Полный текст (2 012 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهدين من الأقوال
المؤلف/ المشرف: عياض بن نامي السلمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: اجتهاد وتقليد
الخاتمة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، وترفع الدرجات، والصلاة والسلام عل محمد بن عبدالله المبعوث بأكمل الرسالات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والكرامات أما بعد:-
فإنني بعد الفراغ من هذا البحث بتوفيق الله وعونه يطيب لي أن أتبع سنة حميدة درج عليها الباحثون قبلي، وهي ذكر أهم النتائج التي أسفر عنها البحث وتجلت بعد مكابدته ومعايشته وقتاً طويلاً.
وإنني لا أزعم أن ما أذكره في هذه النتائج سر لم ينكشف لغيري، ولا أزعم أن ما توصلت إليه لم أسبق إليه، بل قد يكون سبقني إليه أو إلى بعضه بعض الفضلاء، ولكن حسبي أن أبوح للقارئ الكريم بأهم النتائج التي أخذ البحث بيدي إليها لعله يشاركني الاقتناع بها، أو يدلني على الحق إن كان في سواها، فقد بذلت قصارى جهدي، ولم أدخر وسعا، ولكن يأبى الله أن يكون الكمال إلا له ولكتابه وشرعه.
وإليك أهم نتائج البحث:
١ - تحديد المسالك الصحيحة التي يجب أن تتبع لمعرفة مذاهب الأئمة السابقين ذو أهمية بالغة أحسب أن البحث أفصح عنها.
٢ - أن أهم الأسباب التي دفعت بعض الفقهاء إلى سلوك مسالك ضعيفة لمعرفة مذاهب الأئمة المجتهدين ما اشتهر في القرن الخامس الهجري وما بعده من سد باب الاجتهاد، وإلزام الفقهاء في تلك القرون باتباع مذهب معين، مما جعلهم يصرفون جهودهم في محاولة التعرف على مذاهب أئمتهم بطرق شتى، منها ما هو صحيح يؤدي إلى المقصود، ومنها ما هو ضعيف يؤدي إلى نسبة أقوال ضعيفة للأئمة المتبوعين لو علموا بها لأنكروها. وقد مرت الإشارة إلى شيء من هذه الأقوال في ثنايا البحث. وبدلاً من أن يصرف الفقيه جهده ووقته في معرفة حكم الشرع من الكتاب والسنة مستعيناً بما نقل عن العلماء السابقين من تفسير آية، أو شرح حديث أو تصحيحه أو تضعيفه، بدلاً من ذلك كله أصبح الفقيه يصرف جهده ووقته في التعرف على حكم الإمام الذي يقلده في مسألة لم تحدث في عصره، ولا أفتى فيها، ويزيد الطين بلة، فينسب هذا القول المستنتج إلى الإمام نفسه.
٣ - أن ما في بطون الكتب المذهبية من الفروع الفقهية لا يصح أن ينسب برمته لإمام المذهب، بل ينبغي أن ينظر في الطريق الذي اتبعه المؤلف في نسبة القول للإمام فلا ينسب إليه إلا ما استخرج بطرق صحيحة، وما عداه ينسب لقائله. وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي:"اعلم أن كل من يرى أنه لابد له من تقليد الإمام في كل شيء بدعوى أنه لا يقدر على الاستدلال بكتاب ولا سنة ... يجب عليه أن يتنبه تنبهاً تاماً للفرق بين أقوال ذلك الإمام التي قالها حقاً، وبين ما ألحق بعده على قواعد مذهبه، وما زاده المتأخرون وقتاً بعد وقت من أنواع الاستحسان، التي لا أساس لها في كتاب الله، ولا في سنة رسوله – ﷺ – ولو علم الإمام بإلحاقها بمذهبه لتبرأ منها وأنكر على ملحقها. فنسبة جميع ذلك للإمام من الباطل الواضح، ويزيده بطلاناً نسبته إلى الله ورسوله بدعوى أنه شرع ذلك على لسان رسوله، ونحو هذا كثير في المختصرات في المذاهب وكتب المتأخرين "، ثم مثل له بأمثلة من مختصر خليل وغيره.
٤ - وجوب مراعاة الدقة في نسبة الأقوال إلى أصحابها من المجتهدين فلا ينسب إلى المجتهد إلا ما صرح به أو جرى مجرى ما صرح به على النحو الذي سبق تفصيله في ثنايا البحث بما يغني عن إعادته هنا.
стр. 142
٥ - ينبغي أن يتفطن لذلك المهتمون بدراسة فقه السلف، وأصولهم من الباحثين، والدارسين، فيقتصروا في ذلك على الطرق الصحيحة. ولا يتقولوا على أئمة الصحابة والتابعين، ومن بعدهم بنسبة أقوال لهم لم يصرحوا بها أو تجري مجرى ما صرحوا به من غير فرق، وأن يبينوا ما نصوا عليه وما هو مستخرج بطريق القياس أو غيره حتى يكون الناظر فيما يكتبونه على بينة، فيعرف ما ثبتت نسبته، وما لم تثبت نسبته. وقد اعتاد كثير من فقهاء الحنابلة في نقل مذهب إمامهم أن يبينوا ما نص عليه وما هو مخرج على ما نص عليه. فينبغي الالتزام بذلك المنهج لكل من يكتب فقه أحد من السلف أو ينقل رأيه في مسألة معينة.
وإذا كان هذا هو المنهج المطلوب ممن يدرس فقه من دون الصحابة فهو على من يدرس فقه الصحابة أوجب، لأن كثيرا من العلماء يرون أن مذهب الصحابي حجة، إما مطلقاً أو في بعض المواطن، فإذا نسب الباحث إلى الصحابي قولاً لم ينص عليه فقد غرر بمن يقرأ كتابه ممن جاء بعده. ويترتب على ذلك فساد كبير من جهة الاستدلال بقول لم يقله الصحابي.
٦ - أنه لا مانع من قول الفقيه المتأخر، هذا قياس مذهب الشافعي، أو قياس مذهب أحمد أو غيرهما, أو هو مفهوم كلامه، لأنه قال: كذا وكذا، ولكن المحذور في أن يقول هذا مذهب الشافعي ولا يبين من أين أخذه ولا الطريق الذي سلكه في معرفة المذهب.
وفي الختام أضرع إلى الله العلي القدير أن يجعل عملنا منتظماً في سلك النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم والحمد لله أولاً وآخراً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 143
تغير الأحكام دراسة تطبيقية لقاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير القرائن والأزمان في الفقه الإسلامي)
المؤلف/ المشرف: سها سليم مكداش
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة
خاتمة البحث:
وبعد، فأحمد الله تعالى أن سهل لي فأنهيت هذه الأطروحة التي لا أنكر مدى الصعوبات التي واجهتني خلال عملية البحث وخاصة في المسائل التطبيقية حول موضوع التغير لاستنساب المسائل الفقهية الملمة بالموضوع ووضعها في إطارها المحدد من الرسالة.
هذا وإني قد عملت ما بوسعي، واستنفدت الكثير من الجهود محاولة بإذن الله أن أحيط بالموضوع في الكثير من جوانبه؛ إلا أنني أدرك أن الخوض في مثل هذه القضايا والأحكام - وخاصة المتغيرة منها - هي أمور لا تنتهي عند حد معين؛ لأنها من المسائل الاجتهادية التي يطرأ عليها التغير بتغير حركة الزمان والمكان والأحوال والأعراف والمصالح وحتى العلل.
فمستجدات الحياة كثيرة ومتطورة، وموضوع التغير موضوع مهم وخاصة في الأحكام الفقهية؛ لأنها من أفعال المكلفين ويجب فيها مراعاة واقع الناس المتجدد، مما يجعل المجتهد يراجع اجتهادات القدامى وفتاويهم؛ لأنها عالجت زمناً أو مرحلة قد تغيرت، فوجب أن يتغير الحكم الفقهي بتغير طبيعة المحل، وعلى المجتهد أن يبذل ما في وسعه للوصول إلى أحكام تنطبق والواقع الجديد، لأنه لا يلزم تقليد المجتهدين في اجتهاداتهم مطلقاً، فالمسائل الفقهية التي كانت تلائم عصرهم تغيرت الأحكام فيها لاختلاف العصر والزمن. ولذلك اشتهر بين الفقهاء القاعدة الأصولية (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان). والمقصود من ذلك التغير ما جرى على طبيعة الحياة من تغير أعراف وعادات ومصالح ... وأصل التغير ليس هو الحكم في حد ذاته؛ إنما هو تطبيق الأحكام ومناسبتها للواقع؛ لأن الأحكام الشرعية في الأصل لا تتغير، إنما الذي يتغير هو تنزيلها وتطبيقها على واقع يتناسب في وقت ما وعصر ما، فإذا ما تغير هذا الواقع تغير هذا الحكم ليأتي حكم آخر يتناسب معه. فقد قال (ابن عابدين) ﵀ في رسالته (نشر العرف): (كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان؛ بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد).
وقد قال الشيخ (القرافي): (الجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين).
وقال (ابن القيم) في فصل (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) من أن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها ...
وقد مر الكثير من الشواهد في الرسالة تبرز مدى اهتمام الفقهاء القدامى بمسألة التغير وأن الجمود على الأحكام وعدم الاجتهاد فيها ليس من مقاصد الشريعة إنما تؤدي إلى الفساد والعبث.
فتغير الفتاوى والاختلاف في الأحكام الفقهية من الأمور التي يجب على الباحثين العناية بها بتأصيلها وتنزيلها على المسائل الفقهية المعاصرة؛ لحاجة العصر والواقع إلى ذلك.
стр. 144
تغير الفتوى
المؤلف/ المشرف: محمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - الخبر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: فتوى ومفتي ومستفتي
الخَاتمَة
لعلك بعد أن وصلت إلى هذا الموضع من البحث قد أدركت خطأ تفسير بعض الناس
لقول الفقهاء: " لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان ".
حيث قال بعض الناس: إن في هذه القاعدة التي قررها الفقهاء بيان أن المصلحة معتبرة
في تفسير النص لكل زمن بحسبه؛ فالمصلحة مقدّمة على دلالة النص الشرعي، ومراعاتها
هو الأصل!
ولا يخفي أن هذا القول يجرّ الناس إلى التلاعب بنصوص الكتاب والسنة، كما أنه يتعارض مع
جملة من المسلّمات الشرعية.
وقبل أن أبين معارضة هذا التفسير لهذه القاعدة الذي جاء به بعض الناس أقول: إن أهم ما
يستخلص من البحث:
أن قضية (تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان) ليست على ظاهرها بل هي مقيّدة بقيود،
ولعل دقة العبارة في التعبير عن هذه القضية تكون هكذا: الفتوى التي اعتبر فيها للحكم مناطاً,
إذا تغير هذا المناط؛ تغيرت.
وتغيّر الفتوى لتغير مناط الحكم ليس تغييراً في الشرع، بل هو تغير في مناط الحكم أنتج واقعة
جديدة تحتاج إلى فتوى غير الأولى.
وذلك التفسير الجائر لقول الفقهاء: " لا ينكر تغيّر الفتوى بتغير الزمان والمكان ": فوق أنه يجر
إلى التلاعب بنصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية، فوق ذلك؛ فإنه يعارض مسلّمات شرعية؛
كما يلي:
١ - أن هذا التفسير الذي جاؤوا به يتعارض مع قوله ﵎: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [سورة المائدة: ٦].
والآية نص على أن جميع ما يدين العبد به ربّه قد أكمله الله لنا. فكيف يقال بمصلحة
لم يبينها لنا شرعنا؟!
٢ - أن هذا التفسير يتعارض مع ما قرره أهل العلم من أن الشرع يقوم في نصوصه وما دلت
عليه من أحكام على مراعاة المصلحة والعوائد بحسب الزمان والمكان؛ فلا توجد معارضة أو
مخالفة بين مصلحة ونصوص الكتاب والسنة.
فكيف يقال بتقديم المصلحة على النص أو تفسيره بها؟!
٣ - أن هذا التفسير يجعل المصلحة التي يراها المجتهد وعارضت النص أصلاً معتمداً يرجع
إليه في التشريع، وهذا يتعارض مع حقيقة شرعية: أن أصل الأدلة الشرعية جميعها القرآن
العظيم والسنة النبوية؛ فلا يقبل اجتهاد مع النص!
٤ - كما يتعارض مع مسلمة بدهية شرعية: أن لا شارع إلا الله.
إذ يعطي هذا التفسير للفقيه الحق في تشريع مستقل ولو خالف النص.
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ (ت ٧٩٢هـ): ((ليس إلى العلماء من أمر الدين؛ إلا التبليغ
وإيضاح المشكل، وأما أمر التكفير والتفسيق والتحليل والتحريم؛ فإلى الله ورسوله)) اهـ.
قال الشيخ د. عبد الستار فتح الله سعيد حفظه الله تعالى:
" كان المسلمون طوال تاريخهم، يعطون علماءهم أسماء ذات دلالة مقصودة، مثل:
(المجتهد) , و (الفقيه)، و (القارئ)، و (الحافظ)، وهي كلمات تحمل معاني التبعية لا
الاستقلال في أمر التشريع والأحكام؛ إذ الأمر كله لله تعالى، وليس للناس إلا اتباع حكمه، وبذل
الوسع في تعرف أمره، وتلمس الحق الذي يريده، بما شرع لهم من طرق، وسن لهم من قواعد.
ولهم أجرهم طالما كانوا في دائرة هذا الاجتهاد الصحيح ولو أخطؤوا!
والفقه في معناه العام يُراد به: فهم ومعرفة مقاصد الشريعة وأحكامها، وفي معناه الاصطلاحي
يراد به: استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها الشرعية، وكلاهما جهد مبذول للفهم عن الله
ورسوله، وقواعد دينه.
و (القارئ) و (الحافظ) وأمثالهما من الألقاب، تدل جميعاً على استيعاب نصوص هذا الدين،
في مصدري الوحي الإلهي، من كتاب وسنة، ولا تدل على استقلال في أمر الشرائع والأحكام.
стр. 145
ولقد كان المسلمون بهذا متسقين مع عقيدتهم، حتى في الأسماء والألفاظ، ولذلك؛ لم يقر
المحققون من العلماء إطلاق لفظ (الشارع) على غير الله تعالى؛ إلا على سبيل التجوز
والتساهل، لا على سبيل الحقيقة والتحقيق.
يقول الشيخ محمد فرج السنهوري في بحث جامع:
لا حاكم سوى الله سبحانه، ولا حكم إلا ما حكم به، ولا شرع إلا ما شرعه، على هذا اتفق
المسلمون، وقال به جميعهم، حتى المعتزلة ... الذين يقولون: إن في الأفعال حسناً وقبحاً يستقل
العقل بإدراكهما، وإن على الله أن يأمر وينهي على وفق ما في الأفعال من حسن وقبح؛ فالحاكم
عند الجميع هو الله ، والحكم حكمه، وهو الشارع لا غيره.
وإذا كان رسول الله ﷺ قد أُطلق عليه اسم الشارع في بعض عبارات العلماء؛ فما كان ذلك إلا تجوزاً؛ مراعاة لأنه المبلغ عنه.
وإذا كان الشاطبي في بعض المواضع قد سمى عمل المجتهد تشريعاً؛ فما كان منه تساهلاً،
أساغه أن عمل المجتهد كاشف عن التشريع، ومظهر له؛ فالسلطة التشريعية هي لله وحده.
والله جلت حكمته لم يفوِّض إلى أحد من عباده؛ لا إلى رسول، ولا نبي، ولا إمام، ولا ولي،
ولا إلى غيرهم: أن يشرع للناس من الأحكام مايريد، أو أن يحكم بينهم بما يراه هو من عند
نفسه، أو كيفما اتفق.
أمّا (العرف)؛ فلا توجد إحالة تشريعية إلى أحكامه، إنما يلجأ إليه في معرفة ما يريده المتكلم
من الأيمان والعقود وما إلى ذلك، وفي معرفة قيم المتلفات وأشباهها، وفي الوقوف على
الشروط التي يصحح العرف اشتراطها في العقود، هذا هو كل ما يلجأ إليه في تكييف الواقعات
والنوازل؛ ليطبق عليها الحكم المعروف في الشريعة، ولا يترك بسببه حكم نص ولا إجماع ولا
حكم فقهي لم يكن مبنيّاً على العرف، وإنما يترك به الحكم الفقهي إذا كان مبنيّاً على عرف ثم
تغير إلى عرف آخر.
فاعتبار العرف في الشريعة الإسلامية ليس من باب الإحالة التشريعية، كما أنه ليس من الأدلة
الإجمالية، ولا يعدو أن يكون قاعدة فقهية.
أما جمهور المسلمين؛ فعلى أنه لا حكم للعقل، وأن حكم الله لا يعرف إلا من قبله، ولا يكون
ذلك إلا من طريق الوحي إلى رسول الله ﷺ (الكتاب والسنة)، الذي أمر بتبليغه
إلى الناس فبلغه.
فالطريق الوحيد إلى ذلك هو تبليغ الرسول ﵊؛ فلا عبرة بالإلهام والمكاشفة
وأشباههما؛ فكل هذا لا يكون طريقاً لمعرفة حكم الله؛ لأنه ليس وحياً، والتبليغ إنما يكون من
الرسول ﵊ في يقظة المبلغ إليه؛ فلا عبرة بتبليغ الأحلام.
وبهذا اتضح أن الدليل الحقيقي والمصدر الوحيد للتشريع الإسلامي بأجمعه هو الوحي الإلهي،
وأن مرد الإجماع والقياس إليه.
وأن المصادر الأخرى ليست خارجة عن الأربعة، أو هي ليست مصادر الفقه " اهـ.
وبهذا يتم ما أردت تقريره هنا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وسبحانك اللهم وبحمدك،
أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد، كما
صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
стр. 146
علم أصول البدع
المؤلف/ المشرف: علي بن حسن بن عبدالحميد الحلبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الراية - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٣هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - البدع
الخاتمة: رزقنا الله حسنها: بعد أن وفق الله بتأصيل قواعد رد البدع، وتقعيد أصولها، سهل – بمشيئة الله – على العبد الموفق مجاوزة عقبة (البدع)، وهي عقبة كؤود من العقبات التي يضعها الشيطان الرجيم أمام طريقه تنفيراً له عن سبيل الحق، وإبعاداً له من طريق الصواب.
"فإن قطع هذه العقبة، وخلص منها بنور السنة، واعتصم منها بحقيقة المتابعة، وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان" [مدارج السالكين ١/ ٢٢٣]؛ كان ممن أراد الله جل وعلا لهم الخير والسداد وحسن الإيمان. فالبدع في حقيقتها سم ناقع، "فالحذر الحذر من هذا السم؛ فإنه قاتل، ومل مع الحق حيث كان، وكن متيقظاً لخلاص مهجتك بالاتباع، وترك الابتداع، واقبل نصيحة أخ مشفق، فإن الاتباع أفضل عمل يعمله المرء في هذا الزمان" [المدخل ٢/ ٢٦٣]، بل وفي كل زمان. "ولقائل أن يقول: إذا أمرت الناس باجتناب البدع واتباع السنن؛ ثاروا علي، وأقاموا على القيامة، وقالوا: هل أنت أعلم من فلان؟ فهو يقول بكذا وكذا!! ويأمر به! ويمضي عليه! وأنت تنهى عنه، وتظن أنك أكثر اتباعاً للسنة منه!!. فليعلم من يدور بخلده ذلك القول أو هذا السؤال: أن الجهل قديم قدم الزمان، وهو دائماً في عناد ولجاجة مع العلم! فإذا اجتمع أهل العلم، وتركوا التفرق والتحزب؛ خفي الجهل، وعم العلم. وإذا اتبع كل واحد منهم هواه، وترك دينه وراءه ظهرياً؛ ظهر الجهل، وعلا، وعم بين الناس، حتى يروا المنكر معروفاً والمعروف منكراً"!! "فهنيئاً لمن وفقه الله في عبادته لاتباع سنة نبيه ﷺ ، ولم يخالطها ببدعة، إذاً؛ فليبشر بتقبل الله لطاعته، وإدخاله إياه في جنته" [حجة النبي ﷺ ، ص١٠١]. "جعلنا الله من المتبعين للسنن كيفما دارت، والمتباعدين عن الأهواء حيثما مالت؛ إنه خير مسؤول، وأعظم مأمول" [الإحسان إلى تقريب صحيح ابن حبان ١/ ١٦٤]. وصلى الله تعالى وسلم على نبيه وعبده وعلى آله وصحبه ووفده. وكتبه: علي بن حسن بن علي بن عبدالحميد، أبو الحارث الحلبي الأثري؛ حامداً لله، مصلياً ومسلماً على رسوله ﷺ ، سائلاً ربه تفريج الكرب، في الثالث من شهر رجب، سنة ١٤١١هـ، وفي القلب غمة، وفي النفس حسرة، وفي الفؤاد لذعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله
стр. 147
علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري دراسة تاريخية استقرائية تحليلية
المؤلف/ المشرف: أحمد بن عبدالله الضويحي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على من جاء بخاتمة الرسالات إمام المتقين وسيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد
فلم يكن البحث في موضوع (علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري) أمرا يسيرا بل كان مركبا صعبا تطلب الكثير من الجهد والمشقة وهذه هي سمة البحوث التي تقوم على الاستقراء والتحليل والاستنتاج وحسبي أنني حاولت مجتهدا جمع شتات الموضوع وإلقاء الضوء على أهم جوانبه فما كان في هذا العمل من حق وصواب فبتوفيق من الباري سبحانه وما كان فيه من خطأ وزلل فمن نفسي والشيطان
وأهم القضايا التي حاولت دراستها في هذا البحث حال أصول الفقه قبل التدوين وبداية التدوين الحقيقي له وأبرز أعلامه في القرنين الثالث والرابع وآثارهم فيه والعوامل التي أسهمت في تميزه واستقلاله ومظاهر النمو والتطور التي شهدها في القرن الرابع إضافة إلى استقراء الآثار الأصولية في كتب غير الأصوليين ودراسة ما وصل إلينا من المؤلفات الأصولية في هذه الحقبة دراسة تحليلية
وقد خرجت من دراسة هذه الموضوعات بنتائج مهمة أبرزها ما يلي:
١ - لم يظهر علم الأصول بشكله الاصطلاحي في عصر النبي ﷺ ولا في عصر الصحابة ولم تكن هنالك حاجة إلى تدوينه وذلك لقرب العهد بحامل الشرع وكون المجتهدين من الصحابة أصوليين بالفطرة حيث شاهدوا التنزيل وعلموا التأويل وامتازوا عن غيرهم بالملكات اللغوية المركوزة في جبلاتهم السليمة
٢ - ظهرت الحاجة إلى تدوين هذا العلم في عصر التابعين وتابعيهم مع دخول الدخيل في لسان العرب وفشو اللحن واحتياج الأدلة إلى واسطة النقل والإسناد وغير ذلك من العوامل التي أسهمت بشكل ظاهر في تعدد طرق الاجتهاد واختلاف مناهج المجتهدين وما تبع هذا الأمر من كثرة الخلاف واشتداده خصوصا بين أهل الحديث وأهل الرأي ومع هذا لم يشهد هذا العهد ظهور مؤلفات مستقلة في علم الأصول بل شهد ظهور بعض الكتابات في بعض موضوعاته استقلالا أو في ثنايا الكتب المصنفة في الحديث والفقه وربما اعتبر بعضها بمثابة البدايات الأولى للتأليف في هذا العلم
٣ - أضحت الحاجة إلى تدوين هذا العلم أكثر إلحاحا مع ظهور المذاهب الأربعة وانتشارها واستقلال كل مذهب بأصوله وقواعده الخاصة
٤ - لا خلاف في وجود أقوال متفرقة وكتابات جزئية في هذا العلم قبل الشافعي فقد جرى على ألسنة الصحابة والتابعين وتابعيهم وأثر عن بعضهم جملة من الأقوال والآثار الأصولية وإنما الخلاف في أسبقية التدوين المتكامل والمستقل وقد تبين – من خلال دراسة هذه المسألة ومناقشة الأقوال فيها – أن القول المختار هو قول الجمهور القاضي بأن الشافعي هو صاحب السبق في هذا الفضل وذلك لأنه القول الوحيد المعتضد بالدليل المادي حيث لم يصل إلينا من كتب الأصول كتاب متقدم على كتاب الرسالة في التاريخ
٥ - اشتمل كتاب الرسالة على جملة من القضايا الأصولية المهمة كمنزلة السنة من القرآن والبيان والنسخ وخبر الآحاد والإجماع والقياس والاجتهاد والعلم والاستحسان وأقوال الصحابة لكنه لم يحو كل مادة هذا العلم وإنما كان بمثابة اللبنة الأولى التي بدأ منها البناء الأصولي إلى أن اكتمل على يدي العلماء الذين جاءوا من بعده في القرنين الرابع والخامس
стр. 148
٦ - لم تقتصر آثار الشافعي الأصولية على أقواله التي اشتمل عليها كتاب الرسالة وإنما اشتملت كتبه الأخرى التي وصلت إلينا – وهي أحكام القرآن وجماع العلم والأم واختلاف الحديث وإبطال الاستحسان – على العديد من القضايا والمسائل الأصولية المهمة
٧ - كانت بداية معرفة المسلمين بعلم المنطق في عصر بني أمية لكن انتشاره الحقيقي كان في العصر العباسي وتحديدا في خلافة المأمون وقد أعجب بهذا العلم بعض من اطلع عليه من علماء المسلمين وكان له تأثير على علومهم ويأتي في مقدمة هؤلاء علماء الكلام لكن الثابت من سيرة الإمام الشافعي أنه لم يحفل بهذا العلم ولم يكن لانتشاره في عصره أي أثر في مؤلفاته الأصولية سواء من حيث المنهج أو الموضوع
٨ - شهد القرن الثالث ظهور عدد من أعلام الأصول – عدا الشافعي – ومن أبرزهم: الإمام أحمد وعيسى بن أبان والنظام وداود الظاهري وابنه أبو بكر وابن القاسم والقاشاني وغيرهم وقد صنف هؤلاء وغيرهم جملة من المصنفات في هذا العلم لم يصل إلينا شيء منها
٩ - كانت أبرز خصائص التأليف الأصولي في القرن الثالث كثرة المؤلفات في الموضوعات الجزئية وكون الهدف من أغلبها مناظرة الخصوم والرد عليهم واندماج الكتابة في الأصول مع الكتابة في الفقه في كثير من الأحيان وقلة الشروح والمختصرات
١٠ - تأثر الفكر الأصولي في هذا القرن بجملة من العوامل أهمها: ظهور الفرق الإسلامية المختلفة وتميز المذاهب الفقهية واستقلال كل منها بأصوله والنضج الفكري في كثير من العلوم الإسلامية وبخاصة علوم القرآن والسنة واللغة وانتشار علم المنطق وعناية بعض المسلمين به إضافة إلى الحالة السياسية والاجتماعية السائدة
١١ - شهد القرن الرابع ظهور عدد كبير من أعلام الأصول المتميزين ومن أبرزهم أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والكعبي وأبوالحسن الأشعري وأبو بكر الصيرفي والكرخي والقفال الكبير الشاشي وأبو عبد الله البصري وأبو بكر الجصاص وأبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار وقد خلف هؤلاء وغيرهم كما كبيرا من المصنفات في هذا العلم لم يصل إلينا منه إلا النزر اليسير
١٢ - برزت في هذا القرن طريقتان للتأليف الأصولي هما:
أ – طريقة المتكلمين التي تعنى بتقعيد القواعد اعتمادا على النظر والاستدلال ومن دون اعتبار مذهبي.
ب – طريقة الحنفية التي تعنى ببناء القواعد على الفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذهب.
وقد تميزت كل طريقة بخصائص معينة تخالف بها الطريقة الأخرى وصنف على كل واحدة جملة من المصنفات.
١٣ - شهد علم الأصول في هذا القرن نموا وتطورا شمل كافة جوانبه وتبرز مظاهر هذا التطور بشكل واضح في جوانب التأليف والموضوعات والحدود والاصطلاحات والمنهج والأسلوب
١٤ - تأثر الفكر الأصولي في القرن الرابع بعوامل عدة أهمها: انتشار المذاهب الفقهية وسد باب الاجتهاد وركون الناس إلى التقليد وشيوع التعصب وكثرة المناظرات وظهور علم الجدل وانتشار علم المنطق إضافة إلى الحالة السياسية والاجتماعية السائدة
١٥ - ظهرت في هذا القرن بعض العلوم ذات العلاقة بعلم أصول الفقه وأهمها علم القواعد الفقهية وعلم الخلاف وعلم آداب المفتي والمستفتي وصنف في هذه العلوم عدة مصنفات لم يصل إلينا منها إلا النزر اليسير
١٦ - لم تكن الآثار الأصولية في هذا القرن محصورة في كتب الأصول والمؤلفات ذات العلاقة به بل جرى بحث كثر من القضايا والمسائل الأصولية في ثنايا الكتب المصنفة في العلوم الإسلامية الأخرى وبخاصة كتب علم الكلام والتفسير والحديث والفقه
١٧ - أبرز ما وصل إلينا من مؤلفات الأصوليين في هذا القرن أصول الكرخي وأصول الشاشي وأصول الجصاص وأصول الفتيا للخشني ومقدمة ابن القصار وتهذيب الأجوبة لابن حامد والتقريب والإرشاد للباقلاني والعمد للقاضي عبد الجبار وقد تميز كل واحد من هذه الكتب عن غيره بجملة من الخصائص في منهجه وموضوعه تقدم بيان أهمها في ثنايا الدراسات التحليلية لهذه الكتب
١٨ - يعتبر كتاب " الفصول للجصاص " نموذجا للتأليف الأصولي المتكامل على طريقة الحنفية كما يعتبر كتابا " التقريب والإرشاد للباقلاني " و" العمد للقاضي عبد الجبار " نموذجين للتأليف الأصولي المتكامل على طريقة المتكلمين
هذه إجمالا – أبرز النتائج التي خرجت بها من بحث هذا الموضوع وهي تؤكد ما سبق أن ذكرته في المقدمة من الأهمية البالغة وتظهر مدى الحاجة إلى هذا النوع من البحوث حيث لا يخفى على المهتمين بهذا العلم افتقار المكتبة الأصولية إلى الدراسات المتخصصة في تاريخه وعليه فأوصي بتكثيف الدراسات والبحوث التي تعنى بالجوانب التاريخية والمنهجية لعلم الأصول من القرن الخامس وإلى يومنا هذا
وفي الختام أبتهل إلى المولى جل شأنه أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن يغفر لي ما حصل فيه من الزلل والخطأ إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 149
عموم البلوى - دراسة نظرية تطبيقية -
المؤلف/ المشرف: مسلم بن محمد الدوسري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: عموم البلوى
الخاتمة
الحمد لله الذي يسر لي أمر إتمام هذا البحث برغم ما عرض لي فيه من صعوبات، وما عن لي فيه من مشكلات هون أمرها، وأنار لي طريق التغلب عليها فضيلة شيخي الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الشعلان، المشرف على هذه الرسالة.
وفي ختام هذا البحث يمكن أن ألخص بعض ما توصلت إليه من نتائج فيما يأتي:
١ - عدم وجود تصريح بحقيقة عامة لعموم البلوى عند المتقدمين والمتأخرين على حدٍ سواء، وقد تأثرت حقيقة عموم البلوى الاصطلاحية بالموضوعات التي يرد عرضه فيها، سواء عند الأصوليين أو الفقهاء، فقد كان عرض الموضوع عند الأصوليين بصورة أكبر في مسألة (خبر الواحد)، وكان التصريح ببيان حقيقته بارزاً عندهم في هذا الموضع، وتأثر ذلك البيان بطبيعة بحث المسألة التي كان لعموم البلوى صلة بها، فكان تفسيرهم لحقيقة عموم البلوى مقتصراً على ما يفيد في إبراز صلة عموم البلوى بخبر الواحد، وهو بيان الاشتهار والانتشار لحكم الحادثة.
وكذا فقد كان لعرض الموضوع عند الفقهاء أثر بارز في بيانهم لحقيقة الموضوع؛ إذ كان تفسيرهم لحقيقته مقتصراً على ما يفيده هذا الموضوع من مشقة جالبة للتيسير.
٢ - من خلال النظر في عرض الأصوليين والفقهاء لموضوع عموم البلوى تم التوصل إلى حقيقة عامة لعموم البلوى، وهي أن عموم البلوى يعني شمول وقوعه الحادثة مع تعلق التكليف بها، بحيث يعسر احتراز المكلفين أو المكلف منها، أو استغناء المكلفين أو المكلف عن العمل بها إلا بمشقة زائدة تقتضي التيسير والتخفيف، أو يحتاج جمع المكلفين، أو كثير منهم إلى معرفة حكمها مما يقتضي كثرة السؤال عنه واشتهاره.
فيكون ما تعم به البلوى هو الحادثة التي تقع شاملة مع تعلق التكليف بها، بحيث يعسر احتراز المكلفين أو المكلف منها، أو استغناء المكلفين أو المكلف عن العمل بها إلا بمشقة زائدة تقتضي التيسير والتخفيف، أو يحتاج جميع المكلفين، أو كثير منهم إلى معرفة حكمها مما يقتضي كثرة السؤال عنه واشتهاره.
٣ - أن حقيقة عموم البلوى عند الفقهاء تشمل جهتين:
الأولى: عسر الاحتراز، وهذا في الغالب مختص بما يقع بغير اختيار من المكلف، وتكون الحادثة في هذه الجهة مطلوب دفعها.
الثانية: عسر الاستغناء، وهذا في الغالب مختص بما يقع باختيار من المكلف، وتكون الحادثة في هذه الجهة مطلوب جلبها والعمل بها.
وقد تبين أن العسر بمعنييه جزء من حقيقة عموم البلوى الاصطلاحية، ولذلك فلا داعي للتفريق بينهما فهو سب واحد للتيسير، وأن من فرق بينهما من العلماء من خلال العنوان كان قصده فيما ظهر لي إبراز هذا المعنى في عموم البلوى وتقريره.
٤ - أن عموم البلوى قائم على الوقوع العام للحادثة، سواء للمكلفين أو للمكلف، وكما أن التكليف مع ذلك العموم يورث مشقة على من ابتلي بملابسة هذه الحادثة، فيكون ذلك داعياً إلى التيسير، فكذلك يورث ذلك حاجة عامة إلى معرفة حكم الحادثة مما يدعو إلى السؤال عنه، ومن ثم اشتهاره وانتشاره.
إلا أن هذا التأثير في الاشتهار والانتشار لا يكون إلا في حال عموم وقوع الحادثة للمكلفين، دون ما إذا كان وقوعها للمكلف الواحد، فإن الحاجة إلى معرفة الحكم وإن كانت موجودة في هذه الحال إلا أنها ليست عامة حتى تؤثر في الاشتهار والانتشار للحكم.
стр. 150
٥ - أن الحكم بوجود عموم البلوى منضبط بوقوع أحد أسبابه العامة أو الخاصة، وهذه الأسباب يرجع تقديرها في الغالب إلى نص من الشارع من خلال الوقائع التي تعم بها البلوى، فإن لم يكن هناك نص فإنه يرجع في تقدير ذلك إلى العرف ومعتاد الناس، أو إلى تقريب المشقة الحاصلة في الحادثة التي تعم بها البلوى، وذلك بموازنتها بالمشاق المشابهة لها فيما اعتبره الشارع في جنسها، وهذا إنما هو في الغالب؛ إذ إن هناك بعض الأسباب التي يرجع تقدير مشقة عموم البلوى فيها إلى أمر خاص، كتقدير المكلف واجتهاده كما في الضرورة وكبر السن والمرض الذي لا يرجى برؤه، وفي حال المطر والثلج والوحل، أو بالاعتماد على قول أهل الخبرة كالأطباء، كما في حال كبر السن والمرض الذي لا يرجى برؤه.
٦ - أن بحث الأصوليين لعموم البلوى في بعض المسائل قد جاء بحسب طبيعة بحثه عند الفقهاء في الغالب، وهو كون عموم البلوى يمثل سبباً في التيسير، وذلك كما في صلة عموم البلوى بالقياس، والاستحسان، وسد الذرائع، مما يدل على شمول نظر الأصوليين لهذا الموضوع عند بحثهم له.
٧ - أن عموم البلوى يعتبر أكثر أسباب التيسير مساساً للتفريع الفقهي، وأثره لا يقتصر على قسم معين من أقسام الفقه دون غيره، بل هو في الغالب شامل لمجموع أقسام الفقه، وإن كان التصريح بالتعليل به قد كثر فيما يتعلق بأمور العبادات، خاصة فيما يتعلق بالطهارة وإزالة النجاسة، على أن التأمل في الفروع الفقهية يتضح منه شمول أثره لغير ذلك، ويتقرر هذا عند النظر في الفروع الفقهية التي جاء إيرادها في هذا البحث.
٨ - أن عموم البلوى يعتبر أحد الأمور التي يتم بها ضبط المشقة؛ إذ إن المشاق منها ما هو منضبط بأسباب معينة، وعموم البلوى يعتبر سبباً في التيسير باعتباره مظنة للمشقة، وإذا كان عموم البلوى منضبطاً بوقوع أحد أسبابه فالسعي في ضبطه حينئذ سعي في ضبط المشقة بصورة أعم.
٩ - أن اعتبار عموم البلوى سبباً في التيسير قد قامت عليه أدلة كثيرة من تصرفات الرسول ﷺ ، وتصرفات الصحابة والتابعين ﵃ تفيد كلها القطع باعتبار عموم البلوى سبباً في التيسير.
١٠ - أن اعتبار عموم البلوى سبباً في التيسير مقيد بشروط يلزم مراعاتها؛ ليتحقق ذلك الاعتبار، وفقد شرط منها مؤثر في إنعدام ذلك الاعتبار، ولذا ينبغي لمن أراد الترخص اعتبارا لعموم البلوى مراعاة هذه الشروط.
١١ - أن التكليف في حال عموم البلوى يعتبر من قبيل الضرر، ولذلك تلزم إزالته تبعاً لقاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، أو (الضرر يزال).
وإزالة الضرر هنا مقيدة بشرط ينبغي أن يراعى، وهذه الإزالة تتمثل في القول بعدم التكليف في حال عموم البلوى.
١٢ - أن عموم البلوى يعتبر من أسباب نشوء العادة والعرف، ولذا فإن العمل بما تعم به البلوى يحكم باعتباره من قبيل العادة المحكمة، وهذا التحكيم مقيد بشروط معينة.
١٣ - أن عموم البلوى كما يلاحظ من خلال التفريع الفقهي يعتبر من أعظم أسباب تغير الأحكام والفتاوى، وذلك بناء على اختلاف العمل بما تعم به البلوى باختلاف الأحوال، إلا أن هذا الاعتبار ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل سبق بيانه.
١٤ - كثرة تطبيقات عموم البلوى في هذا العصر، ودخوله في تعليل أحكام كثير من الوقائع تصريحاً أو ضمناً مما يؤكد أهمية هذا الموضوع.
стр. 151
ومن خلال النظر في كلام بعض العلماء والباحثين لتلك القضايا المستجدة نخلص إلى أن إطلاق التعليل بعموم البلوى، أو بأحد أسبابه لحكم قضية من تلك القضايا أمر غير سديد؛ إذ لا بد من التفصيل في أحكام كثير من القضايا، والنظر في مدى تحقق عموم البلوى في جميع حالات القضية وصورها، والتحقق من اعتبار عموم البلوى في هذه الحالة أو تلك، فكثيراً ما يؤثر اختلاف الأحوال والأشخاص في اختلاف الحكم بعموم البلوى.
ثم إن بعض تلك القضايا المستجدة كان واضحاً فيه مدى الاعتماد على عموم البلوى في إثبات حكم معين لها، وبعضها الآخر كان التعليل بعموم البلوى فيها على سبيل الاعتضاد.
ويمكن بعد ذلك أن أختم ببعض التوصيات:
١ – ضرورة اهتمام الباحثين بالتأصيل والتقعيد في القضايا الفقهية؛ للحاجة إلى ذلك في هذا العصر على وجه الخصوص، فبذلك تنضبط أحكام كثير من الجزئيات.
٢ – يعتبر تغير الفتاوى واختلاف الأحكام في الشريعة الإسلامية من الأمور البارزة في مجال التفريع الفقهي، ولا شك أن التأصيل والتقعيد لهذا الموضوع يحتاج إلى المزيد، وإن وجد فيه بعض الرسائل العلمية والكنايات القليلة التي تناولت بعض جوانبه.
وختاماً أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا البحث، وأن يجعله خالصاً لوجهه، وأن يجعله حجة لي يوم ألقاه، وحسبي فيه أني أعملت جهدي؛ لأصل إلى ما يغلب على ظني أنه الصواب والحق.
وينبغي أن يعلم أن هذا البحث جهد بشر لم يجعل الله له العصمة، فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأرجو من قارئه أن يغمر سيئات هذا البحث في حسناته، والله تعالى هو المستعان والمسئول على كل حال، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 152
فقه الأولويات دراسة في الضوابط
المؤلف/ المشرف: محمد الوكيلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي - أمريكا ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠١هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أولويات
الخاتمة
وأخيراً أعود مع القارئ الكريم لأقف معه وقفة إجمالية أستعرض فيها ما تضمنه البحث، وما يحسب صاحبه أنه حققه من نتائج فأقول:
كان أول مهمة عليَّ أن أقوم بها، هي تعريف مصطلح الأولويات، ثم تعريف الفقه بهذه الأولويات. خصوصاً وأنني لم أعثرـ فيما اطلعت عليه ـ على تعريف لهذا المصطلح أو للفقه الذي يهتم به. ما عدا تعريف الدكتور يوسف القرضاوي الذي ارتأى لي أنه غير دقيق.
وبعد أن حاولت تعريفه، انتقلت إلى إبراز أسباب ظهوره باعتباره فقهاً جديداً، وقد حددتها في سببين رئيسيين:
الأول: اختلال مراتب الأعمال الشرعية. وهي اختلالات ظهرت من قديم أوقعت الأمة في شرور ومفاسد. اكتفيت بذكر نماذج منها قديماً في مجال علم الكلام والتصوف والفقه وأصوله، وحديثاً في بعض ممارسات المسلمين العملية خصوصاً الدعوية منها.
والثاني: الضرورة الدعوية التي أرغمت الدُّعاة على إحياء سُنّة التدرج من جديد، بعدما وقفت عراقيل كثيرة في وجه التطبيق الكلي والسريع لأحكام الإسلام. وقد بينت أن منهج التدرج الأولوي، أمر ضروري كمنهج عمل في إعادة التمكين للإسلام لعدة أسباب.
وبعد أن أبرزت العوامل التي أفرزت هذا النوع من الفقه، ونبهت إلى أهميته في تقويم الاختلالات التي ظهرت في مراتب الأعمال الشرعية وأهميته كذلك في التقعيد لضوابط الترجيح عند التزاحم أو التدرج الدعوي، انتقلت إلى التأصيل الشرعي للأولويات. فبينت أن القرآن الكريم قد استعمل مادة "أولى" في أكثر من آية. وأن هذا الاستعمال، جاء موافقاً للاستعمال اللغوي لهذه الكلمة. كما بينت أن السُنّة النبوية استعملت هي الأخرى هذه المادة في أكثر من حديث. بعد ذلك أوضحت أن القرآن الكريم يوجه المسلم في كثير من آياته إلى ما هو أولى وأفضل سواء في عمله الديني أو الدنيوي. كما أشرت إلى أن أول من طولب منه فعل الأولى، هم الرسل عليهم الصلاة والسلام. مشيراً في نفس الوقت قضية وجوب فعل الأولى أو الأصلح على الله. وهي قضية عالجها علماء الكلام وانتصر لها بعضهم إلا أنني أكدت موقف أهل السُنة الذي لا يوجب على الله شيئاً. والذي يرى أن كل ما يفعله هو خير وصلاح وإن بدا فيه شر. ثم انتقلت إلى السُنّة لأثبت أنها هي الأخرى أكدت هذا الإرشاد نحو الأولى والأفضل. وقد وقفت فيها مع اختلاف أجوبته e عن أفضل الأعمال بختلاف أحوال السائلين. مستنتجاً من ذلك دليلاً آخر على مراعاته e
لمبدأ الأولويات. وبعد ذلك تناولت التدرُّج التشريعي والدعوي في القرآن والسُنّة كمستند آخر واضح الدلالة على شرعية الأولويات، سواء في طريقة نزول القرآن الكريم أو في تشريعه للأحكام أو في دعوته e. ثم انتقلت لإبراز نماذج من الأولويات في القرآن والسُنّة. إلا أنني لم أستقصِها وإنما أشرت فقط إلى بعضها. لأن الغرض ليس استقراء هذه الأولويات التي يمكن القول بأن استقراءها يشكل وحده بحثاً مستقلاً. وبعد أن تأكَّدَت بوضوح شرعية الأولويات، انتقلتُ إلى الطرق التي تُعرف بها. فبينت أن معرفتها تتم عن طريقين:
الأول: طريق نصِّي لا اجتهاد فيه. وهذه الأولويات المنصوصة منها ما تُدرَك علته ومنها ما لا يُدرك. وأن ما يُدرك منها هو الأغلب. مبرزاً في نفس الوقت بعض المرجِّحات التي على أساسها يرجِّح الشرع بعض الأعمال على الأخرى. وهي مرجِّحات مهمة ينبغي اعتبارها عند إرادة تقديم حكم أو فعل على آخر.
الثاني: طريق اجتهادي وقد حددت مجاله في منطقتين:
стр. 153
الأولى: منطقة النصوص والأدلة. نبهت فيه إلى أننا لسنا في حاجة كبيرة إليه وأنه لاقى حظاًّ كبيراً من الدراسة.
الثانية: منطقة الطاعة والامتثال وقسمت "الاجتهاد الأولوي" فيها إلى قسمين:
ـ اجتهاد في تقديم حكم على آخر في العمل الدعوي.
ـ اجتهاد في تقديم عمل على آخر عند التزاحم.
وهذا المجال هو الذي نحتاج إلى الاجتهاد فيه. لذا دعوته إلى الاهتمام بما سميته "فقه التزاحم".
بعد هذا ذكرت بعض المصادر التشريعية التي تعين على معرفة أولوية أحكام معينة. فتكلمت عن الأولوية القياسية والأولوية الاستحسانية ثم الأولوية المصلحية مدعماً كل نوع منها بكثير من الأمثلة.
وإلى هنا كنت قد قطعت الشوط الأول من البحث، فانتقلت إلى الشوط الثاني منه الذي خصصته للضوابط. وهي ضوابط أحسب أنها مهمة في تسهيل عملية الترجيح والتقديم لعمل علىآخر. وقد قسمتها إلى نوعين بعدما تبين لي أن موضوع الأولويات إنما يتصور في حالتين:
الأولى: حالة التدرج الدعوي والثانية حالة تزاحم الأحكام.
في الحالة الأولى ذكرت ضابطين أساسيين هما:
الفقه بمراتب الأحكام والفقه بالواقع.
في الضابط الأول حاولت أن أضع خريطة لمراتب الأحكام الشرعية. ولا أزعم أنني استوفيت الموضوع حقه بذكر كل المراتب لأن هذا العمل وحده يستحق هو الآخر أن يشكل بحثاً مستقلاً. لذا فإنني أشرت إلى نماذج منها لبيان أن الأحكام الشرعية، ليست علىدرجة واحدة، مما يستلزم استحضارها أثناء العمل الدعوي أو أثناء تزاحم الأحكام. أما في الضابط الثاني فبينت فيه أهمية فقه الواقع بمفهومه الواسع في تحديد الأولويات إلى جانب الفقه بمراتب الأحكام. وجزَّأت هذا الضابط إلى محدِّدات هي:
ـ المحدِّد الظرفي الشخصي الذي يتعلق بأحوال كل شخص.
ـ المحدِّد الظرفي الواقعي الذي يتحرك فيه الداعية.
ـ والمحدِّد الإمكاني الفردي أو الجماعي.
ولتأكيد أهمية هذه الضوابط في تحديد الأسبقيات الشرعية، أرفقتها ببعض النماذج من فروض العصر وأولوياته المتفق عليها والمختلف فيها.
أما في الحالة الثانية، وهي حالة تزاحم الأحكام، فقد حاولت أن أذكر أكبر عدد ممكن من الضوابط. وفعلاً تمكنت من ذكر اثنين وعشرين ضابطاً. ورغم ذلك فلا أزعم أنني استوفيتها. ولكن يمكن القول بكل ثقة أنني ذكرت معظمها وأهمها. وهي ضوابط مهمة جداً في معرفة ما ينبغي أن يقدّم، خصوصاً وأننا نعيش في عصر كثرت فيه التزاحمات بين المصالح والمفاسد أو بين الحلال والحرام.
هذه خلاصة مجملة وشريعة لأهم خطوات البحث. ويمكن إجمال أهم ما اهتدّى إليه فيما يلي:
١ـ إبراز أهمية فقه الأولويات في تحركاتنا الدعوية. إذ إغفاله يضر بالدعوة ويعرقل نموها.
٢ـ وضع ضوابط يستنير بها المسلم في معرفة الحكم الأولى بالتقديم عند تزاحم الأحكام في عالم الامتثال.
٣ـ تحديد الضوابط التي تعطي أحقية السبق لنوع من الأحكام على آخر في العمل الدعوي.
٤ـ التذكير بالمراتب الشرعية للأعمال وأهميتها في تغيير المنكر والأمر بالمعروف من جهة وفي توحيد اهتمامات الدعاة ومناهجهم من جهة ثانية.
٥ـ التنبيه إلى خطورة الاشتغال بالأمور الجزئية الهامشية على حساب القضايا الجوهرية التي ينبغي أن تحتل صدارة أولوياتنا.
٦ـ التنبيه إلى المفاسد والشرور التي ابتُليت بها الأُمة وما زالت تُبتلى بها، بسبب غياب فقه الأولويات.
وفي الختام فهذه محاولة بذلت فيها ما أمكن من الوسع والجهد، وهي قطعاً لا تخلو من الزلاَّت والعثرات. فهي بداية والبداية لا تكتمل إلا بما يرفقها من تكميلات. فأسأل الله سبحانه أن يوفقني إلى إكمالها أو يوفق غيري إلى ذلك, وهو الهادي إلى سواء السبيل.
كان الانتهاء من تحريره بعون الله وتوفيقه يوم الأحد مساء ٢٣ رجب الفرد ١٤١٣هـ الموافق ١٧ كانون الثاني/ يناير ١٩٩٣م.
стр. 154
فقه الضرورة وتطبيقاته المعاصرة - آفاق وأبعاد
المؤلف/ المشرف: عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: البنك الإسلامي للتنمية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: ضرورات وضرر
خاتمة البحث
كشف البحث في جانبيه: النظري، والتطبيقي: أن فقه الضرورة ثمرة مصدرين متنوعين من مصادر التشريع الإسلامي، ونتائج عنصرين متقابلين: النقلي بخصائصه، وحكمه التشريعي، والعقلي بمنطقه، وتأملاته.
كما أثبت آفاقه البعيدة في جميع المجالات، وآثاره الشرعية في كافة الموضوعات والحقوق الفقهية في الشريعة الإسلامية التعبدية منها، وغير التعبدية، مهما تباعد الزمان والمكان.
وأن الفقه الإسلامي لا يتوقف على المنقول فحسب بل يعتمد المعقول غير المنقول، يقول العلامة ابن القيم – ﵀:
"فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان، فتم شرع الله، ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته، وأماراته في نوع واحد، وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه، وأدل وأظهر. بل بين بما شرعه من الطرق: أن مقصوده إقامة الحق والعدل، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق، ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها، ومقتضاها، والطرق أسباب، ووسائل لا تراد لذاتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها، وأمثالها، ولن تجد طريقاً من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعه، وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟
ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها، وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلاً فهي من الشرع".
ومن المسلم به في الفقه الإسلامي أن أحكام الشرع مراعى فيها مصالح العباد، فضلاً عن الله، لا وجوباً عليه، وفقه الضرورة أحد دعائم العدل في الشريعة الإسلامية فيما بين الله، وبين العبد، وفيما بين العبد، والآخرين من بني الإنسان، وقد تجلت فيه عدالة الإسلام، ووضحت من خلاله مقاصد الشرع، وكملت به محاسنه.
ولا أدل على هذا من الآية الكريمة التي بدأها المولى بقوله جل وعلا: ﴿ ..... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا .... ﴾، (المائدة آية ٣) فهي عنوان لواقع ملموس وحقيقة مشاهدة، وبرغم هذا فقد دلل على هذا الكمال والتمام لشرعه اعتبار الضرورة في أحوال العباد، برهاناً واضحاً على استكمال جوانبه الظاهرة، والخفية، فقال بعد ذلك مباشرة: ﴿ .... فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة آية: ٣).
هذه إشارة مقصودة إلى أن من ينشد الكمال في التشريع فهو في الإسلام ومن ينشده، ويبحث عنه في التشريع الإسلامي فإن (الضرورة) أصولاً وفقهاً أحد معالمه البارزة، وأدلته البينة. وقد استرعى هذا المعنى انتباه الفقهاء قديماً، فوجدت (الضرورة) مجالاً فسيحاً في علوم ثلاثة من العلوم الإسلامية:
أصول الفقه، الفقه، القواعد الفقهية؛ لتؤدي وظائف مختلفة، ونتائج متنوعة، فهي للحجة والاستنباط في أصول الفقه والتفريع في الفقه أحكاماً، وشرائع للعمل، والتطبيق، وفي علم القواعد الفقهية يتذكر بها المفتي ما لا يحصي من التفريعات ويستأنس بها القاضي في الأحكام.
стр. 155
وجد النبغة من الأئمة، والفقهاء أمثال الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم من المجتهدين وأتباعهم عبر القرون، والأجيال – في فقه الضرورة حلاً لكل معضلة، وبلسماً لكل مشكلة قديمة أو طارئة، يقررون في ضوئها أحكام الشريعة، مستوحين سماحتها ويسرها، متوخين وسطيتها وعدلها، في غير تهاون، أو استرخاء أو تشدد، أو تزمت.
وكلما تقدم الزمن، وتطورت الحياة حضارياً لا يزيد هذا أو ذاك الشريعة الإسلامية إلا أصالة وثباتاً.
وتتجلى المعجزة التشريعية في الفقه الإسلامي في العصر الحديث حيث تتعدد الأطروحات وتتنوع القضايا التي تحمل الكثير في طياتها من تحديات، وانحراف في الممارسات، وغرائب الاكتشافات فتتصدى لها المحافل الفقهية، باجتهاد جماعي من فقهاء العصر، تتجلى فيه الأمانة والانضباط والسمو، والارتفاع، وكان ولا يزال لفقه الضرورة في مجال اجتهاداتهم النصب الأوفى، في كافة المجالات، وبخاصة المجالات العملية التطبيقية دون عجز، أو تخاذل، مما أثبت ويثبت غناء الشريعة، وكفاءتها التشريعية، في عصر تعددت أسماؤه لتنوع مخترعاته وإنجازاته.
والتطبيقات المعاصرة لفقه الضرورة مما جرى عرضه في ثنايا هذا البحث يمثل جانباً من الاجتهاد الجماعي لفقهاء العصر، في كافة القضايا والمستجدات العصرية من خلال المجامع الفقهية والهيئات الشرعية.
تقدم الدليل تلو الدليل على واقعية مثالية في معالجة ما تتطلبه مقتضيات هذا العصر، وصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، والله يهدي إلى الحق وإلى طريق المستقيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
стр. 156
فقه الممكن على ضوء قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) دراسة تبحث في قواعد التكاليف الشرعية ضمن القدرة والاستطاعة
المؤلف/ المشرف: ناجي إبراهيم السويد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية
الخاتمة:
إن التكليف الشرعي يبدأ مع المكلف من بلوغه ويتنوع حجم التكليف بحال المكلف ما بين الأشد أو الأخف أو الإلغاء.
ويعتبر هذا الأمر معقدا لكثرة تفريعاته ولنتائج عدة، وإذا كان بهذه الصورة كان لابد من تبيانه لوجود إظهار الحكم في القضية والمكلف، ولجعله في دائرة الطاعة والالتزام.
وهذا ما توصلت إليه من هذه الدراسة إلى النتائج التالية:
- وجود مبتكرات ومصطلحات جديدة مستنبطة في الفقه الإسلامي هي بمثابة حلول للفرد والأمة.
- القواعد الفقهية خلاصة نتائج الفقيه، وهي من أسس البحث والاجتهاد.
- إن خطاب المكلف يكون بالممكن، وأنه يكلف المتمكن، أي أن الحجة تقوم على المكلف بحسب حاله، فلا يكلف فوق طاقته أو أن يضيق عليه، فالأمر إذا ضاق اتسع.
- إن صور التمكين وخطاب الممكن متنوع، وبصور كثيرة، فيشمل مواقع المكلف في الحياة كافة.
- إن الالتفات إلى مبادئ التكليف بالنسبة للمكلف لها أسس تتمحور حول استطاعة المكلف وقدرته وبالنظر إلى ظروفه الضرورية والحاجية ومدى المشقة التي سوف يتحملها أو الرخصة التي ينالها.
- إن خطاب المكلف بالممكن ينطبق في الأحكام كافة على مستوى العبادات أو المعاملات أو أحكام الأسرة أو أحكام السير ... فالعبادات ذات خصوصية لها استثناءات عدة مرتبطة بالقدرة وكذلك الأمر بالنسبة للمعاملات ...
- إن الخطاب المكلف بالممكن له توابع وارتباط مع ما يلزم من أمور، فتوابعه تشمل المكلف بالنسبة إلى إزالة الضرر بالتخفيف أو إسقاط التكليف عنه في حالة المرض، فالمرض بحالاته المتنوعة مدعاة للتخفيف أو الإسقاط في مجال الأحكام كافة.
- إسقاط الأحكام بالكلية عند عدم العقل لعدم العقل لعدم ثبوت الأهلية لدى المكلف، وهذا الأمر يستوجب عكسه في صور خاصة وكذلك الأمر بالنسبة إلى حالة التوسط بينهما.
- التخفيف عن المكلف في حالات خاصة مؤقتة كالنوم والإغماء ... أو في حالة الضعف الحكمي كالرق.
- إسقاط القصاص والعقوبة دون إسقاط العوض وهذا من مدعاة التخفيف في حالة الخطأ.
- التخفيف الجزئي لا الكلي بالنظر في أحوال المكلف إن ارتبط بطارئ كالسفر ...
- سقوط الخطاب، بصورة خاصة، - وهذا محل خلاف لدى العلماء – إن تعلق بالإكراه.
- العلم شرط من شروط التكليف ويترتب على عدمه نفي الحجة على المكلف وهذا تكليف فوق الطاقة.
- منع الضرر عن المكلف، برفعه أو إلغائه، ومن صوره: التوبة، والكفارة ... أو بالتسهيل عليه في قبول الأحكام ضمن الأمور المعقولة.
- مراعاة خصوصية الزمان والمكان لارتباطها بالأحكام الشرعية.
- الاختيار الأسهل والأهون والأضبط في عملية الموازنة بين المصلحة والمفسدة.
- اللحوق بركب العلم والتطور، والاستفادة التامة والوافية منه، لأن نتائج العلم في غالبها قطعية مما يؤدي إلى حل وحسم الخلافات والمعضلات وإلغاء الفوضى ونبذها، والوصول إلى الحق والحقيقة، وتحمل المسؤولية.
- اختصار الوقت والاستفادة من التجاوب وعدم الإسراف، والتخفيف من الكلفة بحيث يحقق المكلف ما هو الأنفع له والأجدى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 157
فقه الموازنات في باب المصالح والمفاسد"دراسة أصولية فقهية تطبيقية "
المؤلف/ المشرف: جبريل بن محمد بن حسن البصيلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار هجر -أبها ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: موازنات
الخاتمة
من خلال رحلة ومعايشة مع هذا الموضوع الكبير، ذي الفوائد الكثيرة، والأهمية البالغة، توصلت إلى النتائج والتوصيات الآتية:
١ - أهمية هذا الموضوع، وعظم الحاجة إليه في كل زمان ومكان، وحال، ولاسيما في هذا العصر حيث زيادة المستجدات، وكثرة الوقائع المحدثات، وتداخل المصالح والمفاسد وتجاذبها في أكثر الأمور والوقائع، وحياة الناس، فنادراً جداً أن تتمحض مصلحة خالصة أو مفسدة خالصة؛ ولأن مدار الشرع والواقع على المصالح والمفاسد، فما من مسألة صغيرة أو كبيرة إلا وهي مبنية على المصالح والمفاسد.
٢ - هذا الموضوع مدار الاجتهاد، وقطب رحاه، ولحتمه وسداه، بل ليس للاجتهاد وظيفة ومهمة سواه.
٣ - يحقق هذا الموضوع كمال الشريعة وشمولها لحياة الناس، ورعايتها لمصالحهم، وحفظها لحقوقهم، ومسايرتهم لمستجداتهم، وتغطيتها لحاجتهم.
٤ - عناية الشريعة بمصدريها – الوحيين – بهذا الموضوع كبيرة جداً، ففي ثنايا نصوصها، وحفظها لحقوقهم، ومسايرتها لمستجداتهم، وتغطيتها لحاجتهم.
٥ - رعاية العلماء لهذا الموضوع، وعنايتهم الفائقة به، فقد وضعوا له الضوابط، ورسموا المنهج وأسسوا القواعد، وبنوا عليه فتاواهم وأقضيتهم وأحكامهم، وسائر تصرفاتهم. غير أن ذلك في نصوص متفرقات، وجزئيات متشتتات، وليس في كتب وأبواب مجتمعات تضم جزئياته المتفرقات.
٦ - تجدد هذا الموضوع على مر الأوقات لارتباطه الوثيق بالمستجدات، والوقائع المحدثات، وتطوره بتطور حياة الناس، ولذلك فهو يحتاج إلى دراسات متتابعة في جوانبه التطبيقية.
٧ - صعوبة هذا الموضوع في الجانب التطبيقي، ولذلك فهو يحتاج إلى علم راسخ، وملكة فقهية، ونظرة فاحصة، وشاملة، تتصف بالعمق والدقة؛ إذ هو موازنة بين أمور متعارضة، ونظر في جوانب متنوعة، وتعامل مع أحوال متداخلة، وتمييز بين أشياء متشابهة مجتمعة.
٨ - إن الأخطاء جميعها سوءا كانت في الأقوال أم في الأفعال، أم في الأحكام، أم في غير ذلك من سائر التصرفات عائدة إلى الخطأ في الجانب التطبيقي لهذا الموضوع، سواء كان الخطأ في تقدير المصلحة، أم في تقدير المفسدة، وذلك عند انفراد كل منهما، أم في تقدير الراجح عند التزاحم والتعارض، وهو أكثر وغالب. وسواء كان الخطأ ناتجاً عن جهل أم عن هوى، أم عن قصور في التقدير والنظر.
٩ - جزئيات هذا البحث قواعده، وضوابطه هي محل اتفاق بين العلماء نظرياً، تقعيداً وتفريعاً، وإنما يقع الخطأ في جانبه التطبيقي من حيث تقدير المصلحة والمفسدة عند الانفراد، أو تقدير الراجح عند التزاحم والتعارض.
стр. 158
قاعدة اليقين لا يزول بالشك دراسة نظرية تأصيلية وتطبيقية
المؤلف/ المشرف: يعقوب بن عبدالوهاب الباحسين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية
الخاتمة
وبعد ما تقدم من عرض لقاعدة (اليقين لا يزول بالشك)، والضوابط التي تعين على فهمها، وتطبيقها على الفروع الفقهية، بتخريج أحكامها عليها، فإنه من المفيد، والمتمم لذلك، أن نذكر ما قيل بشأن صلاحية القواعد والضوابط الفقهية للدليلية، وبناء الأحكام عليها تخريجا واستنباطا بوجه عام، وما قيل في هذه القاعدة بوجه خاص.
لقد تكلم عدد ممن كتبوا في القواعد الفقهية، أو حققوا بعض الكتب المؤلفة فيها، من العلماء المعاصرين عن ذلك، وتكاد آراؤهم تتفق على أن القواعد الفقهية لا تصلح أن تكون دليلا يستند إليه في استنباط الأحكام الشرعية، إلا إذا كان أصلها دليلا معتدا به من كتاب أو سنة أو غيرهما.
وقد تكلم من هم أسبق عصرا من هؤلاء عن هذه القضية، وكانت لهم آراء مختلفة، منها ما يستفاد منه الاعتداد بهذه القواعد وبناء الأحكام عليها، ومنها ما يرفض مثل ذلك.
فممن بنى بعض أحكامه أو ترجيحاته عليها، أبو العباس القرافي (ت ٦٨٤هـ)، الذي رد فتاوى من لم يوقع الطلاق في مسائل الدور، التي منها قول القائل لزوجته: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا. وقال بنقض قضاء من حكم ببقاء الزوجية وعدم إيقاعه للطلاق، وعلل ذلك بمخالفة قاعدة الشرط التي هي صحة اجتماعه مع المشروط.
قال: (لو قضى باستمرار عصمة من لزمه الطلاق بناء على المسألة السريجية، نقضناه لكونه على خلاف قاعدة إن الشرط قاعدته صحة اجتماعه مع المشروط، وشرط السريجية لا يجتمع مع مشروطه أبدا، فإن تقدم الثلاث لا يجتمع مع لزوم الطلاق بعدها) ومعنى ذلك إلغاء الشرط غير الصحيح في إيقاع الطلاق الذي أوقعه بعد ذلك.
وقد ينازع في أن هذه القاعدة هي من قواعد الفقه، وإنما هي ألصق بالقواعد الأصولية. وفي شرح الكوكب المنير نص على أن القواعد الكلية الكبرى (ليست بأدلة، ولكن ثبت مضمونها بالدليل، وصار يقضي بها في جزئياتها، كأنها دليل على ذلك الجزئي).
وممن نقل عنه عدم الاحتجاج بالقواعد الفقهية ابن نجيم (ت ٩٧٠هـ)، إذ نسب له الحموي (ت ١٠٩٨هـ) في غمز عيون البصائر أنه صرح في الفوائد الزينية: (أنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط، لأنها ليست كلية، بل أغلبية، خصوصا وهي لم تثبت عن الإمام، بل استخرجها المشايخ من كلامه).
وذكر واضعو مجلة الأحكام العدلية في المقدمة التي كتبوها لها، (إن المقالة الثانية من المقدمة هي عبارة عن القواعد التي جمعها ابن نجيم (ت ٩٧٠هـ)، ومن سلك مسلكه من الفقهاء – رحمهم الله تعالى – نعم ليس لحكام الشرع الشريف أن يحكموا لمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد، ما لم يقفوا على نص صريح.
وعلل الشيخ مصطفى الزرقا وجه عدم دليلية القواعد الفقهية، وحدها، على الأحكام الشرعية، بأنها أحكام أغلبية غير مطردة، وأنها (إنما تصور الفكرة الفقهية المبدئية التي تعبر عن المنهاج القياسي العام في حلول القضايا وترتيب أحكامها، والقياس كثيرا ما ينخرم، ويعدل عنه في بعض المسائل إلى حلول استحسانية استثنائية لمقتضيات خاصة من تلك المسائل .. ولذلك كانت تلك القواعد الفقهية. قلما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنها ..
ومن ثم لم تسوغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد إلى شيء من هذه القواعد الكلية فقط، دون نص آخر خاص، أو عام يشمل بعمومه الحادثة المقضي فيها؛ لأن تلك القواعد الكلية، على ما لها من قيمة واعتبار، هي كثيرة المستثنيات، فهي دساتير للتفقه، لا نصوص للقضاء).
стр. 159
ومن الملاحظ أن أهم ما استندت إليه هذه الآراء، هو كون هذه القواعد أغلبية، وأن المستثنيات فيها كثيرة، وأنه من المحتمل أن يكون الفرع المراد إلحاقه بها، مما يشمله الاستثناء. وهذا الاحتمال صحيح، وهو متحقق في كل القواعد الاستقرائية، لكنه لا يبطل الاستدلال بها، لاسيما في الأحكام الفرعية الفقهية.
والظاهر من أقوال من نفوا ذلك مطلقا أنهم لم يفرقوا بين القواعد، ونظروا إليها جميعا بمنظار واحد، وأدخلوا ضمن فهمهم لها الضوابط الفقهية المحدودة النطاق أيضا، الأمر الذي كان له أثر واضح في حكمهم الرافض للاحتجاج بالقواعد، وجعلها قاعدة استنباط.
ومن الغريب أن بعضهم، كابن دقيق العيد (ت ٧٠٢هـ)، بالغ في ذلك، وادعى عدم جواز استنباط أحكام الفروع حتى من قواعد أصول الفقه.
على أنه مهما يكن من أمر، فإن لقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مزية خاصة تقتضي أن يكون لها حكم تتميز به عن كثير من القواعد. والذي يترجح لدينا أنها صالحة لتكون من قواعد الاستنباط، عند عدم وجود نص يتناول المسألة المجهول حكمها، كما أنها صالحة لتعليل كثير من الأحكام التي تدخل في نطاقها، ولترجيح بعض الأحكام على بعض. والذي دعانا إلى ذلك عدد من الأمور، منها:
١ – أن هذه القاعدة قد استندت، كما ذكرنا في الاستدلال لها، إلى طائفة من الأدلة الشرعية، كالكتاب، والسنة، والإجماع، وأدلة العقل. وعلى هذا فهي تكتسب قوتها من الأدلة المذكورة. والثابت بها ثابت بهذه الأدلة بطريق غير مباشر. وأكثر من منعوا جعل القواعد الفقهية أدلة، استثنوا ما هو من طراز هذه القاعدة المستندة إلى الأدلة الشرعية.
ومن الملاحظ، أيضا، أن الأدلة لم تقم على عنوان القاعدة وحده، بل إن كثيرا من الأصول، المتفرعة عنها، مما قامت على صحته، وبناء الأحكام عليه الأدلة الشرعية.
٢ – إن ما يثار من موضوع المستثنيات، بينا أنه لا يقدح في كلية القاعدة، من وجوه عدة. ومن أهم هذه الوجوه أن العلماء – ﵏ – حينما تكلموا عن هذه القواعد لم يتطرقوا إلى أركانها وشروطها – عدا ما أوردوه بشأن العرف والعادة – ليعلم ما إذا كان ما يذكرونه من المستثنيات، هو مما فقد بعض تلك الشروط، أو أنه من مستثنيات القاعدة بالفعل. ثم إن ما ذكر من مستثنيات بشأن القاعدة موضوع البحث، يعد قليلا، إذا قيس بالكم الهائل من الفروع التي تدخل في نطاقها.
٣ – إنّ هذه القاعدة دخل في إطارها عدد كبير من القواعد والأدلة الأصولية، كالأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم، وكالاستصحاب، ودلالات الألفاظ وما هو المتيقن فيها. وقد نبه الزركشي (ت ٧٩٤هـ) إلى ذلك، فذكر أن هذه القاعدة لا تختص بالفقه (بل تجري في أصوله، ويمكن رجوع غالب مسائل الفقه إلى هذه القاعدة إما بنفسها أو بدليلها؛ ولأجل هذه القاعدة كان الاستصحاب حجة، ولم يكن على المانع في المناظرة دليل .. ). وكرر هذا المعنى شارح الكوكب المنير، أيضا.
وعلى هذا فإن منع بناء الأحكام عليها، ورفض جعلها من مصادر الاستنباط مخالف لما تقتضيه قواعد أصول الفقه، وموقفهم منها.
٤ – إنّ واقع ما هو موجود في كتب الفقه يعزز دليلية القاعدة، فقد استدل بها العلماء في أكثر أبواب الفقه، ورجحوا بها الأحكام، والأصول المتعارضة التي تتنازع طائفة من الجزئيات.
٥ – ونجد أن عددا من شراح مجلة الأحكام العدلية، ذكروا أن منع اتخاذ القواعد مدارا للحكم والفتوى إنما هو للمقلد. قال الأتاسي (ت ١٣٢٦هـ) في شرحه للمجلة، بشأن الاستئناس بالقواعد، (أي يتنور بها المقلد، ولا يتخذها مدارا للفتوى والحكم، فلعل بعضا من حوادث الفتوى خرجت عن اطرادها بقيد زائد، أو لأحد الأسباب المتقدم ذكرها. وهذا يحتاج إلى نظر دقيق، وتبحر عميق يجري تلك القواعد في مشتملاتها الحقيقية، ويستثنى منها ما خرج عنها بقيد أو سبب من الأسباب المارة).
ولهذا فإن مثل هذا الحكم لا ينطبق على المجتهدين القادرين على استنباط الأحكام، أو تخريجها على أصولها. ومن الملاحظ أن شارح الكوكب المنير الذي نقلنا نصه النافي لدليلية القواعد الكبرى، فيما سبق، يذكر أن هذه القواعد يقضي بها في جزئياتها، كأنها دليل على ذلك الجزئي. ولا ندري كيف لا تكون دليلا، إذا كان يقضى بها في جزئياتها؟ نعم ربما أراد أنها ليست بدليل مباشر، ولكنا دليل بالواسطة، فإن كان أراد ذلك لم تنتف عنها الدليلية أيضا. ولعل تعليل البناني (ت ١١٩٨هـ) لذكر القواعد الكبرى في خاتمة الأدلة في جمع الجوامع بقوله: (إنها تشبه الأدلة، فناسب كونها خاتمة لبحث الأدلة) يجري في هذا المجال.
والذي يظهر – والله أعلم – أن ذكر ابن السبكي (ت ٧٧١هـ) لها في خاتمة الأدلة، إيماء منه بصلاحيتها للدليلية والترجيح.
стр. 160
قوادح الاستدلال بالإجماع – الاعتراضات الواردة على الاستدلال بالدليل من الإجماع والجواب عنها
المؤلف/ المشرف: سعد بن ناصر الشثري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار كنوز أشبيليا – الرياض ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: إجماع
الخاتمة:
خلاصة البحث:
خلاصته أن هناك اعتراضات يُعترض بها عند الاستدلال بالإجماع، بعضها صحيح وبعضها فاسد، وعلى هذه الاعتراضات أجوبة قد تزيل وتبعد هذه الاعتراضات، فالمقصود من هذه الاعتراضات منع تمسك المستدل بالدليل من الإجماع به.
أهم نتائج البحث:
أ- بيان معنى الإجماع والاعتراضات في التمهيد؛ ليكون بمثابة التوطئة والتمهيد للدخول في صلب الموضوع.
ب- أن الاعتراضات الواردة على الاستدلال بالدليل من الإجماع كثيرة جداً، وتختلف جهة ورودها على هذا الدليل؛ إما من جهة ذاته، أو حجيته، أو مستنده، أو المخالفة فيه، أو صفته، أو سنده، أو وجه الاستدلال به، أو المعارضة له، وقد حاولتُ في هذا البحث أن أتتبَّع هذه الاعتراضات؛ فجزَّأتُ مادة البحث على أبوابه تبعاً لذلك، وبحثت كل مسألة على حسب ما تقتضيه طبيعة الموضوع.
ج- بيان المقصود من هذه الاعتراضات بياناً شافياً واضحاً.
د- توضيح موقف المعترض في كل اعتراض.
هـ- ذكر جواب المستدل عند كل اعتراض يوجه له، ولم أكتف في بحث هذا الجانب بذكر منهج المستدل في الجواب؛ بل أذكر الجواب نفسه وأفصل في ذلك، وقد اعتمدت في تغطية هذه الناحية على كتب أصول الفقه المعتمدة في كل مذهب.
وجعلت للنواحي التطبيقية نصيباً وافراً من هذا البحث؛ فذكرت بعد كل اعتراض جملة من المسائل التطبيقية من واقع كتب الفقه، وقد بذلت في سبيل ذلك جهوداً كبيرة؛ فتصفَّحت معظم كتاب المغني لابن قدامة؛ لكي أستخرج أمثلة على الاعتراضات الواردة على الاستدلال بالدليل من الإجماع.
стр. 161
قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: مصطفى بن كرامه الله مخدوم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار إشبيليا للنشر والتوزيع ̈الأولى
سنة الطبع: ١٩٩٩م
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية
الخاتمة
وبعد هذه الجولة في قواعد الوسائل وأحكامها أود أن أذكر خلاصة البحث وأهم نتائجه على سبيل الإيجاز:
١ـ أن مصطلح "الوسائل" له معنيان عند العلماء، أحدهما عام، والآخر خاص. أما المعنى العام، فهو: "الأفعال التي يتوصل بها إلى تحقيق المقاصد"، وأما المعنى الخاص فهو: "الأفعال التي لا تقصد لذاتها لعدم تضمنها المصلحة أو المفسدة، ولكنها تقصد للتوصل بها إلى أفعال أخرى هي المتضمنة للمصلحة أو المفسدة والمؤدية إليها".
٢ـ أن الفعل قد يكون مقصداً باعتبار، ووسيلة باعتبار آخر.
٣ـ أن التوابع داخلة في معنى الوسائل وراجعة إليه.
٤ـ أن قواعد الوسائل وأحكامها العامة مبثوثة في نصوص الكتاب والسنة وفتاوى السلف الصالح، ولكنها لم تظهر بشكل قواعد علمية محددة لها صياغة معينة إلا عن طريق التدرج عبر العصور.
ويعد القرنان السابع والثامن أهم القرون التي خدمت فيها قواعد الوسائل، وتبلورت بصورتها الأخيرة على يد العز بن عبدالسلام والقرافي والمقري والشاطبي وابن تيمية.
٥ـ أن الأفعال التي تعد من باب المقاصد أشرف وأهم من الأفعال التي تعد من باب الوسائل، لأن المقاصد مطلوبة لذاتها، والوسائل لم تطلب إلا من أجل التوصل بها إلى مقاصد.
وتميزُ الوسائل ببعض الصفات لا يستلزم أفضليتها على المقاصد.
٦ـ أن الغالب على المقاصد والوسائل التعدد، بمعنى أن الوسيلة المعينة تكون لها ـ غالباً ـ مقاصد متعددة، وكذلك المقصد المعين تكون له غالباً وسائل متعددة.
وأما الانحصار الذي يعرض للوسائل في بعض الأزمنة والأمكنة فليس من جهة أن الوسائل كذلك في أصل الوجود والتشريع، ولكن لظروف خارجية.
٧ـ أن كون الفعل المعين وسيلة يعرف بطرق، منها: النص والعقل والتجربة والعادة، وأما حكم الوسائل فلا يعرف إلا من جهة الشرع، ولا دخل للعقل والتجربة في ذلك.
٨ـ أن الوسائل تتفاضل فيما بينها تفاضلاً عظيماً، وهذا التفاضل ينبني على أمور معينة، منها:
أـ مكانة المقاصد لكل وسيلة.
ب ـ مدى قوة أداء الوسيلة إلى المقصود.
ج ـ المشقة والسهولة.
د ـ النص على الوسيلة وعدمه.
هـ ـ الاتفاق على حكم الوسيلة وعدمه.
٩ـ أن الأصل مباشرة كل الوسائل المشروعة المؤدية إلى تحقيق المقاصد الشرعية، فإن لم يمكن فتقدم الوسيلة الفاضلة على المفضولة بحسب معايير الترجيح التي سبق ذكرها.
١٠ـ أن الفقيه لا يستغني بقواعد الوسائل الكلية عن النظر التفصيلي في حكم كل وسيلة، وما يتعلق بها من النصوص والأدلة.
١١ـ أن الأصلح من الوسائل قد تدخله النسبية، فيختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأزمان.
١٢ـ أن الترجيح بين الوسائل المشروعة لمعرفة الأفضل مجال يدخله النظر والاجتهاد، ولا تثريب فيه على المخالف باجتهاد.
١٣ـ ضرورة التفريق بين الأفعال التي هي من باب العبادات ـ وهي مما يطلق عليها اسم الوسائل بالمعنى العام ـ وبين الأفعال التي هي من باب العادات والمعاملات، وذلك لما يترتب على التفريق من أحكام كالتوقيف وعدمه.
١٤ـ أن الشرائع متفقة على أصول المقاصد والوسائل، وبينها خلاف في بعض الجزئيات والوسائل، وأن هذا الخلاف مبناه على اختلاف المصالح.
١٥ـ أن الخلاف في باب الوسائل له في الغالب أسباب مقبولة شرعاً تجعل من الخلاف فيه أمراً سائغاً لا مفر منه، وذلك ما دامت الوسيلة ليس فيها دليل قاطع.
ومن تلك الأسباب:
أـ الاختلاف في تحديد المقصود من الوسيلة.
ب ـ الاختلاف في كون الفعل مقصداً أو وسيلة.
ج ـ تردد الوسيلة بين المصلحة والمفسدة.
стр. 162
د ـ الاختلاف في مدى أداء الوسيلة إلى المقصود.
هـ ـ الاختلاف في تحديد الأصلح من الوسائل المشروعة.
وـ الاختلاف في مراعاة المقصود أو النظر إلى مجرد حكم الوسيلة.
زـ الاختلاف في كون الوسيلة من باب العبادات أو العادات.
ح ـ تعارض الأدلة في حكم الوسيلة.
ط ـ اشتمال الوسيلة على وصف ممنوع شرعاً أو عدمه.
ي ـ الاختلاف في حجية بعض القواعد الأصولية والفقهية التي ينبني عليها حكم الوسيلة.
١٦ـ ضرورة الرجوع ـ عند معرفة حكم الوسيلةـ إلى القواعد الشرعية العامة كالقياس والاستصلاح، وذلك في الوسائل التي لم ينص على حكمها في الكتاب والسنة.
١٧ـ أن الوسائل لها أحكام المقاصد ـ من حيث الجملةـ فإن كانت الوسيلة يتوقف عليها حصول المقصود فإنها تعطى حكمها، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب ... إلخ.
وأما إن كانت الوسيلة لا يتوقف عليها حصول المقصود، وذلك عند تعدد الوسائل المؤدية إلى مقصود واحد، ففيه تفصيل، فإن كان المقصود منهياً عنه أو مباحاً فتأخذ الوسائل حكمها.
وأما إن كان مطلوباً فإحداها تكون مطلوبة دون غيرها لتوقف المقصود المطلوب على مباشرة إحداها، ومردها إلى اختيار المكلف واجتهاده، كالواجب المخير.
وبهذا يظهر أن القاعدة المذكورة أغلبية.
١٨ـ أن تطور الوسائل له أثر كبير في أحكامها الشرعية، وذلك في الوسائل التي يختص النظر فيها بمدى المصلحة والمفسدة المتعلقة بها.
١٩ـ أن توابع الطاعات ملحقة بالطاعات في الأجر والثواب ترغيباً من الشرع فيها، وكذلك الآثار الناشئة عن الطاعات.
وأما توابع المعاصي فلا مؤاخذة فيها كالانصراف عن مواضع الفساد، وأما آثار المعصية ـ التي هي مفسدة في ذاتهاـ فإنها تابعة للمعاصي في الإثم والعقاب.
٢٠ـ أن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد إلا بدليل فتكون من باب الأحكام التعبدية، ومحل السقوط المذكور عند اتحاد المقصد، أو سقوط جميع مقاصد الفعل، أما إن تعددت المقاصد وسقط بعضها فلا تسقط الوسيلة.
٢١ـ أن حصول المقصود بإحدى الوسائل المتساوية في المرتبة مسقط لاعتبار التعين فيها.
٢٢ـ أن مراعاة المقاصد أولى من مراعاة الوسائل عند التعارض، وبعد تعذر مراعاة الجميع.
٢٣ـ أنه يغتفر في الوسائل مالا يغتفر في المقاصد، فالأفعال التي هي وسائل ـ بالمعنى الخاص ـ تباح عند الحاجة، أما الأفعال التي هي مقاصد ـ بالمعنى الخاص ـ فلا تباح إلا عند الضرورة.
٢٤ـ أن الفعل المنهي عنه سداً للذريعة يباح للحاجة والمصلحة الراجحة.
٢٥ـ أن الوسيلة المؤدية إلى المقصود المشروع لا بد أن تكون مشروعة، فلا يتوسل بالوسائل المنهي عنها، ونظرية "الغاية تبرر الوسيلة" نظرية فاسدة ومتناقضة.
٢٦ـ أن الوسائل الممنوعة تباح عند الضرورة الشرعية بشروطها.
٢٧ـ أن وسائل الدعوة ليست توقيفية، إلا إن كانت من باب العبادات، وقد عرفنا أنها تسمى وسائل بالمعنى العام لا بالمعنى الخاص.
أما إن كانت من باب العادات والمعاملات فهي مشروعة ما دامت تحقق مصالح شرعية راجحة، ولم يرد في النهي عنها نص خاص، إلا إذا اعتقد المكلف أنها قربة في ذاتها كالصلاة والصيام فينهى عن هذا الاعتقاد.
٢٨ـ أن وسائل الدعوة لها ضوابط شرعية خمسة يجب الالتزام بها، وهي:
أـ عدم مخالفها لنصوص الشرع أو قواعده.
ب ـ أن يكون المقصود من الوسيلة مشروعاً.
ج ـ أن تؤدي الوسيلة إلى المقصود المشروع قطعاً أو ظناً على التفصيل السابق.
د ـ أن لا يترتب على الأخذ بتلك الوسيلة مفسدة أكبر من مصلحتها.
هـ ـ أن لا يعلق بالوسيلة وصف ممنوع شرعاً.
стр. 163
٢٩ـ أن الوسائل المحضة لا تشترط فيها نية الامتثال ولا قصد المعنى المقصود منها، أما غير المحضة ـ وهي التي تكون وسيلة باعتبار ومقصداً باعتبار ـ ففيها خلاف بين الفقهاء، والظاهر إلحاقها بأقوى الطرفين شبهاً، وهذا يختلف باختلاف المواضع.
٣٠ـ أن قاعدة سد الذرائع وفتحها قاعدة شرعية صحيحة، وأن أصل سد الذرائع متفق عليه في الجملة، وإنما الخلاف في بعض أنواعه وفروعه.
وبناء على ذلك فالوسائل الجائزة في ذاتها إذا كانت تؤدي إلى مفسدة قطعاً أو ظناً فينهى عنها.
والوسائل الجائزة في ذاتها إذا كانت تؤدي إلى مصلحة قطعاً أو ظناً فتطلب شرعاً.
٣١ـ أن قاعدة "مقدمة الواجب" قاعدة صحيحة، والخلاف فيه لفظي يرجع إلى طريق الإيجاب.
فكل وسيلة يتوقف عليها حصول مقصودها فإنها تأخذ حكم مقصودها شرعاً.
٣٢ـ أن المصالح المرسلة ملحقة بالمصالح المعتبرة في الشرع، ولا يكاد يخلو مذهب من المذاهب الفقهية من اعتبارها في الجملة.
وبناءً على ذلك فكل وسيلة تتضمن مصلحة حقيقية راجحة ولم يرد نص خاص في النهي عن مباشرتها، فإنها تكون وسيلة مشروعة.
وهذا القول هو الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة، ومصالح الناس المتجددة.
٣٣ـ أن البدع مذمومة شرعاً، فلا يتقرب إلى الله إلا بما شرعه، وأن ذلك الحكم شامل للوسائل العبادية التي لم يقم دليل على مشروعيتها.
وأن الأفعال التي هي من باب العادات والمعاملات لا تدخل في البدع المذمومة شرعاً إلا إن اعتقد المكلف أنها قربة في ذاتها كالصلاة والصيام.
٣٤ـ أن المكلف إذا أتى بالسبب مستكملاً لشروطه وأركانه مع انتفاء موانعه، فإنه يترتب عليه المسبب ـ أي الحكم المعلق عيه ـ سواء علم به المكلف أم لا، وسواء رضي به المكلف أم لا.
٣٥ـ أن المكلف لو أتى بالسبب المطلوب على وجه الكمال فقد امتثل الأمر، وبرئت ذمته من الطلب، ولو لم يترتب عليه المسبب.
٣٦ـ أن المعتبر في الأحكام المعاني دون صور الأسباب.
٣٧ـ أن الحيل مذمومة شرعاً، والمراد بها "الأخذ بالوسائل المشروعة للتوصل بها إلى مقاصد غير مشروعة كتحليل المحرم" وأن القول بإباحة الحيل مناقض للمقاصد الشرعية، ولقاعدة سد الذرائع.
٣٨ـ أن الأخذ بالاحتياط حجة في الشرع، وقد يكون واجباً أحياناً، وقد يكون مندوباً، بحسب قوة الشبهة، وما يترتب على الأخذ بذلك الفعل من المفاسد.
٣٩ـ أن العمل بالاحتياط مشروط بقوة الشبهة ووجاهة الرأي المخالف.
٤٠ـ أن قاعدة الاحتياط تتعلق بالوسائل الجائزة إذا كان الأخذ بها يخشى منه الأداء إلى المفسدة والوقوع فيه، وهي تشترك مع سد الذرائع في هذا المعنى، وبينهما فروق يسيرة.
٤١ـ أن من توسل بالوسائل غير المشروعة تعجلاً منه لحقٍّ له، فإنه يعزر بحرمانه من ذلك الحق، ويعامل بنقيض مقصوده.
"والحمد لله أولاً وآخراً"
стр. 164
قواعد معرفة البدع
المؤلف/ المشرف: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٩هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - البدع
خاتمة:
١ - عرض مجمل لقواعد معرفة البدع:
١) كل عبادة تستند إلى حديث مكذوب على رسول الله ﷺ فهي بدعة.
٢) كل عبادة تستند إلى الرأي المجرد والهوى فهي بدعة؛ كقول بعض العلماء أو العباد أو عادات بعض البلاد أو بعض الحكايات والمنامات.
٣) إذا ترك الرسول ﷺ فعل عبادة من العبادات مع كون موجبها وسببها المقتضي لها قائما ثابتا، والمانع منها منتفيا؛ فإن فعلها بدعة.
٤) كل عبادة من العبادات ترك فعلها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائما والمانع منه منتفياً.
٥) كل عبادة مخالفة لقواعد هذه الشريعة ومقاصدها فهي بدعة.
٦) كل تقرب إلى الله بفعل شيء من العادات أو المعاملات من وجه لم يعتبره الشارع فهو بدعة.
٧) كل تقرب إلى الله بفعل ما نهى عنه سبحانه فهو بدعة.
٨) كل عبادة وردت في الشرع على صفة مقيدة، فتغيير هذه الصفة بدعة.
٩) كل عبادة مطلقة ثبتت في الشرع بدليل عام؛ فإن تقييد إطلاق هذه العبادة بزمان أو مكان معين أو نحوهما بحيث يوهم هذا التقييد أنه مقصود شرعا من غير أن يدل الدليل العام على هذا التقييد فهو بدعة.
١٠) الغلو في العبادة بالزيادة فيها على القدر المشروع والتشدد والتنطع في الإتيان بها بدعة.
١١) كل ما كان من الاعتقادات والآراء والعلوم معارضا لنصوص الكتاب والسنة، أو مخالفا لإجماع سلف الأمة فهو بدعة.
١٢) ما لم يرد في الكتاب والسنة ولم يؤثر عن الصحابة ﵃ والتابعين من الاعتقادات فهو بدعة.
١٣) الخصومة والجدال والمراء في الدين بدعة.
١٤) إلزام الناس بفعل شيء من العادات والمعاملات، وجعل ذلك كالشرع الذي لا يخالف، والدين الذي لا يعارض بدعة. ١٥) الخروج على الأوضاع الدينية الثابتة، وتغيير الحدود الشرعية المقدرة بدعة.
١٦) مشابهة الكافرين فيما كان من خصائصهم من عبادة أو عادة أو كليهما بدعة.
١٧) مشابهة الكافرين فيما أحدثوه مما ليس في دينهم من العبادات أو العادات أو كليهما بدعة.
١٨) الإتيان بشيء من أعمال الجاهلية، التي لم تشرع في الإسلام بدعة.
١٩) إذا فعل ما هو مطلوب شرعا على وجه يوهم خلاف ما هو عليه في الحقيقة فهو ملحق بالبدعة.
٢٠) إذا فعل ما هو جائز شرعا على وجه يعتقد فيه أنه مطلوب شرعا فهو ملحق بالبدعة.
٢١) إذا عمل بالمعصية العلماء الذين يقتدى بهم على وجه الخصوص وظهرت من جهتهم حتى أن المنكر عليهم لا يلتفت إليه، بحيث يعتقد العامة أن هذه المعصية من الدين فهذا ملحق بالبدعة.
٢٢) إذا عمل بالمعصية العوام وشاعت فيهم وظهرت، ولم ينكرها العلماء الذين يقتدى بهم وهم قادرون على الإنكار، بحيث يعتقد العامة أن هذه المعصية مما لا بأس به فهذا ملحق بالبدعة.
٢٣) كل ما يترتب على فعل البدع المحدثة في الدين من الإتيان ببعض الأمور التعبدية أو العادية فهو ملحق بالبدعة؛ لأن ما انبنى على المحدث محدث
стр. 165
ما له حكم الرفع من أقوال الصحابة وأفعالهم
المؤلف/ المشرف: محمد بن مطر الزهراني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الخضيري - المدينة المنورة ̈بدون
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قول الصحابي
الخاتمة: وفيها أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث:
أولا: يمكن تقسيم الصيغ الواردة في هذا البحث إلى قسمين:
١ـ ما كان منها بصيغة الجمع ودالة على تكرار القول أو الفعل من الصحابة مثل قول الراوي: كانوا يفعلون كذا، كنا نقول كذا، كانوا لا يرون بأسا بكذا، أمرنا أو نهينا عن كذا، ونحو ذلك، فهذه محمولة على الرفع إلا ما استثني من ذلك، كأن يكون الفعل مما يخفى غالبا.
٢ـ ما كان بصيغة الإفراد كقول الصحابي أو فعله أو تفسيره، فهو محمول على الوقف إلا ما استثني من ذلك، كالتفسير المتعلق بسبب النزول، وما قاله الصحابي أو فعله مما لا مجال للرأي فيه فيكون مرفوعا حكما.
ثانيا: إن من أمثله ما لا مجال للرأي فيه ما يأتي:
١ـ الإخبار عن الأمور الماضية كقصص الأنبياء وبدء الخلق ونحو ذلك.
٢ـ الإخبار عن الأمور الآتية كالملاحم والفتن وما يكون في اليوم الآخر وصفة الجن والنار ونحو ذلك.
٣ـ الإخبار عن عمل أنه طاعة أو معصية ويحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص.
ثالثا: يمكن تقسيم تفسير الصحابي للقرآن إلى ثلاثة أقسام هي:
١ـ ما كان في تفسير مفرد بمفرد أو استنباط حكم ونحو ذلك فهو موقوف.
٢ـ ما كان في ذكر سبب النزول ونحوه فهذا مرفوع.
٣ـ ما كان من التفسير مما لا مجال للرأي فهه فهذا – أيضا – مرفوع.
رابعا: إن هذه المباحث من المباحث المشتركة بين علوم الحديث وأصول الفقه، وذلك إن غالب الأحاديث المروية بهذه الصيغ تدخل تحت تقرير رسول الله ﷺ ، وتقريره ﷺ أحد أقسام السنة إذ السنة ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير لهذا اهتمت جل كتب أصول الفقه بذكر هذه المباحث وعلى وجه الخصوص المباحث الأول والثاني والثالث والرابع.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد ﷺ وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 166
مباحث العلة في القياس عند الأصوليين
المؤلف/ المشرف: عبدالحكيم عبدالرحمن السعدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قياس وعلة وتعليل
نتائج البحث
اعتاد الباحثون أن يختموا بحوثهم بأهم النتائج التي توصلوا إليها من خلال رحلتهم مع البحث، ويقدموا توصياتهم ومقترحاتهم بشأنه، ولما كان بحثنا هذا – رغم الاختصار فيه والحذف الكثير فيه – لا يخلو من طول بحكم طبيعته، فإنه من الصعب بمكان أن أذكر نتائجه كلها، فذلك مما يزيده طولا وسعة، وعليه: فإني سأكتفي بذكر بعض الأمور العامة التي قدحت في ذهني من خلال رحلتي الطويلة مع هذا البحث.
أولاً: إن مثل هذا الموضوع - أعني: البحث في العلة وأحكامها - من أهم الموضوعات في أصول الفقه، بل يكاد يكون أهمها إذا ما لا حظنا أن بالعلة يفهم الحكم الذي دل عليه النص أو الإجماع، وليس في قولي هذا افتيات على النص، بل إنه سند له، ما دام فهم العلة مخرجا من مخارج الحكم فيه، فمن مقتضى الاهتمام بالنص الاهتمام بالعلة وأحكامها، وما من مجتهد أو فقيه إلا ويكون التعمق في هذا البحث له من أهم متطلبات أمره في الاجتهاد واستنباط الأحكام ومن هنا أجد أن ما عليه الباحثون المحدثون الآن لم يوف حق هذا الركن من أركان القياس، فلم أجد منهم إلا المرور عليه مر الكرام، وخاصة فيما يتعلق بالأمور العقلية منه، بل إني وجدت الكثيرين يهربون منها أو يتجاهلونها، ومن هنا أقدم اقتراحي لهم وأستحثهم في أن يجعلوا من هذا الركن موضوعات عديدة لهم في بحوثهم لدراستها دراسة عميقة، وتبسيط ما أغفله الأقدمون بعباراتهم الشديدة الصعبة، حتى يكون في متناول كل باحث ممن لم يصل إلى درجة عالية من الإدراك والفهم، ويستفيد منه كل طالب علم شرعي، حتى لو كان في أول السلم.
ثانياً: ومن خلال بحثي وجدت أن أصول الفقه توأم لعلم العربية، فإذا ما نظرنا إلى ألفاظ التعليل وما ذكره الأصوليون فيها مما عرفوه من قواعد اللغة العربية، نجد أنه لا سبيل للباحث في هذا العلم إلا أن يلم بعلم العربية، حتى يكون على قدم راسخة وقاعدة صلبة يرتكز عليها بحثه، وبدون ذلك فإنه من المستحيل أن يصل إلى نتيجة سليمة فيما يذهب إليه، ومن لا عربية له لا أصول له.
ثالثا: هناك أمر مهم أحببت التنبيه عليه، ذلك أني وجدت كثيرا من الأصوليين يستشهدون بالأحاديث النبوية الشريفة، وفي كثير من الأحيان يكون موطن الشاهد في الحديث يتعلق بلفظه، ولدى المتابعة والبحث نجد أنهم إما اتبعوا في ذلك رواية ضعيفة، أو رواية بالمعنى، وكل هذا يفسد الاستشهاد به، لأنه يخرجه عن أن يكون معتمدا في الاستدلال ما دام أن موطن الشاهد يتعلق بلفظ مخصوص من الحديث، ومن هنا حاولت جهدي أن أتلمس لفظ الحديث وروايته الصحيحة، ليتم الاستدلال به بوجه صحيح.
رابعا: كما يلاحظ في أكثر من موضع أن الأصوليين قد يذكرون المثال على القاعدة، مع أنه ربما كان الحكم ثابتا بخلاف مدعاهم في ذلك المنال، وما كان إيرادهم له إلا لمجرد توضيح القاعدة أو الأصل الذي ذهبوا إليه، وهذا ما يطلقون عليه: (المثال التقديري) أو (الافتراضي) فمثلاً: تعليل حرمة الخمر بكونه مسكرا، يذكر في أماكن عديدة للاستشهاد بها على ثبوت الحكم بكل مسكر بالاستنباط، وليس الأمر كذلك، فإن حرمة المسكر إنما ثبتت بالنص – كما رأينا – في أكثر من موضع.
стр. 167
خامساً: عبارات الأقدمين من الأصوليين مغلقة مقفلة، ربما تناسب عصرهم أما وقد فترت الهمم، واختلف النظر، وأصبح الشرح والتطويل والإسهاب سمة الكاتبين في هذا العصر، فإني لا أجد بداً من القول: بأنه لا بد من أن تقوم طائفة من الكتاب والمؤلفين المحدثين بشرح قواعد أصول الفقه شرحا بسيطا يكون في متناول الجميع وهذا لا يعني دعوة مني إلى نبذ كتب السلف والخروج عن عباراتهم، بل إني أؤكد أن في تصانيفهم البركة كلها والخير كله، والعلم النافع، وربما لا يستطيع باحث في بعض المواقف أن يأتي بعبارة أفضل صيغة مما صيغت به من قبل السلف، وهذا ما واجهته بنفسي خلال إعداد بحثي، حيث استخدمت في كثير من الأماكن عبارات الأصوليين بنفسها، لأني وجدت في الخروج عنها تضييعاً للدليل وسلامته، ولم أكن بدعا في ذلك بل إن الأقدمين أنفسهم يستخدم اللاحق منهم عبارة السابق متى ما وجدها سهلة، إلا أني في هذه الدعوة أود أن ألفت أنظار الباحثين في هذا العصر إلى أن يجعلوا من هذا العلم ملجأ لجميع من يتحرى الدقة في أحكام القواعد التي يريد وضعها وفي مقدمة هؤلاء الناس واضعوا قواعد القوانين والأنظمة التي هي أساس تعايش الأمم بأمن وسلام، ولا يتحقق ذاك إلا بإبراز هذا الفن بشكل يفهمه المبتدئ قبل المنتهي، وبذلك نكون قد قدمنا للشريعة الإسلامية خدمة ليس بعدها خدمة.
وأخيراً أدعو الله تعالى مخلصاً أن يوفق الجميع لما فيه خدمة الإسلام والمسلمين، وأن يكلأ والدينا ومعلمينا وأساتذتنا وشيوخنا وجميع أصحاب الحقوق علينا بواسع رحمته في الدنيا والآخرة، والله ولي التوفيق.
وآخر دعوانا (أن الحمد لله رب العالمين).
عبد الحكيم السعدي
الاثنين – ٢٦ / جمادي الآخرة
١٨/ مارس – آذار سنة ١٩٨٥م
стр. 168
مخالفة الصحابي للحديث النبوي دراسة نظرية وتطبيقية
المؤلف/ المشرف: عبد الكريم بن علي النملة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: قول الصحابي
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبعد:
فإني بعد أن أنهيت الكتابة عن هذا الموضوع، أحببت أن أحيط القارئ الكريم بإلمامة سريعة لما بحثته، وذكر أهم النتائج التي توصلت إليها فأقول. وبالله التوفيق:
أولاً: مخالفة الصحابي هي: ما يقوله أو ما يفعله أو يفتي به مناقضاً ومغايراً لما دل عليه الحديث.
ثانياً: الصحابي هو: من لقي النبي ﷺ واختص به اختصاص المصحوب، متبعاً إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب فلان عليه عرفاً، بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة سواء روى عنه أو لا، تعلم منه أو لا. وقد اخترت هذا المذهب في المراد بالصحابي بعد مناقشتي للمذاهب الأخرى في ذلك.
ثالثاً: الخلاف في المراد بالصحابي له ثمرة.
رابعاً: الصحابي - نعرفه بطرق ذكرها العلماء - وقد أشرت إليها بإيجاز.
خامساً: الصحابة عدول بتعديل الله ورسوله لهم وبينت ذلك.
سادساً: الصحابي إذا خالف الحديث مخالفة كلية وقد قطعنا بعلمه به مع عدم معرفة سبب المخالفة، فإن الحكم في هذا: أنه لا تقبل تلك المخالفة، ويبقى الحديث حجة، يعمل به، هذا هو الراجح، وأجبت عن أدلة المذهب المرجوح، مع ذكر عدد من الأمثلة تبين ثمرة الخلاف.
سابعاً: الصحابي إذا خالف الحديث مخالفة كلية، وقد قطعنا بعلمه به، مع معرفتنا لسبب تلك المخالفة ففيه تفصيل.
فإن كان سبب تلك المخالفة دليلاً صرح به المخالف فإنا ننظر في ذلك الدليل، فإن قبلناه تركنا الحديث من أجل ذلك الدليل، لا من أجل تلك المخالفة من الصحابي، وإن لم نقبله ــ بمعنى لم يصلح دليلاً معارضاً للحديث ــ عملنا بالحديث.
وإن كان سبب تلك المخالفة " عدم إحاطته بمعنى الحديث "، أو " التورع والحرج " أو " نسيان الحديث والغفلة عنه " فإنا في هذه الحالات نعمل بالحديث ويستمر على حجيته، ولا نلتفت إلى مخالفة الصحابي.
ثامناً: الصحابي إذا خالف الحديث مخالفة كلية وقد غلب على ظننا علمه به فإن الحديث يبقى على حجيته، ولا ننظر إلى مخالفة الصحابي، هذا ما رجحته، وأجبت عن أدلة المخالفين، مع ذكر بعض الأمثلة التي تبين من خلالها ثمرة الخلاف.
تاسعاً: الصحابي إذا خالف الحديث مخالفة كلية وقد شككنا في علمه به، فإن الحديث يبقى على حجيته، ولا تؤثر تلك المخالفة عليه بالإجماع.
عاشراً: الصحابي إذا خالف الحديث مخالفة كلية وقد غلب على ظننا عدم علمه به فالحديث يبقى على حجيته، ولا يلتفت إلى تلك المخالفة بالإجماع مع ذكر بعض الأمثلة على ذلك.
حادي عشر: الصحابي إذا خالف الحديث مخالفة كلية وقد قطعنا بعدم علمه به فإن الحديث يبقى على حجيته، ولا يلتفت إلى تلك المخالفة وضربنا لذلك عدة أمثلة.
ثاني عشر: أن حضور بعض الصحابة مجالس النبي ﷺ دون بعض هو من أهم أسباب خفاء الحديث عن الصحابة الذين غابوا.
ثالث عشر: أن الصحابي إذا خالف عموم الحديث، وخصصه ببعض أفراده فإن الحديث يبقى على عمومه، ولا يلتفت إلى تخصيص الصحابي هذا ما رجحته، وقد أجبت عن أدلة المخالفين، وضربت عدة أمثلة تبين ثمرة الخلاف.
رابع عشر: أن الصحابي إذا خالف ظاهر الحديث، وحمل المطلق على المقيد، والحقيقة على المجاز، وما ظاهره الوجوب على الندب، فإن الحديث يبقى على ظاهره، ولا يلتفت إلى مخالفة الصحابي.
خامس عشر: أن الصحابي إذا ادعى أن الحديث منسوخ فلا يعتبر بذلك أنه مخالف له.
سادس عشر: أن الصحابي إذا حمل الحديث على أحد محمليه فإنه لا يعتبر بذلك مخالفاً له.
هذه أهم نتائج هذا الموضوع، ولكل ما قلته أدلة وبراهين تجدها في أماكنها أثناء البحث.
أرجو من الله العلي القدير أنّ ينفعني وإياكم بما جاء فيه، وأن يجعله في موازين أعمالي يوم لا ينفع مال ولا بنون.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 169
معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة
المؤلف/ المشرف: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: دراسات إسلامية
النتائج
في هذا المقام تحسن الإشارة إلى أهم النتائج المستفادة من هذا البحث وعددها أربع:
وبيانها على النحو الآتي:
أولاً: أن لأهل السنة والجماعة منهجاً واضحاً في أصول الفقه.
ومعالم هذا المنهج: سلامة المنُطلَق، وقوة المُسْتَنَد، وشمول النظرة، ووضوح الفكرة.
• لقد امتاز هذا المنهج أولاً: بسلامة المنطلق، إذ بُني على إجماع السلف الصالح وانطلق من عقيدتهم في أبواب الإيمان والتوحيد.
• وامتاز ثانياً بقوة المستند، إذ استند هذا المنهجُ في تقرير القواعد وإقامة الشواهد على نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، وما صحَّ من الآثار المروية عن خير القرون من الصحابة والتابعين. والمستند أيضاً إلى الفهم والاستنباط، وإعمال الرأي واستهداف العقل في حدود الشرع، كما استند أيضاً إلى قواعد اللغة العربية واستعمالاتها.
• وامتاز ثالثاً بشمول النظرة، إذ اجتمع في هذا المنهج الالتفاتُ إلى هذه الشريعة الغراء في مقاصدها العامة وقواعدها الكلية وفي أحكامها الفرعية وتفاصيلها الجزئية.
• وامتاز رابعاً بوضوح الفكرة، فقد اتصف هذا المنهج بالخلو من التعقيد والإشكال، والسمو عن التناقض والاضطراب.
ثانياً: أن لمنهج أهل السنة والجماعة في علم أصول الفقه أئمة ورجالاً.
فمن أبرز أعلام هذا المنهج:
١ـ الإمام الشافعي.
٢ـ أبو المظفر السمعاني.
٣ـ ابن قدامة المقدسي.
٤ـ شيخ الإسلام ابن تيمية.
٥ـ ابن قيم الجوزية.
٦ـ ابن النجار الفتوحي.
٧ـ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
ثالثاً: أن للمعتقد أثراً بليغاً في أصول الفقه.
يظهر هذا الأثر جلياً في المسائل المشهورة، وذلك كالقول بأن الأمر لا صيغة له بناء على إثبات الكلام النفسي الباطل، ومذهب أهل السنة أن للأمر صيغة تخصه بناء على إثبات اللفظ والمعنى في كلام الله سبحانه، ونفي الكلام النفسي الباطل. ولكن هذا الأثر يكون خفياً في مسائل أخرى وهي تلك المسائل التي حصل الاتفاق فيها بين أهل السنة وبعض مخالفيهم في ظاهر المذهب مع الاختلاف في المأخذ، وذلك في مواجهة من خالف الفريقين في المذهب والمأخذ معاً، وذلك مثل مسألة النسخ قبل التمكن إذ اتفق رأيُ أهل السنة ورأيُ الأشاعرة في القول بالجواز وخالف في ذلك المعتزلةُ فقالوا بالمنع.
والحقيقة أن رأي الأشاعرة وإن كان موافقاً في الظاهر لرأي أهل السنة إلا أنهما مختلفان في المأخذ:
فأهل السنة قالوا بالجواز بناء على إثبات الحكمة والتعليل في أفعاله ، وأن الحكمة قد تكون الابتلاء والتمحيص.
أما الأشاعرة فقد قالوا بالجواز بناء على إنكار الحكمة والتعليل في أفعال الله سبحانه، واستواء هذه الأفعال بالنسبة للأمر والنهي.
وأما المعتزلة فقد قالوا بالمنع بناء على أصل عقدي باطل وهو إثبات التحسين والتقبيح العقليين وترتيب الثواب والعقاب عليهما.
والمقصود: أن الأثر العقدي تارة يكون جليّاً كالقول بأن الأمر لا صيغة له، وكمنع المعتزلة من النسخ قبل التمكن، وتارة يكون هذا الأثر خفيًّا كتجويز اِلأشاعرة النسخ قبل التمكن.
رابعاً: أن تاريخ علم أصول الفقه بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
فإن الكتابة في تاريخ هذا العلم قاصرة على تقسيم جهود الأصوليين إلى ثلاث طرق: طريقة المتكلمين، وطريقة الفقهاء، وطريقة المتأخرين أو الجمع بين الطريقتين.
والواقع: أن هذا التقسيم ـ وإن كان صحيحاًـ قاصر على اعتبارٍ واحد، وهو النظر إلى منهج الكتابة وطريقة التأليف. وهناك اعتبارات أخرى لم يلتفت إليها.
وذلك مثل: اعتبار العقيدة فهناك كتب للأشاعرة، وأخرى للمعتزلة، وأخرى للماتريدية، وأخرى للشيعة، وهناك كتب لأهل السنة والجماعة.
ومثل اعتبار المذاهب الفقهية: فهناك كتب أصولية على المذهب الحنفي، وعلى المذهب المالكي، وعلى المذهب الشافعي، وعلى المذهب الحنبلي، وعلى المذهب الظاهري.
ومثل اعتبار شمول هذه المؤلفات لمباحث هذا العلم أو الاقتصار على بعضها: فهناك مؤلفات أصولية شاملة لجملة مباحث علم الأصول، وهناك مؤلفات خاصة ببعض المباحث، مثل كتاب "تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم" للعلائي.
стр. 170
مقاصد الشريعة الإسلامية في فكر الإمام سيد قطب
المؤلف/ المشرف: نصير زرواق
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار السلام- القاهرة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مقاصد الشريعة
خاتمة:
نخلص مما سبق إلى أن البحث وصل إلى تحقيق نتائج أهمها:
١ - محاولة بسط مفهوم المقاصد، وتوسيع مدى مناقشة هذه المفاهيم، وتوسيع وعاء النظر وأفق البحث في فكرة المقاصد.
٢ - بيان أن دراسة علم المقاصد ومحاولة سبر أغوار الشريعة الإسلامية إنما يكون بالالتفات إلى العلاقة التي تربط الإنسان فرداً ومجتمعاً بالكون والحياة والأحياء؛ لأن ذلك يساعد كثيراً في فهم روح الشريعة والاجتهاد في نصوص التشريع.
٣ - محاولة وضع كليات ثابتة مستخلصة من أحكام التشريع هي من مقاصد الشارع الحكيم سواء بالنسبة للأفراد أم المجتمع أو الدولة، بينا كيف أن مثلاً، تكريم الفرد هو قيمة مطلقة لا يمكن تغيرها بتغيير زمان أو مكان، وكذلك إيجاد عمل يسترزق منه الإنسان أو إعطاؤه الكفاية إذا عجز عن العمل أو عجزت الدولة عن إيجاد عمل له، وكيف أن المجتمع مطالب بتأدية رسالته وهي رسالة تتضمن ثوابت كذلك لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهمية ذلك في خلق المجتمع الصحي السليم، وكذلك التكافل وأهميته، وكيف أن الشريعة الإسلامية بما شرعت من أحكام رمت إلى تحقيق هذه الأهداف والمقاصد في واقع المجتمع، كذلك بالنسبة للدولة وكيف أن هناك ثوابت كذلك لا تتغير بتغير الزمان والمكان، كالعدل بين الرعايا والمساواة ونشر الدعوة وحماية المستضعفين وتوفير التعليم والعمل لمواطنيها وتوفير الأمن لهم، وكفالة الحريات.
٤ - أن الأستاذ سيد قطب ترك ثروة عالية القيمة يجب الالتفات إليها بالدراسة والبحث؛ لأنها الأقرب إلى حاجاتنا وواقعنا بحكم القرب الزمني.
٥ - أن الأستاذ سيد قطب هو مجدد القرن الرابع عشر الهجري بلا جدال.
٦ - أن المقاصد لا يمكن أن تحل مكان الأصول، وأنه لا يمكن الاستغناء عن علم الأصول، وإنما بوضع القواعد والضوابط لفكرة المقاصد لتكون مكملة لعلم الأصول لا بديلا عن الأصول.
стр. 171
مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية
المؤلف/ المشرف: محمد سعد بن أحمد اليوبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - الخبر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مقاصد الشريعة
الخاتمة والنتائج
بعد هذه الرحلة الطويلة الممتعة التي عشتها مع هذا البحث، ألقي عصا الترحال منتهياً حيث انتهت بي مباحث هذا البحث وتمت فصوله، مسجلاً أهم النتائج التي توصلت إليها والفوائد، التي وقفت عليها، وهي فوائد كثيرة ومتعددة، لذا رأيت أن أجعلها على قسمين:
١ - فوائد عامة وهي مأخوذة من إيحاءات مباحث هذا الموضوع ومعايشة ما يتعلق به أو هي عبارة عن فوائد دراسة المقاصد على وجه الإجمال.
٢ - فوائد خاصة وهي عبارة عن خلاصة لنتائج مباحث الرسالة.
أولاً: الفوائد العامة .. وهي ما يلي:
الأولى: أنّ معرفة مقاصد الشريعة سبب في زيادة الإيمان وتقويته، واستمالة القلب وطمأنينته.
وبيان ذلك: أن المسلم مأمور باتباع ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، علم الحكمة والمقصد من ذلك أم لم يعلم.
ولكنه حين يقف على المقصد من الأمر الشرعي ويدركه يزداد إيماناً وتعلقاً بهذا الدين وتمسكاً به، لأنه يدرك حينئذِ أن هذا الدين جاء بالسعادة في الدنيا والآخرة ومإذا بعد السعادة إلا الشقاء، ومإذا بعد الحق إلا الضلال.
فضلاً عما جبلت عليه النفوس من الميل والإقبال على ما عرفت هدفه وغايته وأدركت نفعه ومصلحته، فإن ذلك حادٍ للنفوس إلى الإقبال عليه، وداع ٍ إلى التوجه إليه.
قال الغزالي: " معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالة ٌ للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع والمسارعة إلى التصديق؛ فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميل منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد ولمثل هذا الغرض استحب الوعظ وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص، وعلى قدر حذقه يزيدها حسناً وتأكيداً ".
الثانية: أن في معرفة مقاصد الشريعة تعرفاً على محاسن الشريعة ومزاياها وهو أمر له أهميته في استمالة القلوب كما سبق؛ وأيضاً يفتح آفاقاً جديدة في الدعوة إلى الله، لا سيما دعوة أولئك الذين لم يبلغهم الدين إلا من خلال كتابات مشوهة، وأفكار مضللة، فحين يدركون مقاصد هذا الدين السامية، وأهدافه النبيلة العالية، وما يسعى إليه من سعادة للناس، حين يدركون ذلك، ويعرض لهم الإسلام من خلاله يدركون ضآلة ما هم عليه من أفكار، وحقارة ما يقدسونه من حضارة.
الثالثة: أن في إبراز مقاصد الشريعة وإظهارها، ومدارستها وبحثها، رداً لشبه المغرضين، وتفنيداً لآراء المنحرفين الذين يتهمون الشريعة بالقصور وعدم الوفاء بحاجات الناس ومتطلباتهم في هذا العصر ومنْ ثَمّ يطالبون باستبدالها وإبعادها، فإذا عرضت مقاصدها وما اشتملت عليه من حكم باهرة، ومصالح ظاهرة، علم على الحقيقة كذبهم فيما يقولون، وزيف ما يدعون.
والدفاع عن الشريعة ورد الشبه عنها واجب على العلماء، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الرابعة: أنّ معرفة مقاصد الشريعة لها أهمية كبرى للمجتهد.
فالمجتهد محتاج إلى مقاصد الشريعة والاطلاع عليها، وقد أشار العلماء إلى هذا، قال السبكي: " واعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء:
أحدها: التأليف في العلوم التي يتهذب بها الذهن كالعربية وأصول الفقه ..
الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.
стр. 172
الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك، وما يناسب أن يكون حكماً له في ذلك المحل وإن لم يصرح به، كما أن من عاشر ملكاً؛ ومارس أحواله، وخبر أموره؛ إذا سئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها، وإن لم يصرح له به، ولكن بمعرفته بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية ... ".
وقال الشاطبي: " إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة.
والثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها ... ".
فالشاطبي ﵀ يعطي المقاصد أهمية كبرى للمجتهد حيث يجعلها شرطاً في الاجتهاد ويجعل هذا الشرط سبباً للشرط الآخر حيث يقول:" وأما الثاني ــ أي التمكن من الاستنباط ــ فهو كالخادم للأول، فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولاً ومن هنا كان خادماً للأول، وفي استنباط الأحكام ثانياً، لكن لا تظهر ثمرة هذا الفهم إلا في الاستنباط، فلذلك جُعل شرطاً ثانياً، وإنما كان الأول هو السبب في بلوغ هذه المرتبة، لأنه مقصود والثاني وسيلة ".
وقد قرر ابن عاشور احتياج الفقيه إلى مقاصد الشريعة بكلام نفيس يطول ذكره.
وهذه الأهمية التي ذكرها العلماء نابعة من ارتباط المقاصد بالأدلة الشرعية لأن المجتهد لا بدّ أن يكون اجتهاده مبنياً على دليل من الكتاب والسنّة أو الإجماع أو القياس أو قول الصحابي، أو الاستصحاب أو غيره من الأد لة النقلية أو العقلية.
وقد بينا في باب علاقة المقاصد بالأدلة ارتباط المقاصد بالأدلة، وحاجة المجتهد إليها.
ثانياً: الفوائد الخاصة:
١ - أن مقاصد الشريعة في تدوينها وبروزها علماً مستقلاً قد مرت بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: اقترانها بغيرها في كتب التفسير وشروح الأحاديث والكتب الفقهية والأصولية.
المرحلة الثانية: تميزها عن غيرها وذلك بتخصيصها بمباحث مستقلة في الكتب الأصولية.
المرحلة الثالثة: تخصيصها بالتأليف.
٢ - أن للشارع مقاصد في تشريع الأحكام، وأن أفعاله معللة بالحكمة والمصلحة سواء علمنا تلك المقاصد والحكم أم جهلناها، وأن خلاف الأشاعرة والظاهرية في قضية تعليل الأحكام غير صواب ولا عملي، حيث تخلوا عنه لا سيما الأشاعرة عند إثبات العلة في القياس والمناسبة.
وأن الأدلة النقلية والعقلية قد تضافرتا على أن أحكامه تعالى لمقاصد وحكم.
٣ - أن هناك طرقاً للكشف عن المقاصد وهي:
أ - الاستقراء لنصوص الكتاب والسنّة.
ب - معرفة علل الأمر والنهي بمسلك من مسالك العلة المعروفة عند الأصوليين.
ج - مجرد الأمر والنهي فإن الأمر دليل على طلب الفعل وقصده والنهي دليل على عدم قصده.
د- معرفة الألفاظ التي يستفاد منها معرفة قصد الشارع كالتعبير بالإِرادة الشرعية. أو أنه خير ومنفعة ونحو ذلك.
هـ - سكوت الشارع مع قيام المقتضي للفعل وانتفاء المانع دليل على عدم القصد إلى حصول الفعل.
٤ - أن كل ما أدى إلى تأكيد المقاصد الأصلية وتقويتها أو توقفت عليه تلك المقاصد فهو مقصود شرعاً.
٥ - أن الشريعة جاءت بجلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.
٦ - أن أقسام مقاصد الشريعة باعتبار المصالح التي جاءت بحفظها أربعة:
الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، والمكملات.
وأن أعظمها الضروريات التي لو فقدت لاختل نظام العالم وفسدت الدنيا وأن أعظم الضروريات حفظ الدين.
٧ - أن الضروريات هي (الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والعرض عند بعضهم). وأن كل واحد منها له وسائل في الشريعة تحفظه.
فمن وسائل حفظ الدين: العمل به، والجهاد من أجله، والدعوة إليه والحكم به ورد كل ما يخالفه من الأقوال والأعمال.
стр. 173
ومن وسائل حفظ النفس، تحريم الاعتداء عليها، وسد الذرائع المؤدية إلى القتل، والقصاص، وضمانها بالدية، وإباحة المحظورات من أجلها عند خوف الهلاك، ونحو ذلك.
ومن وسائل حفظ العقل: تحريم المفسدات الحسية كالخمر والحشيشة مثلاً وتحريم المفسدات المعنوية كالأفكار الهدامة.
ومن وسائل حفظ النسل: الحث على ما يحصل به استمراره وبقاؤه وتكثيره كالنكاح. ومنع ما يؤدي إلى تقليله أو إعدامه بالكلية كالإعراض عن النكاح، ومنع الحمل، والإجهاض.
ومن وسائل حفظ المال: تحريم الاعتداء عليه، وتحريم إضاعته وتبذيره وما شرع من الحدود الزاجرة من الاعتداء عليه كحد السرقة والحرابة، وضمان المتلفات، ومشروعية الدفاع عنه، وتوثيق الديون، ونحو ذلك.
٨ - أن حفظ العرض راجع إلى حفظ النسب أو النسل وليس مقصداً ضرورياً مستقلاً.
٩ - أن المصالح المتعلقة بمقصد الدين مقدمة على غيرها عند التعارض.
إلا إذا كانت المصلحة المتعلقة بالنفس أو العقل تفوت بالكلية فوتاً لا يمكن تداركه والمصلحة الدينية يمكن تداركها ببدلها وقضائها فههنا تقدم المصلحة المتعلقة بالنفس أو بغيرها، وكذا إذا كان تحقيق المصلحة الدنيوية يلزم منه تحقيق الدينية دون العكس.
١٠ – أن حفظ العرض على قسمين: منه ما يرجع إلى حفظ النسب فهذا مقدم على المال، ومنه ما لا يرجع إلى حفظ النسب كشتم الإنسان بغير القذف فهذا لا يقدم على المال.
١١ - أن الحاجيات في الشريعة هي ما كان مفتقراً إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة. فهي مهمة وتظهر أهميتها من النواحي التالية:
أ - رفع الحرج عن المكلف.
ب - حماية الضروريات وذلك بدفع ما يفسدها أو يمسها.
ج- خدمة الضروريات وذلك بتحقيق ما به صلاحها وكمالها.
١٢ - أن التحسينيات هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات فهي مظهر من مظاهر الكمال والجمال في هذه الشريعة ثم هي خادمة للمصالح الحاجية والتحسينية.
١٣ - أن مكملات المقاصد لها أهمية في الشريعة وذلك من النواحي التالية:
أ - سد الذريعة المؤدية إلى الإخلال بالحكمة المقصودة.
ب - تحقيق مقاصد أخرى تابعة غير مقصودة بالقصد الأصلي.
ج- دفع مفاسد أخرى حاصلة في طريق الحصول على المقصد الأصلي.
د- تحسين صورة المكّمل وجعله سائراً على المألوف.
١٤ - أن المكمل له شرط وهو ألا يعود اعتباره على أصله بالإبطال.
١٥ - أنه يلزم من إبطال الأصل إبطال التكملة.
١٦ – أنه يلزم من اختلال التكملة بإطلاق اختلال الأصل بوجه ما.
١٧ - أنه لا يلزم من اختلال التكملة بوجه ما اختلال الأصل.
١٨ - أن المقاصد الأصلية هي المقاصد المشروعة ابتداءً لتحقيق أعظم المصالح سواء كانت هذه المصالح ضرورية أم غيرها.
١٩ - أن في مراعاة المقاصد الأصلية موافقة ومطابقة لقصد الشارع.
٢٠ – أن المقاصد الأصلية هي الأصل، والمقاصد التابعة خادمة ومكملة لها ومقوية لحكمتها، وداعية إليها وسبب في حصول الرغبة فيها.
٢١ - أن للشريعة مقاصد عامة تشمل جميع أبوابها مطردة في جميع أحكامها وهي: جلب المصالح ودرء المفاسد، ورفع الحرج، والعدل، والحث على الاجتماع والائتلاف، وأعظمها عبادة الله وحده لا شريك له وأن هذه المقاصد بعضها أشمل من بعض.
٢٢ - أن للشريعة مقاصد خاصة وجزئية تفهم من أدلتها التفصيلية.
٢٣ - أن لمقاصد الشريعة خصائص تميزها عن غيرها وهذه الخصائص على قسمين:
أ - خصائص أساسية قامت عليها المقاصد وهي: الربانية، ومراعاة الفطرة وحاجة الإنسان.
ب - خصائص فرعية منبثقة عن الخصائص الأساسية وهي:
العموم والاطراد، والثبات، والعصمة من التناقض، والبراءة من التحيز والهوى، والقداسة والاحترام، والضبط والانضباط.
стр. 174
٢٤ - أن الشريعة الإسلامية وحدة متكاملة ونظام شامل، اتحدت جزئياتها وكلياتها على جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها.
٢٥ - أن الناظر في الأدلة لا يستغني عن النظر إلى مقاصد الشريعة كما أن الناظر في المقاصد لا يستغني عن النظر في الأد لة.
٢٦ - أن هناك علاقة وثيقة بين المقاصد وكل دليل من أدلة الشريعة فهي مرتبطة بالكتاب والسنّة ارتباط الفرع بالأصل لأن أصل استمداد المقاصد من الكتاب والسنّة، وقد اشتمل الكتاب والسنّة على بيان كثير من المقاصد.
وأيضاً هي خادمة لبيان وتفسير ما أشكل تفسيره منهما.
٢٧ - أن المقاصد مرتبطة بالإجماع من حيث كون الاجتهاد شرطاً فيه والمقاصد شرط في الاجتهاد، وأيضاً يحتاج إليها في الإجماع المستند إلى المصلحة.
٢٨ - أن ارتباط المقاصد بالقياس عن طريقة العلة، وبالأخص باب المناسبة حيث اعتبرت المناسبة شرطاً في صحة العلة.
وأن أكثر كلام الأصوليين في مقاصد الشريعة جاء من خلال باب المناسبة.
٢٩ - أن ارتباط المقاصد بالمصالح المرسلة من حيث كون شرط اعتبارها ملاءمة مقاصد الشريعة.
٣٠ - أن علاقة المقاصد وارتباطها بالاستحسان من خلال كون الاستحسان العدول بالمسألة عن نظائرها، ولا يعدل بالمسألة عن نظائرها إلا لتحقيق مصالح أعظم ودفع مفاسد، وتظهر هذه العلاقة جلية في استحسان الضرورة عند الحنفية.
٣١ - علاقة المقاصد بسد الذرائع تظهر من كون فتح الذريعة إلى الحرام يؤدي إلى إفساد مقاصد الشريعة، فاتضح أن سد الذرائع من باب المحافظة على مقاصد الشريعة وكذا إبطال الحيل.
٣٢ - أن ارتباط المقاصد بقول الصحابي من خلال كون الصحابة أعلم الناس بمقاصد الشريعة، فأقوالهم مبنية على نظر فاحص للمقاصد، ورأي صائب فاعتبرت مصدراً من مصادر المقاصد تستفاد المقاصد منه.
٣٣ - أن علاقة المقاصد بالعرف من حيث كون الشارع راعى مصالح الناس فما كان منها ثابتاً أورد فيه نصاً يبين مقداره وهيئته، وما لم يكن ثابتاً تركه لعرف الناس لكون المصلحة تتغير فيه بتغير الزمان أو المكان والحال.
٣٤ - أن ارتباط المقاصد بالشرائع السابقة يظهر من خلال كون الشريعة لها خصائصها ومقاصدها المميزة لها عن غيرها، فالعمل بمقاصدها أولى من التزام نص عن الشرائع السابقة لا يحقق تلك المقاصد، فضلاً عن معارضته لها.
٣٥ - أن الاستصحاب راجع إلى الأدلة الأخرى وليس دليلاً مستقلاً لذا علاقة المقاصد به ــ وإن أمكن تصورها في بعض أقسامه ــ إلا أنها هي علاقتها بغيرها من الأدلة والله أعلم.
وبعد فهذه الرسالة قد تمت بحمد الله ومَنِّه وكرمه أضعها بين يدي قارئيها، ولا أدعي الكمال فيها.
" وما بها من خطأ ومن خلل أذنت في إصلاحه لمن فعل
لكن بشرط العلم والإنصاف فذا وذا من أجمل الأوصاف
والله يهدي سبل السلام سبحانه بحبله اعتصامي"
فلله الحمد على ما منَّ به عليّ أولاً وآخراً، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل هذه الرسالة لوجهه خالصة ولعباده نافعة، وأن ينفعني بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن ينفعنا بما كتبنا وقرأنا وسمعنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين
стр. 175
مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها
المؤلف/ المشرف: علال الفاسي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت ̈الخامسة
سنة الطبع: ١٩٩٣م
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مقاصد الشريعة
خاتمة الكتاب
تلك هي مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها فصلنا منها ما تتوقف عليه حاجة الطالبين وما تدعو إليه تذكرة الراغبين، من أسرار الشرع الحنيف، ومعالم الفقه البينة، وكل أملنا أن يكون طلبتنا قد وعوا منه ما سمعوه، وأدركوا من محاسن قانوننا السماوي سره الذي يهدي للحق وإلى صراط مستقيم.
ولقد مضى على المسلمين حين من الدهر نسوا ما ذكروا به وذهلوا عما يحتوي عليه دينهم من هدى ومن إرشاد واتبعوا ما تملي شياطين الاستعمار من آراء وتشريعات لا قبل لهم بها، ولا اقتناع لعقولهم بمغازيها، ولا تمثل من مجتمعهم شيئا، وإنما هي إنقاض لحضارات متباينة مع حضارتهم، أرغموا على قبولهم بالحديد وبالنار، وبالضغط الفكري الذي يتمثل في هذه المدارس الأجنبية والبرامج الأعجمية.
وإن الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين لم يحدث من الخراب في الأرض وفي الأجسام ما أحدثه في العقول والقلوب والأفهام.
فقد أصبح المسلمون بما تسرب إلى بواطنهم يجهلون أنفسهم ولا يعرفون من حقيقة أمرهم شيئا. واختلفوا باختلاف عدوهم، فمنهم من يؤمن باليمين ومنهم من يؤمن باليسار ومنهم من يظل فارغا من كل عقيدة ومجردا من غير التبعية في الهوى وفي الشهوة، فكان عاقبة أمرهم أن تسلطت عليهم هذه الحكومات البوليسية في كل مكان تصليهم ظلما، ولا تألوهم اضطهادا وهضما، فإذا انتبهوا وظنوا أنهم قادرون على أن يقاوموا الجور وينازلوا الطغيان، جاءهم من فكر الغرب ما يوجههم نحو طغيان آخر واضطهاد جديد، وسيبقون كذلك ما داموا ينشدون العدل من غير الإسلام، والصلاح من غير القرآن؛ وقد صدق مالك حين قال؛ (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) فعسى أن يتنبه طلبتنا، والدارسون للقانون والأخلاق منا، والمتيقظون على العموم، إلى أن الفقه الإسلامي وحده الكافي لعلاج المجتمع، والأخلاق القرآنية وحدها المحققة لتوازن القوى وتعادل الوحدات الاجتماعية في البر والتقوى، فيتقدمون إلى دراسة الفقه، واستخلاص أسراره، وإلى الأخلاق واستنباط جماعها ومعالمها، ثم يشرحون ذلك لإخوانهم. ويبلغونه لجمهور الأمة التي لا تنتظر إلا من يخاطبها بما يوافق قبلها ويعيد وعيها. ثم يجاهدون جهاد الأبطال لإقرار شريعة الإسلام قانونا للدولة، وأخلاق القرآن معيارا للشرف والفضيلة والقيم الاجتماعية.
وأنهم متى فعلوا سيجدون من الاستجابة في الشعب والتأييد من عقلاء الأمة وفلاسفة الدنيا ما يشجعهم ويقوي عزمهم ويثبتهم في مواقفهم.
فأما عقلاء أمتنا فما زالوا يتألمون من هجوم الاستعمار الفكري عليهم، ومازالوا يحللون مع أنفسهم أسباب الانحطاط الذي أصاب بلادهم وقومهم فلا يردونه إلا إلى إعراض الكل عن شريعة الإسلام وتعاليمه الحق. وهم مؤمنون بأن الخير كل الخير لهم ولذويهم في العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهم مستعدون ليكونوا حواريى كل داعية يدعو إلى الحق، وإلى نصرة الشرع.
وأما المثقفون ثقافة غربية من أبناء قومنا فهم مقتنعون بأن الفكر الغربي هو كل شيء والقانون الأجنبي هو المثل الأعلى، ولكن عذرهم أنهم لم يدرسوا الفقه الإسلامي ولا تعرفوا إلى مصادره ولا تعمقوا أسراره ومقاصده، وهم ولا شك مستعدون متى ما وجدوا من ينصبون أنفسهم لتوعيتهم وإرشادهم لأن يستجيبوا، وهم أقدر على المقارنات والمقابلات التي تريهم مزايا الفقه الإسلامي وتفوقه على كل القوانين.
стр. 176
وأما فلاسفة الدنيا وعظماء الغرب فقد سبقوا بعقلهم وإنصافهم إلى إدراك ما في الشرع من محاسن ومميزات لم يصل إليها غيره من القوانين، وشهدوا أن كل من يهمه الإنصاف والعدالة لا مجرد المساواة والعدل، يجب أن يستمد من شريعة الإسلام وأخلاق القرآن، وسننقل هنا بعض هذه الشهادات لتكون عونا لمن لم يدركوا الحقيقة، ومن لا يزالون تحت عقدة النقص أمام غيرنا. والا فان فقه الإسلام ومقاصد الشريعة لا يحتاجان إلى دليل خارجي لإثبات تفوقهما وامتيازهما.
يقول الاستاذ جيبون:
إن الفقه الإسلامي مسلم به من حدود الأقيانوس والأطلانطي إلى نهر الفانج بأنه الدستور ليس لأصول الدين فقط ... بل للأحكام الجنائية والمدنية، وللشرائع التي عليها مدار حياة نظام النوع الإنساني وترتيب شؤونه:
وقد أهاب مسيو لاكازيلي المشرع الايطالي بالعالم كله ان يستمد قانونه من الشرع الإسلامي لأنه حسب قوله أكثر تمشيا مع روح الحياة القانونية. وقد قرر مؤتمر لاهاى للقانون المقارن المنعقد سنة ١٩٣٢: اعتبار الشريعة الإسلامية مصدر القانون العالمي).
وقال العلامة جيب في كتابه (وجهة الإسلام) لا يزال الإسلام يسلك سبيلا وسطاً بين المتناقضات الشديدة. وهو على معارضته لفوضى القومية الأوربية وللنظام العسكري لروسيا الشيوعية، لم يقع بعد عرضة للهجمات الاقتصادية الملحة التي تمتاز بها أوربا وروسيا.
وقال صديقنا المرحوم الأستاذ ماسينيون:
للإسلام الفضل في أنه يمثل لنا فكرة عادلة مما يقوم به كل فرد من أبناء الوطن بدفع عشر ربع الأرض للخزانة العامة. أنه يشن الغارة على المبادلة المطلقة، وعلى رأسمالية المصارف. وقروض الدولة والضرائب غير المباشرة على الأشياء ذات الأهمية الجوهرية. ثم هو يؤكد حقوق الأب والزوج والملكية الفردية ورأس المال التجاري. ونراه هنا يقف مرة في مكان وسط بين الرأسمالية البورجوازية، وبين الشيوعية البولشفية.
ولكن لا تزال للإسلام رسالة يؤديها من أجل الإنسانية، ولا يوجد مجتمع سجل له من النجاح في أن يجمع بين كثير من الأجناس المختلفة وإن سوى بينهم في العمل والمكانة وتهيئة الفرص كما سجل الإسلام.
وإن الجماعات الإسلامية العظيمة، في إفريقيا والهند، وأندونسيا؛ والجماعات الإسلامية الصغيرة في الصين، والجماعات الصغرى في اليابان؛ لتبين جميعا أنه لا تزال للإسلام القوة على أن يتألف العناصر التي لا سبيل إلى التوفيق بينها بسبب الجنس والتقاليد.
وإذا لم يكن بد من أن يحل التعاون محل التضامن بين المجتمعات العظيمة في الشرق والغرب، فإن وساطة الإسلام شرط لابد منه، لأنه في يده إلى حد كبير حل المشكلة التي تواجه أوربا في علاقاتها مع الشرق.
وإن اتحدا زاد الأمل زيادة لا حد لها في بلوغ نتيجة سليمة.
وقال مستر جون، دي، فو؛ نبرت:
إن محمدا حرم سفك الدماء، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأقر المساواة، واستنكر الاستبداد، ومنح الإنسان حقوقه المدنية. فلتتذكر أوربا أنها مدينة بالفضل لهذا الرجل العظيم ( I ).
وإذا فلن ينظر إلينا المفكرون الواعون من الغرب إذا رجعنا إلى ديننا وشريعتنا إلا نظرة التقدير والاحترام.
ومن حسن الحظ أن جماعة مهمة من علماء القانون في العالم الإسلامي، أخذت تدرس الفقه الاسلامى وتؤلف فيه وتبحث على ضوئه مشاكل العصر، وأخذت ترغب في تنظيم مؤتمرات ومجامع لإبراز محاسن الشريعة الإسلامية، وتطوير طريقة عرضها، وأساليب التأليف فيها. وإذا كانت هذه الطائفة ما تزال قليلة العدد ولا زال سلطان القانون المستمد من الغرب والحاكمون بمقتضاه ِ حائلين بينها وبين إنجاز برامجها وتحقيق مقصدها فإنها تبشر بصدق ما أخبر به الرسول ﵇ من أنه: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى ياتى امر الله.
ولا شك أنهم سينتصرون متى ثبتوا وصبروا وصابروا. لأن الحق معهم وهم رجاله. (وإن حزبنا لهم المنتصرون) وكل أملنا في أن تخرج كل من كليتي الحقوق والشريعة مجازين قادرين على المساهمة بنصيب أوفي في دراسة الشريعة واستجلاء محاسنها وعرضها في ثوب قشيب عصري، يسهل على غيرهم أن يدرسوها ويفهموها.
فإذا كانت هذه المحاضرات التي ألقيت في كل من الكليتين، قد فتحت لطلبتها آفاقا لمعرفة مقاصد الشريعة وأسرارها وأخلاق الإسلام ومكارمه، فإن ذلك خير جزاء لي على ما بذلت من مجهود، والله سبحانه المسؤول أن يوفقنا جميعا لما فيه خير أمتنا وديننا ويسلك بنا وبالإنسانية كلها مسالك النجاة والمعرفة والسلام.
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب).
стр. 177
مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبدالسلام
المؤلف/ المشرف: عمر بن صالح بن عمر
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس- الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مقاصد الشريعة
الخاتمة
في ختام جولتي مع هذا الرجل العملاق في علمه وورعه وجهاده أقف معه وقفتين توديعيتين حتى ألقاه في جنات الخلد إن شاء الله.
الوقفة الأولى: بعض نقاط الجديد عند الإمام العز.
ليس المراد بالتجديد تغيير حقائق الدين الثابتة القطعية لتلائم أوضاع الناس وأهواءهم ولكنه تصحيح للمفاهيم المترسبة في أذهان الناس عن الدين وتعديل لأوضاعهم وسلوكهم وفقا لتعاليمه وإرجاعه غضا طريا بعد أن تراكم عليه البدع والانحرافات.
وكل هذا ينطبق على إمامنا العز – ﵀ – فقد أمات البدع، وأحيا السنن، كما حارب التقليد وأحيا الاجتهاد ومارس دور العالم المجاهد في قيادة الأمة فالتف الناس حوله واتخذوه إماما بدون منازع – كما مر معنا في ترجمته - وهو جدير بذلك فقد كان يدافع عن مصالح الأمة بيده وبلسانه وبقلمه ويحفظ حقوقها ويدرأ عنها كل المافسد.
ومن نقاط التجديد عند الإمام ما يلي:
- النقطة الأولى: سعي الإمام لتقنين أصول الفقه.
يظهر سعي الإمام لتقنين أصول الفقه فيما نلاحظه أثناء دراسة كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام من تفريعات واستثناءات وشواهد وضوابط انظر مثلا حديثه عن النسيان وما يتعلق به وما يسقط به وما لا يسقط به وضابطه
وكذلك في حديثه عن المشقة وأنواعها وضوابطها
وكل ما يحتاج إلى ضابط فإن الإمام يغفل عن تجديد ضابطه فها هو يقول مثلا: "والضابط أن اختلال الشرائط والأركان إذا وقع لضرورة أو حاجة فإن لم يختص وجوبه بالصلاة كالستر فإن كان في قوم يعمهم العري فلا قضاء عليه لما فيه من مشقة ...
ويواصل في تحديد ضابط ما يتدارك إذا فات بعذر وما لا يتدارك مع قيام العذر.
وهكذا توجهت همة الإمام إلى تجديد بناء العقلية الإسلامية بالتأكيد على العقلية الأصولية التي لا ينبغي أن تغرق في الجزئيات وإنما اختصرها في كليات وضبطها في قواعد لمواجهة مستجدات الحياة مهما تعقدت وتشبعت ويبدو هذا جليا في الثروة الهائلة من القواعد التي خلفها لنا الإمام – ﵀ – متناثرة في كتبه هذه القواعد التي تتوجه بالهمم والأنظار نحو المستقبل لتواكب تطور الحياة عن وعي وإدراك وتلبي احتياجات العصر المتغيرة عبر الزمان والمتنوعة عبر المكان أما الفروع فغالبا ما تعني بالماضي لتحكم له أو عليه.
والقواعد التي ذكرها الإمام كثيرة أقتصر على نماذج منها تمهيدا لبحثها بحثا مستقلا بإذن الله تعالى.
- أولاً القواعد الفقهية:
١ـ تحصيل مصلحة الواجب أولى من دفع مفسدة المكروه
٢ـ تصرف الولاة ونوابهم بما هو الأصلح للمولي عليه
٣ـ لا يقدم في أي ولاية إلا أقوم الناس بمصالحها ودرء مفاسدها
٤ـ لا يجوز تعطيل مصالح صدقها الغالب خوفا من وقوع مفاسد كذبها النادر
٥ـ حفظ البعض أولى من تضييع الكل
٦ـ حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود
٧ـ تحمل أخف المفسدتين دفعا لأعظمهما
٨ـ دفع الضرر أولى من جلب النفع
٩ـ الأصل في الأموال التحريم ما لم يتحقق السبب المبيح
ويمكن القول بأن الإمام قد ألقى أوسع ما يمكن من الضوء على قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد وأظهر باستقرائه جريانها في مسائل لا تحصى وأحكام لا تعد أصليها وفرعيها حتى استطاع أن يرجع الفقه كله إلى هذه القاعدة الشاملة الجامعة الأصيلة " اعتبار المصالح ودرء المفاسد"
ب ـ في مراعاة التخفيف ورفع الحرج:
١ـ لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه
٢ـ الأشياء إذا ضاقت اتسعت
٣ـ قد وسع الشرع في النوافل ما لم يوسعه في الفرائض
٤ـ الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبا لمصلحتها
стр. 178
٥ـ ما أحل لضرورة يقدر بقدرها ويزول بزوالها
ج ـ في المقاصد والوسائل:
١ـ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
٢ـ كل ما كان أقرب إلى تحصيل المقصود من العقود كان أولى بالجواز لقربه إلى تحصيل المقصود
٣ـ لا تقدم التتمات والتكملات على مقاصد الصلاة
٤ـ الوسائل تسقط بسقوط المقاصد
٥ـ كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل
٦ـ إذا كان المطلوب محرما فسؤاله حرام
٧ـ يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع
د ـ في مقاصد المكلفين:
١ـ مقاصد الألفاظ على نية اللافظين ويستثنى من ذلك اليمين فإنه على نية المستحلف
٢ـ من أطلق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه
٣ـ العقود مبنية على مراعاة المقصود دون صور الأعواض
الأغلب على الناس هو الجزم
هـ ـ في أمور متفرقة:
١ـ المتوقع كالواقع
٢ـ ما لا يمكن ضبطه [يجب] الحمل على أقله
٣ـ القليل يتبع الكثير في العقود
٤ـ من لا يملك تصرفا لا يملك الإذن فيه وذكر لهذه القاعدة مستثنيات
٥ـ من ملك الإنشاء ملك الإقرار
ثانيا: القواعد الأصولية:
أـ في الأحكام التكليفية:
١ـ لا تكليف بما لا يتعلق به قدرة ولا إرادة
٢ـ لا يجوز تأخير حق يجب على الفور لأمر محتمل
إذا كان المطلوب محرما فسؤاله حرام
٤ـ لا يترك الحق لأجل الباطل
ب ـ في تعليل الأحكام:
١ـ الأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها
٢ـ الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبا لمصلحتها
ج ـ في العموم والخصوص:
دلالة العادات وقرائن الأحوال بمنزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق
د ـ في الدلالات:
١ـ تقدير ما ظهر من القرآن أولى في بابه من كل تقدير
٢ـ يقدر من المحذوفات أخفها وأحسنها وأفصحها وأشدها موافقة للغرض
٣ـ الكلام الصريح لا يفتقر إلى نية لأنه بصراحته منصرف إلى ما دل عليه
هـ في سد الذرائع:
١ـ يحتاط لدرء مفاسد الكراهية والتحريم كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب ولهذه القاعدة مستثنيات
٢ـ تنزيل الموهوم (من المصالح والمفاسد) منزلة المعلوم
وـ في العرف والعادة:
١ـ دلالة العادات وقرائن الأحوال بمنزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وقد تقدم ذكرها قريبا في العموم والخصوص.
٢ـ ينزل الاقتضاء العرفي الاقتضاء اللفظي
٣ـ دلالة العرف كدلالة اللفظ
ز ـ في الاستصحاب:
١ـ استصحاب الأصول مثاله من لزمه طهارة أو .. ثم شك في أداء ذلك .. لزمه ذلك لأن الأصل بقاؤه في عهدته
٢ـ الأصل براءة الذمة مثاله من شك هل لزمه شيء .. لا يلزمه شيء من ذلك لأن
الأصل براءة ذمته
ج ـ في الخروج من الخلاف:
الخروج من الخلاف مستحب
ط ـ في الاجتهاد:
الاجتهاد لا ينقض
ويعد الإمام أول من فتح باب التأليف في القواعد ثم تبعه من جاء بعده
النقطة الثانية: من تجديدات الإمام: ربط الأصول بأهدافها الحيوية وإعادة دمج ثمارها في واقع الحياة فقد اتجه الإمام بأصول الفقه اتجاها عمليا بعيدا عن التكلف النظري إذ إنه لا يؤمن بأن هناك قضايا فلسفية لذا نجده يكثر من التمثيل والتطبيقات الفقهية في قواعد الأحكام ومصالح الأنام خاصة مما يخرج تلك القواعد من الجمود النظري إلى التطبيق الفقهي.
ـ النقطة الثالثة: تقسيم المصالح والمفاسد تقسيمات كثيرة الواقف على كلام العز في كتابه قواعد الأحكام يجده أفاض في المصلحة (وكذلك المفسدة) تقسيما وتمثيلا وأتى في هذا الموضوع بما لم يأت به غيره ممن تكلموا فيها بل كثير منهم اتخذوه قدوة ورائدا في هذا الشأن
ومما راعاه الإمام في تقسيمه عظم المصلحة وشر المفسدة فقدم من المصالح ما هو أعظم خيرا للمكلف وأبعد من المفاسد ما هو أكثر شرا للمكلف فجاء ترتبيه حسب نفع المكلف من حيث الإقدام على المصالح والإحجام عن المفاسد فدفع الكفر – في أعلى المراتب،
стр. 179
ودفع القتل بعده ثم تترتب فضائل الدفع بمراتب المدفوع في سوئه وقبحه وعد هذا معروفا بالعقل قبل ورود الشرع ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به
ـ النقطة الرابعة: إبراز الوسائل وتنوعها لتحقيق مقاصد الشريعة حتى لا يصيب المكلف ملل ولا ضيق أو يعتريه فتور في تحقيق والمحافظة عليها.
النقطة الخامسة: كثرة الطرق الموصلة إلى معرفة المصالح الدنيوية عند الإمام.
النقطة السادسة: النظرة الشاملة من الإمام لتحقيق المقاصد العامة إذ يرى إصلاح القلوب وتزكية النفوس والتخلق بصفات الله والاتصاف بها عامل مهم في تحقيق المقاصد المكلفة لقصد الشارع.
ـ النقطة السابعة: تحريره تحريرا شافيا كافيا لمسألة الثواب في المصائب فكان بذلك أستإذا لمن جاء بعده كالشاطبي
ـ النقطة الثامنة: اتسام منهج الإمام التغييري بالشمولية بحيث نجده يتراوح بين اللين والشدة وبين الموعظة والقتال ذلك بأن الإمام ينظر إلى كل الظروف التي يحتمل أن تواجه الداعية في دعوته لتطبيق شرع الله وتحقيق مقاصده.
الوقفة الثانية: أهم النتائج المتوصل إليها.
ـ أولا: الاعتراف بجهود هذا الإمام ولفت الأنظار إلى فضله العظيم في تأسيس علم
المقاصد واهتمامه بها الأمر الذي مهد الطريق للذين جاؤوا من بعده.
ويمكن القول بأن مشروعه تجديديا إحيائيا لترميم تصدعات الحياة الإسلامية ولكن لم تتهيأ له الأجواء السياسية والثقافية والاجتماعية ليعطي ثماره الحضارية تجديدا ونهضة ذلك بأن عصره – كما مر معنا في ترجمته – عصر انقسامات واستعانة بالكفار وإعانة لهم على المسلمين.
ومن حقنا أن نتساءل عن المصير الذي قدر لهذا المشروع منذ نهاية القرن السابق مرورا بالشاطبي وابن عاشور إلى يومنا هذا ولعل همم بعض طلاب العلم تجعل هذا التساؤل رسالة علمية كما أنني لست بمبالغ عند اعتبار أن الفكر الإسلامي اليوم في أمس الحاجة إلى الاستنارة بمثل أفكار هذا الإمام العالم ذي الشخصية العلمية الفذة وإلى كل من آرائه واجتهاداته هذه الآراء والاجتهادات التي أعلت من شأن أصول الفقه بأن فتحت له بابا جديدا وهو فن مقاصد الشريعة.
وأن ما في هذا الرسالة من اجتهادات الإمام وآرائه لا تغني عن الرجوع إلى مؤلفاته والنهل من نبعها الصافي.
ثانيا: الاعتراف بجهود الإمام في محاربة التقليد والركود والجمود ودعوته إلى الاجتهاد المتعمق الذي يستوعب كل الحياة بجميع تطوراتها ومتغيراتها الاجتماعية والسياسية ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالتعمق في فهم النصوص الشرعية في أبعادها الأصولية والفقهية والمقاصدية.
ثالثا: المقاصد العامة ثابتة لا تتغير ولا تختلف باختلاف الأمم والعوائد والأزمنة وإن اختلفت بعض مصالح الناس باختلاف الأزمان والأعراف ومن هنا كانت دعوة ابن عاشور لصهر مسائل أصول الفقه وإعادة ذوبها في بوتقة التدوين وتسميتها بمقاصد الشريعة
ـ رابعا: تعد مقاصد الشريعة الركن الثاني من أركان أصول الفقه – وركنه الأول هو:
الفهم الذي يقوم على جانب الاستكشاف والتجريد والتعميم – وهي بمثابة تنزيل الأحكام المجردة على واقع الأحداث ومستجدات الأمور بمعطياتها الزمانية والمكانية وملابساتها الشخصية فـ "مثل ما يتوقف استنباط الأحكام الشرعية على الألفاظ فإنه يتوقف على مقاصد اللافظ
ومع كون المقاصد مبحثا أصوليا إلا أنه يكاد يكون مفقودا في كتب الأصول كمبحث مستقل قائم الذات إلا من بعض الإشارات في مباحث العلة أو المناسبة أو الاستصلاح ...
стр. 180
وإذا اعتبرنا أصول الفقه قانونا يتوصل به إلى استنباط الأحكام وكيفية التطبيق السليم فإن الاهتمام اليوم بالمقاصد أكثر من ذي قبل يعد خطوة نحو تلبية متطلبات الحياة ومسايرة قضاياها المستجدة لاستيعاب جميع متغيراتها.
ومن المعلوم أن التشريع وليد الحاجة فما قام تشريع في أمة ولا نشر فيها قانون إلا وقد قام في البلاد قبلهما حاجة تدعو إليهما فيأتي التشريع ويصاغ القانون على قدر تلك الحاجة الداعية والقوانين في جميع أنحاء العالم لا تلبث بعدة مدة من وضعها أن تصبح غير وافية بالنسبة لبعض الأحداث فالاهتمام بالمقاصد يساعد على إيجاد الحلول المناسبة لما استجد من القضايا في إطار من الضوابط قد سبق بيانها في أثناء الرسالة حتى لا يكون لأهواء الناس مدخل في استنباط الأحكام أو تطبيقها.
وقد بين ابن عاشور شدة حاجة الفقيه إلى معرفة المقاصد في مثل هذه الحالة " فاحتياجه فيها ظاهر وهو الكفيل بدوام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا "
ـ خامسا: المقاصد متداخلة لا يكاد ينفك بعضها عن بعض ولقد تبين فيما سبق
أنها خادمة لبعضها فقد يكون المقصد وسيلة مفضية إلى مقصد أعلى منه كما أن المقاصد الجزئية للأحكام تندرج بدورها في دوائر تنتهي إلى المقاصد الكلية التي تنتهي بدورها إلى المقصد الأعلى وهو تحقيق مصالح العباد في الدنيا والمعاد.
سادسا: المقاصد العامة معان حقيقية تهدف الشريعة إلى تحقيقها في واقع الحياة حتى تكون على تلبية حاجيات المسلمين وساعية نحو الأفضل في تنظيم مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإلى تحقيق كل ما ينفع الأفراد والأمة من خير يعود على خدمة الضروريات والحاجيات والتحسينيات.
سابعا: المقاصد العامة مع الفطرة وهي أساس هام بني عليه هذا الدين قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٠) سورة الروم
ومما يؤكد عليه الإمام أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد نظرا لهم من رب الأرباب
ثامنا: ينبغي أن تكون الاجتهادات الفردية أو الجماعية المؤقتة أو الدائمة مرتبطة بواقع الحياة وبمقاصد الشريعة الإسلامية كضابط لهذه الاجتهادات من الزيغ والانحراف وليكون أقرب ما تكون إلى الصواب وأجدر بالتطبيق العلمي في الحياة.
الضابط الأول: ارتباط الاجتهاد بواقع الحياة.
الارتباط كما نعيشه من ناحية ويشمل جميع مجالات هذا الواقع من ناحية أخرى نتفادى الثغرات – إن لم نقل الفراغ – الذي نعيشه في عدد غير قليل من مرافق التنظيم الاجتماعي الذي ما تزال مبادئ التشريع فيها معتمدة على حضارة وفلسفة أجنبيتين.
لذا كان لزاما على العالم أن تكون علاقته بالمجتمع الذي نعيشه علاقة وطيدة – كعلاقة إمامنا العز بمجتمعه – حتى تكون آراؤه آراء عالم خبير بأحوال النفوس دارس لها متعمق في
دراستها فاحص لأحوال عصره عارف بظروفه ذلك بأن هذه الآراء والفتاوى مواقف يتحرك بها المجتمع نحو التغيير ولا يقتصر ضررها على الفرد بل يتجاوزه إلى الأمة وكل خطأ في تقدير الموقف محسوب على توجهات المجتمع وسلامته.
الضابط الثاني: انبناء الاجتهاد على مقاصد الشريعة.
ويبدو ارتباط الاجتهاد فيما قرره الإمام من أن المقاصد مرجوع إليها
وأن كل غافل عنها في حكمه أو فتواه يلزمه أن ينقض حكمه ويرجع عن فتواه وأما من أفتى على ما تقتضي قواعد الشريعة وإقامة مصالحها فكيف يحتاج إلى نقل جزئي مخصوص من كلي اتفق على إطلاقه من غير استثناء
следующие страницы →