← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

منهج ابن تيمية في مسألة التكفير المؤلف/ المشرف: عبدالمجيد بن سالم بن عبدالله المشعبي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: أضواء السلف - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: ابن تيمية - ترجمة كاملة أو دراسة منهجية الخاتمة وبعد أن سهل الله عليّ إتمام هذا البحث أحمد الله حمداً كثيراً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشكره على ما سهل لي، وعلى ما حباني به من النعم الجسيمة، والأفضال العظيمة، وأسأله العفو والمغفرة إن حصل تقصير أو خطأ أو زلل، إن ربي بعباده رؤوف رحيم، وفي هذه الخاتمة سأتعرض لأهم النتائج التي تستخلص من خلال عرض هذا البحث، وهي كما يلي: أولاً: لا يجوز الإقدام على تكفير الناس بغير دليل شرعي، وقد كان شيخ الإسلام حريصاً على الذب عن أعراض المسلمين أن يرمي أحدهم بكفر، حذرا من ذلك، محذرا الناس من الوقوع فيه. ثانياً: أن الحكم المطلق بالكفر على الأقوال والأفعال يختلف عن الحكم على الشخص المعين. ثالثاً: أن من الأمور التي يطلق عليها الكفر، ويكفر مرتكبها بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوها، وتارك أركان الإسلام بالكلية، وراد شرع الله أو بعضه، ومن سب الله تعالى أو استهزأ به أو بآياته، ومن سب أحد الأنبياء، أو استهزأ به أو كفره، أو قذف إحدى زوجاته، ومن استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن نفى صفات الله، أو شبه الله بخلقه، أو أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله، ومن تشبه بالكفار مطلقاً، أو والاهم ولاء مطلقاً، أو لم يكفر الكافرين، أو شك في كفرهم، أو سوغ اتباع دينهم أو من استحل قتل المسلم، أو قتله من أجل إسلامه. رابعاً: يتعين الكفر على الشخص المعين إذا ارتكب أمراً مكفراً، وكان قاصداً للمعنى الكفري إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى، وقامت الحجة على فاعله ولم يكن مجتهداً مخطئاً، ولا جاهلاً، ولا مكرهاً، ولا عاجزاً عن أداء ما أوجبه الله. فإذا وجد شيء من الموانع، أو انتفى شيء من الشروط انتفى التكفير. خامساً: من شروط تكفير المعين التي ذكرها شيخ الإسلام: أن يقصد المتكلم المعنى الكفري؛ وهذا يكون في الألفاظ المحتملة أكثر من معنى؛ بعضها كفري، وبعضها غير كفري، وفي الكلام الذي له لوازم كفرية. ولا يعترض على ذلك بما ذكره شيخ الإسلام في شاتم الرسول ﷺ أنه يكفر سواء كان مازحاً أو جاداً، وسواء علم بأن كلامه كفر أم لم يعلم؛ فذاك شيء وهذا شيء آخر، إذ المقصود بكلام شيخ الإسلام أن المعين أطلق كلمة الكفر في شتم الرسول ﷺ ، وبهذا يكون قاصداً لها. وفرق بين من لم يقصد المعنى الكفري، وبين من لم يقصد بكلامه الخروج عن الإسلام وإن كان متلفظاً بكلمة الكفر، فذاك كلام يحتمل الكفر وغيره وهذا كلام لا يحتمل إلا الكفر. ويتبين ذلك بمسألة من سب موصوفاً بوصف يطلق على الله تعالى، ففي هذه المسألة ذكر شيخ الإسلام أنه يستفصل الساب عن قصده؛ لأن الكلام محتمل، فإن قصد سب الله كفر، وإن لم يقصد الارتداد عن الدين والخروج عنه. سادساً: بالنسبة للحكم على الفرق تقسم الفرق إلى قسمين: فرق لا يكفرها شيخ الإسلام؛ كالمعتزلة، والأشاعرة، وبعض القدرية، والشيعة المفضلة، والكلابية، والمرجئة، والخوارج. أما القسم الثاني فهو: الفرق التي يكفرها شيخ الإسلام؛ كالجهمية، والفلاسفة، والباطنية، والرافضة، وبعض القدرية. أما المعين من هذه الفرق فله ثلاث حالات: ١ - إما أن يكون مسلماً ظاهراً وباطناً، إلا أنه اعتقد أن الحق مع إحدى هذه الفرق الضالة – التي ليس من عقائدها ما فيه معاندة لله ورسوله – فتابعهم في بدعهم جهلاً منه، أو أدخلت عليه بعض شبهاتهم فاعتقدها، فهذا لا يكفر.

стр. 982

٢ - وإما أن يكون مظهراً للإسلام، مسراً للكفر وهدم الإسلام ومعاندة الرسول والكيد للمسلمين، فإن لم يظهر منه شيء من ذلك فحكمه حكم المنافقين؛ يعامل معاملة المسلمين في الأمور الدنيوية، ويوكل حسابه إلى الله تعالى. ٣ - وإما أن يكون معتقداً ظاهرا وباطناً للعقيدة التي فيها محاربة الله ورسوله ومعاندة النبي ﷺ ، مظهراً لها؛ كعقائد سائر فرق الباطنية؛ كالنصيرية والإسماعيلية ونحوهم وكعقائد الفلاسفة ونحو ذلك، فهؤلاء لا شك في كفرهم، ويعاملون معاملة سائر الكفار. سابعاً: أن الثنتين والسبعين فرقة لا تكفر، وإنما هي من أمة محمد ﷺ ، والوعيد الوارد فيهم كالوعيد الوارد في أهل الكبائر، ولا يجوز تعيين إحدى الفرق وإدعاء أنها من الثنتين والسبعين فرقة بغير علم. وقد ورد ذكر أصول الثنتين والسبعين فرقة في أقوال بعض السلف؛ كعبد الله ابن المبارك وأسباط، فذكروا أنهم: المرجئة، والقدرية، والخوارج، والشيعة. ثامناً: الإفراط في التكفير هو منهج سائر أهل البدع، ويتضخم عند الخوارج والمعتزلة والرافضة على مختلف أصنافهم، وأسباب إفراطهم ما يأتي: عدم الاعتماد على الكتاب والسنة، والاحتجاج بأحاديث موضوعة، وخلط الحق بالباطل، واتباع الظن وما تهوى الأنفس، والتساهل في ظلم الناس، وعدم التمييز بين السنة والبدعة، وعدم العذر بالخطأ والعجز. تاسعاً: يظهر التفريط في التكفير في طوائف المرجئة، وأسباب تفريطهم ما يلي: عدم الاعتماد على الكتاب والسنة، وترك الحق، واتباع الظن وما تهوى الأنفس، والتأويل المنكر. وفي ختام الختام، أصلي وأسلم على سيد الأنام، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الكرام.

стр. 983

منهج الإمام ابن القيم في شرح أسماء الله الحسنى المؤلف/ المشرف: مشرف بن علي الغامدي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٦هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية خاتمة كتاب منهج ابن القيم في شرح أسماء الله الحمد لله على ما مَنَّ به علي من إتمام هذا البحث، وجمع شتات قضاياه ومسائله، والتنقيب عنها في بطون مؤلفات الإمام ابن القيم وغيره من العلماء الذين كتبوا في أسماء الله الحسنى، وقد كان من توفيق الله تعالى أن توصلت من خلال هذه الدراسة إلى بعض النتائج التي تبين منهج الإمام ابن القيم ﵀ – في مسألة الأسماء الحسنى، فأوجزتُها فيما يلي: أولاً: أن منهج ابن القيم في أسماء الله وصفاته هو منهج أهل السنة والجماعة، وأنه يعتمد على الكتاب والسنة وإجماع السلف، ويرد على كل قول يخالفها. ثانياً: يلتزم الإمام ابن القيم طريقة أهل السنة والجماعة في الكف عن مسألة الاسم والمسمى وذلك لعدة أمور: ١ - أنها مسألة حادثة لم يرد فيها دليل من الكتاب والسنة. ٢ - الكلام فيها مجمل يحتاج إلى تخصيص وتقييد. ٣ - تحتمل معنيين حق وباطل. ٤ - مسألة قليلة الفائدة، نشأت نتيجة الخلاف مع المعتزلة في عصر الإمام أحمد ﵀. ثالثاً: قرر الإمام ابن القيم مذهب أهل السنة والجماعة في مجموعة من مسائل الأسماء الحسنى وعرض لها عرضاً واضحاً فكانت على النحو التالي: ١. أن الأسماء الحسنى توقيفية لا تؤخذ من غير النصوص الشرعية الثابتة. ٢. أن أسماء الله الحسنى يفضل بعضها بعضاً بحسب ما رود في النصوص، وليس معنى هذا التفاضل أن المفضول يوهم نقصاً؛ لأن أسماء الله حسنى بالغة الحُسن، ولأن كل أسماء الله فاضلة. ٣. أن أسماء الله غير محصورة بعدد معين، ولم يصح حديث في تعيين الأسماء الواردة ذكرها من حديث أبي هريرة وغيره، كما رأينا ذلك من خلال الدراسة. ٤. أسماء الله تعالى كاملة الحُسن، وليس فيها ما يتضمن الشر. ٥. إنَّ الاسم من أسماء الله تعالى له ثلاثة أركان: الإيمان بالاسم، وبما دل عليه من معنى، وبما تعلق به من أثر. ٦. المراد بإحصاء الأسماء الحسنى هو اجتماع ثلاثة أمور لها: إحصاء ألفاظها وعددها، وفهم معانيها ومدلولها، ودعاء الله بها. ٧. جواز دخول الاشتقاق في أسماء الله تعالى ولكن بضوابطه المعتبرة. ٨. عدم جواز القياس في باب أسماء الله وصفاته، بخلاف ما عليه المتكلمون. رابعاً: اتضح لنا من خلال هذه الدراسة أن الإمام ابن القيم له انفرادات مشكورة ربما لم يُسبق إليها، وقد تجلَّت في معاني أسماء الله تعالى وما ترتب عليها من الآثار الإيمانية. وبعد، فإنه يمكن القول بأن الإمام ابن القيم ﵀ –كان أحد حاملي لواء العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه أحد المحققين الذين نفع بجهودهم فأصبحوا من المرجعيات الهامة لعلماء الأمة، فرحم الله ابن القيم، وعفا عنه، ورفع درجته في العالمين، وجمعنا وإياهُ في مستقر رحمته، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 984

منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالوهاب العقيل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: أضواء السلف - الرياض ̈الثانية سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: أئمة أربعة - أو أحدهم - شاملة أو منوعة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على من ختم الله به النبوات والرسالات وعلى آله وأصحابه. وبعد ... فإني في نهاية هذا البحث المتواضع أشكر الله على ما أنعم علي بإكمال هذا البحث من غير حول مني ولا قوة وأسأله أن ينفعني به وينفع به المسلمين وقد حرصت في بحثي هذا على الاختصار والبعد عن التوسع والتركيز على عقيدة الإمام الشافعي – ﵀ – وإظهارها على قدر التوسع المستطاع وأذكر هنا بعض النتائج والأمور التي توصلت إليها من خلال بحثي وجمعي لعقيدة الإمام الشافعي – ﵀ – فمن هذه النتائج التي توصلت إليها: الأول- تعظيم الإمام الشافعي ﵀ للكتاب والسنة واعتماده عليهما في كل أمور الدين بما في ذلك مسائل العقيدة. الثاني- أن من منهجه الأخذ بظاهر الكتاب والسنة وبعده عن أساليب أهل الكلام. الثالث- مع أن الإمام الشافعي حجة في اللغة لم يرد عنه أنه أول بعض النصوص أوردها بحجة المجاز كما يدعي ذلك من يرد الصفات. الرابع- تعظيم الإمام الشافعي لسنة النبي – ﷺ – واحتجاجه بها وأنها مساوية للقرآن في التشريع. الخامس- الاحتجاج بخبر الواحد العدل الثابت في العقيدة. السادس- ذم الإمام الشافعي لعلم الكلام وأهله والتحذير منه والنهي عن مجالسة أهله وأمره أصحابه بهجرهم وقد حاول بعض المتكلمة حصر ذم الشافعي لعلم الكلام في كلام المعتزلة والقدرية والرافضة وقد رددت عليه وبينت شمول الذم لكل من اتخذ علم الكلام منهجا في إثبات العقيدة وبينت الفرق بين علم الكلام البدعي وعلم التوحيد الشرعي السابع- كراهة الإمام الشافعي للخوض في أمور العقيدة خوفا من الوقوع في الزلل والخطأ لخطورة هذه المباحث وأمره أصحابه بالإيمان بما ورد في النصوص والسكوت عما سكت الشارع عنه. الثامن- بين الإمام الشافعي – ﵀ – منزلة العقل بالنسبة للشرع وأنه تابع للشرع وشبهه بالعين التي لها حد وتقف عنده فكذلك العقل له حد يقف عنده. التاسع- يعتقد الإمام الشافعي أن الإيمان قول وعمل ونية وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وذكر الأدلة على ذلك ورد على من خالف مذهب السلف وأقام المناظرات للدفاع عن عقيدة السلف في ذلك. العاشر- يرى الإمام أن مرتكب الكبيرة من أمة النبي – ﷺ – إذا مات مصرا عليها أنه تحت المشيئة إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذبه إلا أنه لا يخلد في النار. الحادي عشر- بين الإمام الشافعي التوحيد الذي بعث الله الرسل من أجله وخلق الجن والإنس لتحقيقه وهو شهادة أن لا إله إلا الله. الثاني عشر- حرص الإمام الشافعي على حماية هذا التوحيد ولذلك شدد النهي عما يخالفه كالبناء على القبور واتخاذها مساجد ونهى عن الحلف بغير الله وعن قول مطرنا بنوء كذا وكذا ونحو هذا مما يقدح في كمال التوحيد. الثالث عشر- ذكر الشافعي الأدلة على وجود الله وسلك في هذا الباب منهج السلف ولم يعرج على طريقة المتكلمين مما يدل على حسن اعتقاده وصلاح منهج السلف للاستدلال في هذه الأبواب المهمة.

стр. 985

الرابع عشر- في باب أسماء الله وصفاته أثبت الشافعي جميع أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به من غير تشبيه ولا تكييف ومن غير تأويل ولا تمثيل على طريقة السلف واحتج لذلك بنصوص من الكتاب والسنة وقد روي عنه إثبات بعض الصفات بأدلتها كصفة العلو والاستواء والوجه والضحك واليدين وما لم يذكره بالاسم فقد قال كل ما يثبت عن الله وعن رسوله فأنا قائل به وإن لم يبلغني، ويلاحظ في باب الأسماء والصفات خلو كلام الإمام الشافعي من طرق أهل الكلام وعباراتهم وشبهاتهم. الخامس عشر- تحدث في باب النبوات عن حاجة الناس إلى بعثة الرسل وعن حالة الناس قبل بعثة النبي محمد ﷺ وأنهم يجمعهم أصلان: الأول: الكفر بالله. الثاني: ابتداع ما لم يأذن به الله. ثم تحدث عن وجوب الإيمان بالرسل ومكانة نبينا محمد ﷺ بين الأنبياء وقرر أنه أفضلهم ﵈. السادس عشر- عظم الشافعي الصحابة – ﵃ – ورفع مكانهم وأنزلهم المنزلة اللائقة بهم ورد على من تنقصهم وسار في إثبات خلافة الخلفاء الراشدين على منهج السلف حيث بدأ بأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ وهو يرى أن خامسهم عمر بن عبدالعزيز – ﵀. السابع عشر- يؤمن الشافعي بجميع ما ثبت في النصوص من أمور الآخرة كعذاب القبر ونعيمه والبعث والحساب والحوض والميزان والجنة والنار وما يتعلق بذلك. الثامن عشر- وفي باب القضاء والقدر قرر الشافعي – ﵀ – عقيدة أهل السنة والجماعة وأثبت مشيئة الله ومشيئة العباد وذكر مراتب القضاء والقدر الأربعة المشهورة ورد على الجبرية والقدرية النفاة. التاسع عشر- اتضح لنا عدم الرسالة المنسوبة للإمام الشافعي المسماة بالفقه الأكبر وأنها من تأليف بعض متكلمة الشافعية المتأخرين عن زمن الإمام الشافعي. العشرون- يرى الشافعي أن الميت لا يلحقه من عمل الحي إلا ما دلت النصوص عليه، فلذلك لا يجيز غير ذلك من الأعمال كقراءة القرآن ونحوها من الأعمال البدنية التي لا تجوز النيابة فيها. الحادي والعشرون- عرفنا موقف الإمام الشافعي من الفرق التي ظهرت في عصره كالصوفية والقدرية والشيعة واتضح لنا براءة الإمام الشافعي من تهمة التشيع وأن هذا لا يصح أبدا، وكيف يصح وهو قد شنع على الشيعة أشد تشنيع كما مر. هذه أهم الأمور التي توصلت إليها من خلال بحثي ودراستي – لعقيدة هذا الإمام ﵀ وإني إذ أكتب هذا أعترف – بتقصيري عن إعطاء هذا الموضوع حقه وذلك لطوله واشتماله على جميع مسائل العقيدة والتي تصلح كل مسألة منها لبحث مستقل لكني أرجو أن أكون وفقت لإظهار عقيدة هذا الإمام ولو ببعض الاختصار وما لا يدرك جله لا يترك كله. وإني إذ أختم هذا البحث لأوجه كلمة إلى كل من انتسب إلى هذا الإمام أن يتقوا الله تعالى في إمامهم ولا ينسبوا شيئا من عقائدهم إلى الإمام الشافعي من غير تثبيت في نسبتها إليه كالذين يؤلفون المختصرات في العقيدة وينسبونها إلى الإمام الشافعي وهو بريء منها. كما أدعوهم إلى تدبر عقيدة هذا الإمام وغيره من أئمة السلف وأن يتابعوهم فهم خير من يقتدى به خاصة في هذه الأمور المهمة فإن في ذلك السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة. فرحم الله السلف ما أعمق فهمهم وأدق فقههم وأقل تكلفهم ورحم الله الإمام الشافعي، وجزاه الله عن المسلمين خيرا الجزاء وحشرنا وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ... والحمد لله أولا وأخيرا

стр. 986

منهج الإمام الشوكاني في العقيدة المؤلف/ المشرف: عبد الله نومسوك المحقق/ المترجم: بدون مكتبة دار القلم والكتاب ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٤هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد: فقد انتهيت بعون الله وتوفيقه من إتمام هذا البحث وإكماله وفي هذه الخاتمة أحب أن أجمل أهم النتائج والفوائد التي توصّلت إليها في النقاط التالية: ١ - عاش الشوكاني رحمه الله تعالى (١١٧٣ - ١٢٥٠هـ) في فترة كانت البلاد الإسلامية فيها تعاني من تفكك ومن ضعفٍ شديد، وكانت الصراعات المذهبية والطائفية والقبلية تسود المجتمعات الإسلامية بصفةٍ عامة ومجتمع اليمن (مسقط رأسه) بصفةٍ خاصة، وقد عاصر ﵀ المذاهب والفرق والطوائف الدينية المختلفة، كالرافضة، والزيدية، والصوفية، والمعتزلة، وغيرهم، ورأى ما فيهم من التعصّب والجمود، ومن الانحراف العقدي والسلوكي المناقض لتعاليم الإسلام، كما رأى ما وقع فيه الناس حوله من الفساد، والشرور، والبدع، والشركيات، وجهلهم بأمور الدين، ورأى قعود العلماء، والحكّام عن أداء واجباتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأى الظلم الاجتماعي الذي ساد المجتمع اليمني عموماً، تبدّت مظاهره في سلوكيات القضاة والعمَّال والحكّام وهذه الأمور التي تكوّنت منها بيئة الشوكاني لها أثر بالغٌ في ظهوره وقيامه بالإصلاح. ٢ - نشأ الشوكاني ﵀ في بيت علمٍ حيث كان والده من العلماء الكبار، وكان له أكبر الأثر في تكوين الشوكاني، حيث هيَّأ له فرصة التفرّغ للعلم، وكفل له وسائل الحياة المعيشية، فبدأ حياته العلمية منذ الصغر، وتتلمذ على عددٍ كبيرٍ من علماء صنعاء في عصره، ولم يرحل منها. وكان أكثرهم تأثيراً فيه شيخه عبد القادر بن أحمد الكوكباني، والحسن بن إسماعيل المغربي، وعبد الله بن إسماعيل النهمي. ودرس جميع العلوم الشرعية والعربية ونبغ فيها، بل درس العلوم الفلسفية الشائعة في ذلك الوقت، كالمنطق، والطبيعة، والرياضة، وغير ذلك، وقد بلغ مرتبةً من التفوق المبكّر جعلته يدرّس وهو في أثناء طلبه العلم، ويفتي وهو في العشرين من عمره، ثم يتولّى بعد ذلك القضاء العام وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ووجد في قضائه فرصةً متاحةً له لنشر مذهبه في الاجتهاد ونبذ التقليد، والدعوة إلى طريق السلف الصالح، وظلّ متولّياً منصب القضاء حتى تُوفّي بصنعاء عام ١٢٥٠هـ. ٣ - خلّف الشوكاني رحمه الله تعالى مع اشتغاله بالأعمال الكثيرة عدداً كبيراً من المؤلفات والرسائل القيمة في مختلف العلوم، ولم يزل معظم هذا التراث مخطوطاً وتجدر العناية بتحقيقه، ودراسته، وتسهيل السبل إلى طبعه، حتى تتحقّق الفائدة.

стр. 987

٤ - تفقّه الشوكاني ﵀ على مذهب الزيدية، إلا أنّه لم يلبث أن تخلّى عن التقليد والتمذهب، وأصبح لا يتقيّد بفرقة من الفرق أو مذهبٍ من المذاهب، بل اعتمد اعتماداً مباشراً على الكتاب والسنّة، وأصبح من المجتهدين في البحث عن الحكم الشرعي والرأي العقائدية من خلال الأدلة والبراهين، لا من طريق التقليد والتلقين، وقد وصل إلى هذه المرتبة وهو دون الثلاثين من عمره، وكانت دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد والرجوع بالتشريع إلى طريق السلف تمثّل امتداداً لأدوار من سبقه من المجدّدين والمصلحين، كالإمام مالك، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وكابن الوزيرن والمقبلي، والأمير الصنعاني، والإمام محمد بن عبد الوهاب، ونظائرهم، ﵏. وقد تعرّض في سبيل هذه الدعوة لأذى كثير من المتعصّبين والمقلّدين في عصره، واتّهموه بالدعوة إلى هدم مذهب أهل البيت، وهو بريء من هذه التهمة، وهذا شأنهم مع كل عالمٍ مجتهدٍ آخذٍ بالدليل. ٥ - أورد الشوكاني رحمه الله تعالى أحاديث ضعيفة ومنكرة في فضائل علي بن أبي طالب ﵁ في بعض كتبه، وألّف في آخر عمره كتابه: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، حيث بيّن فيه نكارة كثيرٍ من تلك الأحاديث. وهذا يدل على أنه لم يتبيّن له ما في تلك الأحاديث من النكارة، ولمّا نضج علمه توصّل إلى هذه النتيجة في الحكم عليها، وهو أمرٌ يدلُّ على تطوّر في علمه بعلوم الحديث، شأنه كشأن غيره من العلماء المجتهدين. ٦ - من خلال دراستي لمنهج الشوكاني في العقيدة تبيّن لي أنّه وافق السلف أهل السنة في جميع أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، ولم يخالفهم إلا في مسائل قليلة، وكان رأيه في بعضها مضطرباً بين كتاب وآخر، كما في بعض الصفات. وفيما يلي أذكر تلك المسائل مختصراً. أ) - في توحيد الألوهية: أجاز التوسّل بالذات والجاه وجعله كالتوسّل بالعمل الصالح، وهذا مخالفٌ لما قرّره ودعا إليه في عدد من كتبه من محاربة الشرك وسدّ الذرائع المؤدّية إليه. ب) - في أسماء الله تعالى: ذهب إلى جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته، سواءً ورد التوقيف بها أو لم يرد. غير أني لم أقف على تطبيق الشوكاني هذه القاعدة، لا في تفسيره، ولا في غيره. ج) - في صفات الله تعالى: ١ - أوّل بعض الصفات الإلهية في تفسيره: فتح القدير تأويلاً أشعرياً، والصفات التي أوّلها هي: الوجه، والعين، واليد، والعلوّ، والمجيء، والإتيان، والمحبّة، والغضب، على التفصيل الذي ذكرته في الرسالة. وهذا التأويل مناقض لمنهجه في رسالته التحف في إثبات الصفات على ظاهرها من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو مذهب السلف رضوان الله عليهم. ٢ - نهج منهج أهل التفويض في صفة المعية في رسالته التحف، فلم يفسّرها بمعيّة العلم، بل زعم أنّ هذا التفسير شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف. وهذا مخالف لما ذهب إليه في تفسيره وفي كتابه تحفة الذاكرين من أنّ هذه المعية معيّة العلم، وفسّرها هنا تفسير السلف. ٣ - ذهب مذهب الواقفية في مسألة خلق القرآن، فلم يجزم برأي هل هو مخلوق أو غير مخلوق. د) - في نواقض التوحيد: ١ - أجاز تحرّي الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين باعتبارها أماكن مباركةً يستجاب الدعاء فيها. وهذا مخالفٌ لما قرّره ودعا إليه في عدد من كتبه من سد الذرائع إلى الشرك في الأموات. ٢ - جعل الحلف بالقرآن كالحلف بمخلوق من مخلوقات الله. هـ) - في النبوات: يرى التوقف في مسألة التفضيل بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

стр. 988

هذا وقد سلك الشوكاني رحمه الله تعالى طريقة السلف في الاستدلال لكل مسألة من مسائل العقيدة التي أثبتها، فيقدّم الأدلة النقلية على العقلية، ويقدّم المعنى الظاهر من النصوص على معنى المجاز منها، كما في كتابه التحف، إلا في مسألة المعيّة كما تقدّم إيضاحه في فقرة (٢)، وكذلك في تفسيره لمسألة الاستواء وغيرها من الصفات التي أثبتها في تفسيره ولم يؤولها. أما ما يظهر في كتبه من اضطراب وتناقض في هذا الباب وغيره وخالف فيه السلف أهل السنة فيمكن الاعتذار عنه بأنه نشأ وترعرع في بيئة زيدية، وكانت دراسته داخلها ولم يخرج منها، فلعلّ الظروف المحيطة بهذه البيئة لم تتهيأ له كثيراً للاطلاع على كتب أئمة السلف أهل السنة والجماعة. هذا وقد أخطأ الشوكاني فيما أخطأ، ولا ندّعي له العصمة، ولا نقول عنه إلا أنه من البشر، والبشر يُخطئون ويصيبون، وكما قال هو نفسه: (إن الخطأ شأن البشر، وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم ﷺ ، والأهوية تختلف، والمقاصد تتباين، وربُّك يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون) (١). ورحمه الله إذ قال: فكّرت في علمي وفي أعمالي ونظرت في قولي وفي أفعالي فوجدت ما أخشاه منها فوق ما أرجو فطاحت عند ذا آمالي ورجعت نحو الرحمة العظمى إلى ما أرتجي من فضل ذي الإفضال فغدا الرجا والخوف يعتلجان في صدري وهذا منتهى أحوالي (٢) وأخيراً أحمد الله تعالى وأشكره الذي أعانني على إتمام هذا البحث وإخراجه بهذه الصورة، وإنني معترفٌ هنا بالتقصير، فإن كان ما ذكرته في بحثي هذا وما عرضته فيه حقاً وصواباً فهذا من فضل الله وحده، فله الحمد والشكر أوّلاً وآخراً، وما كان منه من خطأ وزلل فهو منّي ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه. وفي الختام أسأل الله ﵎ أن يرزقنا اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ اتباعاً سليماً نقياً خالياً من البدع والأهواء كما كان عليه سلف هذه الأمة وأن يجنبنا الزلل ومزالق الأهواء، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي ولجميع المسلمين إنه سميعٌ مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 989

منهج الإمام محمد بن عبدالوهاب في مسألة التكفير المؤلف/ المشرف: أحمد بن جزاع الرضيمان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الفضيلة - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٦هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية الخاتمة الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، أحمده على ما أنعم به علي من تيسير لأنهاء هذا البحث، وإنه مما يسطر في خاتمة هذا البحث، الإشارة إلى أهم النتائج التي تم التوصل إليها ومنها: ١ - شدة تحذير الإمام محمد بن عبد الوهاب من الإقدام على تكفير الناس بغير دليل شرعي صحيح صريح. ٢ - أن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يكفر إلا بالمتفق عليه، دون المختلف فيه. ٣ - توكيد الإمام محمد بن عبد الوهاب على التفريق بين التكفير المطلق، والتكفير المعين. ٤ - توكيد الإمام محمد بن عبد الوهاب على الإعذار بالجهل، وأنه مانع من موانع التكفير المعتبرة. ٥ - تفريق الإمام محمد بن عبد الوهاب بين قيام الحجة وفهم الحجة، والمقصود بفهم الحجة الفهم المؤدي للامتثال والإيمان، ومثل له بفهم أبي بكر وعمر، وأما فهم الخطاب، فإنه معتبر عند الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو بهذا الاعتبار يشترط فهم الحجة. ٦ - أن من الأمور التي يطلق عليها الكفر، ويكفر مرتكبها بعد استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع اعتقادات مكفرة، وأقوال مكفرة، وأفعال مكفرة، تم تفصيل القول فيها في ثنايا البحث. ٧ - يركز الإمام محمد بن عبد الوهاب عند ذكره للفرق والمقالات المخالفة على بيان منشأ ضلال وخطأ تلك الفرق، دون الحكم عليها بتكفير أو عدمه في الغالب. ٨ - أن من أهم أسباب الإفراط في التكفير: الجهل بالكتاب والسنة وعدم فهم النصوص بفهم السلف، والاحتجاج بأحاديث وآثار موضوعة. ٩ - أن من أهم أسباب اتهام الإمام محمد بن عبد الوهاب بالغلو في التكفير كونه دعا إلى ما جاء به الرسل، مما يخالف ما ألفه مجتمعه، وأيضًا الجهل بحقيقة التوحيد، وتلقي العلم عن علماء الضلال، ووجود شبه قولية وفعلية لدى المخالفين، وقد تم كشفها وبيان زيفها في ثنايا البحث. ١٠ - القول بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب يكفر بغير دليل، هو دعوى لا دليل عليه وقول لم يثبت أمام البحث العلمي المنصف، وكتبه ورسائله تدل على أنه من أشد الناس إحجامًا وتورعًا في مسائل التكفير، حتى أنه لم يكفر من ترك جميع أركان الإسلام عدا الشهادتين وتوقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا تيسر له من ينبهه.

стр. 990

منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة المؤلف/ المشرف: عثمان علي حسن المحقق/ المترجم: بدون مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٢هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: عقيدة - أصول المنهج الخاتمة وتتضمن مطلبين: الأول: حكم من خالف منهج أهل السنة في تقرير مسائل الاعتقاد. الثاني: نتائج الالتزام بمنهج أهل السنة في تقرير مسائل الاعتقاد، ونتائج المخالفة لذلك. المطلب الأول حكم من خالف منهج أهل السنة في تقرير مسائل الاعتقاد لقد بين النبي ﷺ أن هذه الأمة ستفترق -أسوةً باليهود والنصارى- إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وأن جميعها في النار، خلا واحدةً هي الناجية، وهي الجماعة، وهي الفرقة المنصورة، وأن سبب نجاتها هو التزامها بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في أمور الديانة: علماً وعملاً. وقد أفتى أهل العلم بأن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم أصحاب الحديث، قال الإمام أحمد ﵀: (إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم) (١). وروي نحوه عن يزيد بن هارون، وأحمد بن سنان، وعلي بن المديني، والإمام البخاري ﵏ (٢). وأهل الحديث والسنة: هم الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ؛ فهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، وهم -أيضاً- أعظم الناس اتباعاً لها: تصديقاً وعملاً وحباً، وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذي يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة؛ فلا ينصبون مقالة -عن رأي أو ذوق- ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ ، بل يجعلون ما بعث به من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه. وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأحكام، ومسائل المعاد وحشر الأجساد وغير ذلك، يردونه إلى الله ورسوله، فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدىً من الله ظلم (٣). وعليه، فما عدا طائفة أهل الحديث هم أهل أهواء وبدع وتفرق، محكومٌ على جملتهم بمخالفة الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق: قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: (أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام: أهل بدعٍ وزيغٍ، ولا يعدون عند الجميع -في جميع الأمصار- في طبقات العلماء، وإنما العلماء: أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم) (٤). وقال هارون الرشيد ﵀: (طلبت أربعةً فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث) (٥). وقال رجلٌ للحسن بن زياد اللؤلؤي في زفر بن هذيل: (أكان ينظر في الكلام؟ فقال: سبحان الله! ما أحمقك! ما أدركتُ مشيختنا: زفر، وأبا يوسف، وأبا حنيفة، ومن جالسنا وأخذنا عنهم يهمهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم) (٦).

стр. 991

وقال الإمام مالك ﵀: (لا تجوز الإجارات في شيءٍ من كتب الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتباً، ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك) (١). وقال ابن خويز منداد -من أئمة المالكية-: (أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع: أشعرياً كان، أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادةً في الإسلام أبداً، ويُهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها) (٢). وقال يونس بن عبد الأعلى: (سمعت الشافعي -يوم ناظره حفص الفرد- قال لي: يا أبا موسى لأن يلقى الله العبد بكل ذنبٍ ما خلا الشرك، خيرٌ من أن يلقاه بشيءٍ من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه) (٣). وأيضاً قال الشافعي ﵀: (حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويحملوا على الإبل، ويُطافُ بهم في العشائر والقبائل؛ فينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام) (٤). وقال الإمام أحمد ﵀: (إنه لا يفلح صاحب كلامٍ أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل) (٥). وقال أبو محمد بن حزم ﵀: ( ... فلم يسع مسلماً يُقرُّ بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ ، ولا أن يأبى عما وُجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحُجّة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلاً للخروج عن أمرهما، وموجباً لطاعة أحد دونهما فهو كافر لاشك عندنا في ذلك) (٦). وقال ﵀ -في موضعٍ آخر- عقب قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) (النساء: ٦١) قال: (فليتق الله -الذي إليه المعاد- امرؤ على نفسه، ولتوجل نفسه عند قراءة هذه الآية، وليشتد إشفاقه من أن يكون مختاراً للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار، فإن من ناظر خصمه في مسألة من مسائل الديانة وأحكامها التي أمرنا بالتفقه فيها، فدعاه خصمه إلى ما أنزل الله تعالى وإلى كلام الرسول فصده عنهما، ودعاه إلى قياس، أو إلى قول فلان وفلان، فليعلم أن الله قد سماه منافقاً. نعوذ بالله من هذه المنزلة المهلكة) (٧). حكم الاثنين وسبعين فرقة: اختلف الناس في تكفير أصحاب الفرق العظمى: الخوارج والشيعة والمرجئة والجهمية، والذي يقوى في النظر، وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم، ويدل عليه عمل السلف الصالح فيهم (٨): فمعاملة علي ﵁ للخوارج مشهورةٌ، حيث امتنع عن تكفيرهم، وقاتلهم مقاتلة البغاة، لا الكفار (٩).

стр. 992

وكذلك لما ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر والتجهم لم يكن من السلف الصالح لهم إلا الطرد والإبعاد والعداوة والهجران (١)، ولو خرجوا إلى كفر محضٍ لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين. وأيضاً فإن قوله ﷺ : (كلها في النار إلا واحدة) فيه إنفاذ الوعيد، ويبقى الخلود وعدمه مسكوتاً عنه؛ لأن الوعيد بالنار قد يتعلق بعصاة المؤمنين. وأيضاً فإن ظاهر الحديث (ستفترق أمتي ... ) يقتضي أن هذه الفرق من الأمة، وإلا فلو خرجوا إلى الكفر لم يعدوا منها البتة. وقد أخرج عبد الله بن المبارك الجهمية من الفرق الاثنتين وسبعين وقال: (أولئك ليسوا من أمة محمد ﷺ (٢) وكان يقول: (إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية) (٣). قال ابن تيمية: (وهذا الذي قاله اتبعه عليه طوائف من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم ... ) (٤). وقال آخرون من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين وسبعين فرقة (٥). فمن أخرج الجهمية لم يكفر الفرق الاثنتين وسبعين، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق العصاة، ومن أدخل الجهمية فهم على قولين (٦): الأول: تكفير الاثنتين وسبعين فرقة، وهو قول بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلمين. أما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة -الذين يقدمون علياً على الخلفاء الثلاثة ﵃ جميعاً- ونحو ذلك. الثاني: عدم تكفير أحدٍ من الفرق الاثنتين وسبعين إلحاقاً لأهل البدع بأهل المعاصي، فكما لا يكفر أحد بذنب، كذلك لا يكفر أحدٌ ببدعة. والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة، المنكرين للصفات، وحقيقة قولهم أن الله لا يتكلم، ولا يرى، ولا يباين خلقه، ولا علم له، ولا قدرة، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، وأن القرآن مخلوق ... وأما الخوارج والروافض ففي تكفيرهم نزاعٌ عند أحمد وغيره، وأما القدرية النافون الكتابة والعلم فكفروهم، ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال (٧). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٨): (وفصل الخطاب بذكر أصلين: أحدهما: أن يُعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقاً، فإن الله منذ بعث محمداً ﷺ وأنزل عليه القرآن، وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمنٌ به، وكافر به مظهر الكفر، ومنافقٌ مستخفٍ بالكفر ... وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقاً، وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق؛ ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم.

стр. 993

ومن أهل البدع من يكون فيه إيمانٌ باطناً وظاهراً، لكن فيه جهلٌ وظلمٌ حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوانٌ وظلمٌ يكون به فاسقاً أو عاصياً، وقد يكون مخطئاً متأولاً مغفوراً له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين. والأصل الثاني: أن المقالة تكون كفراً: كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده، كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ بباديةٍ بعيدةً لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيءٍ مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الرب (تعالى) عليه، ولما أنزل الله على رسوله. وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه: أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جداً مشهورة وإنما يردونها بالتحريف. الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع. فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله، فأصل الكفر الإنكار لله. الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها، لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثيرٍ من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم، لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطناً وظاهراً؛ وإنما التبس عليهم واشتبه هذا، كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفاراً قطعاً، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه). البدعة نوعان: لا شك أن كل بدعة ضلالة، ومجاوزة لحدود الله، واتهامٌ للشريعة بالنقص والقصور، وهي من هذه الجهة كبيرة وأي كبيرة، بل هي كفر بالله ورسالاته. لكن إذا أضيفت البدع بعضها إلى بعض، تفاوتت رتبها، فبعضها يقدح في أصل الإيمان وهي البدع المكفرة، وآخر يقدح في كماله الواجب أو المستحب، وهي ما يكون من البدع في مرتبة الكبيرة أو الصغيرة (١): فالبدعة المكفرة تكون بإنكار أمرٍ مجمعٍ عليه متواتر من الشرع معلومٌ من الدين بالضرورة، من جحود مفروض، أو فرض ما لم يفرض، أو تحليل محرم، أو تحريم حلال، أو اعتقاد ما ينزه الله ورسوله وكتابه عنه من نفي أو إثبات، ويدخل في ذلك اعتقاد إلهية في بعض البشر كما فعلت النصارى في عيسى ﵇، وغالية الشيعة في علي ﵁، وغالية المتصوفة مع بعض الشيوخ، ويدخل في ذلك -أيضاً- نفي الأسماء والصفات عن الله تعالى؛ لأنه تكذيبٌ للنصوص المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة ولما يستلزم من تشبيه الله تعالى بالمعدومات، ويدخل في ذلك -أيضاً- قول من يقول: العقل أو الذوق أو السياسة حجة مقطوعٌ بها، وتعارض بها الشريعة، وقول من يقول: أنا لا أحتاج -في أمور الديانة- إلى محمد ﷺ ، أو أنا معه كالخضر مع موسى لا تلزمني شريعته أو نحو ذلك من المقالات الكفرية (٢).

стр. 994

أما البدعة غير المكفرة فهي كل بدعةٍ لم تقدح في أصل الإيمان، ولم تبطل ما تواتر من الشرع وكان معلوماً من الدين بالضرورة، لكنها ضلال وزيغٌ عن الحق وعدولٌ عن السنة، وهي في ذلك على درجات: منها: قول بعض الرافضة: إن علياً إمام، من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، والأئمة من ولده يقومون مقامه في ذلك. ومنها: تأخير الصلوات عن أوقاتها والمداومة على ذلك. ولهذا قال ابن تيمية ﵀: (ومما ينبغي -أيضاً- أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة) (١). التفريق بين الكفر وقائله: وهذا من الأصول العظيمة التي امتاز بها أهل السنة والجماعة عن سائر الفرق، أنهم يفرقون بين المقالة وصاحبها، فالمقالة قد تكون كفراً أو فسقاً وصاحبها ليس بكافر ولا فاسق، كما أنها تكون إيماناً وتوحيداً وصاحبها ليس بمؤمن ولا موحد. ولكي توافق مقالة الكفر صاحبها، ويوصف بها، لابد من تحقيق شرائط وانتفاء موانع: أما الشروط، فمنها (٢): ١ - أن يكون صريح قوله الكفر، عن اختيار وتسليم. ٢ - أن يكون لازم قوله الكفر، وعرض عليه فالتزمه، أما إذا لم يلتزمه، بل ردَّه وأنكره فليس بكافر. ٣ - أن تقوم الحجة عليه ويتبينها؛ لقوله تعالى: (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: ١٥) وقوله: (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء: ١١٥). وأما الموانع، فمنها (٣): ١ - أن يكون حديث عهد بالإسلام. ٢ - أن يكون قد نشأ بباديةٍ بعيدةٍ، ويدخل معه من لم يجد إلا علماء الابتداع يستفتيهم ويقتدي بهم. ٣ - أن يكون مغيب العقل بجنون ونحوه. ٤ - أن لا تبلغه نصوص الكتاب والسنة، أو بلغته ولم تثبت عنده -إن كانت سنة- أو لم يتمكن من فهمها. ٥ - بلغته وثبتت -عنده- وفهمها، ولكن قام عنده عارض -من رأي أو ذوق- أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً. ويدخل معه المجتهد المخطئ، فإن الله يغفر له خطأه ويثيبه على اجتهاده إن كان حسن النيّة. وعليه، فلا يجوز الحكم على معينٍ بالكفر إلا بعد تحقيق شروطه وانتفاء موانعه، وما أثر عن بعض السلف من إطلاق التكفير واللعن فهذا يبقى على إطلاقه وعمومه، ولا يتعين في حق إنسان إلا بدليل: قال ابن تيمية ﵀: (فإن الإمام أحمد -مثلاً- قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذي لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس، والقتل والعزل عن الولايات، وقطع الأرزاق، ورد الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثيرٌ من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية؛ من الولاة والقضاة وغيرهم: يكفرون كل من لم يكن جهمياً موافقاً لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكفار ...

стр. 995

ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحةٌ في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية، الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة ... ) (١). فالمخالف للكتاب والسنة إما أن يكون مجتهداً مخطئاً، أو جاهلاً معذوراً، أو متعدياً ظالماً كأن يرتكب كبيرةً، أو منافقاً زنديقاً كأن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، أو مشركاً ضالاً وهو المصرح بالكفر، وكلٌ يعامل بحسبه. ومع ذلك فلا ينبغي أن يفهم أن من قام في حقه ما يمنع لحوق الوعيد به، أو عمله هذا -مخالفته للسنة- جائزٌ أو مشروع، فضلاً عن الوجوب أو الاستحباب. العذر بالجهل (٢): لابد من التفريق بين جاهلٍ تمكن من العلم ومعرفة الحق ثم أعرض عنه، وآخر لم يتمكن من ذلك بوجه: فالمتمكن المعرض مفرِّط تاركٌ للواجب عليه، لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم لا يتمكن منه بوجه، فهم قسمان: الأول: مريد للهدى، مؤثرٍ له، محبٍ له، لكنه غير قادرٍ عليه وعلى طلبه، وذلك لعدم وجود من يُرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني: معرض لا إرادة له، لكنه لا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي، ونهاية معرفتي. والثاني راضٍ بما هو عليه، لا يؤثر غيره عليه، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته. فهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه -بعد استفراغ الوسع في طلبه- عجزاً وجهلاً. والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرقٌ بين عجز الطالب وعجز المعرض. والمقصود في هذا المطلب بيان أن مخالفة منهج أهل السنة في الاعتقاد، قد تكون كفراً صريحاً، وقد تكون دون ذلك، والمخالف قد يكون كافراً معلناً كفره، وقد يكون منافقاً مبطناً كفره، وقد يكون معتدياً ظالماً، أو جاهلاً معذوراً، أو مجتهداً مخطئاً. قال ابن تيمية ﵀: (ليس كل من خالف في شيءٍ من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإن المنازع قد يكون مخطئاً يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته ... بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً، وقد لا يكون ناجياً) (٣). المطلب الثاني نتائج الالتزام بمنهج أهل السنة في تقرير مسائل الاعتقاد، ونتائج المخالفة لذلك وقد جمعت في ذلك عشرين نتيجةً، أذكرها على النحو التالي: النتيجة الأولى: تحقيق كمال الدين، وتمام النعمة، وقيام الحجة:

стр. 996

التزام هذا المنهج فيه اعترافٌ حقيقي بأن الله تعالى أكمل الدين، وأتم النعمة، وأن الرسول ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وكشف الغمة، وأقام الحجة، وأوضح المحجة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم حواريو الرسول ﷺ ، وورثته في العلم والإيمان، وحفظة الله تعالى في عباده، أقاموا الدين علماً وعملاً، وبلغوه لفظاً ومعنى، وهذا وإن كان واضحاً في كل مسائل الديانة إلا أنه في مسائل الاعتقاد أشد وضوحاً، وأعظم رسوخاً، إذ معرفة الاعتقاد (أصل الدين)، وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً وقولاً؟!. ومن المحال -أيضاً- أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيءٍ حتى الخراءة، وقال: (تركتكم على المحجةٍ البيضاءٍ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) ... ماحالٌ على تعليمهم كل شيءٍ لهم فيه منفعة في الدين -وإن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم، في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، ثم إذا كان قد وقع ذلك منه: فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب: زائدين فيه أو ناقصين عنه ... ) (١). النتيجة الثانية: بيان ثبوت العصمة للشارع: الالتزام بهذا المنهج يفيد إثبات العصمة للشارع الحكيم، بحيث لا يجوز الاستدراك عليه، وذلك بعد أن تقرر بالأدلة والبراهين اليقينية أن ليس في الشرع ما يخالف مقتضيات العقول الصحيحة، كما أنه ليس في العقل الصحيح ما يخالف نصاً صحيحاً صريحاً من نصوص الكتاب والسنة؛ بل كل ما يظن أنه يخالف الشرع من العقل فيمكن إثبات فساده بعقلٍ صحيح يبين أن تلك المخالفة مجرد ظن وتوهم. وعليه، فيجب النظر إلى الشريعة بعين الكمال لا بعين النقصان واعتبارها اعتباراً كلياً في العقائد والعبادات والمعاملات، وعدم الخروج عنها البتة؛ لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمي في عماية، كيف وقد ثبت كمالها وتمامها فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق، المنحرف عن جادة الصواب إلى بنيات الطرق، وهذا هو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسببه الاستدراك على الشرع (٢). النتيجة الثالثة: التصديق بجميع نصوص الكتاب والسنة: الالتزام بهذا المنهج يفيد التصديق بجميع نصوص الكتاب والسنة، والاستدلال بها مجتمعةً -مالم يكن بين بعضها تناسخ- لأنها خرجت من مشكاةٍ واحدة، وتكلم بها من وصف نفسه بكمال العلم وتمام الحكمة، ومن أصدق من الله قيلاً، فلا يجوز ضرب بعضها ببعض؛ لأن ذلك يقتضي التكذيب ببعض الحق، إذ أنه من باب معارضة حق بحق، وهذا يقتضي التكذيب بأحدهما أو الاشتباه والحيرة، والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق؛ قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) [الزمر: ٣٢، ٣٣] (فذم سبحانه من كَذَبَ أو كذَّب بحق، ولم يمدح إلا من صدَق وصدَّق بالحق، فلو صدق الإنسان فيما يقوله، ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره، لم يكن ممدوحاً، حتى يكون ممن يجيء بالصدق ويصدق به، فأولئك هم المتقون) (٣).

стр. 997

النتيجة الرابعة: تعظيم نصوص الكتاب والسنة: إن الالتزام بهذا المنهج يجعل المسلم في موقف المعظم لنصوص الكتاب والسنة؛ لأنه يعتقد أن كل ما تضمنته هو الحق والصواب، وفي خلافها الباطل والضلال. أما المخالفون فقد سقطت من نفوسهم هيبة النصوص حتى استحلوا حرماتها، وعاثوا فيها تكذيباً أو تحريفاً، وإن أحسنوا المعاملة أعرضوا عنها بقلوبهم وعقولهم ولم يستدلوا بشيءٍ منها، فهم: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (البقرة: ٧٨). النتيجة الخامسة: عصمة علوم أهل السنة: أهل السنة معصومون فيما يأخذونه عن إجماع الصحابة والتابعين؛ لأن إجماعهم حجة، ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، فكيف إذا أجمع السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم على مسألةٍ، فإن خلافهم فيها لا يجوز؛ لأنه خلاف الإجماع، وخلاف القرون المفضلة. أما أهل البدع والتفرق فلم يبالوا بهذا الأصل، حتى أعلنوا مخالفتهم لسلف الأمة وأئمتها، ونسبوهم إلى أعظم السفه والجهل. النتيجة السادسة: السكوت عما سكت عنه السلف: كل مسألة سكت عنها الصحابة والسلف الصالح وتكلم فيها الخلف -ولاسيما فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد والإيمان- إلا كان السكوت عنها أولى وأليق، ولم يأت فيها الخلف إلا بباطل من القول وزورا. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز ﵀ في وصيته إلى عدي بن أرطأة: ( ... فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما يرضى به القوم لأنفسهم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصرٍ قد كفوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى -بفضل- لو كان فيه أجر، فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون فضلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم) (١). النتيجة السابعة: النجاة المحضة موقوفة على متابعة مذهب أهل السنة: إن النجاة المحضة وقف على من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهذا إنما يُعرف عن طريق السنن المروية، والآثار الصحابية، وأولى الناس بمعرفة ذلك هم أهل السنة والجماعة؛ وذلك لاشتغالهم وعنايتهم بها، وانتسابهم إليها، بعكس أهل البدع من المتكلمة والمتصوفة الذين هم من أبعد الناس عن معرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، مستغنين عن ذلك بالمحاورات الفلسفية والخيالات الصوفية، ومنهم من يعترف بقلة بضاعته من الإرث النبوي، ومنهم من لو اطلعت على مصنفاته لا تكاد تقف على آيةٍ كريمة، أو حديثٍ شريف، أو أثرٍ عن صحابي شاهدين على أنفسهم بالجفاء. ثم ها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعناً صريحاً (٢): أما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان ابن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم، فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق. ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة.

стр. 998

وأيضاً كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين. وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهورٌ معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة. أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة -عدا آل البيت- وغلاتهم من السبئية والبيانية، وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردّة والخروج من الدين بالكلية. والإمامية منهم ادعت ردَّة أكثر الصحابة بعد موت النبي ﷺ . والأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين، وهو طعنٌ فيهم من هذا الوجه؛ ولهذا قال ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى عنهم هذا الكلام: (ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض) (١). فكيف يقال في هؤلاء جميعاً أنهم موافقون للصحابة في علومهم وأعمالهم؟!. النتيجة الثامنة: شرف الانتساب للسلف الصالح: لقد تقدم في التمهيد لهذا البحث بيان أن السلفية تطلق ويراد بها أحد معنيين: أحدهما: الحقبة التاريخية التي تختص بأهل القرون الثلاثة المفضلة؛ لحديث: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... ). الثاني: الطريقة التي كان عليها أهل تلك القرون الفاضلة من التمسك بالكتاب والسنة وتقديمها على ما سواهما، والعمل بهما على مقتضى فهم الصحابة والسلف. فالسلفية بالمعنى الثاني منهاجٌ باقٍ إلى يوم القيامة يصح الانتساب إليه متى التزمت شروطه وقواعده؛ لحديث: (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). وعليه، فكل أحدٍ وإن تأخر زمانه عن عصر السلف، لكنه التزم منهاجهم في العلم والعمل فهو منهم، وسلفي معهم، فالمرء مع من أحب. قال أبو الوفاء بن عقيل ﵀ لبعض أصحابه: (أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيتَ أن تكون مثلهم فكن مثلهم، وإن رأيتَ أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت) (٢). النتيجة التاسعة: عدم صحة الإيمان بالمشروط: الالتزام بهذا المنهج يقرر عدم صحة الإيمان المشروط كمن يقول: أنا لا أؤمن بخبر الرسول ﷺ حتى أعلم انتفاء المعارض العقلي، وأنا لا أؤمن حتى تصدق خبره رؤيا منام، أو كشف، أو ذوق، أو حس (التجربة المعملية) أو نحو ذلك من الشرائط، فهذا إيمانٌ لا يصح، وصاحبه فيه شبه من الذين: (قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) (الأنعام: ١٢٤)، والذين قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) (البقرة: ٥٥). فالواجب على الإنسان -إذا تبين له صدق الرسول- أن يؤمن بالله ورسالاته إيماناً غير مشروط، ولا متعلق بشيء من خارج. ولهذا كان شعار أهل الإيمان: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (البقرة: ٢٨٥)، وشعار أهل الكفر والطغيان: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) (البقرة: ٩٣). النتيجة العاشرة: تكثير الصواب وتقليل الخطأ:

стр. 999

الاعتماد على الكتاب والسنة وإجماع الأمة في الاستدلال يقلل الخطأ ويكثر الصواب والتوفيق، وهذا الخطأ يكون بسبب نقص علم المستدل أو قصور فهمه، أو سوء قصده، وهذا قد يوجد في بعض أهل السنة (ففي بعضهم من التفريط في الحق، والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأً مغفوراً، وقد يكون منكراً من القول وزوراً، وقد يكون من البدع الضلالات التي توجب غليظ العقوبات؛ فهذا لا ينكره إلا جاهلٌ أو ظالم ... ) لكن -مع ذلك- هم بالنسبة إلى غيرهم -في ذلك- كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل، فكل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر، وكل خيرٍ يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم، وهكذا أهل الحديث والسنة بالنسبة إلى غيرهم من طوائف المسلمين (١): يعرفون الحق ويرحمون الخلق، أما أهل البدع فيكذبون بالحق ويكفرون الخلق، فلا علم ولا رحمة ... (٢). النتيجة الحادية عشرة: الاستغناء بالكتاب والسنة عما سواهما: الالتزام بهذا المنهج يفيد الاستغناء بالكتاب والسنة عن النظر في الكتب المتقدمة: كالتوراة والإنجيل والزبور، لما أصابها من التحريف والتبديل، والزيادة والنقصان، فالقرآن الكريم كتاب مستقل بنفسه، ناسخٌ لما قبله، لم يحوج الله تعالى أهله إلى كتاب آخر -كما هو حال أهل الزبور والإنجيل مع التوراة- والقرآن قد اشتمل على جميع ما في الكتب الأخرى من المحاسن، وعلى زيادات كثيرة لا توجد فيها، مع ضمان الحفظ ونزاهة النص عن التحريف، ولهذا كان مصدِّقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمناً عليه، ويقرر ما فيه من الحق، ويبطل ما حرف منه، وينسخ ما نسخه الله تعالى (٣). ولهذا لما رأى النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ ينظر في صحيفة من التوراة غضب وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ... والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). النتيجة الثانية عشرة: طريقة السلف: أسلم وأعلم وأحكم: إن الذين يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهي التأويل الذي هو صرف النصوص إلى معنى قد تحتمله اللغة، لكن في غير هذا السياق المعين، والتأويل عندهم مظنون بالاتفاق (٤) فلا أحد منهم يقطع بالمعنى الذي صرفوا اللفظ إليه، لم يحصلوا شيئاً، بل تركوا النصوص وفيها الحق واليقين، ولجأوا إلى احتمالات وتجويزات مزقتهم كل ممزق، مع حيرة وضياع: قال الشوكاني ﵀ (٥): (فهم -أي أهل الكلام- متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ضفروا به من هذه الأعلمية لطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز، وقالوا: هنيئاً للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي حاصلها أن يهنئ من ظفر بها للجاهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم، وممن يدين بدينهم ويمشي على طريقهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوته، ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبها: الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه: أن الجهل خير منه، وينتهي عند البلوغ إلى غايته، والوصول إلى نهايته أن يكون جاهلاً به، عاطلاً عنه، ففي هذا عبرة للمعتبرين وآيةٌ بيّنةٌ للناظرين ... ). النتيجة الثالثة عشرة: اجتماع محاسن الفرق الأخرى لأهل السنة خالصة من كل الدر:

стр. 1000

الالتزام بهذا المنهج يجمع لأهل السنة ما عند الفرق الأخرى من الحق، مع نبذ أباطيلهم؛ لأن ما عند الفرق المخالفة للحق شبه، والشبهة ما أشبهت الحق من وجه، ولهذا تشتبه على الناس، فأهل السنة يأخذون بالوجه الحق، ويدعون الوجه الباطل، وسبب هذا التوفيق هو استدلالهم بجميع النصوص، من غير توهم تعارض بينها، أو بينها وبين العقل الصحيح الصريح، أما أهل الفرق الأخرى فقد ضربوا النصوص بعضها ببعض، أو عارضوها بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وأهل السنة آمنوا بالكتاب كله، وأقاموه علماً وعملاً. النتيجة الرابعة عشرة: مخالفة مسالك الأمم الضالة: الالتزام بهذا المنهج يفيد مجانبة مسالك الأمم الضالة من اليهود والنصارى وغيرهم، وقد أمرنا بمخالفة طرائقهم، وتجنب سننهم، ومنها أنهم ردوا على الرسل ما أخبروا به، واعترضوا عليه بالاعتراضات الباطلة، كما قالت اليهود لموسى ﵇: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) (البقرة: ٥٥) وقال الذين كفروا: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) (الأنعام: ١٢٤). وكل من أوقف الإيمان بالنصوص على موافقة عقله أو قياسه أو ذوقه أو كشفه أو منامه أو حسه ففيه شبه من اليهود والنصارى والذين كفروا، وقد أمرنا بمخالفتهم. ولهذا لا تكاد تجد شبهةً أو مقالةً منحرفة في الفرق المخالفةِ لأهل السنَّة والجماعة إلا وفي اليهود والنصارى نظيرها. النتيجة الخامسة عشرة: ما تلزمه المخالفة من الكفر، وما يلتزمه المخالف من الدعوة إلى بدعته: مخالفة هذا المنهج تؤدي إلى كثير من الكفريات كنفي الصفات، والقول بخلق القرآن، والتكذيب بالقدر، ونفي رحمة الرب تعالى ومشيئته واختياره، والحلول والاتحاد، وتفضيل الأولياء على الأنبياء، والتكذيب بأخبار المعاد وحشر الأجساد، والطعن في الصحابة وحملة الدين، وغير ذلك من الأمور الكفرية، وقد كان لكل فرقة من الفرق المخالفة لأهل السنة نصيبٌ من هذه الأمور وغيرها. قال أبو الوفاء بن عقيل ﵀: (وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثيرٌ منهم إلى الإلحاد؛ تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين ... ) (١). كما أنه يغلب على مخالف هذا المنهج أن يكون داعياً إلى بدعته؛ لأنه يتدين بذلك، أي يعتقده ديناً وشرعةً، وأن ما عليه غيره بدعة وضلالة، وعلى هذا يفهم قول من قال: المبتدع لا توبة له (٢)؛ لأنه يعتقد أن ما عليه هو الحق، وما دونه الباطل، بخلاف العاصي فإنه مُقِرٌّ بمخالفته ومعصيته، فهذا يُرجى رجوعه وتوبته، بخلاف ذلك المبتدع. النتيجة السادسة عشرة: اليقين والثبات لأهل السنة، وفي مقابله الاضطراب والتنقل لأهل البدع: الالتزام بهذا المنهج يفيد الرجل يقيناً وثباتاً، ومخالفته تفيده اضطراباً وتنقلاً: قال ابن تيمية ﵀: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قولٍ إلى قول، وجزماً بالقول في موضع، وجزماً بنقيضه، وتكفير قائله في موضعٍ آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ : هل يرجع أحدٌ منهم عن دينه سخطةً له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف -عمر بن عبد العزيز أو غيره-: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل (٣).

стр. 1001

أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحدٌ من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفُتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأمة ... ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعةٍ -عليها طائفةٌ كبيرة- من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يُقبل بحال. وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة ... ) (١). النتيجة السابعة عشر: الشك والحيرة والضياع مصير المخالف: مخالفة هذا المنهج أورثت المخالفين شكاً وحيرةً وضياعاً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الخونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق)، وهو عند كثير منهم غايةً في هذا الفن. أنه قال عند الموت: أموت وما علمت شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي. أموت وما علمت شيئاً) (٢). وقال ﵀: (حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: أبيت بالليل، وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء) (٣). وقال آخر: (بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليلٍ على التوحيد سالمٌ عن المعارض فما وجدته) (٤). وهذا الفخر الرازي يقول (٥): (نهاية إقدام العقول عقال وأكثرُ سعي العالمين ضلالُ وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبالُ ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا) وهذا الشهرستاني يصف حال المتكلمين في قوله (٦): (ولقد طفت في تلك المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم) وقال ابن أبي الحديد المعتزلي المتشيع يصف حاله وحال إخوانه من المتكلمين (٧): (فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقض عمري سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفرِ فلحي الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظرِ كذبوا إن الذي ذكروا خارجٌ عن قُوة البشر) قال ابن تيمية: (ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب (لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) (الذاريات: ٨، ٩): يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما قيل فيها: حجج تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكل كاسر مكسور ويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويُطافُ بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.

стр. 1002

ومن وجهٍ آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر -والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذٌ عليهم- رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، وأُعطوا فهوماً وما أُعطوا علوماً، وأُعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) (الأحقاف: ٢٦). ومن كان عليماً بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعداً) (١). ولهذا من أدركته رحمة الله تعالى منهم خرج عن ذلك ورجع إلى طريقة السلف وأوصى بذلك: روى الخطيب البغدادي بسنده إلى أحمد بن سنان أنه قال: (كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحداً أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا. قال: فتتهمونني؟ قالوا: لا. قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم) (٢) قال أبو بكر بن الأشعث: (كان أعرف الناس بالكلام بعد حفص الفرد الكرابيسي) (٣). وقد سُئل الإمام أحمد عنه وما أظهر: فكلح وجهه ثم قال: (إنما جاء بلاؤُهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله ﷺ وأصحابه وأقبلوا على هذه الكتب) (٤). وقال أبو المعالي الجويني: (لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق وهرباً من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني) (٥) وكان يقول لأصحابه: (يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به) (٦). النتيجة الثامنة العشرة: أهل السنة أعمق علماً وأسد عقلاً: لما كان أهل السنة ملتزمين بالمنهج الصحيح كان كلامهم في مسائل الكون صحيحاً متفقاً، لا يتكلمون فيها إلا بعلم عقلي أو سمعي، وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه: قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) (محمد: ١٧) قال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) (النساء: ٦٦ - ٦٨) (٧). وقال ابن القيم ﵀ في شرح آية: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ) (النور: ٣٥) قال ﵀: (النور على النور: نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب؛ فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نوراً على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهدُ العقلِ والشرع والفِطرة والوحي فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة بل يتصادفان ويتوافقان) (٨).

стр. 1003

أما غير أهل السنة من المتكلمين والمتصوفة وغيرهم فكلامهم في مسائل الكون خبط من غير علم: يقول عبد القاهر البغدادي -وهو يذكر ما أجمع عليه أهل السنة وهم- عنده -الأشاعرة-: (وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها ... وأجمعوا على أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها، وكذلك السماء متناهية الأقطار من الجهات الست) (١) وزعم أنه يرد بذلك على الفلاسفة والدهرية. فهذا الذي قاله لا يدل عليه عقل ولا نقل فضلاً عن الإجماع، بل هو -في زماننا هذا- أشبه بالأساطير. ولهذا قال ابن تيمية ﵀: (والخطأ فيما تقوله الفلاسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين، وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية فقد يكون صواب المتفلسفة أكثر من صواب من رد عليهم من أهل الكلام، فإن أكثر أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم، ولا عقل، ولا شرع) (٢). النتيجة التاسعة عشرة: قيام المدنية وازدهار الحضارات: اعتقاد منع التعارض بين النقل والعقل يفيد في عمران الحياة، وازدهار الحضارات؛ فتنعم البشر بهدي الله وشرعه، ولأهل السنة اليد الطولى والقدح المعلّى في تقدم المعارف العقلية، والعلوم التطبيقية، إذ لا هناك ما يحجزهم دونها، كما حدث في الدولة المسيحية في عصور الظلام، حين انقدح عندهم التعارض بين نصوص الإنجيل ومعطيات العقل، حتى تعرض المشتغلون بالعلوم التطبيقية والمعارف العقلية إلى أشد أنواع التنكيل من قبل الكنيسة كان الانعتاق من سلطانها، وبداية ظهور الاتجاه العلماني. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلاً، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم (بذلك) (٣) متمتعين .. ) (٤). النتيجة العشرون: توحيد الصفوف وجمع الكلمة: إن الالتزام بهذا المنهج يوحد بين صفوف المسلمين، ويجمع كلمتهم؛ على تنوع اهتماماتهم العلمية والعملية، وتفاضل مقاديرهم في العلم والإيمان، ولا يعني هذا الاتفاق في جميع تفاصيل المسائل ودقائقها، ولكن اتفاق في الطريق والمنهج الموصل إلى الحق، فإن وجد اختلافٌ بعد ذلك لم يفسد للود قضية، بل يندفع بالتناصح والتشاور، وتذوب حدته في بحر الألفة والمودة: قال أبو القاسم الأصبهاني ﵀ (٥): (السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطرق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدع أخذوا الدين من المعقولات والآراء فأورثهم الافتراق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات المتقنين قلَّما تختلف، وإن (اختلفت) (٦) في لفظٍ أو كلمةٍ فذلك الاختلاف لا يضر الدين، ولا يقدح فيه، وأما ذكر دلائل العقل (٧) فقلَّما تتفق، بل عقل كل واحدٍ يرى صاحبه غير ما يرى الآخر ... وبهذا تظهر مفارقة الاختلاف في مذاهب الفروع اختلاف العقائد في الأصول؛ فإنا وجدنا أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم اختلفوا في أحكام الدين، ولم يفترقوا ولم يصيروا شيعاً؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم، فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة ... فكانوا مع الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة الإسلام، فلم ينقطع عنهم نظام الإلفة ... فلم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاً ولا تفرقاً، وبقيت بينهم الإلفة والنصيحة والود والرحمة والشفقة ... ). ولهذا قيل الاختلاف مع التعادي والتفرق عادة أهل الكلام، والاختلاف مع التوالي والتصويب عادة السلف وأصحاب الحديث (٨). وقال قتادة ﵀: (لو كان أمر الخوارج هدىً لاجتمع، ولكنه كان ضلالاً فتفرق) (٩). وقال ابن قتيبة ﵀: (لو أردنا -رحمك الله- أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام ونرغب فيهم، لخرجنا من اجتماع إلى تشتت، وعن نظام إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن اتفاق إلى اختلاف ... ) (١٠).

стр. 1004

منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه (فتح الباري) المؤلف/ المشرف: محمد بن إسحاق كندو المحقق/ المترجم: بدون مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٩هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية لقد انتهيت -بعون الله تعالى وتوفيقه- من دراسة منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه (فتح الباري)، عرضاً ونقداً في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة. وأودُّ في هذه الخاتمة أن أجمل أهم النتائج التي توصّلت إليها فيما يلي: ١ - أن الحافظ ابن حجر نشأ وعاش في بيئة كانت الحالة الدينية فيها مشوبةً بكثيرٍ من البدع والخرافات، وكان للعقيدة الأشعرية فيها سلطان وانتشار واسع، بحيث يكون من يخالفها في خطر. ٢ - أن الحافظ بدأ حياته العلمية في وقتٍ مبكرٍ جدَّاً، وأخذ العلم على أيدي مشايخ يزيد عددهم على (٥٠٠) شيخ. ٣ - أن الله تعالى منح الحافظ مواهب نفسية، وهيَّأ له أسباباً كثيرة جعلته يبلغ إلى مرتبة عليا في العلم، ويصبح أحد أعلام الأمة الإسلامية ومشاهير علمائها المعدودين. ٤ - أن علم العقيدة هو أحد العلوم التي أولاها الحافظ عنايته دراسةً وروايةً، ولم تتمحّض دراسته إياه على المنهج السلفي الصافي؛ لأن أكثر مشايخه الذين درس عليهم كانوا على غير منهج السلف في العقيدة، بل كانوا أشاعرة تبعاً لحالة العصر، وإنما يتمثل الجانب السلفي في دراسة الحافظ للعقيدة في تلك الكتب التي يرويها عن بعض مشايخه رواية مما صنّفه علماء السلف في بيان العقيدة الصحيحة، والردّ على المخالفين فيها، كما يجدها من يطّلع على فهرس مرويات الحافظ من الكتب والأجزاء. ٥ - أن الحافظ ابن حجر قد خلّف للعلماء وطلاب العلم بعده تراثاً علميّاً ضخماً -خصوصاً في فنون علم الحديث- يحيي ذكره في الدنيا، ويناله أجره في الآخرة إن شاء الله تعالى. ٦ - أن كتابه (فتح الباري) يُعدُّ أهم كتبه على الإطلاق، من حيث موضوعه، ومادته العلمية، ومن حيث عناية الحافظ به، وطول المدّة التي قضاها في تأليفه وتحريره. ٧ - أن (فتح الباري) قد احتوى على جل مسائل العقيدة التي يبحثها العلماء في كتب العقيدة؛ وذلك لأنه شرح كتاب جامع لأدلة السنّة في جميع أبواب الدين، وأهمها باب العقيدة. ٨ - أن الحافظ قد استقى معلوماته في العقيدة من مصادر كثيرة متنوعة، زادت في إحصاء الباحث على (١٢٥) مصدراً، وهذه فيما يخص مصادره في المسائل العلمية، دون مصادره في الأدلة الحديثية التي يستدل بها على المسائل، فإنها إن لم تَزِد على هَذا العدد فلا تَقِلّ عنه. ٩ - اعتمد الحافظ كثيراً في تقرير مسائل العقيدة على كلام بعض أهل العلم من شُرَّاح صحيح البخاري قبله، ومن شُراح صحيح مسلم، ومن غيرهم، وفي مقدّمة الذين اعتمد عليهم الحافظ: البيهقي -في كتابيه (الأسماء والصفات) و (الاعتقاد)، والخطابي -في كتابيه (أعلام السنن في شرح صحيح البخاري) و (معالم السنن في شرح سنن أبي داود)، وابن بطال في (شرح البخاري)، والقاضي عياض، والقرطبي، والنووي، كلهم في (شرح صحيح مسلم)، وابن العربي في (شرح البخاري) و (شرح الترمذي) و (أحكام القرآن)، والطيبي في (شرح مشكاة المصابيح). فهؤلاء ممن تبيّن للباحث أن الحافظ اعتمد عليهم أكثر من غيرهم في شرح الأحاديث بما تتضمنه من مسائل في العقيدة، إضافة إلى الإمام البخاري نفسه صاحب الصحيح، مع خطأٍ أحياناً في فهم مقصوده من كلامه.

стр. 1005

وهؤلاء المذكورون غير الإمام البخاري ممن يعلم أهل العلم أنهم متأثرون بالعقيدة الأشعرية، وأنهم في كتبهم المذكورة يقررون معظم مسائل العقيدة وخصوصاً الأسماء والصفات على منهج الأشاعرة. واعتماد الحافظ على هؤلاء وغيرهم من العلماء ليس اعتماد تقليد، وإنما أخذ ببعض أقوالهم عن اجتهاد واقتناع بأنه هو الحق والصواب الموافق للأدلة حسب ما ظهر له، بدليل أنه في بعض المواضع يقف منهم موقف الناقد الرّاد بما ظهر له من الأدلة. ١٠ - أن الحافظ لم يسر في تقريره لمسائل العقيدة في كتابه (فتح الباري) على منهجٍ واحدٍ، وإنما كان منهجه متأرجحاً بين السلفية والأشعرية، بحيث تجده في بعض المسائل مع المنهج السلفي مقرراً ومؤيداً، وفي بعضها مع المنهج الأشعري مقرراً ومؤيداً، وهذا من حيث العموم، وأما من حيث التفصيل فكما يلي: أولاً: في منهج الاستدلال: أ/ وافق السلف على الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة، ويرى أن خبر الواحد يفيد العلم إن احتفت به القرائن. ب/ وافق السلف على تقديم النقل على العقل، لا بمعنى أنهما يتعارضان، وإنما بمعنى أن العقل تابعٌ للنقل في باب العقيدة، والعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، بل يوافقه. ثانياً: في تعريف التوحيد وبيان أقسامه: أ/ وافق السلف في الجملة على تعريف التوحيد، وتحديد معناه شرعاً. ب/ ووافقهم ضمنياً على انقسامه إلى ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات. ثالثاً: في توحيد الربوبية: أ/ قرر انفراد الله تعالى بالربوبية، وعدم جواز إطلاق لفظ (رب) بإطلاق من دون قيد إلاّ على الله تعالى. ب/ وافق السّلف على أن معرفة الله في الأصل فطرية في البشر. جـ/ وافق السلف في صحة إيمان المقلد إذا سلم من الشبهات والتزلزل. د/ رد على المتكلمين في قولهم بأن معرفة الله تعالى نظرية، وفي إيجابهم النظر على العبيد، وزعمهم أن إيمان المقلد لا يصح. هـ/ قرر الحافظ أن معرفة الله تعالى لا تنحصر في طريقة بعينها بحيث لا يعرف الله تعالى إلا منها، وإنما الأدلة الدالة على وجود الله تعالى كثيرة ومتنوعة. و/ وافق أكثر أهل الكلام على جواز تسلسل الحوادث في المستقبل، وامتناع تسلسلها في الماضي. والحق الذي دلت عليه الأدلة جواز تسلسلها في الماضي وفي المستقبل. رابعاً: في القضاء والقدر: أ/ وافق أهل السنة في تعريف القدر، وفي مراتبه الأربع. ب/ وافق أهل السنة في خلق أفعال العباد. جـ/ وافق الأشاعرة في القول بالكسب الأشعري. خامساً: في بعض الأحكام المتعلقة بأفعال الله تعالى: أ/ وافق أهل السنة والجماعة في إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى. ب/ وافق الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين. جـ/ وافق أهل السنة في عدم وجوب شيءٍ على الله تعالى، إلاّ ما أوجبه الله على نفسه. د/ يظهر من كلامه على مسأله تكليف ما لا يطاق أنه لا يقول به. سادساً: في أسماء الله تعالى: أ/ وافق أهل السنة والجماعة في أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في عددٍ معين. ب/ وافق أهل السنة والجماعة في مبدأ التوقيف في أسماء الله تعالى؛ لكنه خالفهم حيث أجاز أن يشتق لله اسم من الفعل الثابت له في القرآن، إذا كان لا يوهم نقصاً. سابعاً: في صفات الله تعالى: أ/ وافق السلف في إثبات أن لله صفات كما دل عليه الكتاب والسنة، ورد على ابن حزم إنكاره إطلاق لفظ (صفة) على الله تعالى. ب/ وافق السلف في أن صفات الله تعالى توقيفية، فلا يُوصف الله تعالى إلا بما ثبت نصاً وصفه به في الكتاب أو في السنة.

стр. 1006

جـ/ وافق السلف على أن صفات الله تعالى تحذو حذو الذات، فكما أن ذات الله تعالى لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات. فهذه قاعدة عظيمة قررها الحافظ، لكنه -مع الأسف- لم يلتزم بها عند الكلام على آحاد الصفات الإلهية، والله المستعان. د/ وافق السلف في تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية، ولكن هذه الموافقة في التقسيم اللفظي، وأما في المراد بكل نوع منهما فإنه لم يوافق السلف في ذلك، لما يلي: هـ/ وافق الأشاعرة في جعل الصفات الذاتية قائمة بالله تعالى أزلاً وأبداً، وجعل الصفات الفعلية غير قائمة به سبحانه، وإنما يستحقها فيما لا يزال، وهي ثابتة له بالقدر والإرادة. و/ خالف منهج السلف في تفسير نصوص الصفات، فجوّز فيها التفويض أو التأويل. ثامناً: في الألفاظ التي لم يرد في الشرع إثباتها ولا نفيها: أ/ خالف فيها منهج أهل السنة والجماعة، حيث جرى على نفيها نفياً مطلقاً من غير استفصال، ومنهج أهل السنة هو الاستفصال فيها. تاسعاً: في رؤية الله تعالى: أ/ وافق أهل السنة على أن الله تعالى لا يُرى بالعين في الدنيا. ب/ وافق بعض أهل السنة على وقوع الرؤية لنبينا محمد ﷺ في ليلة الإسراء. جـ/ وافق أهل السنة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، ولكنه مع ذلك ينفي الجهة. د/ يرى الحافظ أن الكفار لا يرون الله البتة في الآخرة. عاشراً: في توحيد الألوهية ونواقضه: أ/ قرر الحافظ أن العبادة حق الله تعالى وحده لا شريك له، فلا يجوز صرف شيءٍ منها لغير الله تعالى أيَّاً كان. ب/ قرر الحافظ وجوب اجتناب الشرك بأنواعه، وأنّه أظلم الظلم وأعظم الذنوب على الإطلاق. جـ/ زلت قدم الحافظ في بعض مسائل توحيد الألوهية، حيث جوّز الاستشفاع بالصالحين بعد موتهم، والتبرك بهم وبآثارهم وفضلاتهم الطاهرة، وجوّز شدّ الرحال إلى قبورهم لقصد التبرك بها. حادي عشر: في مباحث الإيمان: أ/ وافق السلف في تعريف الإيمان وأنّه: قولٌ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وأنه يزيد وينقص بالأمور المعتبرة فيه. ب/ قرّر أن الإيمان والإسلام إذا ذُكرا معاً في سياق واحد حمل الإسلام على الأعمال الظاهرة، والإيمان على الاعتقاد الباطن، وإذا ذكر كلاً منهما على حده تضمن معنى الآخر، فإذا اقترنا افترقا، وإذا افترقا اقترنا. جـ/ وافق أهل السنة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، وإذا مات مصرّاً على كبيرته فهو تحت المشيئة. ثاني عشر: في الإيمان بالنبوات: أ/ هو موافق لأهل السنة في النبوات في الجملة. ب/ قرر عصمة الأنبياء في الصغائر كما هم معصومون من الكبائر، وهو خلاف القول المعروف عن السلف وأكثر أهل السنة. جـ/ لم يكن له موقفٌ واضحٌ من نبوّة النساء. د/ قرر ختم النبوّة بمحمد ﷺ ، وعموم رسالته للثقلين، وأنه أفضل الأنبياء على الإطلاق. ثالث عشر: في الإيمان بالمعاد: أ/ وافق أهل السنة في التصديق بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وأنّ ذلك على الروح والبدن معاً. ب/ قرر أن الأنبياء أحياء في قبورهم حياةً برزخيّة، ولكنه ذكر في بعض الأحيان عبارات قد يفهم منها أن حياتهم حقيقيّة كالحياة الدنيوية، وهذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن حياتهم برزخيّة. جـ/ قرر الإيمان بأشراط الساعة التي أخبرت عنها الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ . د/ رجّح أن النفخ في الصور مرّتان فقط. هـ/ رجّح أن الميزان يوم القيامة ميزانٌ واحد، وأن الذي يُوزن في الميزان هو الأعمال. و/ وافق أهل السنة في إثبات الشفاعة يوم القيامة، ورجّح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة العظمى.

стр. 1007

ز/ وافق أهل السنة في وجود الجنة والنار الآن، وأنهما مخلوقتان وباقيتان بإبقاء الله لهما، وأهلهما خالدون فيهما أبداً. رابع عشر: في الصحابة والإمامة: أ/ وافق أهل السنة والجماعة في اعتقاد فضل الصحابة وعدالتهم، وفي محبتهم والترضّي عنهم جميعاً، والكفّ عمّا شجر بينهم. ب/ وافق أهل السنة والجماعة على صحة خلافة الخلفاء الراشدين، وعلى أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة. جـ/ وافق أهل السنة والجماعة على أن الطعن في الصحابة علامة على خذلان صاحبه، وهو بدعة وضلالة. د/ وافق أهل السنة والجماعة على وجوب الطاعة لولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم وإن جاروا، وعلى صحّة الصلاة وراءهم والجهاد معهم أبراراً كانوا أو فسّاقاً، لما في الخروج عليهم من المفاسد الدينية والدنيوية، غير أنّهم لا يطاعون في المعصية. خامس عشر: في البدع والفرق المبتدعة: أ/ وافق أهل السنة على إنكار البدع بأنواعها. ب/ جانب الصواب في تقسيمه البدع إلى حسنة وسيئة، وإلى الأحكام الخمسة. جـ/ وافق أهل السنة والجماعة على ذم الفرق المبتدعة، والرد على بدعهم المختلفة. كان هذا عرضاً موجزاً لمنهج الحافظ في العقيدة من خلال كتابه (فتح الباري)، كما توصل إليه الباحث من دراسته لهذا الموضوع، وبناءً على ما سبق يقرر الباحث ما يلي: ١ - لم يكن الحافظ ابن حجر أشعريّ المذهب في جزئيات العقيدة ولا في كلياتها، وإنما وافق الأشاعرة في مسائل، وخالفهم في مسائل أخرى تُعدّ من أصول مذهبهم. ٢ - لقد كان الحافظ ابن حجر ذابَّاً عن السنة، محبَّاً للسلف، مفضلاً لمذهبهم وطريقتهم في العقيدة، كما كان ذامَّاً للبدعة، مبغضاً للمبتدعة، محذّراً من مذهب أهل الكلام، وله في كلّ ذلك كلامٌ صريحٌ واضح. ٣ - كان الحافظ مجتهداً في المسائل التي وافق فيها الأشاعرة مخالفاً بها السلف، غير قاصد مخالفتهم، حيث ظهر له أن ما اختاره في تلك المسائل هو الصَّواب، وقوّى ذلك عنده اختيار غيره لها من أَجِلّة العلماء قبله، كالبيهقي، والخطابي، والنووي، وابن الجوزي، وغير هؤلاء. ٤ - لم يكن الحافظ في جميع المسائل التي تعرّض لها قاصداً تقرير ما هو الصواب فيها فحسب، بل كان في بعض الأحيان قاصداً ذكر ما اطّلع عليه من أقوال في المسألة بصرف النظر عن كون القول صواباً أو خطأ، وهو مقصد واضح وإن كان غيره أولى منه. ٥ - لا يشك أحد يعرف شيئاً من العلم، ويطلع على أقوال العلماء أن الحافظ ابن حجر معدود في أفاضل علماء الإسلام الذين خدموا السنة النبويّة، وذادوا عنها بأقلامهم، وأن الله تعالى كتب لمصنفاته القبول لدى عامة المسلمين من جميع الطوائف، وأن أقوال أهل العلم من لدن عصر الحافظ إلى عصرنا هذا مجمعة على امتداحه والثناء عليه، والشهادة له بالفضل والديانة، ولمصنفاته بالتفوق والفائدة. ٦ - يعد كتاب (فتح الباري) من كبار كتب العلم التي لا يَستغني عنها عالم فضلاً عن طالب علم، وهو من الكتب التي أسهمت في الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح في جوانب عديدة، والأخذ بمذهبهم في أمور الديانة، مع نقل جملة طيبةٍ من أقوال علماء السلف في ذلك، وإن كان قد أخطأ في جوانب أخرى عديدة، سبق بيانها في هذا البحث. وهو كذلك من الكتب التي أسهمت في الرد على الفرق المبتدعة بأصنافها، وفي فضح باطلهم، والتحذير من بدعهم. وإذا ثبت هذا فالموقف الصحيح من الحافظ ابن حجر ومن كتابه (فتح الباري) هو أن يُترحّم عليه، ويُستغفر له، وأن يُسأل الله تعالى أن يجزل له الأجر والثواب فيما أصاب فيه، وأن يعفو عنه ما حصل من خطأ غير مقصود، مع ضرورة بيان هذه الأخطاء لتتجنّب، ولئلا يأخذ بها من يجعل حالها.

стр. 1008

وهذا هو المنهج الصحيح المعروف عن أئمة أهل السنة والجماعة في مثل هذه المواقف. قال الإمام ابن رجب الحنبلي ﵀: (لا يزال الناس بخير ما كان فيهم الحق وتبيين أوامر الرسول ﷺ التي يخطئ من خالفها، وإن كان معذوراً مجتهداً مغفوراً له، وهذا مما خصّ الله به هذه الأمة لحفظ دينها الذي بعث الله به رسوله ﷺ أن لا تجتمع على ضلالة، بخلاف الأمم السالفة. فههنا أمران: (أحداهما): أن من خالف أمر الرسول في شيءٍ خطأ مع اجتهاده في طاعته ومتابعته أوامره فإنه مغفور له، لا ينقص درجته بذلك. و (الثاني): أنه لا يمنعنا تعظيمه ومحبته من تبيين مخالفة قوله لأمر الرسول ﷺ ، ونصيحة الأمة بتبيين أمر الرسول ﷺ ، ونفس ذلك الرجل المحبوب المعظم لو علم أنّ قوله مخالفٌ لأمر الرسول، فإنه يحبّ من يبين للأمة ذلك، ويُرشدهم إلى أمر الرسول، ويردّهم عن قوله في نفسه، وهذا النكتة تخفى على كثير من الجهال لأسباب، وظنّهم أن الرد على معظم من عالم وصالح تنقّص به، وليس كذلك، وبسبب الغفلة عن ذلك تبدّل دين أهل الكتاب، فإنّهم اتبعوا زلات علمائهم، وأعرضوا عما جاءت به أنبياؤهم، حتى تبدل دينهم، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) (١). وقال الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر (٢) ﵀: (واعلم -رحمك الله- أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صادق، وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد يكون منه الهفوة والزلّة، وهو فيها معذورٌ، بل مأجورٌ لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن يغمط مكانه وإمامته ومنْزلته في قلوب المسلمين) (٣). قلت: في كلام هذين العالمين الفاضلين من علماء أهل السنة والجماعة بلا امتراء، في كلامهما بيان للمنهج الصحيح الذي ينبغي السير عليه، ولئن كان كلاهما ينطبق على أحد فإن ممن ينطبق عليه الحافظ ابن حجر كما لا يخفى لكل ذي بصيرة، وياليت بعض طلبة العلم في هذا العصر يعون مثل هذه الكلمات النيّرة، فيلزمون جادة الصواب مع العلماء الأجلاء، فإن الله تعالى لم يكتب العصمة لأحدٍ غير أنبيائه، وليس على وجه الأرض كتابٌ خالٍ من خطأٍ غير كتاب الله الذي (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (٤)، وإذا كان كُل عالمٍ وقعت منه زلة استحق الطعن لم يبق لنا عالم، وإذا كان كل كتاب عثر فيه على خطأ تُرك الاستفادة منه لم يسلم لنا كتاب بشرٍ أبداً. وإنما كان منهج السلف النهي عن كتب البدع التي وضعت لتقرير الباطل، والدفاع عنه، من كتب أهل الكلام وأهل التصوف وما شاكلها، وأما الكتب التي تقرّر الحق وتردّ الباطل، ومع هذا وُجِدَت فيها أشياء تخالف الحق اجتهاداً لا قصداً، فالصواب أنّه مقبولٌ مع التنبيه على ما فيه من خلاف الحق، وقد تمثل هذا المنهج واضحاً فيما فعله العلامة السلفي في هذا العصر سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز -حفظه الله- حيث قام بإعادة طبع كتاب (فتح الباري) مع التعليق على بعض المواضع التي تحتاج إلى تعليق مما جانب فيه الحافظ الصواب، غير أنّ كثرة المشاغل منعته من إكمال هذا المشروع المهم، وحبذا لو يقوم بعض العلماء الأفاضل بإتمام ذلك حتى تعم الفائدة إن شاء الله تعالى. وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يُلهمنا رشدنا، ويوفقنا لاتباع كتابه وسنة رسوله ﷺ ، والسير على منهج سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وأن يجنبنا البدع والأهواء، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، إنه تعالى سميعٌ مجيب، غفور رحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1009

منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم المؤلف/ المشرف: يحيى إسماعيل المحقق/ المترجم: بدون دار الوفاء - مصر ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٦هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: معاملة الحكام - الدخول عليهم قد يظن ظان ويرى راء أننا فيما كتبنا لم نخرج من دائرة التدوين التاريخي لما كانت عليه الدولة الإسلامية أول أمرها، وأننا لم نتجاوز الإخبار عما كان. ولعل عذر هؤلاء ما يلمسونه من حال التمزق التي يعانيها العالم الإسلامي منذ سقوط راية الخلافة بزوال الدولة العثمانية آخراً - وهي التي كانت تمثل الواجهة السياسية للعالم الإسلامي. وتلك حال لن تدوم. إن العالم الإسلامي لم يكن مهيئاً لقبول فكرة الدولة الواحدة والحاكم الواحد مثل تهيئته لها اليوم. لقد لبس كل رداء وجرب كل جديد. وماذاق من ذلك إلا الصَّاب وما شرب إلا العلقم. وقد اكتشف مؤخراً أن الذين جرعوه كؤوس المهانة ما كان لهم أن يصلوا إلى بعض ما وصلوا إليه بغير اثنين. ١ - هوى بالمعصية استقر في نفسه. ٢ - ثم حرص مهين على الحياة. وبدأ بطريقة العلاج. لقد انتهت بحمد الله الكسروية والقيصرية بضربات الأيادي المتوضئة، وكسب العالم بزوالها كسباً كبيراً، فأصبح للرأي حرمة بعد أن كان جريمة يعاقب عليها، وللحرية دولة بعد أن كانت رجساً يحرم على الشعوب الاقتراب منه. وتلك أمور حرمها طويلاً حتى نسيها فجأة الإسلام فذكره بها وما بقى إلا أن يسترد المسلمون حقهم فيها بأن يمدوا أيديهم إلى دينهم مد الحريص عليه الضنين به. وهم إن لم يفعلوا فإن الإسلام آت لا ريب فيه، وربما كان المجيء على يد عدوهم كما جاء بالأمس القريب، وسيكون بثمن عظيم. لقد كان الترك والديلم أعدى أعداء للمسلمين فصاروا حماتهم وقادتهم على عصبية مريضة فيهم لم يخلعوها فعنت بحكمهم غيرهم. لقد أضحت الحكومة العالمية الآن حكومة فكرة ولم تعد حكومة عائلات وأسر وما كان هذا ليكون لولا رحمة الإسلام ومثاليته ونوره الذي أضاء الخافقين. وإن الأفكار التي أنبتت حكومات بعدوى الإسلام لم يظفر العالم منها بخير. ولم يبقى من ملجأ للعالم إلا أن يرجع المسلمون إليه يقودونه بهدى الله ورحمة الإسلام، ولن يستقيم لهم وله ذلك إلا بعد أن يجمعوا أمرهم وينظموا على الإسلام عقدهم. فهم أصحاب الفضل في إثارة الفكرة الواحدة والحكومة الواحدة والأمة الواحدة والدعوة التي لا تقبل ساحتها تمييزاً لأحد. وما أحوج المسلمين اليوم إلى الحكومة الواحدة التي ترد إليهم عزتهم وتحفظ لهم مكانتهم وتعلي لهم ذكرهم وتصون لهم حقهم. إن عودة خلافة النبوة ثانية لحكم العالم أمر مرتقب واقع لا محالة بدليل السنة وشهادة التاريخ. أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد عن ثوبان قال: قال رسول الله- ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها) (١).

стр. 1010

لقد سبق أن (انحدر التتار كالسيل الدافق على الدولة الإسلامية وأخذوا يقطعون أشلاءها جزءاً جزءاً حتى وصلوا إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية ووطئوها بنعالهم في شخص الخليفة المستعصم وتبدد بذلك شمل الدولة وانفرط عقد الخلافة لأول مرة. وتفرقت الأمة إلى دويلات صغيرة، فلكل قبيلة فيها أمير للمؤمنين ومنبر. وتنبهت المسيحية في أوربا وجمعت جموعها وقذفت الشرق المسلم في آسيا وأفريقيا بكتائبها في تسع حملات صليبية على خير ما فيها من فرسان ملوك وعتاد، وتمكنت هذه القوات الزاحفة من إقامة دولة صليبية في بيت المقدس وتهديد أمم الإسلام في الشرق والغرب ومهاجمة مصر أقوى هذه الدول إذ ذاك. واستطاعت مصر بإيمانها أن تجمع بعض هذه الدويلات وتقذف بهم في نحر الصليبيين بقيادة صلاح الدين فتستعيد منهم بيت المقدس وتريهم كيف تكون الهزيمة في حطين، ثم تقف في وجه التتار بقيادة الظاهر بيبرس وتردهم على أعقابهم خاسئين في عين جالوت، ثم تعيد رسم الخلافة من جديد، ويريد الله بعد ذلك أن تقوم للإسلام دولة وارفة الظلال قوية البأس شديدة المراس تجمع كلمة أهله وتضم تحت لوائها معظم أممه وشعوبه ويأبى لها علو الهمة إلا أن تغزوا المسيحية في عقر دارها فتفتح القسطنطينية (١) ويمتد سلطانها في قلب أوربا حتى وصل إلى فيينا. ثم وقع الطائر بعد ارتفاع في الدور الختامي للصراع الذي بدأته دولة البرتغال المسيحية غزوها للبحار الشرقية ومنطقة الخليج العربي تحت ستار الكشوف الجغرافية بقيادة فاسكو دي جاما حيث ألقت سفنه مراسيها في ثغر كاليكوت على الساحل الغربي للهند في اليوم الثامن عشر من مايو سنة ١٤٩٨ وكان شعار هذا الغزو الطارئ (الصليب أو المدفع) (٢). وكان الدور الختامي في هذا الصراع الحرب العالمية الأولى سنة ١٤: ١٩١٨ الذي انتهى بهزيمة تركيا بذلك سنحت الفرصة كاملة لأقوى شعوب أوربا إنجلترا وفرنسا وإلى جوارهما إيطاليا فوضعت يدها على هذا الميراث الضخم من أمم الإسلام وشعوبه، وبسطت سلطانها عليها في أسماء مختلفة من احتلال واستعمار ووصاية وانتداب، وخلفتها أمريكا وروسيا في صور صدقات ومحالفات. وإن الإسلام الذي أحيا أممه من قبل فواجهت الصليبية والتتار لقادر أن يفعل فعله اليوم -وهو فاعل- إن شاء الله حتى يبلغ ملك أمة الإسلام ما زوى لمحمد ﷺ في الأرض.

стр. 1011

بعد هذا نستطيع بتوفيق الله أن نجمل نتائج هذا البحث وتلك الدراسة فيما يلي: ١ - أن أهل السنة والجماعة- وبخاصة أهل الحديث منهم- هم أول من وضع الأصول السياسية للحكم الإسلامي. وذلك بما جمعوه من أقوال الرسول- ﷺ وأفعاله وأقوال الصحب الكرام وأفعالهم وأودعوه دواوين السنة الكريمة، وإنهم آثروا الاكتفاء بالجمع والتدوين لعدم قيام الحاجة إلى المزيد. فكانوا بذلك أنفع للعلم وللحياة وأبعد نظراً فقد صانوا الجماعة بذلك -أهل العدل- مما عرى غيرهم ممن أولع بكثر التحدث والتشقيق. ٢ - أن الحكم في المسلمين واجب ديني وقيام الحاكم به قيام بفريضة عينية مفترضة. وأن حاجة الحكم إلى الأمة أقوى من حاجته للإمام. ٣ - حاجة المسلمين إلى إقامة حكم الله أسبق من حاجتهم لوفرة الطعام والشراب، فبه يرزقون ويسودون فإقامة حدٍّ في أرض الله خير لأهله من أن يمطروا أربعين خريفاً. ٤ - فوق ذلك فإن أهمية الإمامة والخلافة في الأمة ترجع إلى أن أحكامها وأحوالها تكسب حجة الدليل- ومن ثم صحة القياس عليها. وأنها لا تكسب تلك الفضيلة إلا بمقدار قربها من خلافة النبوة. ٥ - إن الفرقة التي يعانيها المسلمون اليوم ترجع في أصولها إلى أسباب بدأت واهية من اليسير على المسلمين تداركها وعلاج أمرها لو صح فيهم القصد. وإن خلو الأفئدة سبب من أسباب الفرقة عظيم. ٦ - فساد الرعية من فساد رعاتها، وظلم الرعاة من عصيانها ووفرة الخير في واحد منها مؤثر على صاحبه. ٧ - الحكومة التي أقامها الإسلام ودعت إليه السنة ليست حكومة طائفة ولا سلطان طبقه بل حكومة منهج يفرض على المسلمين صيانة أمرها وإعزاز قدرها. ٨ - إن حكم الناجح لا يستقيم إلا بالعصبية، والعصبية تختلف باختلاف أقوامها، وهي تمثل في الإسلام القوة المستمدة من رغبة المسلمين وإراداتهم الحرة. ٩ - التصويت الانتخابي حق كل مسلم مصان الدم عفَّ السيرة ومن اللازم لهذا الحق أن يصان من غيث الأهواء ونزق المطامع، فلهذا الحق من القداسة ما يفوق به قداسة بعض الفرائض العينية كصلاة الجمعة التي لا تجب بغير الأمان، وفريضة الحج التي لا تلزم بغير تأمين الطريق، وصوم رمضان الذي لا يدخل بغير صيام الإمام ولذا فمن الواجب أن تعطي الأمة له ما تعطيه لبعض شعائرها، وبداية للجد في الأمر ينبغي أن يتم الاقتراع على المرشح للأمر داخل المساجد كما كانت تتم البيعة له سابقاً فيها، وأن يباشر عملية الفرز دعاة المسلمين وهداتهم. ١٠ - أن الديمقراطية على ما يدعى لها قاطرة على نوع من أنواع النشاط الإنساني وهو الحكم، أما الشورى فهي نظام لجميع أوجه النشاط في حياة المسلمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم المطرية في ١٩ شوال ١٤٠٢هـ

стр. 1012

منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير عقيدة التوحيد المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن محمد البريكان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن عفان - القاهرة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: ابن تيمية - ترجمة كاملة أو دراسة منهجية ونظرا لأن البحث قد اشتمل على عدة مباحث، وهي متنوعة من حيث الفكرة والموضوع، فإني قد توصلت من خلال دراستي لهذا الموضوع إلى نتائج أهمها: أولا: أن كلمة توحيد اصطلاح شرعي لا خطأ في استعماله، وإنما الخطأ حصل في فكر من حمل كلمة التوحيد غير المعنى المدلول بها شرعا، ومن هنا يتبين لنا أنه ليس كل اصطلاح يكون خاطئ, وإنما يكون الاصطلاح خاطئا إذا خالف الكتاب والسنة، ونهج السلف الصالح المعلوم لنا بالنقل الصحيح. ثانيا: أن كلمة توحيد كلمة جامعة مانعة، يكفي إطلاقها في دلالتها على مسماها الحق، وأن الاشتراك دخل عليها بسبب تعدد الاصطلاحات بعد العصور المفضلة. ثالثا: أن ما اصطلح المتكلمون على تسميته توحيدا اشتمل على عدة أمور: تضمن المعنى الباطل المضاد للحق. اشتمل على الألفاظ المجملة البدعية التي لم يرد بها كتاب ولا سنة، ولا أثر صحيح عن السلف الصالح. أنه لم يشتمل على تقرير توحيد الألوهية، مع النقص في توحيد الربوبية والأسماء والصفات. أنه مشتمل على السلب المحض الذي لا يوصف الله به لكونه عدما، والله تعالى لم يصف نفسه إلا بالسلب المتضمن الإثبات ضده من الكمال. نفي المعاني الحقة التي يشتمل عليها مسمى التوحيد. رابعا: أن منهج ابن تيمية منهج أثري، يعتمد على الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وهو يسير مع النص الشرعي حيث سار، ولا يلجأ إلى غيره من الاستدلالات إلا عند الحاجة: كإقناع من يخالف دلالة النصوص أو ثبوتها أو قطعيتها. خامسا: أن ابن تيمية يعتبر العقل والحس مصدران تبعيان لا رئيسيان، ولذا فإنه لا يحتج بهما إلا للاستئناس مع وجود الدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف، أما عند عدم الدليل وهو ما لا يتصوره، فهما دليلان عنده، إلا أن إفادتهما دون إفادة الكتاب والسنة لكون إفادتهما إجمالية لا تفصيلية. سادسا: أن العقل عند ابن تيمية لا يخالف الشرع بل يوافقه، وإن خالفه فإما أن يكون المعقول غير صحيح، أو المنقول غير صريح أو ضعيف. سابعا: أن المعتمد في فهم الكتاب والسنة على تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين. ثامنا: أنه لا بد في الألفاظ الشرعية من اعتبار مراد الشارع منها، فإن لم يكن فيرجع إلى لغة العرب، وإنه لا يلجأ إلى لغة العرب إلا بعد أن يعدم عرف الشارع في التعبير، وأما إن كان ثمة عرف فلا يترك لغيره البتة. تاسعا: أن المجاز في كتاب الله وسنة رسوله ممنوع، لفساد القول به، ولما يترتب على دعواه من مفاسد عقدية وفكرية أدت إلى كثير من الانقسامات في جسم الأمة، علاوة على إفساد مفاهيم الكتاب والسنة. عاشرا: أنه لا يجوز صرف نص عن ظاهره المتبادر منه إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله، أو أقوال السلف الصالح، ويكون ذلك تفسيرا لمعنى اللفظ، لأنه بيان لمراد المتكلم من كلامه ولا يهمنا بعد ذلك أن نخالف الظاهر أو نوافقه. الحادي عشر: أن الكتاب والسنة ليس فيهما متشابه من كل وجه، وأن ما يدعى من التشابه إنما هو تشابه نسبي أو هو في الكيفيات، لا فيما تقتضيه لغة العرب، ويدعى ما تشابه من وجه دون وجه. الثاني عشر: بيان فساد الأصول المنطقية وتناقضها في ذاتها، وأنه بعد صياغة كثير من المعارف الإسلامية لا بد للباحث من علمه بها ليفهم المراد مما يقرؤه لا ليعتمدها....ويعمل بها، ولأن ذلك مفيد له في معرفة فساد الحجج المنطقية والأساليب الكلامية.

стр. 1013

الثالث عشر: يرجع ابن تيمية المنطق إلى اليونان وقد اعترض على ذلك بعض الباحثين بأن المنطق ليس هو صناعة يونانية بل علم إسلامي، والذي يظهر لي أن هذه الدعوة غير صحيحة ويدل على ذلك عدة أمور: أولا: لأن واضع المنطق كما هو معلوم ومشهور أرسطو، وهو يوناني. ثانيا: أنه إذا قدر أنه علم وضعه مسلم، فإنه متأثر بمقاييس اليونانيين وطرق تفكيرهم. الرابع عشر: أن تقسيم ابن تيمية للتوحيد تقسيم حاصر شامل لمسمى التوحيد، ولا يلزم منه خطأ اصطلاحي، لأنه اصطلاح صحيح المعنى والمبنى. الخامس عشر: أن تقسيم المتكلمين وإن كان تقسيما اصطلاحيا فهو فاسد المعنى، لأنه غير حاصر ولا شامل لمسمى التوحيد، فهو لا يشمل التوحيد في العبادة، ولأنه مخالف لما جاء به الكتاب والسنة. السادس عشر: أن ابن تيمية قد وفق في سد طرق الوثنية، وقد وافق الكتاب والسنة فيما قرره حول قضايا توحيد الألوهية، وأن الإنسان لا يكون عابدا لله حتى يتجنب مظاهر الشرك الأكبر والأصغر وذرائعهما، مع قيامه بحق العبودية من التوكل والخوف والرجاء وغيرها. السابع عشر: أن الحس طريق صحيح للعقيدة وهو مفيد لليقين، سواء كان حسا ظاهرا أو باطنا، وأن القرآن الكريم قد جاء بهما، وأن الخطأ فيه عارض غير طبيعي والأصل إفادته للحق. الثامن عشر: أن ما في يوم القيامة يعتبر من المحسوسات، لأنه مما يمكن أن يحس، فيدخل في نطاق الحس ما أدرك بالفعل وما يمكن أن يدرك به ولو مستقبلا. التاسع عشر: أن الكشف نوع من الحس الباطن وقد يكون نوع من الكرامة، وإن الحق منه ما دل على صحته دليل من الكتاب والسنة، أو لم يعارض أصلا من أصول الشريعة، لكن هذا النوع من الكشف ليس مصدرا أصليا للعقيدة، بل هو مصدر تابع للكتاب والسنة، وبذلك يعلم أنه لا يصلح طريقا معتمدا في ذاته. العشرون: أن الفطرة هي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، لا وجود التوحيد في القلب والإيمان بالله ومعرفته بالفعل. الحادي والعشرون: أنه لم يظهر لي ما يفيد منع استعمال الأقيسة العقلية على صورتها الموضوعة في علم المنطق، فإنه لا ضرر يترتب على صياغتها على ما وضعه واضع العلم لا عقدي ولا فكري. الثاني والعشرون: أن ما قرره ابن تيمية من أن إفادة القياس لليقين مرجعه لمادة القياس دون صورته، وأوضحنا أن صورة القياس ملازمة لمادته، وهو اصطلاح فلا محظور فيه. الثالث والعشرون: بينت القول الراجح في خبر الواحد وأنه يفيد اليقين والعلم، وأجبت عن أدلة المخالفين وشبههم. الرابع والعشرون: استعمال ابن تيمية طريق الاستقراء في جميع النصوص وتصنيفها. الخامس والعشرون: أوضحت دعوى تعارض العقل والنقل، وبينت أنه يقرر عدم تعارضهما، وذكرت الأدلة على ذلك. السادس والعشرون: أن التقليد ليس طريقا للوصول إلى عقائد القلوب، لكنه من توصل إلى الحق عن طريقه لكونه لا يستطيع غير ذلك فإيمانه صحيح، وإن كان قادرا على الاجتهاد وتوصل إلى الحق عن طريق التقليد فهو آثم وإيمانه صحيح، وأنه طريق ليس بمأمون. السابع والعشرون: فساد الطرق التي استعملها المتكلمون في توحيد الربوبية، وتهافتها أمام مقاييس العقل الصحيح، ووجوب استعمال الأدلة من الكتاب والسنة وما يقتضيه العقل الصحيح المهتدي بهما. الثامن والعشرون: شمول مفهوم الألوهية للحياة كلها، وأهمية إدراك هذا المفهوم في حياة المسلمين.

стр. 1014

التاسع والعشرون: إن الألوهية هي عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بكل ما يعارض هذا المعنى، وقد قام على هذا المفهوم الكتاب والسنة والعقل الصحيح ولغة العرب، وإن ما ادعاه المتكلمون من أن معناها القدرة على اختراع باطل وله لوازم فاسدة تدل على بطلانه، ومن أهمها: تجويز عبادة القبور والأوثان والكواكب، لأنه –بمفهوم للألوهية- أخرجوا هذا المعنى عن مدلولها. الثلاثون: إن قوله سبحانه: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وهو دليل على التمانع في الألوهية، وإن ما ادعاه المتكلمون من أنها في التمانع في الربوبية باطل فاسد. الحادي والثلاثون: أن توحيد الألوهية أهم أنواع التوحيد وأعظمها، وهو الذي بعث الله الرسل به. الثاني والثلاثون: أن ابن تيمية سلفي العقيدة سليم المعتقد، وأن ما ذكر من دعوى موجهة إليه هي دعوى عارية عن الصحة، وقد أوضحت أسباب هذه الدعاوى. الثالث والثلاثون: أن الشبه الموجهة لمذهب السلف كلها شبه باطلة، لا حظ لها من الصحة. الرابع والثلاثون: تناقض المتكلمين في اعتقادهم في باب الأسماء والصفات، وعدم سلامة أدلة النفي عندهم، وأن كل واحد منهم ملزم لمخالفه بمذهب، وسلامة مذهب السلف من ذلك كله، لأنه جمع الحق الذي اعتقدته كل طائفة، ورد الباطل الذي عند كل طائفة. الخامس والثلاثون: أن مذهب السلف هو تفويض في الكيفية مع علم بمعاني الأسماء والصفات، وأنه ليس مذهب التفويض المطلق كما ادعاه من ادعاه من المتكلمين. السادس والثلاثون: أن مذهب السلف هو أولى بالإثبات لأنه المعبر عن العقيدة الإسلامية في نقائها وصفاتها، وأما المتكلمون فقد تأثروا بكثير مما نقل عن طريق الترجمة عن الأمم الأخرى. السابع والثلاثون: حرمة استعمال الألفاظ المجملة، وأنه لا يحكم على معناها بنفي أو إثبات حتى يظهر المراد منها، فيعرف إن كان حق أقر، وإن كان باطلا رد. الثامن والثلاثون: صحة طريقة ابن تيمية في الاستدلال على توحيد الأسماء والصفات. التاسع والثلاثون: أن الاتفاق بين صفات الخالق والمخلوق هو اتفاق في المسمى المطلق، ويسمى المطلق بشرط الإطلاق، وهو موجود في الأذهان لما فيما خرج عنها من الأعيان، ولا يلزم منه إثباته التمثيل الذي نفته الأدلة من الكتاب والسنة، وأن التشبيه الذي نفته الأدلة هو التشابه فيما يجوز ويجب ويمتنع، أي: التشابه في الخصائص. الأربعون: أن نفي التشبيه والتجسيم ليس طريقة صحيحة في النفي والإثبات، وكذا نفي النقص، وأن الطريق الصحيح هو نفي ما يضاد كمال الله تعالى الثابت في الكتاب والسنة، أو ما نفته الأدلة عنه تعالى كالسنة والنوم، وإن كانت كمالا في غيره. الحادي والأربعون: أنه لا يستدل في حقه تعالى بالنفي إلا تضمن إثبات ضده من الكمال اللائق بجلال الله وعظمته. الثاني والأربعون: سلامة مسلك ابن تيمية في آيات الصفات وأحاديثها. الثالث والأربعون: أن صفات الله وأسمائه ليست من المتشابه، بل يعلم معناها من حيث تعلم مدلولات لغة العرب، وأما كيفياتها فلا يعلمها إلا الله. الرابع والأربعون: صحة مسلك ابن تيمية حول نقض التأويل الكلامي وبيانه لما يترتب عليه من المفاسد. الخامس والأربعون: أن لوازم المذاهب ليست مذاهبا، وإن كانت دالة على فساد المذهب الملزوم لها. السادس والأربعون: سلامة ساحة ابن تيمية من التهم الموجهة إليه. وبناء على ما تقدم فإني أقترح الأمور التالية: أولا: إقامة مؤتمر للتعريف بفكر الإمام ابن تيمية، وأولى من يتبنى ذلك هو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لأنها ثمرة دعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب، والذي استقى كثيرا من أفكار دعوته من شيخ الإسلام ابن تيمية، لا سيما ما يتعلق بالعقيدة. ثانيا: أن تستغني كثير من الأكاديميات العلمية في كثير من أقطار العالم الإسلامي عن دراسة كتب المتكلمين إلا على طريقة النقد والمقارنة، وأن تدرس العقيدة الإسلامية من خلال الكتاب والسنة، وأن توزن جميع الآراء بهما. ثالثا: أن تهتم الأقسام العلمية في جامعات العالم الإسلامي بتدريس كتب ابن تيمية، حتى يتسنى لهم الاستفادة منها، والانتفاع بها، لا سيما في الدراسات العليا. رابعا: أن يتجرد الدارسون لأفكار العلماء عن كل مؤثر يوجه دراستهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وأن يكون منطلقهم من خلال الدليل الشرعي حتى يكون حكمهم صائبا صحيحا غير مبني على التقليد، وأن لا يحكم على الشخص إلا بعد دراسة متأنية لفكره وعقيدته. خامسا: أن نهتم في تدريسنا لكتب العقيدة بفك المصطلح العقدي، وتحليل الألفاظ العقدية، وذكر لأسباب الدعوى، لأن ذلك مما يعين على إظهار الحق ووضوح الفكرة المقررة. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 1015

موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن عامر الرحيلي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٥هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: معاملة المخالف وأهل البدع الخاتمة بعد أن من الله تعالى بإتمام هذا البحث، أحمد الله حمداً كثيراً على ما أنعم به وتفضل من إنهاء هذا البحث وجمع ما تيسر من شتات مسائله بعد تفرق في بطون الكتب، وتوضيح مشكلها، وشرح غامضها، بناء على ما دلت عليه النصوص وكلام السلف فيها. وقد كان من توفيق الله وتسديده أني توصلت من خلال دراستي لهذا الموضوع الهام (موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع) إلى نتائج مهمة تقرر منهج السلف الصالح في تعاملهم مع أهل البدع، في كثير من المسائل العقدية وقد بلغت هذه المسائل إحدى وعشرين مسألة جاءت موزعة على أربعة أبواب، وقد تقدمها – في المدخل – تقرير أربع مسائل في التعريف بالسنة وأهلها والبدع وأهلها والضوابط الشرعية المميزة لمنهج أهل السنة عن مناهج أهل البدع. وفي خاتمة هذا البحث أقيد أهم تلك النتائج المتحصلة من هذا البحث – على ما جرى عليه العمل في البحوث المعاصرة وتؤصله قواعد البحث الحديث – وها هو ذا عرض موجز بذلك: ١ - التعريف بأهل السنة وأنهم (هم المتمسكون بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما اتفق عليه الصحابة، والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا، ولم يخالفوا في شيء من أصول الدين، ويدخل فيهم عوام المسلمين المقتدون بهم). ٢ - بيان أن أهل السنة ليس لهم لقب يعرفون به إلا الإسلام وما دل عليه وأن ما اشتهر عنهم من أسماء (كأهل السنة والجماعة – والفرقة الناجية والطائفة المنصورة – والسلفيين) مستمدة من الكتاب والسنة. فبعضها ثابت لهم بالنص من الرسول ﷺ ، والبعض الآخر إنما حصل لهم بفضل تحقيقهم للإسلام تحقيقاً صحيحاً، وهي تخالف تماماً أسماء أهل البدع التي هي في الغالب مشتقة من أصل بدعهم، أو ترجع إلى الانتساب إلى الأشخاص الذين هم رؤوسهم في تلك البدع. ٣ - لا يبتدع أحد من أهل السنة ولا يحكم بخروجه من أهل السنة بمجرد خطئه، سواء أكان الاجتهاد في مسألة من مسائل العقيدة والتوحيد، أو في مسائل الحلال والحرام. ٤ - اتفاق أهل السنة على وجوب اتباع الكتاب والسنة، وطريق السلف الأول المشهود لهم بالخير والفضل، وتحريم البدع كلها وأنها كلها ضلال وهلاك، ليس فيها حسن بل هي مذمومة عند أهل العلم من أهل السنة وكذلك أصحابها مذمومون ممقوتون عندهم. ٥ - تعريف البدعة وأنها (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه). ٦ - أن للبدع تقسيمات متعددة باعتبارات مختلفة، فمن ذلك، تقسيمها إلى حقيقية وإضافية، وإلى عادية، وتعبدية، وفعلية وتركية، واعتقادية، وعملية، وكلية وجزئية، وبسيطة ومركبة، ومكفرة وغير مكفرة (وتفصيل ذلك في المبحث الثالث من المدخل). ٧ - تحديد الضوابط الرئيسة المميزة لأهل البدع، وذلك عن طريق تحقيق لفظ: (أهل الأهواء والبدع) وبيان المراد منه عند الإطلاق، وبيان ما تثبت به الشهادة على الرجل أنه من أهل البدع، وذكر علامات أهل البدع والتي من أهمها: (الفرقة، واتباع الهوى، واتباع المتشابه ومعارضة السنة بالقرآن، وبغض أهل الأثر، وإطلاق الألقاب على أهل السنة بقصد انتقاصهم، وترك انتحال مذهب السلف، وتكفير مخالفيهم بغير دليل). ٨ – التعريف بأصول فرق أهل البدع التي تفرعت عنها بقية الفرق وهي: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، والجهمية. ٩ – بيان موقف أهل السنة من تكفير أهل البدع وتفسيقهم، وأنه مبني على أصلين:

стр. 1016

الأصل الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر – عند النظر في مسألة التكفير – وموجب للفسق – عند النظر في مسألة التفسيق -. الأصل الثاني: انطباق الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم فيه شروط التكفير أو التفسيق وتنتفي موانعهما. ١٠ – أن تكفير السلف لبعض فرق أهل البدع كالجهمية، والقدرية المنكرين للعلم وغلاة الرافضة: هو من باب التكفير المطلق الذي لا يلزم منه تكفير كل أفراد تلك الفرق. ١١ – بيان موقف أهل السنة من لعن أهل البدع: وأن اللعن عندهم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: اللعن المطلق وهو اللعن بالوصف الأعم كاللعن بوصف دلت النصوص على اللعن به، وهي ثلاثة أوصاف: (الكفر، والفسق، والابتداع) أو بوصف أخص كلعن اليهود، والنصارى، والمجوس، وبعض الفرق المنتسبة للإسلام من أهل البدع. القسم الثاني: اللعن للمعين كقولك (لعن الله فلاناً .. وتسميه). أما اللعن المطلق: فجائز بمرتبتيه دلت على ذلك النصوص وكلام السلف وأما اللعن المعين: فحكمه محل اختلاف بين السلف، قسم منعه، وقسم أجازه في حق الكافر دون الفاسق، وقسم أجازه إن كان المعين مستحقاً للعن سواء أكان كافراً أو مسلماً، بمعنى أن يأتي بفعل ملعون عليه في الشرع وتتحقق فيه شروط اللعن وتنتفي فيه الموانع والقول الثالث هو الراجح والله أعلم. ١٢ – بيان موقف أهل السنة من حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله، وجملة مذهبهم في هذه المسألة: أن عمل المبتدع من حيث قبوله أو رده خاضع للضوابط المراعاة في قبول الأعمال عند الله على وجه العموم، فمتى ما تحققت فيه شروط القبول فهو مقبول – إن شاء الله – ومتى ما فقد أحد شروط القبول فهو مردود: فالمبتدع الكافر عمله كله مردود لفقده شرط الإسلام الذي هو شرط قبول كل عمل صالح. وأما المبتدع غير الكافر، فإما أن يكون عمله بدعة محضاً أو لا، فإن كان عمله بدعة محضا فهو مردود لفقده شرط المتابعة، وكذلك ما فقد من أعماله شرط الإخلاص فإنه مردود أيضاً، وأما إن كان لعمله أصل في الشرع فإما أن تدخل عليه البدعة أو لا، فإن لم تدخل عليه وكان خالصاً لله فهو مقبول. وإن دخلت عليه فإما أن تفسده – وذلك بإخلالها بشروط صحته – أو لا. فإن لم تخل بشروط صحته فهو وإن كان آثماً على ابتداعه إلا أن عمله مقبول. وإن أخلت بشروط صحته فهو مردود، والله أعلم. ١٣ - يان موقف أهل السنة من حكم قبول توبة أهل البدع: وأن توبتهم مقبولة عند الله إن استوفت شروط التوبة، لكنهم لا يوفقون للتوبة ولا تحصل منهم إلا قليلاً لكونهم يرون أن بدعهم من الدين فلا يتوبون منها ما داموا كذلك، بخلاف العصاة، فإنهم يعلمون مخالفتهم للشريعة فتسهل توبتهم من المعاصي وهذا معنى ما روي عن بعض السلف (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها). ١٤ - بيان موقف أهل السنة من الصلاة خلف المبتدع وأن الحكم في هذه المسألة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع، ونوع الصلاة المقامة خلفهم، فإن كان المبتدع كافراً لا تصح الصلاة خلفه لفساد صلاته في نفسه، لكن إن كان إمام جمعة، ولا يمكن أداؤها إلا خلفه فتؤدى خلفه ثم تعاد، وأما إن كان المبتدع غير كافر، وليس بداعية فتودى الصلاة خلفه، وإن أمكن أداؤها خلف العدل فهو أفضل، وإن كان المبتدع غير كافر وهو داعية لبدعته فتؤدى الصلاة خلفه أيضاً إن لم يمكن أداؤها إلا خلفه، وتكره الصلاة خلفه إن أمكن أداؤها خلف إمام عادل.

стр. 1017

١٥ – بيان موقف أهل السنة من مناكحة أهل البدع: وأن حكم مناكحة المحكوم بكفرهم من أهل البدع محرم على الإطلاق لكفرهم وارتدادهم عن الدين، فلا يجوز التزوج منهم ولا تزويجهم باجماع أهل السنة، وأما إن كان المبتدع غير كافلا فلا يزوج السنية لأنه غير كفء لها لكن يصح تزويجه منها مع الكراهة بموافقة المرأة وأوليائها، لأن الكفاءة حق لهما ويجوز لهما إسقاطه، وأما زواج الرجل من أهل السنة بالمرأة المبتدعة التي لم تبلغ ببدعتها حد الكفر فصحيح لأن الكفاءة إنما تشترط في جانب الرجل بأن يكون كفؤاً للمرأة لا العكس، لكن زواجه من المبتدعة هنا مكروه للمفاسد المترتبة على ذلك الزواج. ١٦ – بيان موقف أهل السنة من حكم أكل ذبائح أهل البدع: وأن الحكم في المسألة يختلف بحال المبتدع من حيث كفره ببدعته من عدمه، فإن كان كافراً فلا تؤكل ذبيحته. لدلالة النصوص وأقوال أهل العلم على تحريم ذبائح الكفرة والمشركين من غير أهل الكتاب. وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فذبيحته حلال للإجماع على حل ذبائح المسلمين، أما كونه مبتدعاً فلا تأثير له على حل ذبيحته ما دام مسلماً. ١٧ - بيان موقف أهل السنة من عبادة أهل البدع: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا تشرع عبادته إلا إذا غلب على الظن تحقق مصلحة من ورائها كاستجابة المبتدع إلى الدعوة إلى السنة، وتوبته من البدعة، أو تحقق بها أمر مشروع كصلة رحم، أو إحسان إلى جار، وأما إن كان المبتدع لم يبلغ ببدعته حد الكفر وهو مسلم فعيادته جائزة، بل عيادته من جملة حقوقه على المسلمين، غير أنه إن كان داعية لبدعته، فتترك عيادته من باب الهجر والعقوبة له لا لأن عيادته غير جائزة. ١٨ – بيان موقف أهل السنة من شهود جنائز أهل البدع: وأن المبتدع إن كان كافراً ببدعته فلا تجوز الصلاة عليه لعموم النهي عن الصلاة على الكفار والمنافقين والاستغفار لهم. وإن كان المبتدع غير كافر فالصلاة عليه جائزة بل مشروعة، لكن إن كان المبتدع داعية فيشرع ترك الصلاة عليه وذلك مقيد بثلاثة شروط: أ - أن يقصد بترك الصلاة عليه الزجر والتأديب لغيره عن مثل فعله لا أن الصلاة عليه غير جائزة. ب – أن يغلب على الظن تحقق تلك المصلحة وهي الانزجار عن مثل فعل الميت وإلا لم يكن ترك الصلاة عليه مشروعاً. ج – أن يوجد من المسلمين من يصلي على ذلك الميت، فإنه لا يجوز أن يجتمع المسلمون على ترك الصلاة على مسلم، وإن كان مبتدعاً بل لا بد من الصلاة عليه ودفنه. ١٩ – بيان موقف أهل السنة من توريث أهل البدع وإرثهم: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا يرث أحداً من المسلمين، ولا يرثه منهم أحد لقول النبي ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) وهذا إن كان المبتدع الكافر مظهراً للكفر معلناً له، أما إن كان مستتراً عليه، مظهراً للإسلام كفعل بعض أهل البدع الذين يخفون معتقداتهم ويلتزمون في الظاهر بعقيدة المسلمين فهؤلاء يحكم لهم بحكم أهل الإسلام، فيرثون أقرباءهم، ويرثهم أقرباؤهم، كما جرى عليه عمل النبي ﷺ وأصحابه مع المنافقين، فإنهم كانوا يجرون عليهم أحكام الإسلام في الدنيا من الموارثة وغيرها ما لم يظهروا الكفر والنفاق. ٢٠ – بيان موقف أهل السنة من بغض أهل البدع وإظهار عداوتهم: وأن من أصول أهل السنة بغض أهل البدع ومعاداتهم في الله، لخروجهم عن السنة وابتداعهم في الدين، وأنه ينبغي أن يظهر ذلك البغض وتلك العداوة على الجوارح من التصريح ببغضهم، ومعاملتهم بالغلظة والشدة، وقطع معونتهم والسعي في إبطال مقاصدهم أحياناً، وغير ذلك من الأساليب المظهرة للبغض والعداوة لهم.

стр. 1018

٢١ – بيان موقف أهل السنة من غيبة أهل البدع: وأن غيبة المبتدع إن كانت للتحذير منه جائزة في الشرع، على ما دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم، غير أنها مقيدة بثلاثة شروط: الأول: الإخلاص فيها. الثاني: أن يكون المبتدع المحذر منه مجاهراً بالبدعة معلناً لها فأما من كان مستتراً فلا تجوز غيبته ولا التشهير به. الثالث: أن يكون المبتدع المتكلم فيه حياً غير ميت، فإن كان ميتاً فلا تجوز غيبته، إلا أن يكون له كتب تقرر البدع وأتباع ينشرونها بعده فإنه يحذر منه. ٢٢ – بيان موقف أهل السنة من السلام على أهل البدع: وأن الحكم في المسألة يختلف باختلاف حال المبتدع من حيث كفره من عدمه، فإن كان كافراً فيحرم ابتداؤه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلم بأن يقال له: (وعليكم) حكمه في ذلك حكم الكافر الأصلي، وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فيسن ابتداؤه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلم، حكمه في ذلك حكم غيره من المسلمين، لكن يشرع ترك السلام على المبتدع الداعية وترك الرد عليه من باب الزجر والعقوبة، كما ترك النبي ﷺ السلام على بعض المخالفين والمحدثين من المسلمين لهذا الغرض. ٢٣ – بيان موقف أهل السنة من حكم مجالسة أهل البدع: وأن هجر أهل البدع وترك مجالستهم من أصول أهل السنة التي استفاض بها النقل عنهم في كتب السنة والاعتقاد واتفق عليها العلماء المقررون لمذهب أهل السنة من لدن عصر الصحابة إلى هذه العصور المتأخرة، ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد بقوله من أهل السنة، لكن ينبغي أن يعلم أن هجر المبتدع إنما شرع لمقاصد وأغراض شرعية فمتى ما حقق تلك الأغراض فهو مشروع، وإلا لم يكن مشروعاً بل قد يكون التأليف هو المشروع. ٢٤ – بيان موقف أهل السنة من احتقار أهل البدع وإذلالهم وترك تعظيمهم وتوقيرهم وأن احتقار أهل البدع وترك تعظيمهم من أصول أهل السنة التي دلت النصوص واجماع سلف الأمة على تقريره، وأن من صور تعظيم أهل البدع الواجب تركها والتي حذر العلماء منها: اطلاق الألقاب الحسنة المشعرة بالتعظيم عليهم، وتكنيتهم، والبشاشة في وجوههم وتقديمهم في المجالس، والتلطف معهم، ودعوتهم للطعام، وتهنئتهم واستعمالهم في الوظائف، ومشاورتهم، فيجب الحذر من كل ذلك. ٢٥ – بيان موقف أهل السنة من مجادلة أهل البدع: وأن المجادلة بوجه عام تنقسم إلى قسمين – على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية وكلام أهل العلم – مجادلة محمودة وهي: ما كانت لاثبات الحق أو دفع الباطل، أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل من المسائل. ومجادلة مذمومة وهي: ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كانت فيما نهى الله ورسوله عن المجادلة فيه كالمجادلة في المتشابه، وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس، كإظهار الفطنة والذكاء والعلم، مراءاة للناس، وطلباً لثنائهم أو لغير ذلك من المقاصد المذمومة كالعناد والتعصب للرأي. فمتى ما كانت من النوع الثاني فهي مذمومة منهي عنها. ٢٦ بيان موقف أهل السنة من عقوبة أهل البدع بالقتل وبغيره من أنواع التعزير: وبيان مشروعية هذه العقوبات عند أهل السنة، وأن لقتل أهل البدع مقصدين صحيحين: أحدهما: قتلهم ردة إن صدر منهم ما يوجب كفرهم وثبتت عليهم الحجة بذلك.

стр. 1019

والآخر: قتلهم دفعاً لفسادهم وحماية للناس منهم حتى وإن لم يحكم بكفرهم، مراعاة لمصلحة المسلمين العامة. وأما ما دون القتل من العقوبات فهي غير محددة، وإنما ترجع إلى اجتهاد ولاة الأمر في اختيار ما يرونه مناسباً من أنواع العقوبات الملائمة لحال المبتدع، وظروف الزمان والمكان. ولذا تعددت عقوبات السلف لأهل البدع: فمنهم من ضرب وجلد، ومنهم من سجن، ومنهم من غرب، ومنهم من حرق كتبهم وهدم بيوتهم إلى غير ذلك من العقوبات المنقولة عن السلف في حق أهل البدع. ٢٧ – بيان موقف أهل السنة من شهادة أهل البدع وأن أهل البدع ينقسمون بالنظر إلى قبول شهادتهم أو ردها إلى قسمين: قسم مجمع على رد شهادته وهو المبتدع الكافر ببدعته، أو من كان مستحلاً للكذب والشهادة بالزور لموافقيه. وقسم مختلف في قبول شهادته وردها وهو المبتدع المسلم الذي لم يحكم عليه بكفر ولا يعرف عنه استحلال الكذب، فذهب بعض أهل العلم إلى قبول شهادته مطلقاً، وذهب بعضهم إلى ردها مطلقاً، وذهب أكثر أهل العلم إلى التفريق بين الداعية وغير الداعية فأجازوا شهادة غير الداعية، وردوا شهادة الداعية من باب الزجر والعقوبة. وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى. ٢٨ – بيان موقف أهل السنة من رواية المبتدع: وأن المبتدع ترد روايته إن كان كافراً ببدعته على قول الجمهور، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك – وأما من كان مستحلاً للكذب في نصرة مذهبه، فلا خوف بين أهل العلم في أن روايته مردودة، وأما المبتدع غير الكافر فقد اختلف العلماء في قبول روايته على أربعة أقوال، ذهب بعضهم إلى ردها مطلقاً، وذهب بعضهم إلى قبولها مطلقاً إلا أن يستحل الكذب وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية وترك رواية الداعية، وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية إلا إن روى ما يقوي بدعته. والراجح من تلك الأقوال هو القول الثالث وهو قول الجمهور. ٢٩ – بيان موقف أهل السنة من تلقي العلم عن أهل البدع وحكم استخدامهم في التدريس: ونهى السلف عن تلقي العلم عن أهل البدع، وتنصيب أهل البدع مدرسين لأبناء أهل السنة خشية افتتان الدارسين بهم، ولأن ذلك فيه زجراً لهم وعقوبة عن الابتداع. وهذا في حال السعة، أما عند الضرورة فيجوز استخدامهم في التدريس كأن لا يمكن إقامة التعليم إلا بهم، أو ترتب على ترك استخدامهم مفسدة أعظم من مفسدة استخدامهم أو تحقق باستخدامهم مصلحة راجحة على مصلحة ترك استخدامهم. ٣٠ – بيان موقف أهل السنة من استخدام أهل البدع في الجهاد، وأن الحكم في هذه المسألة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع وظروف المسلمين. فتجوز الاستعانة بهم عند الحاجة إن كانوا حسني الرأي في المسلمين وتكره عند عدم الحاجة، وتحرم الاستعانة بهم مطلقاً إن كانوا معروفين بغش المسلمين وعدم النصح لهم. وبهذا اختم هذا البحث أسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن نفع به من يقرأه ويطلع عليه من المسلمين إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1020

موقف المسلم من الفتن في ضوء الكتاب والسنة المؤلف/ المشرف: حسين بن محسن أبي ذراع الحازمي المحقق/ المترجم: بدون أضواء السلف ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٠هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: فتن معاصرة أولاً: خلاصة الرسالة وأهم نتائجها: وأما عن خلاصة الرسالة وأهم نتائجها فهي كما يلي: ١ - أن الفتنة هي: الاختبار والابتلاء والامتحان، ويتلخص وينتج: أن لفظها من القرآن يأتي على وجوه كثيرة، وأنه له معانٍ شتى من أهمها: الشرك والكفر والابتلاء والضلال، والجنون والغدر والعذاب ... ٢ - أن منبع الفتن وبؤرها ومصدر ظهورها هو المشرق -وخاصةً العراق- وتاريخه أكبر شاهدٍ على ذلك. كما -نتج وتلخص- أن العراق هو المراد بالـ (نجد) المذكور في الأحاديث الثابتة. هذا وقد اتفقت كلمة شراح الحديث، وأئمة اللغة، ومهرة جغرافية العرب أن النجد ليس اسماً لبلد خاص، ولا لبلدة بعينها، بل يقال لكل قطعةٍ من الأرض المرتفعة عما حواليها نجد. ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها، كما توافق شرَّاح الحديث على ذلك. أن جهة المشرق -العراق- ممقوتة غير محمودة، ولذلك ضرب النبي ﷺ به المثل بقرني الشيطان، وأخبر أنه منبع الزلازل والفتن، ورأس الكفر وأساسه، ثم إن حاضره وغابره يدل على ذلك -وخاصةً العراق- والله أعلم. ٣ - كما يستنتج من فتنة التفرق والاختلاف ما يلي: أن الافتراق أشد أنواع الاختلاف. وأنه ليس كل اختلاف افتراقاً، بل العكس. وأن الافتراق لا يكون إلا على أصول الدين الكبرى. فافتراق هذه الأمة المذكور في الحديث بأنها (ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة) إنما يقع في أصول الدين الكبرى والاعتقاد، لا ما يقع في الفروع والاجتهادات الفقهية. ٤ - وأما عن نتائج فتنة القتال فهي كما يلي: أولاً: اقتتال المسلمين مع الروم -في آخر الزمان- وبيانه كالتالي: • أن هذه الملحمة العظمة لم تجيء بعد، وأن الروم لم يغزوا في البرِّ بهذا العدد المهول -المقدر بألف ألف- فهي من الأمور التي لم تقع بعد. • كما أن الروم يسلمون في آخر الزمان، ويكون فتح مدينة القسطنطينية -الفتح الأعظم والأخير- على أيدي طائفةٍ منهم مع جيش المسلمين. • ويكون انتصار المسلمين عليهم تهيئة لفتح مدينة القسطنطينية -المعروفة اليوم بتركيا- الفتح الأعظم والأخير، الذي قبل خروج الدجال في آخر الزمان وفتحهم لها يكون بدون قتال، وسلاحهم فيها التكبير والتهليل. • وأما فتح الترك لها الذي كان قبل عصرنا هذا، فإنه كان تمهيداً للفتح الأعظم. ثانياً: فتن القتال التي تسبق اقتتال المسلمين مع الروم. فقد ورد في الأحاديث ما يفيد قتال المسلمين مع الترك والعجم قبل قتالهم مع الروم، وورد فيها اشتراك الترك والعجم في الصفات الخلقية، ويمكن أن يجاب بأن الحديث الوارد في صفات العجم غير حديث قتال الترك. ولا مانع من اشتراك الصنفين في الصفات المذكورة مع اختلاف الجنس. ويجتمع منهما أنهما طائفتان أُنذر بخروجهما. ٥ - وأما موقف المسلم من الفتن، وما يجب عليه تجاهها فهو كالتالي: • إن أول تلك المواقف فيما يجب عليه تجاه الفتن، هو الاعتصام بالكتاب والسنة. • وثانيها: تقوى الله وملازمة عبادته. • كما يجب ويتأكد آنذاك الالتزام بجماعة المسلمين من أهل السنة والجماعة. • وأما قضية اعتزال الفتن وترك القتال فيها، فإن أهم نتائجها -بعد بحثها الطويل- ما يلي:
следующие страницы →