Полный текст (2 012 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
المشقة تجلب التيسير
المؤلف/ المشرف: صالح بن سليمان اليوسف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المطابع الأهلية للأوفست- الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٠٨هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية
الخاتمة
الحمد لله الذي بعونه تتم الصالحات وله الشكر على ما أنعم به وتفضل من التوفيق في البدء والختام.
وبعد ..
فلقد جئت على جميع فقرات الخطة الموضوعة للبحث في قاعدة من أعظم قواعد هذه الشريعة الحنفية السمحة، ألا وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير، ثم بينت مدى بناء الفروع الشرعية في شتى أبواب العبادات والمعاملات مما يشهد لأهمية هذه القاعدة وأنها جديرة بالبحث والدرس. وبذلك يظهر فضل هذا الدين وأنه جدير بأن يكون خاتم الأديان وأن من ابتغى غيره باء بالخسران.
كما يظهر من هذا البحث مدى أهمية قواعد الفقه الكلية على الإجمال، وأنها لا تقل عن القواعد الأصولية أهمية في استنباط الأحكام الفقهية وربطها ببعضها البعض وتخريج الفروع عليها. فبقدر إحاطة الفقيه بها يعلو قدره ويكون قادرا على السيطرة على زمام الفروع. فلا تتضارب مع الأحكام ولا تتعارض.
زد على أن القواعد الفقهية أسهل فهما وانقيادا من قواعد الأصول لغلبة الأدلة العقلية على الثانية، وميل أهلها إلى الاعتماد على المقدمات المنطقية، فالقواعد الفقهية سهلة العبارة واضحة الغاية ثمرتها مؤكدة.
ولا يسعني في هذه الخاتمة إلا أن أبين بعض ثمرات هذا البحث ونتائجه على سبيل الإيجاز لكي يأخذ القارئ لمحة موجزة عنه:
١ – إن القواعد الفقهية تمتاز بالأسلوب الواضح، والإيجاز في العبارة، على عموم معناها واستيعابها للفروع الكثيرة، فهي مهمة عظيمة النفع، ينطوي تحتها من الفروع ما لا يحصى، فبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه لأن من ضبط الفقه بقواعده، أحاط بمعظم الجزئيات لاندراجها تحتها.
٢ – إن قاعدة المشقة تجلب التيسير من القواعد المتفق عليها في الشريعة الإسلامية، وقد توافرت الأدلة عليها من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن تتبع سيرة الصحابة ﵃، والتابعين لهم بإحسان، وجد أنهم أخذوا بمبدأ التيسير وابتعدوا عن الأعمال الشاقة.
٣ – إن الشارع الحكيم، لم يعلق التخفيف في بعض الأحكام الشرعية على وجود المشقة أو عدمها، وذلك لأن المشاق تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، والمشاق بالقوة والضعف، بحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم، وضعفها، وبحسب الأزمنة، وبحسب الأعمال.
فليس سفر الإنسان راكبا على الدابة أو ماشيا على الأقدام كسفره على السيارة أو الطيارة، كما أن الأشخاص في تحمل المشاق يختلفون فرب رجل جلد ضرى على قطع المسافة حتى صار ذلك عادة له، وآخر بخلافه، وكذلك يتحمل أحدهما في مرضه ما لا يتحمل الآخر.
وإذا كان الأمر كذلك، فليس للمشقة المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس. لذلك أقام الشارع السبب مقام العلة، فاعتبر السفر مثلا لأنه أقرب مظان وجود المشقة، وترك كثيرا منها موكولا إلى اجتهاد الشخص.
٤ - إن المشاق المؤثرة في التخفيف تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
مشاق رابطها الشارع بأسباب معينة، بحيث يدور التخفيف معها وجودا وعدما، كربط التخفيف بالسفر والإكراه والمرض والنسيان ... الخ.
القسم الثاني:
مشاق لم يرد بشأنها من الشارع ضبط ولا تحديد، وهذه تتنوع إلى نوعين:
النوع الأول: مشاق ملازمة للعبادة، فلا يمكن تأدية العبادة بدونها كمشقة الوضوء مثلا، فمثل هذه المشاق لا أثر لها في التخفيف.
النوع الثاني: مشاق منفكة عن العبادة في الغالب، وهذه ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: مشقة عظيمة كمشقة الخوف على النفوس، فهذه موجودة للتخفيف.
المرتبة الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع الإصبع، فهذه لا أثر لها في التخفيف.
стр. 107
المرتبة الثالثة: مشقة واقعة بين المرتبتين، وضابطها هو أنه ما كان منها قريب من المرتبة الأولى يلحق بها، فيكون مؤثرا في التخفيف، وما كان منها قريب من المرتبة الثانية يلحق بها فلا يكون مؤثرا في التخفيف، وما توسط بينهما، فمثل هذا النوع لا ضابط له، فيرجع فيه إلى العرف.
٥ – تبين عند تقسيم المشاق، أن منها ما هو مانع من التكليف، كالمشقة الخارجة عن المعتاد، ومنها ما هو غير مانع من التكليف، كالمشقة الزائدة عن المعتادة، وهي المشقة الطبيعية التي يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر به.
٦ – في مباحث أسباب التخفيف التي تتخرج على قاعدة المشقة تجلب التيسير، تبين أن أسباب التخفيف التي هي – النسيان والجهل والمرض والسفر والعسر وعموم البلوى والإكراه .. الخ – تعالج ما يواجه المكلف من المشاق بإيجاد تخفيفات مقابلة لها بمعنى أن المشقة المرتبة عليها توجب التخفيف، ثم أن هذه التخفيفات مرعي بها مصالح من وجدت بهم الأعذار، أو يتوقع وجودها بهم.
والتخفيفات المترتبة على هذه الأسباب أكثرها تتناول حقوق الله تعالى لأنها مبنية على التسامع والرحمة والمغفرة، أما ما يتعلق بحقوق العباد فقد خفف في شأنها ما ينتفى فيه القصد فترتفع العقوبة البدنية، أما الأضرار اللاحقة بالغير فإنها مضمونة، لأن في إهمالها حرج على من وقعت عليه، فكل غلط أو نسيان أو خطأ أو سبق لسان أو التكلم مكرها أو جهلا بما لا يريده العبد وإنما يريد خلافه، لا مؤاخذة عليه، لأنه لو رتب عليه حكم لحرجت الأمة وأصابها غاية التعب، والمشقة مرفوعة عن هذه الأمة، فلا مؤاخذة بهذه الأشياء.
٧ – في مباحث العسر وعموم البلوى، تبين أن العسر، هو ما يقوم به الإنسان مع المشقة الزائدة عن المعتاد، وبذل كل الطاقة والمجهود.
وعموم البلوى، هو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال، وينتشر وقوعه بحيث يعسر الاستغناء عنه، ويعسر الاحتراز منه إلا بمشقة زائدة.
وفي المباحث المتعلقة بالعسر تبين ما يلي:
أ – في مبحث العسر والاستحسان: تبين أن أهم مقاصد هذا المبحث، هو تجنب الإيغال في طرد القياس الموقع في الحرج والمشقة، فجميع أنواع الاستحسان هادفة إلى التيسير والتخفيف، فهي مظهر من مظاهر رفع الحرج والمشقة ومعالجة لغلو اطراد القياس، كما جاء تعريفه عند بعضهم، بأنه طلب السهولة في الأحكام، فيما يبتلى فيه الخاص والعام، وقيل: أنه هو الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة إلى غير ذلك.
ب – وفي مبحث العسر والمصالح المرسلة: تبين أن المصالح المرسلة مظهر من مظاهر التخفيف والتيسير على العباد، فهي مظهر لمرونة الشريعة الإسلامية، تحقيقا لمطالب الحياة ومناسبتها لكل مكان وزمان، إذ أن رفع المشقة عن الناس فيما لزمهم من أحكام يقتضي أن تكون تلك الأحكام دائرة مع مصالحهم ومقتضيات سعادتهم وإلا لما ارتفع العسر.
والآئمة يقولون بالاستصلاح، سواء كان ذلك باسم الاستصلاح أو الاجتهاد أو القياس أو الاستحسان أو العرف.
جـ - وفي مبحث العسر وسد الذرائع: في دراسة أنواع الذرائع يتبين أن الشريعة الإسلامية فتحت من الذرائع مقدار ما يرتفع معه العسر والضرر، فإذا زال العسر بقيت على سدها، لأن أصل سد الذرائع مجمع عليه.
فسد الذرائع دائما وفي كل الظروف والأحوال يكون سببا لوقوع المشقة للأمة.
د – وفي مبحث العسر والعرف: تبين أن العرف يرجع إليه كثير من الأحكام الشرعية، ونزع الناس عما ألفوه واعتادوا عليه وتلقته طباعهم السليمة بالقبول، عسر وحرج شديد وعليه ينبغي للمفتي أن يتعرف على أعراف الناس وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم فما وجده في العرف الذي لا يتعارض مع نصوص الشريعة اعتبره، وما أسقط أسقطه.
стр. 108
وبهذا يتبين أن مراعاة العرف، فيه تخفيف وتيسير، ومخالفته، توقع في المشقة ولكن العرف إنما يعمل به في حدود الشروط المعتبر له، لأن الأخذ بالعرف دون قيد ولا شرط يؤدي إلى التلاعب بالأحكام الشرعية.
٨ – إن الرخص ليست هي الأحكام الأصلية، وأنها تهدف إلى رفع الحرج عن هذه الأمة، وأقرب تعريف لها هو تعريف البيضاوي وهو قوله: (هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر).
٩ – إن قصد المشقة نفسها في التكليف لا يصح، لأنه مخالف لقصد الشارع، وما كان مخالفا لقصد الشارع فهو باطل، أما قصد العمل الذي من لوازمه المشقة كمن يختار الجهاد على نوافل العبادات فهذا قصد صحيح، لأنه في هذه الحالة لم يقصد المشقة نفسها وإنما قصد العمل الذي من لوازمه المشقة.
أما دخول المكلف في المشقة باختياره، فإن كانت معتادة فللمكلف الدخول فيها باختياره، ولكن ليس القصد من الشارع نفس المشقة بل القصد المصلحة الراجحة.
وإن لم تكن معتادة، فإن كانت المشقة حاصلة بسبب المكلف واختياره والفعل لا يقتضيها بأصله، فهذا بأصله، فهذا منهي عنه ولا يصح التعبد به.
وإن كان الفعل مقتضيا لها، فهذا هو الذي شرعت الرخص من أجله فإن شاء عمل بالرخصة، وإن لم يعمل بها، فلا يخلو من أن يعلم أو يظن أنه يدخل عليه في نفسه أو جسمه أو عقله أو ماله أو حال من أحواله ضرر يكره بسببه العبادة، فهذا أمر ليس له، وكذلك إن لم يعلم بذلك ولا ظن ولكنه لما دخل في العمل دخل عليه ذلك فحكمه الإمساك عما أدخل عليه المشوش.
أو من أن يعلم أو يظن أنه لا يدخل عليه الضرر ولكن في العمل مشقة غير معتادة. فهذا موضع لمشروعية الرخصة.
١٠ – تبين أن السبب في رفع المشقة عن المكلفين هو الخوف من الانقطاع عن العبادة أو بغض العبادة أو كراهة التكليف أو الخوف من فساد قد يحصل في عقله أو جسمه أو ماله أو حاله، أو الخوف من التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، فربما كان التوغل في جزء منها يكون شاغلا عنها.
فالنهي لعلة معقولة المعنى مقصودة للشارع، وإذا كان كذلك، فالنهي يدور مع العلة وجودا وعدما، فإذا وجد ما علل به الشارع، كان النهي موجودا وإذا لم توجد كان النهي مفقودا.
١١ - إن المشاق والشدائد التي يجدها المكلف في طريق قيامه بالعبادة وسائر التكاليف مثاب عليها قل ذلك أم كثر، فإذا تساوت الأفعال في الشرف والشرائط والسنن والأركان، وكان إحداهما أشق من الآخر استوت في الأجر لتساويها في الوظائف، وانفرد الشاق عنها بتحمل المشقة، فأثيب على تحمل المشقة لا على عين المشقة، إذ لا يصح التقرب بالمشاق، لأن المشقة ليست مناطا للأجر، بل الأجر على المشقة يأتي بسبب كونها ملازمة للعبادة لا لكونها مقصودة من الشارع إذ ليست شدة العمل ومشقته هي السبيل لتحصيل الأجر بل مناط الأجر هو الامتثال لأمر الشارع.
١٢ – وبالتطبيقات الفقهية على القاعدة تبين أن قاعدة المشقة تجلب التيسير، تحتل جزءا كبيرا في مجال التطبيق على الفروع الفقهية، فتطبيقاتها تأتي على جميع أبواب الفقه، فقلما تجد بابا من أبواب الفقه، إلا وللقاعدة أثر عليه، فما وجدت عزيمة إلا وجد في جانبها رخصة، إلا الشرك والقتل والزنا.
فإذا نظرت إلى أبواب الفقه وبدأتها من كتاب الطهارة وتتبعتها بابا بابا إلى كتاب القضاء، فإنك تدرك أن هذه القاعدة لها نصيب كبير في مجال التطبيق، ولكن أثر القاعدة في العبادات أكثر منه على المعاملات.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه،،،
стр. 109
المصالح المرسلة وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: محمد أحمد بوركاب
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مصالح مرسلة
خاتمة الكتاب:
وفي نهاية هذه الرحلة الممتعة مع المصالح المرسلة، أود أن أسجل أهم ما توصلت إليه من نتائج، منذ بداية الطريق إلى نهايته.
١ - المصالح المرسلة، هي كل منفعة ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية، ولم يشهد لها نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء. فهي عبارة عن أخذ حكم في حادثة معنية، من مجموع نصوص، بحيث لو انفرد كل منها لم يفدنا ذلك الحكم.
وهي بهذا المعنى مقبولة اتفاقاً، خلافاً للظاهرية الذين أنكروا القياس. ولذا قال الإمام القرافي: (وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وفرقوا بين المسألتين، لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب).
٢ - المصالح المرسلة معتبرة شرعاً، بجنسها لا بعينها، وتسميتها مرسلة تجوزاً، من أجل التفريق بينها وبين المصالح المعتبرة في باب القياس. ولذا فتسميتها (بالمرسل المعتبر) أدق؛ لأنها مرسلة من حيث إن النصوص الخاصة لا تشهد لها، لا باعتبار ولا بإلغاء، ومعتبرة من حيث إنها ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية.
٣ - المصالح المرسلة، ما هي إلا إجراء للقواعد الكلية على عمومها الذي ثبت باستقراء مجموع النصوص، فهي التفات من المالكية إلى ضرورة الرجوع إلى مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية عند استنباط الأحكام من النصوص الخاصة.
٤ - منشأ اختلاف العلماء في حجيتها ثلاثة أمور:
الأول: إطلاق الأسماء على غير مسمياتها عند أصحابها.
الثاني: عدها دليلاً مستقلاً كما فعل المالكية، أو إدراجها تحت دليل من الأدلة المتفق عليها كالقياس على ما عليه الجمهور، أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدل عليه الكتاب والسنة والإجماع، على ما ذهب إليه الإمام الغزالي.
الثالث: التخوف من اتخاذها وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة، والقول في الدين بالتشهي والرأي المجرد.
ومن أجل ذلك التخوف الذي رد به بعض العلماء المصالح المرسلة، وضعت لها ضوابط وقيود، تضمن للمجتهد اجتناب الزلل والقول في الدين بالرأي، وهي:
أ- أن تكون ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية.
ب- ألا تصادم نصاً خاصاً.
ج- أن تكون معقولة المعنى في ذاتها.
د- أن يكون الذي يفرع الأحكام عليها، مجتهداً جامعاً لشروطه، ومن شروطه الأساسية للقول بها:
١ - فهم مقاصد الشريعة على كمالها، كما ذكر الشاطبي.
٢ - معرفة الناس وأحوالهم وظروفهم (معرفة الواقع)، كما ذكر الإمام أحمد.
٣ - أن يكون الذي يفرع الأحكام عليها ورِعاً لا يخاف في الله لومة لائم، لكي لا تستهويه قلوب الأغنياء والساسة والحكام، فيحيد عن الحق قصد إرضائهم.
٤ - من أجل الفهم الصحيح والدقيق لسنة رسول الله ﷺ خاصة الظني منها يجب علينا أن نفهمها مقرونة بالنظر في عمومات القرآن، والمقاصد العامة من التشريع الإسلامي وما تفرع عنها من قواعد كلية، ظنية كانت أو قطعية.
٥ - لا مانع شرعاً من تخصيص النص العام بالمصلحة المرسلة، سواء اعتبرناها دليلاً مستقلاً، أو داخلة تحت باب القياس بمفهومه الواسع. لأن التعارض الجزئي بين النص العام والمصلحة المرسلة، هو في حقيقة الأمر تعارض بين عامين، عام استقيد من الصيغ، وعام استفيد من استقراء مجموع النصوص التي استخلصت منها القاعدة الكلية.
стр. 110
وإذا كانت المصلحة المرسلة فرداً من أفرادها، فالتخصيص ليس بها، وإنما بما استندت إليه من أصل كلي وما تفرع عنه من قواعد كلية.
٦ - التخصيص بالمصلحة المرسلة، هو تعطيل مؤقت لفرد من أفراد العموم للحاجة والمصلحة، فإذا زالت الحاجة رجع ذلك الفرد المستثنى إلى حكمه الأصلي، وفي هذا خير دليل على أن التشريع الإسلامي لا يعرف العجز والجمود عند نزول النوازل، وتغير الظروف والأحوال.
٧ - بوسع المصالح المرسلة أن تعالج كثيراً من القضايا التي تجدُّ في حياة المسلمين، سياسية كانت أم اقتصادية، أم ثقافية، أم اجتماعية، ذلك أن مجالها النوازل التي لم يرد فيها نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء؛ فإن لاءمت مقصود الشارع وقواعده الكلية اعتبرتها ودعت إليها؛ وإن خالفت ألغتها وحذرت من شرها ومفاسدها. ومن هنا كانت تسعة أعشار العلم.
وما بقى من نوازل بدون علاج، وسعته المصادر التبعية الأخرى، كالاستحسان، والاستصحاب، وأصل اعتبار المآل الذي يتفرع عنه: قاعدة سد الذرائع، والحيل، ومراعاة الخلاف، والاستثناء.
وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي للمسلمين أن يكونوا في غنى عن التفكير في تجديد وتوسيع علم أصول الفقه، بحجة أن قواعده ومصادره صارت ضيقة ولا تفي بمتطلبات العصر.
بل عليهم أن يجددوه بإحياء ما اندرس من العمل به، وتبسيط مسائله، وتخليصه مما ليس منه من الأمور التي اقتضاها ظرف من الظروف، وتوسيع بعض مباحثه، كالاجتهاد الجماعي الذي أصبح من حاجيات العصر إن لم نقل من ضرورياته.
فما أحوج الأمة الإسلامية إلى أن ترى علماءها ومفكريها، على اختلاف تخصصاتهم وانتماءاتهم، جالسين على طاولة واحدة، يسودهم الحب في الله، والتعاون على نصرة شريعة الله، والنصح لعباد الله، يتدارسون مشاكل المسلمين، وما جد في حياتهم، وفق منهج علمي بعيد عن العواطف والعصبية، كي ينهضوا بهذه الأمة التي تترقب فجر يوم جديد، يوشك أن تشع شمسه، ليعم نورها مشارق الأرض ومغاربها، ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٤ - ٦].
فإذا استجابوا لنداء الأمة، سار الكل وراءهم، والتأم الشمل، وقويت الشوكة، وتحقق في الجميع قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾ [آل عمران: ١١٠].
وفي هذا القدر كفاية، وأحمد الله ربي حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، على أن وفقني، وأعانني على هذا العمل.
فما كان فيه من صواب فبتوفيقه تعالى، وما كان فيه من خطأ ونقص فبتقصيري، ومن نفسي ومن الشيطان، ولا يسعني إلا فضله تعالى وعفوه، فاللهم فاعف عني.
وقبل أن أضع القلم من كتابي هذا أذكر القارئين وأهل العلم بما قاله العماد الأصفهاني رحمه الله تعالى: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يوم، إلا قال في غده أو بعد غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر).
стр. 111
المعايير الجلية في التمييز بين الأحكام والقواعد والضوابط الفقهية
المؤلف/ المشرف: يعقوب بن عبدالوهاب الباحسين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية
في هذه الخاتمة نجمل ما ذكرناه من المعايير بشأن التمييز بين القواعد الفقهية والأحكام إذ إننا انتهينا إلي ما يأتي:
١ - إن القواعد والضوابط هي قضايا كلية فقهية جزئياتها قضايا كلية أيضا. أما الأحكام الفرعية فهي قضايا كلية لكن جزئياتها أفراد , أو أشخاص , سواء كانت الأفراد والأشخاص من أفراد المكلفين , أو غيرهم , وسواء كان هذا من الكاءنات الحية , أو من غيرها , سواء كان تصرفا أو غير ذلك.
٢ - إذا احتملت القضية الكلية الأمرين أي كانت جزئياتها قضايا كلية , مع احتمال أن تكون أشخاصا وأفرادا نظرنا إلى محل القضية أي الموضوع الذي تتناوله القضية فإن كان عاما أو أنواعا أو أجناسا حملنا القضية على أنها قاعدة فقهية وإن كان أفرادا حملنا القضية على أن تكون حكما فرعيا.
٣ - لا ينبغي الحكم على قضية ما بأنها قاعدة بمجرد أنها وردت في كتب القواعد كذلك لأن العلماء يتساهلوا في ذلك وأدخلوا في القواعد والضوابط ما ليس منها.
٤ - لا يلزم من كون القضية كلية أن تكون قاعدة فقهية لأن الأحكام الفرعية هي من القضايا الكلية أيضا لكون موضوعها محكوما عليه ر بشخصه بل بوصفه.
٥ - ينبغي أن يستبعد من القواعد والضوابط الفقهية ما يأتي:
أ - التعريفات
ب - التقاسيم
ج – تعداد الأركان أو الشروط أو الأسباب وما أشبه ذلك
٦ - النظر في الكليات والأصول الواردة عل ألسنة العلماء في كتب الفقه والقواعد الفقهية وتطبيق المعيار الذي ارتضنياه عليها ولا يلزم من قول العلماء إن الأصل في كذا كذا أنه قاعدة أو ضابط بل لابد من تطبيق المعيار على ذلك ليتبين الأمر. وكذلك الشأن في الكليات لتساهل العلماء في هذه الإطلاقات.
٧ - إدا احتاج من أراد تمييز القواعد أو الضابط عن الأحكام الفرعية إلى مرجحات عند الاشتباه أو التساوي بين الاحتمالات فإن من الممكن الاستفادة من السمات الاستئناسية للقواعد والضوابط الفقهية والسمات الاستئناسية للأحكام وإن كانات هذه الصفات أو السمات غير حاسمة في الموضوعز
٨ - من الأمور التي تعين مستخرجي القواعد الفقهية وتمييزها عن الأحكام:
أ- إن كل قضية كلية فيها تلازم عقلي أو حسي أو عادي بين موضوعها ومحمولها في القضايا الحملية وبين المقدم والتالي في القضايا الشرطية هي قاعدة أو ضابط غالبا.
ب- إن القضايا الكلية إن كان محمولها حكما شرعيا لفعل محدد أي ليس عاما مشتملا على جزئيات متنوعة فهي من الأحكام الفرعية وأما إذا كان محمولها حكما شرعيا لما يدخل تحته طائفة من الأفعال فهي قاعدة أو ضابط. فمثلا قاعدة (المشقة تجلب التيسير) تشمل أمورا متعددة ذات مشقة وإن التيسير متنوع ومتعدد أيضا وهو بما يناسب المشقة فهي القاعدة. ولكن أمثال الإطار والمسح على الجبيرة وجواز التيمم والجمع بين الصلاتين وقصر الصلاة والعفو عن دم البراغيث وما أشبهها هي تيسيرات محددة لأفعال ذات مشقة محددة أيضا. فهي محمولة على أمر خاص. كالإفطار للمسافر والمريض والمسح على الجبيرة لمن يتضرر بنزعها والتيمم لفاقد الماء والجمع بين الصلاتين للسفر أو المرض وقصر الصلاة للمسافر والعفو عن دم البراغيث لعموم البلوى وهكذا يقال عن كثير من الأمور المحددة.
стр. 112
المقاصد العامة للشريعة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: يوسف حامد العالم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الحديث - القاهرة ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مقاصد الشريعة
خاتمة البحث
وبعد فهذا ما قد كنت أردت بيانه من الأهداف العامَّة للشريعة الإسلامية وهي أهداف سَامِية، ولا أحسب أن أحداً يَتَمتَّعُ بِسَلامة العقل، وصفاء البصيرة يُنازع فيها. وحتى لا أعيد ما سطرته في صلب الرسالة ألخص ما توصلت إليه من خلال هذه الرحلة الطويلة بإيجاز كي أعطي القارئ فكرة عامة، وخلاصة إجمالية عن نتائج البحث.
١ـ إن الشريعة الإسلامية وافيه بجميع مصالح العباد الدنيوية والأخروية كبيرةً كانت أو صغيرةً، ثَابِتةً أو مُسْتَحْدثةً. وإن هدفها الأعظم هو إسعاد العباد في الدنيا والآخرة، وإن السعادة المطلوبة لا تتحقق إلا بمتابعة أحكامها، وقواعدها، ومبادئها، وموافقة مقاصدها ولذا كانت معرفة المقاصد لابد منها، وخاصة للفقيه والمجتهد، لأنها منارة يهتدي بها في اجتهاده واستنباطه للأحكام من النصوص، أو من المَبَادِئ والقواعد العامة، وإن المصلحة الشرعية لها خصائص وضوابط تميزها عن مصالح الأهواء.
هذه المصلحة تتفاوت قوةً وضعفاً، وضيقاً واتساعاً وهذا التفاوت يجعلها تنقسم إلى ضرورية، وحاجية وتحسينية، وكلية وجزئية. وهذا التقسيم يصلح أساساً للنظر في تنظيم المجتمع الذي يهدف إليه الإسلام بحيث تتوفر الضروريات والحاجيات لجميع أفراد المجتمع ولا بأس بتفاوتهم في التحسينات، وذلك عن طريق التربية، وغرس المشاعر الإنسانية التي تدفع بأفراد الجماعة إلى مشاركة الآخرين بوازع الدين، والتشريع معاً.
٢ـ إن إساءة مفهوم الدِّين في البلاد الإسلامية ترتَّبت عليها آثار سيئة منها انفصال الإيمان عن العمل والقول عن الفعل، مع أن الدين الكامل ـ وهو الإسلام ـ يشمل الإيمان والعمل، ويقتضي توافُق القول مع الفعل، والدين الكامل هو المقبول عند الله، وأن الدين ضروري لحياة البشر في الدنيا والآخرة، مهما أعرض عنه الناس فإنهم سيعودون إليه، وإن المحافظة على الدين تتطلب الإيمان، وأصول العبادات، من جانب الوجود، والجهاد، وقتل المرتدين، والزَّنادقة ومحاربة الابتداع من جانب العدم.
٣ـ لقد عُنِيَ الإسلام بالنفس الإنسانية، ووضع لها من التشريعات ما يحقق لها جميع المصالح في جميع الأطوار من غذاء، وكساء، ومسكن، وما يمنع عنها الاعتداء بأي صورة، وشرع من العقوبات ما يكون زاجراً ورادعاً لمن يعتدي عليها، والزاجر قد يكون عقاباً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة.
٤ـ أما العقل فقد مَيَّز الله به الإنسان عن سائر الحيوانات، وقد عني به ووضع له من التشريعات الكفيلة بحفظه من الإضعاف أو الإزالة، مثل وجوب التعليم وتحريم المسكرات والمُخدِّرات، والعقاب على شرب المسكر، والعقل أحد دوائر وسائل المعرفة، وهي الحواس والعقل والوحي، وأضيق هذه الثلاث الحواس ثم تليها دائرة العقل، ودائرة الوحي تعتبر المحيط الأعظم وكل دائرة تكمل الأخرى بدون تعارض أو تناقض، ويترتب على إساءة فهم حدودها، أو علاقة بعضها ببعض نشوء المفاسد العقائدية والفكرية والأخلاقية تبعاً لذلك. وفي الواقع لا يوجد تعارض أو تناقض بينها، بل يوجد تعاون كامل، فالوحي حاكم على العقل ولكنه معتمد عليه، والعقل حاكم على الحواس ومعتمد عليها.
٥ـ أما النسل فقد وضع الله له طريقاً للدَّوام والاستمرار وهو الزواج، وحرَّم الزنى ومقدماته من أجل المحافظة على هذا الطريق بعيداً عن العبث، وشرع عقوبات بدون رأفة لمن يعبث بحرمة هذا الطريق ويسلك غيره متعدياً بذلك ما حده الشرع للمحافظة على النوع الإنساني.
стр. 113
٦ـ أما المال فهو قوام الحياة، وضرورة من ضرورات الوجود البشري، ولذا عُنِي به الشرع الإسلامي ووضع له من القواعد والأحكام، لكسبه، وتملكه، وإنفاقه، وتنميته. أما الكسب فقد بين الله للإنسان طريق الحلال والحرام، وأمره أن يسلك طريق الحلال، وإذا سار في هذا الطريق لا يقيد سيره بأي سرعة، بل يعطيه الحق في السير بأكبر جهد يستطيعه، وأعطاه الحق في تملك ثمرات جهده وطاقته، ولكنه يوجب عليه أن يمد يد العون، لمن لا يستطيع السير بمقدار سرعته وجهده لظروف العجز أو لخيانة الحظ مع بذل الجهد، كما أوجب عليه الجهاد بالمال لحماية الدين والوطن وإذا كان الإسلام أعطى الفرد حق تملك المال مع إلزامه بأداء ما عليه من واجبات فإنه لم يعطه حق حبس المال وتعطيله عن الحركة في داخل الشبكة الاجتماعية، لأن حركة الأموال، هذه، ملك وحق للمجتمع، فإن استغنى الفرد عنها لا يحق له حبس ماله وتعطيله عن الحركة في داخل تلك الشبكة.
ولذا كان مقصد تَدَاوُل الأموال بين الناس من أعظم مقاصد الشارع في المال، والإسلام يصل إلى تحقيق تداول المال بين الناس عن طريق تحريم الكنز، والرِّبا، والميسر والاحتكار، وتحريم جعل المال دولة بين الأغنياء دون الفقراء، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وشرع أنواع التعامل بينهم لتحقيق هذا المقصد العظيم، وإذا كان المال محترماً في نظر الإسلام فإنه يحظى بحمايته من الاعتداء عليه بالحرابة، أو السرقة أو الغصب، وجميع أنواع أكل أموال الناس ظلماً. والمقصود من ذلك كله المحافظة على المال.
وبالكلام على المال انتهى البحث. وفي هذه المسيرة الطويلة انتابني شعور عميق خلاصته: هو أنني فيما أعتقد أن المسلمين لا يكتب لهم النجاح ولا الفلاح إلا بالرجوع إلى إسلامهم والتمسك به عقيدةً وشريعةً، وقولاً وفعلاً، ولا صلاح لهم ولا إصلاح إلا في ظل مبادئ الدين الإسلامي وقواعده وأحكامه في جميع مجالات الحياة، لأن الإسلام هو دين الله الكامل، ولا يقبله إلاّ كاملاً، أما إن آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه الآخر، فلا يكون جزاؤهم أقل من الذّلة، والمهانة، والضياع والشَتَات والضعف والشِّقاق، يظلون كغثاء السيل إلى حين أوبتهم إلى ربهم، ووفائهم له بعهده قبل وفائه لهم بعهدهم، وبذلك ينصرهم ويثبت أقدامهم ويؤلف بين قلوبهم، وبذلك يصيرون خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وأختم كلامي كما بَدأْتُه بحمدِ الله، أن يهديني إلى الحق ويوفقني للتمسك به، وأضرع إليه أن يختم حياتي بصالح الأعمال ويمن على المسلمين بالهداية، والتوفيق ليرجعوا إلى دينهم مصدر عزّهم ومجدهم وشرفهم إنه نعم المولى ونعم النصير.
تمت بحمد الله وعونه
стр. 114
النهج الأقوى في أركان الفتوى
المؤلف/ المشرف: أحمد بن سليمان بن يوسف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار العاصمة – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: فتوى ومفتي ومستفتي
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وهو الموفِّق سبحانه لسلوك طريق السلامة حتى الممات، أما بعد:
فحيث انتهى مطاف البحث إلى الخاتمة، فإليك أيها القارئ أهم نتائجه، منتقاة على ترتيب فصوله ومباحثه:
• غزارة الفقه الإسلامي وسعة ألفاظه، وقوة معانيه وعمق مقاصده، وشمول أحكامه واستيعابه للحوادث في كل زمان ومكان، وابتعاده عن جمود الأنظمة وقسوة القوانين.
• الاشتغال بالعلم الشرعي تعلماً وتعليماً أشرف الأمور قدراً، وأعظمها أجراً، وهو أفضل من نوافل العبادات؛ لأن نفع العلم مُتعدٍّ.
• حاجة الأمة الإسلامية إلى الاجتهاد، وهو: بذل واستفراغ المجتهد الوسع في طلب الأحكام الشرعية، ومجاله: كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع، وله أحوال؛ فقد يكون فرضاً، وقد يكون ندباً ...
والمجتهدون أيضاً مراتب أعلاها الاجتهاد المطلق. وللاجتهاد شروط لابد من توافرها.
• من مظاهر التيسير في الشريعة جواز التقليد، وهو: قبول قول الغير من غير حجة. وطلب العلم لا يجب على كل أحد، والناس في العلم مراتب، فمنهم: العامي، والعالم المجتهد، والعالم الذي حصَّل بعض العلوم، دون الاجتهاد.
فحق العالم الاجتهاد، وحق العامي التقليد.
• من حكمة الله تعالى ورحمته بعباده: وجود الخلاف فيما يجوز فيه الاجتهاد. وليس الخلاف عيباً في الشريعة؛ لأن الخلاف إنما هو في فهوم المجتهدين لا في الشريعة، وله حِكم مفيدة، وأسباب عديدة، وينبغي لطالب العلم التحلي بأدب الخلاف.
• للفتوى في اللغة إطلاقات عديدة؛ أهمها تبيين المشكل من الأحكام، شرعية كانت أو غير شرعية. وهي في الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي والإخبار به من غير إلزام. وللفتوى ترادف وارتباط لفظي مع مصطلحات الإمامة والخلافة، والقضاء والحكم والاجتهاد، والنوازل والواقعات، مع فروق بينها.
• للفتوى عناصر ثلاثة: فتوى، ومفتي، ومستفتي.
• للشريعة الإسلامية مقاصد عظيمة في الفتوى؛ فهي طريق العلم الشرعي لأغلب الناس في عباداتهم ومعاملاتهم.
• للفتوى منزلة عظيمة وتاريخ عريق في الإسلام؛ فقد تولاها الله سبحانه بذاته، ثم تولاها المصطفى ﷺ ، ثم أصحابه في زمنه ومن بعده، ثم التابعون وصالحوا الأمة إلى يومنا هذا.
ولكل مذهب من المذاهب الفقهية مؤلفات خاصة بالفتوى على مر العصور.
• للفتوى خطورة بالغة، وهيبة عظيمة في نفوس العلماء؛ حتى كانوا يهرُبون منها ويهابونها، وصرَّحوا بتحريم التساهل فيها.
• تعتري الفتوى الأحكام التكليفية الخمسة: الوجوب، والندب، والكراهة، والإباحة، والتحريم، ولكل حُكم حالات.
• تدخل الفتوى في أبواب الفقه كلها؛ عبادات كانت أو معاملات أو جنايات. وستظل حاجة الناس للفتوى قائمة إلى قيام الساعة.
• هناك حالات يجب الإمساك فيها عن الفتوى؛ كالفتوى في علم الكلام والمتشابهات من أمور الدين، وما لم يقع، وما لا يصلح للسائل، وإفتاء القاضي في أمور القضاء، وهناك حالات هي محل خلاف موَضَّحة في موضعها. وهذه حالات يمسك فيها المفتي عن الفتوى لسبب شرعي لا من تلقاء نفسه.
• الفتوى في الشريعة الإسلامية مؤصَّلة ومبنيَّة على قواعد وأدلة تُبنى عليها (مصادر وأدلة الفقه والأحكام)، وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس ...
• قد يذكر المفتي الدليل على الفتوى، وقد يُعرض عنه؛ بحسب المصلحة ونوع السائل والمسألة.
• اختلف العلماء في جواز تجزُّئ الفتوى، والمسألة مبنيَّة على تجزُّئ الاجتهاد من عدمه، والصحيح جوازه في أبواب العلم عامة.
стр. 115
• ينبغي لمن تصدى للفتوى أن يتبرع بذلك، ويطلب الأجر والثواب من الله تعالى، ويجوز للمفتي أخذ الرَّزق من بيت المال، وينبغي للإمام أن يفرض للمفتين ونحوهم من بيت المال ما يسد حاجتهم، وإذا لم يكن للمفتي رزق من بيت المال جاز له أخذ الأجرة من المستفتين؛ ما لم تتعين عليه الفتوى؛ فلا يجوز حينئذ.
ويجوز للمفتي أن يأخذ الهدية، وينبغي له أن يكافئ المهدي عليها؛ ما لم تكن الهدية لأجل الترخيص للمستفتي أو لأجل حيلة غير مشروعة؛ فتحرُم.
• تجوز ترجمة الفتوى عند الحاجة، ويُكتفى بمترجم عدل واحد؛ على الصحيح من قولي العلماء.
• ليس للفتوى والإفتاء مكان مخصوص؛ بل تجوز في أي مكان وعلى أي حال.
• تحصل الفتوى بالقول والفعل والتقرير.
وللفتوى بالقول (اللفظ) آداب وضوابط تتعلق بإتقان اللفظ ودقته، ويندرج تحت الفتوى بالفعل: الأفعال الصريحة، والكتابة، والإشارة.
وتجوز كتابة الفتوى، ولكتابتها ضوابط وآداب تتعلق بإتقان الكتابة ودقتها.
• اتفق العلماء على جواز نقل العلم والفتوى من الكتب المشهورة الموثوق بها، ولهم في ذلك ضوابط.
ويجوز العمل بفتوى المفتي المكتوبة.
• لفقهاء المذاهب مصطلحات وألفاظ في معرفة القول المفتى به، وفي كل مذهب علماء تؤخذ عنهم الفتوى وكتب تنقل منها الفتوى.
• شمول الشريعة الإسلامية لأحكام النوازل والمستجدات في كل زمان ومكان، واستحالة عُروِّ أي واقعة عن أحكام الدين.
ولذلك صرح المحققون من أهل العلم بجواز الفتوى في النوازل والأمور المستجدة.
• للحيل أنواع، وأسباب ودوافع، والإفتاء بالحيل يرجع إلى نوعها وسببها، وفي ذلك تفاصيل للعلماء. والمجوزون للإفتاء بالحيل لهم ضوابط لابد من توفرها.
• لولي الأمر في الإسلام شأن رفيع ومنزلة عالية، وطاعته في المعروف واجبة، ومسؤولياته عظيمة، ومن أهمها: إقامة الفتوى، ونَصبُ المفتين، وله سلطة في الحجر على من لا يصلح للفتوى ممن تصدى لها، وليس له تقنين الفتوى بمذهب معين.
• النساء شقائق الرجال، ولهن من أحكام الشريعة ما للرجال؛ إلا ما ورد اختصاص الرجال فيه دون النساء.
ولم يرد تخصيص الرجال بالفتوى؛ فللمرأة أن تطلب العلم وتُفتي وتدرس.
وفي الإسلام نماذج كثيرة من ذلك.
• تختلف أهمية الفتوى بحسب اختلاف الموضوع المفتى به، وهناك أمور كبار يجب حصر الفتوى فيها على أهل العلم الكبار الفطاحلة الأبرار، ومن ذلك: التكفير، والجهاد، والطلاق، والفتوى المباشرة.
• من مقاصد الشريعة الإسلامية رفع الحرج عن المكلفين، وله مظاهر كثيرة بارزة في العبادات والمعاملات.
• الرخص في الشريعة جاءت على خلاف الأصل، وهي أنواع، فمنها: ما هو مشروع: وهي ما دل عليها دليل شرعي، ومنها الممنوع المذموم: وهي ما قُصد منها الفرار من التكاليف.
ولتتبع الرخص مخاطر عظيمة؛ قد تؤدي إلى الانسلاخ من الدين بالكُلية. ومما يتفرُّع عن تتبع الرخص: مسألة التلفيق بين المذاهب، أو في المذهب الواحد، وهي مسألة خلافية؛ حيث منعه كثير من العلماء، وأجازه بعضهم بشروط وضوابط، وهو الأقرب للصواب.
• القول الأحق بالفتوى هو القول الراجح في المذهب، المستند إلى الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو ما رجّحه العلماء المعتبرون، وللقول الراجح علامات يعرفها محققو المذاهب؛ إذ ليست منضبطة بضوابط واضحة لكل أحد.
• قد تتغير الفتوى تبعاً لتغير الأعراف أو المصالح - أو غير ذلك مما تُبنى عليه الفتوى أحياناً- بمستند شرعي مما هو قابل للاجتهاد، ولا يمكن تغيُّرها في الأحكام القطعية الثابتة، ولا أن يُنسب التغيُّر للأحكام وإنما للفتوى؛ فهي المتغيرة تبعاً لتغيُّر مبناها، وليس الزمان والمكان مؤثَّرَين بذاتهما في الفتوى.
стр. 116
• تغير الفتوى من أخطر ما يكون في علم الفتوى، ويجب قصره على فطاحل العلماء.
• المفتي هو من يبين الحكم الشرعي ويخبر به من غير إلزام.
• للمفتي مكانة سامية في الشرعية الإسلامية؛ إذ هو قائم في الأمة مقام النبي ﷺ . وهو أيضاً على خطر عظيم؛ لما للفتوى من خطورة لا تخفى.
• للمفتي شروط لابد من توافرها، أهمها: الإسلام، والتكليف، والعلم، والعدالة.
• للمفتي آداب ينبغي التحلي بها، أبرزها: صلاح النية، والورع، والوقار، ومعرفة أحوال الناس، والظهور بمظهر حسن، ومداومة النظر في العلم ...
• للمفتي علامات يعرفه بها من أراد الاستفتاء، أبرزها: انتصابه للفتيا بمشهد من العلماء، مع ظهور سمات الدين والخير عليه.
• المفتون نوعان، أحدهما: المفتي المستقل، ويسمى المجتهد المطلق، كالأئمة الأربعة ونحوهم، وقد انقطع هذا النوع منذ قرون بعيدة. والنوع الآخر: المفتي المنتسب، وهو على أربع مراتب:
الأولى: مفتٍ منتسب لإمامه في طريقة الاجتهاد، لكنه يخالفه في المذهب والدليل والاستنباط، فهو مجتهد في فتاواه.
الثانية: مفتٍ مقيد في مذهب إمامه في أدلته وقواعده، مستقل بتقرير مذهبه وأقواله بالدليل، وهؤلاء هم أصحاب الوجوه في المذهب.
الثالثة: مفتٍ حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، لكنه قَصُر عن أصحاب الوجوه لقصوره في حفظ المذهب أو القدرة على الاستنباط، وهذا النوع هو مجتهد الفتوى.
الرابعة: مفتٍ لم يحفظ مذهب إمامه، لكن معظم المذهب على ذهنه، وعنده دُربة تمكنه من الوقوف على نصوص المذهب وتفريعات الأصحاب.
• قد يرجع المفتي عن فتواه لأسباب شرعية؛ كظهور الخطأ بمخالفة النص أو الإجماع، وهذا من طريقة العلماء الربانيين، منذ عهد الصحابة إلى يومنا. وإذا رجع المفتي عن فتواه لزمه إعلام المستفتي بالرجوع إذا كانت الفتوى الأولى واجبة النقض – على القول الراجح -، وحرم على المستفتي العمل بهذه الفتوى إذا لم يعلم برجوع المفتي إلا بعد العمل بالفتوى، أما إذا علم برجوعه قبل العمل بالفتوى فإنه يسأل غيره ويتحقق من صحتها – على القول الراجح أيضاً -. وأما المفتي نفسه فيحرم عليه العمل بفتواه الأولى ما لم يحكم بها قاض.
• إذا كان المفتي من أهل الاجتهاد فبذل جهده وأصاب الحق؛ فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، وخطؤه مغفور بإذن الله. وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد، أو لم يبذل وسعه في إصابة الحق فإنه يأثم على الخطأ.
• إذا أتلف المستفتي شيئاً بناء على فتوى المفتي، فإن المفتي يضمن إن لم يكن أهلاً للفتوى، أو كان أهلاً وخالف دليلاً قاطعاً، وما سوى ذلك فلا يضمن – على القول الراجح -.
• إذا أفتى المفتي في مسألة، فتكررت نفسُها مرة أخرى؛ فإن كان ذاكراً للمسألة ومستندها، ولم يتجدد له ما يوجب تغيير الفتوى: فإنه يفتي بالجواب نفسه من غير نظر آخر، أما إن طرأ عليه ما يغير اجتهاده الأول: فإنه يعيد النظر مرة أخرى، وأما إذا ذكر المسألة ونسي مستندها: فإنه يجب عليه تجديد النظر مرة أخرى أيضاً – على القول الصحيح-.
• قد يمسك المفتي عن الفتوى ويمتنع لأسباب يقدِّرها باجتهاده؛ كالإمساك ورعاً، أو لمصلحة يراها ويجتهد في تقديرها، أو خوفاً مما يترتب على الفتوى، أو كان في البلد من يقوم مقامه، أو لتعارض الأدلة عنده ...
• ليس للمفتي أن يقلِّد غيره في الفتوى؛ ما لم يطَّلع على مأخذ المسألة وهو أهل للنظر – على القول الراجح -.
• للمفتي وطالب العلم أن ينقل مذاهب العلماء وأقوالهم للمستفتي؛ فيقول: قال الشافعي كذا، وقال أحمد كذا، ولا يدخل ذلك في التقليد الممنوع.
стр. 117
• إذا التزم المفتي مذهباً معيناً فله أن يفتي بخلافه إذا اعتقده أرجح من مذهب إمامه، ولم يكن قصده تتبع الرخص – على القول الراجح -.
• يجوز للمفتي تقليد العلماء الأموات – على القول الراجح – بعد التحقق من نسبة الأقوال لقائليها.
• إذا اعتدل عند المفتي قولان، ولم يستطع ترجيح أحدهما على الآخر؛ لزمه التوقف حتى يتبيَّن له الراجح منهما – على القول الراجح من أقوال أهل العلم في المسألة -.
• المستفتي هو الذي يطلب الفتوى ممن لم يبلغ درجة المفتي.
• للمستفتي آداب ينبغي له التحلي بها، وغالبها تتعلق بتعامله مع المفتي.
• هناك مواضع يكره للمستفتي السؤال عنها؛ كالسؤال عما لا ينفع، والسؤال عن الأغلوطات وشرار المسائل، والسؤال على سبيل التعنت وإفحام المفتي.
• يلزم العامي السؤال عما نزل به من أمور الدين، ولا يجوز له الاجتهاد.
• يجوز للمستفتي – على القول الراجح – أن يسأل المفتي عن دليل المسألة؛ إذا كان سؤاله للتثبيت لا للتعنت، ويلزم المفتي في هذه الحالة إخبار المستفتي بالدليل، لاسيما إذا كان قطعياً ظاهراً.
• يلزم المستفتي – على القول الراجح – أن يعمل بالفتوى؛ إن لم يوجد مفتٍ آخر، فإن وَجد مفتٍ آخر فالمستفتي بالخيار بينهما.
• إذا لم يوجد إلا مفتٍ واحد: لزم المستفتي مراجعته.
• إذا تعدد المفتون، وتساووا في الصفات؛ فالمستفتي مخير بينهم – على القول الراجح –، فيستفتي من شاء منهم، ولا يلزمه الاجتهاد في اختيار أحدهم.
• إذا تعدد المفتون وتفاضلوا في الصفات، جاز للمستفتي أن يقلد المفضول مع وجود الفاضل؛ إذا ترجح المفضول بديانة، أو ورع، أو تحر للصواب.
• إذا سأل المستفتي أكثر من مفتٍ، واختلفت أجوبتهم مع تساويهم في الصفات؛ فهو بالخيار يأخذ بقول من شاء منهم – على القول الراجح –، وقيل: يأخذ بالقول الأشد، وقيل: بالأخف، وقيل غير ذلك.
• إذا استفتى العامي عن مسألة فحصل على الفتوى، ثم وقعت له المسألة مرة أخرى؛ فإن كانت الفتوى الأولى مستندة إلى نص أو إجماع فلا حاجة لإعادة الاستفتاء، وإن كان دليل المسألة اجتهادياً، ولم يكثر وقوعها؛ فقيل: يلزمه إعادة الاستفتاء مرة ثانية، والصحيح: أنه لا يلزمه أيضاً.
• إذا لم يجد العامي في بلده من يستفتيه بحدود مسافة القصر؛ فلا يلزمه الرحيل – على القول الراجح –، وإنما يأخذ حكم من لم تبلغه الرسالة؛ فيسقط عنه التكليف.
• يجوز للمستفتي أن يستفتي بنفسه مباشرة – وهذا هو الأصل –، ويجوز له الاستفتاء بواسطة موثوق به؛ فينقلَ له الفتوى مشافهة أو مكتوبة.
• أجمع العلماء على أن فرض العامي التقليد وسؤال أهل العلم، ولا يجوز له الاجتهاد.
• لا يلزم العامي – على القول الراجح – التزام مذهب معين، وإنما يجوز له ذلك جوازاً؛ فله أن يلتزم أحد المذاهب الأربعة أو غيرها، وله أن يستفتي على أي مذهب شاء.
• إذا التزم العامي مذهباً معيناً جاز له مخالفته في بعض المسائل – على القول الراجح –؛ لاسيما إذا اعتقد رجحان المذهب أو القول الآخر، ولم يكن قصده تتبع الرخص.
• إذا عرف العامي حكم مسألة فلا يجوز له أن يفتي فيها من غير أن يحكي القول عن أحد، أو يعرف دليل المسألة.
• إذا عرف العامي حكم مسألة ودليلها جاز له – على القول الراجح – أن يفتي فيها؛ إن كان الدليل على المسألة نصاً من كتاب أو سنة، أما إن كان الدليل مبنياً على الاجتهاد والنظر فلا يجوز له الإفتاء فيها.
• لا ينبغي للعامي أن يحكي فتوى أو مذهب غيره، ما لم تدع الحاجة إلى ذلك، ويكون العامي نبيهاً فطناً.
стр. 118
الواجب الموسع عند الأصوليين
المؤلف/ المشرف: عبدالكريم بن علي النملة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - بالرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة
الخا تمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشكره على توفيقه وعونه، وبعد: فإني بعد أن انتهيت من الكتابة في هذا الموضوع – وهو: " الواجب الموسَّع عند الأصوليين ": لا بدَّ لي أن أحيط القارئ الكريم بملخص لما كتبته فيه، وأهم النتائج التي انتهيت إليها؛ وذلك للوقوف عليه وقفة إجمالية فأقول وبالله التوفيق:-
لقد قسَّمت الكتابة في هذا الموضوع إلى خمسة فصول:-
أما الفصل الأول: - وهو الفصل التمهيدي – فقد جعلته في الحكم الشرعي فعرَّفت الحكم عند أهل اللغة، وذكرت عدداً من تعريفات الأصوليين للحكم الشرعي، واخترت ما هو أقرب
– عندي – للصواب وهو:" خطاب الله – تعالى – المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير أو الوضع ".
ثم فرَّقت بين الحكم الشرعي عند الأصوليين، والحكم الشرعي عند الفقهاء.
ثم ذكرت أن الحكم التكليفي هو: " خطاب الله المتعلِّق بأَفعال الكلفين اقتضاء أو تخييراً".
ثم بينت أن الحكم الوضعي هو: " خطاب الله – تعالى – المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو كون الفعل صحيحاً، أو فاسداً، أو عزيمة، أو رخصة، أو أداء, أو إعادة، أو قضاء ".
ثم تكلمت عن الفرق بين الحكم التكليفي والوضعي عند الفقهاء مع التمثيل.
ثم أشرت إلى قول بعض العلماء: إن الحكم الشرعي قسم واحد وهو " الحكم التكليفي " مع وذكر دليلهم على ذلك، ثم بينت بطلانه بالبرهان.
ثم عرَّفت كل قسم من أقسام الحكم التكليفي وهي: " الوجوب"، و" الندب" و" الإباحة "
و" الكراهة" و" التحريم " مع الإيضاح بالتشريح والأمثلة وذلك عند الجمهور.
ثم – بينت أقسامه عند الحنفية -، وأشرت إلى سبب تفريقهم بين " الفرض " و" الإيجاب "،
و" التحريم " و" الكراهية التحريمية ".
ثم عرَّفت كل قسم من أقسام الحكم الوضعي وهي: " السبب" والعله و" الشرط "، و" المانع "، " والصحة " و" الفساد"، و" الرخصة " و " العزيمة " و" الأداء" و" القضاء" و" الإعادة " مع التمثيل لكل قسم والإيضاح، وبيان أن الأصوليين لم يتفقوا على هذه الأقسام كلها، بل اختلفوا في بعضها.
أما الفصل الثاني: فقد بحثت فيه حقيقة الواجب الموسَّع حيث عرفت الواجب عند أهل اللغة، ثم ذكرت تعريفات الأصوليين للواجب وقد قسًّمتها إلى قسمين: قسم وجد فيها ما يفيد إدخال الواجب الموسَّع، وقسم آخر لم يوجد فيها ما يفيد إدخاله.
فذكرت تعريفات كل قسم بالتفصيل مع ذكر من قال بكل تعريف، ثم اخترت أقرب تلك التعريفات إلى الصحة – في نظري – وهو: " ما ذم شرعاً تاركه قصداً مطلقاً" مع بيان شرحه ومحترزاته.
ثم بعد ذلك بينت: أن " الفرض " و " الواجب" مختلفان في اللغة، أما من جهة الشرع فقد اختلف العلماء هل هما مترادفان أو متغايران؟
والحق أني أطلت الكلام في هذه المسألة؛ نظراً لأهميتها، فذكرت فيها مذهبين وأدلة كل مذهب. وتبين لي بعد ذلك أن القول بأنهما غير مترادفين وأن لفظ " الفرض " آكد من لفظ " الواجب " هو الصواب وهو الذي ينبغي أن يؤخذ به، وصوبته بأدلة وبراهين، وناقشت أدلة المخالفين، وبينت هل لهذا الخلاف في هذه المسألة من أثر في الفروع الفقهية أو أنه خلاف لفظي؟
وبعد أن انتهيت من تعريف الواجب, وفرقت بينه وبين الفرض، شرعت في بيان المراد من التوسيع، وأنه خلاف التضييق.
стр. 119
ثم بعد ذلك عرَّفت: " الواجب الموسَّع " بأنه: الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه وأداءه في وقت يسعه ويسع غيره من جنسه طلباً جازماً "، وقد شرحته وبينت محترزاته، ووازنت بينه " أعني الواجب الموسع " وبين غيره من الواجبات كالواجب المضيق، والواجب المخير, والواجب المعين، والواجب الكفائي، والواجب العيني، والواجب المحدد، والواجب غير المحدد، وذكرت في هذه الموازنة تعريف كل واحد من تلك الواجبات، مع التمثيل له وذلك ليتصور القارئ الكريم كل واحد منها حتى يكون الواجب الموسع جلياً واضحاً لديه، وبينت في ذلك أن الواجب الموسع يشترك مع بعض الواجبات في أمور، ويختلف عنها في أمور أخرى.
أما الفصل الثالث: فقد تكلمت فيه عن " إثبات الواجب الموسع " فذكرت فيه: أن جمهور العلماء من فقهاء وأصوليين قد أثبتوه وأن أكثر الحنفية مع الجمهور في ذلك، بعكس ما كان ينقله بعض الأصوليين من أن أكثر الحنفية أو كلهم ينكرون الواجب الموسع.
ثم بعد ذلك ذكرت أدلة المثبتين له بالتفصيل، مجيباً عن الاعتراضات التي وجهت إلى كل دليل.
ثم ذكرت أن المثبتين للواجب الموسع قد اختلفوا فيما إذا ترك المكلف الفعل في أول الوقت وأراد فعله في آخر الوقت هل يشترط العزم أو لا؟ على مذهبين: -
فذكرت المذهب الأول، وهو عدم اشتراط العزم، مبيناً في ذلك المراد من عدم اشتراط العزم، والقائلين به، وأدلتهم على ذلك، مع مناقشتها.
ثم ذكرت المذهب الثاني، وهو: اشتراط العزم، مبيناً في ذلك المراد من اشتراط العزم، وذاكراً القائلين به، وأدلتهم على ذلك الاشتراط مجيباً عن كل اعتراض وجه إلى أي دليل من أدلتهم.
ثم ذكرت مذهباً أورده الزركشي في " البحر المحيط " زاعماً أن الغزالي اختاره طريقة وسطى بين المشترطين للعزم والنافين له، وقررت – هناك – أن هذا المذهب لا يُسلَّم من وجوه ذكرتها هناك ومنها: أنه على فرض أن الغزالي قال مثل ذلك فإنه – بعد التحقيق – يرجع إلى مذهب القائلين باشتراط العزم ووجوبه.
ثم رجَّحت القول باشتراط العزم وذكرت أدلة لهذا الترجيح، ثم قررت أن الخلاف في اشتراط العزم وعدمه خلاف لفظي لا ثمرة له في الفروع الفقهية.
ثم بعد ذلك سردت عدداً من أقوال بعض الأصوليين الذين لم يشترطوا العزم لتزييف وإبطال مذهب المشترطين للعزم، فقمت بالرد على كل قول ومناقشته.
حتى أن بعض الأصوليين اتهموا القاضي أبا بكر الباقلاني بالخروج عن الحق حيث اشترط العزم, فناقشت كل قول على حده.
ثم بينت أن المشترطين للعزم اختلفوا في هذا البدل – وهو العزم – هل هو بدل عن نفس الفعل، أو هو بدل عن تقديم الفعل، وقلت هناك: إن الصواب: أنه بدل عن تقديم الفعل لا عن أصل الفعل.
كذلك ذكرت أن المشترطين للعزم اختلفوا فيه هل هو من فعل الله – تعالى – أو هو من فعلنا؟ وهل هو على الفور أو على التراخي؟
ثم حققت القول في كل حالة من حالات تأخير الفعل إلى آخر الوقت، وبينت حكم كل حالة، مبيناً المذاهب في ذلك.
وقررت – بعد ذلك – أن الصلاة لا تُقْضَى عن المكلف لو مات قبل انتهاء وقت الواجب الموسع بالأدلة.
ثم تكلمت عن مسألة: المكلف إذا عاش مع ظنه أنه لا يعيش وهو لم يفعل الواجب – في أول الوقت – وفعله في آخر الوقت فهل فعله هذا أداءَ أو قضاءً؟
فذكرت – هناك – أن العلماء اختلفوا في ذلك على مذهبين، ورجَّحت القول بأنه أداءً، لوقوع الفعل في وقته المحدد له شرعاً وهذا هو تعريف الأداء.
ثم بينت أن الواجب الموسع قسمان: " ما له غاية معلومة كالصلاة " و " ما ليس له غاية معلومة كالحج وقضاء العبادات الفائتة " وفصَّلت القول في كل قسم، مبيناً – في ذلك – متى يتضيق كل قسم، ومتى يعصي المكلف فيه مع ذكر أقوال العلماء في ذلك؟
стр. 120
ومما قررته في ذلك أن المكلف يعصي بالموت إذا لم يفعل ما كلف به – مع استطاعته – سواء غلب على ظنه البقاء أو لا.
وقررت – أيضاً- أن الحج لا يصلح أن يكون مثالاً للواجب الموسع بالأدلة والبراهين.
ثم بينت أن الوجوب يستقر بمجرد دخول الوقت وهو المذهب الأول من أربعة مذاهب ذكرتها هناك.
أما الفصل الرابع: فقد جعلته وخصصَّته للكلام عن " إنكار الواجب الموسَّع " فبينت فيه شبهة المنكرين له، والرد عليها.
ثم ذكرت أن المنكرين للواجب الموسع تفرقوا إلى خمس فرق: -
أما الفرقة الأولى: فهي تذهب إلى أن الوجوب يتعلق بأول الوقت وهم بعض الشافعية، وبعض المتكلمين على الرغم من أن علماء الشافعية ينكرون أن يكون هذا مذهبهم، ثم بينوا للآخرين السبب الذي من أجله نسب هذا المذهب إليهم، واختلافهم في ذلك السبب على خمسة أقوال ذكرتها هناك بالتفصيل.
ثم ذكرت أدلة هذه الفرقة على أن الوجوب متعلق بأول الوقت، وأجبت عن كل دليل.
ثم بيَّنت أن أصحاب هذا المذهب اختلفوا فيما إذا أخر المكلف الفعل عن أول الوقت هل يأثم أو لا؟ على قولين ذكرتهما مع دليل كل قول.
أما الفرقة الثانية: فقد ذهبت إلى أن الوجوب متعلَّق بآخر الوقت،- فذكرتها، مبيناً المراد من قولهم هذا، ذاكراً أصحاب هذا المذهب وقلت: إنهم بعض الحنفية، وقررت هناك خطأ الأصوليين حيث نسبوا هذا المذهب إلى الحنفية كلهم أو بعضهم.
ثم أوردت أدلة هذا المذهب، مجيباً عن كل واحد منها.
ثم بينت أن أصحاب هذا المذهب قد اختلفوا في تقدير زمن الوجوب فبعضهم قال: إن وقته ما يسع جملة الصلاة، والبعض الآخر قال: إذا بقي قدر تكبيرة الإحرام.
ثم ذكرت أن هؤلاء اختلفوا – أيضاً – فيما إذا أوقع المكلف الفعل في غير الجزء الأخير هل هو نفل أو فرض؟ على ثلاثة مذاهب، ذكرتها، مبيناً أدلة كل مذهب، وأجبت عنها.
أما الفرقة الثالثة: فقد ذهبت إلى أن الوجوب متعلق بالجزء الذي يتصل به الأداء، وهذا المذهب – محكي عن أبي الحسن الكرخي، وقد ناقشت هذا المذهب مناقشة تبين منها بطلانه.
أما الفرقة الرابعة: فقد ذهبت إلى أن الوجوب متعلق بوقت إيقاع الفعل أي وقت كان، فقمت بمناقشة هذا المذهب كسابقه.
أما الفرقة الخامسة: فقد ذهبت إلى أن إيقاع الفعل قبل آخر الوقت يمنع من تعلق الوجوب بالمكلف آخر الوقت، وبينت المراد من هذا المذهب، وأنه غير متشابه مع ما قبله من المذاهب كما زعم الطوفي.
ثم ذكرت مذهبين ذكرهما بعض الأصوليين ضمن فرق المنكرين للواجب الموسع، وبينت – بعد التحقيق – أنهما لا يخرجا ن عن مذهب الجمهور المثبتين للواجب الموسع.
أما الفصل الخامس: فقد خصصته في بيان نوع الخلاف بين المثبتين للواجب الموسع وبين النافين له، وقررت – هناك -: أنه خلاف معنوي قد تأثرت بعض المسائل الفقهية فيه، وقد ذكرت بعضاً منها على سبيل التمثيل، لا الحصر.
هذا ما تكلمت عنه وبحثته في هذا الكتاب، فإن وفقت فمن الله، وإن كان غير ذلك فإني أسأل الله العلي القدير أن يسدد خطانا وأن لا يحرمنا من الأجر والثواب إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
فالحمد لله الذي ألهم بابتدائه وأعان على انتهائه فهو سبحانه صاحب الفضل الذي لا ينكر.
وأخيراً أدعو الله – عزوجل – أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم بمنه وكرمه إنه سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 121
حقيقة البدعة وأحكامها
المؤلف/ المشرف: سعيد بن ناصر الغامدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - البدع
الخاتمة
نتائج البحث:
وبعد هذه المرحلة العلمية الشاقة والشائقة خرجت من هذا البحث بالنتائج التالية:
١ - أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً أريد به وجهه سبحانه وصواباً مرافقاً لمراده الشرعي.
٢ - أن الاعتصام بالسنة نجاة والبعد عنها هلاك وضلال، وأن أهل السنة هم الطائفة الناجية المنصورة.
٣ - ليس في البدع ما هو حسن أبداً، بل كل بدعة في دين الله بالزيادة أو النقصان فهي ضلالة، ولا يستثنى شيء من هذه العموم.
٤ - أن كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع.
٥ - أن البدع تكون بالفعل والترك، بالزيادة في الدين أو النقصان منه.
٦ - أن البدع تكون في العقائد والأعمال، وفي العبادات والعادات والمعاملات.
٧ - أن البدعة هي التي تفعل بقصد القربة.
٨ - أن البدعة هي التي ليس لها أصل في الدين من كتاب أو سنة أو إجماع أو قول صحابي لم يعارض نصاً ولا قولاً لصاحبي آخر ..
٩ - أنه لا تخصيص لشيء من الأزمنة والأمكنة أو الهيئات أو غير ذلك بكونها قربة إلا من قبل الشرع.
١٠ - أن الألفاظ والمعاني والمصطلحات التي لم ترد في الشرع لا يحكم عليها بالبدعة أو عدمها إلا بعد الاستفصال والتبين ومعرفة المراد.
١١ - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن لم يكن معمولاً به عند السلف بشرط عدم معارضته لدليل شرعي.
١٢ - أن الحكم على عمل ما بأنه بدعة أو لا، من الأمور الاجتهادية وقد يصيب فيه المرء وقد يخطيء.
١٣ - أن البدعة تكون كفراً وتكون كبيرة وتكون صغيرة ولكل حكم يخصه.
١٤ - أن هناك فرقاً بين التبديع والتفسيق والتكفير بالإطلاق والعموم والتبديع والتفسيق والتكفير بالتخصيص والتعيين.
١٥ - أن أحكام المبتدع من حيث الإثم في الآخرة والعقوبة في الدنيا تختلف باختلاف أحواله من حيث الجهل والعلم والتأول وعدمه والدعوة للبدعة والتستر بها.
١٦ - أن لازم القول لا يقتضي التبديع إلا إذا التزمه القائل.
١٧ - أن توبة المبتدع ممكنة وواقعة ومقبولة عند الله سواء كان داعياً أو لا.
وأخيراً فلست أزعم الكمال ولا المقاربة وحسبي أني بذلت جهدي واستفرغت طاقتي وأديت ما أرجو أن يكون معذراً لي عند الله في الخطأ الذي لا أنفيه عن نفسي وعملي، و:
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط؟
فإن يكن من صواب فهو من الله، وإن يكن من خطأ فهو مني ومن الشيطان والله وكتابه ورسوله منه براء، والذي يعزيني في أخطائي ويهون ثقلها عني: أني لم أتعمدها، ولم أقصد سوى الحق، وأن غيري ممن هو أفضل مني وأجل وأعلم لم يخل من خطأ، فقد:
ذهب الكمال وأبقى ... كل نقص لذلك الإنسان
والحمد لله أولاً وآخرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه واتباعه ..
стр. 122
حكم الإنكار في مسائل الخلاف
المؤلف/ المشرف: فضل إلهي ظهير
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: إدارة ترجمان الإسلام - باكستان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: العلماء - اختلافهم
خاتمة
الحمد لله الذي أنعم على العبد الضعيف بإنجاز هذا البحث. فلولا فضله ورحمته ما كنت لأهتدي إليه. فله الحمد عدد ما خلق في السماء، وعدد ما خلق في الأرض، وعدد ما بين ذلك، وعدد ماهو خالق. وأسأله ذا الجلال والإكرام قبوله، وجعله حجة لي لا عليَّ، ونافعاً ومفيداً للإسلام والمسلمين.
وقد تجلّى في هذا البحث عدة أمور، منها ما يلي:
١ـ هناك اختلاف بين العلماء في حكم الإنكار في مسائل الخلاف.
٢ـ يرى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أن معيار الإنكار في مسائل الخلاف من أحكام الأفعال هو مذهبُ المحتسب عليه. فلا يُنكَر عليه إذا كان فعله موافقاً لمذهبه سواءً أكان موافقاً للنصوص أم مخالفاً لها. ويلاحظ على هذا ما يلي:
أـ دلالة النصوص على وجوب الطاعة لله تعالى ولرسوله e من غير تفريق بين أحكام الأفعال ومسائل الاعتقاد.
ب ـ تقرير علماء الأمة أنه لا رأي لأحد في الكتاب والسنة من غير تفريق بين أحكام الأفعال ومسائل الاعتقاد.
ج ـ وجودشواهد إنكار سلف الأمة على من خالف النص في أحكام الأفعال.
٣ـ يرى الإمام الماوردي رحمه الله تعالى أن معيار الإنكار في مسائل الخلاف هو مذهب المحتسب عليه إلا إذاكان الخلاف ضعيفاً، وكان الفعل مؤدياً إلى محظور متفق عليه، فيُرغِّب المحتسب آنذاك في العقود المتفق عليها بدل الإنكار. ويُلاحظ على هذا ما يلي:
أـ عدم وجود سند لمنع الإنكار في مسائل الخلاف.
ب ـ دلالة النصوص على ردّ التنازع إلى الكتاب والسنة، والإنكار على من خالفهما.
ج ـ وجود شواهد ردّ الصحابة التنازع إلى الكتاب والسنة، وإنكارهم على من خالفهما.
د ـ توفّر أمرين لاستثناء الإنكار في مسائل الخلاف أمر مختلف فيه.
هـ عدم تفريق الإمام المارودي بين مسائل الخلاف والمسائل الاجتهادية.
٤ـ يتفق القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله تعالى مع الإمام الماوردي رحمه الله تعالى في هذا الأمر إلا أنه يرى أنّ للمحتسب الإنكار إذا كان الخلاف ضعيفاً، وكان مؤدياً إلى محظور متفق عليه. ويلاحظ على هذا ما يلي:
ضرورة ارتباط حق المحتسب في الإنكار أو مع مخالفة النص وجوداً وعدماً دون غيرها من الأمور.
٥ـ يرى الإمام السيوطي رحمه الله تعالى أنه لا يُنكر في مسائل الخلاف إلا في ثلاث صور، وهي:
أـ إذا كان سند الفعل ضعيفاً.
ب ـ إذا كان الأمر معروضاً لدى الحاكم فيحكم بعقيدته.
ج ـ إذاكان للمنكِر حق فيه.
ويُلاحظ عليه ما يلي:
أـ ضرورة ارتباط الإنكار مع مخالفة النص وجوداً وعدماً دون غيرها من الأمور.
ب ـ على الحاكم أن يحكم بالكتاب والسنة، وليس له أن يحكم بعقيدته.
ج ـ العبرة بموافقة النص أو مخالفته وليست بحق المنكِر.
٦ـ يرى الأئمة النووي وابن تيمية وابن القيم والشوكاني رحمهم الله تعالى أن معيار الإنكار في مسائل الخلاف هو الكتاب والسنة، وليس مذاهب الناس. فمن خالف النص يُنكَر عليه سواءً أكان فعله موافقاً لمذهبه أم مخالفاً له.
ومما يدل على صحة هذا الرأي ما يلي:
أـ ما خالف الكتاب والسنة منكر، ويجب الإنكار عليه بقدر الاستطاعة.
ب ـ كثرة الشواهد الدالة على تقرير السلف بنقض حكم الحاكم إذا خالف الكتاب والسنة.
ج ـ ضرورة التفريق بين مسائل الخلاف الاجتهادية وغير الاجتهادية، فلا يُنْكَر في الأولى حيث لا يجوز لأحد حملُ غيره على اجتهاده، ويُنكَر في الأخرى على كل من خالف نصاً.
د ـ إخبار أحد أو تذكيره بوجود نص يعارض رأيه لا يعني الطعن فيه.
هـ وجود كثرة المسائل الخلافية التي توجد فيها النصوص الدالة على صحة أحد الأقوال فيها ..
وـ نهي الأئمة الأربعة وغيرهم عن أخذ قول أحد خالف الكتاب أو السنة.
ح ـ ترك أصحاب الأئمة بعض أقوال الأئمة اتباعاً للنصوص.
ويلاحظ على هذا الرأي: أنَّ الأخذ بهذا الرأي يسبب الفرقة ويثير الفتن.
ويرد على الملاحظة بأن مراعاة ما يترتب على الإنكار تعالج المشكلة المثارة في الملاحظة.
٧ـ ترجَّح لدى الكاتب ـ بتوفيق الله تعالى وعونه ـ أن الرأي الأخير هو الصحيح دون غيره من الآراء.
стр. 123
حكم الاحتجاج بخبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن عويض المطرفي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: خبر الآحاد
الخاتمة
أهم النتائج التي توصلت إليها في هذه الرسالة يمكن أن أوجزها في النقاط التالية:
أولاً: القسم النظري
- خبر الواحد عند جمهور الأصوليين والمحدثين هو ما لم يجمع شروط التواتر.
وينقسم إلى مشهور وعزيز وغريب.
إن خبر الواحد العدل يجب العمل به إذا ثبت فقد تعبدنا الله به. وتظافرت الأدلة على وجوب العمل به وأشهرها الإجماع من الصحابة ومن بعدهم. وما روي عن بعضهم من التوقف فيه أو رده إنما كان لريبة أو قرينة أو وجود معارض راجح وليس رده لكونه خبر واحد.
خبر الواحد العدل إذا تلتقه الأمة بالقبول والتصديق أفاد العلم، لإجماع الأمة على صحته، وكذا إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه. وإجماع الأمة معصوم من الخطأ، لأنها لا تجتمع على ضلالة.
الخبر المحتف بالقرائن فإنه يفيد العلم – على الراجح – كخبر الصحيحين ما لم يبلغ حد التواتر، وما لم ينتقد عليهما.
خبر الواحد العدل المجرد عن القرائن يفيد العلم على الراجح من أقوال العلماء. ومن أقوى ما يرجح إفادته للعلم: هو ثبوت نسخ المقطوع بخبر الواحد كما في قصة أهل قباء.
لا يقبل الخبر حتى تجتمع في ناقله شروط خمسة: أن يكون الراوي مكلفاً هو العاقل البالغ، مسلماً، عدلاً، ضابطاً.
لا يشترط في الراوي أن يكون فقيهاً، فرب حامل فقه غير فقيه. وإنما يرجع إلى فقه الراوي عند التعارض والترجيح بين الأدلة.
شروط قبول خبر الواحد والعمل به محل خلاف بين العلماء قديماً وحديثاً، لأهل كل مذهب قواعد وشروط يخالفه أو يوافقه فيها غيره. والراجح تقديم الحديث الصحيح عليها اتباعاً لنصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المعتبرين، بل ونصوص الأئمة الأربعة، ولا يجوز أن تضع قواعد أو شروطاً أمام تلك الأحاديث الصحيحة فنحجر بها على دلالتها من أن تدل على مقصودها.
إن أسباب مخالفة الراوي لروايته كثيرة وأعظمها عن تأويل واجتهاد أو نسيان وهذه أسلم الوجوه.
إن أخذ العلماء برواية الراوي والاعتذار عن رأيه أو الأخذ برأيه والاعتذار عن روايته أو تركهما معاً كان بسبب أيهما أولى بالتقديم والتأخير عند الاختلاف والمعارضة.
إن محل النزاع عند من يجعل مخالفة الراوي لما رواه علة قادحة في روايته هو إذا كانت المخالفة بعد روايته.
إن مخالفة الراوي لما رواه – على التسليم بها – ينبغي تخصيصها بالصحابي فلا تتعداه إلى ما بعده لأسباب كثيرة سبق ذكرها. ومن باب أولى مسألة تخصيص العموم بقوله.
إن كان الخبر ظاهرا وجب حمله على ظاهره إلا أن يدل دليل يوجب العدول عن ظاهره. وظاهر الخير أولى من تأويل الراوي؛ لأن الحجة في ظواهر النصوص لا في مذهب الرواة.
لا يخص ظاهر العموم بقول الراوي مطلقاً سواء كان صحابياً أم غيره وسواء كان هو الراوي له أم غيره؛ لأنه محجوج به كغيره.
إذا كان الخبر مجملاً أو مشتركاً ففسره الصحابي ببعض وجوه احتمالاته حمل الخبر عليه فالعبرة بتفسيره؛ لأن تفسيره أولى من تفسير غيره فيقدم عليه.
إذا كان الخبر نصاً لا يحتمل التأويل ويدل على معنى واحد دلالة قطعية فإنه يصار إليه ولا يترك إلا بنص آخر يعارضه. فالعبرة برواية الراوي دون رأيه.
النسخ من الأمور المهمة في حياة الأمة فلا يقبل فيه قول الصحابي – فضلاً عن غيره – هذا ناسخ أو منسوخ فقط دون بيان، سواء كان هو راوي الخبر أم لا. أما إذا ذكر دليل النسخ فيقبل.
ومن طرق معرفة تأخر الناسخ قول الصحابي: هذا سابق أو متأخر أو كان كذا ثم نسخ.
стр. 124
لا يصح جعل مخالفة الراوي لما رواه بمنزلة روايته للناسخ، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ومجرد المخالفة لا يلزم أن تكون للنسخ فقط لجواز أن يكون لتقديم دليل آخر راجح.
إن النسخ له شروط معتبرة من حيث الثبوت والقوة ومعرفة التاريخ للمتأخر .. الخ.
إن السنة الصحيحة قاضية على كل تأويل واجتهاد يخالفها وأقوال الصحابة ليست حجة من اختلافها.
ثانياً: القسم التطبيقي:
وبحثت فيه ثمان وعشرين مسألة عن جماعة من الصحابة وهم أبو هريرة وابن عمر وعائشة وابن عباس ومعمر بن عبد الله وجماعة من التابعين ومن بعدهم وظهر لي النتائج الآتية:
أن مخالفة الراوي لما رواه لا تصلح للقدح والطعن في روايته لأسباب منها:
أ – أنها غير متفق عليها.
ب – أن مخالفتهم في هذه القاعدة سوف يقلب عليهم الأمر فيقول: لماذا لا تكون الرواية الثابتة الصحيحة دليلاً على سقوط رأيه المخالف لها. كما قاله ابن عبد البر في المسألة الأولى.
ج – إن من المسائل مسائل لم يثبت فيها تأخر الرأي عن الرواية فما يدري أقبل الرواية أم بعدها وإذا كان الأمر كذلك فنجعله من القسم الذي لم يعلم تاريخه وهنا يتفق الجميع على الأخذ بالرواية.
د – إن القول بأن العبرة بما رآه لا بما رواه يجعل أصحاب هذا القول حين استدلالهم برواية راوٍ ينظروا هل لراويها مخالفة أم لا. وهو غير صحيح مثل رواية ابن عباس في نكاح الأيم والبكر حيث استدل بها على جواز النكاح بغير ولي ولراويها رأي مخالف لها.
هـ - إن المخالفة والمعارضة بين الرأي والرواية أحياناً نحتاج للترجيح بينهما النظر في الأدلة الأخرى كمسألة زكاة الحلي ومسألة الطلاق الثلاث.
و– إن القول بما رآه الراوي لا بما رواه ينبغي أن يقيد عندهم بما إذا لم يكن له رأي آخر موافق لروايته كمسألة صيام يوم الشك.
فإن صور مخالفة الراوي لما رواه من حيث موافقته أو مخالفته لروايته على قسمين:
١ - رأي موافق لروايته وهو الأصل.
٢ – رأي مخالف لروايته وهو خلاف الأصل.
فإذا وجد للراوي رأي موافق لروايته ورأي آخر مخالف لها فلا شك في تقديم رأي الموافق لروايته من باب الترجيح بين الرأيين مثل مسألة قتل المرأة المرتدة.
مخالفة الراوي لروايته الصحيحة لا تخلو إما أن تثبت بسند صحيح أولاً.
فإن كان الثاني ترجح الخبر على ذلك الأثر بالضرورة لترجح الثابت الصحيح على غيره بالقوة وهذا الشرط ينبغي اعتباره واستصحابه عند كل مخالفة راوي لروايته، ولا يصح أن نجعل الأثر الضعيف مقياساً لرد الخبر الصحيح.
وإن كان الأول: وهو ثبوت المخالفة سنداً وكانت بعد الرواية فإن مخالفته على قسمين:
١ – رواية محتملة المخالفة.
٢ – رواية غير محتملة المخالفة.
ومن الشروط أيضاً: أن تتحقق المخالفة التامة بين الرواية والرأي من ناحية المتن وعدم الجمع بين روايته ورأيه، وأن لا يكون رأيه معتمداً على رواية أخرى، وأن لا يخالفه صحابي آخر.
وعند التحقيق والنظر في بعض المسائل أجد أنه لا تعارض بين رواية الراوي وبين رأيه لإمكان الجمع بينهما كمسألة صلاة الوتر على الدابة، ومسألة حكم القيء للصائم وقد سبقا الجمع بينهما.
أما مسألة أقل مسافة للقصر فإن رواية الراوي لم تسق لبيان تحديد مسافة القصر وفعله في قصر الصلاة موضوع آخر فليس هناك مخالفة بين الرواية وبين الرأي.
إذا اعتمد الصحابي في رأيه على رواية أخرى فإن المسألة تخرج من باب المخالفة وتكون من باب التعارض بين الأدلة كمسألة رضاع الكبير.
إذا خالف الصحابي في رأيه صحابياً آخر فإن المسألة تقرب من باب قول الصحابي وفعله حجة أم لا كمسألة صيام يوم الشك.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 125
حكم تقنين الشريعة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن سعد الشثري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الصميعي - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة
الخاتمة
تبين لنا مما مضى: أن تقنين الشريعة الذي يريد به من دعا إليه – مع إحسان الظن به – درء مفسدة اختلاف القضاة؟ يستلزم مفاسد أعظم من ذلك: فهو خطوة إلى الانتقال عن الشريعة الإسلامية إلى الأنظمة الوضعية، ولعل من دعا إليه يجهل ذلك، أو يتجاهله.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي)): وإيضاح ذلك: أن النظام الوضعي تتركب حقيقته من شيئين:
أحدهما: صورته التي هي شكله وهيئته في ترتيب مواده والحرص على تقريب معانيها وضبطها بالأرقام.
الثانية: حقيقة روحه التي هي مشابكة لذلك الهيكل والصورة كمشابكة الروح للبدن، وتلك الروح هي حكم الطاغوت، فصار التدوين مشتملاً على أحدهما والواحد نصف الاثنين.
ومما يظن ظناً قوياً ويخشى خشية شديدة أن وضع شكل وصورة النظام الوضعي بالتدوين، وضع حجر أساس لنفخ روح هذا الهيكل الأصيلة فيه.
ولاشك أن الظروف الراهنة، ومخايل الظروف المستقبلة، تؤكد أن تيارات الإلحاد الجارفة في أقطار المعمورة الناظرة إلى الإسلام بعين الحظ والازدراء يغلب على الظن، ويخاف خوفاً شديداً أنها بقوة مغناطيسها الجذابة التي جذبت غير هذه البلاد من الأقطار من نظامها الإسلامي التي توارثته عشرات القرون، إلى النظام الوضعي الذي شرعه الشيطان على ألسنة أوليائه، ستجذب هذه البلاد يوماً ما إلى ما جذبت إليه غيرها من الأقطار التي فيها مئات العلماء كمصر، لضعف الوازع الديني في الأغلبية الساحقة من شباب المسلمين، وكون الثقافة المعاصرة من أعظم الأسباب للانتقال إلى القوانين الوضعية.
فجميع الملابسات العالمية معينة على الشر المحذور إلا ماشاء الله، ولا سيما إن كانت هيئة كبار العلماء قد يقال أنها ابتدأت وضع الحجر الأساسي لذلك بالرضا بالانتقال عما توارثته الأمة جيلاً بعد جيل إلى وضع نظام شرعي ديني في مسلاخ نظام وضعي بشري شيطاني.
وليس هذا من الأمور الدنيوية البحتة التي تؤخذ عن الكفار!.
لأنه أمر قد يقال: إنه ذريعة إلى أعظم فساد ديني، مع أن اختلاف القضاة في بعض المسائل المتماثلة أمر موجود من عهد الصحابة إلى اليوم، ولم يستلزم مفسدة عظيمة، والقضاة المختلفون في المسألة الواحدة في هذه البلاد يلزم رفع اختلافهم إلى هيئة تمييز من أمثل من يوثق بعلمه وعدالته، وربما رفع بعد ذلك إلى هيئة قضائية عليا)).
فدعوة الداعين للتقنين:
ممتنعة شرعاً وواقعاً، فموقع دعوتهم من أحكام التكليف حسب الدلائل والوجوه الشرعية أنه:
محرم شرعاً، لا يجوز الإلزام به، ولا الالتزام به.
ودعوتهم مولودة غريبة، ليست في أحشاء أمتنا الإسلامية، غريبة في لغتها، غريبة في سيرها وأصالة منهجها غريبة في دينها ومعتقدها ,فهي أجنبية عنها، ومجلوبة إليها.
فغريب جداً على هؤلاء أن يحتضنوها بمجرد فكرة: الله أعلم بدوافعهم إليها، هدانا الله وإياهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه سبحانه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
﴿يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ [المائده:٨] أسأل الله تعالى لي وللداعين للتقنين ولعموم المسلمين الهداية والرشاد، والرجوع للعلماء المعتبرين، وعلينا جميعاً أن نولي حارها من قارها.
وهذا من سنة أمير المؤمنين عمر ﵁ فعن محمد بن سيرين قال: ((قال عمر ﵁ لابن مسعود: ألم أنبأ، أو أنبئت أنك تفتي ولست بأمير، ولِّ حارها من تولى قارها)).
стр. 126
وأختم رسالتي هذه بما رواه يزيد بن عميرة قال)):كان معاذ لا يجلس مجلساً للذكر إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون.
إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، ماهم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة.
وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق.
قال: قلت لمعاذ: مايدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق.
قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه، ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً)).
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
فقلت يارسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال ﷺ ):نعم))!.
فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال ﷺ : ((نعم، وفيه دخن)).
قلت وما دخنه؟ قال ﷺ : ((قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)).
فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال ﷺ : ((نعم، قوم من جلدتنا! ويتكلمون بألسنتنا!)).
قلت: يا رسول الله: فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال ﷺ : ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم!)).
فقلت: فإن لم تكن لهم جما عة ولا إمام؟ قال ﷺ : ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)).
وفق الله القائمين على القضاء للصواب والإخلاص في الأقوال والأعمال، ونفع بهم البلاد والعباد، وأعانهم على ذكره، وشكره، وخشيته، وحسن عبادته، ونصرة كتابه، وسنة نبيه ﷺ ، وعباده الصالحين، وهداهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه سبحانه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، كما أسأله سبحانه أن يهدي ضال المسلمين، وأن يذهب عنا وعنهم البأس، وأن يصرف عنا وعنهم كيد الكائدين، وأن يحفظنا بالإسلام قائمين، وقاعدين، وراقدين، وأن لا يشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين، إن الله لسميع الدعاء ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾ [هود:٨٨]، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 127
رفع الحرج في الشريعة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: عدنان محمد جمعة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار العلوم الإنسانية - دمشق ̈الثالثة
سنة الطبع: ١٤١٣هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: رفع الحرج
الخَاتِمة
الله ﷻ عليم .... حكيم .... رحيم ... وهو سبحانه يبين الطريق المستقيم الذي فيه سعادة الدارين.
لقد اقتضت حكمته سبحانه أن لا يدع أمة قبل إرسا ل خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﵊ إلا وأرسل إليها رسولاً " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " / فاطر: ٢٤ /، حتى إنه لا قرية إلا خصت ببشير ونذير " وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون " / الشعراء: ٢٠٨ /. " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى " / يوسف: ١٠٩ /.
وبدهي بعد هذا إمكان وجود أكثر من نبي على الأرض في وقت واحد قبل الإسلام.
ومن حكمته تعالى أن أوحى إلى كل رسول من أولئك الرسل تعاليم تبين لأقوامهم مافيه صلاح أمرهم في الدنيا، والآخرة.
وهكذا فكل رسول منهم كان يخصص لأداء مهمته في قوم معينين. قال ﵊: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة) [متفق عليه].
وكانت شريعته تناسب قومه بما يتفق وعقولهم، وزمانهم، بحيث إذا ذهب ذلك النبي، وانقضت فترة أراد الله بعدها إرسال نبي آخر، أنزل عليه شريعة جديدة تتناسب مع عصرهم الجديد، وتطور عقولهم.
فشرائع الله فيما قبل الإسلام مرحلية تتلائم مع تطور إِدراك الناس ... ذلك الإدراك المرتبط بالحس غالباً. هذا إلى جانب كونها خاصة بأقوام الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وعندما بعث الله رسوله محمداً ﷺ كان عقل البشرية قد دخل مرحلة النضج، وفكرها قد ولج مرحلة الاكتمال، وصارت مهيأة لقبول الشريعة العقلية المنطقية التي تتصف بثلاث خواص:
الأولى: العموم لكل الأمم، والأقوام، والأمكنة، والأزمنة. قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾ [سبأ: ٢٨]. ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ [الأعراف:١٥٧].
وقال ﵊: (بعثت إلى الناس عامة) [متفق عليه].
الثانية الشمول: حيث تنظم كل شؤون الحياة: عقيدة، وعبادة، وأخلاقاً، وأحوالاً شخصية، وقضايا جنائية، وأحوالاً اجتماعية، ومعاملات، وأحوالاً اقتصادية، وسياسية داخلية، وخارجية.
الثالثة: الخلود ما دام الإنسان العاقل موجوداً على ظهر الأرض حتى قيام الساعة. فكان من المنطق السليم أن تجيء شريعة الله هذه التي أنزلها على محمد ﷺ خاتمة لما قبلها, ومعترفة بما سبقها قبل تحريفه، وتبديله، وناسخة له. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إِليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه﴾ [المائدة: ٤٨]. كما شاء الله بحكمته أن يكون محمداً ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين.
قال : ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال ﵊: (أنا خاتم النبيين ولا فخر)
وقال ﷺ : (أنا العاقب الذي ليس بعده نبي) [متفق عليه].
وبناء على كل هذا أرادها الله العليم، الحكيم، الرحيم، حنيفية، سمحة، يسيرة، حتى لا يبقى عذر لأي إِنسان يدير ظهره لتعاليمها، إذ هو آنذاك متبع لهوى نفسه، وسائر وفق ما تمليه عليه وساوس الشيطان.
أجل! إن الله رضيها متكفلة بإيصال الناس المتبعين لها إلى سعادتهم العاجلة، والآجلة، وذلك بما احتوته من تنظيم إلهي حكيم متحدية تنظيمات البشر الغارقة في الأهواء، والنقص.
" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً" / الإسراء: ٩ /.
" وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " / الأنعام: ١٥٣/.
ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " / آل عمران:٨٥/.
" إِن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " / ق: ٣٧/.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
стр. 128
رفع الحرج في الشريعة الإسلامية دراسة أصولية تأصيلية
المؤلف/ المشرف: يعقوب عبدالوهاب الباحسين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الثالثة
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: رفع الحرج
وبعد هذه الجولة في رحاب هذا الموضوع، نختم رسالتنا بالفقرات الآتية:
١. إن رفع الحرج الذي هو منع وقوع أو بقاء ما أوقع مشقة زائدة عن المعتاد على بدن العبد، أو نفسه، أو عليهما معا في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معا، حالا أو مآلا، غير معارض بما هو أشد منه، أو بما يتعلق به حق للغير مساو له أو أكثر منه، نقول إن رفع الحرج بهذا المعنى هو ما تواترت الأدلة على صحته، وأثبتت الأحكام الشرعية على نهجه وطريقته.
٢. وإن الشارع الحكيم قد سلك في تحقيق هذا المعنى ثلاثة سبل:
أ- السبيل الأول: هو رفع الحرج ابتداء، بعدم وضع تكاليف ليست في طاقة الإنسان، سواء كان ذلك بمنع التكليف بما لا يطيق، أم بعدم تكليف من لم يكن أهلا، أم بإعفائنا من أحكام شديدة قاسية كانت على الأمم التي سبقتنا، وعلى ذلك انبنت مباحث التكليف بما لا يطاق، واشتراط الأهلية، والعلم بما كلف به، وغيرها.
ب- السبيل الثاني: هو رفع الحرج الطارئ لوجود أعذار طارئة صيرت الحكم الذي كان مقدورا للإنسان الطبيعي غير مقدور له بعد طروء العذر، وذلك بالتخفيف عنه في تلك الحالات، كما هو الشأن في الرخصة إذا ما تحققت الأعذار المشار إليها، والتي هي من أسباب المشقة، كالضرورة، والحاجة، والسفر، والمرض، وغيرها ... وعلى هذا الأساس انبنت أحكام الرخصة، وبعض القواعد الفقهية، كالمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، وغيرها.
والحرج في هذه الحالة لم يقع، بل منع وقوعه أصلا بهذا التخفيف، فالطروء في الحقيقة وصف للعذر، أما الحرج فإنه لم يطرء بالفعل، ما دام سبب التخفيف قائما يؤتي ثمراته في الترخيص.
ج- السبيل الثالث: هو رفع الحرج بتدارك ما وقع منه، أي إن حالة المشقة قد حصلت، ولكن الشارع أوجد لمن حلت به هذه المشقة مخرجا منها، وعلى ذلك انبنت قواعد كثيرة، كقاعدة التوبة، والإسلام يجب ما قبله، والكفارات، وضمان المتلفات، ورد المظالم، وما شابهها مما طالب الشارع به العباد.
٣. إن رفع الحرج لم يكن وصفا قائما لأحكام موجودة بالفعل فقط، بل هو بالإضافة إلى ذلك نبراس يستضيء به المجتهد في استنباط الأحكام، وفي الترجيح بين الأدلة والعلل. وقد بينا بالدليل أن ما أثير من اعتراض حول عدم صلاحية رفع الحرج لذلك، بسبب عدم انضباطه، مما يمكن رده ومناقشته. وذكرنا أن للحرج بواعث وأسباب، منها ما ضبطها الشارع بنفسه، ومنها ما يمكن ضبطه بالعرف، أو التقريب من منهج الشارع في ذلك، وأوضحنا أن استقراء صنيع العلماء في كتبهم كشف عن أن رفع الحرج عمل في ثلاثة ميداين:
أ- الميدان الأول: في تعليل الأحكام الشرعية، لغرض بيان ما فيها من حكم ومصالح.
ب- الميدان الثاني: في بناء الأحكام الشرعية عليه، سواء كان ذلك ابتداء كما هو الشأن في المصالح المرسلة، وبعض مجالات العرف، أم استثناء، كما هو الشأن في الاستحسان، والعرف، والمصالح المرسلة أيضا، وكما هو الشأن في بعض القواعد الفقهية، كقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وغيرها مما أشرنا إليه سابقا.
ج- الميدان الثالث: في ترجيح الأحكام والعلل المتعارضة فيما بينها، مما انبنى عليه القول بالأخذ بالأخف، أو ترجح العلل النافية للحد على الموجبة له، والموجبة لحكم أخف على ما أوجبت حكما أشد.
стр. 129
٤. وأنه بناء على ما ثبت من ابتناء الشريعة على رفع الحرج، وإجماع الأمة على أن جميع ما فيها من الأحكام كان لصالح العباد، لم يصح القول بأن يعارض به النص القطعي، وذلك لأن رفع الحرج -وإن كان قد ثبت بالدليل القاطع- إلا أن تحققه في أفراد جزئياته لا قطع فيه إلا في مجالات محددة، وهو في هذه المجالات لا يعتبر معارضا للنص حقيقة، لأن استثناءه لم يرد اعتباطا، بل ثبت بالنصوص الشرعية نفسها.
ولكن متى تحقق الحرج في مجالات أخف من مواضع الضرورة، فإنه لا يجوز أن يعارض به غير الأمور المظنونة التي لم تعضدها قواعد شرعية معتبرة، ومن أجل هذا رجحنا العمل به في هذا الميدان، ورجحناه في بعض مجالاته أيضا على القياس.
٥. وإن رفع الحرج لا علاقة له ببعض المبادئ القانونية، كالقانون الطبيعي، ومبدأ العدالة، لاختلاف حقائقها عن حقيقته، ولأن هذه المبادئ ليست من القوانين، وإنما هي شيء خارج عنها يكمل ما فيها من نقص، أما رفع الحرج فهو من صلب القانون الإسلامي، والعمل به عمل بنصوصه.
٦. وقد كشفنا في هذه الرسالة عن أن كثيرا من الأدلة المختلف في شأنها، لا خلاف فيها لدى التحقيق، وأنها تستند إلى رفع الحرج في الشرع عند التأمل.
وقد لاحظنا أنها في الحقيقة أشبه بالقوانين والقواعد الموضوعة لضبط الحرج وتحديده، وإنها مرتبطة فيما بينها ترابطا قويا، وإن كانت متناثرة في الكتب ذات المناهج والمسالك المختلفة، من كلام، وأصول، وقواعد، وفقه.
وعملنا في هذه الرسالة على جمعها في عقد واحد، وتنسيق ما بينها من عمل واختصاص، وعلى سبيل المثال نذكر ما حددنا، من علاقات بين قاعدة الأصل في المنافع الحل وفي المضار التحريم، ودليل المصلحة المرسلة وبين قواعد الضرورة والمشقة ودليلي العرف والاستحسان، وبين عوارض الأهلية، وأسباب المشقة والرخص وما شابه ذلك من الأمور.
وقد اجتذبنا من علم الكلام بعض قواعده، وأدخلناها في هذا المجال، نظرا لعلاقتها المباشرة به، كما كان الشأن في قاعدة التوبة، سواء كانت من المسلم أم من الكافر.
وبعد فهذه هي حصيلة جهدي، وما استطعت أن أقوم به من عمل، ولا يكلف الله نفسها إلا وسعها، فلله الحمد ثانية على ما أولاني من نعمه، وأسبغ علي من فضله وكرمه، وأرجو أن يعفو عني ويغفر لي ذنبي ويسدد خطاي، ويوفقني إلى ما فيه الخير، إنه سميع مجيب الدعاء.
стр. 130
سد الذرائع عند شيخ الإسلام ابن تيمية
المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن مهنا المهنا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الفضيلة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٤هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: سد الذرائع
الخاتمة
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وأشكره على أن وفقني على إتمام هذا الجهد العلمي المبارك والذي أتاح أن أعيش في سويداء المكتبة التيمية قرابة أربع سنوات ولقد تمكنت ولله الحمد والمنة من قراءة كتب شيخ الإسلام بعضها قراءة دقيقة وبتمعن وبعضها قراءة استطلاع ونظر، وكنت حريصا على تدوني كل ما أجده يخدم البحث ولو من بعيد فجمعت نصوصا كثيرة لشيخ الإسلام تكلم فيها عن الذرائع.
وكان من أعظم ثمرات هذا الوقت في المكتبة التيمية أنني خرجت بتصور كبير ينشرح له الصدر عن الذرائع ما يسد منها وما يفتح وما هو ذريعة وما هو سبب أو مقتضى ومتى تجتمع الذريعة والحيلة ومتى يفترقان وغير ذلك مما له صلة بالذرائع.
وما من بحث إلا ويكون له نتائج وتوصيات ولله الحمد والمنة قد وفقت في بعض النتائج والتوصيات في هذا البحث.
أولا: نتائج عامة من قراءة كتب شيخ الإسلام.
١ـ ظهر شيخ الإسلام في عصر كثرت فيه الطوائف المنحرفة فدافع عن عقيدة السلف مما عرضه إلى محن كثيرة بسبب ذلك وكان لمناظراته مع هذه الطوائف أثر في بيان شخصيته العلمية وقدرته على الاحتجاج ورد الشبه المثارة.
٢ـ قضى شيخ الإسلام حياته كلها مشغولا بالعلم والدروس والتدريس والإفتاء والدعوة والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد.
٣ـ إن لشيخ الإسلام شخصية علمية قوية في مجال البحث والترجيح ووضوح
الفكرة ذات تأثير قوي منه على من حضر دروسه، أو اطلع على مؤلفاته، أو عايش فكره وفقهه وعلمه.
٤ـ إن شيخ الإسلام ابن تيمية كان إماما في بيان عقيدة السلف الخالصة النقية وإماما في التفسير وإماما في علوم الحديث وإماما في الفقه وأصوله.
٥ـ جعل شيخ الإسلام ابن تيمية من فقهه مجالا للدعوة والتوجيه فلقد تخلل فقهه جوانب هامة في العقيدة والتربية جعل منها وسيلة وأداة لإصلاح أحوال الناس بدلا مما هو متعارف عليه عند بعض الفقهاء من تقدم الفقه على شكل مادة علمية مستقلة.
٦ـ قيام شيخ الإسلام على جانب الإصلاح ورعاية المصالح فهو حريص على مراعاة ذلك في فتاواه الفقهية دون إخلال بتعاليم الشريعة وهو ليس بدعا في هذا فقد صنع العز بن السلام ذلك في كتابه قواعد الأحكام حيث رد الأحكام الشرعية كلها إلى قاعدة رعاية المصلحة.
ثانيا: النتائج الخاصة بالبحث.
١ـ صحة إطلاق مصطلح الأصل، والدليل والقاعدة على سد الذرائع، وأنه أقرب ما يكون إلى القاعدة الأصولية.
٢ـ إن عدم التزام علماء الأصول الذين تحدثوا عن سد الذريعة أثناء كلامهم عنها بإطلاق واحد فتارة عليها أصلا، وتارة أطلقوا عليها دليلا، وتارة أطلقوا عليها قاعدة، فهذا ناتج من اعتبارهم أن هذه معاني مترادفة. في بعض المواطن.
٣ـ إن قاعدة سد الذرائع معمول بها عند جميع المذاهب عدا الظاهرية فإنهم يمنعون العمل بالذرائع.
٤ـ إن الذريعة التي تفضي إلى المفسدة قطعا يجب سدها بالإجماع والتي تفضي إلى المفسدة نادرا ملغاة بالإجماع.
٥ـ إن الذريعة التي تفضي إلى المفسدة غالبا، أو كثيرا فقد قال بسدها المالكية والحنابلة وخالفهم فيها الحنفية والشافعية فالعمل بسد هذا القسم منوط ينظر المجتهد كان الفعل الذي عليه الناس يؤدي إلى المفسدة كثيرا أو غالبا في ذلك العصر الذي يفعل فيه فإن المالكية يمنعون هذا الفعل مع إباحته في أصله وذلك لأنهم نظروا إلى مآل هذا الفعل وأنه يؤدي إلى المفسدة، ونظروا أيضا إلى كثرة وقوعه؛ فيمنعونه سدا للذريعة حتى لا يتوصل بهذا الفعل المباح أمر محرم.
стр. 131
٦ـ إن أقوى المذاهب إعمالا لسد الذرائع المؤدية إلى الفساد هم المالكية، فهم في أعلى درجات الأخذ بسد هذه الذرائع، والشافعية في أدنى درجات الأخذ بها، والحنابلة أقرب للمالكية، والحنفية أقرب للشافعية.
٧ـ إن بعض المسائل الفرعية التي حكمت بمنعها بعض المذاهب أرجع ذلك لسد الذرائع ونجد أن بعض المذاهب الأخرى حكمت عليها بالسد من باب آخر كالاستحسان؛ أو المصالح؛ أو غيرها – أي منعها استحسانا وسدها من باب المصلحة.
٨ـ إن الإمام الشافعي – ﵀ – يقول بسد الذرائع إذا كان الفعل المتذرع به لازم لحصول محرم فهنا الذريعة، أما إذا انتفي هذا اللزوم فإن الإمام الشافعي لا يعمل هذه القاعدة فهو يحكم على هذا الفعل أنه حرام ديانة، ويصححه قضاء إذا كانت النية إلى الحرام لدى المتعاقدين موجودة حال العقد وأخفوها.
٩ـ إن أكثر علماء الشافعية إيضاحا لموقف الإمام الشافعي – ﵀ – لقاعدة سد الذرائع، هو الإمام تقي الدين السبكي – ﵀ – وذلك في إكماله كتاب المجموع للنووي.
١٠ـ تبين أن الإمام ابن الرفعة – ﵀ – ليس له تقسيمات للذريعة كما ذكر الإمام الشوكاني – ﵀ – وتبعه في ذلك كثير من الباحثين، إنما كلامه على بعض المسائل الفرعية وتخريجات في المذهب؛ ولم يزد على أن ذكر أن للإمام الشافعي قولين في قاعدة سد الذرائع بناء على نصه في إحياء الأرض الموات.
٢ـ نتائج الباب الثاني:
١ـ الاهتمام الكبير لشيخ الإسلام بسد الذرائع
٢ـ إن من أقوى الدوافع التي جعلت شيخ الإسلام ابن تيمية يتمسك بقاعدة سد الذرائع.
أـ كثرة الأهواء والبدع في عصره.
ب ـ كثرة وجود الحيل.
ج ـ الموازنة بين المصالح والمفاسد.
٣ـ يرى شيخ الإسلام – ﵀ – أن من أهم الأسباب التي أوقعت الناس في الحيل هي:
١ـ ظلم الناس لأنفسهم بارتكاب المحرمات وترك الواجبات.
٢ـ الجهل في دين الله تعالى مما جعلهم يحرمون ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله.
٣ـ شيوع الفقه الافتراضي في عصره في مسائل الحيل وكيفية الخروج منها بأي طريق.
٤ـ يرى شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – أن من أقوى الفروق بين الذريعة والحيلة هو: جانب القصد، فإن الذريعة قد تفضي إلى الأمر المحرم ولكن دون قصد من المكلف، أما الحيلة، فإن المكلف قصد من وجودها الوصول إلى الأمر المحرم.
٥ـ يرى شيخ الإسلام أن الحيل أعم من الذرائع، أي أن الحيل تكون بالذريعة وتكون بأسباب أخرى.
٦ـ يرى شيخ الإسلام أن سد الذرائع حماية لمقاصد الشارع، وتوثيق للأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد، وحماية مقصد الشارع من أعظم المقاصد.
٧ـ قسم شيخ الإسلام الذرائع إلى أربعة أقسام هي:
١ـ ذرائع تفضي إلى المفسدة غالبا.
٢ـ ذرائع تحتمل الإفضاء إلى المفسدة وتحتمل عدم الإفضاء إلى المفسدة، ولكن الطبع متقاض لإفضائها إلى المفسدة.
٣ـ ذرائع تفضي إلى مفسدة راجحة على ما فيها من مصلحة.
٤ـ ذرائع تفضي إلى مصلحة راجحة على ما فيها من مفسدة.
٨ـ نظر شيخ الإسلام في إعماله لسد الذرائع إلى المآل الذي تؤول إليه الذريعة.
٩ـ تبين من خلال البحث خطأ بعض الباحثين في جعلهم الفرق الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – بين الذريعة والحيلة أقساما للذريعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية.
١٠ـ إن منهج شيخ الإسلام – ﵀ – عند تزاحم الذرائع هو:
١ـ النظر إلى المتعارضات من حيث قوتها وضعفها.
٢ـ مدى مصلحة المكلف في ترجيحه لأي من هذه المتعارضات.
١١ـ يرى شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – أن الواجب على المجتهد عند وجود التزاحم هو:
стр. 132
١ـ إذا تزاحمت مصلحه مع مصلحه ولا يمكن الجمع بينهما فالواجب على المجتهد اختيار الأصلح منهما من جهة قدر ثواب المصلحة ومن جهة صلاحها للمكلف.
٢ـ إذا تزاحمت مفسدة مع مفسدة وجب درء المفسدة العظيمة بارتكاب المفسدة الدنيا من جانب عظم الإثم ومن جانب المفسدة على المكلف، وشيخ الإسلام يرى أن المفسدة الدنيا عند ارتكابها تسمى مصلحه حيث أنها الأصلح للمكلف بتركها المفسدة الأشد، وهذا يسمى بفتح الذرائع.
٣ـ أما إذا ازدحمت مصلحه مع مفسدة فالواجب الموازنة بين المصلحة والمفسدة فإن كانت المصلحة أفضل من جهة ثوابها وصلاحها للمكلف وجب اختيارها وإهمال المفسدة الناتجة عنها وهذا ما يسمى أيضا بفتح الذرائع، بل ذكر شيخ الإسلام: أن الأمر إذا حرم سدا للذريعة وعارضته مصلحه راجحة فإنه يباح للمصلحة الراجحة.
٤ـ أما إذا كانت راجحة على المصلحة من جانب الإثم ومن جانب أثرها على المكلف فالواجب إهمال المصلحة وسد ذريعة المفسدة.
١٢ـ ظهر لي أن شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – لا يرى التساوي بين المصلحة والمفسدة تساويا لا يمكن فيه ترجيح بعضها على بعض، فهو يرى أن المجتهد ينبغي عليه النظر إلى المصالح والمفاسد من حيث الثواب والعقاب وصلاحية ذلك للمكلف، فإذا دقق النظر في هذين الطريقين مع سعة علمه بالشرع وعلمه بمقاصده، فإنه لا بد أن يظهر له ترجيح المصلحة على المفسدة؛ أو المفسدة على المصلحة.
١٣ـ يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الفعل الذي يمنع سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
١٤ـ ظهر لي أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو أكثر العلماء توضيحا وتأصيلا لقاعدة سد الذرائع على من أتى بعده.
١٥ـ ظهر لي خطأ بعض الباحثين الذين وضعوا أقساما للذريعة عند الإمام الشاطبي وإن ما ذكروه في الحقيقة هي أقسام للفعل المأذون فيه المؤدي إلى ضرر.
٣ـ نتائج الباب الثالث.
١ـ أن سد الذرائع داخل تحت اعتبار المصلحة حيث إن كل مسألة تمنع سدا للذريعة نكون بذلك أعملنا المصلحة. فالعمل بسد الذرائع يفضي إلى المحافظة على المصالح حيث إننا إذا أغفلنا الباب أمام كل مفسدة نكون بذلك فتحنا الباب للمصلحة وأعملناها. فلذلك نجد أن الأمثلة التي تضرب للمصلحة، وسد الذرائع متقاربة إن لم تكن متطابقة.
٢ـ أن مجال سد الذرائع أعم وأشمل عند تطبيقه من المصالح المرسلة؛ حيث إن سد الذرائع داخل في العبادات والمعاملات، أما المصلحة المرسلة فإنها عامة في المعاملات وقاصرة على الأسباب والشروط والموانع في العبادات.
٣ـ إن كل فعل تسد فيه الذريعة يكون فيه مصلحة وليس كل مصلحة يكون فيها سد الذرائع.
٤ـ إن من أقر العمل بالاحتياط يلزمه العمل بسد الذرائع، وذلك لقوة العلاقة بين القاعدتين.
٥ـ فرق شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – بين ما لا يتم الوجوب إلا به وما لا يتم الواجب إلا به، فإن ما لا يتم الوجوب إلا به ليس بواجب، حيث إن الواجب لا يتحقق على المكلف إلا بوجود الشروط والأسباب وتحصيل الشروط والأسباب ليس واجبا على المكلف، أما إذا تحقق الوجوب باكتمال الأسباب والشروط للمكلف فإن الفعل يصبح واجبا، وكل ما يلزم لتحقيق هذا الواجب يكون واجبا وهذا الضابط الذي خرج به شيخ الإسلام ابن تيمية وإن خالف فيه البعض.
ثالثا التوصيات.
١ـ عمل دراسة علمية مفضلة وشاملة عن موقف الأحناف والشافعية من قاعدة سد الذرائع وتكون الدراسة مستوعبة ومفصلة وممحصة لكل ما ذكروه في ذلك لأهميته.
٢ـ عمل دراسة علمية عن المقاصد عند شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث أنه أولاها اهتماما واسعا في فقهه بل إن كثيرا من تقريراته، واختياراته كانت النظرة فيها منصبة على الشارع.
٣ـ تبني الجامعات والمراكز العلمية عمل دراسات علمية عن الأصول التي لم تبحث عند شيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك لأهميته العلمية، ولاختياراته التي ينفرد بها أحيانا عن كثير من العلماء ولبسطه الموسع للمسائل والأصول التي يبحثها مما يحتاج إلى جمع ومقارنة مع رأي غيره من سائر العلماء حتى يبرز فقه هذا العالم الفذ، ويظهر علمه واختياراته بشكل موسع. والله أعلم
وفي الختام أختم بحثي بالحمد لله كما بدأته ببسم الله، فهذا جهد المقل أقدمه، فما كان فيه من صواب فمن الله وهو المحمود على توفيقه، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 133
سد الذرائع في الشريعة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: محمد هاشم البرهاني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: سد الذرائع
خاتمة الرسالة
وفي هذا الموقف، وبعد أن أتيت على نهاية الموضوع، أحب ألا يغادر القارئ الكريم البحث، حتى يقف على خاتمةٍ، يجد فيها عرضاً سريعاً لأهم ما تضمنه، تمكيناً له من جمع أطرافه، والوقوف عليه وقفة إجمالية، وإشارة إلى أهم ما هدى إليه البحث، من نتائج، وتحقيقات، وعرضاً لبعض المقترحات المستفادة على ضوء تجربة البحث.
وقد مهدت للبحث بالكلام عن الاجتهاد بالرأي، فعرّفته، وأوردت ما ذكره العلماء من مظاهره، بما فيها سدّ الذرائع، ثم رجعت كلّ هذه المظاهر إلى مصدرين أساسيين، هما: القياس، والاستصلاح، وبيّنت كيف يرجع في واقع الأمر كلُّ ما عداها إليهما، أو إلى المصادر الثلاثة الأولى، وأعني بها الكتاب، والسنة، والإجماع.
وتكلمت في القسم الأول، وضمن الباب الأول منه، عن الذريعة في اللغة، وعند الفلاسفة، وفي الاصطلاح الشرعي.
وقررت في الفصل الأول منه:
(١) ـ أن الذريعة في جميع هذه المعاني، تقوم على ثلاثة عناصر، أمر ينطلق منه التذرع، وحركةً تتطلع الذريعة بها إلى الأمام، وهدف يقصد من التحرك، وقد عبرت عنها في المعنى الاصطلاحي بالوسيلة، والمتوسل إليه، والإفضاء.
(٢) ـ وأن كلاً من الوسيلة، والمتوسل إليه، في حدود المعنى اللغوي للذريعة، يمكن أن يكون فعلاً، أو شيئاً، أو حالة قائمة في شيء، كوصف، أو علاقة، وهما كذلك في اصطلاح الفلاسفة، وفي الاصطلاح الشرعي العام، الذي فرّقت بينه، وبين الاصطلاح الشرعي الخاص، بأن هذا يتميز بكون الوسيلة، والمتوسل إليه فيه، فعلاً مقدوراً للمكلف.
(٣) ـ وأنه لا بدّ في المعنى اللغوي، والفلسفي، من وجود القصد في الإفضاء، بخلاف الاصطلاح الشرعي بنوعيه، الذي يتجه فيه إلى النتائج، ويراعى فيه المآل، بصرف النظر عن نية العامل.
(٤) ـ وأن أهم ما يتميز به المعنى اللغوي للذريعة، كونها غير مرتبطة بحال المقصود، المتوسل إليه، من حسن أو قبح، بخلاف المعنى الفلسفي الذي يشترط كونها نافعة في نظر العقل، وبخلاف الاصطلاح الشرعي الذي يشترط كونها صالحة في نظر الشرع.
(٥) ـ وأن أهم ما يميز المتوسل إليه، في المعنى اللغوي، أنه مطلق من قيد الحسن، أو القبح، وكذلك في الاصطلاح الشرعي العام، أما في الاصطلاح الشرعي الخاص فلا بد من كونه مفسدة في نظر الشرع.
(٦) ـ وأنه يتصور وجود سدّ الذرائع، وفتحها في اللغة، وفي الاصطلاحين: الشرعي، والفلسفي.
(٧) ـ وأن سدّ الذرائع في اللغة، يعني ترك مباشرة الذريعة، أو الحيلولة بين الذريعة، والمقصود، بحائل مادي، أو معنوي، ومعناه في الاصطلاح الفلسفي هدم، وإعاقة، وإضرار بالحياة.
ثم عقدت مقارنات بين الذريعة، والمقدمة، وبين الحيل، وسدّ الذرائع، وبين سدّ الذرائع، وتحريم الوسائل.
ثم تكلمت في الفصل الثاني عن أركان الذريعة الثلاثة: الوسيلة، والمتوسل إليه، والإفضاء، وبيّنت كيف يثبت كون الركن الأول ذريعة، بالاستنباط من تقسيم الذرائع، إلى ما هو مجمع على سدّه، وما هو مجمع على إهماله، وما هو مختلف فيه، واستخرجت بعد ذلك قاعدة المنع في الذرائع، ثم بيّنت حدّ الإفضاء ومعناه، وضرورة كون المتوسل إليه فعلاً محرماً، وأنه الأساس في تقدير قوة الإفضاء.
ثم تكلمت في الفصل الثالث عن سدّ الذرائع في استعمال الفقهاء، والأصوليين، وبيّنت أنه قد يَردُ بمعنى الأصل، وقد يردُ بمعنى الدليل، وقد يردُ بمعنى القاعدة، لكنه أقرب ما يكون إلى القاعدة الأصولية، وذلك بعد عرضه على المعاني الاصطلاحية لكل من الأصل، والدليل، والقاعدة، وعلى مزايا كلٍّ من القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية.
стр. 134
وفي الباب الثاني عرضت أقسام الذرائع، بحسب موقف العلماء منها، سدًّا وفتحاً، وبحسب أصل الوضع الشرعي للذريعة، وبحسب ما يلزم عنها من أضرار، تلحق العامل بها، أو غيره، وبحسب وجود القصد، وعدم وجوده، وبحسب قوة إفضائها إلى المفسدة، وبحسب مكانها بين المصالح، والمفاسد، وأوردت ملاحظات على كل تقسيمٍ منها، ثم اقترحت تقسيماً لمعنى الذريعة العام، وتقسيماً لمعناها الخاص.
ثم تكلمت عن أحكام الذرائع، بالمعنى العام، فبيّنت حكم الوسيلة الجائزة، المؤدية إلى الجائز، وحكم الوسيلة الممنوعة، المؤدية إلى الممنوع، وحكم الوسيلة الممنوعة، المؤدية إلى الجائز، وفصّلت حكم الوسيلة الجائزة، المؤدية إلى الممنوع، بالنظر إلى إباحة الوسيلة أو وجوبها، وكراهة المتوسل إليه، أو حرمته، وبالنظر إلى عموم، وخصوص المفسدة، المتوسل إليها، وإلى قطعية وظنية الإفضاء.
ثم تكلمت عن أحكام الذرائع بالمعنى الخاص، فبيّنت حكم الوسيلة المباحة، المؤدية إلى فعل محرم قطعاً، أو غالباً، أو كثيراً، أو نادراً، وحكم الوسيلة المندوبة، المؤدية قطعاً، أو غالباً أو كثيراً، أو نادراً إلى فعل محرم، وحكم الوسيلة الواجبة، المؤدية قطعاً، أو غالباً، أو كثيراً أو نادراً إلى فعل محرم.
وفي أثر المخالفة لحكم الذرائع، قدّمت بأن التذرع قد يكون بالفعل، وقد يكون بالترك، وفي حالة فتح الذرائع، تكلمتُ عن أثرها عندما يدخل التذرع في حدود المباحات، وعن أثرها عندما يدخل في حدود المطلوبات المندوبة وعن أثرها عندما يدخل في حدود المطلوبات الواجبة.
وفي حالة سدّ الذرائع، قدمت الكلام عن أثر المخالفة في الذرائع النصية، من جهة الصحة والفساد، ومن جهة الحرمة، والكراهة، ومن جهة العقوبة وعدمها، ثم عقبت بذكر أثر المخالفة في الذرائع الاجتهادية من الجهات الثلاث كذلك: الصحة والفساد، والحرمة والكراهة، والعقوبة وعدمها.
وأما القسم الثاني من الرسالة، فقد تكلمت فيه عن الاحتجاج بسدّ الذرائع، فمهدت بأن سدّ الذرائع دليل صحيح، مؤيد بالعقل، ثم بيّنت في ثلاثة أبواب، أنه معتبر في الشرع، بعموم يفيد القطع، واستدللت على ذلك في الباب الأول باستقراء الوقائع، والشواهد، بالنقل من الكتاب، والسنة، وفي الباب الثاني باستقراء الوقائع من اجتهاد الصحابة، والتابعين، ومن فقه المذاهب الأربعة، وناقشت في الباب الثالث موقف المخالفين من الشافعية، والظاهرية، وبيّنت بالأدلة فساده، ثم ختمت القسم، بذكر بعض الشواهد والتطبيقات في حياتنا المعاصرة.
أهم ما هدى إليه البحث:
أولاًـ تحقيق معنى الذريعة في اللغة، وأنها تقوم على عناصر ثلاثة.
ثانياًـ إظهار التفرقة لأول مرة بين المعنى العام، والمعنى الخاص للذرائع.
ثالثاًـ تحليل الذريعة في معناها الاصطلاحي، إلى أركان ثلاثة، هي:
الوسيلة، والمتوسل إليه، والإفضاء، والكلام بالتفصيل عن كل واحد من هذه الأركان، وعلاقته بالآخر.
رابعاًـ استنباط قاعدة المنع في الذرائع.
خامساًـ الإشارة إلى أن المتوسل إليه في الذريعة، بالاصطلاح الشرعي، هو الأساس في تقدير قوة الإفضاء.
سادساًـ بيان صحة إطلاق مصطلحات الأصل، والدليل، والقاعدة على سدّ الذرائع، وأنه أقرب ما بكون إلى القاعدة الأصولية.
سابعاًـ بيان أحكام الذرائع بالتفصيل، ما يمنع منها، وما لا يمنع.
ثامناًـ بيان أثر المخالفة لحكم الذرائع، في الذرائع النصية، والأخرى الاجتهادية، من جهات الصحة والفساد، والحرمة والكراهة، والعقوبة وعدمها.
تاسعاً ـ استقصاء لشواهد سدّ الذرائع في الكتاب الكريم.
عاشراً ـ استقصاء لشواهد سدّ الذرائع في السنة النبوية.
الحادي عشرـ استقصاء لشواهد سدّ الذرائع في فقه الصحابة والتابعين.
стр. 135
الثاني عشرـ بيان تفصيلي لإثبات أن سدّ الذرائع موجود في كل المذاهب من النظر والاجتهاد.
مقترحات على ضوء تجربة البحث:
١ـ الظاهرة الواضحة في علماء الشريعة الأقدمين: أنهم كانوا يُلمون بموضوعات المسائل، وأبواب الأحكام، جملة وتفصيلاً، ويعرفون بالخبرة مظانّ المسائل، ومواطن البحث، في المراجع التي كانوا يتداولونها، فلم يكن يعوزهم الدليل المرشد، إلا في ابتداء التحصيل، وفي مقدمة الشروع في طلب العلم، كما كان الواحد منهم، يُلم بموضوعات شتى، وفنون متعددة، ويتقنها إتقان المتخصص، ويبحث فيها بحث الخبير المدقق، بفضل ما آتاهم الله من بركة في الوقت، واستقامة على أحسن مناهج الخير، مع الخُلق، والدين, والإخلاص لرب العالمين، لكنّ الحال قد تغيرت في هذه الأيام، تغيراً كبيراً ـ وتعقّدت حياة الناس تعقداً ملموساً، فلم يعد هَمُّ الباحث ينصرف فيها إلى الإحاطة بكل ما يقرأ، بمقدار ما يهمه جمع الأفكار المتعلقة بموضوع واحد، فيقرأ ما يتصل به، ويدع ما عداه، وليست المراجع التي بين يديه، معدة له على هذا الأساس، وإنما ألّفَها أصحابها ليقرأها طالبها من أَلِفِهَا إلى يائها، ولذلك لم يهتموا بوضع فهارس تفصيلية، تساعد المطالع على تتبع الموضوعات في مظانها، بيسر وسهولة، ولهذا كان من الضروري أن تتجه جهود العاملين في حقل الشريعة إلى إحياء التراث القديم، الذي يفيض بالخير، ويُمدّ الباحثين بزاد غني من الثقافة والعلم، وذلك بأمرين:
الأول: إحياء المخطوطات القديمة، ونشرها نشراً حديثاً، يسهل سبيل الرجوع إليها، والتعرف على ما فيها، وأخص بالذكر منها: الحاوي للماوردي، والمحيط البرهاني في الفقه، وأصول الجصاص، والبحر المحيط للزركشي، في علم الأصول، لأنها موسوعات في الفقه والأصول، تغني عن كثير من الكتب المتداولة.
الثاني: إعادة طبع التراث من أمهات الكتب المتداولة، بتحقيق جديد، وفهرسة كاملة، لكل موضوعاتها الكلية والجزئية، وأخص بالذكر منها: بدائع الصنائع للكاساني، والمدونة، والأم للشافعي، والمغني لابن قدامة، فإنها من أمهات الكتب والمراجع.
٢ـ وفي سبيل النهوض بهذا العبء أرى أن تتألف بين المشتغلين في عالم الفقه والتشريع، ومن الغيورين على تراث الشريعة، جمعيات علمية، تختص كلُّ واحدة منها بكتاب من التراث، تنظم نفسها، ومواردها، وتجمع مشتركيها لإحيائه ونشره، على أحدث أساليب النشر، وأقرب طرائق العرض، وأدق أسباب التحقيق، ليكون عدة الباحثين، توفر عليهم الوقت الكثير، والجهود المضنية.
٣ـ وفي المكتبات كتب غنية، ومخطوطات مهمة، حبذا لو توجّه عناية طلاب الماجستير، والدكتوراه، إلى تحقيقها مستقلة، أو مع دراسات حولها، تلقي الأضواء عليها، وتقرّبها إلى طالبها، وتحفظها من خطر التلف، والاندراس، ما دامت رهينة في خزائن الكتب، وفيها الكنوز الدفينة، والمعارف الجليلة النافعة.
стр. 136
ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: محمد سعيد رمضان البوطي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت ̈الثانية
سنة الطبع: ١٣٩٧هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مصالح ومفاسد
خاتمة الكتاب
وبعد، فهذا ما قد كنت أردت بيانه، من ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية.
وأحسب انها ضوابط متفق عليها، لا مجال للنزاع فيها، فليس من خلاف في أن المصلحة المعتبرة شرعا، ينبغي أن تكون غير مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسوله ولا للإجماع أو القياس الصحيح، وأن لا تكون مفوته لمصلحة مساوية لها أو أهم منها. بل ولا ينبغي أن يكون في هذا أي مجال للخلاف ما دام الاتفاق قائما على أن منبع هذه الشريعة (بما فيها من أصول وقواعد وأحكام) هو كتاب الله وسنة رسوله فكل قاعدة أو أصل أو حكم لابد أن تجده منتهيا إليهما، وما وجدته من ذلك متنكبا عنهما غير موصول السبب بهما، فاعلم أنه دخيل في الشريعة ومزور عليها، مهما رأيته مزوقا بشارات المصلحة والفوائد والمنافع.
وإذا كانت ضرورة انضباط المصالح بما ذكرنا محل اتفاق فينبغي أن يكون ما يترتب عليه محل اتفاق أيضا.
ولقد اتضح فيما مضى، أن من أبرز ما يترتب على ضبط المصالح بما ذكرنا، الأمور التالية:
١ - لا يجوز تخصيص شيء من الكتاب أو السنة بالمصلحة المجردة، لأن الكتاب إنما يفسره أو يقيده أو يخصصه كتاب مثله أو سنة ثابتة، والسنة إنما يفسرها أو يقيدها أو يخصصها سنة مثلها أو آية من الكتاب. والمصلحة العارية عن شاهد من أصل تقاس عليه ليست واحدة منهما، بل هي - بسبب مخالفتها للكتاب أو السنة - تعتبر مصلحة موهومة، وهي إذا باطلة.
ولم يخالف في هذا أحد من الأئمة الأربعة، لا في أصوله وقواعده ولا في فتاواه واجتهاداته الجزئية. وكلما تلقفه بعضهم من ذلك مما يوهم ظاهره أنه تخصيص أو تقييد للنص بالمصلحة، هو في الحقيقة قائم على أساس غير الذي توهموه. ولعل القارئ قد رأى أنني لم آل جهدا في تتبع عامة هذه الجزئيات التي أوهمت البعض أنها قائمة على أساس تخصيص المصلحة للنص، وبيان أنها ليست من ذلك في شيء بالدليل الواضح الذي لا غموض ولا لبس فيه.
٢ - ما شاع من قول بعضهم " تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان " لا يجوز أخذه على ظاهره، لأن ما ثبت بدلالة الكتاب أو السنة أو القياس عليهما، باق مابقي الكتاب والسنة. ولو كان لتبدل الأزمان سلطان على الأحكام وقدرة على تبديلها، لانمحت معالم التشريع وأحكامه منذ عصر بعيد.
ولكن الذين أطلقوا هذه الكلمة أرادوا بها معنى غير المتبادر منها، وهو أن الأحكام التي ربطها الشارع بأعراف الناس وعاداتهم، ينبغي أن تدور مع هذه الأعراف والعادات، بناء على ضرورة اتباع حكم الله في ذلك، وواضح أن هذا ليس إلا استمرار للحكم، وليس ما قد يبدو من التغيير فيه عند تغير متعلقاته إلا ممارسة حقيقية له، كما لو قلنا بوجوب استعمال الماء في رفع الحدث عند التمكن من استعماله وبوجوب التيمم عند عدم التمكن من ذلك.
٣ - على كل من نصب نفسه للاجتهاد والبحث في الأحكام، أن يلاحظ خصائص المصلحة في الشريعة الإسلامية، حتى لا تلتبس عليه هذه المصالح بالمصالح التي ينادي بها أرباب المدنية الحديثة والحضارة المادية الجانحة.
ولقد تسللت كثير من أفكار هذه الحضارة المادية إلى رؤوس كثير من الباحثين بشعور منهم أو بدون شعور، وتكون من ذلك لقاح فكري خطير لديهم، جعلهم ينظرون شطر الغرب ومدنيته، قائلين: هذه مصالح، ثم ينظرون إلى الشريعة وأصولها قائلين: وكل مصلحة فهي مرعية شرعا، ثم يستولدون من هذا اللقاح غير الشرعي نتيجتهم المطلوبة: ويقررون أن معظم أو جميع ما تعصف به علينا رياح الغرب أو الشرق أمور مرعية شرعا.
стр. 137
وليس من سبيل للوقاية من هذا الخلط في البحث وتركيب المقدمات سوى أن يكون الباحث على بينة من الخصائص الجوهرية للمصلحة التي اعتبرها الشارع الحكيم لعباده، مع ملاحظته في الوقت نفسه أهم ما يمتاز به ما يسمى بالمصالح عند مفكري الغرب أو الشرق؛ ثم أن يعرض ما قد يراه مصلحة على الضوابط التي ذكرناها، فإن رآها منضبطة بها مندرجة تحتها، فتلك مصلحة حقيقية تجدر مراعاتها، وإن رآها خارجة عليها متجاوزة لحدودها فتلك مفسدة ولا ريب، وإن توهمها مصلحة.
هذه الأمور الثلاثة هي أبرز ما حاولت التركيز عليه فيما مضى من أبحاث هذا الكتاب. وهي أهم ما أحب أن ألفت إليه أنظار الذين يطرقون باب الاجتهاد والرأي في أحكام الشريعة.
فأنا لا أريد أن أصد أهل العلم عن الاجتهاد فيما جد من أمور الحياة ووقائعها، ولكني أريد أن أقول: إنه لابد للمجتهد - بعد تمكنه من علوم الشريعة على اختلافها - من التنبّه إلى ضوابط المصلحة الشرعية وما يجب أن تتقيد به، والتنبه إلى أن كثيرا من أوباء الانحطاط المادي من حولنا يفد إلينا باسم القيم والمصالح ويحاول التسلل إلى مبادئنا وشرعتنا متقنعا بهذا الوصف.
فإذا روعيت هذه الأمور مع توفر العلم والتقوى، فإن الاجتهاد لن يكون إلا بابا للخير إن شاء الله.
وإن أهملت، وكان اسم المصلحة وحده هو المنار والدليل في طريق البحث فلعمري ان مثل هذا الاجتهاد لن يكون إلا أوسع باب شر مستطير يحيق بالمسلمين وحسبك من شر يخرج أحكام الشريعة من حصن النصوص وحرزها إلى ساحة الأهواء ومتاهة الآراء التي تضل وراء اسم المصلحة والمنفعة.
ولو كان اجتهاد المسلمين من قبل قائما على هذا الأساس، لضاعت الشريعة في غمار الآراء المختلفة المتطورة، ولماعت حتى لا يعلم منها إلا اسمها.
ولكن الله حافظ لدينه، حام لشريعتة ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، ولا تزال خيرة من عباده يدعون إلى الحق ويهدون به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأختم كلامي كما بدأته بحمد الله تعالى، وأسأله أن يهديني إلى الحق ويوفقني للتمسك به، وأضرع إليه أن يختم حياتي بصالح الأعمال إنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 138
ضوابط تيسير الفتوى والرد على المتساهلين فيها
المؤلف/ المشرف: محمد سعد بن أحمد اليوبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: فتوى ومفتي ومستفتي
خاتمة كتاب ضوابط تيسير الفتوى والرد على المتساهلين فيها
في نهاية هذا البحث أذكر أهم نتائجه، وهي:
١ - أن الفتوى هي بيان الحكم الشرعي لمن سأل عنه.
٢ - أن السلف الصالح ﵃ – كانوا يتدافعون الفتوى حتى ترجع إلى الأول؛ مخافة الوقوع في القول على الله بلا علم.
٣ - وجوب مراعاة الوسطية والاعتدال في الفتوى بعيداً عن طرفي الإفراط والتفريط، والتشديد والتساهل.
٤ - حرمة التساهل في الفتوى، وعدم قبول فتوى مَنْ عُرف به.
٥ - أن جوانب التيسير ومجالاته التي جاءت بها الشريعة كافية في تحصيل مصالح الخلق، ولا تحتاج إلى اختراع وجوه جديدة من التيسير تخالف النصوص الشرعية.
٦ - أن تيسير الفتوى له ضوابط متى ألتزم بها تحقق على أحسن الوجوه وأكملها، ومن أهمها ما يلي:
• التحقق من حصول المشقة التي تستدعي التيسير.
• التحقق من حصول التيسير.
• طلب التيسير من الوجه الذي شرعه الشارع.
• عدم ترتب مفسدة على التيسير عاجلاً أو آجلاً.
• مراعاة حال المستفتي.
• عدم مخالفة التيسير للنصوص الشرعية.
• صدوره ممن هو أهل للنظر والاجتهاد.
٧ - أن دوافع دعاة التيسير متعدده، فمنهم من يفعل ذلك بدافع الترغيب في الدين أو الذب عنه، ومنهم من يفعل ذلك بقصد التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، ومن يفعل ذلك بدافع توهين الأحكام الشرعية، وفتح باب الفوضى العلمية.
٨ - أن دعوة تيسير الفتاوى تحمل في طياتها أبعاداً خطيرة إذا علمنا أن تلك الدعوة يتبناها – في كثير من الأحيان- بعض دعاة العلمنة وأصحاب الفكر المشبوه.
٩ - أن من أعظم مواضع الخلل عند دعاة التيسير ما يلي:
• حصر التيسير في الحل والإباحة.
• عدم جعل واسطة بين الترخيص والتشديد.
• قصر النظر في التيسير على المصالح الدنيوية.
• جعل التيسير مقصد المقاصد.
• الخلل في تقدير المشقة.
• إهمال قاعدة المآل وسد الذرائع.
• الخلط بين الثابت والمتغير.
• تقديم العقل على النقل، والمصلحة على النص.
• قياس المفتي على العامي.
• أخذ القواعد على إطلاقها من غير نظر إلى القيود التي وضعها العلماء.
١٠ - أن دعاة تيسير الفتوى اعتمدوا على أدلة التيسير العامة في الشريعة، وقاعدة الأصل في الأشياء الحل، واختلاف العلماء، وقاعدة تغيير الفتوى وغيرها، وليس لهم في ذلك دليل؛ لأن استدلالهم مبني على الأخذ بالإطلاقات العامة دون النظر إلى القيود التي ذكرها العلماء، أو لعدم أخذهم بالقواعد المنهجية في الاستدلال، وغير ذلك مما ذكرته في موضعه.
وفي الختام – أسأل الله حسن الختام – أحمده – سبحانه – على إتمام هذا البحث وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعله لوجه خالصاً ولعباده نافعاً، إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 139
طرق الكشف عن مقاصد الشارع
المؤلف/ المشرف: نعمان جغيم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس - عمان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مقاصد الشريعة
الخاتمة
تبين من خلال البحث أن العمدة في التعرف على مقاصد الشارع هي نصوصه، والمقصود بالنص هنا معناه العام الذي يشمل منظوم النص ومنطوقه، وفحواه ومفهومه، ومعقوله المقتبس من روحه التي بني عليها وهي العلل التي أقيمت عليها الأحكام؛ ذلك أن النصوص هي الواسطة بين الشارع والعباد، وهي المعبرة عما يريده منهم. والقول بمرجعية النص يقتضي الأخذ بعين الاعتبار كل عنصر من العناصر أو عامل من العوامل المعينة على حسن فهمه واستجلاء مكنونه والتعرف على المقصود منه؛ فينبغي النظر في ظواهر النصوص، وعللها وحكمها، وأسباب نزولها إن كانت قرآنا وأسباب ورودها إن كان أحاديث، والنظر في السياق الذي جاءت فيه – سواء السياق الخاص أو السياق العام الذي يتضمن مجموع النصوص الشرعية – والنظر في الملابسات والظروف التي صاحبت صدور النص الشرعي والقرائن التي حفت به، وتحقيق المناط في الواقعة التي يراد تطبيق النص عليها، والنظر في مآلات ذلك التنزيل هل تتفق مع ما قصده الشارع منها أم لا؟ كل هذا في منهج علمي متكامل شعاره البحث عن الحق مجردا عن الهوى، واتباع الدليل الأقوى والأقرب إلى معهود الشارع.
وقد يقول قائل: إن هذه خلاصة مفادها إعطاء سلطة مطلقة للنص! والجواب: نعم للنص سلطة، وإذا لم تكن له سلطة فما جدوى إنزاله إذا؟
إن الناس أمام النصوص الشرعية صنفان: صنف يعترف بكون النبي محمد ﷺ رسول الله صدقا، وأن القرآن وحي من الله تعالى، وأن هذه النصوص إنما أنزلت لغرض هو أن تكون مرجعا للمؤمنين بها، يهتدون بهديها، ويحتكمون إليها، وصنف ينكر ذلك. أما من ينكر كونها كذلك فلا حديث معه هنا، فهو لا يعترف لتلك النصوص بمرجعية أصلا. أما إذا اعترفنا بكون هذه النصوص إنما أنزلت لتكون مرجعا للمؤمنين بها، فلابد من الاعتراف بأن لها سلطة، وإلا آل الآمر إلى إنكار مرجعيتها؛ إذ ما القيمة المرجعية لنص لا سلطة له؟ والقول بعدم إلزامية هذه النصوص لكل الأجيال ومن ثم حرية التصرف فيها إثباتا وإسقاطا وتفسيرا من غير ضوابط معتبرة قول بإسقاط مرجعيتها، ولا فرق بين عدم الاعتراف بمرجعية النص وتبديل معناه بما يجعله مخالفا لما قصده منه صاحبه؛ إذ كلاهما عدم اعتراف بمرجعيته وإسقاط لسلطته.
والغريب أن الناس يعترفون لنصوص القوانين الوضعية والعقود والاتفاقيات والمعاهدات، بل وللكلام العادي بينهم بالسلطة المطلقة، ثم يسعى بعضهم إلى نفي تلك السلطة عن النصوص الشرعية! هل لأن سلطة النص الوضعي أقوى من سلطة النص الديني؟ أم لأن عقوبة مخالفة النصوص الوضعية ناجزة أما عقوبة إهدار النصوص الدينية – بحكم غياب سلطة تحميها – فهي في حكم الغيب؟!
وبعد إثبات سلطة النصوص الشرعية يقال: إن المرجع في فهم تلك النصوص – مع مراعاة كل العناصر المعينة على فهمها كما سبقت الإشارة – هو أن تفهم على معهود العرب في لغتهم. والقصد من القول بفهم النصوص الشرعية على معهود العرب في لغتهم هو:
أولاً: وضع معيار موحد لضبط طريقة فهم النصوص؛ إذ مع غياب المعيار الضابط يستحيل فهم النصوص فهما معقولا؛ إذ يستطيع كل إنسان أن يدعي أي معنى لأي لفظ أو نص من النصوص! ولنتصور عند ذلك الفوضى التي تعم بين الناس إذا طبقنا ذلك على المخاطبات العادية بينهم! أما فيما يخص نصوص الشارع فإن النتيجة الحتمية لذلك هي إعدام النصوص الشرعية وإلغاؤها تماما، وإيجاد شرائع جديدة تتعدد بتعدد الأفهام والأشخاص، وهو ما وقع فيه الباطنية.
стр. 140
وثانيا: لأن طبيعة الاتصال بين الناس وطبيعة اللغة يقتضيان وجود قواعد ومعايير يحتكم إليها في فهم وسائل الخطاب، وما دامت النصوص الشرعية قد جاءت باللغة العربية فلا طريق إلى فهمها فهما سليما إلا بالخضوع لقواعد تلك اللغة وأساليبها كما عرفها أهلها الأصلاء.
ثم بعد النصوص يأتي الاستقراء، ومع أن الاستقراء نفسه يعتمد على النصوص بمنطوقها ومفهومها ومعقولها، فإن فائدته أنه يوفر لنا النظرة الكلية المتكاملة لمقاصد الشارع، فهو الذي يكشف لنا عن الناظم الذي ينظم الجزئيات المتناثرة، فيكشف عن الكليات الشرعية والمقاصد العامة، فتستخلص الكليات من خلال تتبع الجزئيات، وتفهم الجزئيات بعد ذلك في ضوء تلك الكليات، فيعلم ما ينضوي منها تحت تلك الكليات، وما هو مستثنى منها استثناء يعتد به، وما هو معارض لها يلغى في مقابلتها طبقا لقواعد التعارض والترجيح.
لقد أحدث الاطلاع على الدراسات اللغوية والألسنية عند الغربيين في القرن الأخير انبهارا لدى بعض الباحثين من أبناء المسلمين الذين غلبت عليهم الثقافة الغربية، فظنوا ذلك اكتشافا غير مسبوق، وراحوا يدعون إلى إعادة قراءة النصوص الشرعية بناء عليها، وصارت نظرية السياق – عندهم – كشفا جديدا حرمت منه الدراسات الشرعية، وغاب عنهم أن ما يتحدثون عنه هو جزء مما بنيت عليه النظريات الأصولية التي تمثل المنهج الإسلامي في فهم النصوص الشرعية وتفسيرها واستنباط الأحكام منها. وبغض النظر عما قدمه علماء اللغة – كالجرجاني – في ذلك فإن الإشارة هنا مقصورة على علم أصول الفقه لكونه يمثل منهج تفسير النصوص الشرعية، ولبيان أن مراعاة السياق بأطره المختلفة لم يكن أمرا غائبا عن الأصوليين في فهم النصوص الشرعية وتفسيرها، وأن تلك النصوص قد قرئت وفق منهج دقيق لم يكن ينقصه ما ظنه هؤلاء كشفا جديدا في عالم الدراسات اللغوية والألسنية.
لقد قسم الأصوليون طرق دلالة اللفظ على المعنى إلى ثلاثة أقسام: النظم، والمفهوم، والمعقول، فاللفظ إما أن يدل على معناه بصيغته ومنظومه، أو بفحواه ومفهومه، أو بمعناه ومعقوله. وبنوا مباحث دلالات الألفاظ – وهي صلب علم أصول الفقه – على نظرية السياق والقرائن. فمباحث التخصيص، والتقييد، والحقيقة والمجاز، والتأويل، وتقسيم دلالة اللفظ إلى منطوق ومفهوم عند الجمهور، وتقسيم الحنفية لطريق دلالة اللفظ على المعنى إلى: عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص، واقتضاء النص، كلها مباحث قائمة على السياق والقرائن.
وهذا موضوع يحتاج إلى بحث مستفيض تبرز فيه معالم نظرية السياق في علم أصول الفقه وامتداداتها في مباحثه المختلفة.
ومن الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد من البحث موضوع أسباب ورود الحديث، فإنه – على عكس ما هو واقع في أسباب النزول التي لقيت حظها من البحث – لم يجد العناية الكافية على أهميته في فهم نصوص السنة النبوية وتوجيه المشكل منها.
стр. 141
تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهدين من الأقوال
المؤلف/ المشرف: عياض بن نامي السلمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: اجتهاد وتقليد
الخاتمة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، وترفع الدرجات، والصلاة والسلام عل محمد بن عبدالله المبعوث بأكمل الرسالات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والكرامات أما بعد:-
فإنني بعد الفراغ من هذا البحث بتوفيق الله وعونه يطيب لي أن أتبع سنة حميدة درج عليها الباحثون قبلي، وهي ذكر أهم النتائج التي أسفر عنها البحث وتجلت بعد مكابدته ومعايشته وقتاً طويلاً.
وإنني لا أزعم أن ما أذكره في هذه النتائج سر لم ينكشف لغيري، ولا أزعم أن ما توصلت إليه لم أسبق إليه، بل قد يكون سبقني إليه أو إلى بعضه بعض الفضلاء، ولكن حسبي أن أبوح للقارئ الكريم بأهم النتائج التي أخذ البحث بيدي إليها لعله يشاركني الاقتناع بها، أو يدلني على الحق إن كان في سواها، فقد بذلت قصارى جهدي، ولم أدخر وسعا، ولكن يأبى الله أن يكون الكمال إلا له ولكتابه وشرعه.
وإليك أهم نتائج البحث:
١ - تحديد المسالك الصحيحة التي يجب أن تتبع لمعرفة مذاهب الأئمة السابقين ذو أهمية بالغة أحسب أن البحث أفصح عنها.
٢ - أن أهم الأسباب التي دفعت بعض الفقهاء إلى سلوك مسالك ضعيفة لمعرفة مذاهب الأئمة المجتهدين ما اشتهر في القرن الخامس الهجري وما بعده من سد باب الاجتهاد، وإلزام الفقهاء في تلك القرون باتباع مذهب معين، مما جعلهم يصرفون جهودهم في محاولة التعرف على مذاهب أئمتهم بطرق شتى، منها ما هو صحيح يؤدي إلى المقصود، ومنها ما هو ضعيف يؤدي إلى نسبة أقوال ضعيفة للأئمة المتبوعين لو علموا بها لأنكروها. وقد مرت الإشارة إلى شيء من هذه الأقوال في ثنايا البحث. وبدلاً من أن يصرف الفقيه جهده ووقته في معرفة حكم الشرع من الكتاب والسنة مستعيناً بما نقل عن العلماء السابقين من تفسير آية، أو شرح حديث أو تصحيحه أو تضعيفه، بدلاً من ذلك كله أصبح الفقيه يصرف جهده ووقته في التعرف على حكم الإمام الذي يقلده في مسألة لم تحدث في عصره، ولا أفتى فيها، ويزيد الطين بلة، فينسب هذا القول المستنتج إلى الإمام نفسه.
٣ - أن ما في بطون الكتب المذهبية من الفروع الفقهية لا يصح أن ينسب برمته لإمام المذهب، بل ينبغي أن ينظر في الطريق الذي اتبعه المؤلف في نسبة القول للإمام فلا ينسب إليه إلا ما استخرج بطرق صحيحة، وما عداه ينسب لقائله. وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي:"اعلم أن كل من يرى أنه لابد له من تقليد الإمام في كل شيء بدعوى أنه لا يقدر على الاستدلال بكتاب ولا سنة ... يجب عليه أن يتنبه تنبهاً تاماً للفرق بين أقوال ذلك الإمام التي قالها حقاً، وبين ما ألحق بعده على قواعد مذهبه، وما زاده المتأخرون وقتاً بعد وقت من أنواع الاستحسان، التي لا أساس لها في كتاب الله، ولا في سنة رسوله – ﷺ – ولو علم الإمام بإلحاقها بمذهبه لتبرأ منها وأنكر على ملحقها. فنسبة جميع ذلك للإمام من الباطل الواضح، ويزيده بطلاناً نسبته إلى الله ورسوله بدعوى أنه شرع ذلك على لسان رسوله، ونحو هذا كثير في المختصرات في المذاهب وكتب المتأخرين "، ثم مثل له بأمثلة من مختصر خليل وغيره.
٤ - وجوب مراعاة الدقة في نسبة الأقوال إلى أصحابها من المجتهدين فلا ينسب إلى المجتهد إلا ما صرح به أو جرى مجرى ما صرح به على النحو الذي سبق تفصيله في ثنايا البحث بما يغني عن إعادته هنا.
стр. 142
٥ - ينبغي أن يتفطن لذلك المهتمون بدراسة فقه السلف، وأصولهم من الباحثين، والدارسين، فيقتصروا في ذلك على الطرق الصحيحة. ولا يتقولوا على أئمة الصحابة والتابعين، ومن بعدهم بنسبة أقوال لهم لم يصرحوا بها أو تجري مجرى ما صرحوا به من غير فرق، وأن يبينوا ما نصوا عليه وما هو مستخرج بطريق القياس أو غيره حتى يكون الناظر فيما يكتبونه على بينة، فيعرف ما ثبتت نسبته، وما لم تثبت نسبته. وقد اعتاد كثير من فقهاء الحنابلة في نقل مذهب إمامهم أن يبينوا ما نص عليه وما هو مخرج على ما نص عليه. فينبغي الالتزام بذلك المنهج لكل من يكتب فقه أحد من السلف أو ينقل رأيه في مسألة معينة.
وإذا كان هذا هو المنهج المطلوب ممن يدرس فقه من دون الصحابة فهو على من يدرس فقه الصحابة أوجب، لأن كثيرا من العلماء يرون أن مذهب الصحابي حجة، إما مطلقاً أو في بعض المواطن، فإذا نسب الباحث إلى الصحابي قولاً لم ينص عليه فقد غرر بمن يقرأ كتابه ممن جاء بعده. ويترتب على ذلك فساد كبير من جهة الاستدلال بقول لم يقله الصحابي.
٦ - أنه لا مانع من قول الفقيه المتأخر، هذا قياس مذهب الشافعي، أو قياس مذهب أحمد أو غيرهما, أو هو مفهوم كلامه، لأنه قال: كذا وكذا، ولكن المحذور في أن يقول هذا مذهب الشافعي ولا يبين من أين أخذه ولا الطريق الذي سلكه في معرفة المذهب.
وفي الختام أضرع إلى الله العلي القدير أن يجعل عملنا منتظماً في سلك النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم والحمد لله أولاً وآخراً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 143
تغير الأحكام دراسة تطبيقية لقاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير القرائن والأزمان في الفقه الإسلامي)
المؤلف/ المشرف: سها سليم مكداش
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة
خاتمة البحث:
وبعد، فأحمد الله تعالى أن سهل لي فأنهيت هذه الأطروحة التي لا أنكر مدى الصعوبات التي واجهتني خلال عملية البحث وخاصة في المسائل التطبيقية حول موضوع التغير لاستنساب المسائل الفقهية الملمة بالموضوع ووضعها في إطارها المحدد من الرسالة.
هذا وإني قد عملت ما بوسعي، واستنفدت الكثير من الجهود محاولة بإذن الله أن أحيط بالموضوع في الكثير من جوانبه؛ إلا أنني أدرك أن الخوض في مثل هذه القضايا والأحكام - وخاصة المتغيرة منها - هي أمور لا تنتهي عند حد معين؛ لأنها من المسائل الاجتهادية التي يطرأ عليها التغير بتغير حركة الزمان والمكان والأحوال والأعراف والمصالح وحتى العلل.
فمستجدات الحياة كثيرة ومتطورة، وموضوع التغير موضوع مهم وخاصة في الأحكام الفقهية؛ لأنها من أفعال المكلفين ويجب فيها مراعاة واقع الناس المتجدد، مما يجعل المجتهد يراجع اجتهادات القدامى وفتاويهم؛ لأنها عالجت زمناً أو مرحلة قد تغيرت، فوجب أن يتغير الحكم الفقهي بتغير طبيعة المحل، وعلى المجتهد أن يبذل ما في وسعه للوصول إلى أحكام تنطبق والواقع الجديد، لأنه لا يلزم تقليد المجتهدين في اجتهاداتهم مطلقاً، فالمسائل الفقهية التي كانت تلائم عصرهم تغيرت الأحكام فيها لاختلاف العصر والزمن. ولذلك اشتهر بين الفقهاء القاعدة الأصولية (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان). والمقصود من ذلك التغير ما جرى على طبيعة الحياة من تغير أعراف وعادات ومصالح ... وأصل التغير ليس هو الحكم في حد ذاته؛ إنما هو تطبيق الأحكام ومناسبتها للواقع؛ لأن الأحكام الشرعية في الأصل لا تتغير، إنما الذي يتغير هو تنزيلها وتطبيقها على واقع يتناسب في وقت ما وعصر ما، فإذا ما تغير هذا الواقع تغير هذا الحكم ليأتي حكم آخر يتناسب معه. فقد قال (ابن عابدين) ﵀ في رسالته (نشر العرف): (كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان؛ بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد).
وقد قال الشيخ (القرافي): (الجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين).
وقال (ابن القيم) في فصل (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) من أن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها ...
وقد مر الكثير من الشواهد في الرسالة تبرز مدى اهتمام الفقهاء القدامى بمسألة التغير وأن الجمود على الأحكام وعدم الاجتهاد فيها ليس من مقاصد الشريعة إنما تؤدي إلى الفساد والعبث.
فتغير الفتاوى والاختلاف في الأحكام الفقهية من الأمور التي يجب على الباحثين العناية بها بتأصيلها وتنزيلها على المسائل الفقهية المعاصرة؛ لحاجة العصر والواقع إلى ذلك.
стр. 144
تغير الفتوى
المؤلف/ المشرف: محمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - الخبر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: فتوى ومفتي ومستفتي
الخَاتمَة
لعلك بعد أن وصلت إلى هذا الموضع من البحث قد أدركت خطأ تفسير بعض الناس
لقول الفقهاء: " لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان ".
حيث قال بعض الناس: إن في هذه القاعدة التي قررها الفقهاء بيان أن المصلحة معتبرة
في تفسير النص لكل زمن بحسبه؛ فالمصلحة مقدّمة على دلالة النص الشرعي، ومراعاتها
هو الأصل!
ولا يخفي أن هذا القول يجرّ الناس إلى التلاعب بنصوص الكتاب والسنة، كما أنه يتعارض مع
جملة من المسلّمات الشرعية.
وقبل أن أبين معارضة هذا التفسير لهذه القاعدة الذي جاء به بعض الناس أقول: إن أهم ما
يستخلص من البحث:
أن قضية (تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان) ليست على ظاهرها بل هي مقيّدة بقيود،
ولعل دقة العبارة في التعبير عن هذه القضية تكون هكذا: الفتوى التي اعتبر فيها للحكم مناطاً,
إذا تغير هذا المناط؛ تغيرت.
وتغيّر الفتوى لتغير مناط الحكم ليس تغييراً في الشرع، بل هو تغير في مناط الحكم أنتج واقعة
جديدة تحتاج إلى فتوى غير الأولى.
وذلك التفسير الجائر لقول الفقهاء: " لا ينكر تغيّر الفتوى بتغير الزمان والمكان ": فوق أنه يجر
إلى التلاعب بنصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية، فوق ذلك؛ فإنه يعارض مسلّمات شرعية؛
كما يلي:
١ - أن هذا التفسير الذي جاؤوا به يتعارض مع قوله ﵎: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [سورة المائدة: ٦].
والآية نص على أن جميع ما يدين العبد به ربّه قد أكمله الله لنا. فكيف يقال بمصلحة
لم يبينها لنا شرعنا؟!
٢ - أن هذا التفسير يتعارض مع ما قرره أهل العلم من أن الشرع يقوم في نصوصه وما دلت
عليه من أحكام على مراعاة المصلحة والعوائد بحسب الزمان والمكان؛ فلا توجد معارضة أو
مخالفة بين مصلحة ونصوص الكتاب والسنة.
فكيف يقال بتقديم المصلحة على النص أو تفسيره بها؟!
٣ - أن هذا التفسير يجعل المصلحة التي يراها المجتهد وعارضت النص أصلاً معتمداً يرجع
إليه في التشريع، وهذا يتعارض مع حقيقة شرعية: أن أصل الأدلة الشرعية جميعها القرآن
العظيم والسنة النبوية؛ فلا يقبل اجتهاد مع النص!
٤ - كما يتعارض مع مسلمة بدهية شرعية: أن لا شارع إلا الله.
إذ يعطي هذا التفسير للفقيه الحق في تشريع مستقل ولو خالف النص.
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ (ت ٧٩٢هـ): ((ليس إلى العلماء من أمر الدين؛ إلا التبليغ
وإيضاح المشكل، وأما أمر التكفير والتفسيق والتحليل والتحريم؛ فإلى الله ورسوله)) اهـ.
قال الشيخ د. عبد الستار فتح الله سعيد حفظه الله تعالى:
" كان المسلمون طوال تاريخهم، يعطون علماءهم أسماء ذات دلالة مقصودة، مثل:
(المجتهد) , و (الفقيه)، و (القارئ)، و (الحافظ)، وهي كلمات تحمل معاني التبعية لا
الاستقلال في أمر التشريع والأحكام؛ إذ الأمر كله لله تعالى، وليس للناس إلا اتباع حكمه، وبذل
الوسع في تعرف أمره، وتلمس الحق الذي يريده، بما شرع لهم من طرق، وسن لهم من قواعد.
ولهم أجرهم طالما كانوا في دائرة هذا الاجتهاد الصحيح ولو أخطؤوا!
والفقه في معناه العام يُراد به: فهم ومعرفة مقاصد الشريعة وأحكامها، وفي معناه الاصطلاحي
يراد به: استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها الشرعية، وكلاهما جهد مبذول للفهم عن الله
ورسوله، وقواعد دينه.
و (القارئ) و (الحافظ) وأمثالهما من الألقاب، تدل جميعاً على استيعاب نصوص هذا الدين،
في مصدري الوحي الإلهي، من كتاب وسنة، ولا تدل على استقلال في أمر الشرائع والأحكام.
стр. 145
ولقد كان المسلمون بهذا متسقين مع عقيدتهم، حتى في الأسماء والألفاظ، ولذلك؛ لم يقر
المحققون من العلماء إطلاق لفظ (الشارع) على غير الله تعالى؛ إلا على سبيل التجوز
والتساهل، لا على سبيل الحقيقة والتحقيق.
يقول الشيخ محمد فرج السنهوري في بحث جامع:
لا حاكم سوى الله سبحانه، ولا حكم إلا ما حكم به، ولا شرع إلا ما شرعه، على هذا اتفق
المسلمون، وقال به جميعهم، حتى المعتزلة ... الذين يقولون: إن في الأفعال حسناً وقبحاً يستقل
العقل بإدراكهما، وإن على الله أن يأمر وينهي على وفق ما في الأفعال من حسن وقبح؛ فالحاكم
عند الجميع هو الله ، والحكم حكمه، وهو الشارع لا غيره.
وإذا كان رسول الله ﷺ قد أُطلق عليه اسم الشارع في بعض عبارات العلماء؛ فما كان ذلك إلا تجوزاً؛ مراعاة لأنه المبلغ عنه.
وإذا كان الشاطبي في بعض المواضع قد سمى عمل المجتهد تشريعاً؛ فما كان منه تساهلاً،
أساغه أن عمل المجتهد كاشف عن التشريع، ومظهر له؛ فالسلطة التشريعية هي لله وحده.
والله جلت حكمته لم يفوِّض إلى أحد من عباده؛ لا إلى رسول، ولا نبي، ولا إمام، ولا ولي،
ولا إلى غيرهم: أن يشرع للناس من الأحكام مايريد، أو أن يحكم بينهم بما يراه هو من عند
نفسه، أو كيفما اتفق.
أمّا (العرف)؛ فلا توجد إحالة تشريعية إلى أحكامه، إنما يلجأ إليه في معرفة ما يريده المتكلم
من الأيمان والعقود وما إلى ذلك، وفي معرفة قيم المتلفات وأشباهها، وفي الوقوف على
الشروط التي يصحح العرف اشتراطها في العقود، هذا هو كل ما يلجأ إليه في تكييف الواقعات
والنوازل؛ ليطبق عليها الحكم المعروف في الشريعة، ولا يترك بسببه حكم نص ولا إجماع ولا
حكم فقهي لم يكن مبنيّاً على العرف، وإنما يترك به الحكم الفقهي إذا كان مبنيّاً على عرف ثم
تغير إلى عرف آخر.
فاعتبار العرف في الشريعة الإسلامية ليس من باب الإحالة التشريعية، كما أنه ليس من الأدلة
الإجمالية، ولا يعدو أن يكون قاعدة فقهية.
أما جمهور المسلمين؛ فعلى أنه لا حكم للعقل، وأن حكم الله لا يعرف إلا من قبله، ولا يكون
ذلك إلا من طريق الوحي إلى رسول الله ﷺ (الكتاب والسنة)، الذي أمر بتبليغه
إلى الناس فبلغه.
فالطريق الوحيد إلى ذلك هو تبليغ الرسول ﵊؛ فلا عبرة بالإلهام والمكاشفة
وأشباههما؛ فكل هذا لا يكون طريقاً لمعرفة حكم الله؛ لأنه ليس وحياً، والتبليغ إنما يكون من
الرسول ﵊ في يقظة المبلغ إليه؛ فلا عبرة بتبليغ الأحلام.
وبهذا اتضح أن الدليل الحقيقي والمصدر الوحيد للتشريع الإسلامي بأجمعه هو الوحي الإلهي،
وأن مرد الإجماع والقياس إليه.
وأن المصادر الأخرى ليست خارجة عن الأربعة، أو هي ليست مصادر الفقه " اهـ.
وبهذا يتم ما أردت تقريره هنا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وسبحانك اللهم وبحمدك،
أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد، كما
صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
следующие страницы →