانة لهم على ما حصل من المحل في البلاد، وبعثهم ليأخذوا ذلك، فعندما طلعوا القلعة شهروا سيوفهم وملكوها فقبض الأمير أحمد الساقي على عدة من الأمراء، وطلع بحريمه إلى القلعة وحصنها، وأخذ مماليكه قمارى، وأتوه به فكتب السلطان لنائب عزه ونائب الشام تجريد العسكر إليه، ورسم بالإفراج عن فياض بن مهنا وعيسى بن حسن الهجان أمير العايد، وخلع عليه وجهز، وأخذت الهجن من جمال الدين بقر أمير عرب الشرقية، وأعيدت إلى علي بن حسن، وكانت الأراجيف قد كثرت بأن الأمير طاز قد تحالف هو والأمير بيبغا روس بعقبة أيله، فخرج الأمير فياض وعيسى بن حسن أمير العايد؛ ليقيما على عقبة أيلة، بسبب بيبغا روس، وكتب لعرب شطي وبني عقبة وبني مهدي بالقيام مع الأمير فضل، وكتب لنائب غزة بإرسال السوقة إلى العقبة. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2858

الإغارة على الموصل . العام الهجري: ٧٥١ الشهر القمري: ذو الحجة العام الميلادي: ١٣٥١ تفاصيل الحدث: قدم الخبر بأن هند وأحد الأكراد استولى على بلاد الموصل، وصار في جمع كبير يقطع الطريق، والتحق به نجمة التركماني، فاستنابه وتقوى به وركب من مندر إلى سنجار وتحصن بها، وأغار على الموصل ونهب وقتل، ومضى إلى الرحبة وأفسد بها، ومشى على بلاد ماردين ونهبها، فخرجت إليه عساكر الشام، وحصروه بسنجار ومعهم عسكر ماردين، ونصبوا عليها المنجنيق مدة شهر حتى طلب هند الأمان، على أنه يقيم الخطبة للسلطان، ويبعث بأخيه ونجمة في عقد الصلح، وبقطع قطيعة يقوم بها كل سنة، فأمنه العسكر، وسروا عنه بأخيه ونجمة إلى حلب؛ فحمل نجمة ورفيقه إلى مصر، فلما نزلا منزلة قانون هرب نجمة. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2859

عزل السلطان الملك الناصر بن قلاوون وتولية أخيه الملك الصالح . العام الهجري: ٧٥٢ الشهر القمري: رجب العام الميلادي: ١٣٥١ تفاصيل الحدث: توعك السلطان الملك الناصر ولزم الفراش أياما، فبلغ الأمير طاز ومغلطاى ومنكلى بغا أنه أراد بإظهار توعكه القبض عليهم إذا دخلوا إليه، وأنه قد اتفق مع قشتمر وألطنبغا الزامر وملكتمر المارديني وتنكز بغا على ذلك، وأن ينعم عليهم بإقطاعاتهم وإمراتهم، فواعدوا أصحابهم، واتفقوا مع الأمير بيبغا ططر حارس الطير النائب، والأمير طيبغا المجدي والأمير رسلان بصل، وركبوا يوم الأحد سابع عشري جمادى الآخرة بأطلابهم، ووقفوا عند قبة النصر، فخرج السلطان إلى القصر الأبلق، وبعث يسألهم عن سبب ركوبهم، فقالوا: " أنت اتفقت مع مماليكك على مسكنا، ولابد من إرسالهم إلينا، فبعث السلطان إليهم تنكز بغا وقشتمر وألطنبغا الزامر وملكتمر، فعندما وصلوا إليهم قيدوهم، وبعثوهم إلى خزانة كايل، فسجنوا بها، فشق ذلك على السلطان، وقال: " قد نزلت عن السلطنة "، وسير إليهم النجاة، فسلموها للأمير طيبغا المجدي، وقام السلطان إلى حريمه، فبعث الأمراء الأمير صرغتش، ومعه الأمير قطلوبغا الذهبي وجماعة؛ ليأخذه ويحبسه، فأخرجه صرغتمش وقد غطى وجهه إلى الرحبة، فلما رأه الخدام والمماليك تباكوا عليه بكاءاً كثيراً، وطلع صرغتمش به إلى رواق فوق الإيوان، ووكل به من يحفظه، وعاد إلى الأمراء، وكانت مدته ثلاث سنين وتسعة أشهر وأربعة عشر يوماً، منها مدة الحجر عليه ثلاث سنين، ومدة استبداده تسعة أشهر، وكان القائم بدولته الأمير شيخو رأس نوبة، ثم تولى صلاح الدين صالح بن الناصر محمد بن قلاون حيث أقيم سلطانا بعد خلع أخيه الناصر حسن وكان عمره أربع عشرة سنة، في يوم الاثنين ثامن عشرى جمادى الآخرة، وذلك أن الأمراء لما حملت إليهم النمجاة، باتوا ليلة الاثنين بإصطبلاتهم، وبكروا يوم الاثنين إلى القلعة، واجتمعوا بالرحبة داخل باب النحاس، وطلبوا الخليفة والقضاة وسائر أهل الدولة، واستدعوا به، فلما خرج إليهم ألبسوه شعار السلطنة، وأركبوه فرس النوبة من داخل باب الستارة، ورفعت الغاشية بين يديه، وكان الأمير طاز والأمير منكلى بغا الفخري آخذين بشكيمة الفرس حتى جلس على التخت، وحلفوا له، وحلفوه على العادة، ولقبوه بالملك الصالح، ونودي بسلطنته في القاهرة ومصر. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2860

احتراق باب جيرون أحد الأبواب المشهورة لمدينة دمشق . العام الهجري: ٧٥٣ الشهر القمري: صفر العام الميلادي: ١٣٥٢ تفاصيل الحدث: في ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقع حريق عظيم عند باب جيرون شرقيه فاحترق به دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها، واتسع اتساعا فظيعا، واتصل الحريق بالباب الأصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه فكشطوا ما عليه من النحاس ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل، بمقصورة الحلبية، بمشهد علي، ثم عدوا عليه يكسرون خشبه بالفؤوس الحداد، والسواعد الشداد، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكون من القوة والثبات، وتأسف الناس عليه لكونه كان من محاسن البلد ومعالمه، وله في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة، وباب جيرون المشهور بدمشق هو باب سر في جامع دمشق لم ير باب أوسع ولا أعلى منه، فيما يعرف من الأبنية في الدنيا، وله علمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضا بارزة، من عجائب الدنيا، ومحاسن دمشق ومعالمها، وقد تم بناؤها، وقد ذكرته العرب في أشعارها والناس وهو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهو الذي بناه، وكان بناؤه له قبل الخليل ﵇، بل قبل ثمود وهود أيضا، على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه وغيره، وكان فوقه حصن عظيم، وقصر منيف، ويقال بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان ﵇، وكان اسم ذلك المارد جيرون، والأول أظهر وأشهر، فعلى الأول يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسه بل بالأيدي العادية عليه، بسبب ما ناله من شوط الحريق وذكر ابن عساكر وغيره: أن أبواب دمشق كانت سبعة كل منها يتخذ عنده عيد لهيكل من الهياكل السبعة، فباب القمر باب السلامة، وكانوا يسمونه باب الفراديس الصغير، ولعطارد باب الفراديس الكبير، وللزهرة باب توما، وللشمس الباب الشرقي، وللمريخ باب الجابية، وللمشتري باب الجابية الصغير، ولزحل باب كيسان. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2861

طاعون وموت عظيم بأفريقيا . العام الهجري: ٧٥٣ الشهر القمري: ربيع الأول العام الميلادي: ١٣٥٢ تفاصيل الحدث: عم الموت أهل جزيرة الأندلس، إلا مدينة غرناطة، فإنه لم يصب أهلها منه شيء، وباد من عداهم حتى لم يبق للفرنج من يمنع أموالهم، فأتتهم العرب من إفريقية تريد أخذ الأموال إلى أن صاروا على نصف يوم منها، مرت بهم ريح، فمات منهم على ظهور الخيل جماعة كثيرة، ودخلها باقيهم، فرأوا من الأموات ما هالهم، وأموالهم ليس لها من يحفظها، فأخذوا ما قدروا عليه، وهم يتساقطون موتى فنجا من بقى منهم بنفسه، وعادوا إلى بلادهم، وقد هلك أكثرهم، والموت قد فشا بأرضهم، بحيث مات منهم في ليلة واحدة عدد عظيم، وماتت مواشيهم ودوابهم كلها، وعم الموتان أرض إفريقية بأسرها، جبالها وصحاريها ومدنها، وجافت من الموتى، وبقيت أموال العربان سائبة لا تجد من يرعاها، ثم أصاب الغنم داء، فكانت الشاة إذا ذبحت وجد لحمها منتناً قد اسود، وتغير أيضاً ريح السمن واللبن، وماتت المواشي بأسرها، وشمل الوباء أيضاً أرض برقة إلى الإسكندرية، فصار يموت بها في كل يوم مائة، ثم مات بالإسكندرية في اليوم مائتان، وشنع ذلك حتى أنه صلى في يوم الجمعة بالجامع الإسكندري دفعة واحدة على سبعمائة جنازة، وصاروا يحملون الموتى على الجنويات والألواح وغلفت دار الطراز لعدم الصناع، وغلقت دار الوكالة لعدم الواصل إليها، وغلقت الأسواق وديوان الخمس، وقدم مركب فيه إفرنج، فأخبروا أنهم رأوا بجزيرة طرابلس مركباً عليه طير يحوم في غاية الكثرة، فقصدوه، فإذا جميع من فيه من الناس موتى، والطير تأكلهم، وقد مات من الطير أيضاً شيء كثير، فتركوهم ومروا، فما وصلوا إلى الإسكندرية حتى مات زيادة على ثلثيهم، وفشى الموت بمدينة دمنهور، وتروجة، والبحيرة كلها حتى عم أهلها، وماتت دوابهم فبطل من الوجه البحري سائر الضمانات، والموجبات السلطانية، وشمل الموت أهل البرلس نستراوه، وتعطل الصيد من البحيرة لموت الصيادين، وكان يخرج بها في المركب عدة من الصيادين لصيد الحوت، فيموت أكثرهم في المركب، ويعود من بقي منهم، فيموت بعد عوده من يومه هو وأولاده وأهله، ووجد في حيتان البطارخ شيء منتن، وفيه على رأس البطرخة كبة قدر البندقة قد اسودت ووجد في جميع زراعات البرلس وبلحها وقثائها دود، وتلف أكثر ثمر النخل عندهم، وصارت الأموات على الأرض في جميع الوجه البحري، لا يوجد من يدفنها، وعجز أهل بلبيس وسائر بلاد الشرقية عن ضم الزرع؛ لكثرة موت الفلاحين، وكان ابتداء الوباء عندهم من أول فصل الصيف، وذلك في أثناء ربيع الآخر. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2862

استيلاء بني مرين على تلمسان . العام الهجري: ٧٥٣ الشهر القمري: ربيع الأول العام الميلادي: ١٣٥٢ تفاصيل الحدث: استولى أبو عنان فارس المتوكل المريني على تلمسان حاضرة بني عبدالواد، وذلك بعد معركة جرت بينه وبين السلطان أبي سعيد عثمان الثاني سلطان بني زيان، وكان من نتائج هذه المعركة أسر أبي سعيد هذا ثم إعدامه بعد ذلك، ثم استولى أبو سعنان على بجاية أيضا. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2863

خروج بيبغاروس نائب حلب عن الطاعة وتسلطنه بها وتلقبه بالملك العادل . العام الهجري: ٧٥٣ الشهر القمري: رجب العام الميلادي: ١٣٥٢ تفاصيل الحدث: اتفق الأمير بيبغا روس نائب حلب مع الأمير أحمد الساقى نائب حماة، والأمير بكلمش نائب طرابلس على العصيان، فجرد في يوم السبت سابع عشر رجب جماعة من الأمراء وأجناد الحلقة إلى الصعيد، منهم عمر شاه الحاجب، وقماري الحاجب، ومحمد بن بكتمر الحاجب، وشعبان قريب يلبغا، وكتب لبيبغا روس نائب حلب بالحضور إلى مصر، على يد سنقر وطيدمر من مماليك الحاج أرقطاي وكتب معهما ملطفات لأمراء حلب تتضمن أنه إن امتنع عن الحضور فهو معزول، ورسم لهما أن يعلما بيبغا بذلك أيضا مشافهة بحضرة الأمراء فقدم البريد من دمشق، بموافقة ابن دلغادر لبيبغا روس، وأنه تسلطن بحلب، وتلقب بالملك العادل، وأظهر أنه يريد مصر لأخذ غرمائه، وهم طاز وشيخو وصرغتمش وبزلار وأرغون الكاملي نائب الشام، ثم قدم البريد بأن قراجا بن دلغادر قدم حلب في جمع كبير من التركمان، فركب بيبغا روس وقد واعد نائب حماة ونائب طرابلس على مسيرة أول شعبان، وأنهم تلقوه بعساكرهم على الدستن، فركب الأمير أرقطاى الدوادار الكبير البريد، بملطفات لجميع أمراء حلب وحماة ونائب طرابلس، فقدم دمشق وبعث بالمطلفات لأصحابها، فوجد أمر بيبغا روس قد قوي، ووافقه النواب والعساكر وابن دلغادر تركمانه وكسابته، وجبار بن مهنا بعربانه فكتب الأمير أرغون الكاملي نائب الشام بأن سفر السلطان لابد منه، " وإلا خرح عنكم جميعه "، فاتفق رأي الأمراء على ذلك، وخرج الأمير طاز في يوم الخميس ثالث شعبان، ومعه الأمير بزلار، والأمير كلتاي أخو طاز، وفارس الدين ألبكي ثم خرج الأمير طيبغا المجدي وابن أرغون النائب، ثم إن بيبغاروس حاول أخذ دمشق وحاصرها واشتد الأمر على أهل دمشق وامتنعوا عليه فأمر بنهب البلد من الضياع والبساتين ثم إن عسكر مصر بقيادة طاز وصل إلى دمشق فهرب بيبغا إلى حلب، ثم لجأ منها إلى الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر ذو القدر أمير ألبستان وملاطية، ولكن لم يلبث الأمر كثيرا حتى كان القبض عليه ومن معه من أعوانه ثم تم قتله بعد ذلك في السنة التالية بحلب حيث سلمه الأمير قراجا إلى نائب حلب الجديد أرغون الكاملي بعد أن حلف له الأخير أنه لا يحاربه، ثم يوم الاثنين ثامن عشري ذي الحجة: قدم البريد من حلب بأخذ أحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش نائب طرابلس، من عند ابن دلغادر، وقد قبضهما، فدخلا حلب في حادي عشريه، وسجنا بقلعتها، فأجيب الأمير أرغون الكاملي نائب حلب بالشكر والثناء، وأنه يشهر المذكورين بحلب، ويقتلهما، وجهز لنائب حلب خلعة. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2864

وفاة الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله وتولية أخيه أبي بكر المعتضد بالله . العام الهجري: ٧٥٣ الشهر القمري: ذو الحجة العام الميلادي: ١٣٥٣ تفاصيل الحدث: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد الهاشمي العباسي، كان بويع بالخلافة بعد وفاة والده بقوص في العشرين من شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فلم يمض له ما عهده أبوه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون لما كان في نفسه من والده المستكفي بالله من ميله للملك المظفر بيبرس الجاشنكير، وأراد أن يولي الخلافة لبعض أقاربه، بل أحضره وخلع عليه، ثم مات الملك الناصر بعد ذلك بمدة يسيرة، فتمت بموته خلافة الحاكم هذا إلى أن مات في هذه السنة بسبب الطاعون، والمتولي يومئذ لأمور الديار المصرية الأمير شيخون والأمير طاز والأمير صرغتمش ونائب السلطنة الأمير قبلاي، والسلطان الملك الصالح، وكان الحاكم مات ولم يعهد بالخلافة لأحد، فجمع الأمراء القضاة، وطلب جماعة من بني العباس، حتى وقع الاختيار على أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان فبايعوه ولقبوه بالمعتضد بالله، فكانت مدة خلافة الحاكم بأمر الله قرابة العشر سنوات ونصف. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2865

أسر الشريف ثقبة وإقرار الشريف عجلان على إمرة مكة . العام الهجري: ٧٥٤ العام الميلادي: ١٣٥٣ تفاصيل الحدث: أسر السلطان والأمراء مدبرو الدولة إلى أمير الحاج ومن صحبته من الأمراء أن يقبضوا على الشريف ثقبة، ويقرروا الشريف عجلان بمفرده على إمارة مكة، فلما قدم الحاج بطن مر، ومضى عجلان إلى لقائهم شكا إلى الأمراء من أخيه ثقبة، وذكر ما فعله معه، وبكى، فطمنوا قلبه، وساروا به معهم حتى لقيهم ثقبة في قواده وعبيده، فألبسوه خلعة على العادة، ومضوا حافين به نحو مكة، وهم يحادثونه في الصلح مع أخيه عجلان، ويحسنون له ذلك، وهو يأبى موافقتهم حتى أيسوا منه، فمد الأمير كشلى يده إلى سيفه فقبض عليه، وأشار إلى من معه فألقوه عن فرسه، وأخذوه ومعه ابن لعطيفة، وآخر من بني حسن، وكبلوهم بالحديد، ففر القواد والعبيد، وأحضر عجلان، وألبس التشريف؛ وعبروا به إلى مكة، فلم يختلف عليهم اثنان، وسلم ثقبة للأمير أحمد بن آل ملك، فسر الناس بذلك، وكثر جلب الغلال وغيرها، فانحل السعر وقبض على إمام الزيدية أبي القاسم محمد بن أحمد اليمني، وكان يصلي في الحرم بطائفته، ويتجاهر، ونصب له منبراً في الحرم يخطب عليه يوم العيد وغيره، بمذهبه، فضرب بالمقارع ضرباً مبرحاً ليرجع عن مذهبه، فلم يرجع وسجن، ففر إلى وادي نخلة، فلما انقضى موسم الحاج حمل الشريف ثقبة مقيداً إلى مصر. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2866

خروج قراجا بن دلغادر أمير ألبستان عن الطاعة وقتاله . العام الهجري: ٧٥٤ الشهر القمري: ربيع الأول العام الميلادي: ١٣٥٣ تفاصيل الحدث: خرج عن الطاعة قراجا بن دلغادر أمير ألبستان وكان ممن ساعد بيبغا نائب حلب على الخروج أولا ثم سلمه بنفسه، وكان نائب حلب الجديد أرغوان الكاملي قد حلف له أنه لا يقاتله إن سلم له بيبغا، فلما طلب من أرغون المسير إلى قراجا للقضاء عليه لعصيانه امتنع واعتذر بأنه حلف له أن لا يقاتله، ثم ألزم الأمير أرغون الكاملي نائب حلب حتى سار لحرب ابن دلغادر وأتاه نواب القلاع حتى صار في عشرة آلاف فارس، سوى الرجالة والتركمان، ونزل الأمير أرغون الكاملي على الأبلستين، فنهبها وهدمها، وتوجه إلى قراجا بن دلغادر، وقد امتنع بجبل عال، فقاتلوه عشرين يوماً، فقتل فيها وجرح عدد كثير من الفريقين، فلما طال الأمر نزل إليهم قراجا بن دلغادر، وقاتلهم صدرا من النهار قتالا شديداً، فاستمر القتل في تركمانه، وانهزم إلى جهة الروم، فأخذت أمواله ومواشيه، وصعد العسكر إلى جبل، فوجدوا فيه من الأغنام والأبقار ما لا يكاد ينحصر، فاحتووا عليها، بحيث ضاقت أيديهم عنها، وأبيع الرأس من البقر بعشرين إلى ثلاثين درهماً، والرأس من الضان بثلاثة دراهم، والإكديش من أربعين إلى خمسين درهماً، وسبيت نساؤه ونساء تركمانه وأولاده، وبيعوا بحلب وغيرها بالهوان، فكانت خيار بناته تباع بخمسمائة درهم؛ وظفروا بدفائن فيها مال كبير، وكان ابن دلغادر لما انهزم تبعه العسكر، وأسروا ولديه ونحو الأربعين من أصحابه، ونجا بخاصة نفسه إلى ابن أرتنا، وقد سبق الكتاب إليه بإعمال الحيلة في قبضه، فأكرمه ابن أرتنا وأواه، ثم قبض عليه وحمله إلى حلب، فدخلها وسجن بقلعتها في ثاني عشرى شعبان، فكتب إلى الأمير أرغون الكاملي نائب حلب بحمله إلى مصر، وأنعم عليه بخمسمائة ألف درهم، منها ثلاثمائة ألف من مال دمشق، وباقيه من مال حلب، وأعفي الأمير أرغون من تسيير القود الذي جرت عادة نواب حلب بحمله إلى السلطان من الخيل والجمال البخاتي والهجن والعراب ومن البغال والقماش والجواري والمماليك، وقيمته خمسمائة ألف درهم، فعظم بذلك شأن الأمير أرغون الكاملي نائب حلب، فإنه مع صغر سنه كان له أربعة مماليك أمراء، وله ولد عمره ثلاث سنين أمير مائة مقدم ألف، فلما مات هذا الولد أضيفت تقدمته إلى إقطاع النيابة، وكان لأربعة من أخوته القادمين من البلاد وأقاربه أربع إمرات، وفي يوم الخميس خامس عشر رمضان: وصل مقدم التركمان قراجا بن دلغادر، وهو مقيد في زنجير، فأقيم بين يدى السلطان، وعددت ذنوبه، ثم أخرج إلى الحبس، فلم يزل به إلى أن قدم البريد من حلب بأن جبار بن مهنا استدعى أولادا بن دلغادر في طائفة كبيرة من التركمان، لينجدوه على سيف، وكان سيف قد التجأ إلى بني كلاب، فالتقى الجمعان على تعبئة، فانكسر التركمان وقتل منهم نحو سبعمائة رجل، وأخذ منهم ستمائة إكديش، فكتب السلطان من سرياقوس - وكان بها - إلى النائب قبلاي بقتل ابن دلغادر، فأخرجه من السجن إلى تحت القلعة ووسطه، في يوم الاثنين رابع عشر ذي القعدة، بعد ما أقام مسجوناً ثمانية وأربعين يوماً. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2867

فتنة العربان بالصعيد بقيادة الأحدب بن واصل . العام الهجري: ٧٥٤ الشهر القمري: جمادى الآخرة العام الميلادي: ١٣٥٣ تفاصيل الحدث: كثر عبث العربان ببلاد الصعيد بقيادة الأحدب بن واصل، وقووا على المقطعين، وقام من شيوخهم رجل أحدب، فجمع جمعاً كبيراً، وتسمى بالأمير، فقدم الخبر في شعبان بأنهم كبسوا ناحية ملوى، وقتلوا بها نحو ثلاثمائة رجل، ونهبوا المعاصر، وأخذوا حواصلها وذبحوا أبقارها، وأن عرب منفلوط والمراغة وغيرهم قد نافقوا، وقطعوا بعض الجسور بالأشمونين، فوقع الاتفاق على الركوب عليهم بعد تخضير الأراضي بالزراعة، وكتب إلى الولاة بتجهيز الإقامات براً وبحراً، فأخذ العرب حذرهم، فتفرقوا واختفوا، وقدمت طائفة منهم إلى مصر، فأخذوا، وكانوا عشرة، فقبض ما وجد معهم من المال، وحمل الأمير جندار، فإنهم كانوا فلاحيه، وأتلفوا، فلما برز الحاج إلى بركة الحجاج ركب الأمير شيخو، وضرب حلقة على الركب، ونادى من كان عنده بدوي وأخفاه حل دمه، وفتش الخيام وغيرها، فقبض على جماعة، فوسط بعضهم وأفرج عن بعض، ثم لما عاد السلطان إلى الجيزة كبست تلك النواحي، وحذر الناس من إخفاء العربان، فأخذ البحري والبري، وقبضت خيول تلك النواحي وسيوف أهلها بأسرها، وعرضت الرجال، فمن كان معروفا أفرج عنه، ومن لم يعرف أقر في الحديد، وحمل إلى السجن، ورسم أن الفلاحين تبيع خيولهم بالسوق، ويوردون أثمانها مما عليهم من الخراج فبيعت عدة خيول، وأورد أثمانها للمقطعين، والفرس الذي لم يعرف له صاحب حمل إلى إصطبل السلطان، وكتب للأمير عز الدين أزدمر، الكاشف بالوجه البحري، أن يركب ويكبس البلاد التي لأرباب الجاه، والتي يأويها أهل الفساد فقبض على جماعة كثيرة ووسطهم، وساق منهم إلى القاهرة نحو ثلاثمائة وخمسين رجلا، ومائة وعشرين فرساً، وسلاحاً كثيراً، ثم أحضر الأمير أزدمر من البحيرة ستمائة وأربعين فرساً، فلم يبق بالوجه البحري فرس، ورسم لقضاة البر وعدوله بركوب البغال والأكاديش، ثم كبست البهنسا وبلاد الفيوم، فركب الأميران طاز وصرغتمش، بمن معهما إلى البلاد، وقد مر أهلها، واختفى بعضهم في حفائر تحت الأرض، فقبضوا النساء والصبيان، وعاقبوهم حتى دلوهم على الرجال، فسفكوا دماء كثيرين، وعوقب كثير من الناس بسبب من اختفي، وأخذت عدة أسلحة، فحشد الأحدب بن واصل شيخ عرك جموعه، وصمم على لقاء الأمراء، وحلف أصحابه على ذلك، وقد اجتمع معه عرب منفلوط، وعرب المراغة وبني كلب وجهينة وعرك، حتى تجاوزت فرسانه عشرة آلاف فارس تحمل السلاح، سوى الرجالة المعدة، فإنها لا تعد ولا تحصى لكثرتها، ثم رحل الأمير شيخو عن أسيوط، وبعث الأمير مجد الدين الهذبانى ليؤمن بنى هلال أعداء عرك، ويحضرهم ليقاتلوا عرك أعداءهم، فانخدعوا بذلك، وفرحوا به، وركبوا بأسلحتهم، وقدموا في أربعمائة فارس، فما هو إلا أن وصلوا إلى الأمير شيخو فأمر بأسلحتهم وخيولهم فأخذت بأسرها، ووضع فيهم السيف، فأفناهم جميعاً، ثم قاتلوا العرب الباقين على دفعات يقتلوهم وأسروا منهم الكثير واسترقوا الأولاد والحريم، وهلك من العرب خلائق بالعطش، ما بين فرسان ورجالة وجدهم المجردون في طلبهم، فسلبوهم، وصعد كثير منهم إلى الجبال، واختفوا في المغائر، فقتل العسكر وأسر، وسبا عدداً كثيراً، وارتقوا إلى الجبال في طلبهم، وأضرمرا النيران في أبواب المغائر فمات بها خلق كثير من الدخان، وخرج اليهم جماعة، فكان فيهم من يلقي نفسه من أعلى الجبل ولا يسلم نفسه، ويرى الهلاك أسهل من أخذ العدو له، فهلك في الجبال أمم كثيرة وقتل منهم بالسيف ما لا يحصى كثرة، حتى عملت عدة حفائر وملئت من رممهم، وبني فوقها مصاطب ضربت الأمراء رنوكها عليها، وأنتنت البرية من جيف القتلى ورمم الخيل، وكان الأحدب قد نجا بنفسه، فلم يقدر عليه، ومن حينئد أمنت الطرقات براً وبحراً، فلم يسمع بقاطع طريق بعدها، ووقع الموت فيمن تأخر في السجون من العربان، فكاد يموت منهم في اليوم من عشرين إلى ثلاثين، حتى فنوا إلا قليلاً، وفي شهر ربيع الأول: قدم محمد بن واصل الأحدب، شيخ عرك من بلاد الصعيد، طائعاً، وكان من خبره أنه لما نجا وقت الهزيمة، وأخذت أمواله وحرمه، ترامى بعد عود العسكر على الشيخ المعتقد أبى القاسم الطحاوى فكتب الشيخ في أمره إلى الأمير شيخو، يسأل العفو عنه وتأمينه، على أنه يقوم بدرك البلاد، ويلتزم بتحصيل جميع غلالها وأموالها، وما يحدث بها من الفساد فإنه مؤاخذ به، وأنه يقابل نواب السلطان من الكشاف والولاة فكتب له أمان سلطاني، وكوتب بتطييب خاطره وحضوره آمناً، فسار ومعه الشيخ أبو القاسم، فأكرم الأمراء الشيخ، وأكرموا لأجله الأحدب، وكان دخوله يومًا مشهوداً، وتمثل الأحدب بين يدي السلطان، وأنعم عليه السلطان وألبسه تشريفاً وناله من الأمراء إنعام كثير، وضمن منهم درك، البلاد على ما تقدم ذكره، فرسم له بإقطاع، وعاد الأحدب إلى بلاده بعد ما أقام نحو شهر. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2868

محاولة قتل أمير المدينة الشريف فضل بن قاسم . العام الهجري: ٧٥٥ العام الميلادي: ١٣٥٤ تفاصيل الحدث: أن الشريف مانع بن على بن مسعود بن جماز وأولاد طفيل جمعوا ونازلوا المدينة، يريدون قتل الشريف فضل بن قاسم بن قاسم بن جماز فامتنع بها، وهم يحاصرونه اثني عشر يوماً مرت بينهم فيها حروب، فانهزموا ومضو من حيث أتوا. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2869

فتنة أهل الذمة بمصر وإلزامهم بالشروط العمرية وزيادة . العام الهجري: ٧٥٥ الشهر القمري: جمادى الآخرة العام الميلادي: ١٣٥٤ تفاصيل الحدث: أن النصارى قد تعاظموا، وتباهوا بالملابس الفاخرة، وبنوا الأملاك الجليلة في مصر والقاهرة ومتنزهاتها، واقتنوا الجواري الجميلة من الأتراك والمولدات، واستولوا على دواوين السلطان والأمراء، وزادوا في الحمق والرقاعة، وتعدوا طورهم في الترفع والتعاظم، وأكثروا من أذى المسلمين وإهانتهم، وتحركت الناس في أمر النصارى وماجوا، وانتدب عدة من أهل الخير لذلك، وصاروا إلى الأمير طاز الشريف أبى العباس الصفراوي، وبلغوه ما عليه النصارى مما يوجبه نقض عهدهم، وانتدبوه لنصرة الإسلام والمسلمين، فانتفض الأمير طاز لذلك، وحدث الأميرين شيخو وصرغتمش وبقية الأمراء في ذلك بين يدي السلطان، فوافقوه جميعاً، وكان لهم يومئذ بالإسلام وأهله عناية، ورتبوا قصة على لسان المسلمين، قرئت بدار العدل على السلطان بحضرة الأمراء والقضاة وعامة أهل الدولة، فرسم بعقد مجلس للنظر في هذا الأمر، ليحمل النصارى واليهود على العهد الذي تقرر في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وطلب بطرك النصارى ورئيس اليهود، وحضرت قضاة القضاة وعلماء الشريعة، وأمراء الدولة، وجيء بالبطرك والرئيس، فوقفا على أرجلهما وقرأ العلائي علي ابن فضل الله كاتب السر نسخة العهد الذي بيننا وبين أهل الذمة، بعد ما ألزموا بإحضاره، وهو ألا يحدثوا في البلاد الإسلامية وأعمالها ديراً ولا كنيسة ولا صومعة، ولا يجددوا منها ما خرب، ولا يمنعوا من كنائسهم التي عاهدوا عليها أن ينزل بها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونه، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يمنعوهم من الإسلام إن أرادوا، وإن أسلم أحدهم لا يردوه، ولا يتشبهوا بشيء من ملابس المسلمين ويلبس النصراني منهم العمامة الزرقاء عشر أذرع فما دونها، واليهودي العمامة الصفراء كذلك، ويمنع نساؤهم من التشبه بنساء المسلمين، ولا يتسموا بأسماء المسلمين، ولا يكتنوا بكناهم، ولا يتلقبوا بألقابهم، ولا يركبوا على سرج، ولا يتقلدوا سيفاً، ولا يركبوا الخيل والبغال، ويركبون الحمير عرضاً بالكف من غير تزيين ولا قيمة عظيمة لها، ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، والمرأة من النصارى تلبس الإزار المصبوغ أزرق، والمرأة من اليهود تلبس الإزار المصبوغ بالأصفر، ولا يدخل أحد منهم الحمام الا بعلامة مميزة عن المسلم في عنقه، من نحاس أو حديد أو رصاص أو غير ذلك، ولا يستخدموا مسلماً في أعمالهم، وتلبس المرأة السائرة خفين أحدهما أسود والآخر أبيض، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يرفعوا بناء قبورهم، ولا يعلوا على المسلمين في بناء، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً، ولا يرفعوا أصواتهم في كنائسهم، ولا يشتروا من الرقيق مسلماً ولا مسلمة، ولا ما جرت عليه سهام المسلمين، ولا يمشوا وسط الطريق توسعة للمسلمين، ولا يفتنوا مسلماً عن دينه، ولا يدلوا على عورات المسلمين، ومن زنى بمسلمة قتل، ومن خالف ذلك فقد حل منه ما يحل من أهل المعاندة والشقاق، وكل من مات من اليهود والنصارى والسامرة، ذكراً كان أو أنثى، يحتاط عليه ديوان المواريث الحشرية، بالديار المصرية وأعمالها وسائر الممالك الإسلامية، إلى أن يثبت ورثته ما يستحقونه بمقتضى الشرع الشريف، فإذا استحق يعطونه بمقتضاه، وتحمل البقية لبيت مال المسلمين، ومن مات منهم ولا وارث له يحمل موجوده لبيت المال، ويجرى على موتاهم الحوطة من ديوان المواريث ووكلاء بيت المال مجرى من يموت من المسلمين، إلى أن تبين مواريثهم، وكان هذا العهد قد كتب في رجب سنة سبعمائة في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون، فلما انتهى العلائي علي بن فضل الله كاتب السر من قراءته تقلد بطرك النصارى وديان اليهود حكم ذلك، والتزما بما فيه، وأجابا بالسمع والطاعة، ثم جال الحديث في أمر اليهود والنصارى وإعادة وقائعهم الماضية، وأنهم بعد التزامهم أحكام العهد يعودون إلى ما نهوا عنه، فاستقر الحال على أنهم يمنعون من الخدم في جميع الأعمال، ولا يستخدم نصراني ولا يهودي في ديوان السلطان، ولا في شيء من دواوين الأمراء، ولو تلفظ بالإسلام، على أن أحداً منهم لا يكره على الإسلام، فإن أسلم برضاه، لا يدخل منزله، ولا يجتمع بأهله، الا إن اتبعوه في الإسلام، ويلزم أحدهم إذا أسلم، بملازمة المساجد والجوامع، وكتب بذلك كله مراسيم سلطانية سار بها البريد إلى البلاد الإسلامية، فكان تاريخها ثاني عشري جمادى الآخرة، وقرىء منها مرسوم، بمجلس السلطان في يوم الخميس خامس عشريه، وركب من الغد يوم الجمعة سادس عشريه الأمير سيف الدين قشتمر الحاجب، ومعه الشريف شهاب الدين المنشئ بالمراسيم السلطانية إلى البلاد الإسلامية، وقرىء مرسوم بجامع عمرو من مدينة مصر، وآخر بجامع الأزهر من القاهرة، فكان يوماً عظيماً هاجت فيه حفائظ المسلمين، وتحركت سواكنهم، لما في صدورهم من الحنق على النصارى، ونهضوا من ذلك المجلس بعد صلاة الجمعة، وثاروا باليهود والنصارى، وأمسكوهم من الطرقات، وتتبعوهم في المواضع وتناولوهم بالضرب، ومزقوا ما عليهم من الثياب، وأكرهوهم على الإسلام، فيضطرهم كثرة الضرب والإهانة إلى التلفظ بالشهادتين خوف الهلاك، فإنهم زادوا في الأمر حتى أضرموا النيران، وحملوا اليهود والنصارى، وألقوهم فيها، فاختفوا في بيوتهم، حتى لم يوجد منهم أحد في طريق ولا ممر، وشربوا مياه الآبار لامتناع السقائين من حمل الماء من النيل إليهم، فلما شنع الأمر نودي في القاهرة ومصر ألا يعارض أحد من النصارى أو اليهود، فلم يرجعوا عنهم، وحل بهم من ذلك بلاء شديد، كان أعظمه نكاية لهم أنهم منعوا من الخدم بعد إسلامهم، فإنهم كانوا فيما مضى من وقائعهم إذا منعوا من ذلك كادوا المسلمين لإظهار الإسلام، ثم بالغوا في إيصال الأذى لهم بكل طريق، بحيث لم يبق مانع يمنعهم لأنه صار الواحد منهم فيما يظهر مسلماً ويده مبسوطة في الأعمال، وأمره نافذ، وقوله ممتثل، فبطل ما كانوا يعملون، وتعطلوا عن الخدم في الديوان، وامتنع اليهود والنصارى من تعاطى صناعة الطب، وبذل الأقباط جهدهم في إبطال ذلك، فلم يجابوا إليه، ثم لم يكف الناس من النصارى ما مر بهم حتى تسلطوا على كنائسهم ومساكنهم الجليلة التي رفعوها على أبنية المسلمين، فهدموها، فازداد النصارى واليهود خوفاً على خوفهم، وبالغوا في الاختفاء، حتى لم يظهر منهم أحد في سوق ولا في غيره، ثم وقعت قصص على لسان المسلمين بدار العدل تتضمن أن النصارى استجدوا في كنائسهم عمال، ووسعوا بناءها، وتجمع من الناس عدد لا ينحصر، واستغاثوا بالسلطان في نصرة الإسلام، وذلك في يوم الاثنين رابع عشر رجب، فرسم لهم أن يهدموا الكنائس المستجدة، فنزلوا يداً واحدة وهم يضجون، وركب الأمير علاء الدين علي بن الكوراني والي القاهرة ليكشف عن صحة ما ذكروه، فلم يتمهلوا بل هجموا على كنيسة بجوار قناطر السباع، وكنيسة للأسرى في طريق مصر، ونهبوهما وأخذوا ما فيهما من الأخشاب والرخام وغير ذلك، ووقع النهب في دير بناحية بولاق الدكرور، وهجموا على كنائس مصر والقاهرة، وأخربوا كنيسة بحارة الفهادين من الجوانية بالقاهرة، وتجمعوا لتخريب كنيسة بالبندقانيين من القاهرة، فركب والي القاهرة ومازال حتى ردهم عنها، وتمادى هذا الحال حتى عجزت الحكام عن كفهم، وكثرت الأخبار من الوجه القبلي والوجه البحري بدخول النصارى في الإسلام، ومواظبتهم المساجد، وحفظهم للقرآن، حتى إن منهم من ثبتت عدالته وجلس مع الشهود، فإنه لم يبق في جميع أعمال مصر كلها قبليها وبحريها كنيسة حتى هدمت، وبنى مواضع كثير منها مساجد، فلما عظم البلاء على النصارى، وقلت أرزاقهم، رأوا أن يدخلوا في الإسلام، ففشا الإسلام في عامة نصارى أرض مصر، حتى أنه أسلم من مدينة قليوب خاصة في يوم واحد أربعمائة وخمسون نفراً، وممن أسلم في هذه الحادثة الشمس القسى، والخيصم، وحمل كثير من الناس فعلهم هذا على أنه من جملة مكرهم، لكثرة ما شنع العامة في أمرهم، فكانت هذه الواقعة أيضاً من حوادث مصر العظيمة، ومن حينئذ اختلطت الأنساب بأرض مصر، فنكح هؤلاء الذين أظهروا الإسلام بالأرياف المسلمات، واستولدوهن، ثم قدم أولادهم إلى القاهرة، وصار منهم قضاة وشهود وعلماء، ومن عرف سيرتهم في أنفسهم، وفيما ولوه من أمور المسلمين، تفطن لما لا يمكن التصريح به. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2870

إبطال عيد الشهيد بمصر وحرق الصندوق المزعوم أن فيه إصبع الشهيد . العام الهجري: ٧٥٥ الشهر القمري: رجب العام الميلادي: ١٣٥٤ تفاصيل الحدث: بعد ما حدث بمصر من فتنة أهل الذمة وما جرى من إلزامهم بالشروط العمرية وزيادة وما جرى من هدم للكنائس المحدثة وغيرها، فلما كان في أخريات رجب بلغ الأمير صرغتمش أن بناحية شبرا الخيام كنيسة فيها أصبع الشهيد التي ترمى كل سنة في النيل زعما منهم أنها تعمل على زيادة الخير والماء فيه ويعملون في هذا اليوم عيدا معروفا بعيد الشهيد يحدث فيه من المنكرات والفواحش الكثير مما يستحى من ذكره، فتحدث مع السلطان فيه، فرسم بركوب الحاجب والوالي إلى هذه الكنيسة وهدمها، فهدمت ونهبت حواصلها، وأخذ الصندوق الذي فيه أصبع الشهيد، وأحضر إلى السلطان وهو بالميدان الكبير قد أقام به فأضرمت النار، وأحرق الصندوق، بما فيه، ثم ذرى رماده في البحر، وكان يوم رمي هذا الأصبع في النيل من الأيام المشهودة، فإن النصارى كانوا يجتمعون من جميع الوجه البحري ومن القاهرة ومصر في ناحية شبرا، وتركب الناس المراكب في النيل، وتنصب الخيم التي يتجاوز عددها الحد في البر، وتنصب الأسواق العظيمة، ويباع من الخمر ما يودون به ما عليهم من الخراج، فيكون من المواسم القبيحة، وكان المظفر بيبرس قد أبطله أيام سلطنته، فأكذب الله النصارى في قولهم أن النيل لا يزيد ما لم يرم فيه أصبع الشهيد، وزاد تلك السنة حتى بلغ إلى أصبع من ثمانية عشر ذراعاً، ثم سعت الأقباط حتى أعيد رميه في الأيام الناصرية، فأراح الله منه بإحراقه، وأخذ عباد الصليب في الإرجاف بأن النيل لا يزيد في هذه السنة، فأظهر الله تعالى قدرته، وبين للناس كذبهم، بأن زاد النيل زيادة لم يعهد مثلها قبل ذلك، فإنه انتهى في الزيادة إلى أصابع من عشرين ذراعاً، فقيل خمسة، وقيل سبعة، وقيل عشرون أصبعاً، من عشرين ذراعاً، ففسدت الأقصاب والنيلة ونحوها من الزراعات، وفسدت الغلال التي بالمطامير والأجران والمخازن، وتقطعت الجسور التي بجميع النواحي، قبليها وبحريها، وتعطلت أكثر الدواليب وتهدمت دور كثيرة مما يجاور النيل والخلجان، وغرقت البساتين، وفاض الماء حتى بلغ قنطرة قديدار فكانت المراكب تصل من بولاق اليها، ويركب الناس في المراكب من بولاق إلى شبرا ودمنهور. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2871

وفاة أمير غرناطة يوسف وتولي ابنه بعده . العام الهجري: ٧٥٥ الشهر القمري: شوال العام الميلادي: ١٣٥٤ تفاصيل الحدث: توفي السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج من بني نصر صاحب غرناطة وما والاها؛ طعن بخنجر في جبينه في يوم عيد الفطر، فمات منه، وتسلطن بعده ابنه أبو عبد الله محمد بن يوسف، وتلقب بالغني بالله. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2872

خلع السلطان الصالح صلاح الدين وإعادة السلطان الناصر حسن . العام الهجري: ٧٥٥ الشهر القمري: شوال العام الميلادي: ١٣٥٤ تفاصيل الحدث: بعد أن اتفق الأمراء بأن يكون الأمر كله للسلطان وأنه هو الذي يدير السلطنة بنفسه من رأيه، استبد بالأمر وقرب إليه الأمير طاز وكان قد شغف بأخيه جنتمر كثيرا، واستبعد الأمير شيخون كليا، بل زاد الأمر أن السلطان قد اتفق مع إخوة طاز على أن يقبض عليه وعلى صرغتمش يوم العيد، وكان طاز قد توجه إلى البحيرة في هذه الأيام للصيد، بعد ما قرر مع السلطان ما ذكر، فركب السلطان في يوم الأحد أول شوال لصلاة العيد في الإصطبل على العادة، وقرر مع كلتاي وجنتمر وأصر على ما يفعلونه، وأمر بمائة فرس فشدت وأوقفت، فلم يحضر شيخو صلاة العيد، وكان قد بلغه جميع ما تقرر من نية السلطان القبض عليه، فباتوا ليلة الاثنين على حذر، وأصبحوا وقد اجتمع مع الأمير شيخو من الأمراء صرغمتش وطقطاى ومن يلوذ بهم، وركبوا إلى تحت الطبلخاناه، ورسموا للآصر علم بضرب الكوسات، فضربت حربياً، فركب جميع العسكر تحت القلعة بالسلاح وصعد الأمير تنكربغا والأمير أسنبغا المحمودي إلى القلعة، وقبضا على السلطان الصالح صلاح الدين وسجناه مقيداً، فزال ملكه في أقل من ساعة وصعد الأمير شيخو ومن معه من الأمراء إلى القلعة، وأقامت أطلابهم على حالها تحت القلعة، وقبض الأمير شيخو على إخوة الأمير طاز، واستشار فيمن يقيمه للسلطنة، وصرح هو ومن معه بخلع الملك الصالح صلاح الدين، فكانت مدة سلطنته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، فاقتضى رأى الأمير شيخو وسائر الأمراء إعادة السلطان الناصر حسن، لما كان يبلغهم عنه من ملازمته في مدة حبسه للصلوات الخمس والإقبال على الاشتغال بالعلم حتى إنه كتب بخطه كتاب دلائل النبوة للبيهقي، فاستدعوا الخليفة وقضاة القضاة، وأحضروا السلطان من محبسه، وأركبوه بشعار المملكة، ومشى الأمراء كلهم، وسائر أرباب الدولة في ركابه، حتى جلس على تخت الملك، وبايعه الخليفة، فقبلوا له الأرض على العادة، وذلك في يوم الاثنين ثاني شهر شوال، وبات الأمراء في الأشرفية من القلعة، وسجن الملك الصالح صلاح الدين حيث كان أخوه الملك الناصر حسن مسجوناً. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2873

طلب البيزنطيين من العثمانيين المساعدة . العام الهجري: ٧٥٦ العام الميلادي: ١٣٥٥ تفاصيل الحدث: طلب إمبراطور بيزنطة يوحنا الخامس من أورخان بن عثمان مساعدته ضد إمبراطور الصرب اصطفان دوشان الملقب بالقوي الذي تحالف مع البندقية والإمارات الصربية للهجوم على القسطنطينية ووعد بأن يزوجه ابنة الوصي على العرش يوحنا كانتا كوزين التي تزوج هو أختها الأخرى، ليصبحا عديلين، وأرسل له أورخان الجند غير أن اصطفان دوشان قد أدركه الموت وتوقف الاستعداد وعاد الجنود العثمانيون إلى بلادهم دون قتال وتزوج أورخان ابنة الوصي، وكانت هذه الحادثة قد أشعرت أورخان بضعف الدولة البيزنطية. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2874

وفاة تقي الدين السبكي (الأب) الشافعي . العام الهجري: ٧٥٦ الشهر القمري: جمادى الآخرة العام الميلادي: ١٣٥٥ تفاصيل الحدث: تقي الدين أبو الحسن علي بن زين الدين عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم الأنصاري السبكي الشافعي توفي بشاطىء النيل في ليلة الاثنين رابع جمادى الآخرة؛ ومولده في شهر صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة بسبك الثلاث، وهي قرية بالمنوفية من أعمال الديار المصرية بالوجه البحري، كان إماماً عالماً بالفقه والأصلين والحديث والتفسير والنحو والأدب، ولي الإفتاء والقضاء بالقاهرة ثم انتقل إلى دمشق فلما اعتل عاد إلى القاهرة وهو والد تاج الدين السبكي, وله من المصنفات مختصر طبقات الفقهاء ومجموع فتاوى والابتهاج شرح المنهاج ورفع الشقاق في مسألة الطلاق وقد تناظر فيها كثيرا مع ابن القيم وكان بينهم بسبب ذلك مناظرات، وله كشف الغمة في ميراث أهل الذمة وله كشف الدسائس في هدم الكنائس وغيرها. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً

стр. 2875

وفاة حسن الجلائري مؤسس الدولة الجلائرية بالعراق وتولي ابنه بعده . العام الهجري: ٧٥٧ العام الميلادي: ١٣٥٦ تفاصيل الحدث: حسن بن حسين بن أقبغا بن أيلكان التتري، سبط أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طولون بن جنكيزخان ملك التتار صاحب " اليسق " والأحكام التركية، وكانت مدته سبع عشرة سنة، ثم قام بالأمر بعده ابنه أويس بهادر خان خلفا له. (تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
следующие страницы →