الأصل الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر – عند النظر في مسألة التكفير – وموجب للفسق – عند النظر في مسألة التفسيق -.
الأصل الثاني: انطباق الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم فيه شروط التكفير أو التفسيق وتنتفي موانعهما.
١٠ – أن تكفير السلف لبعض فرق أهل البدع كالجهمية، والقدرية المنكرين للعلم وغلاة الرافضة: هو من باب التكفير المطلق الذي لا يلزم منه تكفير كل أفراد تلك الفرق.
١١ – بيان موقف أهل السنة من لعن أهل البدع: وأن اللعن عندهم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: اللعن المطلق وهو اللعن بالوصف الأعم كاللعن بوصف دلت النصوص على اللعن به، وهي ثلاثة أوصاف: (الكفر، والفسق، والابتداع) أو بوصف أخص كلعن اليهود، والنصارى، والمجوس، وبعض الفرق المنتسبة للإسلام من أهل البدع.
القسم الثاني: اللعن للمعين كقولك (لعن الله فلاناً .. وتسميه).
أما اللعن المطلق: فجائز بمرتبتيه دلت على ذلك النصوص وكلام السلف وأما اللعن المعين: فحكمه محل اختلاف بين السلف، قسم منعه، وقسم أجازه في حق الكافر دون الفاسق، وقسم أجازه إن كان المعين مستحقاً للعن سواء أكان كافراً أو مسلماً، بمعنى أن يأتي بفعل ملعون عليه في الشرع وتتحقق فيه شروط اللعن وتنتفي فيه الموانع والقول الثالث هو الراجح والله أعلم.
١٢ – بيان موقف أهل السنة من حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله، وجملة مذهبهم في هذه المسألة: أن عمل المبتدع من حيث قبوله أو رده خاضع للضوابط المراعاة في قبول الأعمال عند الله على وجه العموم، فمتى ما تحققت فيه شروط القبول فهو مقبول – إن شاء الله – ومتى ما فقد أحد شروط القبول فهو مردود: فالمبتدع الكافر عمله كله مردود لفقده شرط الإسلام الذي هو شرط قبول كل عمل صالح.
وأما المبتدع غير الكافر، فإما أن يكون عمله بدعة محضاً أو لا، فإن كان عمله بدعة محضا فهو مردود لفقده شرط المتابعة، وكذلك ما فقد من أعماله شرط الإخلاص فإنه مردود أيضاً، وأما إن كان لعمله أصل في الشرع فإما أن تدخل عليه البدعة أو لا، فإن لم تدخل عليه وكان خالصاً لله فهو مقبول. وإن دخلت عليه فإما أن تفسده – وذلك بإخلالها بشروط صحته – أو لا. فإن لم تخل بشروط صحته فهو وإن كان آثماً على ابتداعه إلا أن عمله مقبول. وإن أخلت بشروط صحته فهو مردود، والله أعلم.
١٣ - يان موقف أهل السنة من حكم قبول توبة أهل البدع: وأن توبتهم مقبولة عند الله إن استوفت شروط التوبة، لكنهم لا يوفقون للتوبة ولا تحصل منهم إلا قليلاً لكونهم يرون أن بدعهم من الدين فلا يتوبون منها ما داموا كذلك، بخلاف العصاة، فإنهم يعلمون مخالفتهم للشريعة فتسهل توبتهم من المعاصي وهذا معنى ما روي عن بعض السلف (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها).
١٤ - بيان موقف أهل السنة من الصلاة خلف المبتدع وأن الحكم في هذه المسألة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع، ونوع الصلاة المقامة خلفهم، فإن كان المبتدع كافراً لا تصح الصلاة خلفه لفساد صلاته في نفسه، لكن إن كان إمام جمعة، ولا يمكن أداؤها إلا خلفه فتؤدى خلفه ثم تعاد، وأما إن كان المبتدع غير كافر، وليس بداعية فتودى الصلاة خلفه، وإن أمكن أداؤها خلف العدل فهو أفضل، وإن كان المبتدع غير كافر وهو داعية لبدعته فتؤدى الصلاة خلفه أيضاً إن لم يمكن أداؤها إلا خلفه، وتكره الصلاة خلفه إن أمكن أداؤها خلف إمام عادل.
стр. 1017
١٥ – بيان موقف أهل السنة من مناكحة أهل البدع: وأن حكم مناكحة المحكوم بكفرهم من أهل البدع محرم على الإطلاق لكفرهم وارتدادهم عن الدين، فلا يجوز التزوج منهم ولا تزويجهم باجماع أهل السنة، وأما إن كان المبتدع غير كافلا فلا يزوج السنية لأنه غير كفء لها لكن يصح تزويجه منها مع الكراهة بموافقة المرأة وأوليائها، لأن الكفاءة حق لهما ويجوز لهما إسقاطه، وأما زواج الرجل من أهل السنة بالمرأة المبتدعة التي لم تبلغ ببدعتها حد الكفر فصحيح لأن الكفاءة إنما تشترط في جانب الرجل بأن يكون كفؤاً للمرأة لا العكس، لكن زواجه من المبتدعة هنا مكروه للمفاسد المترتبة على ذلك الزواج.
١٦ – بيان موقف أهل السنة من حكم أكل ذبائح أهل البدع: وأن الحكم في المسألة يختلف بحال المبتدع من حيث كفره ببدعته من عدمه، فإن كان كافراً فلا تؤكل ذبيحته. لدلالة النصوص وأقوال أهل العلم على تحريم ذبائح الكفرة والمشركين من غير أهل الكتاب.
وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فذبيحته حلال للإجماع على حل ذبائح المسلمين، أما كونه مبتدعاً فلا تأثير له على حل ذبيحته ما دام مسلماً.
١٧ - بيان موقف أهل السنة من عبادة أهل البدع: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا تشرع عبادته إلا إذا غلب على الظن تحقق مصلحة من ورائها كاستجابة المبتدع إلى الدعوة إلى السنة، وتوبته من البدعة، أو تحقق بها أمر مشروع كصلة رحم، أو إحسان إلى جار، وأما إن كان المبتدع لم يبلغ ببدعته حد الكفر وهو مسلم فعيادته جائزة، بل عيادته من جملة حقوقه على المسلمين، غير أنه إن كان داعية لبدعته، فتترك عيادته من باب الهجر والعقوبة له لا لأن عيادته غير جائزة.
١٨ – بيان موقف أهل السنة من شهود جنائز أهل البدع: وأن المبتدع إن كان كافراً ببدعته فلا تجوز الصلاة عليه لعموم النهي عن الصلاة على الكفار والمنافقين والاستغفار لهم. وإن كان المبتدع غير كافر فالصلاة عليه جائزة بل مشروعة، لكن إن كان المبتدع داعية فيشرع ترك الصلاة عليه وذلك مقيد بثلاثة شروط:
أ - أن يقصد بترك الصلاة عليه الزجر والتأديب لغيره عن مثل فعله لا أن الصلاة عليه غير جائزة.
ب – أن يغلب على الظن تحقق تلك المصلحة وهي الانزجار عن مثل فعل الميت وإلا لم يكن ترك الصلاة عليه مشروعاً.
ج – أن يوجد من المسلمين من يصلي على ذلك الميت، فإنه لا يجوز أن يجتمع المسلمون على ترك الصلاة على مسلم، وإن كان مبتدعاً بل لا بد من الصلاة عليه ودفنه.
١٩ – بيان موقف أهل السنة من توريث أهل البدع وإرثهم: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا يرث أحداً من المسلمين، ولا يرثه منهم أحد لقول النبي ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) وهذا إن كان المبتدع الكافر مظهراً للكفر معلناً له، أما إن كان مستتراً عليه، مظهراً للإسلام كفعل بعض أهل البدع الذين يخفون معتقداتهم ويلتزمون في الظاهر بعقيدة المسلمين فهؤلاء يحكم لهم بحكم أهل الإسلام، فيرثون أقرباءهم، ويرثهم أقرباؤهم، كما جرى عليه عمل النبي ﷺ وأصحابه مع المنافقين، فإنهم كانوا يجرون عليهم أحكام الإسلام في الدنيا من الموارثة وغيرها ما لم يظهروا الكفر والنفاق.
٢٠ – بيان موقف أهل السنة من بغض أهل البدع وإظهار عداوتهم: وأن من أصول أهل السنة بغض أهل البدع ومعاداتهم في الله، لخروجهم عن السنة وابتداعهم في الدين، وأنه ينبغي أن يظهر ذلك البغض وتلك العداوة على الجوارح من التصريح ببغضهم، ومعاملتهم بالغلظة والشدة، وقطع معونتهم والسعي في إبطال مقاصدهم أحياناً، وغير ذلك من الأساليب المظهرة للبغض والعداوة لهم.
стр. 1018
٢١ – بيان موقف أهل السنة من غيبة أهل البدع: وأن غيبة المبتدع إن كانت للتحذير منه جائزة في الشرع، على ما دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم، غير أنها مقيدة بثلاثة شروط:
الأول: الإخلاص فيها.
الثاني: أن يكون المبتدع المحذر منه مجاهراً بالبدعة معلناً لها فأما من كان مستتراً فلا تجوز غيبته ولا التشهير به.
الثالث: أن يكون المبتدع المتكلم فيه حياً غير ميت، فإن كان ميتاً فلا تجوز غيبته، إلا أن يكون له كتب تقرر البدع وأتباع ينشرونها بعده فإنه يحذر منه.
٢٢ – بيان موقف أهل السنة من السلام على أهل البدع: وأن الحكم في المسألة يختلف باختلاف حال المبتدع من حيث كفره من عدمه، فإن كان كافراً فيحرم ابتداؤه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلم بأن يقال له:
(وعليكم) حكمه في ذلك حكم الكافر الأصلي، وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فيسن ابتداؤه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلم، حكمه في ذلك حكم غيره من المسلمين، لكن يشرع ترك السلام على المبتدع الداعية وترك الرد عليه من باب الزجر والعقوبة، كما ترك النبي ﷺ السلام على بعض المخالفين والمحدثين من المسلمين لهذا الغرض.
٢٣ – بيان موقف أهل السنة من حكم مجالسة أهل البدع: وأن هجر أهل البدع وترك مجالستهم من أصول أهل السنة التي استفاض بها النقل عنهم في كتب السنة والاعتقاد واتفق عليها العلماء المقررون لمذهب أهل السنة من لدن عصر الصحابة إلى هذه العصور المتأخرة، ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد بقوله من أهل السنة، لكن ينبغي أن يعلم أن هجر المبتدع إنما شرع لمقاصد وأغراض شرعية فمتى ما حقق تلك الأغراض فهو مشروع، وإلا لم يكن مشروعاً بل قد يكون التأليف هو المشروع.
٢٤ – بيان موقف أهل السنة من احتقار أهل البدع وإذلالهم وترك تعظيمهم وتوقيرهم وأن احتقار أهل البدع وترك تعظيمهم من أصول أهل السنة التي دلت النصوص واجماع سلف الأمة على تقريره، وأن من صور تعظيم أهل البدع الواجب تركها والتي حذر العلماء منها: اطلاق الألقاب الحسنة المشعرة بالتعظيم عليهم، وتكنيتهم، والبشاشة في وجوههم وتقديمهم في المجالس، والتلطف معهم، ودعوتهم للطعام، وتهنئتهم واستعمالهم في الوظائف، ومشاورتهم، فيجب الحذر من كل ذلك.
٢٥ – بيان موقف أهل السنة من مجادلة أهل البدع: وأن المجادلة بوجه عام تنقسم إلى قسمين – على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية وكلام أهل العلم – مجادلة محمودة وهي: ما كانت لاثبات الحق أو دفع الباطل، أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل من المسائل. ومجادلة مذمومة وهي: ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كانت فيما نهى الله ورسوله عن المجادلة فيه كالمجادلة في المتشابه، وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس، كإظهار الفطنة والذكاء والعلم، مراءاة للناس، وطلباً لثنائهم أو لغير ذلك من المقاصد المذمومة كالعناد والتعصب للرأي. فمتى ما كانت من النوع الثاني فهي مذمومة منهي عنها.
٢٦ بيان موقف أهل السنة من عقوبة أهل البدع بالقتل وبغيره من أنواع التعزير: وبيان مشروعية هذه العقوبات عند أهل السنة، وأن لقتل أهل البدع مقصدين صحيحين:
أحدهما: قتلهم ردة إن صدر منهم ما يوجب كفرهم وثبتت عليهم الحجة بذلك.
стр. 1019
والآخر: قتلهم دفعاً لفسادهم وحماية للناس منهم حتى وإن لم يحكم بكفرهم، مراعاة لمصلحة المسلمين العامة. وأما ما دون القتل من العقوبات فهي غير محددة، وإنما ترجع إلى اجتهاد ولاة الأمر في اختيار ما يرونه مناسباً من أنواع العقوبات الملائمة لحال المبتدع، وظروف الزمان والمكان. ولذا تعددت عقوبات السلف لأهل البدع: فمنهم من ضرب وجلد، ومنهم من سجن، ومنهم من غرب، ومنهم من حرق كتبهم وهدم بيوتهم إلى غير ذلك من العقوبات المنقولة عن السلف في حق أهل البدع.
٢٧ – بيان موقف أهل السنة من شهادة أهل البدع وأن أهل البدع ينقسمون بالنظر إلى قبول شهادتهم أو ردها إلى قسمين:
قسم مجمع على رد شهادته وهو المبتدع الكافر ببدعته، أو من كان مستحلاً للكذب والشهادة بالزور لموافقيه.
وقسم مختلف في قبول شهادته وردها وهو المبتدع المسلم الذي لم يحكم عليه بكفر ولا يعرف عنه استحلال الكذب، فذهب بعض أهل العلم إلى قبول شهادته مطلقاً، وذهب بعضهم إلى ردها مطلقاً، وذهب أكثر أهل العلم إلى التفريق بين الداعية وغير الداعية فأجازوا شهادة غير الداعية، وردوا شهادة الداعية من باب الزجر والعقوبة.
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى.
٢٨ – بيان موقف أهل السنة من رواية المبتدع: وأن المبتدع ترد روايته إن كان كافراً ببدعته على قول الجمهور، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك – وأما من كان مستحلاً للكذب في نصرة مذهبه، فلا خوف بين أهل العلم في أن روايته مردودة، وأما المبتدع غير الكافر فقد اختلف العلماء في قبول روايته على أربعة أقوال، ذهب بعضهم إلى ردها مطلقاً، وذهب بعضهم إلى قبولها مطلقاً إلا أن يستحل الكذب وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية وترك رواية الداعية، وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية إلا إن روى ما يقوي بدعته.
والراجح من تلك الأقوال هو القول الثالث وهو قول الجمهور.
٢٩ – بيان موقف أهل السنة من تلقي العلم عن أهل البدع وحكم استخدامهم في التدريس: ونهى السلف عن تلقي العلم عن أهل البدع، وتنصيب أهل البدع مدرسين لأبناء أهل السنة خشية افتتان الدارسين بهم، ولأن ذلك فيه زجراً لهم وعقوبة عن الابتداع.
وهذا في حال السعة، أما عند الضرورة فيجوز استخدامهم في التدريس كأن لا يمكن إقامة التعليم إلا بهم، أو ترتب على ترك استخدامهم مفسدة أعظم من مفسدة استخدامهم أو تحقق باستخدامهم مصلحة راجحة على مصلحة ترك استخدامهم.
٣٠ – بيان موقف أهل السنة من استخدام أهل البدع في الجهاد، وأن الحكم في هذه المسألة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع وظروف المسلمين. فتجوز الاستعانة بهم عند الحاجة إن كانوا حسني الرأي في المسلمين وتكره عند عدم الحاجة، وتحرم الاستعانة بهم مطلقاً إن كانوا معروفين بغش المسلمين وعدم النصح لهم.
وبهذا اختم هذا البحث أسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن نفع به من يقرأه ويطلع عليه من المسلمين إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1020
موقف المسلم من الفتن في ضوء الكتاب والسنة
المؤلف/ المشرف: حسين بن محسن أبي ذراع الحازمي
المحقق/ المترجم: بدون أضواء السلف ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: فتن معاصرة
أولاً: خلاصة الرسالة وأهم نتائجها:
وأما عن خلاصة الرسالة وأهم نتائجها فهي كما يلي:
١ - أن الفتنة هي: الاختبار والابتلاء والامتحان، ويتلخص وينتج: أن لفظها من القرآن يأتي على وجوه كثيرة، وأنه له معانٍ شتى من أهمها: الشرك والكفر والابتلاء والضلال، والجنون والغدر والعذاب ...
٢ - أن منبع الفتن وبؤرها ومصدر ظهورها هو المشرق -وخاصةً العراق- وتاريخه أكبر شاهدٍ على ذلك.
كما -نتج وتلخص- أن العراق هو المراد بالـ (نجد) المذكور في الأحاديث الثابتة.
هذا وقد اتفقت كلمة شراح الحديث، وأئمة اللغة، ومهرة جغرافية العرب أن النجد ليس اسماً لبلد خاص، ولا لبلدة بعينها، بل يقال لكل قطعةٍ من الأرض المرتفعة عما حواليها نجد. ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها، كما توافق شرَّاح الحديث على ذلك.
أن جهة المشرق -العراق- ممقوتة غير محمودة، ولذلك ضرب النبي ﷺ به المثل بقرني الشيطان، وأخبر أنه منبع الزلازل والفتن، ورأس الكفر وأساسه، ثم إن حاضره وغابره يدل على ذلك -وخاصةً العراق- والله أعلم.
٣ - كما يستنتج من فتنة التفرق والاختلاف ما يلي:
أن الافتراق أشد أنواع الاختلاف.
وأنه ليس كل اختلاف افتراقاً، بل العكس.
وأن الافتراق لا يكون إلا على أصول الدين الكبرى.
فافتراق هذه الأمة المذكور في الحديث بأنها (ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة) إنما يقع في أصول الدين الكبرى والاعتقاد، لا ما يقع في الفروع والاجتهادات الفقهية.
٤ - وأما عن نتائج فتنة القتال فهي كما يلي:
أولاً: اقتتال المسلمين مع الروم -في آخر الزمان- وبيانه كالتالي:
• أن هذه الملحمة العظمة لم تجيء بعد، وأن الروم لم يغزوا في البرِّ بهذا العدد المهول -المقدر بألف ألف- فهي من الأمور التي لم تقع بعد.
• كما أن الروم يسلمون في آخر الزمان، ويكون فتح مدينة القسطنطينية -الفتح الأعظم والأخير- على أيدي طائفةٍ منهم مع جيش المسلمين.
• ويكون انتصار المسلمين عليهم تهيئة لفتح مدينة القسطنطينية -المعروفة اليوم بتركيا- الفتح الأعظم والأخير، الذي قبل خروج الدجال في آخر الزمان وفتحهم لها يكون بدون قتال، وسلاحهم فيها التكبير والتهليل.
• وأما فتح الترك لها الذي كان قبل عصرنا هذا، فإنه كان تمهيداً للفتح الأعظم.
ثانياً: فتن القتال التي تسبق اقتتال المسلمين مع الروم. فقد ورد في الأحاديث ما يفيد قتال المسلمين مع الترك والعجم قبل قتالهم مع الروم، وورد فيها اشتراك الترك والعجم في الصفات الخلقية، ويمكن أن يجاب بأن الحديث الوارد في صفات العجم غير حديث قتال الترك. ولا مانع من اشتراك الصنفين في الصفات المذكورة مع اختلاف الجنس. ويجتمع منهما أنهما طائفتان أُنذر بخروجهما.
٥ - وأما موقف المسلم من الفتن، وما يجب عليه تجاهها فهو كالتالي:
• إن أول تلك المواقف فيما يجب عليه تجاه الفتن، هو الاعتصام بالكتاب والسنة.
• وثانيها: تقوى الله وملازمة عبادته.
• كما يجب ويتأكد آنذاك الالتزام بجماعة المسلمين من أهل السنة والجماعة.
• وأما قضية اعتزال الفتن وترك القتال فيها، فإن أهم نتائجها -بعد بحثها الطويل- ما يلي:
стр. 1021
- يجب القصد والاعتدال في الخلطة والعزلة -من غير إفراط ولا تفريط- فالإغراق في كل شيءٍ مذموم، كما أن لكل من العزلة والخلطة فوائد وغوائل: فتارة تُختار العزلة، وتارة الخلطة. كلٌ بحسب ما يقتضيه الحال والمآل، فقد تُثمر العزلة في بعض الأحوال والأوضاع ما لا تُثمر الخلطة، والعكس بالعكس. وهذا لا يعارض ترجيح الخلطة على العزلة. فإن ذاك الترجيح في الأحوال العامة؛ لأنه يُرجَّح أمر العزلة في أحوال مخصوصة.
- ثم إن الأصل في الإسلام الخلطة لا العزلة، بل العزلة الكلية المطلقة الأصل فيها المنع؛ لما يترتب على ذلك من تضييع الحقوق، وتفويت وتعطيل كثيرٍ من الواجبات.
ويستثنى من ذلك المنع حالات أخرى عامة، تشرع فيها العزلة بسبب تغيّر عام يقع في المجتمع، ومن هذه الحالات ما يلي:
الحالة الأولى: عند فساد الزمان.
الحالة الثانية: عند حلول الفتن.
- وأما العزلة والخلطة إبَّان فتنة القتال: فالذي يظهر -بعد النظر والتأمل- ويترجح التفصيل. فمتى خفي الحق، وتعسَّرت معرفة الصواب في ذلك، فإنه يترجح آنذاك جانب القول باعتزالها. ومتى عرف الحق، وتبين الصواب مع من فيها، فإنه حينئذٍ الخوض والمشاركة فيها، لنصر الحق وقتال الباغي.
- كما ظهر وتبين أن للشام فضل ومزية في كل حين، وعلى مر الأيام والسنين، بل ورد ما يحض ويرغب فيها أكثر وأكثر إبَّان الفتن، وأنها معقل ومأوى المسلمين آنذاك.
- وأخيراً .. تأتي قضية التعرب وسكنى البدو في الفتنة، ويستنتج منها: أن الشارع أذن في التعرَّب وسكنى البادية، وقيَّد ذلك بزمن الفتنة. وأما في الأحوال العادية التي ليس فيها فتنة عامة، فالأصل فيها سكنى المدن.
ثانياً: التوصيات والمقترحات:
١ - إن كان هناك من توصيات فإن أول ما أُوصي به نفسي، وإخواني المسلمين -لاسيما الدعاة والباحثين- تقوى الله فهي وصية الله لجميع خلقه الأولين والآخرين، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: ١٣١) فموضوع التقوى بالغ الأهمية، وهو ذروة السنام، مثابته مثابة الرأس من الجسد، وتتأكد وتزداد أهميته عند حلول الفتن ومباغتة البلايا والمحن.
٢ - كما أوصي -بما أوصى به الله ورسوله- بالالتزام والاعتصام بجماعة المسلمين، وعدم الخروج عليهم، ومن منهجهم -منهج أهل السنة والجماعة- الذي رسموه لنا، ونبذ الفرقة والاختلاف؛ لأن ذلك شر وأيَّما شر. فالجماعة رحمة والفرقة عذاب، وتزداد أهمية ذلك كله وقت الفتن فإنه أشد وأوجب، وآكد وأرغب.
٣ - وأوصي أيضاً -بعد تقوى الله والاعتصام به والتوكل عليه واللجوء إليه- بالالتفات حول العلماء الربانيين، والأئمة المهديين، الأتقياء الصالحين، علماء أهل السنة والجماعة في كل عصر، فإن الالتفات حولهم يعد سبيلاً مهمَّاً من سبل الوقاية والنجاة من الفتن على مختلف أنواعها وأشكالها، كما يعين ذلك على الأمن من الزيغ والضلال. فكم أنجى الله بالعلماء الأمة الإسلامية من محن عصيبة، وفتن رهيبة، كإعزاز الله لدينه بالصديق ﵁ يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة، فكم ثبَّت الله المسلمين في تلك الفتن بعلمائهم. فلابد إذاً من لزومهم، والعيش في أكنافهم، والالتفات حولهم لاسيما وقت الفتن.
стр. 1022
كما أوصي في هذه الجزئية بأمر مهم وهو عدم الاستقلالية عن العلماء مما يؤدي إلى احتقارهم والتعالي عليهم وعدم اتباعهم. وهذه شنشنة شاذة -مع الأسف- بدأنا نرى نماذج منها، بل وصل الأمر ببعضهم أن يقول عن الأئمة العلماء: هم رجال ونحن رجال ... وهذا أمر مقلق جدَّاً، يجب أن نتواصى ونتناصح فيه، وقد تقدم التفصيل في هذه الجزئية مما يغني عن إعادته.
٤ - إن الرفق والحلم والتأني وعدم التعجل، وخاصةً عند حدوث الفتن، محمودٌ أيما حمد ومطلوب ومرغب فيه أيما ترغيب؛ لأن ذلك كله يجعل المسلم يبصر حقائق الأمور بحكمةٍ وحنكةٍ. ويقف على خفاياها وأبعادها وعواقبها. فالعجلة وعدم الأناة خِفة وطيش، وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم والرفق. وتُوجب وضع الشيء في غير محله، كما تجلب الفتن والشرور والنقم، وتمنع السلامة والخيرات والنعم. فالرفق ما كان في شيءٍ إلا زانه، ما نُزِع من شيءٍ إلا شانه. كما أن الحلم والأناة يحبهما الله (١) ولذلك كانت خصلة الحلم هي السبب في بقاء الروم -والنصارى الكفرة- وكونهم أكثر الناس كما وصفهم بذلك النبي ﷺ بقوله: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس).
وقد علل عمرو بن العاص ﵁ بقاء الروم وكثرتهم من بين الناس بقوله: (إن فيهم لخصالاً أربعاً) الأولى: -وهي شاهدنا والتي تهمنا في هذه الجزئية- (إنهم لأحلم الناس عند فتنة)، وهذا ليس ثناء من عمرو بن العاص ﵁ على الروم والنصارى والكفارة. وإنما هو تعليل منه ﵁ ومعناه: أنه إذا اضطربت الأحوال وتغيرت، وبدت الفتن وكشَّرت عن أنيابها، فإن الروم آنذاك هم أحلم الناس في مواجهتها. وأكثرهم أناة وتريثاً وهدوءاً. لعلمهم أن الفتنة إذا بزغت شمسها، فإنها ستقضي عليهم.
إذاً: فالحلم والرفق والأناة من خير ما يوصى به المسلمون إبَّان الفتن.
ومن أهم ما يوصى به في هذه الجزئية: الرفق والحلم والأناة .. مع الأئمة وولاة الأمور، وعدم الخروج عليهم ونزع يدٍ من طاعة ما أقاموا شرع الله. فالرفق والحكمة والحلم معهم ينتج عنه كل خير واستقرار وأمن وأمان، وإلا دخل المسلمون في عالم من الفوضى والمجازر والدماء التي لا نهاية لها. وهذا هو منهج السلف الصالح، وما موقف الصحابة والتابعين ﵃ من الحجاج ببعيد. وهو معروف بظلمه وجبروته، ومع ذلك كله كانوا يوصفون بالحلم والرفق والحكمة معه، فالله الله في الرفق والحلم والحكمة والأناة، وخاصة وقت الفتن.
٥ - عدم تطبيق ما ورد في الفتن -من نصوص- على الواقع المعاصر:
تزداد شهوة الكلام عند حلول الفتن، وتظهر جرأة كثير من ضغام الناس وقتها. فيحلو لهم آنذاك، استرجاع أحاديث الفتن وتقليب صفحاتها، ويربو ذلك ويزداد في اجتماعهم في المنتديات والمجالس. فتجدهم يُنَزِّلون تلك الأحاديث على واقعهم الآني، ويلوون أعناقها لتوافق ما يعتريهم ويصيبهم من فتن، فيقولون: إن قول النبي ﷺ ... كذا .. هو المراد بهذه الفتنة التي نحن فيها الآن. أو المراد به الفتنة التي حدثت في الوقت الفلاني أو البلد الفلاني .. وهكذا يفسرون ويطلقون المراد من كلام رسول الله ﷺ وأحاديثه عن الفتن، بتحديد أزمانها وأماكنها وتطبيقها على واقعهم وزمنهم الآني. كل ذلك ليس عندهم فيه من الله برهان.
стр. 1023
وهذا خطأ فادح، على خلاف منهج السلف الصالح -من أهل السنة والجماعة- فإن منهجهم إبَّان حلول الفتن، هو عدم تنزيل أحاديثها على واقع حاضر. وإنما يتبين ويظهر صدق رسول الله ﷺ بما أنبأ وحدث به أمته من حدوث الفتن عقب حدوثها واندثارها. مع تنبيه الناس وتحذيرهم من الفتن عامةً. ومن تطبيقها على الواقع الحالي خاصةً.
٦ - البعد عن أماكن الفتن وبؤرها:
فالبعد عنها وعدم الخوض فيها أو التعرض لها مسلك شرعي، بل هو مطلب من مطالب هذه الشريعة السمحاء. كيف لا؟ والنبي ﷺ علق السعادة باجتناب تلك الفتن بقوله: (إن السعيد لمن جُنِّب الفتن ... ) كما حث على تجنبها والهرب منها -أيضاً- بقوله ﷺ : (تكون فتنةٌ النائم فيها خيرٌ من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خيرٌ من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خيرٌ من المُجري ... )، فبين النووي ﵀ أن: (معناه: بيان عظيم خطرها والحث على تجنبها والهرب منها ومن التشبث في شيءٍ منها ... ) (١).
هذا وقد تواترت وصايا السلف في التحذير من مواطن الفتن، وأن يشخص لها أحد. فهذا حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: (إياكم والفتن، لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلا نسفته كما تنسف السيل الدمن ... ) (٢).
وقال أبو الدرداء ﵁: (لا تقربوا الفتنة إذا حميت، ولا تعرَّضوا لها إذا عرضت، واضربوا أهلها إذا أقبلت) (٣).
٧ - لا شك أن الإشاعة تُعدُّ من أمضى الأسلحة التي يستعملها أعداء الأمة، لاختراق صفوفها، والفتك بعضدها، وتمزيق وحدتها، وتكمن خطورتها، وتنشط الدعاية لها، إبَّان الفتن، ففي وقتها تكثر إثارتها، ويزداد ترويج بضاعتها. فالأعداء ما فتئوا يبثون الأقاويل الكاذبة، والشائعات المرجفة، حرصاً منهم على زعزعة أمن المسلمين وأمانهم، وما حادثة الإفك عن ذلك ببعيد، وكذا ما حصل في غزوة أُحد حينما قتل مصعب بن عمير ﵁ أُشيع أن الذي قُتل هو النبي ﷺ ، فانكفأ المسلمون وجيشهم بسبب هذه الشائعات المرجفة. فحفظ اللسان والتبين والتثبت عند سماع الشائعات أو أي نبأ أو خبر مطلب شرعي، لاسيما وقت الفتن، وعند الحروب والمعارك والمحن، فإنه آنذاك أشد وأرغب، وآكد وأوجب. وقد تقدم (٤) كل ما يتعلق بذلك من حفظ اللسان أثناء الفتن والتثبت عندها والحذر من الشائعات وقتها ... بما يغني عن إعادته والاستطراد فيه.
٨ - ثم إن التعوذ من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. مما أوصى به النبي ﷺ أمته، وأمر به أصحابه ﵃ فقال: (تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن) (٥) فالتعوذ بالله منها ينجي من الفتن، ويقي من الشرور والمحن. وقد تقدمت الإشارة إلى هذه الوصية بما يغني عن تكرارها.
وبعد: فهذا ما أمكن جمعه واستحضاره من توصيات إبان دراسة موضوع الفتن وموقف المسلم منها. كما أن هناك توصيات أحجمت عن ذكرها هنا خشية الإطالة بيد أن ما ذُكر هنا أهمها.
وإن كان هناك من اقتراحات فهي كما يلي:
١ - أرى وأقترح عقد دورات علمية عملية لخطباء وأئمة المساجد والدعاة. يبين لهم فيها ويُدَرَّس أهم ما يجب على المسلم اتخاذه تجاه الفتن. مع بيان منهج أهل السنة والجماعة، وموقفهم منها، ومن الأحاديث الواردة فيها. كل ذلك بغية أن يُبَيِّن إخواننا الدعاة والخطباء لعامة الناس ما أخذوه واستفادوه من تلك الدورات. وحبَّذا أن تكون تلك الدورات تحت إشراف هيئة كبار العلماء أو نحوها.
٢ - كما أقترح إصدار مجلات دورية مختصرة -ما بين فينةٍ وأخرى- يُبيَّن فيها ما سبق في الاقتراح الأول. ولكن بعبارةٍ سهلة وأسلوبٍ يفهمه ويستفيد منه العامة والخاصة.
ويكون إصدار تلك الدوريات وتوزيعها عن طريق جهات رسمية. كمراكز الدعوة والإرشاد، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها.
٣ - ولو كان ذلك -أيضاً- عن طريق الصحف الصادرة يوميَّاً في كل بلد. والتي يتداولها العامة والخاصة، ويقتنيها أكثر الناس، لكان حسناً. فيُبيَّن لهم فيها على فترات -لاسيما وقت الفتن- ما سبق اقتراحه. كما يكون ذلك كله -أيضاً- تحت إشراف هيئة كبار العلماء، أو الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء ونحوها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1024
نصح الأبي في بيان المحبة بين الصحابة وآل النبي ﷺ -
المؤلف/ المشرف: حاي بن سالم الحاي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: غراس - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: صحابة وآل البيت
خاتمة: وبعد: فإنني أحمد الله سبحانه كثيرا كما يحب ربنا ويرضى أن وفقني لكتابة وجمع هذه الرسالة التي تبين شيوع المحبة وانتشار المودة والألفة بين الصحابة وآل بيت النبوة ﵃. ولم يحدث بحمد الله تعالى حسد وحقد وتكفير بعضهم لبعض، وإن حدث شيء من الهنات أو الاختلافات؛ فهذا مما جبل عليه البشر، فهم بشر يغضبون ويتأثرون، لكن هذا لا يخرجهم إلى حد التباغض والشحناء، وإن حدث شيء من هذه الاختلافات فسرعان ما تعود المسامحة والعفو بينهما بل ولا يدوم هذا الأمر ويستمر، وعندي بحمد الله مواقف جليلة، وعبر عظيمة، وفوائد تربوية فاذة، وصور مشرقة فريدة من هذا النوع الذي يتجلى فيه الكمال الإنساني بين الصحابة وآل البيت، بين ذلك الجيل الرباني والرعيل الأول الذي رباه وسقاه واعتنى به عناية فائقة رسول الله ﷺ ، فحاشا الصحابة وآل البيت ﵃ أجمعين أن تنتشر بينهم العداوات والطعونات والسباب والتشاتم.
فليتق الله أناس يثيرون هذه الفتن، ويؤججون هذه المحن؛ فإن هذا مما يغضب الله جل وعلا ويخالف هدي وسنة الرسول ﷺ . فمثّل وقوفك بين يدي الله ترجو الخلاص وأنى لك الخلاص، وترجو النجاة ولات حين مناص.
وإنني أرجو الله جل وعلا أن ينفع بهذا الكتاب المسلمين والمسلمات، وأن يكتب لي القبول، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يكتب له القبول في الأرض وسائر مؤلفاتي، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1025
نقض الإمام أبي سعيد عثمان ابن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله من التوحيد
المؤلف/ المشرف: عثمان بن سعيد الدارمي
المحقق/ المترجم: رشيد بن حسن الألمعي
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: ردود ومناظرات
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خير خلقه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .. وبعد ..
فقد جرى العُرف العلمي أن تكون في نهاية البحوث والكتب خاتمة يعرض فيها خلاصة البحث وثمرته، وقد تبين من خلال بحثي هذا أن الدارمي ﵀ كان أحد الأعلام المبرزين في علم الحديث ورجاله، كما كان قذى في أعين المبتدعة، قوياً في مواجهتهم، منتصراً لمنهج أهل الحق من سلف هذه الأمة المقرين بالله رباً ومعبوداً، موصوفاً بصفات الكمال ونعوت الجلال، مثبتين له ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته من غير أن يتعرضوا لها بشيءٍ من التعطيل والتشبيه والتكييف والتمثيل.
وعرفنا ما لكتابه هذا من الأهمية والمكانة في تقرير حقيقة ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، وأن ما اشتمل عليه يمثل آراء المتقدمين من سلف هذه الأمة. وتبين لنا أن العلماء قد نقلوا عنه في مؤلفاتهم وأثنوا عليه وعلى كتابه هذا غاية الثناء.
كما تبين لنا حقيقة ما كان عليه المريسي وابن الثلجي من إلحاد في أسماء الله وصفاته وتأوُّلٌ للنصوص الثابتة بما يخالف مقتضى النقل والعقل والفطرة وإجماع الأمة.
ولقد بذلت وُسعي في سبيل التعريف بهذا الإمام وخصيمه، وتحقيق كتابه (النقض على بشر المريسي) وأرجو أن أكون بهذا قد أسهمت بإضافة جديدٍ نافعٍ إلى المكتبة الإسلامية يمثل حقيقة ما كان عليه الرعيل الأول من الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله قولاً وفعلاً واعتقاداً، ومن صفاء القلب ونقاء السريرة والذود عن حياض الإسلام وحرماته والمحافظة على سلامة العقول من مؤثرات النفس والهوى والشبهة والشهوات، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
ويبقى أن أشير بشيءٍ من الإيجاز إلى جملةٍ من الاقتراحات أهديها إلا من يهمه الأمر في هذه الجامعة الحبيبة وغيرها من المؤسسات العلمية التي تعنى بتراث هذه الأمة:
١ - حظيت أمتنا منذ فجر تاريخها بعددٍ من الجهابذة الأعلام الذين حفظ الله بهم على هذه الأمة دينها، وقد ورَّثوا من المصنفات الضخمة ما يعجز عن استيعابه الوصف، إلا أن جل هذه المصنَّفات –مما يؤسف له- يكمن في جنبات المكتبات الأوربية والأمريكية وغيرها من الدول غير الإسلامية، وحري بجامعاتنا وقد أناطت بعاتقها عبء العناية بالتراث الإسلامي أن تضاعف الجهود لجلب هذه المخطوطات الثمينة بمختلف الوسائل الممكنة إلى مكتباتنا.
٢ - توسيع دائرة الاهتمام بتحقيق ما هو موجود في متناول الأيدي من المخطوطات التي تعد بالآلاف في جامعاتنا، وتهيئة الجو المناسب للاستفادة منها بأيسر السبل.
٣ - توفير المصنفات الأم التي تكشف النقاب عن شبهات المخالفين لما عليه أهل السنة والجماعة في جانب الاعتقاد؛ ليكون الباحث على بصيرةٍ ودراية بآراء الخصوم وحججهم من مصنفاتهم. على أن تكون محدودة الإطلاع ما أمكن ذلك.
وختاماً: أسأل الله العلي القدير أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن يرجح به ميزان حسناتي يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وأن يغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما هو أعلم به مني، كما أسأله جل وعلا أن يجزي شيخي الفاضل على ما بذله الأجر والغنيمة في الدنيا والآخرة، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1026
نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالله الوهيبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المسلم - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: نواقض الإسلام والإيمان
الخاتمة
وبعد هذه المباحث المختلفة حول (نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير) يمكن أن نلخص أهم ما بحث بالنقاط التالية:
بعد المقدمة حول أهمية الموضوع وأسباب اختياره، تم في التمهيد التعريف بأهل السنة والجماعة، متى نشأ هذا المصطلح، وأصله الشرعي، واستعمالات الأئمة له، ثم أشرنا إلى استعمال بعض المبتدعة لهذا المصطلح، وأن ذلك لا يغير من حقيقة ابتداعهم شيئاً، ولا يمنع أهل السنة من استعمال هذا المصطلح.
وبعد ذلك تم إيضاح موقف أهل السنة من المبتدعة (إجمالاً)، حيث حذروا من مجالستهم ومناظرتهم وأمروا بهجرهم وبنوا ذلك على ضوابط ومصالح شرعية، تمت الإشارة إليها.
ثم أشير في التمهيد إلى أبرز الانحرافات في الموضوع، وأهم المراجع التي بحثت فيه.
وفي الباب الأول تم بحث مفهوم الإيمان عند أهل السنة وفيه بيان النقاط التالية:
أنه قول وعمل، والقول يشمل قول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، ثم الأدلة على دخول العمل في مسمى الإيمان.
العلاقة بين مسمى الإسلام والإيمان، وأن الراجح من أقوال أهل السنة أن مسماهما مختلف بحسب الاقتران والافتراق.
جـ - أدلتهم على الزيادة والنقصان، ومجالات ذلك، ثم بيان مراتب الإيمان، وتعريف كل مرتبة.
هـ - أيضاً تم بحث موقف أهل السنة من أهل المعاصي وأدلتهم على ذلك، وخلاصة مذهبهم في ذلك: أنهم مجمعون على عدم كفر مرتكب الكبيرة، ما لم يستحلها، وأنهم في الآخرة تحت المشيئة ما لم يتوبوا - وأنهم لا يخلدون في النار إن دخلوها.
- وبعد بيان مفهوم الإيمان عند أهل السنة، عرضت لمفهوم الإيمان عند الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)، والمرجئة (ويمثلهم الأشاعرة والماتريدية)، وموقفهم من الزيادة والنقصان ومن نصوص الوعد والوعيد، وحكم أهل الكبائر عندهم، فنقلت من مراجعهم المعتمدة لديهم مذهبهم في ذلك، ثم رد أهل السنة على شبههم، ومن أهل نتائج هذا البحث:
أ- بيان التشابه بين مذهبي الأباضية والمعتزلة في هذا الباب.
ب- بيان انحراف الأشاعرة والماتريدية في هذا الباب، وأن مذهبهم في الإيمان هو مذهب المرجئة المتكلمين.
- وفي الباب الثاني: تم بحث ضوابط التكفير وموانعه، ففي الفصل الأول: إشارة إلى الضوابط العامة عند أهل السنة، ومنها، أن الحكم على الناس بظواهرهم وأدلة ذلك، والاحتياط في تكفير المعين، فلا يكفرون إلا من قامت عليه الحجة.
- وفي الفصل الثاني: إشارة إلى موانع التكفير، ومن أهمها - الجهل - وقد أطلت فيه لأهميته وكثرة مباحثه وتشعباته، فقد عرضت بالتفصيل للأدلة من الكتاب والسنة، وبعض المسائل المهمة المتعلقة بالموضوع، ثم أقوال الأئمة في المسألة، وبيان مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب، وأئمة الدعوة ﵏، وخلاصة ما وصلت إليه في هذا المبحث: أن حديث العهد بإسلام، أو من نشأ ببادية بعيدة ومن في حكمهم - مثل أن ينشأ في بيئة ينتشر فيها الشرك، ويقل فيها الدعاة إلى التوحيد - يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة من الواجبات والمحرمات، وكذلك في أصول العقائد، ومنها مسألة التوحيد والشرك ولا فرق، أما من أنكر شيئا من ذلك في دار إسلام وعلم فإنه يكفر بمجرد ذلك إلا أن تكون المسألة خفية أو لا تعرف إلا عند الخاصة.
стр. 1027
٨ - ومن موانع التكفير، الخطأ، وخلاصة ما وصلت إليه في مبحث الخطأ من خلال الأدلة من الكتاب والسنة أن حكم المخطئ حكم الجاهل والمتأول - فلا يكفر: إلا بعد قيام الحجة - وأنه إن كان مجتهداً فما يسوغ فيه الاجتهاد فله أجر اجتهاده، وأنه لا فرق في ذلك بين العقائد والأحكام والله أعلم.
٩ - ومن الموانع التأويل، وتم فيه بيان أدلة العذر به، وحدود التأويل الذي يعذر صاحبه والذي لا يعذر وموقف السلف من المتأولين، ومسألة التكفير باللازم.
١٠ - وفي الباب الأخير، بحثت النواقض الاعتقادية وقسمتها إلى قسمين، فمنها ما يناقض قول القلب ومنها ما يناقض عمله ومن أبرز ما يناقض قول القلب:
أ- كفر الجحود أو الاستحلال أو التكذيب لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وخلاصة مذهب أهل السنة في ذلك، أن من أنكر أو جحد أو كذب خبراً من الأخبار الظاهرة المتواترة - سواء كان هذا الحكم واجباً أو محرماً أو مستحباً فإنه يكفر، ومثله من استحل محرماً من المحرمات الظاهرة المتواترة سواء كان هذا المحرم من الصغائر أو الكبائر.
ب- ومن ذلك الاعتقاد بأن بعض الناس لا يجب عليهم اتباع النبي ﷺ حيث اشتهر هذا المعتقد عند غلاة الصوفية والباطنية، فنقلت كلامهم في ذلك من مصادرهم، ثم رد أهل السنة على ذلك وإجماعهم على كفر من اعتقد هذا الاعتقاد.
جـ - ومن ذلك - الشرك في الربوبية - ويوجد هذا الانحراف لدى غلاة الصوفية والرافضة حيث يعتقدون في أئمتهم وأوليائهم، أنهم يعلمون الغيب، أو يتصرفون في الخلق ونحو ذلك، وقد نقلت من مصادرهم ما يدل على اعتقادهم هذا، ثم بينت موقف أهل السنة من هذه الضلالات.
أما النواقض المنافية لعمل القلب فمن أبرزها:
الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، وبحثت فيه مفهوم الإعراض وصوره، وما هو الإعراض المكفر، وحكم ترك العمل والتولي عن الطاعة وكلام السلف في ذلك، وعلاقة ذلك بمفهومهم للإيمان، ثم بينت مذهب السلف في حكم ترك الأركان الأربعة.
النفاق الاعتقادي، وقد بحثت فيه أنواع النفاق، ثم النفاق الاعتقادي وأحكامه، وإيضاح بعض هذه الأقسام وأدلتها ومن ذلك:
١ - أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه.
٢ - المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ أو الكراهية لانتصار دينه.
جـ - ومما يناقض عمل القلب كفر الإباء والاستكبار والامتناع، وذكرت فيه إجماع العلماء على قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة وأهم أدلتهم على ذلك، وهل يلزم من قتال الطائفة الممتنعة كفرها؟، وفي آخر الفقرة بيان الفرق بين الفرد والطائفة في ذلك، وأن الصحيح أن الفرد الممتنع لا يكفر والله أعلم.
١١ - وفي الفصل الأخير، بيان العلاقة بين النواقض الاعتقادية وغيرها من النواقض، وأن جميع النواقض القولية والعملية الظاهرة، من السبب والتنقيص للرسول ﷺ ، أو السخرية بالدين، أو الحكم بتشريع يخالف شرع الله وغيرها، كل هذه النواقض حقيقتها وأصلها يرجع إلى ناقض قلبي ولابد، وفي أثناء ذلك وقفت وقفة بينت فيها كلام الأئمة في حكم تحكيم القوانين الوضعية، وعلاقة ذلك بالجانب الاعتقادي.
وفي الختام أسأل الله الإخلاص والتوفيق والسداد في سائر الأقوال والأعمال، وأعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1028
نواقض الإيمان القولية والفعلية
المؤلف/ المشرف: عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
المحقق/ المترجم: بدون دار الوطن - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: نواقض الإسلام والإيمان
من خلال ما سبق عرضه في هذا البحث، يمكن أن نشير إلى بعض الأمور التالية:
٠١ التأكيد على أهمية وخطورة دراسة نواقض الإيمان، وضرورة الاعتناء بها، وتحرير مسائلها بعلم وعدل، والحذر من مسلك ردود الأفعال، وما يؤول إليه من غلو وإرجاء.
٠٢ إن دراسة موضوع نواقض الإيمان، لا تنفك عن دراسة مقابله وهو الإيمان، ولذا فإن اللبس والخطأ في فهم حقيقة الإيمان يورث -بطبيعة الحال- لبساً وخطأ في دراسة الكفر، كما هو ظاهر حال المبتدعة من الوعيدية والمرجئة.
٠٣ إذا كان الإيمان قولاً وعملاً، قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، فهذه النواقض إما أنها تضاد قول القلب أو عمله، أو تضاد قول اللسان أو عمل الجوارح. وحيث أن الإيمان تصديق وإقرار، وانقياد والتزام بطاعة الله تعالى ظاهراً وباطناً، فالكفر عدم الإيمان وهو تكذيب وجحود، وإباء واستكبار، وامتناع وإعراض.
٠٤ ضرورة مراعاة ضوابط الكفر، وعوارض الأهلية والتي سبق الإشارة إلى بعضها، فإن الاعتناء بمثل ذلك يوجب توسطاً واعتدالاً بين الإفراط والتفريط.
٠٥ الاعتناء بالتفصيل والتوضيح عند دراسة تلك النواقض، وتحقيق حدودها وتعريفاتها شرعاً ولغة وعرفاً، والحذر من الإجمال والإطلاق.
٠٦ تضمن هذا البحث جملة من نواقض الإيمان، كان من أهمها: الشرك في العبادة، فتحدثت - ابتداءً - عن وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، ثم ذكرت حقيقة الشرك في العبادة، سواءً كانت العبادة قولية أو عملية، ووضحت الفرق بين تلك المظاهر الشركية وما دونها من المعاصي، كالفرق -مثلاً- بين السجود الشركي وسجود التحية، والفرق بين النذر الشركي، ونذر المعصية ... ، ثم أوردت عدة اعتبارات في كون تلك الممارسات ناقضاً من نواقض الإيمان.
٠٧ ظهر من خلال عرض مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، أهمية وضرورة التحاكم إلى شرع الله تعالى وحده، وعظم منزلته من الدين، ثم ذكرت جملة من الحالات التي يكون فيها الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى خارجاً عن الملة، كمن جحد حكم الله تعالى، أو فضّل حكم الطاغوت على حكم الله تعالى، أو ساوى بينهما، أو جوّز الحكم بما يخالف شرع الله تعالى، أو لم يحكم بما أنزل الله إباءً وامتناعاً. وأما المحكوم فإن كفره متعلق بقبوله لغير شريعة الله تعالى، ورضاه بها.
٠٨ حوى هذا البحث مسألة تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً ... فبسطت أدلة الفريقين واستدلالاتهم، مع المناقشة والترجيح. ولعل القول الراجح في هذه المسألة أن ترك الصلاة الذي يعدّ كفراً هو الترك المطلق الذي هو بمعنى ترك الصلاة بالكلية أو في الأعم الأغلب والله أعلم.
٠٩ إن لنواقض الإيمان أمثلة كثيرة جداً لا يمكن حصرها والإحاطة بها، وقد كثر كلام العلماء في هذا النواقض، وكثرت تفصيلاتهم، وإيراد أنواع وأفراد من المكفرات، وربما تركوا ما هو نظير تلك الأفراد، أو آكد منها، والأولى في هذا أن تذكر أجناس الأشياء والأصول التي ترجع إليها، لأجل إذا ذكرت الأشياء تفصيلاً، كان تمثيلاً لا حصراً. (١)
وفي الختام أسأل الله أن ينفع بهذا الجهد، وأن يبارك فيه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1029
هل نحن مؤمنون حوار حول حقيقة الإيمان والكفر والنفاق
المؤلف/ المشرف: محمد عبدالهادي المصري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار أطلس الخضراء - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: إيمان - حقيقته وأصوله - شاملة ومنوعة
الخاتمة: إن أقل الأفكار المنحرفة؛ في باب الإيمان؛ انتشاراً في الأمة هي أفكار الخوارج والمعتزلة، والتي تتبلور في صورة عملية محددة؛ هي تكفير مرتكب المعصية واعتباره خارجاً عن ملة الإسلام، بكل ما يترتب على ذلك من أحكام؛ كاستحلال الخوارج للدماء والأموال والأعراض المحرمة بدون سلطان من الله؛ دع عنك التاريخ السيء لهذه الفرقة في علاقتها بالأمة؛ مما خلق حاجزاً نفسياً وفكرياً ضد هذه الفرقة قديماً وحديثاً؛ دون أن يقلل ذلك من خطورة أفكارها وأثرها الضار في شق جماعة المسلمين.
إن المسلم يظل في دين الله حتى وهو في أشد حالات المعصية؛ تركاً للواجبات أو ارتكاباً للمحرمات؛ طالماً أنه لم يأت بناقض بين جلي لنا فيه من الله برهان من نواقض الإيمان قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً؛ هذه هي عقيدة السلف وأئمة أهل السنة والجماعة. أما أكثر الأفكار المنحرفة تأثيراً ضاراً في الأمة؛ كيفاً وكماً؛ فيه أفكار فرق المرجئة بدرجاتها المختلفة؛ خاصة أن هذه الأفكار قد تبنتها مدارس "سلوكية" ومعاهد "علمية"، وعملت على بثها في الأمة على أنها تمثل مذهب أهل السنة! فتسربت هذه الأفكار إلى عقل وسلوك كثير من الناس بلا وعي بحقيقة ما تمثله هذه الأفكار ومدى انحرافها عن مذهب أئمة وسلف الأمة.
стр. 1030
لقد دمرت أفكار المرجئة الخبيثة عقائد كثير من الناس قديماً وحديثاً، وأفسدت عليهم دينهم ودنياهم وآخرتهم. حيث سقطت قيمة العمل الظاهر من حسن هؤلاء الناس وشعورهم الديني؛ وتجرؤوا على المعاصي؛ كما انهارت كلية الشريعة وقاعدتها الكبرى في تلازم الظاهر بالباطن؛ واختلطت الظواهر، فأفسق الخلق وأفحشهم خلقاً وسلوكاً قد يكون – عند هؤلاء المرجئة أفضل من أزهد الناس وأكثرهم ورعاً وعبادة؛ فالجميع مؤمنون، والظواهر شيء، والبواطن شيء آخر! ولكن أخبث ما أنتجته أفكار المرجئة في واقعنا المعاصر أن استقر عند كثير من الناس أن الإيمان هو التصديق وأن الكفر هو التكذيب فقط! فاختلت الموازين التي يزن بها هؤلاء الناس واقعهم تجاه دينهم؛ وتحت زعم أنهم مصدقون وغير مكذبين لله ورسوله، وطالما أن الإيمان هو مجرد التصديق، وتحت ضغط الشهوات ووطأتها، فقدت القلوب المحبة الواجبة لله ورسوله، والتعظيم الواجب لهما، والانقياد والطاعة لحكمهما؛ وامتلأت القلوب بحب الأغيار وتعظيمها والانقياد والطاعة لها؛ ونما النفاق وترعرع حتى كانت الحال التي قال الله تعالى فيها: ﴿هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان﴾ [آل عمران: ١٦٧]. واختلت كذلك الموازين التي يزن بها هؤلاء الناس الواقع من حولهم؛ فأخطأوا مرة أخرى في حق أنفسهم ودينهم؛ حيث لم ينزلوا أحكام الله على واقعها الصحيح؛ فضلوا في التعامل مع واقع كثير من الأحوال وفق منهج الله وشرعه؛ فطالما أن واقع هذه الأحوال المحيطة لم يعلن التكذيب لله ورسوله "بصريح اللفظ"، وطالما أن الإيمان هو مجرد التصديق، وأن الكفر هو فقط التكذيب؛ فإن هذا الواقع عندهم واقع مؤمن بالله ورسوله حتى وإن فسق وانسلخ عن حكم الله ورسوله، أو والى أعداء الله ورسوله أو قاتل أولياء الله ورسوله؛ أو هزأ بدين الله وسخر من سنة رسوله! وكما ساوى الخوارج والمعتزلة بين جميع أنواع المعاصي سواء تلك التي تصيب الإيمان في أصله أو تلك التي تصيبه في فروعه وشعبه، واعتبروها جميعها مخرجة من الملة؛ ساوى هؤلاء المرجئة المعاصرون بين جميع المعاصي أيضاً ولكن اعتبروها كلها غير مخرجة من الملة حتى تلك التي تنقض الإيمان في أصله، إلا أن يكون صاحبها مستحلاً لها! ولم يفسروا الاستحلال بشيء إلا بالتكذيب! فالمرء عندهم لو تلبس بشرك أكبر أو كفر أكبر مخرج من الملة بيّن جلي لنا فيه من الله برهان؛ ولكنه لم يعلن التكذيب بلسانه لا يكفر – وهذا ما لم يقل به حتى أسلافهم من الجهمية الأوائل الذين كانوا يقولون بكفره وخروجه من الملة من الظاهر ولكنهم يتوقفون في حكمه في الباطن أي عند الله على الحقيقة – بل وذهب بعض هؤلاء المرجئة المعاصرين إلى أنه حتى لو أعلن الكفر أو التكذيب أو الاستهزاء بلسانه، فقد يكون معذوراً بجهل أو تأويل أو خطأ أو سوء تربية! أو عدم تحقق الشروط وانتفاء الموانع؛ إلى آخر هذه القائمة من المماحكات السخيفة التي يخفون وراءها حقيقة تجهمهم وتفوقهم حتى على أسلافهم من الجهمية الأول! تلك المماحكات التي وصلوا بها إلى عدم كفر أحد أو تكفيره على التعيين ممن تكلم بالشهادتين في هذه الحياة الدنيا!
نسأل الله الإخلاص والإصابة .. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا .. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه؛ وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .. اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 1031
وسطية أهل السنة بين الفرق
المؤلف/ المشرف: محمد باكريم محمد با عبدالله
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الراية - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: وسطية وغلو
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته وتوفيقه تتم الصالحات .. وبعد ..
في ختام عملي في هذه الرسالة، أود أن أذكِّر بأهم ما عالجته من مسائل ومباحث، وما خلصت إليه فيها من نتائج، ونظراً لسعة موضوع الرسالة وتعدد مباحثها، فإني سأكتفي بعرض ذلك باقتضاب، على النحو التالي:
• تبين لي في (معنى السنة): أن المراد بها في إطلاق السلف: موافقة الكتاب والسنة، وخاصةً في مسائل الاعتقاد، ولذلك سموا مصنفاتهم في العقيدة باسم (السنة).
• كما تبين لي أن مصطلح (أهل السنة) مصطلح قديم معروفٌ عند السلف ابتداءً من عصر الصحابة رضوان الله عليهم، كما ورد استعمال ذلك في كلام ابن عباس، وفي ذلك ردٌ على من ادعى أن ذلك أول ما أطلق على الأشاعرة.
• كما تبين لي أن دعوى الأشاعرة أنهم هم أهل سنة دعوة عريضة فيها نظر؛ لأن اعتمادهم على العقل في أمور الاعتقاد وتقديمه على النقل وردهم لكثيرٍ من نصوص السنة بمقتضاه يقعد بهم عن ذلك.
• أن الطريق لمعرفة السنة والقول بها، هو النقل، والاتباع لا غير، وأنها لا تدرك بالعقول.
• كما أثبت في هذه الرسالة أن أهل السنة هم أهل الجماعة، وهم الفرقة الناجية، وهم الطائفة المنصورة دون غيرهم من سائر الفرق.
• كما بينت جواز إطلاق السلف والسلفية على أهل السنة، وصحة التلقب بذلك، وتهافت كلام من عد ذلك من البدع.
• بينت حقد أهل البدع على أهل السنة، ونبزهم بالألقاب الشنيعة، وذكرت نصوصهم في ذلك من كتبهم ومصنفاتهم وما نقله الثقات من أقوالهم وبينت أن أهل السنة لا يلحقهم شيءٌ من تلك الألقاب.
• كما أثبت: أن هذه الأمة المحمدية هي: الأمة الوسط بين الأمم، وأن في إثبات وسطيتها إثباتاً لوسطية أهل السنة.
• أثبت في هذه الرسالة أن الأمة المحمدية أعدل الأمم بشهادة الله لها بذلك، وشهادة أعدائها أيضاً.
• كما أثبت مبلغ جور أمتي اليهود والنصارى، وظلمهم وبعدهم عن العدل فيما بينهم وفيما بينهم وبين الأمم الأخرى.
• وأثبت أن هذه الأمة المحمدية هي خير الأمم وأوضحت ذلك من أوجه متعددة.
• كما بينت مبلغ توسط هذه الأمة واعتدال أقوالها بين طرفي الإفراط والتفريط.
• أثبت أن كلاً من اليهود والنصارى لديهم إفراطٌ وتفريط، وغلوٌ وجفاءٌ، ويظهر ذلك في باب توحيد الله، وباب أنبياء الله ورُسُلِه وغير ذلك من الأبواب، ودللت على ذلك من كتبهم المقدسة عندهم.
• كما أثبت أن أهل السنة أوسط فرق هذه الأمة، وأنهم بين هذه الفرق كهذه الأمة بين الأمم في الاعتدال والتوسط والفضل.
• فأثبت وسطيتهم في باب الأسماء والصفات، واعتدال قولهم واعتقادهم في ذلك بين طرفي الإفراط والتفريط، وهم المعطّلة والمشبهة.
• وبينت وسطيتهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد بين المرجئة والوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم.
• وأثبت أنهم أهل توسط واعتدال في باب الإيمان بالقضاء والقدر، بين: الجبرية الذين يسلبون العبد اختياره ومسؤوليته عن أفعاله، وبين القدرية الذين يجوزون أن يقع في ملك الله ما لا يريده ويقدره.
• وبينت وسطيتهم واعتدالهم في باب أصحاب رسول الله ﷺ وسلامة أقوالهم من الوقيعة فيهم أو الإزراء بهم.
• أثبت مبلغ جفاء الرافضة والخوارج لأصحاب رسول الله ﷺ وسوء اعتقادهم وأقوالهم فيهم.
• بينت مذهب أئمة المعتزلة في هذا الباب، وسوء قولهم واعتقادهم في طوائف من الصحابة.
• كما بينت وسطية قول أهل السنة وحسن اعتقادهم في باب تعظيم رسول الله ﷺ والصالحين من أمته، وأنهم وسط في ذلك بين غلو وتفريط وتقصير أهل البدع من المتصوفة ومن شاكلهم.
هذه أهم المباحث التي عرضت لها في هذه الرسالة، والنتائج التي انتهيت إليها فيها، فإن وُفِّقت وأصبت فبفضل الله وتوفيقه، وإن أخطأت وزللت فمن نفسي، وأستغفر الله لذنبي، وحسبي أني اجتهدت في ذلك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1032
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها دراسة تربوية للآثار الإيمانية والسلوكية لأسماء الله الحسنى
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن ناصر الجليل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: أسماء وصفات - قواعد عامة ودراسات
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والشكر لله – – على ما أولاه من فضل وعون وتوفيق في الكتابة في هذا العلم الشريف، الذي هو أشرف العلوم وأرفعها وأنفعها كيف لا وهو يتعلق بأشرف وأكرم وأجل معلم وهو الله .
هذا، وأسأل الله – – أن يغفر لي تقصيري، ويمحو زلتي، وأن يجبر ضعفي، وأن يتقبل مني، وأن لا يؤاخذني بما نبا عن الفهم أو زل به القلم إنه سميع مجيب بر رحيم عفو غفور.
وقد خلصت بعد الانتهاء من كتابة في هذا البحث إلى نتائج مهمة أنبه نفسي وإخواني المسلمين إليها:
النتيجة الأولى: تبين لي من خلال هذا البحث التقصير الشديد من طلاب العلم وبخاصة المهتمين بتدريس العقيدة، وذلك في الغفلة عن هذا العلم الشريف، ألا وهو التعبد لله – – بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا وآثارها على أعمال القلوب والأخلاق والسلوك، فقل أن يوجد من يولي هذا الجانب عناية خاصة وهو يدرس العقيدة أو يدرسها، لذا أتوجه في هذه الخاتمة بالنصح لنفسي ولإخواني طلاب العلم وأرباب التوجيه والتربية، بأن تولي هذا الجانب المهم من أسماء الله – – عناية كبيرة في الدروس والحلقات التعليمية، وأن تتم التربية من خلاله على تقوية الإيمان وتجريد التوحيد لله – – وتزكية القلوب والأخلاق، وألا نقف في دراسة توحيد الأسماء والصفات على الجوانب الذهنية المجردة أو الردود على أهل البدع والأهواء فقط، وإنما نجمع في دراسة هذا الجانب المهم من توحيد الله – – بين الجانب العلمي والعملي والتعبدي والأخلاقي، فهكذا كان سلفنا الصالح في تميزهم بمنهجهم الفريد القائم على صحة الفهم، والمعتقد وسلامة القلوب والأخلاق، ولا يعد المسلم متبعاً لمنهج السلف الصالح حتى يتبعهم في معتقدهم وفي أخلاقهم.
النتيجة الثانية: ومما يؤكد النتيجة السابقة ما خرجت به من هذه الدراسة من شعور نفسي شعرت به في نفسي وفي نفوس كثير ممن صرحوا لي بذلك ألا وهو الشعور بضعف الإيمان ونقص التوحيد في قلوبنا، وكذلك الشعور بالخلل في تعاملاتنا وأخلاقنا، واكتشاف أن مراد هذه كله هو عدم اهتمامنا بأسماء الله الحسنى فهماً وتعبداً وتخلقاً؛ لأن توحيد الأسماء والصفات هو في حقيقته أساس توحيد الألوهية والربوبية، وبالتالي هو أساس الإيمان الذي تبنى عليه الأعمال والأحوال والأخلاق، وبقدر ما يضعف هذا الأساس يضعف ما قد يبنى عليه.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه؛ وشدة الاعتناء به، فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه. فالأعمال والدرجات بنيان؛ وأساسها الإيمان.
ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه، وإذا تهدم شيء من البنيان سهل تداركه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت، وإذا تهدم شيء من الأساس: سقط البنيان؛ أو كاد.
فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس؛ فلا يلبث بنيانه أن يسقط، قال تعالى: ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم﴾ [التوبة: ١٠٩].
فالأساس لبناء الأعمال: كالقوة لبدن الإنسان، فإذا كانت القوة قوية حملت البدن؛ ودفعت عنه كثيراً من الآفات، وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن؛ وكانت الآفات إليه أسرع شيء.
стр. 1033
فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان، فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه: كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس.
وهذا الأساس أمران: صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته.
والثاني: تجريد الانقياد له ولرسوله ﷺ دون ما سواه.
فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه وبحسبه يعتلي البناء ما شاء).
النتيجة الثالثة: برز في هذا البحث أهمية العناية بأسماء الله الحسنى وآثارها الإيمانية بصورة ملحة في زماننا اليوم عن أي زمان مضى؛ ذلك لما ظهر في هذه الأزمنة من شبهات عظيمة وشهوات خطيرة تبثها وسائل إعلامية لم يمر على البشرية في تاريخها الطويل مثلها في الفساد، مما نشأ عنه فساد عظيم في التصور، وأزمة شديدة في الأخلاق قست به القلوب واستفحلت فيها أمراض الشكوك والقلق والشهوات والأحقاد والأضغان، وإن من أعظم ما تدفع به هذه الأمراض والكوارث معرفة الله – – بأسمائه وصفاته وآثارها في القلوب والأعمال، والتعبد لله – – بها، ولهذا كان لزاماً على مصلحي هذه الأمة والمدافعين للشر والفساد أن يولوا هذا العلم الشريف عناية تامة، فيردوا الناس إليه، ويعلمونهم ويربطونهم بآثاره ومقتضياته حتى يسعدوا في الدنيا والآخرة، ويقطعوا على أهل الشبهات والشهوات طريقهم في إفساد الناس.
النتيجة الرابعة: كما تبرز أهمية هذه الدراسة في زماننا اليوم بصورة ملحة؛ لما نعيشه اليوم من فتن وسعار على هذه الدنيا التي من أجلها يتحاسد كثير من الناس ويتقاتلون، وكل ذلك إنما نشأ من ضعف الإيمان والتوحيد في القلوب والذي منشؤه من ضعف معرفة الله وأسمائه وصفاته، وما تقتضيه من آثار وثمار.
النتيجة الخامسة: وتبرز أيضاً أهمية هذا العلم الشريف في مثل الظروف الراهنة التي تمر بها أمتنا الإسلامية من تداعي أمم الكفر والشر عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها حتى تكاثرت الجراح عليها فلا يكاد يلتئم جرح إلا وينفتح عليها جراحات كثيرة. وهنا يأتي دور التربية والتزكية بمعرفة أسماء الله – وما تقتضية من الآثار الإيمانية السلوكية، والتي تثمر قوة المقاومة لهذه الفتن، والصمود أمام الأحداث والمصائب في ضوء المعرفة الصحيحة للأسماء الحسنى، مما يكون له الأثر في الثبات وقوة الإيمان، والصبر على البلاء، والتضحية في سبيل الله – – والنصر على الأعداء وقوة الرجاء، وحسن الظن به سبحانه، وقطع الطريق على اليأس والإحباط.
وإن أولى الناس بهذه المعرفة والتربية المجاهدون في سبيل الله تعالى، والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، لأنهم أكثر الناس تعرضا للمعوقات والمثبطات. لذا ترى – والله أعلم – أن الله – – لما أمر نبيه ﷺ بتحريض المؤمنين على القتال ذكر لهم أن الواحد من المؤمنين يغلب عشرة من الكفار، ثم ذكر السبب في ذلك بأن الكفار قوم لا يفقهون، ومفهوم المخالفة أن المؤمنين قوم يفقهون عن الله – – ويعرفونه سبحانه بأسمائه وصفاته، ويعلمون في سبيل من يقاتلون وما هي الغاية التي يرومون، قال الله : ﴿يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الأنفال: ٦٥].
стр. 1034
يقول سيد قطب – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية: (ما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر؟ إنها صلة حقيقية، وصلة قوية .. إن الفئة المؤمنة إن تمتاز بأنها تعرف طريقها، وتفقه منهجها، وتدرك حقيقة وجودها وحقيقة غايتها .. إنها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية؛ فتفقه أن الألوهية لابد أن تنفرد وتستعلي، وأن العبودية يجب أن تكون لله وحده بلا شريك، وتفقه أنها هي – الأمة المسلمة – المهتدية بهدى الله، المنطلقة في الأرض – بإذن الله – لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؛ وأنها هي المستخلفة في الأرض؛ الممكنة فيها لا لتستعلي هي وتستمتع ولكن لتعلي كلمة الله، وتجاهد في سبيل الله؛ ولتعمر الأرض بالحق؛ وتحكم بين الناس بالقسط؛ وتقيم في الأرض مملكة الله التي تقوم على العدل بين الناس .. وكل ذلك فقه يكسب في قلوب العصبة المسلمة النور والثقة والقوة واليقين؛ ويدفع بها إلى الجهاد في سبيل الله في قوة وفي طمأنينة للعاقبة تضاعف القوة. بينما أعداؤها (قوم لا يفقهون) قلوبهم مغلقة، وبصائرهم مطموسة؛ وقوتهم كليلة عاجزة مهما تكن متفوقة ظاهرة، إنها قوة منقطعة معزولة عن الأصل الكبير!).
ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي – رحمه الله تعالى – في تفسيره لهذه الآية في (شريط مسجل): (وهذا سر لطيف وتعليم سماوي هائل يفهم منه المسلمون أن أول شيء من الأساسيات للاستعداد للميدان هو الفقه والفهم عن الله تعالى، فيجب كل الوجوب أن يعلم العسكريون عن الله حتى يفقهوا لأنهم إذا كانوا فاهمين عن الله عارفين للمبدأ الذي يقاتلون عليه كانوا شجعانا صابرين لا يفرون من القتل ولا يهزمون كما سجله التاريخ لأوائل هذه الأمة، وإن كانوا لا يفقهون عن الله شيئا، وكانوا جهالاً كالأنعام لا مبدأ لهم يقاتلون عليه فهم ليسوا بأساس ولا معول عليهم يهزمون مع أول ناعق) اهـ.
النتيجة السادسة: كما ظهر من خلال هذه الدراسة أهمية العلم بأسماء الله – – في معرفة السنن الإلهية وأثرها فيما يجري في هذا الكون من حوادث ونوازل ومتغيرات، وهذا يؤثر في تفسير الأحداث والموقف الصحيح منها والمنهج الحق في تناولها واستثمارها وتعليلها. فعلى سبيل المثال عندما يتعبد العبد لربه سبحانه باسمه (العليم، الحكيم) فإن هذا يثمر الطمأنينة في القلب وحسن الظن بالله – – وربط الأحداث بخالقها سبحانه ومحدثها، وأنها لم تحصل إلا بعلمه سبحانه وحكمته وقدرته وعدله، وأنه سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعندما يشهد اسمه سبحانه: (الرحيم، اللطيف) فإن هذا يثمر المعرفة بسنة الله – – في عباده المؤمنين وأن العاقبة لهم، وأن ما يدبره الله سبحانه لهم متضمن لرحمته سبحانه ولطفه وبره بهم.
وهكذا في بقية أسماء الله الحسنى وما تقتضيه من السنن الإلهية في خلقه سبحانه وأمره.
стр. 1035
علم وعلماء وطلاب علم
стр. 1036
آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية عرض وتقويم في ضوء عقيدة السلف
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالعزيز الشايع
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة دار المنهاج - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: نقد كتاب أو فكر
الخاتمة
بعد حمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتبلغ الغايات، وتنال المكرمات، فقد تم إنجاز هذا البحث وإتمامه بحول منه سبحانه وعونه.
وإني لا أدعي فيه الكمال والإحاطة، وحسبي أني بذلت فيه قصارى جهدي، وكامل مكنتي، فإن أصبت فهو من فضل ربي وتوفيقه، فله الحمد
والفضل، وإن أخطأت فهو مني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء،
وأستغفر الله وأتوب إليه.
وهذا عرض لأبرز نتائج البحث، وتوصياته:
١ـ أهمية العناية بدراسة آراء أعلام المذاهب الفقهية المتبوعة الاعتقادية،
وضرورة تقويمها ـ خاصة المتأخرين منهم ـ لعظم أثرهم، وانتشار
كتبهم.
٢ـ أثر الأحوال السياسية والدينية والاجتماعية والعلمية السيئة في القرن العاشر الهجري على حياة ابن حجر وتكوينه العلمي وآرائه الاعتقادية
سلبا وإيجابا.
كثرت كتب ابن حجر ﵀ التي ضمنها آراءه الاعتقادية، وعناية أهل
العلم بها، وشهرتها بين الناس بما يحتم ضرورة تحقيقها ودراستها
وتقويمها.
٤ـ اعتماد ابن حجر ﵀ في تقرير المسائل العقدية على كلام بعض أهل
العلم، ونقله أقوالهم دون تحقيق؛ مما أوقعه في الخطأ في بعضها.
٥ـ تناقض ابن حجر ﵀ في مسائل عدة، واضطراب كلامه في مسائل
أخرى.
٦ـ تجويز ابن حجر ﵀ الأخذ بمذهب الأشاعرة أو الماتريدية في المسائل العقدية.
٧ـ تأثر ابن حجر ـ غفر الله له ـ بالصوفية غير الغالية وتبنيه لبعض آرائهم،
ورده عليهم في بعضها الآخر، واعتذاره للغالية منهم واعتقاده
إمامتهم.
٨ـ وافق ابن حجر ﵀ أهل السنة والجماعة في مسائل وخالفهم في أخرى، وفيما يلي بيان ذلك:
• في مصادر تلقي العقيدة ومنهج الاستدلال بها:
وافق أهل السنة والجماعة في اعتبار القرآن والسنة والإجماع والعقل
مصادر لتلقي العقيدة وخالفهم في بعض الجوانب المنهجية للاستدلال بها
• في الإيمان بالله:
وافق أهل السنة والجماعة في معنى الإيمان بالله، وخالفهم في معنى
التوحيد وبيان أقسامه
ـ في توحيد الربوبية:
وافق أهل السنة والجماعة في معنى توحيد الربوبية، ودلائله وحكم
إيمان المقلد، وقول بعضهم بأن الفطرة هي الخلقة.
وخالفهم في معرفة الله وحكمها.
ـ في توحيد الألوهية:
وافق أهل السنة والجماعة في معنى توحيد الألوهية، وشهادة أن لا
إله إلا الله، ومعنى العبادة وأنواعها، وذكره بعض ما يناقضه أو يقدح في الجملة.
وخالفهم في تفضيله الذكر بالاسم الظاهر على الذكر بلا إله إلا الله،
وتجويزه صرف بعض العبادات لغير الله بناء على شبهتي المجاز العقلي والتسبب والكسب، وتقريره استحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي ﷺ والتوسل به، والقول بجواز الأوفاق، وكراهة سب الدهر وتجصيص القبور
والكتابة عليها.
ـ في توحيد الأسماء والصفات:
وافق أهل السنة والجماعة في بين معنى الأسماء والصفات، وإثبات
أسماء الله تعالى، والقول بأنها توقيفية، وأنها غير محصورة بعدد وقول بعضهم بأن الاسم الأعظم هو الله، وشرحه لمعانيها في الجملة.
وخالفهم في قوله بأنأ ظواهر نصوص الصفات غير مرادة، وتجويزه
التأويل والتفويض فيها، وزعمه أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وإعماله التأويل في نصوص الصفات بما ينفي دلالتها.
• في الإيمان بالملائكة:
وافق أهل السنة والجماعة في تعريف الملائكة، ومعنى الإيمان بهم، وتقريره عصمتهم، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وقول بعضهم بأن إسرافيل أفضلهم.
• في الإيمان بالكتب:
стр. 1037
وافق أهل السنة والجماعة في تعريف الكتب، ومعنى الإيمان بها، ونزول القرآن، وإعجازه في الجملة.
وخالفهم في معنى نزوله وكيفيته.
• في الإيمان بالرسل:
وافق أهل السنة والجماعة في معنى الإيمان بهم، والمفاضلة بينهم وقول بعضهم بنبوة الخضر وإخوة يوسف، وعدم نبوة لقمان وذي القرنين.
وخالفهم في القول بنبوة إبراهيم بأن نبينا محمد ﷺ والقول بعصمتهم مطلقا من الكبائر والصغائر والعمد والسهو.
• في الإيمان بنبينا محمد ﷺ :
وافق أهل السنة والجماعة في بعض ما ذكره من معجزاته وخصائصه،
وتكفيره لمن سبه وقول بعضهم بقبول توبته ونفيها القتل عنه.
وخالفهم في تعريف المعجزة، وبيانه شروطها، وذكره بعض الخصائص التي لم تثبت له وتتضمن غلوا في جنابه ﷺ
• وفي كرامات الأولياء:
وافق أهل السنة والجماعة في تعريف الكرامة، والفرق بينها وبين خوارق السحرة، والقول بجوازها ووقوعها، والرد على من خالف في ذلك.
وخالفهم في بيان الفرق بينها وبين المعجزة، وسياقه لبعض خوارق غلاة الصوفية وعده لها من كراماتهم.
• وفي الإيمان باليوم الآخر:
ـ في الحياة البرزخية:
وافق أهل السنة والجماعة في إثبات فتنة القبر، ونعيمه وعذابه، وقول بعضهم في حقيقة الروح.
ـ في أشراط الساعة:
وافق أهل السنة والجماعة في تعريف أشراط الساعة، وبيان أقسامها، وما ذكره منها.
ـ في الحياة الآخرة:
وافق أهل السنة والجماعة في إثبات المعاد، والشفاعة، والصراط، والميزان، الجنة، النار والقول بخلقهما الآن وأبديتهما.
وخالفهم في القول بأن رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين إلى غير جهة.
• في الإيمان بالقضاء والقدر:
وافق أهل السنة والجماعة في معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه.
وخالفهم في أفعال العباد، والهدى والضلال ومعنى الظلم الذي نزه الله نفسه عنه وحكمه في حقه، والتحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وتكليف ما لا يطاق.
• في الصحابة:
• وافق أهل السنة والجماعة في تعريف الصحابة وتقرير فضلهم وبيان المفاضلة بينهم، والمفاضلة بينهم وبين من بعدهم، وبحث عدالتهم والقول بوجوب الإمساك عما شجر بينهم، وبيان حكم سبهم.
• في الإمامة:
وافق أهل السنة والجماعة في تعريف الإمامة والقول بوجوبها، وطرق انعقادها، وما يجب تجاه من وليها، وإثبات إمامة الخلفاء الراشدين ﵃.
• في الأسماء والأحكام:
وافق أهل السنة والجماعة في القول بجواز الاستثناء في الإيمان وتقرير الفرق بين الإسلام والإيمان في الجملة وتعريف الكبيرة وحكم مرتكبها.
وخالفهم في تعريف الإيمان، وقوله بأن الزيادة والنقصان فيه قاصرة على اعتقاد القلب.
ـ في مسائل الكفر والتكفير:
وافق أهلي السنة والجماعة في التحذير من التكفير بغيرحق وضرورة الاحتياط فيه، وبيان موانعه، واعتبار اللوازم فيه الجملة.
ـ في مسائل البدعة:
وافق أهل السنة والجماعة في تعريف البدعة وإنكاره لبعض بدع عصره كالسماع وصلاة الرغائب، والصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان.
وخالفهم في تقريره انقسام البدعة إلى حسنة وسيئة وحكمه بجريان الأحكام الخمسة فيها، وقوله بأن المولد بدعة حسنة.
والحمد لله أولا وآخرا ظاهرا وباطنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1038
أبو منصور الماتريدي حياته وآراؤه العقدية
المؤلف/ المشرف: بلقاسم الغالي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار التركي ̈بدون
سنة الطبع: ١٩٨٩م
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
لقد تبين لنا من خلال دراستنا لأبي منصور الماتريدي إمام أهل السنة، أنه قد قدم خدمة جليلة إلى الإسلام، في تلك الأصقاع البعيدة عن منابعه الأصلية، في جو سادت فيه المناقشات الدينية، واضطربت المفاهيم. وقد استخلصنا من خلال دراستنا له النتائج التالية:
١ - سلطت مزيدا من الأضواء على البيئة السياسية والاجتماعية والفكرية التي عاش فيها الماتريدي، وضبطت نسبه وميلاده، وتاريخ وفاته.
٢ - انتهيت إلى ضبط أساتذته، وترجمت لهم، وانصب اهتمامي على تلاميذه، ورصدت منابع ثقافته ورتبت مؤلفاته حسب المصادر التي وردت أسماؤهم فيها، وبذلت في ذلك غاية جهدي. وأحسب أن أحدا لم يسبقني إلى هذا العمل على هذا النحو، وظني أنه رصد ضروري، لفهم آرائه، ونشاطه الفكري.
٣ - اختلف العلماء والمفكرون في منهج الماتريدي، إلا أنه يبدو في كثير من القضايا أقرب إلى المعتزلة من الأشاعرة. فقد جعل للعقل منزلة كبيرة في كثير من المشاكل بدرجة أقوى من الأشاعرة. ويبدو ذلك جليا في رؤية الباري سبحانه، وفي صفة التكوين. فهو سني متفتح يعرف جيد المعرفة متى يجب الاستمساك بالنص ومتى يأخذ بالعقل وفي أي المسائل يأخذ بهما معا. ورغم قرب الماتريدي من المعتزلة فإنه لم يجنح إلى المغالاة في التعويل على العقل، ولم يوجب على الله فعل الأصلح، بل التزم في منهجه وصف الله بالحكمة، لأن الحكيم لا يفعل إلا ما فيه خير وصلاح. وهكذا التزم الماتريدي بالسمع والعقل معا لأنهما أصل ما يعرف به الدين. حسبما صرح بذلك في مقدمة " كتاب التوحيد"
٤ - وقف الماتريدي ضد الإلحاد من المانوية التي طغى نشاطها في آسيا الوسطى، ولربما كان من أهم الأسباب التي دفعته إلى الإفاضة في مبحث الألوهية.
٥ - افتن الماتريدي في التدليل على وجود الله، ردا على ملاحدة عصره. وهذه الأدلة يمكن إثراؤها حتى تكون منطلقا للرد على ملاحدة عصرنا، ثم إن ما يشاع الآن من أن دليل العناية والاختراع ينسبان إلى ابن رشد، ليس صحيحا بل إن أول من خاض فيهما ونبه إلى خطرهما أبو منصور الماتريدي، وفضلا عن ذلك فقد ابتكر براهين طريفة، كدلالة النظام والإتقان والروعة البادية على هذا الكون، ودلالة الشر، وكقوله: "من عرف نفسه فقد عرف ربه" وقد انطلق في معظم أدلته من القرآن.
٦ - ركز الماتريدي على دفع بدعتي التشبيه والتعطيل، والتدليل على وحدانية الخالق، لأن الإسلام دين التوحيد وبذلك عنون كتابه "التوحيد" ولم يغرق كغيره من علماء الفرق الإسلامية في بحث هل أن الصفات عين الذات أو زائدة عنها؟ بل كاد يكتفي بما ورد وصفه سبحانه في القرآن، وسائر كتب الله على حد تعبيره. ولولا تيار الإلحاد في الصفات الرائج في ذلك العصر، لما لجأ أبو منصور إلى الإغراق في بحث تفريعاتها. وإن وجد هذا الإطناب، فهو مدفوع إلى ذلك دفعا، كإضافته القول في صفة التكوين وعدها صفة قديمة. وتوضيح موقفه من قضية الكلام الإلهي، تلك الصفة التي شغلت الفكر الإسلامي، وصارت بسببها فتنة بين المسلمين، غذاها المعتزلة بالكفر والنظر، ودعمها المأمون بالسلطان والسيف. وانتهى فيها أبو منصور إلى رأي يقضي بعدم جواز سماع الكلام النفسي، وإنما يسمع ما يدل عليه كدلالة هذا الكون على وجوده سبحانه.
стр. 1039
٧ - وأثبت الماتريدي رؤية الله. واكتفى بالمنهج السلفي، ولم يدخل في تفاصيلها وكيفيتها، لأنها شأن من شئون القيامة، وأما من قاس رؤية الله على رؤية الأجسام، وقال: إن كل موجود يصح أن يرى فهو قياس لم تتوفر أركانه لأنه قياس الغائب على الشاهد وقد تأثر برأيه في هذه المسألة بعض الأشاعرة كالرازي (فخر الدين).
٨ - وانتهى الماتريدي في أمر النبوة إلى أنها ضرورة إنسانية وحاجة بشرية. والأنبياء في الأمم بمنزلة العقول في الأشخاص، والقلوب والأجسام. وأما ما يدل على صدقهم عنده فظهور أحوالهم طبق صفات تدفع عنهم توهم الشكوك والظنون فإذا اجتمع مع ذلك وحي يتنزل، ومعجزات تتحدى بآيات باهرة، وضروب من الإعجاز قاهرة، لم يبق بعد ذلك لكافر من حجة أو سبيل إلا حجة الجهل وسبيل الهوى.
٩ - وفي أفعال العباد يثبت الماتريدي "الاختيار" للإنسان وتأثير القدرة الإنسانية في الفعل، وصلاحها للضدين، وهو لا يرتضي المعتزلة الذين وسعوا في مجال الحرية الإنسانية، وينكر على الجبرية اتجاههم في نفي القدرة عن العبد كما أن موقفه يغاير " كسب" الأشعري. وليست هذه القضايا المتنوعة التي أثارها منبتة عن الواقع الاجتماعي، والصراع السياسي مجردة عنه، بل كانت متصلة به اتصالا وثيقا.
وهكذا فإن الماتريدي مؤسس مدرسة قائمة الذات، لها جذورها وأعلامها وخصائصها، وقد امتازت بعمق الفكر، وبقوة الأدلة فأنتجت ثمارا عقليا من أروع نتاج العقل الإسلامي للدفاع عن العقيدة الإسلامية.
وبعد؛ فقد حاولت في هذا البحث أن أكتشف القناع عن آراء علم شامخ من أبرز أعلام أهل السنة، وأظهرت ما فيها من وضوح الحجة، وساطع البرهان، وما اتسمت به من إيناس مشرق، وحلول طريفة، لقضايا عقدية عسيرة المنال. فأرجو أن أكون قد أسهمت بقدر، في توجيه الأنظار إلى أبي منصور الماتريدي وتجلية الغموض الذي يحيط بشخصيته وبآرائه. والله ولي التوفيق.
стр. 1040
أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالرحمن الخميس
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الصميعي - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: أئمة أربعة - أو أحدهم - شاملة أو منوعة
الخاتمة
الحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فلله وحده الفضل والمنة، وقد توصلت إلى نتائج أجملها فيما يلي:
١ - أن العقيدة الصحيحة التي منبعها الكتاب والسنة هي أساس الدين وأصله المتين، وكل ما يبنى على غير أساس فماله الهدم والانهيار والاضمحلال.
٢ - أن اعتقاد أئمة الفقه – أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد – واحد في أصول الدين. وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة الواضحة في بيان عقيدتهم ليعرف القارئ الكريم أنهم متفقون في باب الاعتقاد.
٣ - أن أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلع فيه ثم تحول عنه إلى السنة لما أدرك خطورته على الدين وضرره على العقيدة.
٤ - أن أبا حنيفة اعتصم بنصوص القرآن والسنة في إثبات العقائد فيهما العمدة والأصل، ولأن تجاوزهما قول على الله بغير علم وتقديم بين يدي الله ورسوله.
٥ - سلك الإمام أبو حنيفة في استدلاله على وجود الله طريقة القرآن والسنة وأعرض عن مناهج المتكلمين وطرقهم.
٦ - أن الضابط للإثبات والتنزيه عند الإمام أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١].
وهذا هو الصراط المستقيم في باب صفات الله إثبات بلا تشبيه وتنزيه ولا تعطيل.
٧ - ليس في منهج الإمام أبي حنيفة نوع من التشبيه أو التعطيل، وكذلك لا يوجد في كلام أبي حنيفة تفويض مطلق، بل الذي في كلام أبي حنيفة تفويض مقيد بنفي العلم بالكيفية فقط لا المعنى.
٨ - أثبت أبو حنيفة جميع الصفات: ذاتية كانت أو فعلية بدون تأويل، أو تحريف، وظل ملتزماً بمنهجه هذا أثناء التطبيق؛ فأبى أن يؤول اليد بالقدرة أو النعمة، والرضا بالثواب، والغضب بالعقاب.
٩ - سلك أبو حنيفة منهج أهل السنة والجماعة في باب القدر، ورد على المنحرفين فيه من قدرية أو جبرية.
١٠ - أثبت أبو حينفة نعيم القبر وعذابه، وأحوال اليوم الآخر، وأن الجنة والنار موجودتان مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا فناء لهما.
١١ - أخذ عليه رحمه الله تعالى أنه خالف جمهور السلف في مسألة إخراج الأعمال عن حقيقة الإيمان، ولعله رجع عنها وإن لم يكن رجع عنها فعفا الله عنا وعنه وغفر الله لنا وله وجمعنا وإياه في مستقر رحمته، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمداً ﷺ .
١٢ - لم يصل إلينا كتب للإمام أبي حنيفة كتبت بخط يده أو نسخ معتمدة من تأليفه، غير أنه يوجد كتب منسوبة للإمام أبي حنيفة كالفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة ورسالة أبي حنيفة للبتي والوصية.
وقد صرح بعض الحنفية أنها ليست من تأليف الإمام مباشرة بل هي أماليه وأقواله قام التلاميذ بجمعها وتأليفها.
١٣ - المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي والماتريدية أظهرت أنهما مختلفان في المنهج متباعدان في التطبيق في كثير من مسائل الاعتقاد. فلم يكن الماتريدي والماتريدية على منهج أبي حنيفة في الاعتقاد وإن انتسبوا إليه في الفروع.
١٤ - ليس كل من انتسب إلى أبي حنيفة يعد موافقاً له في أصول الدين وفروعه، بل هناك من كبار المبتدعة من انتسب إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة بريء منهم كبراءة الذئب من دم يوسف.
١٥ - أن بعض أقوال الإمام أبي حنيفة في الاعتقاد لم تسلم من التحريف والتبديل من قبل بعض المبتدعة المنتسبين إلى أبي حنيفة، كقوله في القرآن والرؤية والاستواء وغير ذلك.
стр. 1041
وبعد أن عشت مع هذا البحث فترة ليست بالقصيرة ظهر لي أن هناك جانباً مهماً لم يعط حقه من الدراسة ألا وهو تنقية عقائد أئمة الفقه الأربعة مما علق بها من آراء مذهبية كلامية وتأويلات جهمية، ولهذا فإني أقترح على الدوائر العلمية الإسلامية ما يلي:
أولاً: تشجيع الدارسين والباحثين على الكتابة في عقائد الأئمة الفقهاء الأربعة وأصحابهم الأوائل مع كشف ما أدخل عليهم وما علق بهم من آراء المبتدعة وتأويلاتهم.
ثانياً: أن تكون دراسة العقيدة من مصدرها الأول الكتاب والسنة بعيداً عن تعقيدات المتكلمين والفلاسفة وجدلهم العقيم، ولا نخضع تلك الأدلة لتفسيرات المتكلمين وطريقتهم في الجدل.
ثالثاً: تشجيع اتجاه دراسة عقائد أتباع أئمة الفقه الأربعة ثم مقارنتها بعقيدة الأئمة لإظهار الفرق بينها مع بيان قربها أو بعدها من الكتاب والسنة فطالما يتساءل الإنسان هل أتباع الأئمة الأربعة متبعون لهم في الاعتقاد؟ أم هم مخالفون لهم؟ وهل تتفق عقائده مع ما جاء به التنزيل وما فطر الله عليه العباد أم لا؟
أم هم اعتنقوا أصول مذاهب مختلفة نتج عنها ميراث الخلاف المذهبي الذي يعيش فيه المسلمون اليوم بما له من آثار سيئة على الأمة والمجتمع الإسلامي؟
رابعاً: العمل على إثراء عقيدة السلف بتدوين تاريخ العقيدة السلفية إذ الحاجة ماسة إلى هذا، وأن تكون تلك الدراسة من مصادرها الأصلية وتنقيتها من الدخيل مع إعادة تقييم السلف على أنهم الأسلم والأحكم والأعلم.
وفي الختام فهذا جهد المقل، فقوى الإنسان محدودة قاصرة، فلابد من خلل وهفوة، فإن التقصير وكثرة العيوب من صفات المخلوقين. وقد قيل: من صنف فقد استهدف، فرجائي من القارئ الكريم التماس العذر لكل نقص وهفوة في هذا البحث وبذل النصيحة خالية من الفضيحة، والله أسأل، أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن يوفقنا جميعاً لهدي كتابه، والسير على سنة رسوله ﷺ والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1042
ابن هشام الأنصاري آثاره ومذهبه النحوي
المؤلف/ المشرف: علي فودة نيل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: جامعة الملك سعود - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٠٦هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
بدأت هذا البحث بتمهيد موجز عن تطور دراسات النحو في عصر ابن هشام، تحدثت فيه عن الحركة النحوية في ظل الأيوبيين والمماليك، وعن كبار النحويين المعاصرين لابن هشام، وأشهر مؤلفاتهم، ومنهج التأليف في النحو، وقد صدرت تمهيدي بلمحة عن الحياة العلمية في مصر بعد سقوط بغداد.
وتناولت بعد ذلك آثار ابن هشام بدراسة مفصلة شاملة عنيت فيها بالتعريف بكل أثر منها، وبيان أبرز خصائصه. وقيمته، وبالمقارنة بين ما تشابه أو افترق من هذه الآثار في وجه من الوجوه يحتاج إلى المقارنة، وبينها وبين ما تربطه به صلة من آثار الآخرين، وعنيت في هذه الدراسة أيضا بالكشف عن مخطوطات مؤلفات ابن هشام في مكتبات العالم المختلفة، وعن طبعات ما طبع منها. وشملت دراستي التعريف بما ألف حول مصنفات ابن هشام من شروح لها، وحواش عليها، وتعليقات حول شواهدها، ومختصرات، ومنظومات أحيانا، كما شملت بيان شأن ما له شأن منها، وذكرت ما عرفته من مخطوطات هذه المؤلفات كلها، ومن طبعات المطبوع منها. ودراستي لآثار ابن هشام امتدت إلى عدد من الرسائل في خبايا مؤلف لآخر، وامتدت إلى عدد آخر كثير من المخطوطات المجهولة أو النادرة.
هذا إلى تحقيق نسبة طائفة من المصنفات ذاع بين المتخصصين أنها لابن هشام، وتحقيق أسماء طائفة أخرى. ثم تناولت إنتاج صاحبنا بتقويم عام له تتبعت فيه مصادره والتطور الفكري فيه، معتمدا على المعروف من تواريخ بعض مؤلفاته، وعلى ما تم لي العثور عليه من تواريخ بعضها الآخر وعلى المقارنة بين آرائه في المسائل المشتركة بمصنفاته، وبينت أن للرجل مباحث لغوية ذات أصالة إلى جانب مباحثه النحوية.
واهتممت في هذا البحث أيضا ببيان مذهب ابن هشام النحوي، فوضحت موقفه من المدارس المختلفة في البصرة والكوفة وبغداد، ومن أئمة النحو المتقدمين والمتأخرين، وأبرزت ما له من آراء واختيارات وانتهيت من هذا إلى أن الرجل إمام نحوي كبير مجتهد كما حددت وجهته إزاء أصول النحو المختلفة من قرآن وقراءات وحديث وشعر وقياس وتعليل.
وفي ضوء دراستي: لابن هشام آثاره، ومذهبه النحوي تبين أن هذا الرجل بمؤلفاته المتعددة قد أثر في الدراسات النحوية من بعده تأثيرا كبيرا كان أقوى مظاهره هذه المؤلفات الكثيرة المتنوعة المتعلقة بإنتاجه وذلك عبر تاريخ طويل امتد إلى عصرنا هذا. ويمكن أن أجمل ما اشتمل عليه هذا البحث فيما يأتي:
١ - دراسة آثار ابن هشام- عدا المغني- دراسة منهجية تناولت الجوانب المختلفة لكل أثر من هذه الآثار.
٢ - التعريف بطائفة من مطبوعات ومخطوطات ابن هشام كانت غير معروفة، ومنها بعض المخطوطات الهامة.
٣ - تحقيق نسبة عدد من مؤلفات ابن هشام، وكشف أوهام بعضهم حول مصنفات منسوبة إليه وتحقيق أسماء مصنفات أخرى.
٤ - إلقاء ضوء على مصادر إنتاجه، وبيان التطور الفكري فيه.
٥ - تحديد مذهبه النحوي في ضوء موقفه من المدارس النحوية المختلفة ومن أئمة النحو على اختلاف عصورهم ووجهة نظرة في أصول النحو المعروفة.
٦ - إظهار أثره في الدراسات النحوية من بعده.
стр. 1043
الإمام الشاطبي عقيدته وموقفه من البدع وأهلها
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن آدم علي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
الخاتمة
أحمد الله وأشكره على توفيقه لي في كتابه هذا البحث، وعلى عونه لي على إتمامه على هذه الصورة.
وأختم بحثي هذا بعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلاله، وهي كالآتي:
تبين لي بعد الدراسة لعقيدة الشاطبي وجهوده في مقاومة البدع ما يأتي:
١ - أنه – ﵀ – كان يميل إلى العقيدة الأشعرية.
٢ - أنه – ﵀ – كان يرى الاختلاف في العقيدة كالاختلاف في الفروع، وأن الأصل هو تنزيه الرب.
ومن ثمّ يرى أن الفرق المخالفة في العقيدة كانت نياتهم طيبة؛ لأنه راموا التنزيه، وذلك يشفع لهم.
٣ - أنه – ﵀ – قد بلغ درجة عالية في معرفة مقاصد الشريعة.
٤ - أن صبره – ﵀ – وتحمله في محاربة البدع قد بلغ ذروة.
٥ - أن الله قد بارك في جهوده فنفع بها الأمة الإسلامية.
٦ - أنه قد درس البدع وبين أسبابها وآثارها وطرق أهلها بما لا يكاد يوجد في كتاب.
٧ - أنه قد بين أنه ليس هناك بدعة حسنة وأخرى سيئة، بل كلها سيئة، وأن البدعة ما خالف السنة، فلا محمود فيها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
٨ - أن البدع تتفاوت في أحكامها، فمنها ما هو كفر، ومنها ما دون ذلك.
٩ - أن الجهل بالسنة، وبأساليب اللغة العربية، واتباع الهوى، والتصميم على اتباع العوائد الفاسدة من أسباب الابتداع.
١٠ - أن توبة المبتدع من بدعته صعبة؛ لأنه يرى أن ما عليه هو الحق والسنة، وأن ما يخالفه هو البدعة.
١١ - وجوب العناية والاهتمام البالغ بمقاومة البدع وأهلها؛ لأن طرق البدعة متنوعة، وأهلها في تزايد دائم – فلابد من يقظة العلماء وطلاب العلم لهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1044
الإمام الفقيه المحدث الشيخ محمد عابد السندي الأنصاري
المؤلف/ المشرف: سائد بكداش
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
الخاتمة
وفي نهاية هذا الرحلة المباركة مع هذا الإمام الفَذّ العظيم الشيخ محمد عابد السندي الأنصاري، والتي دامت أكثر من سنتين، مع انشغالي بأعمالٍ أخرى، أقول: الحمد لله الذي يسَّر لي هذا، ووفَّقني إليه، وأعانني عليه، وما ذلك إلا بمنّه وفضله جل وعلا، فبنعمته تتم الصالحات.
وقد كَشَفَت لنا هذه الدراسة عن كنوزٍ مخبَّآت، وعن جواهر ثمينة، ودُرَرٍ يتيمة، قلَّ مَن عاينها واطلع عليها، فأبهج نفسَه بجمالها، وشنَّف سمعه بسماع أخبارها.
فقد عرفنا من خلالها أخبار كوكبة نَيِّرة من كبار علماء السند وفقهائهم، من أحفاد سيدنا أبي أيوب الأنصاري ﵁، منهم جدُّ الشيخ محمد عابد، وهو شيخ الإسلام القاضي الواعظ الإمام المحقق الشيخ محمد مراد السندي الأنصاري، ومنهم عمُّه العلامة الفقيه الحنفي المحقق، الطبيب الحاذق الشيخ محمد حسين السندي الأنصاري، وكذلك والده العلامة الفقيه الشيخ أحمد علي السندي الأنصاري.
وغيرهم من سلسلة آبائه وأجداده، تلك السلسلة الذهبية التي توارثت العلم أباً عن جد، ولم يَخلُ عن الفضل والعلم منها أحد.
كما وقفنا على صلة الشيخ محمد عابد الوثيقة بحكام اليمن، حين أقام فيه أكثر من ثلاثين سنة، وكيف كانت متوَّجة بالنزاهة والزهد والورع.
واستفدنا دروساً عظيمةً، فيها عِبَرٌ وعِظات، وذلك من خلال ذكر أخلاقه الكريمة، وأدبه العالي الجمّ الفريد.
ورأينا مكانته العالية المرموقة بين علماء عصره، فقد كان مرجعهم العلمي، الذي يفزعون إليه في حل عويصات مسائل العلم، وهذا قبل أن يكون رئيساً لعلماء المدينة المنورة، وأما بعد فمن باب أولى.
وتمَّ التعرُّف على أسماء وأخبار شذرة كريمةٍ من شيوخ الشيخ محمد عابد وتلاميذه، والذين يمثّلون فترة زمنيةً علمية، لم تحظ بدراسةٍ وافيةٍ تؤدي حقَّها.
كما تم الوقوف على صورٍ مُلفتةٍ للنظر فخراً وإعجاباً، من نشاط الشيخ محمد عابد العلمي، مما له أثرٌ كبير في شَحذ الهمم، وتقوية العزائم.
وهكذا عرفنا إمامته في علوم كثيرة، وبالأخص علم الفقه وعلم الحديث، وكونه كان طبيباً حاذقاً ناجحاً للغاية.
ففي الحديث كان آيةً باهرةً في حفظه واستحضاره، فإذا ما حدَّث من ذاكرته، فكأنما يُملي من كتاب، وكان يُقرئ الكتب الحديثية الستة في الحرم النبوي في شهرٍ واحدٍ رواية، ودرايةً في ستة أشهر.
وفي علوِّ إسناده كان فريداً، فبينه وبين الإمام البخاري صاحب الصحيح تسعة رجال، ولذا كان يقول: لمثلي فليُسع، لأن بيني وبين البخاري تسعة.
وكان من أبرز أعمال هذه الرحلة مع هذا الإمام العلم، زيارتنا لمكتبته العامرة العظيمة النادرة، التي وقفها على المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، والتي لا زالت عامرةً يستفاد منها، تبتسم لناظرها ضمن مكتبة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة.
وقد أهدت إلينا هذا الدراسة تُحَفاً من مصنَّفات الشيخ محمد عابد، وآثاره العلمية النادرة في مثالها، والتي لا زالت حبيسة دور المخطوطات، تنتظر من يحنو ويعطف عليها، لإبرازها، ونَشْر نُورها ونَورها الفوَّاح.
ومن أعظم هذه التحف:
١ - طوالع الأنوار شرح الدر المختار (في فقه السادة الحنيفة).
هذه الموسوعة الفقهية الضخمة، التي بلغت عدد لوحات إحدى نسخها عشرة آلاف لوحة.
٢ - المواهب اللطيفة شرح مسند الإمام أبي حنيفة.
وهو من أعظم شروح المسند، ويقع في أزيد من ألف لوحة مخطوطة.
٣ - مُعتمد الألمعي في حَلِّ مسند الإمام الشافعي.
وهو في أزيد من خمسمائة لوحة مخطوطة.
стр. 1045
٤ - منحة الباري في جَمع روايات صحيح البخاري.
وهو كتابٌ ليس له مثيلٌ، ولم ينسُج أحدٌ على منواله، ويقع في نحو خمسمائة لوحة مخطوطة.
وغيرها من مؤلفاته الكثيرة، والتي كان منها رسائل فريدة في بابها.
وكان من أبرز ما يطالعه القارئ في هذه الترجمة، تلك الدراسة الفقهية المفصَّلة، التي تمَّت على كتاب طوالع الأنوار، مع مقارنته بالشروح المطبوعة للدر المختار، لإبراز ميزة كلِّ منها.
ومن خلالها أيضاً وقفنا على جَمْعِ من الأعمال العلمية التي قامت على كتاب الدر المختار، من شروح وحواشي وتعليقات، والتي بلغت خمسة وعشرين عملاً، مع بيان مؤلفيها، وأماكن وجودها، وحجمها ونحو ذلك، مما لم يُجمع في غير هذا المكان.
وعرفنا أيضاً المنهج الفقهي للشيخ محمد عابد، وسعة صدره في مسائل الخلاف، فهو حنفيٌّ مقلد لمذهب السادة الحنفية، مع اهتمامه الشديد بالأدلة، ولكنه إذا ما بَدَت له قوة أدلة مذهب آخر في مسألةٍ معينةٍ، تراه يرجّح الدليل، مع كل أدب واحترام لرأي غيره.
وهكذا أهدت إلينا هذه الدراسة عند ذكر شيح الشيخ محمد عابد لمسند الإمام أبي حنيفة، ومسند الإمام الشافعي، ما قام به من تحقيقات نادرة فيها، مع التعرّف على بقية شروح كلٍ من المُسندين، ومزية كل منها، مع مقارنة نصٍّ من شرحه لمسند الإمام أبي حنيفة مع شروح أخرى.
هذا، وأنا على يقين تام، أنه لو تهيأت الأسباب والظروف أكثر من هذا لدراسة مؤلفات هذا الإمام العظيم دراسةً وافيةً متأنيةً، وبعمق ودقة، لظهر لنا من العلوم والمنح والمواهب عنده أكثر بكثيرٍ مما وقفنا عليه مما لا يمكن إبرازه بهذه الدراسة العَجِلة، والحمد لله على كل حال.
وأسأله سبحانه المزيد من فضله العظيم، والإخلاص والتوفيق في أعمالي كلها، مع العفو العافية، والقبول والسداد والتيسير، إنه بَرٌّ رحيمٌ جوادٌ كريمٌ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
سائد بن محمد يحيى بكداش
стр. 1046
الإمام المحدث سليمان بن عبدالله آل الشيخ - حياته وآثاره
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن محمد الشمراني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الوطن - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
الخاتمة
ملخص الدراسة مع النتائج
المُتَرْجَم له: الإمام، العلامة، الفقيه، المحدِّث، الأديب، المجاهد بـ: "السيف"، و "اللسان"، و"القلم"، الشهيد (بإذن الله تعالى).
سُليمان ابن الشيخ عبدالله ابن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، المُشَرَّفي، الوهبي، التميمي، النجدي موطناً، الحنبلي مذهباً، السلفي عقيدةً، ومنهجاً.
وُلِدَ سنة: (١٢٠٠هـ)، وتُوفّي سنة: (١٢٣٣هـ)، وكانت ولادته، ووفاته في "الدرعية".
أراد الله لهذا الإمام الخير، فيَسَّر له عاملين، أسهما في تكوينه:
العامل الأول:
ولادته في "الدرعية" في أوج عزها، من جميع النواحي: "الدينية"، و"السياسية"، و"الاقتصادية"، و"الاجتماعية".
العامل الثاني:
نشأته بَيْن أحضانِ أسرة كانت تُعد "جامعة سلفيّة" متكاملة.
فكان لهذين العاملين –بعد مشيئة الله تعالى- أثرٌ بالغٌ في تكوين هذا الرجل، ولم يكن ذلك مُختصَّاً به، بل إنَّ غالب طلاب العلم الذين نشؤوا في "نجد" في هذا العصر، تأثَّروا بذلك، ولاسيَّما أبناء شيخ الإسلام: محمد بن عبدالوهاب: إبراهيم، وحسين، وعبدالله، وعلي.
وأحفاده: عبدالرحمن بن حسن، وعبدالرحمن وعلي ابنا عبدالله.
وعلى الرَّغم من أنَّ عمرَه لم يتجاوز ٣٣ سنة، إلا أنَّ حياته كانت حافلةً بـ: العلم تعلَّماً، وتعليماً، والدعوة إلى الله، والاحتساب في ذلك، وكان له دورٌ في جهاد المبتدعة بـ: القلم، واللسان، والسيف، وظلَّ على هذه الحال، حتى قُتِل غدراً في "الدرعية"، نسأل الله أن يكتبه في الشهداء.
كان –نَوَّرَ الله ضَرِيحَه- على منهج (أئمة الدعوة)، على مذهب السلف في الأصول، وعلى المذهب الحنبلي في "الفروع"، ولم يكن مقلِّداً، بل كان مَتَّبِعاً للدّليل أنَّى وجده، ولو كان على غير المذهب.
وإن كان له أثرٌ في كثيرٍ من العلوم، إلا أنَّه اختصَّ بعلم "الحديث"، و "رجاله"، ففاق بذلك أقرانه، وكان يحفظ رجال الحديث، أكثر من حفظه لرجال بلده "الدرعية"، ومن شغفه بهذا العلم طلب "الإجازة"، فأُجيز من اثنين من أشهر الأئمة في عصره، وهما: الإمامان الجليلان: محمد بن علي الشوكاني، والحسن بن خالد الحازمي، رحمهما الله.
واشتهر المُترْجَم له بحسن الخطِّ، وبرع فيه في بلدٍ لم يشتهر أهله بالخطِّ، مِمَّا يدل على صفاء ذهنه، وقابليّته للإبداع في أي فن.
أمّا مؤلفاته فتنوَّعت ما بين الكتاب الكبير، والرِّسالة المتوسطة، والمسائل الصغيرة، والفتاوى المنوَّعة.
وهذا سردٌ لما وجدته –بعد طول بحثٍ- مرتَّبٌ على حروف الهجاء:
١ - (أوثق عرى الإيمان).
٢ - (تحفة الناسك بأحكام المناسك).
٣ - (تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد).
مات –﵀ ولم يُتِمَّه، وقد وصل فيه إلى نهاية: باب: ما جاء في منكري القدر.
٤ - حاشية على: (تيسير العزيز الحميد).
وهذه الحاشية لم أرَ من ذكرها، سوى الشيخ ابن قاسم.
٥ - حاشية على: (كتاب التوحيد).
وقد قُرِئَت هذه الحاشية على شيخ الإسلام: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ﵀ في: "الدِّلَم".
٦ - (حاشية المقنع)، وأفرد لها فصلاً مستقلاً.
( ... ) وله حواشٍ أخرى غير معلومة؛ استدللت عليها بقول الإمام، المفتي: محمد بن إبراهيم ﵀: (وهو ينقل على نُسَخِهِ، ويُحَشِّي).
٧ - (حكم السفر إلى بلاد الشرك، والإقامة فيها للتجارة، وإظهار علامات النفاق، وموالاة الكافرين).
٨ - (الدلائلُ في عدمِ مُوالاةِ أهْلِ الشّرك).
стр. 1047
( ... ) (رفعُ الإشكال)، وهذا الكتاب نُسِبَ له على أنَّه كتابٌ مستقل، ثم عثرت عليه، وهو مخطوط في: مكتبة: "جامعة الملك سعود"، وبعد تصفّحه وجدته: "الدلائل في عدمِ مُوالاةِ أهْلِ الشّرك".
( ... ) (سبب الهداية)، والقول فيه، كالقول في سابقه – (رفع الإشكال) - فهو اسمٌ آخر لـ: (الدلائل).
٩ - (الطريق الوسط في بيان عددِ الجُمُعة المُشتَرَط).
وله أيضاً:
( ... ) (فتاوى)، و (مسائل) و (رسائل) محرَّرة.
وهي: مفيدة وقد طبعت ضمن: (رسائل علماء الدعوة).
أمَّا كتاب: (التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب)، فقد نُسِبَ له، ولأهل العلم في ذلك خمسة أقوال:
القول الأول: أنَّ الكتاب للإمام سليمان.
وقال به: الشيخ: عبدالرحمن آل الشيخ.
والقول الثاني: أنَّ الكتاب للشيخ: محمد بن علي بن غريب.
وقال به: فضيلة الشيخ: عبدالله البَسَّام.
القول الثالث: أنه للإمام: عبدالله ابن شيخ الإسلام.
وقال به: الشيخ: محمد بن عثمان القاضي.
القول الرَّابع: أنه للعلامة: حمد بن مُعَمَّر.
وقال به: الشيخ: فوزان السابق.
القول الخامس: أنَّ الكتاب لثلاثةٍ من علماء الدعوة بالاشتراك، وهم:
محمد بن علي بن غريب، وحمد بن مُعَمَّر، وعبدالله ابن شيخ الإسلام ﵏.
وقال به: فضيلة الشيخ: عبدالرحمن الصنيع، ونقل ذلك عن: محمد بن عبداللطيف، وابن مانع.
وتابعه على ذلك فضيلة الشيخ الدكتور: عبدالعزيز العبداللطيف.
والذي يهمنا في هذه الدِّراسة نفي الكتاب عن الإمام سليمان، ويبقى التحقيق في نسبته إلى من؟ وهذا أمرٌ آخر، وأنتَ رأيت الخلاف فيما سبق، ولم أجدْ دليلاً وجيهاً مع أحدهم إلاَّ أنَّهم متفقون –باستثناء الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ- على أنه ليس للإمام سليمان. وهذا القدر من الاتفاق هو المراد.
وذكرت عند الكلام على هذا الكتاب – (التوضيح) - كلام الشيخ البسام –حفظه الله- في أنَّه يحتوي على الكثير من العبارات، التي لا يليق بتحقيق الشيخ سليمان، اعتقادها، أو الجهل بها، مثل قوله:
(إن الله على ما كان، من قبل أن يخلق المكان).
والقصد من هذه العبارة: نفي صفة (الاستواء) على العرش.
ثم ذكرت (مسائله)، و (فتاويه) المنثورة في: (الدرر السنية)، و (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)، وعدة ما وجدت (٢٥) مسألة؛ منها:
المسألة، والفتوى، والتعليق، والرِّسالة، والاستدراك، متفاوتة في الطول والقصر.
ثم تحدثت بعد ذلك عن منهجه العلمي، ومميزات رسائله، والمآخذ التي أُخذت عليه.
فمن مميزات رسائله:
١ - التنوع، والشمول، والوضوح.
٢ - وفرة مصادره العلمية، وتنوعها.
٣ - الصناعة الحديثية؛ وهي أهم ما يُمَيِّز مؤلفاته، مقارنةً بمُؤلفات غيره من أئمة الدعوة.
كما نلاحظ كثرة الإحالات الحديثية، والعناية بالتخريج، والحكم على بعض الأحاديث. أما مخالفته غيره، في الحكم على الأحاديث، فهذه من الأمور الاجتهادية.
٤ - تحليله للأحاديث، مقارنة بالواقع التاريخي، للأحداث.
٥ - عنايته بالفقه، ومذاهبه، وأدلتها، وهذا ظاهرٌ في رسالته: (الطريق الوسط).
٦ - استطراده في ذكر الأدلة، والآثار، وهذا من أهم ما يُميّز (رسائله)، فإنَّه يُكثِر من الاستدلال بـ: (الكتاب)، و (السنة)، و (الآثار) الواردة عن السلف. حتى إنَّه –أحياناً- يأتي على غالب ما ورد في الباب، ومن ذلك: رسالته: (الدلائل)، فإنّه استدل لهذه المسألة بـ (واحد وعشرين) دليلاً من: (الكتاب)، و (السنة)، وقال عند آخر دليل: (والأدلة على هذا كثيرة، وفي هذا كفاية لمن أراد الله هدايته).
٧ - حسن تنظيمه لـ: (الرسائل)، تنظيماً علمياً، وفنياً.
стр. 1048
وهكذا نجد أنَّ القارئ لـ: (رسائل) هذا الإمام يجدُ راحةً فيما يقرأ، وطمأنينة علميَّةً فيما يجده من معلوماتٍ موثقة، ومتسلسلة، ومترابطة.
المآخذ على (رسائله):
لم أجد أثناء قراءتي لـ: (رسائل) هذا الإمام المحقَّق، ما يستحق أن يكون مأخذاً عليه، ولكن هناك بعض الأمور أشرت إليها، وغالبها مؤاخذات تتعلق بالمنهج الاصطلاحي، أو (شكليّة)، لا بذات الصناعة الحديثية، وما أُخِذَ عليه في المنهج الاصطلاحي، يُؤخَذ على كثيرٍ من المُصَنّفِين، ولم يعدوه قدحاً في المعرفة بالحديث، وعلومه؛ فمن ذلك:
١ - عدم الدقة (أحياناً) في: تخريج، وعزو بعض الأحاديث.
٢ - ينقل أحياناً من بعض المراجع دون أن يَنْسِب إليها، وظهر لي أنَّ سبب ذلك وضع (رسائله)؛ فهي مختصرة، فلا تحتمل أكثر مما ذكره. ولو نسب كل قولٍ لقائله، ووثق كل معلومة من مصدرها –وهو قادرٌ على ذلك- لخرت (الرسالة) عن مسمى (رسالة).
ولعلَّ عدم الإشارة للمصدر تكون –أحياناً- عن عَمْدٍ.
ومِمَّا أظنه كذلك، نقله من (تفسير الزمخشري)، في موضعين، ولم يُسَمِّه، بل اكتفى بقوله: (قال بعض المفسرين). ولَعَلَّه فعل ذلك؛ لأنَّ (المفسر) من (رؤوس المعتزلة).
ولكنْ وجدته في بعض المرَّات ينقل كلاماً من: كتب شيخي الإسلام ابن تيمية، وابن القيّم، ومن (تفسير) ابن كثير، و (فتح الباري) للحافظ، وغيرهم، ولا يعزو إليهم.
وهذا أمرٌ وقع فيه بعضُ الأئمة، وتساهَلَ في هذا الباب بعضُ أهلِ العلمِ ولكن الأولى نسبةُ كلِّ نقلٍ إلى قائله.
وكان الكلام على منهجه العملي طريقاً لنا لنتكلم على منهج (أئمة الدعوة السلفية) في النَّقل من كتب أهل البدع، والردِّ على من زَعَم أنَّ علماء (نجد) متعصِّبون لمعتقدهم، ولا يقرؤون إلا كتبهم، وما وافقها، وأمَّا كتب مخالفيهم، فلا يقرؤونها، ولا يأخذون ما فيها، وإن كان حقاً.
وتمّ رد هذه الفرية بالوقائع التاريخيّة، وأثبتّ أنهم واسعوا الاطلاع، ولكن المنهج الذي سلكوه أوجبَ عليهم عرضَ كلِّ ما قرأوه على: (الكتاب) و (السنة)، فما وافقهما أخذوا به، وإلا فلا.
ثم ختمت بالمبحث الرَّابع، وخصصته لمصادره العلمية، وقد شملت كتب (التفسير)، و (العقيدة)، و (الحديث)، و (علومه)، و (الفقه)، و (أصوله)، و (السيرة)، و (التاريخ)، و (التراجم)، و (الرجال)، و (اللغة)، و (المواعظ)، و (الآداب)، و (مؤلفات ابن تيمية)، و (ابن القيم).
ولاحظنا في هذه المصادر: كثرة (كتب الحديث) مقارنةً بغيرها، وكثرة كتب ابن تيمية، وابن القيم مقارنةً بغيرها.
وختمت البحث بفصلٍ خاصٍ عن (حاشية المقنع)، وثناء العلماء عليها، وأثبت بأدلةٍ قويةٍ، أنها للإمام سليمان، ولها نسختان، طُبِعتَا عليهما، وفي كل نسخةٍ ما ليس في الأخرى.
أمَّا ما قيل مِن أنَّ العلامة: عبدالله العنقري –﵀ جمع بين الحاشيتين فغير صحيح.
وأختم هذه الخاتمة بالتنبيه إلى أنَّ صاحب هذه الترجمة الإمام سليمان بن عبدالله آل الشيخ –﵀ كان له نصيبٌ وافرٌ من العلم بجميعِ فنونهِ؛ فهو يكتب في: (التفسير)، و (العقيدة)، و (الحديث)، و (الفقه).
ويُؤلِّف، ويَشرَحُ، ويَنسَخ، ويُعَلِّق، ويَستدرِك، ويَرُد، ويُنَاقِش. وكان (ينقل على نُسَخِهِ، ويُحَشِّي).
كلُّ ذلك وهو لم يبلغ سن الرشد.
فأين شباب هذه الأمة عن هذه الهمّة العالية؟
وأين طلاب العلم الذين اشتغلوا بالنقد أكثر من الطلب؟
وأين الشباب الذين تركوا كتب السنة، وراحوا يتتبَّعون عورات العلماء، وجعلوا أعراض العلماء موائد لهم؟ والله المستعان.
فرحمة الله على هذا الإمام الجليل، وأسكنه فسيح جناته آمين،،،
وكتبه
أبو محمد عبدالله بن محمد الحوالي الشمراني
غفر الله له ولوالديه
стр. 1049
الحبشي شذوذه واخطاؤه
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن محمد دمشقية
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الفتح - الشارقة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
خاتمة البحث: تصور أيها الكريم لو أننا دعونا نصرانيا إلى الإسلام، ثم سألنا عن تفاصيل عقيدتنا فقلنا له: عقيدتنا على النحو الآتي:
• يكفي من المؤمن الإيمان بالله الاعتقاد في قلبه فقط بأن الله خالق واحد وأنه قديم وأن ما سواه مخلوق.
• وأن الإيمان في القلب ولا يضر إيمان المؤمن أن يترك كل الأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وصوم وحج، ولا يضر إيمانه أن يتحاكم إلى غير كتاب الله.
• وأنه يجوز الاستغاثة والاستعاذة بغير الله، والتبرك بقبور الأولياء والتمرغ على أعتابهم. واعتقاد أنهم يتصرفون في الكون وهم في قبورهم ولهم مراتب منها الوتد والنجب والغوث، بهم تقوم الأرض ومن دونهم تهلك بمن فيها.
• وأنه لا يُشترط الاقتصار على الكتاب والسنة بل يجوز الزيادة عليهما بما يراه الواحد منا حسناً. نسميها بدعة حسنة نتقرّب بها إلى الله. منها ما يجوز ابتداعه بل منها ما يجب ابتداعه!.
• وأن هذا القرآن الذي بين أيدينا ليس كلام الله وإنما هو لفظ جبريل أو محمد مفهوم من كلام الله النفسي القديم.
• وأن الله ليس على كل شيء قدير وإنما هو على غالب الأشياء قدير.
• وأن أحاديث الآحاد التي في صحيح البخاري ومسلم لا تفيد العلم، فهي صحيحة لكنها ضعيفة في نفس الوقت.
• وأن إرادة العبد مجازية وفعله ليس منه إنما هو فعل الله على الحقيقة.
• وأن الله يعين الكافر على كفره. وأنه لولا الله ما استطاع الكافر أن يكفر.
وأنه لا يجوز أن يقال إن الله يخلق أو يفعل لحكمة وإنما لمجرد أنه يشاء.
• وأنه يجوز أن يعذب الله الأنبياء وسائر الطائعين ويلقي بهم في جهنم وأن يدخل الكافر والجبارين الجنة، ولا يكون هذا ظلما منه لأنه مالك لهم، والمالك متصرف في ملكه كيف يشاء.
• وأنه يكفر من يقول إن النار أحرقت البيت أو أن السكين قطعت اللحم.
• وأنك إن أسلمت فيجب أن لا تثبت لله من الصفات ما وصف الله به نفسه وإلا كنت مشبها ضالا. فيده قدرته ومجيئه أمره ومحبته ورضاه وغضبه يعني إرادته.
• وإياك أن ترفع يديك إلى السماء اعتقادا منك أنك ترفعهما إلى ربك لأن هذا كفر وضلالة فتكون بذلك شرا مما كنت عليه حيث كنت نصرانيا.
• وإن أسلمت فيجب أن تكون إما ماتريديا أو أشعريا لتكون من أهل السنة وإلا فخروجك عن هذين المذهبين خروج عن العقيدة الصحيحة وعودة إلى الضلال.
• وإن أسلمت فيجوز لك أن تختار سبيلا من السبل فتكون تيجانيا أو رفاعيا أو قادريا، أو نقشبنديا أو شاذليا بكداشيا أو مولويا أو يشرطيا أو دسوقيا فتمل بخصرك يمينا ويسارا أو تنحني وترتفع وتتقرب إلى الله تذكره بحلقات الرقص والدفوف والتواشيح الدينية.
• وأنه يجوز لك أن تعتقد أنه لولا محمد ﷺ ما خلق الله الأكوان، وأن تحتفل بعيد ميلاده وتترك الاحتفال بعيد ميلاد المسيح لأن هذا من عادات النصارى فـ " المولد" جائز لك دون " الميلاد" وتشارك هؤلاء في التغني بحبه وقص ما جرى في مولده من الخيالات والإضافات، وتحتفل بيوم إسرائه ومعراجه وما فيها من الإضافات والخيالات.
- أتُراك بهذا تقدم له الإسلام الحقيقي كما قدمه رسول الله ﷺ إلى المشركين واليهود والنصارى! أم أنك تقدمه له مشوها؟
- أتُراك بهذه العقيدة الهشة تغريه بالإسلام؟ أم أنك تخاف أن تصرح له بهذه التفاصيل لأن في نفسك منها شيئا وتعلم أنها لا تزيده من الإسلام إلا بعدا ونفورا، ولأنها لا تمثل الإسلام في شيء ولا تتفق مع ما جاءنا به رسول الله ﷺ وأن فيها من صنوف العقائد والسلوك ما يشبه ما عنده في النصرانية!!
- فالنصراني يعلم أن كتابه ليس من كلام الله ولا يريد أن يسمع من المسلم أن القرآن من إنشاء محمد أو جبريل
- وهو قد أصابه الملل من قول القسيس: يكفيك أن تؤمن بصلب المسيح فهذا يضمن لك الجنة من غير عمل ولو لم تصل ولو لم تعمل وفق الأناجيل.
- وأصابه الملل مما يراه من زيارتهم للأديرة ودعوة مريم والقديسين أن يقضوا لهم حوائجهم وطلب الشفاعة منهم عند الله.
- وأصابه الملل من عجائب وغرائب المعجزات التي تنسب إليهم من تحريك الجبال، التصرف في الأكوان.
- وأصابه الملل من البدع التي هي في اطراد وزيادة كل يوم في الكنائس ولا يريد أن يسمع من المسلم أن دينه يبيح الابتداع في الدين وأن منه البدعة الفرض والبدعة الواجب.
فإن كنت تخشى من تقديم هذا الإسلام المهلهل أمام غير المسلمين خوفا من تشويهه أمامهم فكيف تقدمها إلى المسلمين وتدافع عنها دفاع المستميت؟ وكيف تقدم على الله يوم القيامة بعقيدة كهذه؟
стр. 1050
الشيخ العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين مفتي الديار النجدية
المؤلف/ المشرف: علي بن محمد العجلان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الصميعي - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
الخاتمة
أحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشكره على ترادف نعمه، وأسأله المزيد من فضله، وأثني عليه لإعانته لي على إتمام هذا البحث وأرجو منه القبول والسداد، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم.
ثم أريد أن أوضح في هذه الخاتمة ما يلي:
أولاً: أنه من خلال البحث ظهر لي النتائج الآتية:
١ - صبر وجلد واحتساب الإمام محمد بن عبدالوهاب ومن جاء بعده من الأئمة –﵏ على الدعوة في سبيل الله، ونشر كلمة الحق والدعوة إلى عقيدة السلف الصالح بالحكمة والموعظة الحسنة وأنهم لم تأخذهم في سبيل تبليغ ذلك الأمر لومة لائمٍ حتى انتشر هذا الخير وعمَّ نجداً وما حولها من البلدان.
٢ - تأييد ومناصرة الأئمة من (آل سعود) لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وبذلهم أنفسهم وأموالهم لنصرة هذه الدعوة المباركة حتى عمَّت وكثر أنصارها ومؤيدوها، -فرحمهم الله- وأثابهم ثواب المحسنين.
٣ - قلَّة إدراك بعض طلبة العلم للجهود التي بذلها أئمة الدعوة وولاة الأمر من (آل سعود) –﵏ من أجل الدعوة إلى توحيد الله، ونبذ الشرك وأهله، والجهاد في سبيل ذلك باليد واللسان والقلب.
٤ - شدَّة وضراوة خصومه أعداء الدعوة السلفية في نجد، ورميهم إمام الدعوة وأتباعهم بالعظائم مع صبر الشيخ وأتباعه على ذلك وإعراضهم عن سب الخصوم، وهذه ليست دعوى وإنما هي واضحةٌ من خلال كتب الطائفتين.
٥ - عظم وخطورة أقوال ودعاوى المعادين والمناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب فقد صدَّت الكثيرَ من المسلمين عن قبول هذا الخير والانتفاع به، كما أن تلك الإشاعات والدَّعاوى ما زالت موجودة إلى يومنا هذا يصد بها أهل البدع والأهواء الناس عن قبول منهج السلف الصالح ﵏.
٦ - أن أهل البدع والأهواء يبذلون جهوداً كبيرةً لنشر البدع والخرافات بين الناس عن طريق الكتب والرسائل والنشرات والمجلات والصحف اليومية.
ثانياً: اقتراح بعض الحلول والأساليب التي يمكن بها نشر عقيدة السلف الصالح وإيضاح المنهج الذي سارت عليه دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب –﵀ وهي:
١ - العناية بنشر وإخراج الكتب التي تتحدث عن عقيدة (أهل السنة والجماعة) سواءً في ذلك مصنفات أئمة الدعوة النجدية أو مصنفات من سبقهم من السلف الصالح، ونشرها في العالم الإسلامي عن طريق الإهداء والبيع بأسعار مخفضة.
٢ - ينبغي دراسة سير أئمة الدعوة السلفية في نجد وبيان فضلهم وعلمهم وجهادهم للناس، ونفي ما أُلصِقَ بهذه الدعوة المباركة وأئمتها من دعاوى المناوئين والحاقدين والحاسدين وتشجيع طلبة العلم على ذلك.
٣ - تقرير دراسة تاريخ الدعوة السلفية في نجد في المناهج الدراسية وبيان الجهود التي بذلها أئمتها وآثارهم العلمية والعملية.
٤ - تدريس كتب ورسائل الشيخ وغيره من الأئمة في المراحل الثانوية والجامعية وعرضها بأسلوب سهلٍ ميسر.
٥ - جمع ونشر ما كتبه علماء المسلمين المنصفون من خارج البلاد النجدية عن دعوة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب وجهوده الطيبة.
٦ - كثرة الحوار مع الإخوة الوافدين إلى البلاد وتصحيح ما لديهم من معلومات خاطئة عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وإيضاح الأمر لهم من خلال كتب الشيخ ورسائله.
نسأل الله سبحانه أن يوفقنا وسائر المسلمين إلى الصواب في القول والعمل، وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، صواباً على منهج رسوله ﷺ .
стр. 1051
الشيخ عبدالقادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية والصوفية
المؤلف/ المشرف: سعيد بن مسفر القحطاني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
الخاتمة
أحمد الله حمداً كثيراً على ما منَّ به عليَّ من إتمام هذا البحث وجمع شتات قضاياه ومسائله والتنقيب عنها في بطون الكتب مع التوضيح والمقارنة والعرض والنقد.
وقد كان من توفيق الله أن توصلت من خلال هذه الدراسة إلى بعض النتائج التي تبين حقيقة الشيخ عبد القادر الجيلاني – ﵀ – وتتلخص فيما يلي:
أولاً: أن الشيخ عبد القادر الجيلاني سلفي العقيدة على منهج أهل السنة والجماعة في جميع قضايا العقيدة كمسائل الإيمان والتوحيد والنبوات واليوم الآخر كما أنه يقرر وجوب طاعة ولاة الأمور وعدم جواز الخروج عليهم لما في ذلك من ..
ثانياً: أنه من مشايخ الصوفية في مراحلها الأولى وبمفهومها المعتدل والأقرب إلى السنة والتي تعتمد في الغالب على الكتاب والسنة مع التركيز على أعمال القلوب.
ثالثاً: أنه – ﵀ – وبالنظر إلى تلقيه علوم التصوف من مشايخ يفتقرون إلى العلم المعتمد على الكتاب والسنة أمثال شيخه الدباس الذي كان أميَّاً لا يقرأ ولا يكتب فقد وقع – ﵀ – في بعض الشطحات ومارس بعض البدع في العبادات ولكن هذه الهفوات مغمورة في بحر حسناته، والعصمة ليست إلا للأنبياء وغيرهم معرض للخطأ وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.
رابعاً: أن معظم ما نسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني من الكرامات مبالغ فيه وبعضها غير صحيح، وما يمكن قبوله منها فهو إما من باب الفراسة أو من باب الكرامات التي يقول أهل السنة والجماعة بجواز وقوعها بالضوابط الشرعية الموضحة في ثنايا الرسالة.
خامساً: أن كلمة التصوف مجهولة الاشتقاق لم يتفق على أصل لها ولا مصدر حتى عند المتصوفة أنفسهم.
وأيضاً فإن المنهج الصوفي كما رأينا مملوء بالضلالات والانحرافات وما كان فيه من الفضائل والمحاسن فهي أصلاً موجودة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
لذا فإن الأبرأ للذمة والأدرأ للمفاسد والابتداع والأبعد عن الفتنة والافتراق نبذ هذا المسمى اسما ورسماً، إذ لو كان معتمداً على الكتاب والسنة فما وجه استقلاليته بهذا الاسم الذي لا يعرف حتى أكابر القوم من أين أتى وما مصدره. وإذا كنا قد عجزنا عن محاكمة التاريخ الذي اصطلح عبر قرون عديدة على استعمال هذه اللفظة وكنا عاجزين أيضاً عن إيقاف استمرار استخدام هذا المصطلح في المستقبل فلن نكون عاجزين عن الصدع بالحق والدعوة إلى نبذ هذا الاسم وما انطوى عليه من الانحرافات.
ولن نكون مخطئين حينما ندعوا الأمة إلى جمع كلمتها وتقوية وحدتها بصدق عودتها إلى كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ وترك الفرقة والخلاف والتسمي بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان مما لا يصر عليه ولا يركن إليه إلا جاهل أو صاحب هوى.
هذه هي أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي والله أسأل أن يعفو عن زللي وأن يغفر لي خطئي وأن ينفعني بما كتبت يوم فقري وحاجتي. ورحم الله الشيخ عبد القادر الجيلاني ورفع درجته في الخالدين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
стр. 1052
العلامة المحدث المباركفوري ومنهجه في كتابه تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي – وفي آخره نصوص وثائقية حول المباركفوري وفيها: إجازاته للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن رفدان الشهراني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دائر البشائر الإسلامية – بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث:
بعد ما من الله تعالى به علي من العيش مع التحفة، وبيان منهج شارحها، آن أوان خاتمة هذا البحث، وإليك ههنا خلاصة ونتائج ما سبق إيراده في ثنايا البحث من مسائل:
١ - ذكرت تمهيداً بينت فيه أهمية السنن، ومكانتها، باختصار، ثم ذكرت ما اطلعت عليه من شروح لها قديمة أو حديثة، وذلك من خلال تتبع كتب الحديث، والتراجم، وغيرها.
٢ - قمت بترجمة مفصلة عن حياة المباركفوري، وكان مصدري الأصلي فيها أسرة صاحب الترجمة، ومصادر أخرى عربية، وأردية ...
٣ - أوضحت منهج المباركفوري فيما يتعلق بالتعريف بالرواة، وقررت اعتماده على النقل، وفصلت طريقته في ذلك، إلا أنه من الملاحظ أن كتاب (تقريب التهذيب) كان هو المصدر المتكرر – غالباً – مما قدح في الذهن أن يكون المباركفوري معتمداً على حفظه حين النقل عنه، ولا غرو في ذلك، فإنه كان ذا حافظة قوية، وذاكرة نادرة، ولعل مما يؤيد ذلك اختلاف منهجه في ذكر طبقة الراوي، والتي حددها ابن حجر في مقدمة كتابه.
كما أشرت إلى اعتنائه ببيان المبهمات، وضبط أسماء الرواة، ثم ختمت الفصل بذكر بعض المؤاخذات على المباركفوري –﵀.
٤ - أما منهج المباركفوري في التخريج، فقد حصرته في طريقتين هما:
أ- عزوه للأحاديث بواسطة الكتب المهتمة بالتخريج.
ب- رجوعه إلى دواوين السنة، والتخريج عنها دون واسطة.
٥ - ظهر من خلال عرض منهجه في الحكم على الأحاديث، أنه قد يحكم على الحديث بما يناسب حاله، وقد يكتفي بذكر علته، أو بنقل حكم العلماء عليه.
٦ - لم يكن موقف المباركفوري من علل الأحاديث موقف المجتهد، وإنما كان شارحاً لكلام الترمذي، إلا أنه قد يخالفه فيما يراه صواباً، وقد أشرت إلى إغفال المباركفوري بيان علل بعض الأحاديث، التي لم يشر إليها الترمذي.
٧ - خرج المباركفوري ما أشار إليه الترمذي بقوله: (وفي الباب)، وأضاف إلى ذلك ما علمه من أحاديث أخرى في الباب، فإن لم يذكر الترمذي شيئاً ذكر المباركفوري ما اطلع عليه منها.
٨ - ذكر المباركفوري في مقدمته مقصود الترمذي من مصطلحاته وزاد ذلك تأكيداً وبياناً ضمن شرحه، وربما أحال إلى المقدمة، أو سكت اكتفاءً بما ذكره فيها.
٩ - أما ما يتعلق بموقفه من أحكام الترمذي على الأحاديث، فقد تقرر أنه كان مجلاً للترمذي، وعارفاً بقدره، ومكانته، ولذا فإنه يلتمس له العذر بوجود الشواهد، أو باحتمال معرفته للمجهول في السند، وغير ذلك، كما أنه قد يكتفي بنقل إقرار العلماء، أو سكوتهم، وقد يخالف الترمذي، مصرحاً بذلك، أو يقول عن حكمه: (فيه نظر) أو (كلام).
١٠ - أما مسألة الغريب من الألفاظ، فقد اعتنى المباركفوري بها كثيراً، حيث استعان على ذلك بالآيات الكريمات، فأوردها كشواهد، ونظائر، ومؤكدات، وأورد الأحاديث المبينة، واستشهد بالأبيات الشعرية الموضحة، كما نقل عن كتب الغريب، ومعاجم اللغة، وشروح العلماء، متمماً حيناً، ومختصراً – في النقل – حينا آخر.
١١ - وكما فعل المباركفوري في شرح الغريب، فعل قريب منه في شرح المعنى، حيث استعان بالآيات، والأحاديث، وشروح العلماء، وأضاف إلى ذلك أقوال الصحابة – ﵃ – وكذا ما أثر عن التابعين، والسلف الصالح على قلة في ذلك.
стр. 1053
١٢ - وفيما يتعلق بمنهجه في مسائل العقيدة، فقد قرر مذهب السلف من أهل السنة والجماعة، وذلك فيما عرض له من مسائل: كالصفات، والتوسل، والشفاعة، والأمور الغيبية، سوى مواطن معدودة.
١٣ - لم يعتن المباركفوري بفقه الأحاديث كثيراً، على الرغم من أهميته، فإنه لم يذكر الفقه عند كل نص يمكن أن يستنبط منه، وإن ذكر لم يستوعب، وقد ينقل من شروح العلماء، مشيراً إلى مصدره، أو غير مشير.
١٤ - حذر المباركفوري من آراء، وأفكار الفرق المنحرفة، وأبطل مزاعمهم، واكتفى في بعض المواطن بإيراد أقوال العلماء، وربما أحال إلى مصادر توسعت في ذلك.
١٥ - قمت بِعدٍ لمصادر المباركفوري الكثيرة، وقسمتها حسب فنونها المتنوعة.
١٦ - من خلال ما تقدم، برزت لنا معالم شخصية المباركفوري، وأنه كان ناقلاً محسناً في اختيار المنقول، وبارعاً في الجميع بين النقولات، كما أنه قد تحلى بالأمانة العلمية – غالباً – مع إنصافه، وعدم تعصبه لشيء من المذاهب.
١٧ - أثر المباركفوري فيمن أتى بعده من العلماء، تأثيراً بيناً، حيث ظهر لك من خلال نقلهم عنه، سواء أكان نقلهم استشهاداً، أو رداً، وإبطالاً.
١٨ - ظهر من خلال الموازنة بين التحفة، والنفح الشذي لابن سيد الناس، وعارضة الأحوذي لابن العربي، أن الشروح قد اتفقت كلها أو بعضها في مسائل عديدة، وانفرد البعض منها بمسائل أخرى. حيث تميزت التحفة بتوسع مقدمتها. واتفقت مع النفح الشذي، في مقدار الاهتمام بالتخريج، والحكم على الأحاديث، بل وفي طريقة ذلك، وفي مسألة التراجم يتضح اهتمام التحفة أكثر من غيرها، كما اتفقت عارضة الأحوذي مع النفح الشذي، في ذكر نص الباب أو نص الحديث المراد شرحه، وبذكر عنونة للمباحث التفصيلية. أما شرح الغريب فآراء الشراح تتباين فيما يحتاج إلى شرح من الألفاظ، إلا أن التقارب بين التحفة والنفح الشذي واضح، بخلاف ابن العربي فهو أقل الشروح إيراد لشرح الغريب.
وتتقارب الشروح الثلاثة في مقدار اهتمامها بالفوائد المستنبطة من الأحاديث، وتكاد تتحد في منهجها في ذكر ذلك.
стр. 1054
مكانة الإمام أبي حنيفة بين المحدثين
المؤلف/ المشرف: محمد قاسم عبده الحارثي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٣هـ
تصنيف رئيس: علم وعلماء وطلاب علم
تصنيف فرعي: أئمة أربعة - أو أحدهم - شاملة أو منوعة
أولاً أهم النتائج التي توصَّلت إليها
كانت إثارة هذا البحث في مثل هذا الوقت ضرورة هامة من ضرورات الأبحاث العلمية التي يجب أن تلفت أنظار الناس إلى قضايا خطيرة بدأت تظهر في الساحة العلمية والسياسية في هذا العصر.
فبعد أن اتفق المسلمون واجتمعت كلمتهم على جواز العمل بالمذاهب الأربعة وبعد أن عملت الدولة العباسية بالمذهب الحنفي أكثر من خمسة قرون ثم الدولة العثمانية أكثر من سبعة قرون ظهرت أصوات هنا وهناك تنادي في خفاء تارةً وفي إعلانٍ تارةً أخرى تندد بالمذهب الحنفي وغيره لكي تعود بالمسلمين إلى تفرقهم من جديد إلى بضع وسبعين فرقةً كان لابد من الوقوف في وجه هذا التيار، فنتيجةً لهذه الأصوات جاء هذا البحث الذي انتهينا منه بعون الله، وقد استطعت أن أتوصل بعون الله إلى النتائج التالية:
أولاً: أن أبا حنيفة ثقة في الحديث وليس كما يدعيه بعض المحدِّثين أو الذين يرددون ذلك.
ثانياً: أن أبا حنيفة إمام في الحديث وعَالِمٌ بالجرح والتعديل.
ثالثاً: أن الذين جرحوه لم يجرحوه بمعلومٍ ولم يكن جرحهم مفسراً وإنما مقسوماً إلى قسمين:
(أ) جرح الأقران وهو غير مقبول كما أثبت ذلك.
(ب) جرح يعود إلى التعصب المذهبي وهو غير مقبول أيضاً.
رابعاً: أن الذين وثقوا أبا حنيفة كان توثيقهم مفسراً واضحاً وكان الموثقون يعلمون بما يقال ضده فكان توثيقهم له مشتملاً التوثيق في العدالة والحفظ والإتقان والضبط والفقه والرأي.
خامساً: أن الذين وثَّقوه كلهم أئمة.
سادساً: أن الذين انتقدوا فقهه لم يحالفهم الحظ في أن يصلوا إلى الصواب مع بيان الأمثلة والأدلة على ذلك.
سابعاً: أن مسانيد أبي حنيفة معظمة عند المحدثين وأن رجال مسانيده كلهم ثقات إلا عدداً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
ثامناً: أن الأحاديث الضعيفة عند أبي حنيفة كلها لها ما يشهد لها ويقويها ولها أصل في الدين.
تاسعاً: أني توصلت إلى أن أبا حنيفة لم يرد الحديث إلا الحديث الشاذ وإنه ليس وحده فقط وإنما هذا فعله الصحابة وفعله مالك والشافعي وغيرهم، وأن ما يثار من أنه يرفض الحديث فذلك لأمورٍ شخصية مغرضة.
عاشراً: أن أبا حنيفة ليس متعصباً للرأي وليس قياسياً في كل شيءٍ بل كثيراً ما يقدم الحديث الضعيف على رأيه وكثيراً ما يقدم الحديث المرسل على الرأي.
حادي عشر: توصلت إلى أن العلماء وأئمة المذاهب قد ضاق خلافهم وقلت اختلافاتهم بعد التدوين، وأن هذا شيءٌ مهمٌ، على خلاف ما يظن الكثيرون من أن الاختلاف ما زال قائماً وأن الأئمة يختلفون لأجل الاختلاف وهذا باطلٌ، بل لهم قواعد وضعوها وهم متفقون عليها وعلى تطبيقها.
ثاني عشر: نقول كلمة أخيرةً إن مكانة أبي حنيفة بين المحدثين مكانة مرموقةً عاليةً عند جميع المنصفين منهم وهم كثيرون كما نقلنا عنهم.
ثانياً: التوصيات
رأينا كيف أن هذا البحث يضع يد كل مسلم على حقائق ثابتةً ظلت ثابتةً أكثر من اثني عشر قرناً وأن الذين يثيرون الخلاف من جديد ما هم إلا أعداء للأمة ولذا أقترح التوصيات التالية:
أولاً: أوصي كل باحثٍ مسلم أن يبتعد عن التعصب في كل قضيةٍ خلافية، وأن يكون نظره بعيداً فلا ينظر إلى الخلاف من حيث هو خلاف؛ ولكن يجب أن يفكر لماذا اختلفوا في الرأي وكيف اختلفوا.
стр. 1055
ثانياً: كما أوصي كل طالب علم أن يتحرى الحقيقة في كل مسألة وأن لا يقول برأيه إلا إذا لم يجد للعلماء رأياً مع أنه يجب أن يعتقد أن العلماء لم يهملوا شيئاً من فروع الشريعة وأن ما استجد من أحكام قد وضعوا ضوابط تدخل هذه الأحكام في دائرتها مهما كانت جديدة.
ثالثاً: أوصي طالب الحديث على وجه الخصوص أن يتريث في إصدار الحكم على أي إمامٍ مشهور ولا يعتمد على كتابٍ واحدٍ أو كتابين بل لابد من البحث والتمحيص وإلا فإننا سوف نجرح كل علماء الأمة وهذا غير جائز.
رابعاً: أوصي كل متعلم أن يظل في طلب العلم وألا يظن أنه في يومٍ من الأيام سيصل إلى النهاية فالعلم لا نهاية له، وأذكّره أن العلماء لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد عبثاً بل سهروا الليالي وأخذوا عن العلماء وجالسوا كبار الأئمة وأتقنوا كل فن من فنون الشريعة.
خامساً: أوصي المتعلمين الباحثين بتقوى الله، فليس كل من تعلم أصبح له حق الاجتهاد وليس كل من قرأ حديثين أصبح محدثاً يستطيع إصدار الأحكام من الأحاديث، وليس كل من تعلم الحديث يستطيع أن يكون فقيهاً فإصدار الأحكام لا ينبع من الحديث فقط بل لابد من إتقان اللغة العربية أولاً ثم إتقان الفهم الصحيح للقرآن وعلومه والحديث وعلومه، ثم معرفة علم الأصول معرفةً تامةً إلى جانب علمه بمصطلح الحديث بعد كل هذا إذا أتقن ذلك يحق له الاجتهاد، ولكن لابد من الاطلاع على فقه الآخرين حتى يعرف ماذا يقول وماذا يختار.
اللهم اهدنا إلى الصراط المستقيم واعصمنا من الزلل وجنبنا الخطأ وألهمنا الرشد والصواب إنك أنت السميع العليم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين والأمة المجتهدين وعنا معهم يا رب العالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.