Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مكافحته
المؤلف/ المشرف: أسطيري جمال
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: تصحيف ومصحفين
الخاتمة
في هذه الخاتمة نختصر ونعتصر أهم النتائج التي توصلنا إليها في بحثنا هذا، ونذيل ذلك ببعض التوصيات التي نرفعها إلى كل مشتغل بعلم الحديث، وإلى الهيئات والمؤسسات التي تعمل على طبع وتحقيق التراث الإسلامي فنقول في:
أـ النتائج:
• التصحيف ظاهره لم يسلم منها أحد، بل وقع فيها كبار المحدثين والسبب في ذلك أن علم الحديث علم يعتمد النقل والسماع، وكلاهما يخطئ. غير أن نسبة الخطأ تقل في الرواة المحققين الذين تمرسوا بصناعة الحديث وتفرغوا لضبطه ومهروا في إتقانه عن الشيوخ الموجودين العارفين بعلم الحديث رواية ودراية.
• وقوع التصحيف من الأئمة المتبوعين أشد خطراً وأعظم ضرراً، وذلك لأن أتباعهم قد يفرعون ويخرجون المعاني على تلك الألفاظ المصحفة، وهذا كله من ضرر التقليد.
• لم ينعقد إجماع على العمل بنص مُصّحَّف، وهذا يدل على عناية الله بحفظ هذه الشريعة السمحة، كما يدل على العناية التامة التي بذلها المحدثون في الذب عن السنة والسعي في الحفاظ عليه لفظاً ومعنى.
• يكاد يندر أو ينعدم وجود تعمد التصحيف من طرف بعض الرواة، إلا ما ورد عن الشيعة في تصحيف قوله ﷺ : "لا نورث ما تركنا صدقة"ـ وقد سبق الكلام عليه.
وعدم تجرؤ الرواة على تعمد التصحيف مما يُتَعجَّبُ منه، فإن تعمد الكذب من طرفهم عن الرسول ﷺ جائز وواقع. وهو أقبح وأعظم ضرراً.
• التصحيف علة تقدح في الحديث سنداً ومتناً وفي بيان ذلك نقول:
للتصحيف أثر بالغ في قبول الأحاديث وردها أو في التوقف في الحكم عليها.
التصحيف علة تقدح في المتن من حيث الاحتجاج باللفظ المصحف في الأحكام الشرعية.
• التصحيف الحاصل في أسماء الرواة أدى إلى الجمع والتفريق في أسماء الرجال.
• قد يقع التصحيف في أسماء الرواة أو في صيغ التحديث في الإسناد، فيترتب على ذلك استدراك رواة ـ زوائد ـ لا حقيقة ولا رواية لهم إطلاقاً.
• التصحيف سبب من أسباب الخلاف الفقهي، ولم أر من ذكر ذلك ممن ألف في أسباب الخلاف الفقهي، ولعل السبب في ذلك قلة المسائل المختلف فيها بسبب التصحيف.
• أهمية الوقوف على النسخ المتعددة من أي كتاب يراد تحقيقه، وذلك حتى لا نعزو التصحيف إلى مؤلف الكتاب بينما قد يكون ذلك من الناسخ، فكم هي التصحيفات التي تسبب فيها طبع بعض كتب الحديث اعتماداً على نسخة واحدة وقع فيها التصحيف من الناسخ!
فالباحث الذي يعتمد عند التحقيق عدة نسخ، يقوم من خلالها بالمقابلة والمقارنة، لا يثبت حرفاً ارتاب فيه إلا بعد أجراء علمية استقراء للنسخ المتوفرة من الكتاب الذي يحققه.
• معظم التصحيفات ذات الأثر البالغ التي ترتبت عليها أحكام فقهية أو حديثية، وقعت بعد العصور الأولى للرواية، تلك العصور التي التزم فيها ناقلو الأخبار وحملة الآثار شروط وآداب التحمل والأداء.
• وهذا يدل على أن تلك القوانين التي وضعها المحدثون لتلقي العلم وروايته قد حققت نتائج هامة وفوائد تامة، ولهذا ندر التصحيف في عهد الصحابة. وكلما ابتعدنا عن تلك العصور الأولى ـ عصور الروايةـ ابتعدنا عن التزام آداب الرواية وتأثرنا بالمناهج التربوية الغربية فجاز علينا التصحيف ووقع فينا وكثر التحريف.
أما ما وقع من تصحيفات في عصور الرواية فأغلبه يرجع إما إلى سوء السمع، وقد تحدثنا في الباب الأخير من هذا البحث عن سبيل الوقاية من سوء السمع عند المحدثين عندما تحدثنا عن وسائل الأداء. كما يمكن أن يرجع التصحيف إلى الأخذ والتحمل عن الكتاب وقد حذر المحدثون من ذلك.
ب ـ التوصيات:
• ضرورة أخذ وسماع الحديث عن الشيوخ والعلماء الذين لهم عناية تامة بتحقيق ألفاظه وضبط أسماء رواته، فإن في ذلك تجويداً له وتيسيراً وتقريباً لطالب العلم.
• ضرورة إعادة طبع كثير من كتب الحديث التي نشرت من غير تحقيق علمي يعتمد ويلتزم منهج المحدثين في تحقيق النص الحديثي وفق ما أشرنا إليه في الباب الأخير من هذا البحث.
• تأسيس مجلس علمي يُعْنَى بتحقيق التراث الإسلامي يتكون من العلماء المحققين في علم الحديث، توكل إليهم مهمة التحقيق والطبع والإشراف على طبع كتب الحديث ومراجعة ما ينشر في العالم الإسلامي في علم الحديث وتقويم أعمال المحققين.
стр. 1087
التعديل والتجريح
المؤلف/ المشرف: سليمان بن خلف أبو الوليد الباجي
المحقق/ المترجم: أبو لبابة حسين
الناشر: دار اللواء ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٦هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: جرح وتعديل
الخاتمة
وبعد، فإن هذا الكتاب "التعديل والتجريح" للقاضي أبي الوليد الباجي سَيَمْلأُ فراغاً يستشعره كلُّ من داوم النظر في علم الرجال وَثَافَنَ مُصَنّفاتِهم، من علماء الحديث وفي الوقت نفسه سَيَدْعَمُ ثقتنا المطلقة بالإمام البخاريّ الذي أذعن له علماءُ عصره بالفضل، وشهد له علماء الأمّة بالسبق، وأجمعوا على أنّ صحِيحَه أَصَحُّ كتاب عبد كتاب الله، حيث يُفْْصِحُ كتاب التّعديل والتّجريح عن مكانة رواة الجامع الصّحيح العلمية، وعن أمانتهم وتمام ضبطهم وتقواهم وصلاحهم، مِمَّا يجعل هذا الصحيح فوق مستوى الشبهات ويجعل رجاله وَبِلا ـ استثناء ـ ممن اجْتَازُوا القنطرة على ملحظ بعض النُّقَّاد كما جاء ذلك في هدي الساري.
فهذه الرسالة أضافت كتاباً من كتب الرجال استوعب أَهَمَّ ما في الكُتُبِ السابقة في تاريخ الرجال وقواعد الجرح والتعديل، والذي يُضْفي عليه هذه الأهمية، قُدرة الباجي على استغلال مصادره. لما يتمتع به من ذهنية نَيِّرَة تستخدم المنطق والعقل القائمين على العلم في قبول ما تقبله وردّ ما تردُّه، فهو كتاب خالٍ من التعصّب والغلوّ والإِسْفاف.
وهذا الكتاب ولئن كانت بَعضُ تراجمه مختصرة غير مُجْزِيَة، فإنَّ أغلب تراجمه الأخرى يمكن الاستفادةُ منها استفادةً كاملةً، سِيَّمَا بعد التعليقات والملاحظات التي أضفتها في هوامش الكتاب.
والطريف الذي يتميز به الباجي في معالجته لمسائل الحديث هو المنزع العقلي، ففي مبحث تصحيح الأحاديث وتصنيفها يرى أنّ الطريق إليه الاجتهاد وإعمال الرأيّ. ودليله: أن البخاري أخرج أحاديث اعتقد صحّتها لم يخرجها مسلم لاعتقاده فيها غير ذلك.
ولا شكّ أن أبا الوليد الباجي لا يعني بقوله (لاعْتِقَادِهِ فِيهَا غير ذلك) أنّ هذه الأحاديث غير صحيحة، وإنما يعني أنّها لم تبلغ أعلى درجات الصحة سيّما والأمر متعلق بأنقى صورة للعدالة وأتم حالة للضبط، وهما من المقولات بالتشكيك، حيث لا توجد معايير مَادِّيَّة دقيقة يُحْتَكَمُ إليها في تحديد مَدَى قُوَّتِهما وضعفهما، فضلاً عن هذا فإنَّ العُلماء قد يختلفون حول الحديث الواحد فمنهم من يُصَحِّحُه ومنهم من يُضَعِّفُهُ وذلك:
(أ) لاختلافهم أحياناً حول اجتماع شروط القبول في الحديث أو عدم اجتماعها.
(ب) لاختلافهم في اشتراط بعض صفات القَبُول.
أما عملية تصحيح الأحاديث أو تحسينها أو تضعيفها فيرى الباجي أنَّ بَاب الاجتهاد في هذا الأمر ليس حِكْراً على قوم دون آخرين، وإنَّما هو مفتوح للجميع وفي كل الأعصار على أن يكون المُتَصَدِّي لذلك من أهل العلم بالحديث وعلومه، أمّا من لم يكن من أهل العلم فعليه تقليدُ العلماء كالبخاريّ ومسلم ومالك وغيرهم فيصَحِّحُ ما يُصَحِّحُونَ وَيُحَسِنُ ما يُحَسِّنُون، ويتوقف فيما يسكتون عنه.
كما أنَّ هذه الرسالة تقدّم لأول مرة أبا الوليد محدثاً، عَالِماً بالحديث فَحْلاً في شرحه له، عارفاً بمصطلحاته وبفنونه المتشعِّبة وبخاصة الجرح والتعديل.
стр. 1088
وهي تصور كذلك أبا الوليد الباجي عالماً من علماء الإسلام الأفذاذ الذين خاضوا غمار الحياة السياسية والاجتماعية المتردّية بشجاعة فلم يَسْتَكِنْ لليأس أمام قتامة أفق المستقبل لمسلمي الأندلس، فقد شَقَّ طريقَهُ وَسَطَ أدْغَالٍ من الفتن والانقسام والتدلّي، واستطاع أن يَحْتَلَّ مكانة سامية عند مُعاصريه لعلمه وفضله، وهو ولئن أخفق في رَدّءِ الصُّدُوع والشروخ في البناء السياسي للأندلس المُخَضَّدة بانحذال قادتها ملوك الطوائف من المغامرين المتهافتين على السلطة وبتآمرهم وتعاونهم مع أعدائهم اللَّدودين من نصارى الشمال الذين استشرى شرُّهُم واستعر شَرَهُهُم فراحوا يَتَنَقَّصُونَ البلادَ الإسلامية من أطرافها كَتَوْطِئَةٍ لابتلاعها وَإِسْدَالِ ستار النصرانية عيها نهائياً، فإنَّهُ نجح في مهامّ القضاء ونشر العلم والمنافحة عن العقيدة ضدّ المتطاولين عليها من أساطين الكنيسة بالأندلس وفرنسا، بالعلم القاهر والبيان الغلاّب والحُجَّة المفحمة الآسرة.
كما تُوقفنا هذه الدراسة على بعض ملامح عصر الطوائف الذي كان صوتُ المجون واقتراف الذنوب ومُوالاة الكافرين وانتهاك شريعة الإسلام فيه عالياً، غلب على صوت الحكمة مُمَثَّلاً في دعوة صالحي علماء الإسلام إلى لزوم الشرع ونبذ الخلافات وتوحيد الصف لِرَدِّ العدوان، وكان انهزامُ صوت الشرع انهزاماً للأمّة وقضاء على عِزَّتَها ووجودها، وهي أحداث تجعلنا نوقن بحقيقة أن كل تَقَدُّمٍ علميّ وازدهار ثقافي يصبح غير ذي موضوع مَا لم يدعمه التزامٌ بالإسلام، وإنّ عِزَّة المسلمين في التزام شريعتهم، وكُلّما ابتعدوا عنها شِبْراً جانبهم التوفيقً ذِرَاعاً.
وثَمَّتَ ملاحظة جديرة بالتذكير بها وهي أنّ عدد الرواة المذكورين في كتاب الباجي لا يمثّل العدد الحقيقي للرواة الذين روى لهم البخاريّ في صلب الجامع الصحيح، حيث تكرر ذكر بعضهم كما أنه ﵀ ذكر أقواماً لم يَرْوِ عنهم البخاري وإنَّما ذكرهم تبعاً لذكر بعض كبار النُّقَّاد لهم فضلاً عن كون الباجي قد ترجم لبعض الرُّواة الذين روى لهم البخاري متابعة أو استشهاداً، وأغفل الترجمة لبعضهم الآخر.
والباجي ﵀ ولئن كان مُحِقًّا في عدم ترجمته للأعلام غير الرُّواة الواردة أسماؤهم في مُتُون الجامع الصحيح للبخاري، وفي تراجم أبوابه، فإن العناية بالتعريف بهم، وبترتيبهم حسب منهج مُعَيَّن، حتّى تسهُلَ الاستفادة منهم، يَبْقَى أمراً حَرِيًّا بالعناية، سيما وشيخُ الإسلام ابن حجر العسقلاني قد قطع شوطاً هامًّا في هذا المضمار، في موسوعته الخالدة فتح الباري.
وأخيراً لعلَّ هذا العمل ـ مع أمثاله من الأعمال العلمية المتعلقة بالرواة يكون لَبِنَةً في بناء موسوعة جامعة للرجال الثقات، بعد أن تُسْتَوْفى دِرَاسَتُهُم من جميع الجوانب الضرورية في التعريف بهم وبعلمهم وعدالتهم وذكر تلاميذهم وشيوخهم، وتواريخ وِلاَدَتِهم ووفياتهم ولا شكّ فإنّ الاستفادة من هذه الموسوعة تكون أكبر لويتم ترتيب رواتها على الحروف الهجائية وعلى تواريخ الوفيات معاً.
стр. 1089
العدالة الدينية في الرواية الحديثية (الإضافة - دراسات حديثية)
المؤلف/ المشرف: محمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - الخبر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: جرح وتعديل
الخاتمة
وتشتمل على أهم نتائج الدراسة، وهي التالية:
١ـ تحقيق حدّ العدالة. وأنها غلبة الخير على الشر في الرّاوي. وبيان عدم استقامة تعريفها بأنها: "ملكة تحمل على ملازمة التقوى .. ".
٢ـ بيان أنواع العدالة، مع الإشارة إلى أن أنواع الجهالة عند ابن الصلاح، مبني على أنواع العدالة المذكورة.
٣ـ ذكر مذاهب العلماء في مسألة: هل الأصل في المسلم العدالة؟، وحجة كل قول، ومناقشتها، وترجيح أنه لا يطلق القول بأن الأصل العدالة وأن المسلم عليها حتى بعد البلوغ، أن الأصل عدمها. وأن الصواب: أن الأصل في المكلف من أهل الإسلام حين البلوغ هو العدالة، ولا يحكم له ببقائها، ولا بنفيها عنه إلا بعد تبين حاله، فينظر هل بقي عليها أو لا!!
٤ـ بيان أثر العدالة الدينية في الراوي من جهة كيفية ثبوتها، واختلاف العلماء في ذلك.
٥ـ تحرير أنّ الصواب ـ إن شاء الله تعالى ـ في الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذّرت الخبرة الباطنة بهم، أنه يكتفي في معرفة حالهم بالنسبة للعدالة الدينية بما يلي:
ـ القرائن الظاهرة التي ترجح جانب العدالة الدينية الباطنة. (الاكتفاء بالعدالة الظاهرة في الراوي).
ـ اعتبار حاله من الضبط.
٦ـ بيان أثر العدالة الدينية في الراوي من جهة محترزاتها.
٧ـ تحرير أن رواية صاحب البدعة إذا كان مجتهداً متأولاً غير معاند، ولا ضال، إنها لا ترد بسبب البدعة، إنما ينظر فيها من جهة الضبط، سواء كان داعية أم لا!
٨ـ تحرير أن رواية صاحب البدعة الذي ظهر عناده وضلاله واتباعه للهوى وتقديمه له على الأدلة الشرعية، إنه ساقط العدالة والضبط. وأن وصف العناد والضلال واتباع الهوى في أصحاب البدع الدّعاة أغلب.
٩ـ بيان أنّ الذين قبلوا رواية أصحاب البدع بشرط أن لا يكونوا دعاة، وردّوا رواية الدّعاة منهم، إنما لاحظوا غلبة العناد والضلال واتباع الهوى فيهم.
تمت ولله الحمد والمنة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
стр. 1090
المحجة البيضاء في الدفاع عن منهج النقد عند المحدثين القدماء
المؤلف/ المشرف: جاسم بن محمد بن علي آل علي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: منهج النقد عند المحدثين - سند ومتن
الخاتمة
نرجو أن نكون قد قدمنا للقارئ الكريم رؤية واضحة تعينه على معرفة مواضع الخلاف ونقطة التباين بين المنهج الذي ندعو إليه وبين المخالفين مثل الزهراني وغيره الذين تبين من خلال ردودهم سوء الفهم الذي ينطلقون منه في تشويه دعوة شيخنا المليباري ومن نحا نحوه من العلماء الأفاضل – حفظهم الله – والتي هي في حقيقتها دعوة تجديدية لمناهج السلف من أهل الحديث وإحياء لعلومهم وآثارهم. وها قد رأيت أيها القارئ الكريم كيف أن الشيخ حمزة بريء مما وسمه به الزهراني، وأن ما أثاره الزهراني من شبه سود بها كتابه ما هي إلا أوهام وأباطيل ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾.
كما تبين من خلال مناقشتنا لكتابه (نقد المجازفات) الأمور التالية:
١. مدى تخبطه والانحراف عن جادة الصواب فيما تعقب به شيخنا المليباري.
٢. وأن الشيخ حمزة بريء من مقولة عدم اعتماد ظواهر الإسناد في التصحيح والتعليل وعدم حجية خبر الواحد وغير ذلك من الأقوال التي اتهم بها زورا وبهتانا.
٣. وأنه ليس ثمة انتقاص من العلماء المتأخرين ولا هضم لحقوقهم، بل المسألة داخلة في باب الاجتهاد والنظر واستدراكات علمية بحتة.
وإني لآسف حين أرى هذه الهجمة العنيفة على هذه الصحوة العلمية المباركة في علوم الحديث، فنحن لا نطلب أكثر من أن يراجع المتأخرون ما استقرت عليه مناهجهم وتخريجاتهم الحديثية ليتبين لهم مدى الخطأ والصواب الذي وقعوا فيه عند مخالفتهم للمتقدمين من النقاد والمحدثين، لأني أعتقد بأنه ما من أحد من المشتغلين بهذا العلم في هذه الأعصار يتريث قليلا ويراجع ما استدرك عليه بتجرد وإخلاص إلا واستبان له طريق الهدى والسبيل الذي لا محيد عنه في دراسة علوم الحديث على ضوء المنهج الذي كان عليه سلفنا الأوائل رضوان الله عليهم.
ولا يفوتني أن أشكر أخانا الفاضل سامي بن حمدان (أبو خالد) الذي لم يأل جهدا في إسداء النصيحة لنا وإرشادنا إلى كثير من الفوائد العلمية التي كانت لنا عونا – بعد الله تعالى – في إخراج رسالتنا على هذا النحو من البيان على وجازتها. ولأخينا سامي بن حمدان رسالة أخرى في الرد على الزهراني قطع فيها شوطا طويلا وإلى الآن لم يتم الفراغ منها، وسيجد القارئ فيها – إن شاء الله تعالى – شرحا مطولا ومناقشة للنقاط التي تطرق لها الزهراني بشكل موسع، وهي رسالة قيمة جدا كما يظهر من الجزء الذي اطلعت عليه منها، وكأن رسالتي هذه مقدمة بين يدي كتابه الذي نسأل الله تعالى أن ييسر إتمامه وإخراجه على أكمل وجه.
وأخيرا هذا ما رأيناه في الرد على الزهراني وتفنيد شبهاته، فما كان من خطأ ونقص فالكمال لله ﵎، وما كان فيه من صواب فالحمد لله على منه وتوفيقه، هذا وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1091
المنهج الحديثي عند الإمام ابن حزم الأندلسي
المؤلف/ المشرف: طه بن علي بوسريح
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
الخاتمة
بعد دراستي لبعض الفهارس الأندلسية والكتب التي اهتمّت بتراجم المغاربة، توصّلت إلى الوقوف على العديد من الشيوخ المحدثين الذين أثّروا في شخصية ابن حزم المحدث. كما وقفت على طائفة من مؤلفاته مما ذكرها من ترجم له والتي ذكرها هو في كتبه مع ذلك أغفل ذكرها من اهتّم بابن حزم من المعاصرين لا سيما وفي هذه المؤلفات جملة كبيرة ذات موضوعات حديثية.
١ـ بيّنت مدى عطاء المدرسة المغربية في الميدان الحديثي من خلال التعّرض لأهم المشاركين في النهضة العلمية، منذ نهاية القرن الثاني إلى قريب من عهد ابن حزم. فأظهرت بذلك جوانب من التاريخ العلمي لا تزال تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة.
٢ـ ذكرت آراء العلماء حول ابن حزم وأوجه الانتقادات الموجهة له فحاولت التوفيق بين من أفرط فيه القول وتعصب ضدّه، وبين من نافح عنه وقدّر علمه.
٣ـ حاولت بيان آرائه الحديثّية، والكشف عن القواعد التي تبّناها، والتي سار وفقها في رواية الأحاديث. ووضعت تلك الضوابط في ميزان النقد فذكرت مواقف العلماء من آرائه وأبرزت مدى مخالفته جمهور المحّدثين في بعض المسائل وأشرت إلى أنّه لم يخل من تأثر بمذهبه الظاهري في ذلك مثل قوله ببطلان الرواية بالإجازة. وتبين لي أنه متأثر بالاتجاه المغربي في مثل قوله بعدم التفريق بين التحديث والإخبار حين الرواية أو بين صيغة الإفراد وصيغة الجماعة.
٤ـ وتبيّن لي أن ابن حزم كان يوافق جمهور المحدثين في الرواية تارة مثل قوله في عدم الاحتجاج بالمرسل وردّه مطلقاً ـ ومخالفتهم تارة أخرى مثل عدم احتجاجه في الرواية بالإجازة وردها دون تفصيل بين أنواعها. كما أنه قد يوافق طائفة من علماء الحديث ويخالف طائفة أخرى مثل قوله في الرواية بالمعنى وتشدّده في وجوب التعبير بلفظ الحديث كما سمع.
٥ـ أوضحت عن جوانب التشدّد التي عرف بها ابن حزم مثل كثرة ردّه للأحاديث التي كان ضعفها يسيراً أو محتملاً وبينت أنّ الضعيف عنده مرتبة واحدة وأنه من قسم المردود غير المعتبر. كما اتضح لي أنه لا يقول بالحديث الحسن لذاته ولا لغيره فالضعيف لا يتقوى عنده بالطرق والشواهد. فالرواية عنده قسمان فقط صحيحة مقبولة أو ضعيفة مردودة. وهذا ما جره إلى الوقوع في كثير من الأخطاء استدركها عليه نقّاد المحدثين الذين جاءوا بعده فعابوا عليه التسرع في الحكم على الأحاديث دون استيعاب طرقها وألفاظها وفحصها الفحص الجيد.
٦ـ تبين من خلال حديثي عن منهجه في الجرح والتعديل أنه من المتشدّدين بل إنه من المبالغين في الجرح لأدنى سبب حتى صار عرضةً لانتقادات من جاء بعده من العلماء الذين تتبعوا أحكامه في الرجال وأبانوا عن كثير من المزالق التي وقع فيها هذا المحدث. كما بيّنت أنه قد أكثر من تجهيل الرواة وهذا ما يجعل الباحث يتأنّى في الحكم على حديث معين إذا وجد فيه كلاماً لابن حزم في أحد رواته، ولا بدّ من مراجعة أقوال غيره من علماء الجرح والتعديل قبل إصدار حكم في ذلك.
٧ـ بدا لي ابن حزم غير منضبط في تطبيق قواعده النقدية مثل عدم اعتداده بجهالة الصحابي إذا صح السند إليه واعتبار ذلك الحديث من قسم المردود مع أنه قد قبل بعض المرويات التي لم يصرح فيه باسم الصحابي.
٨ـ إن لابن حزم منهجاً معيّناً في تعليل المرويات يخالف منهج جمهور المحدّثين مثل رأيه في عدم التضعيف بالاضطراب وقوله في تبرئة الراوي الثقة من الخطأ في أغلب الأحيان ...
٩ـ إن نقد ابن حزم للمرويات لم يكن مقتصراً على السند فقط بل إنّ له مشاركة قوية في نقد المتن ما يجرّني إلى القول أنه لم يكن ظاهرياً صرفاً في المجال الحديثي كما قد يظنّه بعض من لا يعرفه.
١٠ـ كان لابن حزم الأثر الواضح في بعض علماء الحديث الذين أتوا من بعده مثل الحافظين عبدالحق الإشبيلي وابن القطّان الفاسي لا سيما الثاني منهما فقد تبنى عدة قواعد حديثية نصّ عليها ابن حزم وطبقها مما يفتح باباً للباحثين حول مزيد الدراسة والبحث والمقارنة ومتابعة المسيرة التاريخية للحديث في المغرب العربي عامة وفي الأندلس خاصة.
١١ـ وأخيراً، فهذا جهد المقلّ فما كان من صواب فهو من الله تعالى وما كان من خطأ فمنّي ومن الشيطان، والحمد لله أولاً وآخراً.
стр. 1092
اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندا ومتنا
المؤلف/ المشرف: محمد لقمان السلفي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٨هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: أصول تخريج وتصحيح وتضعيف وجرح وتعديل
الخاتمة
سوف أستعرض في الصفحات القادمة أهم المباحث التي تطرقت لها في هذه الرسالة وأذكر إن شاء الله في نقاط متسلسلة، النتائج التي وصلت إليها من خلال هذه الدراسات، حتى يتبين للقارئ الكريم ويتضح لكل منصف أن المحدثين الكرام سلكوا جميع السبل الممكنة، واستخدموا كل الطرق العلمية التي يمكن أن تخطر على قلب بشر استخدامها، لحفظ السنة النبوية، وتمييزها مما ليس منها من المفتريات والأكاذيب، واهتموا بنقد المتن تماماً كما اهتموا بنقد السند، من دون أي تفريق بينهما، حتى جاءت السنة نقية صافية لا يعتريها شك. وصدق الله سبحانه إذ قال: ?إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون?. فقد حفظت السنة النبوية بحفظ الله إياها وبتهيئته سبحانه لها أولئك الأئمة والمحدثين والرواة الذين أفنوا أعمارهم في سبيل حفظها.
١ـ ذكرت في المقصد الأول من المدخل، أن البوادر الأولى لنقد الحديث ظهرت من عصر الرسول ﷺ . حيث أمر ﷺ بالتثبت في الأخبار، وخوّف من النتائج الوخيمة للكذب عليه ﷺ . بل ثبت أنه ﷺ جرح وعدل، والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين تبعوه ﷺ من بعده وتحروا في قبول الأخبار ولم يقبلوا أي حديث منسوب إليه ﷺ إلا بعد التثبت من صحة الخبر.
٢ـ فلما ظهرت الفتن في عهد صغار الصحابة، والتي كانت بداية مشئومة للكذب عليه ﷺ ، جاء التشديد في قبول الحديث أكثر، واتخذت التدابير الممكنة لمنع تسرب الكذب إلى أحاديث الرسول ﷺ وبدأوا يسألون عن الإسناد. واشتهرت جماعة من الصحابة بالكلام في الجرح والتعديل.
٣ـ فلما جاء دور كبار التابعين، برز فيهم جماعة في تتبع طرق الحديث وانتقاء الرجال وجرحهم وتعديلهم. ومقارنة الأحاديث بعضها ببعض حتى يظهر الصحيح، ويتميز مما ليس من السنة النبوية.
٤ـ ومن طبقة التابعين، أخذ هذا العلم كبار أتباع التابعين وصغارهم وسلكوا مسلكهم في حفظ الحديث وتنقيته والقدح في الضعفاء، واشتهر منهم أئمة في هذا الفن، وجعلوا من حياتهم غاية لحفظ السنن النبوية، أمثال مالك والسفيانين وشعبة ويحيى القطان وغيرهم.
٥ـ هؤلاء الأئمة تكلموا في الرجال وجرحوا وعدلوا من عدلوا، وذكروا ضوابط للجرح والتعديل، فظهرت التقعيدات العامة لفن الجرح والتعديل.
٦ـ ثم جاء دور النقاد المحدثين الذين كانوا من بلدان مختلفة ومن جماعات متنوعة، فأخذوا علوم مشايخهم وجمعوا كل هذه العلوم وغربلوها فوُجد علم أسماء الرجال. وعلم نقد الحديث سنداً ومتناً. كما وجدت علوم أخرى مساعدة، حتى أصبح نقد الحديث علماً متكاملاً، له قواعده وأصوله لدراسة ركني الحديث (السند والمتن).
٧ـ وقد أثبتُّ بالأدلة أن علم نقد الحديث الذي توارثه المحدثون من أسلافهم بدأت كتابتها مع بداية كتابة الحديث كتعليقات وحواشي في كتب الحديث ثم مرت بمراحل، حتى انفصلت وأصبحت تُدَوَّن في كتب مستقلة. ولكن بعض هذه الكتب ضاعت، كما يشير إليه كتب المصطلح الموجودة التي تروي لنا الآراء النقدية لأولئك الأئمة وأقوالهم في الجرح والتعديل وذكرهم للعلل في الأسانيد والمتون.
٨ـ كما أثبتُّ أن نقد الحديث اعتمد على أمرين أساسين: دراسة حال الراوي ودراسة حال المروي. وأن منهج نقد المحدثين كان منهجاً شاملاً دقيقاً، لم يدع جانباً من جوانب الحديث سنداً ومتناً. إلا وقد اعتنى به.
стр. 1093
٩ـ وأثبت بالأدلة العقلية: أن نقد السند أهم من نقد المتن، وأن فكرة الاعتماد على النظر في المتن واحدة، فكرة أثبتت التجربة أنها خاطئة، وأن نقد الأسانيد له اتصال وثيق بنقد المتن.
١٠ـ وأنّ المحدثين لم يخطوا خطوة في مسائل النقد، إلا وكان العقل مسايراً لهم ومؤيداً لقواعدهم النقدية.
١١ـ ثم ذكرت أهم القواعد التي وضعها النقاد لنقد الراوي والمروي.
١٢ـ وفي المقصد السابع الذي هو الأخير من المدخل، بينت: كيف أن علم نقد الحديث كان له الأثر العظيم في حفظ السنة. وكيف أن المحدثين رتبوا كتب السنة على طبقات باعتبار الصحة والشهرة حتى اطمأنت إليها الأمة وجعلتها نبراساً لحياتها ومصدراً لتشريعها.
١٣ـ وفي بداية الباب الأول، وتمهيداً للشروع في مباحثه، التي تدور حول نقد السند. أتيت بذكر الأسباب التي دعت إلى ظهور الإسناد. وأن بعضاً من الصحابة، أحجموا عن الرواية عند اشتداد الفتن وانتشار الكذب، ولكنه لم يكن الحل الصحيح للمشكلة. وكان لابد من الحلول الجذرية لها، ومن التقيد بأصول وقواعد تضع الحد من هذه الظاهرة الخطيرة.
فظهر السؤال عن الإسناد:
١٤ـ واعتبر الإسناد ركناً من ركني الحديث. وتحمل المحدثون مشاق السفر إلى بلاد نائية، بحثاً عن أسانيد الأحاديث، بل عن إسناد الحديث الواحد، لأنه استقر في أذهانهم أنه لا يمكن تصور الحديث بدون الإسناد، واشتهر بينهم: أن السند للخبر كالنسب للمرء.
١٥ـ وكما أنهم استعملوا الإسناد للحديث، استعملوه كذلك لرواية الكتب.
١٦ـ ثم اهتموا بنقد هذه الأسانيد، فرتبوا أسماء الرواة بحسب القوة والضعف والسنة والبدعة، وعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط وكتبوا الحديث من عشرين وجهاً فأكثر، وأجروا عملية المقارنة بين الروايات حتى وصلوا إلى نتائج صحيحة ودقيقة.
١٧ـ ولم يكتفوا بهذا. بل بحثوا في عدالة الراوي وضبطه، وذكروا معنى العدالة، وكيفية ثبوتها للراوي، والأمور التي تسلب العدالة من الراوي. وذكروا معنى الضبط، وكيفية ثبوته للراوي، والأمور التي تسلبه من الرواية. ثم نصوا على أنه لا يقبل إلا حديث الثقة الضابط، وردُّوا حديث أهل الغفلة والغلط والكذب والبدعة.
١٨ـ ومن عنايتهم بنقد السند أن بحثوا في اتصال السند وانقطاعه وصرفوا إليهما اهتمامهم البالغ، وجعلوا اتصال السند شرطاً أساسياً لكون الحديث صحيحاً. وذكروا معنى الاتصال، وأنواع الحديث المتصل ودرجاتها وأحكامها من حيث القبول والرد كما ذكروا معنى الانقطاع وأنواع الحديث المنقطع ودرجاتها وأحكامها بكل تفاصيلها.
١٩ـ ومن عنايتهم بنقد السند أيضاً أن اهتموا بمعرفة طرق تلقّي الحديث وأدائه ووضعوا مصطلحات خاصة تحدد كيفية التلقي وأدائه، حتى أمكن لهم الحكم على كل حديث بأنه صحيح أم غير صحيح، متصل أو منقطع.
٢٠ـ ثم تطرقت لموضوع العنعنة عند المحدثين، لأن لها ارتباطاً قوياً بنقد السند، ومعرفة صحيحه من سقيمه. وذكرت أقوالهم في الحديث المعنعن، والشروط التي يجب توافرها لقبوله، كما تطرقت لبيان الحكم في الأحاديث المعنعنة الموجودة في الصحيحين.
٢١ـ وشرحت معنى الشذوذ في السند. وتعريف الشاذ واختلاف العلماء فيه وحكمه عند المحدثين، وارتباطه بنقد السند. وجئت بالأمثلة التي ألقت ضوءاً كافياً على مدى اهتمام المحدثين بنقد السند.
٢٢ـ ثم بيَّنت مفهوم العلة في الحديث، وأهمية معرفتها. وكيف أن المحدثين الأجلّة اهتموا بها، وأنه لم يخض في هذا الغمار إلا الجهابذة في علوم الحديث لكونها من أدقّ العلوم وأغمضها.
стр. 1094
وقد ذكرتُ أن العلة قد تكون في السند، وقد تكون في المتن، وأوضحت بالأمثلة الكثيرة مدى اهتمام المحدثين بمعرفة العلل في السند، وذلك تمشياً على قاعدتهم بالاهتمام بكل ما له صلة بنقد السند.
وهكذا، بذلت جهدي المتواضع للإثبات أن نقاد المحدثين اعتنوا بنقد السند وتمييز صحيحه من سقيمه بجميع الوسائل الممكنة.
٢٣ـ وأما الباب الثاني، فقد بدأته ببحث مطول عن اهتمام المحدثين بنقد المتن وبينت فيه أن النقد عند المحدثين يشمل الراوي والسند والمتن. وأن الاهتمام بنقد المتن بدأ من الصحابة ﵃. ومشى عليه التابعون وأتباعهم. واستخرجت أمثلة كثيرة من بطون الكتب لإثبات هذه الحقائق، وللإيضاح بأن المباحث التي تطرق لها مؤلف كتب المصطلح لم تقتصر على مباحث الإسناد، بل إن أبحاثهم دارت في محيط ثنائي مؤلَّف من السند والمتن، وأنهم وضعوا قواعد في الجرح تُنبئ عن النقد الخفي للمتن، وجئت بتلك القواعد. وشرحت أهمية قانون الاعتبار والمعارضة لنقد المتن، وأن الصحابة والتابعين ومن جاؤوا بعدهم من أئمة الحديث طبقوا هذا القانون، وأن كثيراً من الاصطلاحات التي أطلقها المحدثون على الرواة، إن هي إلاَّ تسميات لنتائج مقارنات ومعارضات بين مرويات الراوي ومرويات غيره. ثم أطلقوا على الراوي لفظاً يحدد مقدار ضبطه ودرجة مروياته. وهذا يعني أنهم درسوا المتون وقارنوها بمتون أخرى.
٢٤ـ وبيَّنت كذلك، كيف أن النقاد استخدموا التاريخ لنقد المتون، مستدلاً بأمثلة كثيرة مستخرجة من أمهات الكتب.
٢٥ـ كما ذكرت أن الاهتمام بنقد المتن واضح في رواية الحديث باللفظ وأن الشروط التي ذكرها الإمام الشافعي وغيره من الأئمة لجواز الرواية بالمعنى، مردُّ كلها إلى الاهتمام بالمتن، واتخاذ السُّبل اللازمة لحفظه من التبديل والتحريف.
٢٦ـ ثم جئت بأمثلة عديدة من مؤلفات أئمة النقد لأدَلِّل على أن المحدثين لم يخطوا خطوة في دراسة الأحاديث النبوية ومقارنة بعضها مع بعض إلا وقواعد نقد المتن كانت نصب أعينهم في كل لحظة، وأنه لم يوجد حديث صحيح أو سقيم في الدنيا إلا وقد درسه النقاد سنداً ومتناً.
٢٧ـ وذكرت في مبحث مستقبل، أن العلة كما تكون في السند قد تكون في المتن أيضاً وأن المحدثين اعتنوا بهذا، ونقدوا متون مئات من الأحاديث لوجود علة فيها. ولكن من العجيب المفيد أنهم كلما وجدوا حديثاً معلولاً متنه، جاؤوا إلى سنده بالبحث والتمحيص، فوجدوا فيه ما يدعو إلى تركه أو الشك فيه.
٢٨ـ ثم ذكرت القواعد التي اتبعها النقاد لإدراك العلة، القواعد التي كانت نتيجة تجاربهم الدقيقة العميقة في مجال النقد.
٢٩ـ ثم تطرقت لموضوع "الشذوذ في المتن" وبيَّنت ماذا يعني الشذوذ في المتن، وأن النقاد تعرضوا لجميع الأحاديث التي خالف فيها الراوي الفرد الأضبط منه والأحفظ، أو خالف جماعة، وبيَّنوا ما فيها من المخالفة والشذوذ، وذكروا الزيادة والنقصان، وكشفوا ما فيها من القلب أو الاضطراب أو التصحيف أو الأنواع الأخرى من عيوب المتن. وأثبتُّ كل هذا بالأمثلة التي استخرجتها من بطون المراجع.
وهذا إن دل على شيء، فقد دل على اهتمام النقاد بالمتن ومعرفة ما يطرأ عليه من العلل والعيوب الأخرى.
٣٠ـ وفي فصل خاص أوضحت: كيف أن المحدثين اهتموا بمعرفة الأحاديث الموضوعة ووضعوا ضوابط علمية وقواعد ثابتة، وحدَّدوا أمارات لمعرفتها بدون أن ينظروا في السند، وأحوال رجاله، وأن تلك الأمارات قد تكون في السند، وقد تكون في المتن. وأن هذه المكانة العظمى أعني معرفة الأحاديث الموضوعة من دون النظر في السند، لا يبلغها إلا من وجدت فيه الصفات التي ذكروها.
стр. 1095
٣١ـ وذكرت أهمية كتاب "المنار المنيف" للعلامة ابن القيم ﵀ في هذا الباب وشموله، ودقته في بيان الضوابط المجملة والتفصيلية لمعرفة الأحاديث الموضوعة.
كما ذكرت تنبيه العلماء على أنه لم يثبت في باب كذا وكذا أي حديث وبعض الكتب التي ألفت في هذا الباب، وأن خير ما أُلِّف في هذا الموضوع كتاب (المنار المنيف) فقد أجاد في تتبع تلك الضوابط وجمعها في هذا الكتاب.
٣٢ـ وفي الباب الثالث من الرسالة خصصت الكلام عن المستشرقين وأتباعهم من المنتسبين إلى الإسلام، والشبه التي أثاروها حول نقد المتن.
٣٣ـ وليكون الحديث عن فئة المستشرقين أجمع وأشمل فقد بيَّنت حقيقة الاستشراق، ونشأته وتدرجه، وأهدافه، وصلته الوثيقة بالتبشير والاستعمار وحقده ضد الإسلام ومحاربته للشريعة الإسلامية والقرآن والسنة والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
٣٤ـ وفي فصل خاص، فصَّلت القول بأن المستشرقين هم المسيحيون واليهود الذين درسوا الإسلام وكل ما ينتمي إليه للنيل منه والتشكيك فيه.
ثم ذكرت نماذج من المستشرقين ورؤسائهم وتاريخهم الموجز المظلم بظلام الحقد والحسد، كما ذكرت بعض الكتب التي ألفوها عن الإسلام لمحاربته وتشويه صورته الوضَّاءة وأن أغلب الدراسات الاستشراقية دراسات سطحية لم يتقن أهلها اللغة العربية ولم يفهموا مقاصد الشريعة الإسلامية وحكمها مع ما وجد لديهم من التعمد البغيض والتواطؤ الخبيث على تشويه صورة الإسلام.
٣٥ـ ثم جئت بذكر موقفهم من السنة والذي يتلخص في محاولة إقناع قرائهم أن الأحاديث كانت صالحة لفترة الجاهلية وأنها متناقضة وأنها ازدادت مع مرّ الزمن بدخول الموضوعات فيها.
٣٦ـ كما أوضحت أنهم استفادوا من المعتزلة، وأنهم اعتمدوا على الضعيف الشاذ وعلى المنهج المعكوس وهو أنهم بَيَّتوا الفكرة المسيئة إلى الإسلام من قبلُ، ثم بحثوا في كتب القصص والأغاني ليستلوا منها ما يؤيد فكرتهم.
٣٧ـ واتهموا الصحابة والمحدثين بوضع الأحاديث وادَّعوا كذباً وزوراً أن الموضوعات اختلطت بالصحاح ولم يمكن التمييز بينها.
وقد جئت بالرد على هذه المزاعم وكشفت حقيقة كذبهم وزورهم.
٣٨ـ ثم جئت إلى ذكر المنتسبين إلى الإسلام وإنكارهم السنة وأن الفتنة أثارها في قديم الزمان، الخوارج والمعتزلة، ثم ماتت بنهاية القرن الثالث وقد ظلت مقبورة، حتى أحياها من جديد، أناس في البلدان العربية وأشخاص في شبه القارة الهندية. وبينت أن الفتنة أصبحت في الهند وباكستان أقوى، ونشأت جماعة أهل القرآن وتدرجت حتى أصبحت مشكلة دينية وعقدية في تلك البلاد.
وقد حاربها علماء السنة محاربة شديدة، ولكن الاستعمار ساعد منكري السنة ورباهم وشجعهم.
ثم ذكرت الشبه التي أثارها أهل القرآن حول السنة، والفرق الموجودة منهم حالياً في باكستان وبعض الكتب التي ألفها علماء السنة في الرد على هذه الفرق وشبهها.
٣٩ـ ثم بينت شبه المستشرقين وأتباعهم حول نقد المتن، وأن بعضهم نقلوا هذا الشبه من البعض الآخر وجئت بالرد على تلك الشبه رداً أرجو أن أكون قد وُفِّقت فيه.
٤٠ـ وفي آخر هذا المبحث تعرضت لذكر بعض الأحاديث التي انتقدوها ـ على زعمهم ـ متناً مع بيان جهلهم أو تجاهلهم للحقيقة حتى يمكن لقارئ أن يقيس عليها الأحاديث الأخرى التي نقدوها والتي لا يسع المقام لذكرها كلها. وحتى يتيقن في نفسه أن هؤلاء الناس لا يتوقع منهم إلا الكيد للإسلام والحط من منزلة السنة النبوية. على صاحبها أفضل الصلوات وأتم التسليمات.
стр. 1096
٤١ـ وبهذا، عرفنا: أن السنة النبوية حُفظت بحفظ الله لها. ووصلت إلينا صافية نقية من كل الشوائب والشكوك، إذ قيّض الله لها الأئمة العظام الذين سلكوا المنهج القويم المتضمن نقد السند والمتن بكل ما تعني الكلمة من المعاني والمفاهيم. فميَّزوا صحيحها من سقيمها وجمعوا الأحاديث الثابتة الصحيحة في مجموعات حديثية قبلتها الأمة بالإجماع مصدراً لتشريعها ومأخذاً لجميع الخيرات الدنيوية والأخروية.
٤٢ـ وإن الشبهات التي تثار ضدها من قبل أعداء الإسلام أو أبنائه المغترين لا تقوم في وجه الدليل والاحتجاج العلمي أدنى قيام، وأنها أغاليط وتمويهات تنكشف وتزول عندما تواجه المنهج العلمي الأصيل الذي هو منهج النقد عند المحدثين.
٤٣ـ وأرى وأقترح بهذه المناسبة أن تُعنى الجهات العلمية في العالم الإسلامي:
أـ بإدخال السنة النبوية وعلومها مادة أساسية في المناهج الدراسة للمدارس والكليات حتى يكون النشء الإسلامي على علم بما للسنة النبوية من مكانة عظمى في الإسلام وبما لها من أصول مناهج نقدية لا يفوقها أي منهج نقدي في العالم الثقافي القديم والجديد.
ب ـ اختيار أساتذة متخصصين في السنة النبوية وعلومها لتبسيط علم المصطلح وصياغته في أسلوب شيق واضح وعرضه في كتب صغيرة الحجم، حتى يتلقاه الجيل الإسلامي الجديد من دون أن يشعر بغموض أو سآمة أو ملل.
ج ـ إنشاء مجلات متخصصة في السنة وعلومها في كل بلد إسلامي للعناية بنشر الوعي السني بين الشعوب الإسلامية والرد على الشبهات التي تثار من حين لآخر حول السنة النبوية، وإبراز العلوم العقدية والأخلاقية والأحكام التشريعية فيها التي تضمن الخير والسؤدد والأمن والاستقرار للبشرية كلها.
والحمد لله الذي بفضله ومنّه تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا وحبيبنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1097
بين الإمامين مسلم والدارقطني
المؤلف/ المشرف: ربيع بن هادي عمير المدخلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار العمرية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٢هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: كتب علل
الخاتمة
يمكن إرجاع انتقادات الدارقطني وتتبعاته للإمام مسلم إلى الأقسام الآتية:
١ـ انتقاد موجه إلى أسانيد معينة فيبدي لها عللاً من إرسال أو انقطاع أو ضعف راوٍ أو عدم سماعه أو مخالفته للثقات في أمر ما. ويتبين في ضوء الدراسة والبحث أنه غير مصيب فيما أبداه من علة. وهذا النوع من الانتقاد لا يكون له تأثير في متون تلك الأسانيد لعدم ثبوت العلل التي أبداها. ويبلغ عدد هذا القسم أربعين حديثاً.
٢ـ انتقاد موجه إلى الأسانيد فيبدي لها عللاً من انقطاع أو عدم سماع ... إلخ ويكون مصيباً فيما أبداه من علة لكن تأثيره قاصر على ذلك الإسناد المعين والمتن يكون صحيحاً من طريق أو طرق أخرى، وله من المتابعات والشواهد ما يزيده قوة. يبلغ عدد هذا القسم خمسة وأربعين حديثاً.
٣ـ انتقاد موجه إلى المتن كأن يدعي في حديث ما إنه لا يصح إلا موقوفاً ولم يثبت رفعه أو يدعي أنه من قول أحد التابعين ولا يصح رفعه أو يدعي أن جملة معينة قد زيدت في متن بسبب وهم أحد الرواة ويكون مصيباً في ذلك، ويكون لهذا الانتقاد أثره لثبوت دعواه، ولعدم المتابعات والشواهد لذلك المتن. وهذا النوع قليل جداً لا يجاوز ثمانية أحاديث.
٤ـ انتقاد موجه إلى المتن كأن يدعي في حديث ما أنه لا يصح إلا موقوفاً عن صحابي معين أو مرسلاً من قول فلان، وتبين في ضوء الدراسة أن دعواه لا تثبت. وهذا يكون بالبداهة لا أثر له في ذلك المتن الذي ادعى فيه تلك العلة. وقد وجدت منه حديثين.
ويمكن إرجاع انتقادات الدارقطني إلى الأبواب الآتية من أبواب العلل:
١ـ ٢٢ حديثاً مرسلاً.
٢ـ ١٨ حديثاً موقوفاً.
٣ـ ٢٢ حديثاً أسانيدها مقلوبة.
٤ـ ١٠ أحاديث معلة بالانقطاع.
٥ـ ٤ أحاديث معلة بالإرسال الخفي.
٦ـ حديثان معلان بالزيادة في متصل الأسانيد.
٧ـ حديثان أعلا بالإدراج.
٨ـ ٣ أحاديث أعلت بوصل المقطع.
٩ـ حديثان أعلا بالاضطراب.
١٠ـ ٣ أحاديث معلة بما يمكن أن نسميه شذوذاً.
١١ـ ٣ أحاديث أعلت بتضعيف رواتها مع علل آخر.
١٢ـ ١ حديث أعل بأنه مقطوع.
١٣ـ ١ حديث أعل بإنكاره.
١٤ـ حديثان لا علة لهما أبداً بل توهم الدارقطني أن فيهما علة.
١٥ـ ١ حديث ألزم مسلماً بإخراجه فهو من باب إلزامات.
انتهي الكتاب بحمد الله وصلى الله على نبينا محمد وآلة وصحبه وسلم.
стр. 1098
جامع الترمذي في الدراسات المغربية – رواية ودراية
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالرحمن الصقلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الصميعي – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: دراسات حديثية
خاتمة الرسالة:
والآن بعد هذه الجولة مع جامع أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي في الدراسات المغربية رواية ودراية، فإنه قد تكشَّفت لنا عدة نتائج هامة، نجملها فيما يأتي:
١ - الانتقادات الموجهة إلى أبي محمد ابن حزم (ت ٤٥٦هـ)؛ لكونه يجهل الإمام الترمذي تفتقر إلى الدليل القوي.
٢ - دعوى عدم سماع أحد الجامع من مؤلفه الإمام الترمذي أو روايته عنه، لا أصل لها من الصحة.
ويبدو أن الحافظ أبا عبد الله ابن رشيد السبتي (ت ٧٢١هـ) ما ألف كتابه (الصراط السوي في اتصال سماع جامع الترمذي) إلا للرد على من زعم ذلك.
٣ - رواة الجامع عن أبي عيسى الترمذي فيما توصلنا إليه عددهم أحد عشر هم:
أبو حامد التاجر، وأبو حامد ابن حسنويه، وأبو محمد القطان، وأبو العباس المحبوبي، وأبو جعفر ابن جماهر، ومحمد القراب، وأبو الفضل النسفي، وأبو محمد الشيركثي، وأبو الحسن الواذري، وأبو ذر الترمذي، والهيثم الشاشي.
٤ - خمسة طرق مشهورة، واثنتان مغمورتان هي التي وصل بها الجامع إلى المغرب.
فأما المشهورة فهي طريق المحبوبي، وطريق الشاشي، وطريق التاجر، وطريق القطان، وطريق أبي ذر الترمذي.
وأما المغمورة فهي: طريق ابن جماهر، وطريق ابن حسنويه.
٥ - ابتداء من القرن السابع الهجري طريق أبي العباس المحبوبي يكاد وحده يظهر على سائر الطرق التي دخلت إلى المغرب.
٦ - أبو حفص عمر بن الحسن الهوزني (ت ٤٦٠هـ) ليس هو أول من أخذ عنه المغاربة جامع الترمذي.
٧ - أول من روى الجامع بالمغرب يحتمل أيضاً أن يكون أول من أدخله إلى الغرب الإسلامي، وهو أبو زكريا يحيى بن محمد الأشعري المعروف بابن الجياني (ت ٣٩٠هـ).
٨ - ستة أعلام هم أوائل رواة جامع الترمذي بالمغرب:
- أبو زكريا ابن الجياني (ت ٣٩٠هـ).
- مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧هـ).
- أبو عمرو الصفاقسي (ت ٤٤٤هـ).
- أبو حفص الهوزني (ت ٤٦٠هـ).
- أبو عمر ابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ).
- أبو علي الغساني (ت ٤٩٦هـ).
٩ - أشهر الروايات المغربية للجامع أربعة:
- رواية أبي القاسم الهوزني (ت ٥١٢هـ).
- رواية أبي علي الصدفي (ت ٥١٤هـ).
- رواية أبي بكر ابن العربي (ت ٥٤٣هـ).
- رواية ابي الحسن ابن كوثر (ت ٥٨٩هـ).
١٠ - رواية أبي الفتح الكروخي (ت ٥٤٨هـ) للجامع هي أشهر الروايات المشرقية، وقد انتشرت في المغرب على يد أبي الحسن ابن كوثر الغرناطي (ت ٥٨٩هـ).
١١ - رواية أبي علي الصدفي في المغرب تضاهي في الشهرة والإتقان رواية الكروخي في المشرق.
١٢ - انتشار رواية جامع الترمذي في وقت مبكر في جميع بلدان الغرب الإسلامي.
ففي الأندلس رواه ابن الجياني قبل سنة ٣٩٠هـ، وإلى أهل القيروان وصفاقس بتونس ينتمي أوائل رواة الجامع، وهما: مكي بن أبي طالب القيرواني (ت ٤٣٧هـ)، وأبو عمرو الصفاقسي (ت ٤٤٤هـ)، وبتلمسان بالجزائر يرويه يعقوب بن حماد الأغماتي في سنة ٥٢٣هـ.
وفي المغرب الأقصى نجد أبا علي الصدفي (ت ٥١٤هـ) يرويه بمدينة سبتة سنة ٤٩٠هـ، وأبا الحسن بن غالب (ت ٥٦٨هـ) بمدينة فاس، وقبله عباد بن سرحان (ت ٥٤٣هـ) يرويه بها أيضاً.
١٣ - الفهارس المغربية سواء المتقدمة، أو المتأخرة لا تخلو من سند أصحابها إلى جامع الترمذي.
١٤ - في جميع العصور روي الجامع في المغرب بالسند المتصل إلى مؤلفه أبي عيسى الترمذي.
١٥ - أقدم شروح جامع الترمذي التي بين أيدينا اليوم هو (عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي)، للإمام أبي بكر ابن العربي المعافري (ت ٥٤٣هـ) دفين فاس.
стр. 1099
١٦ - (عارضة الأحوذي) أول شرح مغربي لجامع الترمذي وثاني شرح له على الإطلاق بعد شرح أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي الفراء (ت ٥١٦هـ).
١٧ - آخر شراح جامع الترمذي من أهل المغرب هو أبو عبد الله محمد بن إدريس القادري (ت ١٣٥٠هـ) دفين الجديدة.
١٨ - لا زالت الخزائن المغربية تحتفظ ببعض النسخ المخطوطة من جامع الترمذي برواية أبي علي الصدفي المغربية.
بعد هذا أدلي بالمقترحات التالية:
أولاً: أقترح طبع جامع الترمذي وتحقيقه بأشهر الروايات المغربية المعتمدة؛ وهي رواية أبي علي الصدفي. ونحمد الله أن خزائن المغرب مازالت تتوافر على بعض النسخ المخطوطة بالرواية المذكورة، وقد أشرت إليها في مكانها من هذه الرسالة.
ثانياً: أفضلية طبع جامع الترمذي بعنوانه الكامل كما أورده الحافظ أبو بكر ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥هـ)؛ لما فيه من توضيح لمضامين الكتاب وتنصيص على طبيعة أحاديثه وهو كالتالي: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ، ومعرفة الصحيح من المعلول، وما عليه العمل).
ثالثاً: إحياء حلقات إقراء جامع الترمذي وغيره من كتب السنة سيراً على سنن سلفنا الصالح في عقد المجالس الحديثية.
وفي الأخير، فإنه ظهر جلياً بما لا يدع الارتياب من خلال هذه الرسالة أن جامع أبي عيسى الترمذي حظي عند المغاربة بالمكانة المرموقة، ونال عندهم الاهتمام الكبير؛ سواء في مجال الرواية أو الدراية عبر توالي القرون, وما ذلك إلا لأنه أساس من أسس السنة النبوية الشريفة.
стр. 1100
جهود المحدثين في بيان علل الحديث
المؤلف/ المشرف: علي بن عبدالله الصياح
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المحدث - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: علوم حديث - علل
الحمد لله تكفل بحفظ هذا الدين، وأقام له في كل عصر حملة ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
بين هذا البحث جانبا من هذا الحفظ، وهو جهود المحدثين في حفظ السنة النبوية من خلال بيان علل الأحاديث تعلما وتعليما وتصنيفا.
وإن من أبرز ما يذكر من نتائج البحث:
١. أن المحدثين بذلوا جهدا علميا ضخما ومستمرا على اختلاف الأزمنة والأمكنة لخدمة هذا الجانب من سنة رسول الله ﷺ ، وهذا الجهد يعد مفخرة لعلماء المسلمين المعظمين لسنة رسول الله ﷺ ، وصورة مشرقة في الذب عن سنته صلوات ربي وسلامه عليه.
٢. أن نبوغ هؤلاء الأئمة في علل الحديث لم يأت من فراغ، إنما هو نتاج رحلات طويلة ومستمرة للطلب والسماع، والكتابة والتصنيف، مع سعة الاطلاع، ويقظة تامة، وفهم ثاقب، صحب ذلك كله صدق وعمل ودعوة وصبر فحفظوا بتأييد رباني وفضل إلهي.
٣. أن الأندلس – وكانت يوما قلعة من قلاع الإسلام والعلم، وهي الآن معدودة من ديار الكفار – أخرجت لنا جهابذة في معرفة علل الأحاديث، وفي التصنيف فيه – وبنظرة إلى المبحث الأول من الفصل الأول يتبين هذا بجلاء-، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
٤. قلة من يتقن هذا الفن من أهل هذا الشأن على مرور الأزمان – ومع هذه القلة فقد سدوا جانبا كبيرا في هذا المجال -، وتقدم أقوال النقاد في هذا، وبيان أسباب ذلك في المبحث الثاني من التمهيد.
٥. أن العهود الذهبية لأئمة العلل ونقاده كانت في القرن الثاني والثالث والرابع ثم تناقص وقل.
٦. تفاوت الموصفين بمعرفة العلل أو التصنيف فيه في معرفته تفاوتا كبيرا، ففي كل زمان ومكان يوجد من بز أقرانه في هذا الفن، وأكثر الكلام على العلل ودقائقه وغوامضه:
أ- ففي القرن الثاني: نجد رأس هذه الطبقة: شعبة بن الحجاج، ثم يحيى القطان، وعبدالرحمن المهدي.
ب- وفي القرن الثالث: نجد رأس هذه الطبقة: علي بن المديني، ثم البخاري ويحيى بن المعين، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، ويعقوب بن شيبة.
ج- وفي القرن الرابع: نجد رأس هذه الطبقة: الدارقطني.
٧. تقدم الإمام علي بن المديني في هذا الفن على جميع أقرانه، وأقوال العلماء في إمامته وتقدمه في هذا الفن كثيرة، فلعل أقوال علي بن المديني في علل الأحاديث تجمع، ثم تدرس بعمق ودقة مع مقارنة كلامه بكلام النقاد الآخرين من أقرانه، ثم تستخلص النتائج من تلك الدراسات، ولا شك أن مثل هذه الدراسات العملية الجادة تعطي تصورا عن مناهج وطرائق وقواعد النقاد في إعلال الأخبار.
٨. المصلحة العظيمة التي تحققت من التصنيف والتأليف في ((علم علل الحديث))، قال ابن رجب: ((فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية، ففي التصنيف فيه ونقل كلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جدا)).
٩. أن التصنيف في علل الحديث بدأ في القرن الثالث، وكانت البداية العلمية العميقة على يد إمام هذه الصنعة علي بن المديني، وقد تفنن في التصنيف في هذا الفن.
١٠. أن المؤلفات في هذا الفن كثيرة، ومتعددة الطرائق في التأليف وقد تقدم ذكر أقسامها وتنوع مناهجها.
١١. أن الموجود من كتب العلل قليل، والمطبوع أقل، وفقد هذا النوع من الكتب قديم لعدم الاهتمام بها، وذلك لصعوبة علم العلل وغموضه.
١٢. أن الناظر في كلام أئمة العلل ونقدهم للأحاديث والآثار ليندهش ويطول عجبه، من دقة التعليل وبراعة النقد.
١٣. أن المنهج النقدي عند أئمة العلل شامل للأسانيد والمتون، لا كما زعم المستشرقون ومن قلدهم من جهة المسلمين أن المحدثين لم يلتفتوا لنقد المتون، وقد ذكرت في الفصل الثاني من الأمثلة ما يرد هذا الزعم.
١٤. ضرورة التنبه لبعض الأوهام التي وقعت لبعض الباحثين عند ذكر كتب العلل، وهي:
• إما في نسبة الكتاب لغير مؤلفه الحقيقي.
• أو في عد الكتاب من كتب العلل، وموضوعه ليس كذلك: فهو إما من كتب الشيعة الطاعنين في السنة النبوية!، أو يبحث في علل الشريعة أي مقاصدها أو علل القراءات وغير ذلك.
стр. 1101
حكم رواية الفاسق المبتدع
المؤلف/ المشرف: خالد القريوتي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار العثمانية - عمان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: دراسات حديثية
١. يبين هذا البحث مدى الجهد المتواصل والحثيث من قبل علماء الحديث لصيانة حديث رسول الله ﷺ وحفظه من عبث العابثين.
٢. أن العدالة والصدق والأمانة والثقة والضبط هو كل ما يوجبه علماء الشريعة وعلى رأسهم علماء الحديث الشريف فيمن يروي أخبار النبي ﷺ وجعلهم يتشددون في تتبع أحوال الرواة ودراسة صفاتهم لمعرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل.
٣. أن مرتكب الكبيرة تسقط عدالته ولا تقبل روايته حتى يتوب إلى الله توبة صادقة وينقطع عن ارتكاب المعاصي نهائيا وتحسن توبته بشهادة أهل العلم بذلك.
٤. استثنى العلماء – وبالإجماع – عدم قبول رواية الكذاب حتى وإن تاب وحسنت توبته وعلى ذلك حفاظا على حديث وسنة المصطفى ﷺ .
٥. إن انتشار البدع والأهواء يؤدي إلى كثير من الأمور السلبية على المجتمع والدين والحياة.
٦. تضافرت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين في التحذير من البدع والأهواء وعدم مجالسة ومخالطة أهل الأهواء والبدع، لأن ذلك يؤدي إلى ما لم يحمد عقباه.
٧. أن هناك فروقا كثيرة وكبيرة بين أوجه الاختلاف بين الرواية والشهادة، ومن أهمها التوبة، والعدد.
٨. إن قبول رواية المبتدع قائم على عدم منافاة العدالة والأمانة والصدق والضبط في الرواية، وبغض النظر عما يعتقد الراوي، فلنا صدقه وأمانته وعليه ما يعتقد.
٩. ولهذا لم يجز العلماء رواية المبتدع إذا كان ممن يسب الصحابة رضوان الله عليهم. أو ممن يستحل الكذب على الله ورسوله وعلى الدين، أو ممن ينكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة.
١٠. إن الخوارج – رغم عقائدهم التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة – إلا أنهم لم يحاولوا المساس بالسنة النبوية الشريفة، ولم ينقل عنهم أنهم كذبوا على رسول الله ﷺ ، وما نقل عن البعض لا يرقى للاحتجاج به، أو الالتفات إليه.
تم البحث ولله الحمد والمنة.
стр. 1102
صحيفتا عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عند المحدثين والفقهاء
المؤلف/ المشرف: محمد علي ابن الصديق
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت ̈بدون
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: دراسات حديثية
خاتمة
هذه أيها القارئ الكريم خلاصة جهدي المتواضع التي أمكنني الوصول إليها، بعد عناء طويل ودراسة وافية، اقتضت منى بذل كل ما استطعت من جهد ووقت في البحث عن مراجع الموضوع ومختلف المظان التي ترتبط به، أو لها به علاقة من قريب أو بعيد. ولم آل جهداً في توثيق النصوص والرجوع بها إلى مصادرها الأصلية، ثم المقارنة بينها واستخلاص ما يمكن استخلاصه منها من آراء وأحكام تعبر عن وجهة نظر أصحابها مع الاستدلال والتعليل، عازياً كل قول أو رأي إلى مصدره.
وتكمن أهمية موضوع البحث من حيث تناوله لدراسة وثيقتين هامتين، قد تساعد على تغيير بعض المفاهيم وترفع بعض اللبس الحاصل في مسألة تدوين السنة في الصدر الأول للإسلام.
فإذا كانت صحيفة عبدالله بن عمرو هي بحق أول تدوين في الإسلام، بحيث كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وبإذن منه، فإن هذه الصحيفة لم تصلنا إلا عن طريق ابن حفيده عمرو بن شعيب. ولم يهتد كثير من العلماء إلى أن لهذه الصحيفة طريقاً آخر، هو طريق حسين بن شقي بن ماتع الأصبحي، مما نقل ذلك المقريزي في خططه. وقد أخرج روايته أبو داود في سننه، وهي متابعة جيدة.
كما أن صحيفة معاوية بن حيدة لم تصلنا إلا من طريق حفيده بهز، ولهذه الصحيفة أيضاً متابعة جيدة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن رجال سند الصحيفتين هم ثقات. فكان بالتالي جمع نصوص الصحيفتين وتوثيقهما في مكان واحد أمراً له أهميته من حيث التدليل على أن حديث رسول الله ﷺ كتب بعضه في الصدر الأول للإسلام. وأن التدوين الفردي الذي لم تكن له تلك الصفة الرسمية التي ألصقت به في مستهل القرن الثاني الهجري، كان شائعاً ومتداولاً بين القدماء. وكانوا يستعينون على تقييد مروياتهم بالكتاب ليرجعوا إليها كلما دعت الضرورة إلى ذلك زيادة في الضبط والإتقان.
على أن التعويل عندهم في أداء الحديث كان على الرواية الشفوية وحدها لأنها أنجع طريق لتحمل الحديث وأحوط لهم من الوقوع في التدليس والوضع والتحريف والتصحيف.
وما تدوين الصحف التي وصل إلينا بعضها مثل الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه إلا دليل على ما ذهبنا إليه من انتشار التدوين وذيوعه في القرن الأول الهجري.
وفي هذا السياق وتتميماً للفائدة، درست نماذج لصحف مشهورة مثل صحيفة علي ابن أبي طالب وجابر بن عبدالله وهمام بن منبه، فترجمت لأصحابها وعرفت برواتها ومروياتهم، وتعمدت في ذلك الاختصار خشية الإملال والتطويل ...
ثم انتقلت إلى الصحيفتين موضوع البحث، فتتبعت أحاديث عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عن أبيهما عن جدهما من مختلف مظان السنة النبوية، فاستقرأت بشمول أحاديثهما، معتمداً في ذلك منهج الإحصاء، مع التدليل على مكان ورودهما في كتب السنن والصحاح والمسانيد والمصنفات والمعاجم والمستخرجات وغيرها من الأصول المسندة. ثم جمعت طرق هذه الأحاديث وميزت المكرر منها مع النص على الزيادات والمخالفات في المتن والسند.
وبعد هذه العملية، تجمعت لدي نصوص الصحيفتين بكاملهما، وهو ما يمكن أن يكوّن نص صحيفة عبدالله بن عمرو وصحيفة معاوية بن حيدة.
وأردفت إلى هذه النصوص نصوصاً أخرى موقوفة بسند الصحيفتين ليتكون من ذلك كله نسختا عمرو وبهز، وهما موافقتان ـ حسب اصطلاح المحدثين ـ لمسند عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عن أبيهما عن جدهما.
وتبين لي من خلال هذا البحث أن ما رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير لا يمثل الصحيفتين بكاملهما، كما يوهم كلام بعض المعاصرين ـ وإنما يمثل الجزء الأكبر منهما.
هذا إلى ما أجملته من آراء لعلماء الحديث حول الصحيفتين رداً وقبولاً مع بيان آراء الفقهاء فيهما وموقعهما منهم.
ومع هذا كله فلا أدعي أنني ألممت بجميع جوانب الموضوع، وإنما هي جهود مُقِلٍ تحتاج إلى تضافر جهود أخرى من الباحثين والمختصين، خصوصاً وأن الموضوع بِكْر لم يُطْرق بعدُ، وما وصَلَنا عنه ما هو إلا إشارات من بعض القدماء الذي تعرضوا لجوانب محددة في أحاديث عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم.
ومؤلفات هؤلاء وبحوثهم مفقودة لا وجود لها، كمسند عمرو بن شعيب الذي هو من تصنيف الإمام مسلم صاحب الصحيح.
وشرف عظيم لي أن "أوافق" الإمام مسلم فيما قام بتصنيفه.
وفي نهاية هذا البحث، أتقدم بشكري الجزيل، إلى أستاذي المشرف العلامة الدكتور فاروق حمادة، الذي تتبع باهتمام وعناية مراحل هذا البحث فجزاه الله خيراً.
وبهذا تم البحث على قصور فيه، ولله الكمال وحده، والحمد لله أولاً وأخيراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
стр. 1103
ضوابط الرواية عند المحدثين
المؤلف/ المشرف: الصديق بشير نصر
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: منشورات كلية الدعوة الإسلامية - طرابلس ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠١هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: منهج النقد عند المحدثين - سند ومتن
الخاتمة
الحمد لله الذي أنعم علي فكان هذا من نعمائه.
والصلاة والسلام على النبي الكريم، الذي بلّغ عن ربّ العالمين فأحسن البلاغ، وعلى آله وصحبه الأماجد الذين نقلوا لنا هذه الشريعة فصانوها من كيد الكائدين، وتربّص المتربصين وبعد،
فقد ضبط المحدثون روايات الحديث، ووضعوا لها أصولها وقواعدها، ولزموا صحيحها وطرحوا سقيمها، ولم يقنعوا إلاّ بمنهج كامل متفرد، وكان حالهم كما قال أبو الطيب المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
لذلك لا يملك الناظر في منهجهم إلاّ الإكبار والإعجاب.
وقد حاولت جهدي أن أظهر مواطن العبقرية والتفوّق في هذا المنهج الفريد. ورددت من خلال عرضي لهذا المنهج على بعض الافتراءات والأباطيل التي رمي بها هذا المنهج، وسعيت لأن يكون جادًّا بعيداً عن الردود العاطفية التي لا تجدي في هذه المواقف فتيلاً، وبذلك ظهر هذا البحث وقد امتلأ بالمناقشات والردود التي أحسب أنها سيستمتع بها القارئ الكريم.
ـ ففي الفصل الأول من الباب الأول بينت تهافت قول المستشرقين إنّ المحدثين لم يشغلوا أنفسهم بنقد المتون، وانصرفوا إلى نقد الأسانيد فقط، بحيث صار همهم النظر في الأسانيد لا المتون وأتيت على هذه الفرية بأدلة قاطعة لا يمكن ردّها وجعلت ذلك في عدة وجوه منها: أنه لا تلازم بين صحة السند وصحة المتن، وذلك ما قرره علماء الحديث، ومنها: أن أهل الحديث لم يفرقوا هذا التفريق الظاهر بين صحة السند وصحة المتن، وذلك لأنهم يعالجون السند والمتن معاً، وبسطت الكلام في بيان تهافت هذه الفرية في إحدى عشر دليلاً. وفضلاً عن ذلك فقد بيّنت أن المحدّثين اهتموا بالمتن أيضاً، ويظهر ذلك في وضعهم بعض الضوابط التي يعرف بها الحديث الموضوع دون النظر في سنده أوصلها ابن القيم ﵀ في (المنار المنيف) إلى ثلاثة عشر ضابطاً.
ـ ثم عرجت على شبهتين أخريين، الأولى: دعوى أن مخالفة النص للعقل تقدح فيه مطلقاً، فبينت فساد هذه الشبهة في سبع نقاط لا أظن أنّه يبقى معها شك لشاك أو ريبة لمرتاب، والثانية: قول بعض المستغربين من أبناء أمّتنا: إن خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبي ﷺ هو العرض على القرآن فما وافقه فهو منه ﷺ ، وما خالفه فليس منه، مستدلاً على ذلك بحديث موضوع، فبينت فساد هذا الزعم وإنه لا يستقيم مع النظر.
ـ وفي الفصل الثاني من الباب الأول رددت على الافتراء القائل بأن الصحابة قد ساهموا في وضع الأحاديث، وبينت فساد هذا الادعاء الذي روّج له جولد تسيهر ومن جاء بعده.
ـ وفي الفصل الثالث من الباب الأول تكلمت عن ظاهرة الحفظ عند العرب والمسلمين، وبينت أسبابها ورددت من خلالها على من ينكر هذه الظاهرة.
ـ وفي الفصل الأول من الباب الثاني تكلمت عن الرحلة في طلب الحديث وأهميتها وآدابها، ورددت من خلال ذلك بشكل مطوّل على أباطيل جولد تسيهر في الرحلة، وتتبعت كل شبهة قالها في الفصل الذي عقده لذلك من كتابه دراسات محمدية.
ـ كما عقدت فصلاً كاملاً للمستشرقين والحديث الشريف، وهو الفصل الأول من الباب الثالث، وفي هذا الفصل عرضت كتاب جينبول (توثيق الأحاديث) وتكلمت من خلاله على منهج المستشرقين في كتابتهم عن الحديث النبوي، وقصدهم من وراء تلك الكتابات، وبينت تحامله على المنصفين العدول من علماء المسلمين في هذا العصر لذبّهم عن سُنّة المصطفى، وكيله الثناء والإطراء للمستغربين المسلمين من صنائع المستشرقين.
ثم عرضت كتاب جولد تسيهر (دراسات محمدية)، وبينت فساد بعض مفاهيمه التي أوردها فيه، وكانت لي بذلك وقفة نقدية طويلة معه، وحرصت على نقده في المواطن التي لم ينتقد فيها، وأمّا المواطن الأخرى التي اشتهر انتقاده فيها فقد كفانيها بعض علماء هذه الأمة الغيورين.
ـ وفي الفصل الثاني من الباب الثاني كانت لي عودة إلى جولد تسيهر، مبيناً فساد قوله ونقله فيما يخص الصحيحين.
وأخيراً، لولا ضيق الصدر وانقطاع الصبر لتتبعت هذا المستشرق في كل مواطن كتابه لأبين هزيل فكره وسقيم رأيه، وإنه لا يعدو سقط المتاع، وأسأل الله أن يمكنني منه في موطن آخر من مواطن الفكر والمعرفة.
وفي الختام. أسأل الله الصفح والغفران، فيما زلّت فيه قدمي، وانحرفت فيه عن جادة الحقّ قلمي، فهو وحده جابر العثرات ومبرئ العلاّت.
стр. 1104
ضوابط قبول عنعنة المدلس دراسة نظرية وتطبيقية
المؤلف/ المشرف: عبدالرزاق خليفة الشايجي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مجلس النشر العلمي - جامعة الكويت ̈بدون
سنة الطبع: ٢٠٠٢م
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: تدليس
نتائج البحث
أنواع التدليس كثيرة، منها الظاهر ومنها الخفي.
ـ بعض المدلسين يتفننون في ابتكار أنواع جديدة لتدليس أحاديثهم إذا انتبه التلاميذ لتدليسهم.
ـ التدليس والإرسال بينهما عموم وخصوص، فكل تدليس إرسال، وليس كل إرسال تدليساً.
ـ يختلف حكم المدلس باختلاف غرضه وسبب تدليسه.
ـ إن اصطلاح التدليس عند المتقدمين ليس على معنى واحد.
ـ قد يطلق المتقدمون التدليس ويراد به الإرسال الخفي الصيغة المحتملة للسماع.
ـ الصيغة المحتملة للسماع ليست دائماً صيغة المدلس، بل قد يكون في صيغة التحديث تدليس من الراوي.
ـ صيغة العنعنة ليست من صيغ الراوي لكن هي من صيغ تلاميذه.
ـ يعدل كثير من المحدثين عن صيغة التحديث إلى صيغة العنعنة للتخفيف والاستعجال في الكتابة.
ـ الأخذ بالضوابط فقط دون نظر في الطرق والأسانيد واعتبار الروايات ومقارنتها في الحكم على رواية المدلس خطأ.
ـ هناك عدة طرق يمكن بها معرفة التدليس، منها ما يتعلق بالمدلس أو بالحديث المدلس، وهي لا تخفى على أئمة الحديث.
ـ الرواة الذين وصفوا بالتدليس ليسوا على درجة واحدة، فهم مراتب: منهم المكثر، ومنهم المقل، ومنهم من يروي عن الضعفاء، ومنهم من احتمل الأئمة تدليسهم لقرائن لاحت لهم.
ـ قد يحمل المدلس على التدليس النصح للأمة، إذ إن شيخ المدلس غير مقبول في بلدة فلربما وقعت فتنة بذكره، فيدلسه حفظاً للسنة.
ـ الأسباب الحاملة على التدليس كثيرة، منها ما هو مقبول، ومنها ما هو محرم غير مقبول.
ـ للتدليس مفاسد كثيرة، منها أنه يشبه الكذب في التمويه في حديث رسول الله ﷺ .
ـ رواية المدلس الثقة كرواية الثقة الذي عليه أخطاء، فكما أنه لا ترد روايته فكذا لا يتوقف في روايته العنعنة لاحتمال التدليس.
ـ إذا عرف أن المدلس الثقة لا يدلس إلا عن ثقة فتدليسه لا يضر.
ـ من وصف بتدليس الشيوخ لا يشترط في روايته أن يصرح بالسماع كما اشترط في مدلس الإسناد.
ـ إذا صرح الراوي المدلَّس بالسماع قُبل حديثه.
ـ إذا صرح الراوي المدلِّس بأن عنعنته عن راوٍ معين تفيد السماع قُبِلَ حديثه.
ـ إذا عُرف من الراوي المدلِّس أنه يدلس بعبارة معينة قُبِلَ حديثه في غير ذلك.
ـ إذا عُرفت الواسطة بين المدلِّس والمدلَّسَ عنه قُبِل حديثه.
ـ ترتفع شبهة التدليس إذا تابع المدلِّس راوٍ ثقة غير مدلس.
ـ قد يُنسب راو إلى التدليس وهو منه بريء.
ـ إذا كان الراوي نادر التدليس قُبلت عنعنته.
ـ ما كان من رواية المدلسين في الصحيحين أو أحدهما فهو مقبول صحيح متصل محمول على معرفة أصحاب الصحيح بسماعهم.
ـ ما كان من رواية المدلسين في صحيح ابن حبان فهو مقبول صحيح متصل محمول على معرفة ابن حبان بسماعهم لتصريحه بذلك.
ـ من عرف بالتدليس وكان له تلاميذ يميزون حديثه قُبِل ما رووه عنه.
ـ من عرف بالتدليس وكان له شيوخ لا يدلس عنهم فحديثه عنهم متصل، كأن يكون المدلس من أثبت الناس في شيخه.
ـ رواية المحققين عن المدلسين من أمثال الإمام شُعبة بن الحجاج في حكم المتصل.
ـ كون المدلس من المرتبة الأولى من مراتب المدلسين يجعله ممن لا يفتش عن سماعاتهم لأنهم لا يوصفوا بالتدليس إلا نادراً.
ـ كون المدلس من المرتبة الثانية من مراتب المدلسين يجعله ممن لا يفتش عن سماعاتهم.
ـ لا تدخل أحكام تدليس الرواة على الصحابة ﵃ وأرضاهم ـ، لأن عملهم ليس تدليساً وهو في حكم المتصل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 1105
تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين
المؤلف/ المشرف: حاكم عبيسان المطيري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مجلس النشر العلمي جامعة الكويت ̈بدون
سنة الطبع: ٢٠٠٢م
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: تدوين السنة - وكتابة الحديث في العهد النبوي
نتائج البحث والتوصيات:
١ - أن عدم فهم عبارات ومصطلحات أئمة الحديث أدى إلى الخطأ في النتائج التي استنتجها المستشرقون حول تاريخ تدوين السنة؛ حيث فهموا من لفظ (التدوين) معنى (الكتابة).
٣ - أن (موطأ) الإمام مالك، و (جامع) معمر بن راشد – وكلا الكتابين مطبوع – تم تأليفهما في مرحلة التصنيف أي: قبل النصف الثاني من القرن الثاني.
٤ - كما أن صحيفة همام بن منبه – وهي مطبوعة – تمت كتابتها في آخر المرحلة الأولى، وهي مرحلة الكتابة.
٥ - أنه ما زال هناك الكثير من المخطوطات التي لم تطبع بعد تمثل مرحلة الكتابة ومرحلة التدوين، وقد بدأ المحققون والباحثون بالعناية بها وإخراجها.
٦ - أن من أسباب عدم العناية بكثير من الصحف والكتب القديمة: ظهور الكتب المصنفة والموسوعية التي اشتملت على كثير من المؤلفات التي سبقتها فأقبل العلماء على اقتناء هذه الموسوعات والمصنفات وهجروا الصحف والكتب الصغيرة التي أصبحت ضمن الكتب الموسوعية، كمسند أحمد ومصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة.
٧ - كما أدى ظهور كتب الصحاح والسنن إلى إقبال العلماء على العناية بها، وهجر ما سبقها من مؤلفات.
٨ - أن وجود مصطلح (حدثنا) و (أخبرنا) أدى إلى اعتقاد أن السنة ظلت تروى مشافهة، مع أن أئمة الحديث يستخدمون هذه المصطلحات في إثبات تحقق سماع التلميذ لكتاب شيخه مباشرة من فم الشيخ أو إثبات قراءته للكتاب على مؤلفه أو على من أخذه عن مؤلفه، فوجود مصطلح (حدثنا) و (أخبرنا) لا ينفي وجود الكتابة.
٩ - ولهذا يوصي الباحث بأهمية عمل دراسات وبحوث لمعرفة المصادر الحديثية القديمة التي استقى منها أصحاب المسانيد والصحاح والسنن مادة كتبهم.
١٠ - كما يوصي بأهمية الاطلاع على الدراسات الاستشراقية حول السنة النبوية ودراستها دراسة موضوعية علمية، والتواصل مع مراكز الدراسات الاستشراقية لإطلاعهم على هذه البحوث، وعقد المؤتمرات حول الاكتشافات العلمية الجديدة في هذا المجال.
стр. 1106
عناية السنة النبوية بحقوق الإنسان - الدورة الأولى فرع السنة النبوية
المؤلف/ المشرف: حكمت بشير ياسين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: جائزة نايف بن عبد العزيز آل سعود العالمية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: الإنسان - حقوقه وحرياته
الخاتمة: بعد هذه الدراسة أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها ثم بعض التوصيات، ومن تلك النتائج ما يلي:
أولا: لم يترك النبي ﷺ ، حقا من حقوق الإنسان إلا وأتى به مجملا أو مفصلا، بأقواله وأفعاله، فاستوعب مفردات حقوق الإنسان، وأرشدنا إلى قاموس حقوق الإنسان، وقد بلغ عدد الآيات القرآنية في هذه الدراسة (٢٣٠) آية، وبلغ عدد الأحاديث الشريفة (٥٠٢) حديثا، وكلها ثابتة الأسانيد، منها (٢٤٤) حديثا فعليا، والبقية أحاديث قولية، مما يدل على كثرة تطبيق حقوق الإنسان في السنة النبوية وقد بلغ عدد المفردات المذكورة لحقوق الإنسان بعدد المسائل وعددها (٢٨٨) مسألة وكل مسألة من هذه المسائل هي حق من حقوق الإنسان، بينما نجد إعلان حقوق الإنسان العالمي يحتوي على (٣٠) مادة فقط، ومن أراد أن يحيط علما بحقوق الإنسان فعليه بالسنة النبوية.
ثانيا: كل من حقوق الإنسان في الإسلام هو حكم من أحكام الشريعة الإسلامية، فالفقهاء المعتبرون هم الحذاق في حقوق الإنسان.
ثالثاٌ: بالسنة النبوية تتجلى وتتبين المبهمات والعموميات المذكورة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي بيان حقوق الإنسان في الإسلام.
رابعا: برزت في السنة النبوية تشريعات حقوق الإنسان لم تذكره الهيئات المعاصرة المعنية بحقوق الإنسان.
خامسا: ظهر الفرق جليا بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبين عناية السنة النبوية بحقوق الإنسان أن الإعلان العالمي عبارة عن آراء وأقوال فيها الخير الكثير لكنها لم تدخل في حيز التطبيق، ثم هي لا تخلو من مسائل تحتاج إلى إعادة نظر لأنها صادرة من رجال متخصصين في القانون وخبراء في حقوق الإنسان إلا أنهم مجتهدون والمجتهد قد يخطئ ويصيب، أما السنة النبوية فهي وحي لا تعرف الخطأ والخلل فهي صادرة من رسول أمين، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وهذه السنة لم تقتصر على الأقوال بل ترجمت بأعمال وإنجازات تجريبية تفصل لنا كيفية أداء حقوق الإنسان بعدة أساليب، فالسنة ميدان عملي تنفيذي لحقوق الإنسان، وهكذا منهاج بقية الأنبياء فهم خير من قام بحقوق الإنسان، لأنهم كانوا يحافظون على التوازن بين حق الله تعالى وحقوق الإنسان.
سادسا: كل ما ورد في السنة النبوية من مسائل حقوق الإنسان فإنها تتضمن ما في القرآن الكريم وبيانه.
سابعا: حظيت حقوق غير المسلمين بالتطبيق العملي في السنة النبوية، وكذلك حقوق التعليم كادت أن تكون كلها بالتطبيق العملي.
ثامنا: لمعرفة حقوق غير المسلمين فإن المطالب كلها مشتملة على (١٣) مطلبا وهي كما يلي: مطلب النهي عن تكفير المسلم، ومطلب النهي عن الإكراه في الغزو في الباب الأول، ومطلب حق الأولاد في الباب الثاني، ومبحث حق الإمام، وفيه أربعة مطالب في الباب الثالث، ومبحث الحقوق المالية في الجهاد المالية في الجهاد، وفيه ثلاثة مطالب والمبحث الثاني حقوق الأقارب في الميراث وفيه ثلاثة مطالب وكلا المبحثين في الباب الرابع.
تاسعا: من رام الاطلاع على حقوق المرأة العامة في الإسلام فإن جميع المفردات المذكورة في هذه الدراسة تنطبق عليها سوى حقوق الإمام، ومطلب حق الأنبياء ومطلب حق الزوج في القوامة وما ذكرته من حقوق المرأة فهو من قبيل الخاص بها وقد ورد في هذه الدراسة حقوق للمرأة لم تذكر في الإعلان لحقوق الإنسان ولا في بيان حقوق الإنسان في الإسلام.
عاشرا: حقوق الإنسان درجات في الثواب والعقاب تتفاوت فيما بينها، فبعضها من الواجبات التي يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، وهذه الواجبات بعضها فرض عين وبعضها فرض كفاية، وبعضها الحقوق من المندوبات والمستحبات التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
стр. 1107
في حوار هادئ مع محمد الغزالي
المؤلف/ المشرف: سلمان بن فهد العودة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٩هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: نقد وتوجيه
وفي ختام هذا الحوار الهادئ مع الغزالي نستطيع أن نصل إلى النتائج الآتية:
١ - مدى صلته بعقيدة الأشاعرة سلباً أو إيجاباً، ومعنى ما يقوله من اتباعه لعقيدة السلف.
٢ - مدى صلته بالمدرسة العقلية، ومدى توافق منهجه وآرائه معها.
٣ - مدى الاتفاق والاختلاف بين منهجه النظري والتطبيقي. ٤ - موقفه ممن يخالفهم سواء كانوا من سلف الأمة أو علمائها، أو شباب الصحوة.
٥ - أنه يتكئ على أقوال أهل العلم إذا ظن أنها تظاهر قولا يميل إليه، ويطعن بها في نحور مخالفيه، لكنه يتخلى عن هذه الأقوال ويضرب بها جانبا بل ويشنع على أصحابها إذا خالفت رأيه.
٦ - مخالفته للإجماع، وشذوذه في عدد من المسائل الفقهية. ٧ - الاستجابة للضغوط العلمية والحضارية المعاصرة، ومحاولة تطويع بعض الأحكام الشرعية لها.
٨ - اختلاف منهجه في أحاديث الآحاد، حيث يقبلها أحيانا، ويرفضها أحيانا أخرى دون اطراد.
٩ - يغلب على حديثه الأسلوب العاطفي الخطابي المجرد أكثر من الأسلوب العلمي.
١٠ - تناقض آرائه وأطروحاته الفكرية بحيث لا يمكن سبك آرائه في منظومة فكرية واحدة، ولعله راجع إلى الفقرة التي قبلها
стр. 1108
كيف ندرس علم تخريج الحديث
المؤلف/ المشرف: حمزة عبدالله المليباري - سلطان العكايلة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم – بيروت ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: أصول تخريج وتصحيح وتضعيف وجرح وتعديل
الخاتمة:
لعل من المفيد في نهاية جولتنا العلمية عبر ثلاث مراحل من التخريج مصحوبة بالتمارين المتنوعة أن نلخص للقارئ الكريم المحور الأساس الذي دار حوله محتوى الكتاب كي تترسخ لديه فكرة منهجية حول التخريج العلمي وهدفه وأهميته في معرفة الحكم على الحديث صحةً أو ضعفاً، وحول ترتيب خطوات البحث في ذلك المجال.
ومن البديهي أن الطالب لن يبقي في ذهنه بعد دراسة المادة سوى الفكرة المنهجية حول أهم قضاياها الجوهرية، وأما ما يحفظه من معلومات ونظريات، فإنه يكاد ينساه، لكن ذلك غير ضار، إذ بإمكان الطالب أن يستدرك ذلك كله على الوجه الأكمل أثناء ممارسته البحث والتخريج.
إن التخريج مجرد وسيلة لمعرفة حالة الرواية من حيث التفرد أو المخالفة أو الموافقة، وهو بذلك يكون مرادفاً بـ (الاعتبار) المتمثل في سبر المرويات للنظر في المتابعات والشواهد، غير أن (الاعتبار) يقوم على استحضار المحدث الناقد أحاديثه المسموعة بروايته المباشرة، في حين يعتمد التخريج على البحث في كتب المحدثين لتحقيق الغرض نفسه دون أن يكون للباحث المهتم به نصيب في الرواية المباشرة.
وإذا كان التخريج وسيلة لتحقيق هذا الغرض فإنه يجب على الباحث أن يقوم بالمقارنة بين الروايات التي جمعها، بحثاً عن حالة الاتفاق أو التفرد أو الاختلاف في هذه الروايات حول القضايا الجوهرية، مثل: الإرسال والاتصال، أو الوقف والرفع، أو زيادة كلمة في المتن تفيد تخصيصاً أو تعميماً، وتقييداً أو إطلاقاً أو نحو ذلك، دون أن تستوقفه الأمور الشكلية التي لا يكاد يخلو منها حديث، مثل ترادف الكلمات، أو إيراد القصة بطولها أو مختصرة، أو طول الحديث وقصره، وغيرها من الأمور التي أوضحناها أثناء إجراء المقارنة الجماعية في المرحلة الثانية، ولا تكون تلك المقارنة منهجية إلا إذا أجريت بعد معرفة مدار الروايات.
وليكون الباحث دقيقاً في بحثه ومصيباً في استنتاجاته فعليه أن يستعين بنصوص النقاد للتأكد من صواب ما رصده أثناء المقارنة من التفرد أو المخالفة أو الاتفاق فيما يخص المسائل الجوهرية، وأن لا يستعجل في إصدار الحكم على الحديث بتفرد الراوي به أو مخالفته غيره، وذلك نظراً لعدم استيعاب الباحث في تخريجه كتب الحديث، وعدم تأهله للخوض في غمار النقد.
ومن هنا تأتي مرحلة جديدة يتأمل الباحث من خلالها في أسباب تفرد الراوي أو أسباب مخالفته، وهل ذلك ناتج عن توهمه أو كذبه، أو عن تفوقه في الحفظ والضبط والفهم؟ إذ أن التفرد والمخالفة يظهران في الحديث بسبب من هذه الأسباب الآنفة الذكر.
وأهم ما يساعد في البحث عن تلك الأسباب وتحديدها بدقة متناهية هي المعرفة الحديثية التي تكسب صاحبها ذوقاً حديثياً رفيعاً يستطيع الاطمئنان إليه فيما يرى بقناعة تامة، وإذا لم يتوفر له ذلك فعليه أن يسلك الطريقين التاليين أو أحدهما:
١ - البحث عن نصوص النقاد حول ذلك.
٢ - الترجمة لذلك الراوي الذي انفرد بالحديث أو خالف فيه غيره، أو ترجمة سلسلة من الرواة الذين يدور عليهم الحديث. ويجب أن يكون ذلك بالشكل الذي أوضحناه سابقاً في المرحلة الثالثة.
وحين يستوفي الباحث جميع هذه الأمور وصل مرحلة تبييض المعلومات ليتسنى له تصنيف ما استنتجه تصنيفاً علمياً واضحاً وموثقاً بحيث يصبح القارئ مقتنعاً بما يقدم له من ملابسات الرواية لذلك الحديث الذي قام بتخريجه.
تلك هي خلاصة التخريج العلمي وفقهه الذي كنا نصبوا إليه، وأسس فكرته المنهجية، وطريقة ترتيب خطوات البحث في ذلك.
стр. 1109
وإذا استطعنا أن نغرس هذه الفكرة المنهجية لدى الطالب بشكل جيد فإنه يكون قادراً على توظيف التسهيلات التي يقدمها الحاسب الآلي في مجالات البحث العلمي خير توظيف في تحقيق الهدف من التخريج، بدل أن تكون وظيفته مقصورة على إخراج ما قد أدخل في برامج الحاسب الآلي من الأحاديث.
لقد كان من أهم العوامل التي دعتنا بإلحاح إلى تأليف هذا الكتاب، وطرح مادة تخريج الحديث بأسلوبها الجديد موزعة على ثلاث مراحل، رغبتنا في معالجة ما آلت إليه الأبحاث في ميدان التخريج والتحقيق من الفوضى العلمية التي جرت أصحابها إلى اهتمامهم بالأمور الثانوية دون معالجة المسائل الأساسية، وقد سعينا لتحقيق هذه الرغبة من خلال بناء فكرة منهجية سليمة تعين الطالب والباحث على توظيف المعلومات التي يجمعها سواء كان عن طريق التخريج المباشر أم عن طريق برامج الحاسب الآلي في الأحاديث النبوية توظيفاً مناسباً فيما يقتضيه البحث ويتطلبه المقام.
إن تطورات العصر في مجال الأبحاث العلمية يجب أن تواكبها العلوم الشرعية التي تبقى محل بحث وجمع وغربلة ومقارنة واستنتاج، وذلك من خلال تطوير مناهج دراستها بالتركيز على القضايا المنهجية التي تحتاج إلى تأصيل فهمها، والتي تعين الطالب في بناء ثقافته وتكوين شخصيته على أسس علمية قوية، ومنهج مرن يمكنه من إفهام الناس ما قد فهمه واقتنع به على ضوء الأدلة والبراهين، دون إثارة ما من شأنه حجب القارئ عن الاستماع إليه بوعي وصفاء، علماً بأن المرحلة الزمنية التي نمر بها هي مرحلة تنقيب وتنقية لما جمعه سلفنا، وما يجب علينا هو أن نستمد من قواعد النقد عند المحدثين ما نستطيع معه القيام بالتنقية والتنقيب، وبذلك نكون قد أدينا الواجب العلمي وفق مقتضيات المرحلة. وأما أن ننشغل بجمع ما قد تم جمعه فذلك المضحك المبكي، والله المستعان.
стр. 1110
مصطلح منهج المتقدمين والمتأخرين - مناقشات وردود
المؤلف/ المشرف: محمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الآثار - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: دراسات حديثية
الخاتمة: تلخيص مجمل الكتاب وما جاء فيه:
فأقول:
المشكلة:
صعوبة دراسة علم الحديث، إذ طالب الحديث المبتدئ يعسر عليه ما يلاحظه من المفارقة بين الدرس النظري والتطبيقي.
كما أن مخالفة أحكام الأئمة ليست بالأمر السهل، إذ حقيقة شمولية وعمق ومباشرة أئمة الحديث للرواة، وواقع الرواية يجعل لأحكامهم من المزية ما ليس لغيرهم، فما بالك بمخالفتهم في التصحيح والتضعيف؟!
وهذا بدوره يؤدي إلى عدم وضوح النتيجة العملية في التصحيح والتضعيف، فهل يعمل بالحديث الذي صححه الأئمة وضعفه من جاء بعدهم، وهل يترك العمل بحديث ضعفه الأئمة وصححه من جاء بعدهم؟
أسباب المشكلة:
١ - مفارقة القواعد المقررة في علم الحديث نظرياً عن الواقع في تخريج الحديث في أحيان كثيرة.
٢ - وجود عبارات لأئمة الحديث لا تتطابق في الظاهر مع ما هو مقرر في علم الحديث عند تعريف الأنواع ومصطلحاتها.
٣ - وقوع تساهل في تقوية أحاديث هي معلولة عند أئمة الحديث، أو تضعيف أحاديث هي صحيحة عند أئمة الحديث.
٤ - إدخال كلام الأصوليين وترجيحاتهم أثناء عرض مسائل علم الحديث، بل وتبني بعض أهل الحديث لما هو راجح عند الأصوليين لا ما هو راجح عند المحدثين، مثل مسألة زيادة الثقة.
حل المشكلة:
سلك الدارسون لهذه المشكلة عدة اتجاهات لعلاجها، أجملها في مسلكين:
المسلك الأول: مسلك الدفع والمفاصلة.
المسلك الثاني: مسلك الاحتواء والتوجيه.
ولنشرح هذا نقول:
شرح المسلك الأول: مسلك الدفع والمفاضلة
رصدت في هذا المسلك اتجاهين متوازيين، ينتهيان إلى ما سميته بـ: (الدفع والمفاضلة)، وهما:
الاتجاه الأول: طرح كلام المتأخرين جملة وتفصيلاً، لأنه لا يمثل ما عليه أهل الحديث المتقدمون، ولأنه يفارق عباراتهم وكلامهم على الحديث وتعليله جملة وتفصيلاً، ويدعو إلى إعادة كتابة علم الحديث، ونبذ تقريرات ابن الصلاح ومن بعده إلى ابن حجر، بل حتى ما كتبه ابن حجر العسقلاني ﵀ في (نزهة النظر) يمثل خطرا شديدا على علم الحديث، فهو قد جرى في بعض مباحث كتابه (نزهة النظر) على منهج خطر على السنة وعلومها، وهو ما عبر به عنه بـ: (منهج تطوير المصطلحات).
ومن نافلة القول: إن هذا المنهج يجري على دفع أحكام المتأخرين على الأحاديث، وإعادة النظر في كل كلامهم على الأحاديث تصحيحا أو تضعيفا، فما وجد من كلام المتأخرين موافقا لكلام الأئمة المتقدمين فهو مقبول، وما لا فهو مردود، لا التفات إليه أصلا.
الاتجاه الثاني: يقرر أن هناك منهجا للمحدثين ومنهجا للفقهاء والأصوليين، لكنه يتحكم في هذه القضية، فهو يخرج من أهل الحديث من عرف بالتساهل أو التشدد، ويرى أنه لا يمثل أهل الحديث وإن كان متقدما بالزمن، فابن حبان والحاكم ومن قبلهم الترمذي وقس عليه من عرف بالتساهل من أهل الحديث هم عندهم ليسوا من أهل الحديث، ولا تعد أقوالهم التي يظنون أنهم تساهلوا فيها ضمن أقوال أهل الحديث المتقدمين. وقد يغلو بعض هؤلاء فيردون أحكام المتأخرين على الأحاديث بلا تفصيل.
ويختلف هؤلاء عن من قبلهم في أنهم لا يدعون إلى إعادة كتابة علم الحديث، إنما ينبهون إلى حصول تساهل فيها من جهة إدراج بعض أقوال الفقهاء والأصوليين فيها، أو أنها تضمنت في مواضع ترجيحات في مسائل لا تمثل أهل الحديث.
شرح المسلك الثاني: مسلك الاحتواء والتوجيه:
стр. 1111
يقرر هذا المسلك حصول مفارقة بين التطبيق والدراسة النظرية في بعض الأحيان، كما يقرر أن بعض عبارات الأئمة غير منطبقة تماما مع تعريف بعض الأنواع والمصطلحات في كتب علم الحديث، ويبرر هذا بأمور:
- أن لكل حديث نظرا خاصا به.
- أن مصطلحات كل إمام من أئمة الجرح والتعديل تحتاج إلى دراسة يتبين منها مراده، وما زال الأمر بحاجة إلى مزيد من الدرس والتدقيق؛ للوصول إلى برد اليقين في ذلك.
- أن عامة كلام الأئمة إنما خرج تعليقا على حال راو، أو على حديث، مما يبعد معه الجزم أن مراد الإمام بتلك العبارة التقعيد العام، بل الظاهر بقرينة الحال وملاحظة مخرج الكلام أن مراده بعبارته كشف الحال المعين الذي يتكلم فيه، إما الراوي أو الحديث، لا غير ذلك.
وهذا والله أعلم أوجد نوعاً من الصعوبة توجب التريث والتأني قبل الجزم بأن هذا هو مراد الإمام بعبارته هذه دون غيره.
يقرر هذا المسلك أن للمحدثين منهجا في دراسة علم الحديث يختلف عن منهج الفقهاء والأصوليين، لكن لا يلزم من ذلك أن كل ما عند الأصوليين والفقهاء يخالف ما عند المحدثين، فقد لوحظ أن جملة كثيرة من أقوال الفقهاء والأصوليين ترجع إلى أقوال لبعض أهل الحديث، وإن كانت مرجوحة عند المحدثين. وأن ليس كل ما هو راجح عند الفقهاء والأصوليين يخالف ما عند المحدثين. بل قد يؤدي اجتهاد فقيه أصولي إلى ترجيح قول في المسألة هو كقول أهل الحديث، والعكس صحيح.
وبناء عليه؛ فإن باب التدقيق والنظر والاجتهاد مشرع، فلا يحصر الصواب مع أحد دون الآخر، والعبرة في النظر إلى الدليل، أو على الأقل ملاحظة منهج الفريقين عند التعامل معه.
ويقرر أن علماء الحديث منهم المتشدد ومنهم المتساهل ومنهم المعتدل، وأن الكلَ من أهل الحديث، والعبرة إنما هي في الدليل، فلا يقال عن المتساهل أنه على منهج الفقهاء والأصوليين، بل العبرة كما سبق هي بالحجة والدليل.
ويقرر أن ما صنعه ابن الصلاح هو محاولة تقريب العلم وتقعيده، وقد نبه ﵀ في أغلب الأنواع الحديثية التي أوردها على مواضع الاختلاف، بل ونبه إلى التعاريف الأخرى التي تخالف التعريف الذي قدمه أو اعتمده، وأن مرجع ذلك أنه ﵀ كان يتقصد إيراد التعريف الذي يتناسب مع مقصده من تعريف الصحيح الذي أورده بحسب ما عليه جمهور أهل الحديث.
فهو لم يزعم في موضع من هذه المواضع المشار إليها أن ما ذكره هو المعتمد عند جميع أئمة الحديث.
وقرار أصحاب هذا المسلك أن من أسباب المشكلة طريقة تدريس كتب علم الحديث، فإن من لم يلاحظ هذه المقاصد المشار إليها قبل قليل يقع في تحكم يوقع في هذه المفارقة، وأن الواجب عند تدريس هذا العلم تنبيه الطالب إلى هذه الأمور التي أشار إليها ابن الصلاح ومن بعده.
ومن أسباب المشكلة أيضاً: أن بعض من اختصر كلام ابن الصلاح أو نظمه اقتصر على ذكر التعريف الذي اعتمده ابن الصلاح دون الإشارات التي أشار إليها ابن الصلاح من وجود مخالف، أو أن هذا التعريف لا يمثل كل أهل الحديث، وهذه أمور توقع في الشعور الزائد بهذه المفارقة المشار إليها، والواجب تجنب ذلك، والتنبيه على ما فيها.
ويقرر هؤلاء أنه لا يوجد استقرار نهائي للمصطلح بحيث نقول: إن جميع أهل الحديث على هذا التعريف، أو على هذا المصطلح بحرفيته، لما قدمته لك من أن مصطلحات الأئمة نفسها بحاجة إلى درس لمعرفة حقيقة مرادهم.
ملاحظاتي:
١ - إن منحى (الدفع والمفاصلة) لم يظهر إلا في هذا الوقت، مع قدم المشكلة بحسب توصيفها! مما يدل أنه لا توجد مشكلة أصلا، وإلا لتكلم عنها العلماء وبينوها!
стр. 1112
غاية ما في الأمر أن هؤلاء القائلين بمنهج المتقدمين لم يفهموا كلام المتأخرين ولم يستوعبوه، ورأوا أن طلب كلام المتقدمين أولى، مع ما فيه من تعدد الألفاظ وتنوع المصطلحات، وخصوصية المحل غالبا، فليست أحكامهم عامة إلا في القليل النادر، فلما استحكمت الحلقات على هؤلاء قالوا بهذا المنهج، فلا لكلام المتأخرين فهموا، ولا بكلام المتقدمين أخذوا.
٢ - ارتبط ظهور هذه الدعوى بالهجوم على الألباني ﵀ على الأقل من بعضهم، مما يشعر بأن سمة هذه الدعوى أنها ردة فعل.
٣ - أن علماء الحديث المعاصرين لم يتبنوا هذا المنهج، فالشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ حماد الأنصاري والشيخ الألباني والشيخ ربيع – ﵏ – وهم من كبار أهل الحديث لم يتبنوا هذا المسلك، بل وقفوا ضده، وحذروا منه.
٤ - ضبابية الرؤية لدى القائلين به، وذلك يظهر في جوانب منها:
أ- في بيان حد (المتقدمين) و (المتأخرين)، ففي أول الأمر جاء في عباراتهم ما يشعر أنهم يحدون ذلك بالزمن، ثم تطور الأمر فصاروا يحدون ذلك بطريقة التصنيف والاعتماد فيها على الأسانيد والرواية، ثم تطور بهم الحال، فجاء في عباراتهم ما يشعر بأنهم يفرقون بين المتقدمين والمتأخرين بمنهج التعليل، فمن جرى في كلامه إيراد العلل والطرق وإيراد كلام المتقدمين فهو من المتقدمين، ومن لا فلا! ثم استقروا أخيرا على أن المتقدمين هم أهل الحديث الذين لم يوصفوا بالتساهل، والمتأخرين هم من كان على طريقة الفقهاء والأصوليين والمتساهلين من أهل الحديث منهم.
ب- ضبابية الرؤية عندهم في تحديد طريقة أهل الحديث، فهم تارة يجعلون أهل الحديث مقابلاً للفقهاء والأصوليين، وتارة يخرجون المتساهلين والمتشددين من أهل الحديث!
ج- ومن ذلك أنك تراهم يبيحون لأنفسهم ما يمنعون غيرهم منه، فلهم الحق في التقعيد على كلام المتقدمين وفهمه، وغيرهم لا حق له، وما يقررونه هو الصواب الذي لا معدل عنه، وكلام غيرهم لا التفات إليه، حتى لو كان هذا الغير من العلماء الكبار، كابن الصلاح ومن جاء بعده إلى ابن حجر وإلى يومنا هذا، رحم الله الجميع!
د- لم يتحرر لدي موقفهم من كلام أئمة الحديث إذا اختلفوا في الحكم على الرجل أو الحديث، ماذا يصنعون؟ هل يقبلونه على تعارضه، أم يردونه؟ وإذا رجحوا فعلى أي أساس؟ وهل كلام الأئمة عندهم من الأخبار التي يجب قبولها؟ أو هي من الاجتهاد الذي ينظر فيه؟ أو بعضه كذا وبعضه كذا؟
هـ- أن الدعوة إلى المتقدمين والمتأخرين على هذا المسلك (مسلك الدفع والمفاصلة)، وبخاصة الاتجاه الأول منه يترتب عليها ويستلزم منها أمور باطلة؛ من ذلك:
- أن في هذه المقالة خروج عن سبيل المؤمنين الذي سلكوه من زمن ابن الصلاح إلى يومنا هذا.
- ومنها: أن في هذه المقالة: مخالفة الحديث الوارد في أن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
- ومنها: أن في هذه المقالة منابذة للعلم والعلماء في شتى الفنون، وخاصة علوم الشريعة، بل وإساءة الظن بهم – ﵏.
- ومنها: أن محصلة هذه الدعوى أنها تحصيل حاصل.
- ومنها: أن تأخذ في بعض أوضاعها موقف التقليد المتعصب المذموم، لا الجائز.
- ومنها: أن في هذه الدعوى ما يؤدي إلى رفع منار أهل البدعة والضلالة.
- ومنها: أن فيها هدم للحديث، بل وللدين!؛لأن معنى هذا أن جميع الأحكام على الأحاديث تصحيحا وتضعيفاً التي بنيت على تقعيد ابن الصلاح ومن بعده بحاجة إلى إعادة نظر، فانظر هل يبقى من أحكام الشرع بعد هذا شيء مستقر في مكانه؟!
والذي يظهر لي أن حل المشكلة بما عليه المسلك الثاني هو المتفق مع قواعد العلم المتقررة عند العلماء، إذ حقيقة الحال: أن العلماء استوعبوا كلام المتقدمين في مسائل علم الحديث، وفهموه ودرسوه وقعدوا هذه القواعد لتقريب العلم، وتسهيل السبيل أمام الطالب ليرقى فيه، ولا ضير عليهم إذا جاء هؤلاء ولم يفهموهم، ولم يحسنوا الظن بهم!!
стр. 1113
مقاييس نقد متون السنة
المؤلف/ المشرف: مسفر غرم الله الدميني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٤هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: أصول تخريج وتصحيح وتضعيف وجرح وتعديل
الخاتمة
استعرضنا في هذا البحث مقاييس نقد المتن عند الصحابة ﵃ حيث تأكد لدينا تأصيلهم لمقياس: عرض الحديث على القرآن، فإذا خالفه مخالفة لا يمكن معها الجمع ـ في نظرهم على الأقل ـ حكموا برده إذا لم يمكن تأويله أو توجيهه، كما كانوا يعرضون ما يبلغهم من حديث على ما يعرفه بعضهم أو جميعهم، ويرجحون ما يرونه صحيحاً في نظرهم، والمقياس الثالث الذي لم يتأكد استعمالهم له هو النظر العقلي، وقد تابع المحدثون والفقهاء الصحابة في الأخذ بالمقياسين الأولين وإن كان اتجاه كل فريق منهم إلى ما يناسب تخصصه، فالمحدثون قد يرجحون بقوة الأسانيد أو باعتبارات أخرى في المتن، والفقهاء يقسمون الخبر إلى قسمين متواتر وآحاد، أو قطعي وظني وبعضهم يقدم هذا على ذاك، وآخرون لا يفرقون.
والمحدثون يعرضون الروايات الواردة في حديث واحد بعضها على بعض ويظهر لهم من هذا العرض عدة نتائج مهمة ذات أثر كبير في تصفية الحديث مما يمكن أن يعلق به من زيادات الرواة أو إدراجاتهم، كما كان من مقاييسهم استعمال المعلومات التاريخية في نقد ما يرد في متن الحديث، وهذا من أقوى المقاييس صدقاً في نتيجته خصوصاً إذا كانت تلك المعلومات يقينية ثابتة.
كما نظر المحدثون في متن الحديث فإذا كان لفظه أو معناه ركيكاً لا يقول مثله رسول الله ﷺ كان ذلك دليلاً على عدم صحته، وكذا إذا كان مخالفاً للأصول والمفاهيم الشرعية المعلومة عند الناس، أو يشتمل على أمر منكر أو مستحيل فكل ذلك لا ينسب إلى رسول الله ﷺ .
ويبدو من الأمثلة التطبيقية التي أوردناها استعمال المحدثين للمقاييس الأربعة الأولى كثيراً عند نقد كتب السنّة بغض النظر عن مصنفها سواء من أهل الصحاح أو غيره، وهذا يعطي تلك المقاييس قدرها بحيث لا يستثنى عند تطبيقها أي كتاب من تلك الكتب، أما الثلاثة الأخيرة فلم تحظ بمثل ذلك القدر، ولم تطبق على الكتب جميعاً بل هي غلباً ما تستعمل عند ضعف الأسانيد أو عدم وصفها بالصحة ولا تكفي تلك الأمثلة النادرة التي ذكرناها دليلاً على القول بأنهم استعملوها في نقد جميع الكتب المصنفة في الحديث، وفي نظري يجب تطبيقها بشكل أوسع على جميع المصنفات دون استثناء، فالحديث الذي يشمل أمراً منكراً أو مستحيلاً، أو معنى ركيكاً هابطاً، أو يخالف أحد التصورات والمفاهيم الإسلامية يجب الحكم عليه بعدم الصحة، ولا تغرنا صحة إسناده عن نكارته فقد أصَّل المحدثون ذلك الأصل العظيم وهو إن صحة الإسناد ليست موجبة لصحة الحديث، وانطلاقاً من هذا الأصل نبني حكمنا على تلك الأحاديث المنكرة حسب تلك المقاييس المتقدمة فيقال عنها ما تستحقه بالنظر إلى متونها وعدم إغفال ذلك عند الحكم عليها.
أما الفقهاء فلعل الحنفية قد بعدوا عن الصواب في عدم تخصيص القطعي بما أسموه ظنياً، وفي عدم الزيادة به أيضاً، وما انتهينا إليه من جواز ذلك ووقوعه عند الحنفية ـ أنفسهم ـ والجمهور هو الصحيح إن شاء الله، وقد كانت تلك المقارنات بين أحاديث ـ ضعيفة ـ زادوا بها على النص القطعي وبين أحاديث ـ صحيحة ـ لم يقبلوا الزيادة بها من أقوى أدلتنا في الرد على الحنفية ونقض ذلك الأصل الذي أصَّلوه.
أما المالكية فقد أوضحنا موقفهم من رد بعض الأحاديث وعدم تخصيصها لبعض العمومات القطعية، أو مخالفتها لعمل أهل المدينة أو إجماعهم، وأن الإجماع الصحيح هو ما أجمعت عليه الأمة كلها، وأن الحق هو فيما ثبت عن رسول الله ﷺ وإن خالفه أهل الأرض كلهم.
стр. 1114
أما الاحتجاج بعمل الصحابة في خلاف الحديث، فقد فصَّلنا القول في ذلك وانتهينا إلى أن الحجة على الناس هي في قول رسول الله ﷺ وعمله، ولا حجة في قول أحد غيره ولا عمله سواء كان من الصحابة أو الفقهاء أو غيرهم من الناس، ولم يتعبدنا الله إلا بطاعته وطاعة رسوله فقط، وإذن فمخالفة الصحابي ـ أو كبار الصحابة ـ للحديث ـ سواء كان هو الذي رواه أو غيره ـ يجب حملها على عدم علمه بحديث رسول الله ﷺ وأنه لما علم الحديث ترك ذلك العمل وأخذ بحديث رسول الله ﷺ وعمل به بل وحدَّث به أيضاً.
أما مخالفة الحديث للقياس فلا شك أن الأخذ بحديث رسول الله ﷺ هو الواجب وترك القياس، وليس لنا إلا التسليم لذلك وإلا وقعنا في مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ .
وفي مخالفة الحديث للأصول العامة للشريعة المعلومة لدى الكافة ما يكفي لرده على راويه، واتهامه بالوهم والخطأ فيما يرويه، وذلك أولى الأمرين، لأن شريعة الله لا تتناقض ولا تختلف، وهنا يجب أن يُعْلَمَ أننا نقصد بأصول الشريعة تلك المبادئ العامة التي بنيت عليها الشريعة والتي لا يمكن أن تُنْسَخ أو تتغير، وتلك الأصول إذا جاء حديث يناقضها لم نقبله لأنه قطعاً ليس عن رسول الله ﷺ بل هو من تخليط الرواة.
أما المقياس السابع والأخير فهو منظور فيه إلى طبيعة ورود الحديث والملابسات المحيطة به والمعنى الذي يؤديه، فإذا كان يحمل حكماً يحتاج إليه الناس جميعاً فالطبيعي أن ينقله جمع كثير، وإذا كان حكماً ليس كالأول فلا مانع أن ينقله العدد القليل، فإذا جاء حديث يحتاج إلى ما فيه الناس كلهم كان الطبيعي أن ينقله عدد كبير فإذا نقله الواحد كان دليلاً على زيافته، هذه دعوى أصحاب هذا المقياس، ومن ينظر إليه هكذا يحسبه حقاً، لكننا إذا علمنا أن الأحكام الشرعية التي تعبد الله بها الخلق ليس فيها ما يحتاج إليه بعض الناس وما يحتاج إليه كل الناس، بل هي جميعاً مما يُحْتَاج إليها ومما تعم بها البلوى، ولا يجوز إغفالها ولا التهاون فيها، كذلك نجد أكثر الأحكام قد وردت عن طريق خبر الآحاد، والرسول ﷺ يبلِّغ الناس جميعاً رسالة ربه وهو واحد، ويبعث رسله وجباته وهم آحاد، ويأتيه الوفد من قومهم فيعلمهم دينهم ويأمرهم بتبليغ من وراءهم وهم آحاد أيضاً، وإذن فالأمر الطبيعي أن تصلنا أكثر سنّته عن طريق الآحاد، وكل ما جاءنا عنه بطريق صحيح ليس لنا مخالفته لأنه آحاد بل يجب علينا الالتزام به والوقوف عنده وعدم رده أو الحكم عليه بعدم الصحة لتلك الشبهة، هذا ما انتهينا إليه من نتائج هامة في هذا البحث.
وبعد/ فإنني أرجو أن أكون قد قدمت بهذا العمل إجابة شافية عن ذلك السؤال الذي طرحه بعض الأخوة وأنا أُفكر في موضوع لرسالة الدكتوراه، وهو: هل هناك مقاييس لنقد متون السنّة غير تلك الموجهة إلى الأسانيد؟، وعلم الله أنني بذلت قصارى جهدي في هذا البحث، وإن كنت قد أصبت فهذا هدفي وأملي وإن كنت قد أخطأت فالله أسأل أن يغفر لي وأن يهديني إلى الصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1115
مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث الحسنة والضعيفة
المؤلف/ المشرف: المرتضى الزين أحمد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: أصول تخريج وتصحيح وتضعيف وجرح وتعديل
الخاتمة والتوصيات
إن أهم النتائج التي توصلت إليها ـ بحمد الله وتوفيقه ـ من خلال هذه الدراسة تنحصر في الأمور الآتية:
(١) أولاً: العواضد التي تعضد الأحاديث الحسنة لذاتها هي: اعتضاده بمثله ـ الحسن لذاته ـ، وبما هو أعلى منه ـ بالصحيح.
(٢) ثانياً: الأحاديث الضعيفة التي تتقوى وتقوي غيرها هي الأحاديث الضعيفة بسبب سوء حفظ أحد رواتها، أو بسبب جهالة فيها. فمن الأول تقوية حديث المختلط، والمتلقن، وغيرهما ممن وصف بسوء الحفظ، ومن الثاني تقوية الأحاديث الضعيفة التي فيها سقط ظاهر وهي: المرسل، والمنقطع، والمعضل. وتقوية الأحاديث الضعيفة التي فيها سقط خفي وهي: المدلس، والمرسل الخفي، وكذا تقوية الأحاديث الضعيفة بسبب الجهل بعدالة أحد رواتها وهي: حديث مجهول العين، ومجهول الحال، والمبهم. فجميع هذه الأنواع تشتر ك في الجهل بحال رواتها.
(٣) ثالثاً: ربما يوجد في الحديث الضعيف أكثر من سبب من أسباب الضعف المنجبر فلا يمنع ذلك من قبوله للاعتضاد والتقوية.
(٤) رابعاً: هنالك عواضد ذكرها بعض الأئمة ظهر لي أنها لا تقوي الحديث فيرتفع بها من مرتبة إلى مرتبة أخرى، وتلك العواضد هي: (اعتضاد الحديث بالقياس) أو (بالانتشار) أو (بفتوى أكثر أهل العلم به) أو (بعمل أهل العصر به) أو (بتلقي الأمة له بالقبول) أو (بموافقة ظاهر القرآن له) أو (باستدلال المجتهد به) أو (عن طريق رؤية النبي ﷺ في المنام) أو (عن طريق الكشف الصوفي) أو (عن طريق المكتشفات العلمية).
ولا يمنع ارتفاع ضعفها أو تقويتها بواحد من هذه العواضد أن يعمل بها فكم من حديث ضعيف عمل به الأئمة؟
(٥) خامساً: أن التقوية بالأدنى التي نفاها بعض الأئمة المراد بها رفع الحديث من مرتبة إلى مرتبة أخرى، أما إذا كان المراد بالتقوية بالأدنى زيادة قوة الحديث الثابت فليس هنالك ما يمنع من وقوعها، ومن هذا الباب تقديم الأئمة الحديث الذي له إسنادان (مسند ومرسل) على ماله إسناد واحد، لأن كثرة الطرق يتقوى بها الحديث بلا شك.
(٦) سادساً: لعل من الواجبات الهامة التي ينبغي على أصحاب الفضيلة الأساتذة والمشايخ القيام بها جمع الرواة الذين يقبل حديثهم في المتابعات والشواهد، وفي ذلك محاولة لإحياء كتاب الإمام علي بن المديني: (من لا يحتج بحديثه ولا يسقط).
(٧) وختاماً فالحمد لله على توفيقه وهدايته وإعانته لي في هذه الرسالة التي أرجو أن تكون قد حققت بعض أهدافها وغاياتها، وإلا فحسبها أن تكون مقدمة لبحوث ودراسات جديدة يكون فيها مزيد إيضاح وبيان لمباحثها ولما له صلة بها من مباحث لم أتعرض لها بالبحث والمناقشة. والحمد لله رب العالمين.
د. مرتضى الزين أحمد
المدينة النبوية
١/ ١٢/ ١٤١٢هـ.
стр. 1116
منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث
المؤلف/ المشرف: بشير علي عمر
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: وقف السلام الخيري - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: علوم حديث - علل
الحمد لله أولا وآخرا حمدا يليق بجلال ربنا وكماله وكما يحب ربنا ويرضى، فقد يسر الله بمنه وكرمه وفضله علي بإتمام هذا البحث الذي عشت فيه فترة من الزمن مع إمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في ظل كلامه في علل الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ وفي رواتها.
إن الإمام أحمد من الأئمة الذي خاضوا في مجال إبراز الأخطاء والأوهام التي وقع فيها رواة الأخبار، وكيف وقعوا فيها، والخطأ مما جبل عليه البشر، وأسباب طروه لا تنحصر، فكان من الصعوبة بمكان وضع قواعد جامدة لا مرونة فيها تكون هي المعولة في الحكم على الراوي بالخطأ في روايته، ومن أجل ذلك كان من أبرز سمات منهج الإمام أحمد العمل مع القرائن في كل حديث حديث.
ومع تلك الصعوبة فلا يستحيل على من درس منهج الإمام أحمد من الاطلاع على أهم الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد كلامه في الإعلال، ولا يقال إنها قواعد بل هي قرائن كادت لكثرة استعمالها أن تكون قواعد في هذا العلم، ومن خلال هذه الدراسة تكاد تنحصر في عشرة أمور:
١. التفرد ممن لا يحتمل تفرده وبخاصة عن حافظ مكثر ذي تلاميذ كثر.
٢. المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عددا.
٣. مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه.
٤. مخالفة الرواية للثابت المعروف.
٥. سلوك الجادة عند بعض الرواة في حالة الرواية.
٦. معرفة الملابسات المتعلقة بمجالس التحمل والأداء.
٧. معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند.
٨. معرفة من ضعف من الثقات تضعيف مقيدا، إما في بعض شيوخه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه.
٩. معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المكثرين في الرواية وعدد التلاميذ.
١٠. الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان.
ولا ينفرد الإمام أحمد في أغلب مسائل هذا العلم بما لا يوافقه عليه غيره من أقرانه أو شيوخه، ففي عدم اعتبار عدد محدود لرفع الجهالة حيث جعل الضابط في ذلك شهرة الراوي، فقد وافقه غيره من أقرانه. وكذلك في اعتبار ثبوت السماع للحكم بالاتصال على السند المعنعن، وفي ضابطه في الحكم بالنكارة على ما تفرد به الراوي الذي لا يحتمل منه ذلك التفرد وإن كان ثقة.
ومصطلحاته في هذا العلم أكثر شمولا من المصطلحات الموضوعة عند المتأخرين. وقد تكون مواقفه في بعض مسائل هذا العلم تعكس منزلته من الإمامة في هذا الدين، فلا تكون نظرته من مجرد منظار أهل الاختصاص بعلم الرواية، مثل موقفه مع المشتهرين بالبدعة والهوى الداعين إليها، وكذلك الذين أجابوا في محنة خلق القرآن، حيث ترك الرواية عنهم ونهى غيره عن ذلك، لا لعدم صحة الاحتجاج بمروياتهم لكن لواجب الديانة المقتضي هجران أصحاب الفرق المخالفين للسنة والجماعة.
والعمل في دراسة منهج الإمام لم يكن أمرا سهلا، فدراسة المناهج أمر يحتاج إلى استقراء تام، ويزيده صعوبة الوقوف على ما يصححه من الأحاديث والذي يمكن أن يجعل أصلا لوضع شرطه في القبول، فمثلا ليس كل حديث في مسنده صحيحا عنده، كما هو الحال في الجامع الصحيح بالنسبة للإمام البخاري، وليس كل مسألة فقهية استدل لها بحديث يستنتج منها صحة الحديث عنده، الأمر الذي يلزم على الباحث أن يستنير بما وضعه أهل الاستقراء التام لأقوال الإمام أحمد.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1117
منهج المتقدمين في التدليس
المؤلف/ المشرف: ناصر بن حمد الفهد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: أضواء السلف - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: تدليس
وأختم هذا البحث بذكر خلاصة مفيدة إن شاء الله تعالى لما ذكرته في الأبواب السابقة:
١ـ أن أساس منهج المتقدمين في أحكامهم على الحديث في الجملة قائم على الاستقراء الواسع والتتبع والسبر والمقارنة مع طول اشتغال بهذا العلم وحفظه ومذاكرته ومدارسته الأئمة.
٢ـ أن التدليس له عدة صور، وكل صورة لها حكم خاص، بل لكل مدلس حكم خاص تقريباً. فهناك من التدليس ما يلحق بالإرسال.
وهناك من التدليس ما لا ينظر فيه إلى (الصيغة) وذلك مثل (تدليس الشيوخ) و (الأخذ من الصحيفة).
وهناك من التدليس ما يكون عاماً وهناك ما هو خاص براوٍ معين، وهناك من الروايات ما يؤمن فيها من التدليس، لأنها من رواية المدلس عن شيوخ معينين أو من روايات شيوخ معينين عن المدلس، وكل هذا يعرف بدراسة حال المدلس وأقوال الأئمة فيه واعتبار رواياته.
٣ـ أن (صيغ التحديث والأداء) يلحقها (التغيير) كثيراً، فالعنعنة في الغالب تكون ممن دون المدلس أو الراوي عموماً، كما أن التصريح بالتحديث أحياناً قد يكون وهماً ممن دون المدلس، فالحكم بالتدليس بناءاً على العنعنة فقط خطأ، والحكم بالاتصال بناءاً على وجود طريق فيه التصريح بالتحديث فقط ـ مع مخالفتها جميع الطرق ـ خطأ، ومعرفة هذه الأمور تكون باستقراء الروايات مع معرفة حال الرواة بدقة.
٤ـ أن طريقة المتقدمين في حكمهم على روايات المدلسين المعنعنة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الرد، وهو في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون قام الدليل على أن حديثه هذا بعينه مدلس: وهذا يعرف بعدد من الوجوه ذكرتها في الفصل الرابع.
الحالة الثانية: أن لا يعلم وجود التدليس ولكن تكون في الحديث علة فتحمل هذه العلة على احتمال وجود التدليس.
القسم الثاني: القبول، وهو فيما عدا ذلك.
وهذا ما ظهر لي بعد طول بحث وتأمل في طريقة السلف والأئمة في هذا الباب، فإن يكن ما ذكرته صواباً فذلك فضل من الله ونعمة فله الحمد والشكر وله الثناء الحسن، وإن تكن الأخرى فأسأل الله تعالى أن لا أعدم الأجر على الاجتهاد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1118
نظرات جديدة في علوم الحديث
المؤلف/ المشرف: حمزة بن عبدالله المليباري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: دراسات حديثية
الخاتمة
نستخلص من البحث أهم النقاط العلمية، وهي أن علوم الحديث قد تناولتها مجموعتان كبيرتان، تتميز كل منهما عن الأخرى بالمناهج والمفاهيم والأعراف العلمية. إحداهما تمثل الجانب العملي التطبيقي، والثانية الجانب النظري.
أما المجموعة التي عالجت علوم الحديث عملياً فهم المعنيون بـ "المتقدمين"، وهم نقاد الحديث، وعنهم انبثقت معظم المصادر الحديثية التي تعطي لنا صورة واضحة لمحتوى علوم الحديث المتداولة بينهم، وفي طليعتها الصحيحان: صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم.
وميزة هذه المجموعة أنها لا تتلقى الأحاديث والآثار ولا تتداولها إلا عن طريق الرواية الشفهية المباشرة، ولهذا يدعى عصرها "عصر الرواية"، ويمتد من القرن الأول الهجري إلى منتصف القرن الخامس الهجري تقريباً.
وأما المجموعة الثانية فتناولت هذا العمل نظرياً باستخراج المصطلحات ووضع التعاريف، وتنظير القواعد اعتماداً على ممارسات المتقدمين في مجال النقد، وهم المعنيون بالمتأخرين، والأمر الذي يميزهم عن المجموعة الأولى ظاهرة الاعتماد على الكتب والمدونات في نقل الأحاديث والآثار، مكان الرواية الفردية المباشرة، إضافة إلى ظهور المبادئ المنطقية وتغلغل آثارها في كافة العلوم الشرعية، لا سيما في التعاريف والحدود.
ومن خلال التأني في تتبع المظاهر العلمية التي كانت تسود هاتين المرحلتين، وبعد إجراء المقارنة بين الجانب التطبيقي لمحتوى علوم الحديث المركز عليه في عصر المتقدمين، وبين الجانب النظري عند المتأخرين تبين لنا خلاف جوهري، وتباين منهجي بينهم في كثير من المصطلحات الحديثية، والقضايا النقدية، يجب على المشتغل بالحديث وعلومه التفطن إليه، كي يتحاشى الآثار السلبية المترتبة عن الخلط بينهم، وهي كثيرة، وإن كافة المعضلات العلمية التي تثير الاضطراب في ضبط مبادئ علوم الحديث ومصطلحاته هي من نتائج هذا الخلط.
ومن أخطرها ما راج بين الكثيرين من "أن نقدة الحديث إنما عنوا عناية فائقة بنقد الأسانيد والرواة، وأما المتون فليس من شأنهم النظر فيها، لكونهم قليلي الفقه"، مما دفع ببعضهم إلى تبني محاكمة الأحاديث إلى القرآن والعقل كمنهج علمي، بديلاً عن منهج المحدثين، إضافة إلى مفاهيم خاطئة، ومناهج مختلطة ترسخت في دراسة الكثيرين من أهل الحديث المعاصرين، وكل هذا وقع في غياب الجوانب العملية التطبيقية في المرحلة الأولى، وفي ظل الاتكال على الجانب النظري عند المتأخرين.
إن المظاهر العلمية التي تميز عصر الرواية تقطع بأن علوم الحديث تضم جانبين: الجانب الأول ما يتعلق بمعرفة الصحيح والسقيم، والجانب الثاني: ما يتصل بفقه الحديث وفهم معناه. لهذا قال علي بن المديني: "التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم".
وقال الإمام أحمد: "إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم والناسخ والمنسوخ من الحديث لا يسمى عالماً". وهو الذي يؤكد عليه جميع الكتب الحديثية التي ظهرت في عصر النقاد، كالجوامع والسنن التي روعي في ترتيبها النسق الفقهي، وفي مقدمتها "الجامع الصحيح" للإمام البخاري، وقد ركزنا على هذا الجانب، وأفضنا فيه.
стр. 1119
والذي أود إبرازه هنا هو الناحية النقدية التي تشكل أهم جوانب علوم الحديث، والسبيل الوحيد للتعرف عليها هو دراسة صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم دراسة تحليلية معمقة، باعتبار أن كليهما ميدان تطبيقي لذلك، وفضلاً عن دراسة الصحيحين يجدر بالباحث المدقق أن يقارن "بالتاريخ الكبير" للإمام البخاري، و "كتاب العلل الكبير" للإمام الترمذي الذي جمع فيه نصوص شيخه البخاري، وكتاب "التمييز" للإمام مسلم، وسائر كتب العلل التي تحتوي على القدر الأكبر من الروايات المعلولة، والتي تعتبر من بقية المرويات التي اصطفى منها الإمامان تلك الأحاديث الصحيحة على أسس علمية متينة، بحيث تبرز الدراسة ما أودع كل منهما في تضاعيف الصحيحين من الفوائد الإسنادية، والنقدية، وتبلور المنهج العلمي المتبع لديهما في معرفة الصحيح والسقيم، وكشف أوهام الرواة، وحتى أغلاط الأئمة الأجلاء، وافتراءات المغرضين وحيلهم وانتحالاتهم.
بعد دراسة تحليلية في كتب العلل، وكتب الضعفاء، والصحاح، والسنن وغيرها من المصادر الحديثية التي وضعت في ضوء قواعد التصحيح والتعليل، أو الجرح والتعديل، في المرحلة الأولى، وبعد التتبع العلمي لها عن كثب، استطعنا ـ بفضل الله تعالىـ أن نستخلص طبيعة مسلكهم في نقد الأحاديث كما يلي:
يصحح الإمام البخاري وغيره من النقدة أصناف الأحاديث متى تأكدوا، وتحققوا من صدق كل راو من رواتها في سلسلة الإسناد، وإصابته في عزوها لمن فوقه كما سمعها منه، سواء رواها الثقات أو الضعفاء غير المتهمين، كما يردونها عند شعورهم القوي بخطأ أحدهم ووهمه، سواء كان ثقة أم ضعيفاً، أو قد كذب وافترى. وهناك أمور كثيرة تعتبر أساساً في تحري صدق الراوي فيما حدث به، وإتقانه له، أو خطئه ووهمه فيه، أو كذبه ووضعه له.
وأما بخصوص تحري الصدق والإتقان فكأن يروي الراوي حديثاً يوافق المعروف عن شيخه، أو عمن فوقه، أو عن الصحابي، أو عن النبي ﷺ ، أو يوافق ما كان عليه عمل الصحابة، فإن موافقته للواقع دليل على صدقه وحفظه وضبطه، وحين تصبح الموافقة سمة بارزة له فإن نقاد الحديث يصفونه بما يدل عليها بدقة، ويصنفونه في زمرة الثقات.
فمعرفة حال الراوي ومستوى ضبطه وإتقانه متوقفة إذن على تقييم أحاديثه ورواياته، والأول تابع للثاني، وبالتالي لا يمكن أن تصبح صفته وحاله منطلقاً رئيسياً للحكم على حديثه في منهج المتقدمين، ومن هنا نلفيهم يصححون الأحاديث من مرويات الضعفاء متى أصابوا فيها ويحتجون بها، وصحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم يؤيدان ذلك، وقد جمع الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم الذين أخرج لهم الإمام البخاري ما صح من أحاديثهم.
فهذه الحقيقة العلمية الملموسة في نقدهم تفند ما راج بين الكثيرين من أن المحدثين صححوا الأحاديث بالنظر في سلسلة الإسناد دون المتن، حيث إن علم الرجال ثمرة لجهود المتقدمين في نقد المرويات.
أما معرفة خطئه ووهمه، أو كذبه وافترائه، فكأن يروي حديثاً يخالف الثابت عن شيخه، أو عمن فوقه، أو عن الصحابي، أو عن النبي ﷺ ، أو يخالف الواقع المعمول به لدى الصحابة، أو أن ينفرد في حديثه بشيء ليس له أصل عند شيخه، أو عند من فوقه، أو عند الصحابي، أو عند النبي ﷺ ، ولم يؤيده عمل الصحابة والتابعين.
فإن هذا النوع من المخالفة والتفرد دليل قاطع على خطأ الراوي ووهمه أو كذبه ووضعه، لأنه من كذب وافترى فمصيره أن يخالف الواقع، أو أن ينفرد بما لا أصل له، وكذا الأمر إذا أخطأ ووهم، وبقدر وقوع المخالفة والتفرد، ونوعية كل منهما يقع تصنيف الرواة، إما في الضعفاء أو المتروكين، أو الكذابين.
стр. 1120
وجدير بالذكر إن المخالفة والتفرد على الصور المذكورة هما المقصودان في مفاهيم الشاذ والمنكر، وليس كل أنواع المخالفة والتفرد داخلة فيها، فإن منها ما هو ناتج عن كثرة الضبط والإتقان، وهذا النوع من المخالفة والتفرد لا يكون شاذاً ولا منكراً ولا مردوداً، بل يكون صحيحاً مقبولاً، وإن كان ظاهر القول الذي يربط الشذوذ بهما يوهم الإطلاق فيها فإن الأمثلة التي ساقوها وقرائن أخرى تؤكد ذلك الذي ذكرناه.
في ظل هذه الحقائق العلمية الملموسة فإن الحكم على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً، قبولاً ورداً، لم يقع من المحدثين النقاد بالاعتماد على صفة الراوي، بغض النظر عن المتون والأمور المحيطة بها، وإنما يقع ذلك بناء على معرفة موافقة راويه للواقع، أو مخالفته له، أو تفرده بما لا أصل له، حتى ولو كان الراوي إماماً جليلاً.
وإن كانت الركيزة الأولى الأساسية للحكم على الحديث هي معرفة موافقة راويه للواقع أو مخالفته له أو تفرده بما لا أصل له، فإن الناقد ينبغي أن تتوفر فيه من الأمور ما يؤهله لمعرفتها، من أهمها الفقه وحفظ الأحاديث وضبطها واستيعاب طرقها ومعرفة رواتها، وإلا فإنه لا يعرف الواقع، ولهذا فإن النقاد كانوا يهتمون بشقي علوم الحديث، وهما: الجانب الفقهي وجميع ملابساته والجانب النقدي وسائر ما يتصل به، كما سبق تفصيله.
ويلاحظ مما ذكرنا: أن ما يتجه إليه اهتمام الناقد في نقده بداية هو ما ذكره الراوي عن شيخه: هل حدث شيخه بهذا السند هذا الحديث؟ أو حدث بسند آخر؟ أو حدث بهذا السند متناً آخر؟ أو لم يحدث به أصلاً؟.
والنقد الذي يرتكز أساساً على هذه المحاور لا يتم في حالة ما إذا فصل الإسناد عن المتن، وغض النظر عنه، إذ الإسناد لا يتحقق له وجود إلا باعتبار متنه، وبالتالي لا يستحق أي حكم، إلا إذا صار النظر شكلياً، كأن يدرس تراجم رواه الإسناد، وإمكانية اللقاء بينهم، دون ربطه بالواقع الجزئي الذي بصدده هذا الإسناد، فعندئذ يصبح الحكم الذي صدر عن الباحث حكماً عاماً لا علاقة بما وقع، وهذه دراسة المعاصرين خاصة والمتأخرين عامة إلا المحققين.
وإذا صدر عن الناقد حكم بأن الإسناد صحيح فمعناه أن كل راوٍ من السند صادق ومصيب في قوله، وعزوه لمن فوقه، وبذلك يثبت أن النبي ﷺ قد قاله، ولا يصح القول أبداً إن السند صحيح والمتن ضعيف، أو موضوع، لأن الخلل الوارد في المتن إنما هو من جهة أحد رواته، فيصبح تصحيح الإسناد حكماً مناقضاً للواقع الذي يقضي بوجود خاطئ أو كاذب في ذلك الإسناد، وإلا فإن الخطب جلل لما يلزم منه نسبة الخطأ أو الكذب إلى النبي ﷺ ، وأما ما شاع لدى المتأخرين من ذلك الإطلاق فإنه لا يعدو كون الرواة ثقات فقط، لا أكثر ولا أقل.
وصفوة القول فإن نقد المحدثين في المرحلة الأولى نقد علمي متكامل بجميع عناصره، لا يفصل الإسناد عن المتن، حيث يقوم أساساً على المعرفة الحديثية والفقهية، ومن ثم أصبحت علوم الحديث تحوي هذين الجانبين دون فكاك.
إضافة إلى قضايا أخرى تطرقنا إليها نظراً لأهميتها البالغة، مثل مسألة تدوين السنة، ومحاكمة الأحاديث إلى القرآن بغرض معرفة صحتها وكذبها، وضرورة التفريق بين الغريب الشاذ وخبر الآحاد، وسر إهمال النقد لبيان الوضع في الأحاديث بياناً مفصلاً، في حين أنهم نشطوا في كشف عللها، وعناية المحدثين النقاد بنقد المتون، ورد الشبهات حولها، وغيرها من الأمور التي وجدناها بحاجة إلى إبراز الواقع فيها.
كتبت لك ـ يا أخي العزيز ـ هذا البحث، بفضل من الله ، ولا أريد به إلا أن أرسم لك منهج المحدثين النقاد، الذي تسعى إليه من وراء دراسة مصطلح الحديث، وأن أحملك على أن تحذو حذوهم في نقد الأحاديث. والله الموفق.
رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً. والحمد لله رب العالمين.
ـ تم بعون الله ولله الحمد والشكرـ
стр. 1121
نقد مجازفات حمزة المليباري
المؤلف/ المشرف: أحمد بن صالح الزهراني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الإمام مالك - أبو ظبي ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: علوم حديث
تصنيف فرعي: نقد كتاب أو فكر
رأينا فيما سبق أن الدعوى العريضة التي ينادي بها الدكتور المليباري ومن يشايعه دعوى لا تستند إلى واقع علمي، ولا إلى معطيات تاريخية، وكل ما هنالك أن هذه الدعوى اتسعت لتخدم أغراضا لأكثر من اتجاه، وكلهم وظفها لتمرير ابتكاراتهم ومخترعاتهم، التي ما كان لها أن تروج وأن تلقى قبولا لدى بعض الطلبة، لولا أنها استخدمت عنصر المتقدمين، فإن المتقدمين أو السلف لهم في ذهنية أهل السنة مكانة عظيمة من التوقير والاحترام، والرجوع إليهم وإلى مناهجهم وأصولهم يعتبر ركيزة في التلقي والاتباع، لهذا فقد وظف هذا المصطلح بقوة غاب معها عن ذهن المتلقي ماذا يعني السلف للسلفيين، وماذا يعني التقدم الزماني بالنسبة لأهل السنة؟
الإجابة على هذا السؤال هي حقيقة منهج السلف في الإيمان والتلقي والاتباع، إن السلف بأشخاصهم وأفرادهم واجتهاداتهم لا يشكلون صورا نمطية يجب على اللاحقين لهم تكرارها واستنساخها، أبدا، بل هذا هو لب خلاف أئمة السلف مع المتعصبة والمقلدة، حتى أعلنها أئمة المذاهب الأربعة صريحة: لا تقلدني. و: خذ من حيث أخذنا. نهي عن التقليد، وأمر بالأخذ من حيث أخذوا، فمنهج السلف إذن أن نأخذ من حيث أخذوا، وبالطريقة والمنهج الذي به أخذوا، ولا يهم بعد ذلك أن نوافقهم في النتيجة أم نخالفهم، وهذا هو الأصل في كل مجالات الاتباع، سواء في ذلك مجال المنهج والاستنباط، أو مجال العلم والاتباع.
ولهذا كان الواقع التطبيقي والتاريخي في العلم والمنهج والتلقي هو هو عند السلف وأتباع السلف، أيا كان العلم الذي هو مجال البحث.
ففي الفقه مثلا والأحكام العملية: المصادر واحدة، ومنهج الفهم والتلقي واحد، بينما الأحكام مختلفة
وهنا في علوم السنة: المصادر واحدة، ومنهج الفهم والتلقي واحد، بينما الأحكام مختلفة.
ثم ماذا بعد؟
لكن الاجتهاد واتباع الدليل والبرهان أمر مزعج غاية الإزعاج بالنسبة لمن عاش بين ركام الروايات، والأوجه، والتخريجات، والتفريعات. لا أقول على ما جاء عنه ﷺ وإنما على ما جاء عن إمام المذهب أو المشايخ.
تصور أن عشرات التفريعات والأقوال والخلافات تنتهي عن المحدثين بإبطال النص الذي قامت عليه لأنه ضعيف لا يثبت.
تصور أن عشرات المنكرات والعظائم في مذهب ما تمارس علنا عند المحدثين؛ لأن النص الذي جاء بالمنع منها لا يثبت.
تصور عشرات البدع عند أئمة المذاهب، يمارسها المحدثون؛ لأنه جاء بها الأثر الثابت على أنها سنة متبعة.
تصور عشرات السنن عند المذاهب ينكرها المحدثون؛ لأنها قائمة على الرأي الباطل.
إن هذا يقرب للناظر سبب تلك الهجمة الشديدة الطاحنة على السلفية كمنهج متحرر من قيود التبعية والتقليد، يأخذ بالدليل عن الله وعن رسوله ﷺ وأصحابه الميامين، فمن وافق الحق من الأئمة والعلماء عرفناه بالحق، واتبعناه؛ لما معه من الحق والبرهان الملزم.
ومن خالف الحق من الأئمة والعلماء اجتهادا، خالفناه وعذرناه واحترمناه، وأحببنا فيه اجتهاده وحرصه على الحق، فنحن وإن خالفناه في النتيجة، إلا أننا نوافقه في المنهج والطريقة، مادام متبعا للسلف.
وأما من خالف الدليل الساطع والحجج والآثار لقول إمام المذهب وشيخ الطريق ومفتي البلد ومعلم الحلقة، فهذا نخالفه ولا نعذره ولا كرامة ولا نعمة عين.
وهذا الصنف هو الذي يؤلب على أهل الحق، ويرميهم بالعظائم التي من أعظمها كذبا وأكثرها رواجا عدم تقدير السلفيين للأئمة والعلماء المتقدمين، لماذا؟ لأنهم لا يقلدونهم؟!
стр. 1122
لقد كانت تلك دعوى المقلدة من قديم ضد السلفيين وأهل الحديث، لكنها مع تقادم العهد أصبحت حجة بالية، خصوصا في البيئات العلمية التي تأثرت بالدعوة السلفية. لكن الباطل له تلون، ففي كل مكان يظهر بلون لا يتميز به عما حوله.
فظهرت نعرة التقليد والدعوة إليها، لكن الآن من عمق منهج السلفيين ومنهجهم، وبلباس عجيب: لباس نبذ التقليد!!
وجاء أصحابها بعنوان جميل براق: العودة إلى منهج المتقدمين في الحديث. وهذا يعني أمورا عدة: أهمها أن المتأخرين والمعاصرين ليسوا على هذا المنهج القديم.
وبناء عليه فإن النتائج الإصلاحية للمتأخرين والمعاصرين من سنن أحيوها، وبدع أماتوها تحتاج إلى مراجعة ونقد.
ثم بعد تفتيش تجد هذه الدعوى ومن ينادي بها لا يخرج عن أطر:
فإما هو من متعصبة المذاهب أو الطرق الذين أعياهم القدح في منهج التلقي والاتباع الذي انتشر وطغى على طرائق الصوفية والمذهبيين في تبجيل وتقديس الأئمة والعلماء فوق النص.
وإما هو للأسف ممن أعماهم الحسد لبعض العلماء والأئمة الذين كتب لهم القبول، كالشيخ ناصر الدين ﵀ فلم يجد في نفسه من الثقل العلمي ما يؤهله للقدح في الشيخ ومنهجه، فاستعان بالمتقدمين والتباكي على منهجهم، وبعض هؤلاء للأسف من أهل العلم!
وإما هو جاهل مغرر به، دفعه شيوخه وأصحابه دون وعي لتبني هذه الفكرة وترويجها، ووضعوه في الواجهة لتلقي صدمة الإنكار الأولى من رموز السلفيين وشيوخهم، وعلى رأسهم الشيخ ناصر الدين ﵀.
وبطبيعة الحال فإن دعوة وتسهل وتسهم في الطعن بمنهج أحد أئمة السلفية في العصر الحديث، وهو الشيخ ناصر الدين ﵀ ستكون موجة يركبها كل من يريد الوصول بها إلى هدف له، وفعلا تجد أصحاب هذه الدعوى أخلاط من شتى الاتجاهات، وكثير منهم للحق والحقيقة غوغاء دهماء لا وزن لهم، وإنما سمعوا بهذه الدعوى، ووظفوها كأصحاب منهج التكفير والخروج، وكبعض الصوفية وشيوخ الطرق، وبعض متعصبة المذاهب. نسأل الله العافية.
ومن هنا حرصت في هذا الكتاب على بيان وهاء الأسس التي بنى عليها المليباري ومن معه هذه الدعوى، خصوصا وأنه من أجلها بدأ يخلط ويهدم ويبني، فهو يخلط الحق بالباطل، وهو يهدم الحق إذا خالف توجيهه، ويبني باطلا ويؤسسه؛ نصرة لنظرة معينة تؤيد فكرته، ولهذا وقع في التناقض العجيب، وساعد على ذلك اجتهاده وحرصه، لكنه اجتهاد وحرص في غير محله، وأظن الدكتور وقع ضحية توجيه من أحد شيوخه، أو ممن استفاد منهم وأقنعه بالفكرة، خصوصا وأنه يخالف منهجه الحالي صراحة في رسالته الدكتوراة، وبيننا وبينها سنوات معدودة فقط، مما يدلل طراوة الدكتور وفكرته التي لا أظنها تيبس أبدا، فما بني على باطل فهو باطل.
أعود لأقول: إننا لا نتحفظ أبدا على نقد الشيخ ناصر الدين الألباني، ولا أي شخص نقدا بناء هدفه الحق، والوصول إلى الحق، فليس عند السلفيين وأهل الحديث معصوم إلا أن يكون رسول الله ﷺ ، لكن هذه الهجمة لم تستهدف الشيخ ومن قبله من الأئمة في مسائل تفصيلية جزئية، مما نختلف نحن أيضا مع الشيخ فيها.
وإنما استهدفت الطعن في منهج الشيخ في التصحيح والتعليل، بل سحبت هذا الحكم ـ مبالغة في البغي ـ على عدة قرون ممن تطلق عليهم مصطلح المتأخرين، تحكما وتصنيفا لا مستند له.
وإن كان علي من شكر أتقدم به، فإني ـ بعد شكر الله تعالى ـ أشكر من قرأ الكتاب وشجعه من الإخوة والمشايخ الفضلاء، وأخص بالشكر الشيخ علي رضا، وفقنا الله وإياه الذي كان بحق أسرعهم استجابة وبذلا لوقته، وأفادني بملحوظاته القيمة التي انتفعت بها حقا، فجزاه الله خيرا، ونفع الله به.
ورجائي ـ كما دعائي ـ أن ينفع الله بهذا الكتاب الموافقين والمخالفين، وأن يغفر لنا الزلل والخطأ، فوالله ما تعمدته، إلا أن تكون غفلة البشر ونقصهم وعجزهم، فما فيه من خطأ وعيب فعيبي ونقصي وعجزي، ونفسي هي سولت لي والشيطان، وما فيه من صواب فهدى الله هداني إليه، وبتوفيقه وفقني وأعانني عليه، فله الحمد أولا وآخرا، وله المنة من قبل ومن بعد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1123
علوم قرآن
стр. 1124
اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري
المؤلف/ المشرف: فهد بن عبدالرحمن الرومي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٧هـ
تصنيف رئيس: علوم قرآن
تصنيف فرعي: علوم قران - مناهج ومدارس تفسير ودراسات قرانية
الخاتمة
وبعد:
هذه أهم الاتجاهات لتفسير القرآن الكريم في القرن الرابع عشر الهجري، وتلكم هي أسسها التي قامت عليها. لها ما لها وعليها ما عليها. ولا أجد حاجة لتكرار ممل ـ حتى ولو كان مختصراً ـ للأبحاث التي تناولتها فدون من أراد ذلك المقدمة فقد أجملت فيها ما تناولته من أبحاث ودونه الكتاب كله ففيه التفصيل ودونه الفهارس ففيها الدلالة وإنما يهمني ويهم غيري فيما أرى أن أخص الخاتمة بالحديث عن النتائج التي توصلت إليها بعد هذه الدراسة وفيها أمور ما كنت أتصور حدوثها ووقوفي عليها. وعلى كل حال فسأقدم النتائج بقدر من الاختصار الذي يعطي الثمرة ولا يؤدي إلى الملل.
فمن النتائج:
أولاً: في العصر الإسلامي الأول لم يكن ثم إلا فرقة إسلامية واحدة وإلا أمة إسلامية واحدة هي خير القرون وهي قدوة المسلمين ولم يكن بينهم شقاق في العقيدة أو خلاف وكلما ظهرت شرارة من هنا أو هناك هيأ الله لها من أمة المسلمين من يطفئها أو من يضرب صاحبها بدُرَّتِه ضربة يعيد بها صاحبها إلى رشده، ولم يكن لهذه الحالات الشاذة أثر يذكر في التفسير سلباً أو إيجاباً فلم يحوج الأمر المفسرين إلى الرد عليهم أو على شبهاتهم إلا النادر الذي لا يشكل منهجاً.
ومضى حين من الدهر نشأت فيه مذاهب وفرق أخرى هيأ الله لهم من يرد عليهم في مؤلفات مستقلة أو عند تفسير القرآن الكريم.
ونظرة سريعة إلى التفاسير في تلك الفترة يظهر فيها حجم المعركة.
فرق تؤلف تفاسيرها على قواعد أصولها التي أنشأتها من قبل، وتبث شكوكها وشبهاتها.
وفرقة أخرى تكابد بين أمرين أمر تقرير عقيدتها واستخراجها من نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية وأمر الرد على شبهات الخصوم وأوهامهم.
قامت فرق المعتزلة والشيعة الاثني عشرية ... والباطنية والزيدية ... والخوارج ... والأباضية ... والصوفية ... والفلاسفة وأمثالهم يفسرون القرآن الكريم وفق أصولهم.
وقام أهل السنّة والجماعة يقررون عقائدهم ويردون على خصومهم فلم يهملوا آية فيها تقرير لعقيدتهم إلا وبينوه ولا آية فيها رد على خصومهم إلا وأظهروه.
وفعلوا ذلك إظهاراً للحق وتبرئة لذممهم وذوداً عن عقيدتهم وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر فما زالوا ظاهرين.
وقد كان الاتجاه العقائدي في التفسير في القرن الرابع عشر أول أبحاث هذه الدراسة ـ وإن أنس لا أنس ـ صدمة تلقيتها وأنا أكتب عن تفاسير أهل السنّة والجماعة.
فقد عانيت كثيراً في الحصول على نصوص تقرر عقيدة أهل السنة والجماعة بكل تصريح ووضوح بل تسوقها بإشارة عاجلة وكأنها مقررة عند قارئ التفسير ومعلومة.
وليتهم حين يفعلون هذا يتجاوزونه إلى الرد على شبهات الأعداء وكيد الخصوم والتأويلات الباطلة ... ليتهم يبرزون الرد على الشيوعية والرأسمالية والاشتراكية أو القومية الترابية أو اللسانية ليتهم يردون على البابية أو البهائية أو القاديانية أو يردون على عصابات الانحلال الفكري أو شبهات المستشرقين أو انحرافات المنحرفين أو حتى ليتهم يردون على الفرق المعاصرة كالشيعة التي جعلت همها في العصر الحديث مواجهة أهل السنة والجماعة ومصادمتهم ليس في داخل بلاد المسلمين فحسب بل حتى في الدول الأوروبية والأميركية وكم سمعت من الدعاة إلى الإسلام في تلك الأنحاء من نشاط أولئك ضدهم وكأن هؤلاء يدعون إلى الشيوعية والإلحاد لا إلى الدين الإسلامي.
стр. 1125
ليت أصحابنا ردوا على الشيعة هؤلاء أو ردوا على الأباضية وبينوا لهم الحق ... أو ردوا على الصوفية التي عششت على أنحاء كثيرة في العالم الإسلامي وقاد العوام فيها والجهال بعض العلماء كما تقاد الشياة ... يذودون عن أفكارهم ويدافعون عن أفعالهم ويبررون منكراتهم وهم يعلمون أنهم يقولون غير الحق ... ؟.
ليت أصحابنا ردوا على النصرانية وما تقوم به من نشاط كبير لتنصير المسلمين في أرجاء العالم مستغلة أوضاع العالم الإسلامي الاقتصادية والسياسية ...
ليتهم ردوا على اليهودية ومنظماتها ... الصهيونية والماسونية وأندية الروتاري وغيرها من وسائلهم الماكرة للاستيلاء على قيادة العالم كله وتوجيهه أو جعله تحت سيطرتهم إن استطاعوا ولن يستطيعوا بإذن الله.
بحثت عن هذا كله أو عن بعضه في تفاسير أهل السنّة والجماعة في العصر الحديث فلم أجد فيها بغيتي ولا بعضها.
وكل ما وجدته نصوصاً من هنا أو هناك الصريح الواضح منها قليل وما سواه التمس منه ما أردت التماساً.
يمرون غفر الله لهم ولمن سبقنا بالإيمان ـ على الآية وقد زعمتها ـ طائفة قديمة أو حديثة دليلاً على مذهب ضال أو فكرة خبيثة فلا يعرض أولئك للرد عليها.
يمرون غفر الله لهم على الآية تستدل بها فرقة على ما يزعمونه حكماً شرعياً خالفوا فيه الفهم الصحيح للنص وما يؤيده من السنّة والإجماع فلا يكلف أحدهم نفسه بيان ذلك ... وكأنه يكتب لا يخفى عليه الحق في ذلك.
ولعلي ألتمس لهم عذراً أنهم يقررون التفسير الحق ويقدمونه ميزاناً أصيلاً يوزن به كل قول سواه وكل شبهة وكل بدعة.
لكني مع هذا لا أرى الحق ـ في هذا فالقضية أكبر من أن نجمل الحديث عنها أو نوجزه والقضية أكبر من أن نجعل الحق في أيدي الناس وَيَزِنُون به ... فما زال في الناس كثير من لا يحسن استعمال الميزان وما زال في الناس من يعجز عن استعماله وما زال في الناس من يطلب الطعام وأن يوضع له على المائدة وإن لم نفعل نحن ـ أهل السنّة والجماعة ـ فسيجد من يقدم له هذا الطعام بكل سرور ... ولعلي قد بلغت.
ثانياً: وحين اتسعت العلوم الإسلامية عامة، واتسعت العلوم القرآنية خاصة وأفرد من العلماء السابقين آيات الأحكام بتفاسير مستقلة لم يكن أحدهم يكتب التفسير لهذه الآيات بمعزل عن مجتمعه وقضاياه، بل كان يعطي صورة كادت أن تكون كاملة عن بيئته ... حتى المذهب الفقهي الذي ينتحله كان له أثره في تفسيره.
ففسر كثير منهم آيات القرآن حسب مذاهبهم الفقهية فكان تفسير للمذهب الحنفي وتفسير للمذهب المالكي ... وهكذا.
وإذا عطفنا النظر إلى القرن الرابع عشر الهجري وجدنا الأمر جد مختلف فقد تخلى عن كثير من صفات التفاسير القديمة بحسناتها وعيوبها.
كان على من أراد أن ينهج منهج تفسير آيات الأحكام أن ينظر إلى ناحيتين .. ناحية عطاء النص ... وناحية حاجة المجتمع ... وواقعه ويوازن بينهما ...
لا ... لست أريد أن يهمل نصاً لأنه غير واقع في المجتمع ولا أريد أن يؤجل البحث فيه إلى أن يقع ... لا أريده أن يفعل ذلك ما دام النص القرآني عليه صريح ... لكني أيضاً لا أريد منه أن يسترسل في بحث قد أشبعه العلماء من قبله ... ولم يتركوا له فيه من عراش أريد منه أن يترك لهذا مباحث جدت من بعد في عصرنا هذا من غير أن يعطيها حقها من البحث.
يخطئ أولئك الذين ينظرون إلى آيات في القرآن الكريم وهم يحسبون أن الفقه ليس إلا معرفة أحكام الطهارة والإرث والوقف والهبة وينسون أنه هو نتاج دين شامل كامل أيضاً.
إن الفقه يشمل ما أسلفت ويشمل غيرها ويشمل أيضاً كل المناهج والأنظمة في كل مجالات الحياة ما يجد فيها.
следующие страницы →