← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٣هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قول الصحابي الخاتمة تلخيص أهم نتائج البحث وما ورد فيه: ١ـ في الختام أحمد الله وأشكره على ما يسره وهدى إليه وأسأله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ هذا وأعتذر عما وقع في البحث من تقصير فلا أدعي أنني وفيته حقه أو استقصيته من جميع جوانبه، أو أنني لم أخطئ في شيء والتسامح من شيم الكرام. والله وحده الذي يعلم قدر الجهد والعناء الذي لقيته في إعداده، فأسأله الثواب عليه وأن يجعله خالصا لوجهه إنه جواد كريم. ٢ـ لقد حرصت أن يكون البحث وافيا شاملا لأهم ما له علاقة بالموضوع وأن يكون الترتيب بين فصوله منسقا ومرتبطا بعضها ببعض وبعناوين بارزة ليكون أقرب إلى الفهم والانتفاع. ٣ـ كما حرصت أن يكون البحث في مسائله الخلافية جامعا لجميع أقوال أهل العلم في موضوعه، وأن تكون الأقوال والمذاهب منقولة بنصها عن العلماء السابقين أصحاب الكتب المعتمدة حتى يغني القارئ ويكفيه عن الرجوع إلى الكتب الأخرى في الموضوع وهذا على خلاف ما عليه بعض الكتبة من الاكتفاء بذكر اسم الكتاب أو صاحب القول فقط، مما يضطر القارئ إلى الرجوع إلى الكتاب والبحث عنه للاطلاع على القول بنصه. ٤ـ يطلق الصحابي عند جمهور المحدثين وبعض الأصوليين على من لقي النبي – ﷺ مؤمنا به عاقلا مميزا ومات على الإسلام ولا عبرة بما عدا ذلك من الاعتبارات والقيود في الأقوال الأخرى. ٥ـ من رآهم النبي – ﷺ – صغارا دون التمييز ووجدوا بحضرته الشريفة جاز إطلاق اسم الصحابي عليهم من هذا الوجه فقط لينالهم من شرف الصحبة والكرامة ما يميزهم عمن لم يروه – ولا رآهم ولا يدخلون في مسمى الصحابي من الوجوه الأخرى التي تخص الصحابي عرافاً كالعدالة للرواية عند المحدثين والاحتجاج بقوله عند من يراه حجة أو الترجيح بقوله عند الأصوليين. ٦ـ الخلاف في مسمى الصحابي خلاف حقيقي له ثمرة وليس لفظيا كما يفهم من كلام بعضهم. ٧ـ إنما نال الصحابة – رضوان عليهم – ما نالهم من الكرامة والفضل لكرامة النبي – ﷺ – وتفضيله على سائر المرسلين فصحابته خير الأصحاب باتفاق المسلمين وهم خير أمة أخرجت للناس وقرنهم خير القرون بلا منازع وأفضلهم وأتقاهم أشدهم اتباعا للنبي – ﷺ – وأشدهم تمسكا بهديه وهكذا من جاء بعدهم. ٨ـ الصحابة – ﵃ – كلهم عدول بتعديل الله ورسوله لهم فلا يسأل عن أحوالهم من أجل قبول أخبارهم وشهاداتهم، وكفي بشهادة الله ورسوله لهم بالعدالة والفضل والرضا عنهم تزكية فلا تطلب تزكيتهم ولا الحكم عليهم ممن هو دونهم وقد زكى بعضهم بعضا وهم خيار الأمم بلا مراء وجدال. ٩ـ الصحابة رضوان الله عليهم طبقات متفاوتون في العلم والفضل والرواية عن النبي – ﷺ – وملازمتهم له في حضره وشهود المشاهد الفاضلة مع النبي – ﷺ وملازمتهم له في حضره وسفره وجهادهم معه بالنفس والمال فليسوا في ذلك كله على درجة واحدة مع الاتفاق أن أفضلهم على الإطلاق الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي – ﵃ – باتفاق أهل السنة والجماعة على أن أفضل الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر – ﵃.

стр. 72

١٠ـ تبين من خلال النقول عن العلماء في بيان تحرير محل النزاع في الاحتجاج بقول الصحابي أن قول الصحابي المختلف فيه هو قوله في المسائل التكليفية الاجتهادية التي لم يظهر له فيها مخالف ولا موافقة الباقين سواء انتشر قوله في الباقين أو لم ينتشر فكلا القولين في الواقع محل نزاع بين العلماء وفرق بعضهم بين القولين في الحكم ولم يفرق بعضهم الآخر وأطلق كثير من الأصوليين على قول الصحابي إذا انتشر في الباقين ولم يظهر له مخالف الإجماع السكوتي. ١١ـ إنه من خلال النقول عن أصحاب المذاهب الأربعة وتتبع أقوال العلماء في الاحتجاج بقول الصحابي إذا انتشر ولم يظهر له مخالف تبين أنه لا يخلو مذهب منها في الجملة من القول بالاحتجاج في هذه المسألة وإن كان لبعضهم فيها أكثر من قول وأن القائلين فيها بالإجماع يعنون به الإجماع الظني ومن يقول بأنها حجة وليست بإجماع يعنون به كذلك أنها حجة ظنية فكان الخلاف بين أكثر المحتجين بها خلافا لفظيا وأنها على التحقيق حجة ظنية كخبر الواحد تقدم على القياس وهو ما يمكن به الجمع بين أدلة الأقوال وتعليلاتهم. والله أعلم. ١٢ـ قول الصحابي إذا لم ينتشر ولم يظهر له مخالف ولا موافقة الباقين مما عده أكثر الأصوليين محلا للنزاع في الاحتجاج بقول الصحابي وإنه من خلال حصر الأقوال في هذا المسألة وما استدل به لكل قول وبعد مناقشة الأدلة والنظر فيها بإمعان تبين أن قول الصحابي في تلك المسألة ليس بحجة تبنى عليها الأحكام استقلالا لكن يمكن أن يستأنس بقوله ويرجح به خلافا لمن منع من ذلك. ١٣ـ تقليد العامي للصحابي جائز مطلقا ولا يجوز ذلك للعالم إلا إذا لم يمكنه الاجتهاد أو كان اجتهد ولم يظهر له الحق خلافا لبعضهم. ١٤ـ تقليد الصحابي لا يعني الاحتجاج بقوله للفرق بينهما خلافا لقلة من العلماء وبعض المعاصرين. ١٥ـ يجوز على الصحيح من أقوال العلماء أن يرجح بقول الصحيح أحد الخبرين المتعارضين أو أحد القياسين المتساويين أو أحد الاحتمالين للحديث المحتمل خلافا لمن خص ذلك بقول الصحابي الذي شهد له الشرع بمزيد علم ولمن منع من الترجيح بقوله مطلقا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 73

التحرير في قاعدة المشقة تجلب التيسير المؤلف/ المشرف: عامر سعيد الزيباري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٥هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة إن الشريعة الإسلامية تمتاز بقابليتها للتجديد ومواكبتها للتطور الزمني والبشري على مر الأزمان والعصور، وتمتاز كذلك بخاصية التيسير ورفع الحرج ورعاية المصالح فحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. فهي شريعة تستحق البقاء والخلود وهي بحق أساس سعادة البشرية في ظل حضارة شاملة وكاملة. وصدق الله في كتابه العظيم: ﴿قَدّ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإذنِهِ وَيَهدِيِهم إلى صِرَاطٍ مُّستَقِيم ٍ﴾. فمن خلال هذا البحث اتضح أن الشريعة الإسلامية مثلما سلكت مسلك الحزم في تقرير أحكامها. اتخذت كذلك مسلك التيسير والرحمة بالقدر الذي لا يفضي إلى الإخلال بمقاصد الشريعة. ويتجلى ذلك بما ثبت من التيسيرات والأحكام الخاصة بالأعذار وفي هذا تأكيد على أن المقصود من التكليف هو حصول الامتثال وتحقيق مقاصد الشرع من جلب المصالح ودرء المفاسد. والمكلف مطالب بتحقيق طلب الشارع ما دام أنه قادر لما كلف به في الطلب الأول، فإذا حصل له ظرف طارئ من مرض أو سفر أو حاجة ونحو ذلك من أسباب التيسير فإنه يعدل إلى هذه الأحكام المخففة ولا يكلف نفسه معاناة الطلب الأول من غير أن ينقص من أجره شيء بل الأبعد من ذلك، أن المسلم إذا كان له عادة في أداء عبادة في حالة الصحة أو الإقامة ثم طرأ عليه من المرض أو السفر ما يمنعه ذلك، ثبت له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً أو مسافراً. يقول ﵊:"إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً". كما اتضح أن التيسير قد لا يكون مقصوراً على الظروف العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار بل ربما يشمل كذلك الحاجيات والضرورات العامة المؤقتة وذلك كأن يعرض الاضطرارللأمة أو طائفة عظيمة منها تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي كسلامة الأمة وإبقاء قوتها. وهذا مما جعل الموضوع خصباً وقابلاً لأن ينال حظه من الدراسة الجادة والموضوعية لحاجة المسلم المعاصر إلى توضيح وضبط كثير من الأمور وبشكل خاص ما يتعرض له في حياته اليومية وكذلك ما يطرأ على المجتمع في مختلف جوانب الحياة من ظروف وتطورات أو طوارئ تتبدل بها الأحكام تخفيفاً أو تيسيراً. والله ولي التوفيق.

стр. 74

التحسين والتقبيح العقليان وأثرهما في مسائل أصول الفقه مع مناقشة علمية لأصول المدرسة العقلية الحديثة المؤلف/ المشرف: عايض بن عبدالله بن عبدالعزيز الشهراني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: كنوز إشبيليا – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة: أهم النتائج التي توصلت إليها: ١) أن العقل في اللغة يدور حول معنى المنع والحبس، ويطلق على عدة معان أخرى لها علاقة بهذا المعنى. وأما في الاصطلاح؛ فقد اختلف فيه العلماء كثيراً، والذي ترجَّح لي أنه يطلق على ثلاثة معان، وهي: ١ - الغريزة التي خلقها الله تعالى في الإنسان، والتي بها يَعلَم ويعقل، وتُميِّزه عن سائر الحيوان. ٢ - العلوم الضرورية التي لا يمكن أن يخلو منها عاقل. ٣ - العلوم المستفادة من التجارب. ٢) أن العقول تتفاوت بين الناس كما تتفاوت سائر صفات الأحياء؛ من القدرة والإرادة والسمع والبصر. ٣) أن العقل له مكانة كبيرة في شريعة الإسلام، ولا أدل على ذلك من كثرة تكرار مادة (عقل) في كتاب الله تعالى، وقد وردت كلها على سبيل مدح من اتصف به، أو ذم من انتفى عنه، أو على سبيل الحث على إعماله للوصول إلى حقيقة ما. ٤) أن المجالات التي يمكن للعقل أن يُعمل فيها دورَه كثيرة جداً، سواء في مجال الاعتقاد أو الشرائع أو الأخلاق أو التجارب والابتكارات. غير أن هناك مجالات يعجز العقل عن دركها؛ فينبغي عدم إقحامه فيها؛ وذلك كأمور الغيب، وإثبات أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، والخوض في القدر، والحكم بالحل والحرمة والوجوب والندب والكراهة من دون الاستناد إلى النصوص الشرعية. ٥) أن التحسين مأخوذ من الحسن، وهو في اللغة: ضد السيء، والتقبيح مأخوذ من القبح، وهو في اللغة: ضد الحسن. ومعنى الحسن اصطلاحاً: هو النافع، أو ما يعود به على فاعله نفع. ومعنى القبيح اصطلاحاً: هو الضار، أو ما يعود به على فاعله ضرر. ٦) أن أول من وقع في شبهة التحسين والتقبيح العقليين هو إبليس عياذاً بالله منه، ثم تتابع على ذلك أتباعه من بني آدم؛ كالمجوس والثنوية والتناسخية والصابئة والبراهمة والفلاسفة وبعض اليهود والنصارى. ٧) أن أبرز فرقة من فرق أهل القبلة اشتهر عنها القول بالتحسين والتقبيح العقليين هي فرقة المعتزلة، وقد انتقل إليهم هذا القول عن طريق روافد غير إسلامية؛ كبعض النصارى من أمثال يوحنَّا أو يحيى الدمشقي، وكالثنوية المجوس، والبراهمة، وفلاسفة اليونان، وكان الفلاسفة اليونان من أقوى الروافد في ذلك. ٨) أن قاعدة التحسين والتقبيح العقليين من مهمات القواعد وكبار المسائل، وذلك لارتباطها بعلوم عدة؛ كعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، وعلم الفقه، إلى جانب كثرة الثمرات المترتبة على الخلاف فيها. ٩) أن الأصوليين ذكروا مسألة التحسين والتقبيح العقليين في كتب أصول الفقه لعلاقتها الكبيرة بمبحث الحكم التكليفي؛ إذ أن من قال بالتحسين والتقبيح بإطلاق رتَّب على ذلك الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، ومن لم يقل بذلك نفى هذا. ١٠) الذي ظهر لي أن مسألة التحسين والتقبيح العقليين فيها مواطن اتفاق بين العلماء، ومواطن اختلاف بينهم. أما مواطن الاتفاق فهي: ١ - الأحكام العقلية، كالحسابيات والهندسيات، ونحوها، فهذه الأحكام قد اتفق الجميع على أنها من مدارك العقول، ولا يتوقف دركها على الشرع المنقول. ٢ - الأحكام الشرعية التعبدية، وهذه لا خلاف بين العلماء في أن مرجعها إلى الشرع دون العقل. ٣ - أن كل ما أمر الله به ورسوله فهو حسن، وأن كل ما نهى الله عنه ورسوله فهو قبيح. وأما مواطن الاختلاف، فهي:

стр. 75

أ) إدراك العقول لحُسن الأشياء وقبحها؛ بمعنى أن الأفعال والأعيان هل في ذواتها حقائق متقررة هي أهل لأن تراعى وتؤثر وتستتبع الرفع من شأنها أو شأن المتصف بها؟ وحقائق هي أهل في نفسها لأن يُعدل عنها، وتستتبع الوضع من شأن من اتصف بها؟ ب) المجازاة على الأفعال بذم أو عقاب أو مدح أو ثواب هل تعرف بالعقل أو يستقلُّ الشرع بها؟ ١١) أن العلماء اختلفوا في محل النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليين على ثلاثة أقوال مشهورة إجمالاً، وهي: القول الأول: نفي التحسين والتقبيح العقليين؛ بمعنى نفي إدراك العقل لحسن الأشياء أو قبحها، وأن الأفعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، وليس في العقل حُسْن حَسَن ولا قُبْح قَبيح؛ بل حُسْن الأفعال وقُبْحها مستفادان من الشرع فحسب، ولا مدح ولا ثواب ولا ذم ولا عقاب إلا بالشرع. القول الثاني: أن العقل يمكنه إدراك حُسْن أو قُبْح كثير من الأفعال والأشياء؛ لما تشتمل عليه من صفات الحُسْن أو القُبْح الذاتيين، فتسمى الأشياء والأفعال قبل الشرع حَسَنة أو قَبيحة، لكن لا يترتب على ذلك الإدراك وجوب ولا تحريم ولا ثواب ولا عقاب؛ بل الأمر في ذلك متوقف على ورود الدليل الشرعي به. ١٢) أن الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين يعود إلى الخلاف في عدة أصول، أهمها ما يلي: أ) أفعال الله تعالى وأوامره ونواهيه: هل هي معللة بالحِكم والغايات أو لا؟ والحق في ذلك ما عليه السلف من أن الله تعالى خلق المخلوقات وفعل المفعولات وأمر بالمأمورات ونهى عن المنهيات لحِكمة مقصودة. ب) الحِكمة المثبتة لله تعالى: هل هي فعل يقوم بالله سبحانه قيام الصفة به؛ فيرجع إليه حُكمها ويشتق له اسمها أم ترجع إلى المخلوق فقط من غير أن يعود إلى الرب منها حُكم أو يشتق له منها اسم؟ والحق هو الأول، وهو ما عليه السلف الصالح. ج) إرادة الله تعالى هل تعلقها بجميع الأفعال تعلق واحد؟ فما وجد منها فهو مراد له، محبوب مرضي - طاعة كان أو معصية - وما لم يوجد منها فهو مكروه مبغوض، طاعة كان أو معصية أو لا؟ والحق ما عليه السلف من أن الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة، فالمعاصي كلها مكروهة لله؛ وإن وقعت بمشيئته وخلقه، والطاعات كلها محبوبة لله؛ وإن لم يشأها كوناً ممن لم يطعه. د) أفعال العباد هل هي مخلوقة لله أو لأنفسهم؟ والحق في ذلك ما عليه السلف من أن الله خالق أفعال العباد كلها، والعباد فاعلون لها حقيقة، ولهم قدرة حقيقية على أفعالهم، ولهم إرادات، والله خالقهم وخالق قُدَرِهم وإراداتهم، وإراداتهم خاضعة لمشيئة الله الكونية. ١٣) أن الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين خلاف معنوي؛ ترتبت عليه ثمرات عقدية وأصولية وفقهية. فمن الثمرات العقدية المترتبة على الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين ما يلي: أ) معرفة الله تعالى هل هي واجبة بالشرع أو بالعقل؟ ب) الخلاف في وجوب شكر المنعم عقلاً. ج) الخلاف في وجوب الصلاح والأصلح على الله تعالى. د) الخلاف في وجوب اللطف على الله تعالى. هـ) الخلاف في وجوب الثواب على الطاعات. و) الخلاف في إثبات عذاب القبر. ز) الخلاف في الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن، وغير ذلك من الثمرات .. ومن الثمرات الفقهية المترتبة على الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين ما يلي: أ) الخلاف في صحة إسلام الصبي المميز. ب) الخلاف في قبول خبر الواحد في رؤية الهلال في الصحو. ج) الخلاف في انعقاد نَذْرِ من نَذَر صوم يوم العيد وأيام التشريق. د) الخلاف في قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض.

стр. 76

١٤) أن الذي يترجح لي في مسألة التحسين والتقبيح العقليين هو ما عليه أئمة السلف من إثبات إدراك العقل لحُسن أو قُبح كثير من الأشياء والأفعال؛ لكن لا يترتب على ذلك الإدراك حكم شرعي من إيجاب أو تحريم أو ندب أو كراهة أو إباحة؛ بل الأمر في ذلك متوقف على ورود النصوص الشرعي؛ وذلك لأن هذا القول هو ما تشهد له النصوص الشرعية والِفطَر المستقيمة والعقول السليمة. ١٥) لقد ظهر لي تأثُّر كثير من المسائل الأصولية بالخلاف في التحسين والتقبيح العقليين، بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد ذكرت من ذلك المسائل التالية: ١ - مسألة شكر المنعم. ٢ - مسألة الصلاح والأصلح. ٣ - حد الواجب. ٤ - الواجب المخيَّر. ٥ - حد الحرام. ٦ - المنهي عنه في مسألة النهي عن أحد الأمرين. ٧ - حد المندوب. ٨ - قبح المكروه. ٩ - حد المباح. ١٠ - تسمية المباح حسناً. ١١ - دخول الإباحة في الحكم الشرعي. ١٢ - هل المباح مأمور به؟ ١٣ - التكليف هل يكون مقيداً بالأصلح؟ ١٤ - حكم أفعال العقلاء قبل ورود الشرع. ١٥ - تكليف ما لا يطاق. ١٦ - تقدير خلو واقعة عن حكم الله تعالى. ١٧ - فتور الشريعة. ١٨ - هل فعل غير المكلف حسن أو لا؟ ١٩ - وقت توجه التكليف بالفعل. ٢٠ - هل الكف فعل أو ليس بفعل؟ ٢١ - حسن التكليف إذا توجه إلى من عُرفت معصيته. ٢٢ - تكليف المكره. ٢٣ - تكليف المعدوم. ٢٤ - تكليف من لم تبلغه الدعوة. ٢٥ - دلالة أفعال النبي ﷺ من حيث الوجوب وغيره. ٢٦ - تقرير الرسول ﷺ على فعل، هل يدل على الجواز من جهة الشرع أو من جهة البراءة الأصلية؟ ٢٧ - العلم الحاصل من خبر التواتر هل هو ضروري أم نظري؟ ٢٨ - العمل بخبر الواحد عقلاً. ٢٩ - حكم العمل بالقياس عقلاً. ٣٠ - اشتراط أن يكون الطريق إلى معرفة حكم الأصل المقيس عليه سمعياً. ٣١ - حد العلة. ٣٢ - حجية شرع من قبلنا. ٣٣ - حجية الاستصحاب. ٣٤ - حجية المصلحة المرسلة. ٣٥ - حجية الاستحسان. ٣٦ - حجية الاحتياط العقلي. ٣٧ - حقيقة النسخ. ٣٨ - ثبوت النسخ. ٣٩ - نسخ الأخبار. ٤٠ - نسخ جميع التكاليف والعبادات. ٤١ - نسخ التلاوة دون الحكم. ٤٢ - نسخ الحكم دون التلاوة. ٤٣ - نسخ المأمور به قبل التمكن من فعله. ٤٤ - نسخ الحكم إلى بدل أثقل منه. ٤٥ - أمر الله للمكلف بما يعلم أنه لا يمكنه منه، ويحال بينه وبينه. ٤٦ - ورود الأمر من الله متعلقاً باختيار المأمور. ٤٧ - هل يجوز أن يكون الفعل الواحد مأموراً به منهياً عنه أم لا؟ ٤٨ - اقتضاء النهي الفساد. ٤٩ - حكم إسماع الله المكلف الخطاب العام المخصوص دون أن يسمعه الدليل المخصص. ٥٠ - تخصيص العموم بالعقل. ٥١ - وجود الألفاظ المشتركة في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . ٥٢ - تأخير البيان. ٥٣ - عصمة الأنبياء. ٥٤ - تعبد النبي ﷺ بالاجتهاد فيما لا نص فيه. ٥٥ - تعبد الصحابة ﵃ بالاجتهاد في زمن النبي ﷺ . ٥٦ - حكم التقليد في الفروع. ٥٧ - حكم الأخذ بالأخف من أقوال المجتهدين المتساوين. ١٦) أن المدرسة العقلية الحديثة تعبير اصطلاحي عن ذلك التوجه الفكري الذي يسعى إلى التوفيق بين النصوص الشرعية وبين الفكر الغربي المعاصر، وذلك بتطويع النصوص وتأويلها تأويلاً يتلاءم مع المفاهيم المستقرة لدى الغربيين، وبما يتناسب مع انفجار المعلومات والاكتشافات الصناعية الهائلة، منادين بتجديد الأفكار والمفاهيم بما يساير العصر وبما يتفق ومقررات العقل، وبدعوى أن الغرب لم يتقدم علمياً حتى جدد في مفاهيم الدين، وجعله تابعاً لحكم العقل وهيمنته.

стр. 77

١٧) أن من رجال المدرسة العقلية الحديثة المؤسسين لها جمال الدين الأفغاني، وقد ترسخت أفكارها وازدادت قوتها على يد تلميذه محمد عبده. ١٨) أن هناك أموراً تميز بها أصحاب المدرسة العقلية الحديثة عن غيرهم، على تفاوت بينهم في درجة الأخذ بها، ومن أبرزها ما يلي: أ) الغلو في تعظيم العقل. ب) رد السنة النبوية كلياً أو جزئياً. ج) التوسع في باب الاجتهاد وتحميله ما لا يحتمل. د) تناول الأحكام الشرعية تناولاً يستجيب لضغوط الواقع على حساب النصوص الشرعية. هـ) اعتماد الفهم المقاصدي للإسلام، وبما يخالف النصوص الشرعية في كثير من الأحيان. و) استباحة الخوض في أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وإعمال العقل فيها. ز) السخرية من المخالف، واحتقار المتَّبِعين لمنهج السلف والتهوين من شأنهم، ورميهم بالجمود والتعصب. ح) الثناء على أهل البدع والضلال، والترويج للفرق المنحرفة، وإحياء مقالات النِّحَل الضالة؛ كالمعتزلة والقرامطة والباطنية والخوراج، وغيرهم. ١٩) أن أصحاب المدرسة العقلية الحديثة قد تأثروا بالتحسين والتقبيح العقليين في نظرتهم للقرآن الكريم من خلال ما يلي: أ) تفسير بعضهم الوحي بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه، أو أنه العقل الباطن لدى اتصاله بالعالم الروحاني. وهذا تفسير مخالف للنصوص الشرعية المبيِّنة لأنواع الوحي المنزل على الرسول ﷺ . ب) دعوى بعضهم الاكتفاء بالقرآن وحده في فهم أحكام الإسلام كلياً أو جزئياً. وهذه الدعوى لا يخفى بطلانها ومخالفتها للكتاب والسنة وإجماع الأمة. ج) التقليل من شأن التفسير بالمأثور. وهذا أمر مخالف لما عليه السلف من الإشادة بهذا النوع من التفسير؛ وجَعْله أعلى أنواع التفسير قوة. د) تحكيمهم العقل في تفسير كتاب الله تعالى. وهذا فيه إعراض عن نصوص الكتاب والسنة المفسِّرة للآيات، واتباع للهوى، وتحريف للكلم عن مواضعه. ٢٠) أن أصحاب المدرسة العقلية الحديثة قد تأثروا بالتحسين والتقبيح العقليين في نظرتهم للسنة النبوية من خلال ما يلي: أ) إنكار بعضهم السنة النبوية كلياً. وهذا فيه إنكار لأصل متفق عليه بين أهل الإسلام. ب) إنكار العمل بخبر الآحاد في العقائد وأصول الإسلام. وهذا تفريق بين شرائع الإسلام بلا حجة ولا برهان؛ بل وبما يخالف النصوص الشرعية وما عليه سلف الأمة من أن خبر الآحاد إذا تلقَّتْه الأمة بالقبول أفاد العلم وأوجب العمل. ج) تقسيمهم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية؛ بحيث يلزم الأخذ بالأولى دون الثانية. وهذه من بدَعِهم المحدثة التي تخالف النصوص الشرعية القاضية بأن كل ما صدر من النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير يعتبر تشريعاً، ولا يخرج شيء عن هذا الأصل إلا ما جاء الدليل على أنه من خصوصياته ﷺ ، أو كان اجتهاداً صدر منه ﷺ ولم يُقَرَّ عليه. د) ردُّ بعض الأحاديث الصحيحة من غير حجة؛ سوى مخالفتها عقولَهم! وهذا لا شك في بطلانه؛ إذ لا يتصور تعارض صريح المعقول مع صحيح المنقول مطلقاً، وعلى فرض وَهْم التعارض فالواجب تقديم النقل الصحيح؛ كما دلت عليه الأدلة الشرعية الموجبة تحكيم رسول الله ﷺ فيما حصل فيه خلاف. هـ) طعن كثير منهم في منهج المحدِّثين في قبول أو ردِّ الأحاديث النبوية، وسلوكهم المنهج العقلي في ذلك، وجَعْله معياراً للرد أو القبول. وكل ما ذكروه في ذلك مجرد افتراء محض على المحدِّثين يبطله جهودهم العظيمة في نقد الأحاديث وتمحيصها سنداً ومتناً؛ مما لا مثيل له في أي أمة من الأمم.

стр. 78

وأما بخصوص اتباعهم المنهج العقلي في نقد الأحاديث فقد سبق الكلام عليه في النقطة السابقة، هذا إلى جانب كون هذا المعيار العقلي الذي انتهجوه ليس منضبطاً؛ بل هو نسبي إضافي، يتفاوت فيه الناس، وما هذا حاله لا يصلح أن يكون معياراً. ٢١) أن أصحاب المدرسة العقلية الحديثة قد تأثروا بالتحسين والتقبيح العقليين في نظرتهم للإجماع، وذلك من خلال ما يلي: أ) التشكيك في الإجماع كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي أو التصريح بإنكار حجيته. وهذا مخالف للنصوص الشرعية وإجماع السلف، وإنكار لأصل من أصول التشريع. ب) الدعوة إلى الاجتهاد فيما أجمع عليه السابقون كنتيجة لإنكار الإجماع أصلاً. وهذا كما سبق مخالف لما جاءت به النصوص الشرعية واتفق عليه السلف من تحريم مخالفة الإجماع. ج) إحداث مفاهيم جديدة للإجماع؛ كالاستفتاء أو التصويت، وما يترتب على ذلك من توسيع دائرة الإجماع، وإدخال من ليس من أهل الإجماع فيه. وهذا مخالف لمعنى الإجماع الأصولي المعروف، وليس منه في شيء. ٢٢) أن أصحاب المدرسة العقلية الحديثة قد تأثروا بالتحسين والتقبيح العقليين في نظرتهم للمصالح، وذلك من خلال ما يلي: أ) التوسع في العمل بالمصالح من دون ضوابط أو قيود. وهذا مخالف لما عليه الأئمة من السلف؛ من أن العمل بالمصالح المرسلة لابد أن يكون وفق ضوابط وشروط، أهمها ما يلي: ١ - أن تكون من المصالح الدنيوية الواقعة في قسم العادات والمعاملات، مما يعقل معناه لنا. ٢ - أن تكون ملائمة لتصرفات الشرع في الجملة، ولا تنافي أصلاً من أصوله ولا قاعدة من قواعده العامة. ٣ - أن لا تعارض نصاً من كتاب أو سنة ولا إجماعاً ولا قياساً صحيحاً. ب) تقديم العمل بالمصالح على النصوص الشرعية. وهو أمر مخالف للشروط التي وضعها العلماء للعمل بالمصالح المرسلة كما سبق، ثم إنه لا يتصور في النصوص الشرعية - التي إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد الدنيوية والأخروية - أن تخالف ما جاءت لأجله. ٢٣) أن أصحاب المدرسة العقلية قد تأثروا بالتحسين والتقبيح العقليين في نظرتهم للاجتهاد، وذلك من خلال ما يلي: أ) زعمهم أن الاجتهاد لا ينحصر في الفروع؛ بل لابد أن يكون في الأصول أيضاً. وهذا يؤدي إلى التحلل من الشريعة والتفلُّت من أصولها. ب) دعوتهم إلى إلغاء اجتهادات الفقهاء السابقين وعدم الاعتداد بها، واتهامهم الفقهاء بالعزلة والبعد عن الحياة العامة. وهذه الدعوة تهدف إلى فكرة الاجتهاد المفتوح التي لا تبالي بإجماع ولا خلاف، وفي ذلك خطر الخروج عن إجماع المسلمين. وبخصوص ما ذكروه عن فقهاء السلف فهو افتراء محض؛ يكذِّبه التاريخ وسير أولئك الأعلام. ج) تقسيمهم التشريع إلى ثابت ومتغير. وهذا يهدف إلى إلغاء كثير من أحكام الشرع وتأويل الأدلة؛ لتكون تابعة لواقع بعض المجتمعات في العصر الحاضر، ثم إنَّ ما ثبت حكمه بنص القرآن والسنة فهو ثابت لا يمكن تغييره إلا بنص من القرآن أو السنة، وهذا ممتنع بعد وفاة الرسول ﷺ ، وما استدلوا به في هذا الشأن فمردُّه إلى تغير صورة المسألة، أو تغير الاجتهاد في مَدْرَك حكمها. د) دعوتهم إلى الاجتهاد الطليق من كل قيد أو شرط. وهذه الدعوة يلزم منها لوازم باطلة؛ منها: فتح باب الاجتهاد على مصراعيه في كل مجال ولكل أحد، ولا شك أن للاجتهاد مجالاته المعروفة، ولابد أن يكون القائم به مجتهداً مستجمعاً لشروط الاجتهاد المعروفة. هـ) زعمهم أن النسخ يمكن أن يكون بِيد المجتهد، يستخدمه إذا رأى قصور أحكام الشريعة عن تحقيق المصالح. وهذا كلام بيِّن البطلان؛ إذ فيه اتهام الشريعة بعدم تحقيق مصالح العباد في بعض أحكامها، ومن ثَم تحتاج إلى من يسد ذلك بنسخ ما فيه قصور من النصوص. هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى فإن النسخ لا يكون إلا بدليل شرعي من الكتاب أو السنة، ولا يحل لأحد أن ينسخ من عند نفسه بلا دليل. و) ترجيحهم في مسائل الشرع بحسب ما يناسب الشخص أو المجتمع؛ دون اعتبار بالبحث والنظر في الأدلة وفق قواعد الترجيح المعروفة. وهذا - بلا شك - تحكيم الهوى والتشهي، يرفضه من له عقل سليم وفطرة مستقيمة. ثانياً: التوصيات: ١) القيام بدراسة علمية مفصلة في موضوع تخريج الأصول على الأصول تتناول قسماً تأصيلياً، وقسماً تطبيقياً في مشروع علمي يتبناه قسم أصول الفقه، ويشتمل في آحاده على استقراء الأصول المتعلقة بالعقيدة أو المتعلقة بأصول الفقه، والتي أثر الخلاف فيها في جملة من المسائل الأصولية، وتحرير الكلام في ذلك. ٢) القيام بدراسة نقدية جادة لموضوع الاجتهاد لدى أصحاب المدرسة العقلية الحديثة، وذلك بحصر كل ما كتبوه في ذلك وتقويمه حسب منهج علمي شرعي، يقبل الحق ويرد الباطل. وذلك لأهمية هذا الموضوع بصفة خاصة، ولعدم وجود دراسة وافية لهذا الموضوع في حدود علمي.

стр. 79

التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي المؤلف/ المشرف: خالد بن سعد الخشلان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار إشبيليا - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: تداخل الأحكام الخاتمة الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. أما بعد: فلا يسعني وقد من الله علي بتمام هذا البحث، إلا تكرير الشكر والثناء لله على حسن الختام والتمام، وأسأله المزيد من فضله، وهو أكرم الأكرمين. كما لا يفوتني أن أعيد ما ذكرته في المقدمة من أن هذا البحث جهد بشري قابل للخطأ والصواب، وحسبي أني اجتهدت وتحريت الصواب، فإن كان هذا فهو محض فضل الله والله ذو الفضل العظيم، وإن كان الآخر فأستغفر الله وأتوب إليه، وأنا راجع إلى الحق عند ظهوره لي. ولا أزعم أني أتيت بجديد لم أسبق إليه، غير أني جمعت ما تفرق، ونظمت ما تناثر، وهذه جملة من أبرز ما دونته في هذا البحث: ١ - المقصود بالتداخل: اجتماع مخصوص، لحكمين شرعيين، مخصوصين، والاكتفاء بواحد منهما على سبيل التخيير غالباً، مع حصول ثوابهما معاً، أو ثواب واحد منها. ٢ - إن التداخل واقع في أبواب كثيرة في الفقه الإسلامي. ٣ - إن التداخل إنما ينشأ عن أسباب ثلاثة وهي: الاجتماع، والتعدد، والتكرار. ٤ - إن وقوع التداخل يتوقف على توافر شروط وانتفاء موانع. ٥ - إن وقوع التداخل بين الأحكام يتجلى فيه مبدأ التخفيف، ورفع الحرج ودفع المشقة. ٦ - إن الأصل أن الأحكام تتعدد بتعدد مسبباتها، والتداخل على خلاف الأصل. ٧ - إن للنية علاقة وثيقة بالتداخل من حيث الإجزاء، والثواب. ٨ - إن المسائل الفقهية التي اختلف العلماء في وقوع التداخل فيها، لم يكن خلافهم في الجملة مبنياً على نفي التداخل في الأصل، وإنما كان مبنياً على خلافهم في التقعيد والتأصيل للمسألة، ومثال ذلك: التداخل في كفارة الوطء إذا تكرر في أيام من رمضان، فالقائلون بتداخل الكفارة بنوا ذلك على أن الشهر كله عبادة واحدة، والقائلون بتكرر الكفارة بتكرر الأيام بنوا ذلك على أن كل يوم عبادة مستقلة، ولم يكن خلافهم مبنياً على القول بعدم وقوع التداخل، وهكذا القول في عامة مسائل التداخل. وأختم هذه الإشارة الموجزة لأبرز ما احتوته الرسالة بسؤال الله الإخلاص في القول والعمل، والثبات على السنة في الحياة وعند الممات، كما أسأله أن يجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقائه، وأن يغفر لي، ولوالدي، ولمشايخي، وسائر إخواني المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.

стр. 80

التداخل وأثره في الأحكام الشرعية المؤلف/ المشرف: محمد خالد عبدالعزيز منصور المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار النفائس - عمان ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: تداخل الأحكام الخاتمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين، وبعد:- فقد توصلت من خلال البحث إلى نتائج، ومن أهمها: ١ - أن التداخل هو: "ترتب أثر واحد عند اجتماع أمرين أو أكثر متفقين، أو مختلفين من جنس، أو من جنسين، لدليل شرعي". ٢ - محل التداخل عند جمهور الفقهاء هو: الأسباب، وعند الحنفية: فمحل التداخل في العبادات: الأسباب، وفي العقوبات: الأحكام. ٣ - أن مفهوم التداخل له صلة وثيقة بمقاصد الشريعة؛ بما يساهم في تحقيقها، وتنميتها، والمحافظة عليها. ٤ - أن التشريك في النية صورة من صور التداخل في العبادات جاءت استثناء على خلاف الأصل. ٥ - أن التداخل في العبادات يكون فيما يلي: أولا: التداخل في الطهارات، ويكون في المسائل التالية: أ- إذا اجتمعت أسباب متعددة للوضوء، فيكفي لها وضوء واحد. ب- إذا اجتمعت أسباب الغسل الواجب، والمسنون، فإنه يكفي للواجب، ويحصل الأجر للمسنون. جـ- إذا اجتمعت أسباب الوضوء، والغسل، فإنه يكتفي بالغسل. د- إذا ولغت كلاب في إناء أو ولغ كلب مرارا، فيكفي لذلك غسل واحد للإناء. ثانيا: التداخل في الصلاة، ويكون في المسائل التالية: أ- إذا تكرر الأذان لوقت واحد، فتكفي لذلك إجابة واحدة. ب- الاكتفاء بأذان واحد؛ لفوائت متعددة. ج- الجمع بين الصلاتين صورة من صور التداخل في وقتي الصلاتين المجموعتين. د- الاكتفاء بأذان واحد للصلاتين المجموعتين إعمالا لمفهوم التداخل. هـ- أن تحية المسجد تتداخل مع الفرض، أو النفل، لاتحاد مقصودهما. وإذا اجتمع الجمعة والعيد، فإنه يكتفي بحضور إحداهما، مع بقاء المطالبة سهو واحد. ن- إذا تلا القارئ سجدات للتلاوة في مجلس واحد، ولآية واحدة، فإن السجدات تتداخل، ويكفي لها سجود تلاوة واحد. ثالثاً: التداخل في الصوم، ويكون في المسائل التالية: أ- يتداخل صوم رمضان، وصوم الاعتكاف عند المالكية، ويجزئ عنهما صوم واحد. ب- يكون التداخل في كفارة المجامع في نهار رمضان في حالتين: الأولى: إذا جامع مرارا في يوم واحد قبل أن يكفر عن الجماع الأول. الثانية: إذا جامع مرارا في يوم واحد بعد أن يكفر عن الجماع الأول، فتكفي لهما كفارة واحدة. رابعاً: التداخل في الحج، ويكون في المسائل التالية: أ- يتداخل طواف الإفاضة، وطواف الوداع، ويكفي عنهما طواف واحد؛ لاتحاد مقصودهما. ب- تتداخل أفعال الحج والعمرة في حج القران، فيكفي لهما نية واحدة، وسفر واحد، وإحرام واحد، وميقات واحد، وحلق واحد، وذلك بإدخال الحج على العمرة، لا العكس. ج- يلزم القارن بين الحج والعمرة طواف واحد، وسعى واحد. د- يكون التداخل في فدية الحج في الصور التالية: الأول: إذا قتل المحرم صيدا في الحرم، فإن حرمة الحرم تتداخل في حرمة الإحرام، ويكفي لذلك فدية واحدة. الثانية: إذا جامع المحرم مرة بعد مرة، ولم يكفر عن الجماع الأول، فإن الفدية تتداخل، ويكفيه فدية واحدة عن ذلك كله. الثالثة: تتداخل محظورات غير الجماع والصيد، إذا كانت من جنس واحد إذا اتحد المجلس، أو تقارب فعلها، ويكفي لها فدية واحدة. الرابعة: تتداخل محظورات غير الجماع، إذا كانت من جنسين، إذا ظن المحرم إباحة ارتكاب تلك المحظورات، فيكفي لها فدية واحدة. الخامسة: تتداخل أسباب الدماء الواجبة في الحج، إذا كانت من نوع واحد، ويكفي لها دم واحد. خامساً: يكون التداخل في الجنائز إذا دفن أكثر من ميت في قبر واحد للضرورة. سادساً: يكون التداخل في الأيمان في الصور التالية:

стр. 81

أ- إذا تكرر اليمين مع اتحاد المحلوف به، والمحلوف عليه، فإنه يكفي لذلك كفارة واحدة. ب- إذا تكرر اليمين مع اتحاد المحلوف عليه، واختلاف المحلوف به، فإنه يكفي لذلك كفارة واحدة. سابعاً: أن التداخل في النكاح، وما يتصل به يكون فيما يلي: أولا: التداخل في النكاح، ويكون فيما إذا تكرر الوطء الفاسد، أو الوطء بشبهة متحدة بالنوع، أو بالشخص، ويكفي لذلك مهر واحد، ويعتبر في تقديره مهر المثل يوم الوطء كيفما كان حال الموطوءة. ثانيا: التداخل في العدد، ويكون في الحالات التالية: الحالة الأولى: إذا كانت العدتان من جنس واحد، ولرجل واحد، فإنهما تتداخلان. الحالة الثانية: إذا كانت العدتان من جنسين، لرجل، أو لرجلين، فإنهما تتداخلان. ثالثا: التداخل في الإيلاء، ويكون فيما إذا كرر الإيلاء أكثر من مرة على امرأة واحدة، فيجب عليه كفارة واحدة. رابعاً: التداخل في كفارة الظهار، ويكون في الحالتين التاليتين: الحالة الأولى: إذا كرر الظهار، وكان المظاهر منهن أكثر من زوجة، واتحد لفظ الظهار، فإنه يكفي لذلك كفارة واحدة. الحالة الثانية: إذا كرر الظهار، وكان المظاهر منها زوجة واحدة، وتعدد لفظ الظهار، فإنه يكفي لذلك كفارة واحدة. ثامناً: أن التداخل في العقوبات، يكون فيما يلي: أولاً: التداخل في الجناية على النفس، وما دونها، وتكون في المسائل التالية: أ- إذا كانت الجناية على النفس والطرف متحدة جنسا، عمدا، أو خطأ، وقبل اندمال الجرح؛ فإن جناية الطرف تتداخل مع الجناية على النفس، ويكفي لذلك استيفاء الجناية على النفس، سواء أكانت قصاصا، أم دية. ب- إذا اعتدى رجل واحد على رجلين، وكانت الجنايتان عمدا، فإن الجناية على النفس تتداخل مع الجناية على ما دون النفس، ويكفي لذلك القصاص في النفس. ثانيا: التداخل في الديات، ويكون في الحالات التالية: الأولى: التداخل بين دية النفس، وما دونها، إذا كانت الجنايتان متفقتين، كانتا قبل البرء، فيكفي لذلك دية النفس. الثانية: التداخل في ديات الأطراف، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: التداخل في ديات الأطراف، وذلك بتداخل دية بعض الطرف في دية بعضه الآخر، أو أن دية البعض تشمل دية الكل، ومن صور التداخل في ديات الأطراف ما يلي: ١ - دخول دية الكف في دية اليد، ودية الأصابع في دية الكف، وحكومة الأظفار والشعر في دية اليد، فيكفي لذلك دية اليد. ٢ - دخول دية أصابع الرجل في دية الرجل، فيكفي لذلك دية الرجل. ٣ - دخول دية الأجفان في دية الأهداب، فيكفي دية الأهداب. ٤ - وجوب حكومة عدل إذا قطع الثدي بعد قطع الحلمتين؛ لدخول دية الثدي في دية الحلمتين. ٥ - دخول دية بقية الذكر في دية الحشفة، فلا دية للباقي. ٦ - دخول أرش الظفر في الأنملة، فيكفي أرش الأنملة. ٧ - دخول حكومة السنخ في دية السن، فتكفي دية السن. ٨ - دخول حكومة قصبة الأنف في دية المارن، فيكفي أرش المارن. القسم الثاني: التداخل في ديات المعاني، ومنافع الأعضاء، وذلك إذا كان الطرف محلا لمنفعة، وزالت تلك المنفعة، وجبت دية واحدة لذهاب العضو، ومنفعته. القسم الثالث: التداخل في أروش الجراح، والشجاج، وذلك في صورتين: الأولى: حصول موضحتين، أو جائفتين، وبينهما حاجز، وخرق الجاني ذلك الحاجز، أو ذهب الحاجز بالسراية، أو شجه شجة واحدة، بعضها موضحة، وبعضها دون ذلك، فيجب في كل ذلك دية واحدة لموضحة واحدة. الثانية: إذا شج رجلا، فذهب شعره، دخل فيه أرش الموضحة. ثالثا: التداخل في الحدود، ويكون في قسمين: القسم الأول: التداخل في الحدود المتفقة في الجنس، وذلك قبل إقامة الحد الأول، فيكتفي بعقوبة واحدة، وحد واحد، وفيه المسائل التالية.

стр. 82

١ - التداخل في حد الزنا، ويكون في الصور التالية: الأولى: إذا كرر الزنى بعد إقامة جزء من حد الجريمة الأولى؛ فإنه يكفيه إتمام الحد الأول، ويتداخل الحدان، إذا كانت العقوبة المطبقة الجلد. الثانية: إذا كانت العقوبة التغريب، فزنى مرة أخرى، وهو في البلد المغرب فيه، فإنه يغرب إلى بلد آخر، وتدخل مدة التغريب الأولى في المدة الثانية. الثالثة: إذا تغير حال الزاني، كأن كان بكرا، ثم قبل إقامة الحد زنى ثانية، وهو محض، فإن العقوبتين تتداخلان، ويكفي الرجم لهما. الرابعة: إذا زنى المحصن فإنه لا يقام عليه سوى حد الرجم؛ لتداخل حد الجلد في الرجم. ٢ - التداخل في حد السرقة، ويكون في الصور التالية: الأولى: إذا سرق النصاب على دفعات، فإن هذه المرات تتداخل، ويقطع. الثانية: أن المسروق إذا كان من جماعة؛ فإن حد السرقة يتداخل، ويكفي لذلك حد واحد. ٣ - التداخل في حد القذف، ويكون في الصور التالية: الأولى: من قذف واحدا مرارا قبل إقامة الحد، فإنه يكفيه لذلك حد واحد. الثانية: إذا قذف رجل جماعة بكلمة، أو بكلمات؛ فإن الحد يتداخل، ويكفي لذلك حد واحد. ٤ - التداخل في حد الحرابة، ويكون في الصور التالية: الأولى: إذا قتل المحارب، وأخذ المال؛ فإنه يكفي لذلك تطبيق حد القتل، ويدخل حد السرقة فيه. الثانية: إذا اجتمعت جناية على ما دون النفس، وقتل في الحرابة، فإنهما يتداخلان، ويحيط القتل بذلك كله. القسم الثاني: التداخل في الحدود المختلفة في الجنس، ويكون في الصور التالية: الأولى: إذا اجتمعت حدود خالصة لله ، وفيها قتل، فإن القتل يكفي لذلك كله. الثانية: إذا اجتمعت حدود خالصة لله ، فإنها تدخل في القتل، سواء أكان القتل من حدود الله تعالى، أم كان حقا لآدمي.

стр. 83

الترتيب في العبادات في الفقه الإسلامي المؤلف/ المشرف: عبدالله بن صالح الكنهل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: كنوز إشبيليا - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: ترتيب في العبادات الخاتمة: في ختام هذا البحث لا يسعني إلا أن أحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، كما أسأله سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم. وحسبي في نهاية المطاف أن أشير بإيجاز إلى بعض أبرز النتائج التي ظهرت لي من خلال البحث. فمن النتائج العامة ما يأتي: ١ - الترتيب في الاصطلاح العام لا يكون إلا بين شيئين فأكثر. ولا يجب الترتيب في الفروع الفقهية إلا بين شيئين مختلفين، فالمتماثلات لا يجب الترتيب بينها، إلا أن يجب تعيين النية فيها، فتصير كالمختلفة باختلاف النية. ٢ - الترتيب المشروع بين مستحبين أو بين واجب ومستحب لا يكون واجباً غالباً. وأما الترتيب بين واجبين فقد يكون واجباً وقد يكون مستحباً. ٣ - العلاقة بين الترتيب والتوقيت – من حيث ما ينطبق عليه لفظ كل منهما – في استعمال الفقهاء هي العموم والخصوص الوجهي، فيشتركان في بعض المسائل، وينفرد كل منهما ببعضها. ٤ - هناك بعض القواعد التي يستدل بها بعض الفقهاء في مسائل الترتيب، منها ما يأتي: أ- الأصل في القرب إذا كانت كل قربة مقصودة بنفسها ألا تتعلق بجواز فعل إحداها بفعل الأخرى إلا بدليل. ب- المبدوء بكذا في التلاوة مقدم في الحكم على ما بعده. ج- ما يلزم ترتيبه أداء يلزم قضاء. د- إذا اجتمعت عبادتان: كبرى وصغرى، فالسنة تقدم الصغرى على الكبرى منهما. هـ- المضيق مقدم على الموسع. ومن النتائج التفصيلية في الفروع الفقهية ما يأتي: ١ - الترتيب واجب بين فروض الوضوء، ولا يجب في الغسل، وأما التيمم فجيب الترتيب فيه إن كان عن حدث أصغر، فإن كان عن حدث أكبر لم يجب. ٢ - من جمع بين استعمال الماء والتيمم، فإن كان ذلك لجرح ونحوه لم يجب عليه ترتيب بينهما، وإن كان لقلة الماء وجب عليه استعمال الموجود منه ثم التيمم. ٣ - ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، ويترتب على ذلك فروع عدة. ٤ - مراعاة ترتيب الآيات في الفاتحة والسورة واجبة، فلا يجوز تنكيسها. وأما ترتيب السور فتستحب مراعاته، والإخلال به خلاف الأولى من غير كراهة. ٥ - الترتيب بين فرائض الصلوات واجب، سواء أكان ذلك في قضاء الفوائت أم في الجمع بنوعيه. ويسقط الترتيب بالنسيان إذا تذكر الفائتة بعد فراغه من الحاضرة، كما يسقط بالجهل وخشية فوات الجماعة. ويسقط بين الفائتة والحاضرة بضيق وقت الحاضرة، ولا يسقط بضيق وقت الثانية في جمع التأخير، ولا بكثرة الفوائت عند قضائها. ٦ - لا يصح الوتر إلا بعد صلاة العشاء، يستوي في ذلك العامد والناسي. ٧ - تفعل خطبة العيد بعد الصلاة، فإن فعلت قبل لم يعتد بها، وشرعت إعادتها. وأما خطبة الاستسقاء فقد جاءت السنة بتقديمها على الصلاة وتأخيرها عنها، فيخير بين الأمرين. ٨ - يبدأ الإمام في صرف الزكاة بنصيب العامل، وأما بقية الأصناف فيراعى في تقديم بعضها على بعض تفاوت الحاجة. كما أن القرابة، والفضل بالعلم والصلاح، والجوار، كلها أوصاف معتبرة في التقديم. ٩ - لا يجوز تأخير إخراج زكاة الفطر عن صلاة العيد إلا لعذر. ١٠ - يجب تبييت النية من الليل في صوم الفرض دون النفل. ١١ - يصح التطوع بالصيام ممن عليه قضاء من رمضان، وأما الحكم على فعله بالكراهة فيختلف باختلاف الأحوال. ١٢ - كفارة الجماع في نهار رمضان على الترتيب. ١٣ - يجب الترتيب بين الجمرات الثلاث في الرمي أيام التشريق. كما يجب الترتيب بين رمي كل يوم والذي يليه إذا أخر الرمي إلى آخر أيام التشريق. ١٤ - الترتيب بين أعمال يوم النحر الأربعة سنة، ولا شيء على من أخل به. ١٥ - يجب على المستطيع للحج أن يحج عن نفسه الفريضة قبل حجة عن غيره. ومن ناب عن غيره في الرمي الأولى أن يقدم الرمي عن نفسه، فإن رمى عن غيره قبل جاز ذلك. وبعد فهذه جملة من أبرز ما دونته في هذا البحث، ولست أزعم أني أتيت فيه بما لم يأت به الأوائل، ولكني جمعت بين متفرق، وأبديت وجهة نظر في مسائل، فما كان فيه من صواب فالحمد لله على توفيقه، وما كان فيه من خطأ فأستغفر الله منه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 84

التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية المؤلف/ المشرف: عبداللطيف بن عبدالله البرزنجي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٣هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: تعارض وترجيح الخاتمة ولقد توصلنا في هذه الرسالة إلى استنتاجات وسائل أصولية أهمها ما يلي: الأول: أن التعارض له إطلاقان يطلق على التناقض المنطقي وعلى مطلق المنافاة. أما بالمعنى الأول فلا يوجد بين الأدلة الشرعية الصحيحة وعليه يحمل قول المنكرين له مطلقاً وأما بالمعنى الثاني فلا شك في جوازه ووقوعه بين الأدلة الشرعية، سواء كان في نفس الأمر، أو في ظن المجتهد، وعليه يحمل كلام القائلين بجواز التعارض مطلقاً. الثاني: أن مفهوم التعارض الأصولي غير مفهوم التناقض المنطقي ولهذا فلا يشترط فيه ما يشترط في التناقض. الثالث: أن الترجيح يبنى على التعارض، فما لا يوجد فيه تعارض لا ترجيح فيها. الرابع: التعارض بالمعنى العام وكذا الترجيح ما يمكن تحققه بين الأدلة الشرعية القطعية كالأدلة الظنية. الخامس: أن الدليل يطلق على القطعي والظني لدى التحقيق عند الأصوليين والمنطقيين، وإن التحقيق أن دليل الأصوليين مفرد. السادس: إن حكم التعارض الجمع والتوفيق ما أمكن ثم الترجيح عند وجود الفضل والمرجح به لأحدهما. السابع: أنه يوجد للتعارض الظاهري في الأدلة الشرعية ولكن عند التحقيق والتروي لا يوجد دليلان متخالفان لا يمكن الجمع بينهما أو دفع التعارض فيهما. الثامن: أن الغرض من مسلك التعارض والترجيح والتوفيق بين النصوص هو خدمة الشريعة والدفاع عنها ولهذا فمنهم من هو مشدد في الجمع والتأويل، ومنهم من هو متساهل. التاسع: أن الفقهاء ردوا خبر الآحاد بعدة أمور، جلها لا يستند إلى حجة قوية. العاشر: التأويل للجمع بين المتعارضين نوعان: ١ـ الجمع الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية فلا يقبل التأويل البعيد فيه. ٢ـ أن ترجح أحد المتعارضين وتعمل به ثم تأول الدليل الآخر للتوفيق بينهما ففي مثل هذا يقبل التأويل القريب والبعيد. الحادي عشر: النصان المتعارضان الممكن الجمع بينهما على ثلاثة أنواع: ١ـ ما يمكن التوفيق بالتأويل أحد الطرفين المعين. ٢ـ ما يجمع بينهما بالتصرف في أحد الطرفين غير المعين. ٣ـ ما يمكن الجمع بينهما بالتصرف في الطرفين. الثاني عشر: الراجح جواز نسخ السنة بالكتاب، وأن رأي الإمام الشافعي هو جواز نسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب عند وجود معاضد للناسخ من جنسه، أو من الإجماع. الثالث عشر: الراجح جواز التخصيص مطلقاً بالفعل أو بالنقل مع التقارن أو التقدم أو التأخر. الرابع عشر: أن المؤمن لا يخلد في النار مهما كان عاصياً، وانعقد الإجماع على ذلك وما يعارضه من النصوص تأول. الخامس عشر: الراجح ـ جواز تخصيص العمومات مطلقاً للأدلة الكثيرة القوية سيقت بالموضوع. السادس عشر: أن المطلق والمقيد كالعام والخاص، فما يجوز به التخصيص يجوز تقييد المطلق به اتفاقاً أو اختلافاً. السابع عشر: يجب العمل بمقتضى النص مطلقاً أو مقيداً، فلا يجوز تقييد المطلق، ولا إبطال القيد إلا بدليل يقاومه. الثامن عشر: نقل الجمهور الاتفاق على حمل المطلق على المقيد في صورة اتحادهما سبباً وحكماً غير صحيح. التاسع عشر: الراجح أن المطلق يحمل على المقيد عند وجود علة جامعة بينهما. العشرون: الأمور المخلة بالفهم في النصوص تخل بقطعية الدليل وبظنيته، فوجودها لا يؤدي إلى رفض النص. الحادي والعشرون: تقديم المثبت على النافي عند تعارضهما. الثاني والعشرون: أن حمل الرواية على الشهادة غير صحيح لوجود فروق كثيرة بينهما فترجح الرواية بالكثرة دون الشهادة. الثالث والعشرون: وجوب الترجيح، وبالتالي وجوب العمل بالدليل الراجح. الرابع والعشرون: جواز الترجيح بكل من كون الراوي متقدماً في الإسلام أو متأخراً, وعند تعارضهما تساقطاً. الخامس والعشرون: التحقيق أنه يمكن تعارض الفعلي في بعض الصور. السادس والعشرون: الأصح تقديم المصلحة الأخروية عل الدنيوية. السابع والعشرون: النزاع بين الإمام الرازي وابن تيمية نزاع لفظي، وإن ما رد به ابن تيمية على الرازي لا يصيب الهدف. الثامن والعشرون: أن المراد بالقياس الذي يقدمه العلماء على خبر الآحاد ـ القاعدة الكلية المستنبطة من نصوص الكتاب والسنة.

стр. 85

التعارض والترجيح عند الأصوليين في الفقه الإسلامي المؤلف/ المشرف: محمد إبراهيم الحفناوي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الوفاء - مصر ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٥هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: تعارض وترجيح الخاتمة في نتائج هذه الدراسة ومقترحات وتوصيات بعد أن انتهيت من كتابة هذه الدراسة المتواضعة حول هذا الموضوع ظهر لي بوضوح عدة أمور أهمها ما يلي: ١ - أن موضوع التعارض والترجيح من الموضوعات الأصولية المهمة الجديرة بالبحث المتأني والتحليل الحصيف. ٢ - أن الأدلة الشرعية متوافقة متآلفة ولا يمكن أن يتأتى التعارض في شيء منها مطلقا إلا بحسب الظاهر فقط بالنسبة للمجتهد أو بحسب توهمه ما ليس بدليل دليلا، أو بحسب تصوره أن نصين من النصوص يدلان على حكمين متعارضين. بينما النصان في الواقع لا تعارض في حكمهما بل لكل واحد منهما جهة غير جهة الآخر. فالتعارض حينئذ يكون في عقل المجتهد لا في نص ولا في مدلوله. ٣ - أن من التعارض الظاهري بين النصوص تعارض العام والخاص والمطلق والمقيد. فهو تعارض بحسب الظاهر فقط، ومن ثم نجد العلماء يدفعونه بتخصيص العام وتقييد المطلق. ٤ - أن التعارض لا يمكن أبدا أن يتأتى بين دليلين قطعيين ولا بين قطعي وظني وذلك لتقدم القطعي على الظني. ٥ - أن هذا التعارض الظاهري يُدفع بالجمع بين المتعارضين بأي نوع من أنواع الجمع لأن الأصل في كل واحد من المتعارضين هو الإعمال. فإن تعذر الجمع لعدم توافر شروطه فإن على المجتهد أن يلجأ إلى الترجيح بوجه من وجوهه المذكورة في هذه الرسالة. فإن تعذر الترجيح أيضا كان على المجتهد مهمة البحث في تاريخ المتعارضين فإن عرفه حكم بنسخ المتأخر للمتقدم حيث أنه لا يتصور ورود نصين متعارضين من الشارع الحكيم في زمن واحد، فإن عزّ على المجتهد معرفة التاريخ أو عرف تقارنهما مع عدم إمكان الجمع والترجيح حكم بسقوط الدليلين. ثم بعد ذلك يكون الرجوع إلى البراءة الأصلية ويفرض كأن الدليلين غير موجودين. ولقد ذهب بعض العلماء إلى القول بالتخييرحينئذ بدلا من السقوط، وذلك إذا كان الدليلان مما يمكن فيهما التخيير، وإلا يحكم بالسقوط والرجوع إلى البراءة الأصلية. ٦ - أن الترجيح لا يدخل في الأدلة القطعية سواء كانت نقلية أو عقلية. حيث أن الترجيح إنما يتحقق عند وجود التعارض في القطعيات والتعارض في القطعيات محال - على المختار. أضف إلى ذلك: أن الترجيح فرع التفاوت في العلم بالشيء والمعلوم المقطوع به لا تفاوت فيه، ومن ثم لا يوجد الترجيح في القطعيات. ٧ - الأصح عند تعارض ظاهرين أحدهما من الكتاب والآخر من السنة أنه لا يقدم أحدهما على الآخر، وذلك لأن مصدرهما واحد لا فصل بينهما أبدا. ٨ - قد يظهر أمام المجتهد تعارض الترجيحات وفي هذه الحالة يجب عليه أن يعمل ذهنه ويبذل جهده من أجل معرفة ما يكون سببا في تقوية أحد المرجحات المتعارضة. وبعد: فهذه هي أهم نتائج الدراسة في موضوع التعارض والترجيح، وإذا كان لي أن أقترح أو أوصي بشيء في هذا المقام فإني أقترح وأوصي بما يلي: أولا: بالاهتمام بتحقيق ونشر كتب التراث بصورة دقيقة مضبوطة مع التعليق عليها، وايضاح الغامض منها، وجعل ذلك فرضا على طلاب التخصص في المادة (الماجستير) وطلاب الشهادة العالمية (الدكتوراه). ثانيا: الاهتمام بتبسيط وتيسير عبارات كتب الأصول القديمة بصورة ترغب الطلاب فيها وتجعلهم يقبلون عليها. ثالثا: الاهتمام بقاعة البحث المتعلقة بمادة الأصول ولا سيما في الدراسات العليا بحيث يعود الطالب كيفية التحليل والاستنباط والرجوع إلى أمهات هذا الفن وحسن استخدامها، ونحو ذلك مما يعين على إجادة أبحاث الماجستير والدكتوراه. هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،

стр. 86

التقديرات الشرعية وأثرها في التقعيد الأصولي والفقهي المؤلف/ المشرف: مسلم بن محمد بن ماجد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار زدني – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة: إن مما يسعى إليه الباحثون في خواتيم دراساتهم أن يضعوا أمام المطالعين لها جملة ما وصلوا إليه من نتائج، وما يمكن أن ينادوا به من توصيات؛ فبذلك تجمع أطراف كل موضوع، ويوقف على ما يهدي إليه فكر الباحث من آراء وتحقيقات، وجرياً على هذه السنة فإنه يمكنني أن ألخص بعض ما وصلت إليه من نتائج فيما يأتي: ١ - أن التقدير الشرعي يمثل قاعدة ومعنى عاماً في الشرع لا يخلو منه باب فقهي كان لعلماء الحنفية، وخاصة عند الكاساني منهم، وأما في مجال تأصيل هذا الموضوع فإنا نجد أن العلماء الشافعية الأسبقية في الكلام عنه في مؤلفاتهم في أصول الفقه والقواعد الفقهية، وخاصة عند الفخر الرازي والعز بن عبد السلام، ثم انتقلت العناية بهذا الموضوع إلى علماء المالكية بسطاً وشرحاً وتعليلاً سواء في مؤلفاتهم في أصول الفقه أو القواعد الفقهية أو الفقه، ومن أعلامهم في هذا الشأن: القرافي، والمقري، والمنجور. وأما علماء الحنابلة فلا أجد عندهم هذا الاهتمام سوى إشارات يسيرة إلى شيء من التقعيد الفقهي المرتبط بهذا الموضوع، كما عند شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والمرداوي، وابن النجار. ٣ - أنه لما كان التقدير الشرعي عبارة عن إعطاء الشيء منزلة على خلاف واقعه، كان هذا مستدعياً لأن يكون التقدير منبعثاً عن سبب معتد به شرعاً، ثم إن صورة التقدير هذه قد جعلته واقعاً على خلاف الأصل؛ إذ الأصل أن يعطي الشيء حكمه على وفق واقعه، ولما كان هذا شأن التقدير الشرعي كان لابد من الاقتصار على ما تدعو الحاجة إليه منه. ٤ - أن للتقدير أسباباً متعددة ومتنوعة بحسب تنوع التقدير ذاته، وقد اجتهدت في حصر هذه الأسباب، فظهر لي أن أكثرها عدداً وأوسعها أثراً ما كان منها متعلقاً بتقدير الموجود معدوماً، ويقرب منها ما كان متعلقاً بتقدير الموجود بمنزلة موجود آخر، وأقل من ذلك ما كان منها متعلقاً بتقدير المعدوم موجوداً أو بمنزلة معدوم آخر. ولعل السبب في هذا التفاوت هو النظر إلى الركن الأول في التقدير، وهو الأمر المقدر وكونه موجوداً أو معدوماً؛ فإن كونه موجوداً أدعى عقلاً لتكرر النظر إليه، ومراعاة حال وجوده، بخلاف المعدوم في هذا الشأن. وهذا يدعونا إلى القول: إن عناية الشرع بالموجود أشد من عنايته بالمعدوم، ولعل هذا عائد إلى ما هو معلوم في التأصيل الفقهي من أن التكليف متعلق بالموجود، يستوي في ذلك المكلف أو المكلف به. ٥ - أن محل التقدير قد يتنازعه أكثر من سبب، وقد لا يبدو الأمر مشكلاً حين يكون نوع التقدير واحداً، لكن محل الإشكال حينما يكون كل سبب منتجاً لنوع من أنواع التقدير مناقض للنوع الآخر، وحينئذ يكون محل التقدير مجالاً لتعارض الأنظار وتنازع الأفكار، وهذا يفسر لنا توارد الأمثلة الفقهية وتكررها في جملة من أسباب التقدير الشرعي التي تتناقض مواردها. ٦ - أن اختلاف الحكم في محل التقدير بناء على هذا التنازع المشار إليه في الفقرة السابقة قد يكون في النوع الواحد من أنواع التقدير الشرعي، وذلك كما في اختلاف الحكم عند التعارض بين الشك في الشيء والاحتياط للشيء في تقدير الموجود معدوماً، وقد يكون في نوعين من أنواع التقدير الشرعي، وذلك كما في اختلاف الحكم عند التعارض بين ترتب المشقة على اعتبار وجود الشيء وكون الشيء غالباً. وحينئذ فإن هذا التعارض والاختلاف في الحكم فيه إشارة إلى سبب من أسباب التقدير المختلف فيه، وهو الاختلاف في مأخذ التقدير وسببه الصحيح.

стр. 87

٧ - أن من أسباب التقدير ما له جهتان، بحيث يؤدي من إحداهما إلى نوع من التقدير، ويؤدي من الأخرى إلى نوع آخر مناقض له، ومن هذا: أن ترتب المشقة له جهتان؛ فقد يكون بالنظر إلى اعتبار الشيء موجوداً، وقد يكون بالنظر إلى اعتبار الشيء معدوماً، وكل من هاتين الجهتين له أثره في إحداث نوع من أنواع التقدير، فالأولى تتعلق بتقدير الموجود معدوماً، والثانية تتعلق بتقدير المعدوم موجوداً، بل إن صور ترتب المشقة الناتجة عن أسباب المشقة المعلومة شرعاً من عموم البلوى، والجهل، والنسيان، والإكراه، يختلف أثرها في التقدير كما مر معنا. وهذا يخلص بنا إلى القول: إن من أسباب التقدير ما يختلف أثره بناء على اختلاف نوع الحادثة؛ هل هي من المأمورات، أو من المنهيات، وهل هي مما يطلب جلبه، أو مما يطلب دفعه. ولذلك حصل الاختلاف في أثر عموم البلوى باعتباره صورة من صور ترتب المشقة، فإن كانت الحادثة مما يعسر الاحتراز منها فإن ترتب المشقة بناء على عموم البلوى بها يعد سبباً في تقدير الموجود معدوماً، وإن كانت الحادثة مما يعسر الاستغناء عنها فإن ترتب المشقة بناء على عموم البلوى بها يعد سبباً في تقدير المعدوم موجوداً. وأما الجهل والنسيان والإكراه فحصل الاختلاف في أثرها في التقدير بناء على الاختلاف في نوع الحادثة؛ هل هي من قبيل المأمورات أو من قبيل المنهيات، ومثل هذا حصول الاختلاف في أثر الاحتياط؛ بين أن يكون احتياطاً للشيء أو احتياطاً من الشيء، ولذلك لا يصح في نظري إطلاق القول في بعض أسباب التقدير بأنها سبب للتقدير مطلقاً دون تقييد لها بحالة معينة منها. ٨ - أن للتقدير أثراً مباشراً في جملة من مسائل أصول الفقه وقواعده، وهذا الأثر متفاوت؛ إذ قد يكون ظاهراً ومؤثراً تأثيراً مباشراً في بعض المواضع، وقد يكون تأثيره أقل من ذلك في مواضع أخرى، وهذا الأمر من الظهور بحيث لا يحتاج إلى تمثيل؛ فبتأمل ما تم عرضه من أثر للتقدير في التقعيد الأصولي والفقهي يتقرر ما ذكرناه آنفاً، على أن المتأمل لهذا الأثر يجد أن تأثير التقدير في التقعيد الفقهي أكثر وضوحاً منه في التقعيد الأصولي. ٩ - تقرر لي من خلال البحث في أثر التقدير الشرعي في الاستحسان أن الاستحسان قد ينبني على الاحتياط بشقيه المذكورين هنا، أي على الاحتياط للشيء، والاحتياط من الشيء، ووضحت ذلك بالأمثلة، وفي هذا التقرير إضافة على أمر كان متقرراً عند عامة العلماء في الجملة من أن الاستحسان مبناه على التيسير والتوسعة ورفع الحرج فحسب. ١٠ - أن من آثار التقدير الشرعي في التقعيد ما يعد من صور التقدير كما في قاعدة الرفض، وقاعدة الانعطاف، وقاعدة الظهور والانكشاف، ومنه ما يكون قاعدة مستقلة وللتقدير أثر فيه، وأمثلة هذا ما مر بحثه في الباب الثالث. ١١ - أنه قد ثبت أن لإعمال التقدير الشرعي أثراً في دفع كثير من الإشكالات الفقهية، سواء أكان الإشكال في إقامة دليل وتوجيهه أم في دفع اعتراض ومناقشته، وما ذكر في هذه الرسالة إنما هو نزر يسير مما هو واقع في التفريعات الفقهية. وأما ما يمكن أن أختم به من توصيات، فمنها: ١ - أنه ينبغي للباحثين في أصول الفقه الاهتمام بكتب القواعد الفقهية في مختلف المذاهب؛ وذلك لما في هذه المؤلفات من الإضاءات السديدة والإشارات المفيدة في كثير من موضوعات أصول الفقه، والتي ربما لا توجد في كتب أصول الفقه أنفسها. ٢ - أنه ينبغي للباحثين في علوم الشريعة الاهتمام بكتب الفقه ذات المنحى التقعيدي والاتجاه لها استخراجاً لقواعدها، وتمحيصاً لتعليلاتها، واسترشاداً بتطبيقاتها. ٣ - أنه ينبغي إعادة النظر في جملة من القواعد التي يفهم من إطلاقها ما لا يحتمله واقعها الشرعي، ومن تلك القواعد قاعدة (تنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة)؛ إذ لا زالت هذه القاعدة بحاجة إلى مزيد نظر وتأمل في ضوابطها، وتتبع لواقعها الفقهي.

стр. 88

التكليف في ضوء القضاء والقدر المؤلف/ المشرف: أحمد بن علي عبدالعال المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار هجر - أبها ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قدر وقضاء الخاتمة وبعد ... فها أنا ذا أضع قلمي، بعد أن أنهيت الخوض في هذه القضية، كما يضع المحارب سيفه، وقبل أن أفارق القلم أود أن أسجل بعض الأفكار، التي انتهيت إليها من خلال معايشتي لهذا الموضوع. ١ - إن الإنسان مكلف شرعاً بأوامر ونواهي، لا تخلو من المشقة، ولكنها مشقة محتملة، يهون عليه تحملها، كلما ازداد يقيناً بالثواب الأخروي على امتثاله. ٢ - إن الالتزام بالتكاليف الشرعية هو السبيل الوحيد لتحقيق العبودية الصحيحة، والتي هي سبب سعادة المكلف في الدنيا، وفوزه ونجاته في الآخرة. ٣ - القضاء والقدر من متعلقات صفات الكمال، لأنه يستلزم الإيمان بعلم الله الأزلي المحيط بكل شيء، والكتابة في اللوح المحفوظ لما علم من المقادير، والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وأيضاً الإيمان بأن الله خالق كل شيء. ٤ - إن الإيمان بالله تعالى، وبكمال عدله، وحكمته، يستوجب الإيمان بما قدر وقضى، وبما أعطى ومنع، وبما أغنى وأفقر، وبما أنعم وابتلى، إذ كل شيء منه، وصائر إليه، لأنه سبحانه عالم وقدير وحكيم، لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا لغير حكمة، وإن كانت عقولنا تقصر عن الإحاطة بحكم أفعاله، وهو محمود على كل حال. ٥ - يجوز السؤال عن حكم وعلل بعض الأقدار على سبيل اليقين بالقدر خيره وشره، لا على سبيل الاعتراض والشك، فإذا وصل الأمر إلى المراء والجدال، فالإمساك عندئذ واجب. ٦ - إن الله تعالى هدى المكلفين جميعاً إلى الحق والخير، ومنحهم العقول التي يميزون بها، والقدرة التي يفعلون بها، وبين لهم عاقبة أعمالهم، خيراً أو شراً، فمن استحق العقاب فبعدله، ومن نجا فبإعانته وفضله، ولا حجة لأحد على الله، بل له الحجة البالغة على خلقه. ٧ - إن الله تعالى عادل لا يظلم أحداً، وإن كان الظلم مقدوراً له، ولكن الله لا يفعله، بل حرمه على نفسه، وعلى خلقه، فلا يضل إلا من استحق الضلال، ولا يهدي إلا من استحق الهدى، وهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. ٨ - المكلف فاعل لفعله حقيقة ومختار له، وليس في القدر السابق إكراه، أو اجبار على الفعل أو الترك، لذا كانت المسؤولية والجزاء على أفعال المكلف الاختيارية تامة وعادلة. ٩ - إن الإيمان بالقضاء والقدر لا يعفي المكلف من تبعة مسؤوليته عن أعماله، فلا يحتج بالقدر السابق على الذنوب، ولكن إذا أصابته مصيبة، نظر إلى القدر الذي مضى عليه، صابراً وملتجئاً إلى ربه، قائلاً: حسبنا الله ونعم الوكيل. ١٠ - الأخذ بالأسباب لا ينافي القدر والتوكل، بل هي جزء منه، ولكن إذا وقع القدر وجب الرضا به والتسليم له، وأما قبل أن يقع فإن سبيل المكلف هو الأخذ بالأسباب المشروعة، ومدافعة الأقدار بالأقدار. ١١ - إن ما يصيب المكلف من قدر الله الكوني ألطاف الله وعنايته به، وهو في خير على كل حال، فإن أصابه خير شكر الله على ذلك، معتقداً أن هذا لطف من الله وفضل، وإن أصابه شر صبر معتقداً أنه لطف أيضاً، فهو إما رفع لدرجاته، وإما تكفير عن سيئاته، وفي كلا الأمرين خير له. ١٢ - إن دخول الشر في القضاء الإلهي، لا يتعدى أن يكون شراً بالنسبة للمخلوق، لأن الشر إنما هو الذنوب وعقوباتها، في الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، وأما بالإضافة إلى الله تعالى فكل ما يقدره خير، فإنه صادر عن علمه وحكمته، وما كان كذلك فهو خير محض بالنسبة إلى الرب سبحانه، لذلك لا يضاف الشر إلى الله – وإن كان خالقه -، وإنما يضاف إلى المخلوق باعتبار أنه متسبب فيه. ١٣ - حسن الأفعال وقبحها أنواع: فبعضها يشتمل على مصالح ومفاسد ذاتية، يمكن للعقل إدراكها، وبعضها أفعال أنشأ الشرع أحكامها تحسيناً أو تقبيحاً، ورتب عليها الثواب والعقاب، وقد يعجز العقل عن إدراكها، وهناك أفعال أخرى يرجع حسنها إلى نفس الأمر، وليس إلى الفعل المأمور به، وإنما القصد من هذه الأفعال اختبار الله تعالى للمكلف. ١٤ - تتنوع مصادر معرفة الخير والشر في الإسلام بتنوع موضوعات المعرفة ذاتها، فمعرفة العبد ربه، وتنظيم علاقة الإنسان بغيره مصدره الشرع، وأما المعرفة المتعلقة بالقوانين العلمية التي تسير الأشياء المادية والطبيعية وفقها، فمصدرها العقل المسترشد بنور الشرع ومقاصده. هذا وآمل أن أكون قد أسهمت في تجلية وتوضيح هذه الأفكار، كما سبق أن وعدت في البداية، ورجائي لكل من قرأ هذا البحث أن يسدد ما به من خلل، أو يستر ما به من زلل، والمعصوم من عصمه الله . وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يلهمنا الصواب في أقوالنا وأعمالنا، ويوفقنا للخير في كل مقاصدنا، وأن يجعل عملنا خالصاً متقبلاً، إنه سميع مجيب. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 89

العرف حجيته، وأثره في فقه المعاملات المالية عند الحنابلة (دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية) المؤلف/ المشرف: عادل بن عبد القادر بن محمد ولي قوته المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المكتبة المكية - مكة المكرمة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: عرف وعادة الخَاتِمَةٌ وبَعْدُ ... فقد آن لهذا القلم أَنْ يوضَعَ، ولهذا البحث أَنْ يبلغَ غايتَه، وإن لمْ أَقْضِ منه كلَّ لُبَاناتي، ففي النفْس منه بقيَّاتٌ لكنْ لمْ يَعُدْ في قوسِيَ منزَع، والأمر إذا اتسعَ ضاق! والحقُّ أنَّ موضوع هذا البحث في بعض جوانبه أَكْبرُ مِنْ أن تستوعبه مِثْلُ هذه الرسالة، وأنَّ المسائل والفروع التي بنيتْ على العُرْف وعُلِّلَتْ بالعوائد في فقه المعاملات الماليّة توشك أن تِندَّ عن الحَصْر، وألاَّ يستوعِبَها الاستقراءُ، ولا يأتيَ عليها مِثْلُ هذا البَحْث المتواضع. وهذا منها هو مَبْلغُ العلم، وجُهْد المُقِلِّ، وقَدْر الوُسْع، ومدَى الوقْت، وغايةُ الطاقة، لم آلُ فيه جُهداً, ولم أَدَّخِرُ عنه وُسْعاً, ولمْ أقصِّرْ فيه عن نَدَى. والرجاءُ أني أتيتُ بجملتها، وأَشْهر مسائلها، وأَظْهر أمثلتها، وأهمِّ فروعها، وما بدا لي منه دقَّةُ نظرٍ, أو تجليةُ مُدْرَكٍ فقهيٍّ معتبرٍ، أو وضوحُ دلالةٍ، أو فقَاهةُ تخريج ٍ, أو طرافةُ موضوع ٍ، أو ما كان منها في حاجة العَصْر، ومَدْرجة ً إلى تجديد الاجتهاد فيها. والرجاءُ أَيضاً أن يكون قد أدركني بعضُ الحظِّ الذي تحدَّثَ عنه إمامُ الحرمين - رحمه الله تعالى - في قوله: " ومَنْ لمْ يخرِّج العُرْف في المعاملات تفقُّهاً لمْ يكن على حظِّ كاملِ فيها "، وأَن يكون ما قدَّمْتُه في هذه الرسالة لبنةً طيبةً متماسكةً تصلحُ لاعتمادها والبناء عليها. اللهم إنّي أسألك حسن العاقبة في الدنيا والآخرة، اللهم توفَّني مُسْلِماً وألحقني بالصالحين، ربنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. وصلَّى الله على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. والحَمْدُ للَّه ربِّ العالمين.

стр. 90

العرف وأثره في الشريعة والقانون المؤلف/ المشرف: أحمد بن سير المباركي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٢هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: عرف وعادة الخاتمة (مقارنة بين العرف في الفقه والعرف في القانون) من الخطل في القول، والسفاهة في الرأي: أن تقارن نظريات الفقه الإسلامي، بنظريات القانون الوضعي، وذلك للبون الشاسع بين شرع الله وتقنين الإنسان، بين الخالق والمخلوق، بين الثريا والثرى، ولكن هذا لا يمنع من أن نلقي نظرة خاطفة على نظرية العرف في كل من الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، ولا تثريب علينا في ذلك ما دمنا نريد بيان الحقيقة للناس، ليقف عليها من يريد الفهم والإنصاف. فنقول: إن هناك توافقا في جوانب، وتخالفا في جوانب أخرى: أما الجوانب المتفق فيها: فتتلخص في الأمور الآتية: الأول: أن للعرف دورا هاما في قسم المعاملات في كل من الفقه الإسلامي، والقانون الوضعي، فكثيرا ما تجد العرف هو المحكم في بيع الناس وشرائهم، بل وفي معاملاتهم كلها. الثاني: أن كلا من الفقه الإسلامي، والقانون الوضعي، يحيل في نصوصه على العرف في كثير من المسائل فمثلا: الفقه الإسلامي، أحال على العرف في مقدار النفقة وجنسها، والتفرق في البيع، والحرز في الوديعة وفي باب السرقة، كما أن القانون يحيل على العرف، لأن كل إقليم له عرفه الخاص به، والقانون لا يمكنه التنصيص على عرف كل إقليم؛ لأنه يؤدي إلى التناقض والاضطراب، حيث إن العرف في إقليم قد يكون مخالفا لعرف الإقليم الآخر. الثالث: أن كلا من الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي لا يعتبر العرف إذا عارض نصوصه، اللهم إلا إذا كان العرف موجودا في عهد الرسول – ﷺ – كما مضى الحديث عن ذلك في تعارض العرف مع النصوص الشرعية. وكذلك ما سارت عليه بعض الدول من جعل العرف في منزلة التقنين. الرابع: يشترط للعرف في كل من الفقه الإسلامي والقانون الوضعي: أن يكون مطردا وثابتا، وموجودا عند إنشاء التصرف، حتى يتمكن الفقيه والقانوني من الإلزام به، وبناء الحكم عليه. الخامس: أن كلا من الفقيه في الشريعة الإسلامية، والقانوني في القانون الوضعي في حاجة ماسة إلى العلم بالعرف، حتى يتمكنا من إجراء الحكم على الوجه السليم. أما الجوانب المختلف فيها: فيمكن الإشارة إلى أهمها فيما يلي: أولاً: أن العرف في الفقه الإسلامي يعتمد في إقراره والإلزام به على شريعة الله تعالى العالم بما يصلح للناس؛ لأنه خالقهم، وخالق الحقيقة أعلم بما يصلح لها. أما العرف في القانون الوضعي: فإنه يعتمد في إقراره والإلزام به على القانون الذي هو من وضع البشر، يعتريه القصور والنقص؛ لأن صانعه قاصر ناقص، والصنعة تأخذ صفة صانعها. ثانياً: أن العرف في القانون مصدر أصيل من مصادره العامة، فهو ثاني مصدر للقانون الحديث، بل هو والتقنين في مرتبة واحدة لدى بعض الدول. أما العرف في الشريعة الإسلامية: فلا يعدو أن يكون قاعدة من قواعدها الفقهية، يعمل به في نطاق خاص. ثالثا: أن الشريعة الإسلامية: لا تعتبر من الأعراف إلا ما كان صحيحا، يحقق المصلحة للناس، ولذلك قسم الفقهاء العرف إلى صحيح وفاسد. أما العرف في القانون، فلا تعتبر فيه هذه النظرة، بل يعمل بالعرف الفاسد كما يعمل بالعرف الصحيح، ولذلك لم يقسم القانونيون العرف إلى صحيح وفاسد، شأن علماء الشريعة الإسلامية. رابعا: العرف في الفقه الإسلامي يأتي في وسائل العبادات، بل وفي جميع أبوابه، وهذا بخلاف العرف في القانون، فإنه لا دخل له إلا في المعاملات، إنطلاقا من مبدأ فصل الدين عن الدولة، وأن ما لله لله وما لقيصر لقيصر. خامسا: أن العرف في الشريعة الإسلامية منظم وموجه، ومن ثم عبر القرآن الكريم عنه بالمعروف في أكثر من موضع، وهذا بخلاف القانون: فإنه منظم وليس بموجه؛ لأنه فقد الصيغة الدينية التي تذكي الشعور، وتحاسب الضمير. سادسا: أن العادة في الفقه الإسلامي أعم من العرف، فكل عرف عادة من غير عكس، أما القانون فإنه يعتبر العادة مرحلة أولية للعرف، أي: الركن المادي له، فإذا ما توفر فيهما الركن المعنوي (اعتقاد الناس بأن هذه العادة ملزمة) ارتقت إلى درجة العرف. وإلى هنا نأتي إلى نهاية هذا البحث الذي يعالج نظرية (العرف) التي تعد من أوسع النظريات في الفقه الإسلامي، مقارنة بنظرية (العرف) في القانون، وليقف المنصف على مدى حيوية ونماء الفقه الإسلامي، وصلاحه لكل زمان ومكان، رضي الأعداء أم سخطوا، فالحق يجب أن يعلو ويجب أن يقال. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 91

العرف وأثره في التشريع الإسلامي المؤلف/ المشرف: مصطفى عبدالرحيم أبو عجيلة المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المنشأة العامة والإعلان ̈الأولى سنة الطبع: ١٣٩٥هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: عرف وعادة خاتمة البحث على ضوء ما تقدم عرضه من النصوص الشرعية، وأقوال الأئمة والفقهاء والمؤرخين يمكننا أن نؤكد على ملازمة العرف للجماعات البشرية منذ تكونت هذه الجماعات، وهذا راجع إلى أنه: وليد حاجتها، وعامل على تماسك وحدتها وترابط أعضائها وحكم بين أفرادها عند غياب أو نقص القوانين، وربما جاز القول إنه حتى مع وجود هذين فإنه لا يتخلى عن دوره بسهولة، بل يحتفظ بأداء وظائفه – ولو في بعض الجوانب – مستعيناً بحيويته وعطف الجماعة عليه وميلها إليه، لشعورها بأنه: غير مفروض عليها بل هو صادر عنها. غير أنه قد تفرض بعض الأعراف أحياناً على مجموعات من الناس تكون في أغلبها ضارة لأكثرهم نافعة لأقلهم، وفي مثل هذه الظروف يتوقف بقاء هذه الأعراف على قوة المستفيدين منها، الذي يبذلون أقصى ما لديهم من القوة في سبيل الحفاظ عليها، ولا يتخلون عنها إلا لسبب قاهر، قد يكون ثورة أرضية، وقد يكون ثورة سماوية إن صح التعبير. وأياً كان الأمر فإن تلك الأعراف: تنهار بانهيار حماتها، عكس الأعراف الصادرة عن ضمير الجماعة والمعبرة عن حاجاتها، فإنها قد تبقى حيث يتبناها المسؤولون الجدد سواء كانوا رسلاً أو مجرد قادة. وهذا عين ما حصل من الشريعة الإسلامية إذ نراها – من باب تكريمها للإنسان – قد راعت العرف الذي فيه مصلحة الجماعة ولا يتعارض مع أهدافها باعتبارها مصلحة الجماعة ولا يتعارض مع أهدافها باعتبارها مصلحة لكل الناس لا لفرد دون غيره، أو طبقة دون أخرى. كما أنها هدمت ما عداه من الأعراف الفاسدة والمتضمنة لضرر الجماعة سواء كان ذلك الضرر بعيداً أو قريباً، ظاهراً أو خفياً حيث إن بعض المضار قد تخفي على كثير من الناس. وما ينبغي للشريعة – ولا ينتظر منها – أن تفعل غير ذلك إذ يستحيل اجتماع الضدين وتوافق النقيضين. ولا يشكل علىّ القول بمراعاة الشريعة الإسلامية للعرف موقف بعض الأصوليين منه واختلافهم في حجيته، إذ ليس هو المصدر الوحيد المختلف فيه، فهناك الإجماع والقياس ناهيك عن بقية المصادر الأخرى إذ لم يتفق إلا على القرآن والسنة، ثم إن هذا الاختلاف في حد ذاته لا يعتبر مشكلة إذا قدر سبب الاختلاف حق قدره. على أن هذا الخلاف يختفي – أو يكاد – عند التطبيق أو تأسيس الأحكام، فكم من أصولي لم يقل بالعرف في أصوله ولكنه على صعيد التطبيق لا يسعه إلا القول به، حتى قال ابن القيم في مثل هؤلاء: " فإنهم ينكرونهم بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به " أو كما قال القرطبي: " ... ينكرونه لفظاً ويعملون به معنى " إذا فالصحيح أن الشريعة الإسلامية راعت العرف وجعلته أصلاً من أصولها. ولقد تجلت هذه المراعاة في إقرار الشريعة بعض العادات والأعراف، وفي الأسلوب التدريجي الذي اتبعته في هدم ما هدمته منها، ناهيك عما أحالته نصوصها عليه من بيان وتفصيل بعض الأحكام، كما في النفقة والإجارة والبيوع وغيرها وفق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، بمقتضى فهمهم لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، المؤيد بعمل الصحابة والتابعين، باعتبارهم الهداة المهتدين والأقدر على فهم المراد من الشريعة. ومن لطف الله بنا أن مكن لهم في الأرض حتى اختلطوا بأناس غير ناسهم ورأوا عادات غير عاداتهم، فما رابهم من ذلك شيء، ولم يستنكروا إلا ما نهي الشرع عنه، ولعل في عمل حذيفة ﵁ ما يدل على ذلك عندما أكل على مائدة أحد الدهاقين بالمدائن، فلم يستنكر حذيفة شيئاً إلا آنية الشراب التي كانت من فضة، وأنه لم يستعملها لنهيه عن ذلك ﵇.

стр. 92

وكان من أثر إقرار هذا المبدأ – اعتبار العرف – وغيره أن زخر الفقه الإسلامي على مر العصور بشتى الحلول لما استجد ويستجد من القضايا بين الناس ولما يتطلبه التطور الحضاري بما يصاحبه من التعقيد وتشابك الأمور، ولم يقف هذا الفقه عاجزاً عن حل أية قضية في يوم من الأيام، رغم انتشاره في بيئات مختلفة الظروف والمناخ، وتطبيقه على أكبر مساحة من الأرض عرفها دين من الأديان، الأمر الذي يمكن القول معه أن الشريعة الإسلامية لاحظت تأثير المناخ في تشكيل العادات التي تحكم تصرف الإنسان قبل أن يعرفها ويقول بها منتسكيو في روح القوانين بمئات السنين. وخلاصة القول إن الفقه الإسلامي قد ازدهر على مر العصور وكان من جملة أسباب ازدهاره مراعاة العرف حتى يمكن القول إن الثروة الفقهية الإسلامية تعد – بحق – أكبر ثروة فكرية عرفها الإنسان – وبخاصة – في مجال الفقه. وقد ذكرنا طائفة من الأحكام المبنية على العرف أو المحال عليه الفصل فيها في ما تقدم من هذا البحث. وأخيراً وبناء على ما تقدم فإنني: أقرر أمرين، الأول أن العرف – متى استكمل شرائطه – مصدر أساسي من مصادر التشريع الإسلامي تبنى عليه الأحكام، ويستعان به في التوصل إلى الحق، ومعرفة مقاصد الناس في عقودهم التبادلية، وأيمانهم ووصاياهم ومقاصدهم في جميع معاملاتهم. الثاني: أنه من الأفضل لهذه الشريعة أن تتوازى فيها الرخص والعزائم دون التركيز على أي منهما دون الأخرى، وإذا كان لابد من تغليب إحداهما على الأخرى في بعض المجالات، فليكن التركيز على العزائم في العبادات، وعلى التيسير والسماحة في المعاملات. وما من شك في أن في العمل بالعرف: أحد مظاهر السماحة والتيسير في هذه الشريعة، وهو الأمر الذي طلبه محمد ﷺ وأوصى به أتباعه بقوله: " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ". وما احتواه هذا البحث، عن طريق إثبات حجية العرف، وذلك لما في العمل به من رفع الحرج عن هذه الأمة التي خاطبها ربها بقوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾

стр. 93

العرف والعادة في رأي الفقهاء - عرض نظرية في التشريع الإسلامي المؤلف/ المشرف: أحمد فهمي أبو سنه المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الثانية سنة الطبع: ١٤١٢هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: عرف وعادة الخاتمة كلمة عن أثر العرف في التشريع وهل يمكن عده من أسباب الخلاف ذكرت آثار العرف المختلفة في غضون ما تقدم من الموضوعات. وأختم هذا البحث بإجمال هذه الآثار، كلها آيات بينات على سماحة التشريع وتوسعته على الناس وصيانته للحقوق. ويمكن حصرها في اثني عشر. الأول: إقرار التشريع للعرف القائم في الأمة لصلاحه واستقامته، ولما في هذا من التيسير على المكلفين، كما كان من إقرار الكتاب والسنة لبعض العوائد العربية كالبيع والمضاربة والمكافأة بين الزوجين، وإقرار المجتهدين لبعض العوائد في البلاد المفتوحة من أمتي الفرس والرومان وغيرهما كتدوين الدواوين وبعض الشروط في البيع. الثاني: جعله دليلاً على مشروعية الأحكام ظاهراً، وهو في الواقع ليس بدليل، بل الدليل أصل من أصول الفقه، لكنه اكتسب اسم العرف لأنه هو العامل على وجوده كالإجماع العملي وبعض المصالح المرسلة، أو لأن التعامل جرى على ما أفاده الدليل من قرآن، أو سنة أو إجماع أو قياس. الثالث: جعله علة ظاهرة للحكم كما في الإجارة، فإن علة صحتها الظاهرة في غير مورد النص هي العرف، والعلة الحقيقة هي الحاجة. الرابع: جعله مقياساً يرجع إليه في تطبيق الأحكام المطلقة كالنفقة والمعيار في الربا وما تحصل به الرؤية الموجبة للخيار في البيع، وتأثيره في هذه الناحية واسع قوي. الخامس: تأثيره في تكوين الحكم الذي يستنبطه المجتهد أو يخرجه المفتي، كما أظهر هذا في بيع النحل وصبغ الثوب المغصوب باللون الأسود. السادس: تأثيره على الأدلة الشرعية بالتخصيص والتقييد كالاستصناع وبيع الثمار عند وجود بعضها دون البعض، ولكن الأثر في هذه الحالة منسوب إليه في الظاهر، والواقع أن التأثير لأصل شرعي يكافئ الدليل المعارض له أو يترجح عليه. السابع: أن النص قد يكون معللاً بالعرف أو بعلة مرجعها إليه، ثم تتغير العلة بتغيير العرف، فيظهر تغير الحكم الذي تضمنه النص. فمثال الأول: ما روي عن أبي يوسف من بناء المأثور في معيار الربا على العرف. ومثال الثاني: قضاؤه ? بالدية على عصبة القاتلة فإنه معلل النصرة التي يرجع في معرفتها إلى العرف، وقد كانت في عهده ? بالعصبة، ولما كانت في عهد عمر بالديوان، لتغير العرف، جعلها عمر على أهله. الثامن: أن يكون سبباً لعدول عن ظاهر الرواية من المذهب، وسبباً كذلك للترجيح بين أقوال الأئمة التي استنبطت بوجه شرعي صحيح. وهذا منصب العالمين بمباني الأئمة أصحاب المذاهب والمتأهلين للنظر فيها، أما غيرهم فليس لهم إلا نقل ما رجحه الفقهاء في الكتب المعتبرة بطريق الرواية، وهذه ناحية تحدث بأفصح لسان عن خصوبة الفقه وفتوته وجدارته للحكم بين الخلق متى كانوا وأين كانوا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وتقع ألسنة الذين يجاهرون بالباطل في بلاد الإسلام ويرضون بغير حكم الله. ولعمري إن الفقه لا يبلغ مثله الأعلى إلا بالقضاء بأحكامه، لأن فيه وفيما يقوم حوله من المرافعات وعرض الخصومات مواجهة لمشاكل الحياة ومعرفة ما يجعلها من نظريات الفقه وآراء الفقهاء، ففي القضاء تكميل للفقه بترجيح الآراء التي تضمن المصلحة، وتخريج الأحكام التي تستدعيها الظروف الحادثة، وقد فصلت فيما تقدم أنواع العرف الأربعة، وشرحت معنى اعتبار الفقهاء لها، وكلها صالحة في هذا العصر الذي انتعش فيه الفقه لجعلها مبنى للأحكام. التاسع: أنه يرجع إليه. في فهم معاني الكتاب والسنة بما هو المعهود عند العرب في مخاطباتهم ومعاملاتهم.

стр. 94

العاشر: أنه يحدد مراد المتصرفين، فيجري الشارع أحكام تصرفاتهم على ما يفيده العرف كما في العقود والطلاق واليمين. الحادي عشر: أن يكون قرينة تظهر الحق من الباطل والحلال من الحرام، وأكثر ما يكون ذلك في الإفتاء والقضاء، كتحكيمه في اللقطة وعيوب المبيع. الثاني عشر: اتساع المجاميع الفقهية، فإنها لم تقتصر على أحكام النوازل التي فصل فيها القرآن والسنة، بل دونت فيها أحكام العادات التي جرت في الأمم المسلمة على مر العصور، فإنه لما فتحت الممالك وانتشر الإسلام، عرضت على المجتهدين عادات مدنية وفارسية ورمانية ومصرية وإفريقية في مختلف مسائل الفقه، كالمهر وجهاز الزوجين وبيع الثمار، وما يدخل في المبيع تبعاً وما لا يدخل، والاستصناع والإجارة على نسيج الثياب وخياطتها وصبغها، والشروط في العقود وصيغتها ولعبة الشطرنج لم تكن هذه العادات معروفة في عهد الرسالة، وكانت محل اجتهاد المجتهدين وإفتاء المفتين، ثم جمعت في المؤلفات الفقهية على أنها آثار وفتاوى يجب العمل بها. الكلمة الأخيرة: هي: هل يكون العرف سبباً من أسباب الخلاف بين الفقهاء؟. لم يعده من أسباب الخلاف البَطَلْيُوسي في كتابه الإنصاف. ولا ابن تيمية في رسالته رفع الملام. وذكر الشاطبي في الموافقات أنه لا ينبغي إن يعد اختلافاً بين الأئمة إلا ما كان خلافاً على الحقيقة، فما كان ظاهره الخلاف والواقع الوفاق فحكاية الخلاف فيه خطأ. ونحن كثيراً ما نرى العرف منشأ للاختلاف بين الأئمة لاختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، كاختلاف الإمام وصاحبيه في تزكية الشهود، وتحقق الإكراه من غير سلطان، واعتبار الكفاءة في الحرف، ولا يكون هذا خلافاً على الحقيقة، إذ لو شاهد كل إمام ما شاهد آخر لقال بما قال. فأخذاً بكلام الشاطبي ينبغي أن لا يعد العرف من أسباب الخلاف. والظاهر أن فقهاءنا على هذا الرأي، إذ كثيراً ما يقولون في المسائل التي تختلف الآراء فيها لاختلاف العادات: وهذا اختلاف في عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان. اللهم إلا في بعض مسائل يكون العرف فيها من أسباب الخلاف على الحقيقة، كاختلاف الشافعية في أن المعروف كالمشروط، فإنه ترتب عليه خلاف حقيقي بينهم في بعض الفروع كما تقدم في ص١٧٠. وبعد. فهذه نظرية العرف والعادة عند الفقهاء، مؤيدة بأصول الدين، معضدة بكلام الثقات من علماء المسلمين، أعرضها على الناس في وضوح ليطالعوا فيها سمو الفقه وسماحته وعدالته، ويقفوا بها عليه مبلغ ما وصل إليه فقهاء المسلمين من نيل التفكير وحصافة الرأي وحسن الاستنباط، ويؤمنوا بأن شريعة السماء هي وحدها التي يجب أن تتصدر للحكم بين الناس، وهي وحدها التي يجب أن تستمد منها التشريعات المدبرة لأمر الأفراد والجماعات. وهذا آخر ما أمكنني الوصول إليه في بحث هذا الموضوع بعد قراءات واسعة وبحوث شاقة، في الحق أني مستقل هذه النتيجة الضئيلة معها. ولكن إن كان الله قد وفقني إلى الصواب فقليل الصواب كثير. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على رسوله العظيم.

стр. 95

الفتيا المعاصرة – دراسة تأصيلية تطبيقية في ضوء السياسة الشرعية المؤلف/ المشرف: خالد بن عبدالله بن علي المزيني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: ابن الجوزي – السعودية ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: فتوى ومفتي ومستفتي الخاتمة: وبعد؛ فإني حامد الله تعالى ما أعان ويسر من إتمام هذا البحث، الذي قسمته إلى أربعة أبواب: الباب الأول: أصول الفتيا المعاصرة. الباب الثاني: مناهج الفتيا العاصرة. الباب الثالث: وسائل الفتيا المعاصرة. الباب الرابع: أساليب الفتيا المعاصرة. وقد خرجت منه –بفضل الله تعالى- بنتائج متعددة، أهمها ما يأتي: - تقرير حجية الأدلة الأصلية في الشريعة، من كتاب، وسنة، وإجماع، وقياس، وأنها ما تزال غنية ثرة بالمعاني، وأنها مصادر خصبة لاستقاء الأحكام، بشرط إحسان النية، وإحضار الآلة العلمية. - أن ما يثار بين آونة وأخرى من اعتراضات حول هذه الأدلة، كلها أو بعضها، ما هو إلا شبهات ووساوس لا ترقى إلى الإيراد العلمي الصحيح، نعم ما يخطئ المستدل – أحياناً -، لكن لا يجوز بحال أن يوجه اللوم إلى الدليل نفسه. - أن المشاريع الفكرية المنحرفة، الداعية إلى نزع القداسة من القرآن الكريم، أو قراءته قراءة تأويلية غير منضبطة، وغيرها من الدعوات المشابهة إن هي إلا أفكار ملفقة من فلسفات لا دينية متعددة، أريد لها تستنبت في ديار الإسلام، وأنَّى لها ذلك. - أن الأصل في السنة أن تكون للتشريع، وأنه إن كان المقصود من تقسيم بعض المعاصرين للسنة إلى تشريعية وغير تشريعية؛ رد بعض السنن فهو غير مسلم؛ لأنه ما زال الأئمة يحتكمون إلى السنة، من غير فرق بين ما كان من باب العبادات أو في غيرها. - أن الأصل في السنة الصحيحة ألا تعارض نصوص القرآن الكريم معارضة حقيقية، وأن الخطأ نشأ لدى بعض المعاصرين من ظن التعارض في أذهانهم، لا في واقع الأمر. ومن النتائج المهمة في هذا الصدد أن كثيراً مما يذكره بعض المعاصرين من المعارضة يكون تخصيصاً لعموم القرآن بالسنة، أو تقييداً لمطلقها، أو أن تكون السنة مبتدئة لحكم سكت عنه القرآن، وفي هذه الأحوال لا يمكن القول بالتعارض أصلاً. - للمعاصرين نزعات متعددة حول الإجماع، نفياً وإثباتاً، بيد أن التحقيق أنه لا مانع من وقوع الإجماع السكوتي في هذا العصر. - أنه قد وقع التساهل لدى بعض المعاصرين في إعمال القياس تأصيلاً وتنزيلاً، فمن جهة التأصيل نجد دعوة الترابي إلى القياس الواسع، التي جاءت في سياق دعوته إلى التغيير العملي في أصول الفقه، التي يسميها (تجديداً)، وكذا هجوم بعض المفكرين على تأصيل الشافعي لدليل القياس، واتهامهم إياه بالتشدد، والواقع أنهم هم المتساهلون. ومن جهة التنزيل وقع القياس بين المختلفين من حيث الحقيقة والأثر، كما في الدعوة إلى إباحة تأجير الأرحام، قياساً على تأجير الظئر. - أن المصلحة لا تساوي المنفعة لا لغة ولا شرعاً، كما يظن بعض المعاصرين، بل بينهما فرق مقرر في موضعه في البحث، وأن المصلحة أتم وأسمى من المنفعة، وأنها أثبت وأدوم في الدارين، ومن ثم صلحت المصلحة لأن تكون مقصوداً شرعياً، بخلاف المنفعة، وقد وقع لبعض المعاصرين أخطاء في تقرير بعض المسائل الشرعية، من حيث خلطوا بين المصلحة والمنفعة. - أن الاستحسان حجة شرعية، وأن المذاهب الفقهية متفقة على إعمال الاستحسان الشرعي، إذا فسرناه بأنه العدول عن مقتضى دليل إلى دليل آخر، لسبب شرعي، وأن الاستحسان المجرد المبني على الهوى لا يقول به أحد من الأئمة. - أن الشبهات التي أثيرت حول الاستحسان في العصر الحاضر، ما هي إلا أوهام جاء بها بعض الداعين إلى التغيير في أصول الشريعة بأهوائهم.

стр. 96

- أن مبدأ الذرائع – فتحاً وسداً – من المبادئ الكبرى في هذه الشريعة، وهو معتبر عند عامة الفقهاء، وأن اختلافهم في بعض تطبيقاته راجع إلى ما يحتف بالمسألة أو بالباب من حواف، لا إلى أصل الذرائع. - أن ما يثيره بعض المفكرين والصحفيين من شبهات حول مبدأ الذرائع إنما هو محاولة لتطويع الشريعة للواقع، وليس غيرة على نصوص القرآن والسنة، كما أن ما يقع في بعض المعاصرين من غلو في الذرائع لا يسوغ إلغاء هذا الأصل الأصيل. - أن الاحتجاج بالعرف معتبر – في الجملة- عند عامة الفقهاء، وأن اعتباره في هذا العصر بالغ الأهمية، لما حصل فيه من خلل في الحدود الجغرافية، بسبب تطور وسائل الاتصال. - أن المعاصرين قد انقسموا في اعتبارهم للعرف إلى ثلاثة أقسام: متوسعين، ومضيقين، ومتوسطين، وهذا الأخير هو الحق. - أن استصحاب البراءة الأصلية معتبر في الشريعة، لكن تبين أنه قد حصل توسع من بعض المعاصرين في إعمال هذا الأصل، إما لسهولة إعماله، أو للجهل ببعض أدلة الباب. - أن دعوة بعض المفكرين المعاصرين إلى التوسع في استصحاب البراءة مرجعها إلى الرغبة في التحلل من بعض التكاليف الشرعية التي تخالف توجهاتهم. - أهمية أقوال الصحابة في تقرير الأحكام المتعلقة بالنوازل المعاصرة، وأنها حجة بشروطها المقررة، وبضابطين مهمين، هما: التثبت من صحة الإسناد إلى الصحابي، والتثبت من فهم مراده. - أن التخريج على أقوال الأئمة ليس حجة بنفسه، والحجة في قول الشارع، لكن التخريج مفيد في النظر في مسائل العصر، وأنه يمكن الاستئناس بالأقوال المخرجة في هذا المجال. - أن المذاهب الفقهية الأربعة قد جرت على التخريج على أقوال إمام المذهب عند عدم النص من الإمام على المسألة، وأنه قد حصل توسع في هذا الباب عند جميع المذاهب، واقترح الباحث إعادة النظر في حجية بعض الأقوال المخرجة على أقوال الأئمة، مما لا تتحقق فيه شروط التخريج الصحيح. - أنه يمكن الاستناد إلى اقتضاءات قول الإمام المفهومة عنه في هذا الصدد بشرطين: الأول: أن يتعذر معرفة الحكم من النص مباشرة، إما لقصور المكلف، أو لطبيعة النازلة، أو لضيق الوقت على المجتهد. الثاني: ألا تتخذ أقواله كأقوال الشارع، فيقلد في كل ما قاله، من غير نظر في حجته. - أن المعاصرين قد اعتنوا بالتخريج على أقوال الأئمة، لما لها من أثر في استئناس الفقيه بما ذهب إليه، واطمئنانه من صحة فهمه للأدلة. - أن شرع من قبلنا حجة إذا ثبت بشرعنا، ولم يأت في شرعنا ما ينفيه. - أنه لا يجوز اقتباس التشريعات من الأديان المعاصرة أياً كانت، ويندرج في هذا السياق ما يدعى اليوم بالتقريب بين الأديان. - ضرورة مراعاة المفتي لمقاصد الشريعة، وأن المقاصد تراعى بالضوابط الآتية: الضابط الأول: ضابط تحقق القصدية. الضابط الثاني: ضابط الموازنة بين المقاصد والأدلة الأخرى. الضابط الثالث: ضابط مراعاة مراتب المقاصد. - أن هنالك ثغرات تأصيلية في الفتيا المعاصرة، وأن التصدي للفتيا من غير المتأصلين له آثاره السيئة على الفتيا وعلى الأمة. - أن تناقض الفتاوى المعاصرة سببه خلل تأصيلي. - للخروج من الخلل التأصيلي عند بعض المعاصرين؛ ينبغي العمل على محورين: المحور الأول: تنقيحي، وبه يتم استقراء القواعد الأصولية من مظانها من مدونات الفقه والأصول، ثم تمرر على نظر التنقيح والتدقيق، ثم ينتقل بها بعد ذلك إلى إعادة الصياغة والتبويب والتصنيف، بأسلوب يناسب طبيعة العصر، ويسهل الوصول إلى المراد منه بأقصر طريق. المحور الثاني: تفريعي، وهو امتداد لطريقة تخريج الفروع على الأصول. - أن عناية المفتي بالقواعد الفقهية ضروري جداً.

стр. 97

- أن تقعيد الفتيا المعاصرة ضمانة لاستمرار فاعلية الشريعة. - أن ثمة ثغرات تقعيدية في الفتيا المعاصرة. - ضرورة العناية بالضوابط الفقهية، وبالأخص ما كان منها محققاً لمقصد كلي في الشريعة في بابه، ومن ذلك قول الفقهاء (كل قرض جر منفعة فهو ربا). - أنه وقع للفتيا المعاصرة توسع موضوعي ومكاني. وأنه بفعل هذا التوسع ظهرت مستجدات في عامة أبواب الفقه، لكن يمكن حصر مجالاتها في أربعة مجالات رئيسية: أ- مستجدات في مجال العبادات. ب- مستجدات في مجال المعاملات. ج- مستجدات في مجال الطب. د- مستجدات في مجال الجنايات والقضاء. - ضرورة العناية بالفتيا الموجهة إلى الأقليات المسلمة، وبالأخص ما له أثر على عموم الجالية، أعني الفتاوى العامة التي لا تخص الفرد بعينة، فقد وقع إفراط وتفريط في هذا المجال بالذات. - أن التغيُّر الواقع في الفتيا المعاصرة لا يخلو من أن يقع على أحد مستويات ثلاثة: المستوى الأول: التغير الواقع على النص: ولا ريب أن هذا النوع من التغير مردود، وحقيقته افتئات على صاحب الشرع. المستوى الثاني: التغير الواقع على الأحكام التي من شأنها الثبات: وهذا النوع من التغير مردود أيضاً، لأنه مضاد لمقصود الشارع من هذه الأحكام. المستوى الثالث: التغير الواقع على الأحكام التي من شأنها ألا تبقى على وجه واحد: هذا النوع من التغير مقبول. - أنه يمكن حصر أسباب التغير في الفتيا المعاصرة في نوعين: الفساد، والتطور. - أنه عند القول بتغير الفتيا في مسألة ما ينبغي مراعاة الضوابط الآتية: الضابط الأول: ألا يخالف نصاً ولا إجماعاً. الضابط الثاني: اعتبار مقاصد الشريعة. الضابط الثالث: مراعاة واقع المجتمع: والواقعية في الفتيا تعني مراعاة المفتي لثلاثة أمور: أ- طبيعة البلاد. ب- ما جرى به عمل المفتين في بلاده. ج- ما يسنه ولاة الأمر من الأنظمة المعتبرة. - أنه قد وقع اضطراب في حركة الفتيا المعاصرة، ومن مظاهر هذا الاضطراب ما يأتي: المظهر الأول: الاضطراب في المصطلحات. المظهر الثاني: الاضطراب في الاستدلال. المظهر الثالث: الاضطراب في الردود. - أن هذا الاضطراب نتج عن: أ- دخول غير المتخصصين. ب- تجاوز القواعد والأصول. ج- غربة الدين. - أن لهذا الاضطراب آثاراً وخيمة – إن لم تستدرك -، منها: الأثر الأول: إضعاف هيبة الشريعة في النفوس. الأثر الثاني: إفساح المجال للمبطلين. الأثر الثالث: مناقضة أصل الشريعة. - أن التشدد يقال في اللغة على معان ثلاث، هي موجودة في معناه الاصطلاحي، وهذه المعاني هي: أ- الصلابة والقساوة. ب- المبالغة في المنع. ج- الإيغال والتعمق. والفتيا التي تسلك هذا المسلك يصح إطلاق وصف التشدد عليها. - أن من مظاهر التشدد في الفتيا المعاصرة ما يأتي: أ- المبالغة في الاحتياط. ب- إلغاء الحاجات المرعية. - أن التساهل في الفتيا المعاصرة يعني الإفتاء بالأسهل، والأخذ بالأيسر في الفتيا على الدوام، أو في غالب الأحوال، ولو خالف ذلك دليلاً شرعياً راجحاً. - أن من مظاهر هذا التساهل ثلاثة: أ- المبالغة في التمسك بالمقاصد. ب- تتبع الرخص. ج- تسويغ الواقع. - أن لهذا التساهل أسباباً، أهمها أربعة: السبب الأول: الجهل بالشريعة. السبب الثاني: الغفلة عن المقاصد والمآلات. السبب الثالث: وقوع التشدد في الفتيا. السبب الرابع: الخضوع لضغط الواقع. - أنه قد نتج عن تساهل بعض المعاصرين في الفتيا آثار سيئة على الأفراد والمجتمعات، أهمها: الأثر الأول: الإخلال بصورة الشريعة. الأثر الثاني: التقليل من أهمية الفرعيات. الأثر الثالث: الإخلال بمقاصد الشريعة. - أن المطلوب في منهجية الفتيا التوسط بين طرفي التشدد والتساهل، ولهذا التوسط معالم أهمها خمسة:

стр. 98

أ- الموازنة بين النصوص والمقاصد. ب- الموازنة بين المصالح والمفاسد الحقيقية. ج- رد المتشابه إلى المحكم. هـ- الموازنة بين الغيرة على الحق، والرحمة للخلق. - أن وسائل الإعلام المستخدمة في تبليغ الفتيا المعاصرة تنقسم على قسمين: القسم الأول: الوسائل الملتزمة بأحكام الشريعة. القسم الثاني: الوسائل غير الملتزمة بأحكام الشريعة. - أنه يجوز للمؤهلين من العلماء الإفتاء في وسائل غير ملتزمة بشرط مراعاة ستة ضوابط: الضابط الأول: ألا يوجد البديل النقي من الشوائب. الضابط الثاني: تحقيق مقصد الشريعة في الفتيا. الضابط الثالث: مراعاة أحوال المستفتين. الضابط الرابع: حسن اختيار المفتي. الضابط الخامس: أن لا يتقيد المفتي إلا بسلطان الشرع. الضابط السادس: التثبت في الفتيا العامة، وأنه يحصل التثبت بمراعاة خسمة أمور: أ- الاحتياط في النوازل العامة. ب- استشارة أهل العلم. ج- الإفتاء بلفظ النص. د- مراعاة مراتب التحريم. هـ- التفصيل لا التعميم. - أنه قد توسع الناس في وسائل الفتيا، حتى شمل ذلك عامة وسائل الاتصال المعاصرة، من إذاعة، وتلفاز، وصحف، ومجلات، وهاتف، وفاكس، وأخيراً الشبكة العالمية، وأنه يجب مراعاة ضوابط استعمال كل أداة منها للحصول على المطلوب الصحيح. - أنه يجوز ترجمة الفتيا من لغة إلى أخرى، بل ينبغي ذلك عند الحاجة، لكن مع مراعاة شروط أربعة: الشرط الأول: عدالة المترجم. الشرط الثاني: معرفته التامة بلغة المفتي والمستفتي. الشرط الثالث: إلمامه العام بالفقه الإسلامي. الشرط الرابع: دقته في اختيار الألفاظ. - أن التطوير الموضوعي لبرامج الفتيا المعاصرة مهم في تحسين أدائها، ولذلك ينبغي مراعاة الأسس التي تختار على ضوئها الأسئلة في تلك البرامج، وهي خمسة أسس: أ- الأهمية. ب- الجدة. ج- الحيوية. د- الموضوعية. هـ- التحديد. - أن الدور المنوط بمقدمي برامج الفتيا في وسائل الإعلام بالغ الأهمية، وهو أبعد من مجرد التقديم المعتاد في البرامج الأخرى، وأنه مع التسليم بنجاح بعض هؤلاء في أداء الدور المطلوب منهم، إلا أنه لابد من تطوير أداء آخرين، ليكونوا على مستوى تلك البرامج. - للفتيا في وسائل الإعلام مستقبل زاهر – بإذن الله -، لكنه رهن بحسن إعداد المفتي المناسب لهذا النوع من المنابر. - الفتيا الفردية هي الأصل في الفتيا، وهي حجة تجاه المستفتي، فلا ينبغي إلغاؤها، أو الدعوة إلى سد أبوابها بواسطة الإفتاء الجماعي، كما دعا إليه بعض الفضلاء من أهل العصر، لكن مع ذلك ينبغي السعي في تقويمها وترشيدها وتصحيحها. - أن عوامل تقويم الفتيا الفردية متعددة، أهمها ستة عوامل: أ- تأصيل علم الفتيا. ب- بروز العلماء الكبار. ج- إعداد الفقيه الراسخ. د- تفنيد الفتاوى الخاطئة. هـ- امتحان الفتاوى الزائفة. - أن قضية النقد لفتاوى العلماء ذات أهمية بالغة، ولذا فقد اقترحت ضابطين يأخذ بهما من تصدى لذلك: الضابط الأول: التجرد عن الهوى. الضابط الثاني: التأدب مع أهل العلم. - اشتداد الحاجة إلى الفتيا الجماعية في هذا العصر، من مظاهر هذه الحاجة ما يأتي: أ- الفتيا الجماعية تنفي الفتاوى الضعيفة. ب- الفتيا الجماعية طريق إلى وحدة الأمة. ج- الفتيا الجماعية قوة للأمة. - أن فتاوى المجامع الفقهية العامة هي قول جماعة من أهل العلم، لا جميعهم، وتعد من قرائن الترجيح بين الأقوال، لكن لا يصح اعتبارها إجماعاً، ولا حجة فيها تجاه المخالف، وإنما الحجة في الدليل الشرعي السالم من المعارض الراجح. - أنه لابد من السعي في تعزيز العمل بالفتيا الجماعية، ويتلخص ذلك في وسيلتين: الوسيلة الأولى: أن تأخذ الفتاوى حظها من النشر.

стр. 99

الوسيلة الثانية: أن يتبناها أولو الأمر في البلاد الإسلامية. - أنه لابد من السعي في تطوير مؤسسات الفتيا الجماعية في العصر الحاضر، وسبيل ذلك تطويرها من حيث التشكيل والمرجعية والاستفتاءات المقدمة: أولاً: من حيث التشكيل: وذلك بأن تتشكل من: أ- الفقهاء الراسخين. ب- الخبراء الناصحين. ج- الباحثين المتمرسين. ثانياً: من حيث المرجعية: وذلك بتعميم الفتاوى الصادرة من هذه المؤسسات، وإلزام الكافة بها. ثالثاً: من حيث الاستفتاءات المقدمة: وذلك بأن يتم التركيز على النوازل المعاصرة، تأصيلاً وتنزيلاً. - أن لأجل تطوير هذه المؤسسات؛ لابد من دعم أعضائها، وذلك بما يأتي: أ- الفقهاء: أن تراعى الشرائط اللازمة لاختيار الفقهاء أعضاء في مؤسسات الفتيا الجماعية، وهذه الشرائط نوعان: النوع الأول: الشرائط العلمية: وهي ما يتعلق بالتكوين العلمي للفقيه، وهي ثلاثة شرائط: الأول: الإحاطة بمدارك الأحكام. الثاني: الإلمام بمقاصد الشريعة العامة. الثالث: أن يكون عالماً بلسان العرب. النوع الثاني: الشرائط الشخصية: وهي ما يتعلق بشخصية الفقيه وخصاله النفسية والاجتماعية، وهي ثلاثة شروط: الأول: العدالة. الثاني: حسن السمت. الثالث: معرفة الواقع. - أنه ليس هنالك عدد محدد لتكوين مؤسسة الفتيا الجماعية، لكنني أؤكد على أهمية تزويدها بالعدد الكافي لإنجاز المهام المنوطة بها. ب- الباحثون: لابد أن تتوفر في الباحث الفقهي في المجامع الفقهية الشرائط الآتية: أ- الكفاية العلمية. ب- الأمانة العلمية. ج- الاستعداد النفسي. د- الخبرة التقنية.

стр. 100

القواعد الفقهية - المبادئ - المقومات - المصادر - .... المؤلف/ المشرف: يعقوب عبدالوهاب الباحسين المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية خاتمة على الرغم من كثرة الكتب المؤلّفة في مجال القواعد الفقهيّة، فإنّه لا يزال هناك مجال واسع للكتابة في هذا الموضوع. سواء كان في مجال التأصيل، أو مجال التطبيق. وحتى الدراسات المعاصرة في هذا المجال، على الرغم من هذه الدراسات، وما ينبغي أن تكون عليه هو إعادة النظر في منهج البحث، وفي الخطط التي وضعت لدراسة الجوانب المتنوعة من هذا الموضوع. وقد وجدت، من خلال معاشرتي الطويلة له، مدى الحاجة إلى ما أشرت إلية. ولهذا فإنّي أذكر فيما يأتي بعض المقترحات التي أتصوّر أنها مفيدة في هذا المجال، وأنها من الممكن أن تساعد في تحرك عجلة القواعد، ودفعها إلى الأمام، وأن تؤدي إلى تطوير الاستفادة منها في المجالات المختلفة: ١ـ ففي مجال منهج إقرار بعض القواعد بالدراسة، نرى أنّ هذا الموضوع يحتاج إلى إعادة نظر، أو تعديل في المنهج المتّبع، إذ الذي نراه أنّ هذه الدراسات تعيد ما هو في كتب القواعد الفقهيّة، وليس فيها اختلاف عن ذلك إلاّ في جانب الشكل الخارجي، عن طريق تنظيم المعلومات، وترتيبها بالأبواب والفصول والمباحث. ولا نجد منها ما تحدّث عن مقوّمات القاعدة من أركان وشروط، باستثناء من بحثوا عن قاعدة العرف والعادة، أو الضرورة. وهذا يعود إلى أنهم وجدوها كذلك في الكتب السابقة. ولذا فإنّنا نرى أنّه من وضع ذلك في اعتبار من يقومون بأمثال هذه الدراسات. ٢ـ وفي مجال استكشاف القواعد وتخريجها، لا نجد في الدراسات المعاصرة شيئاً من ذلك. وقد ظهرت دراسات تتعلّق باستكشاف قواعد إمام معيّن من كتبه، وهي أشبه بالدراسات التطبيقية لقواعد الفقه عند هذا الإمام. وقلّ أن نجد له قواعد خاصّة انفرد بها عن غيره. مثل هذا العمل له فائدة، لا شكّ في تحقّقها، لكنّ الذي نرومه هو إنشاء قواعد فقهيّة جديدة، من خلال تتبّع الأحكام الفقهية، والتعرّف على مقاصد الشارع، فالفقه الإسلامي متحرّك، وأحكامه متجددة، والتوقّف عند ما توصّل إليه علماء السلف من القواعد، هو كالقول بالتوقّف عند ما توصّل إليه علماء السلف من القواعد، هو كالقول بالتوقّف عن الاجتهاد، والتعرّف على أحكام الوقائع والنوازل ـ وفي ذلك تحجيم وتحجير لدور الفقه.

стр. 101

وتوضيحاً لذلك نذكر أنّ بعض الباحثين ذكر من القواعد والضوابط "المتّهم برئ حتى تثبت إدانته" و "الشكّ يفسّر لصالح المتّهم"، و "الأصل براءة المتّهم"، و "الشكّ يفسرّ لمصلحة المدين". وهذه القواعد لم ينص عليها فيما سبق، على ما أعلم، فهي قواعد جديدة، لكنّها استنبطت من أصول قديمة، إذ هي مستندة إلى قاعدتي "الأصل براءة الذمّة" و "الحدود تدرأ بالشبهات"، ولكنّها علم جيّد ومفيد. ومن المؤسف أنّ هذه القواعد لم يستنبطها أو يخرّجها الفقهاء المعاصرون، بل وردت في كتابات رجال القانون. أمّا ما نراه من المؤلفات التي انبرى كاتبوها إلى وضع ما سمّوه القواعد والضوابط في بعض المجالات، فينبغي أن لا نأخذ عناوينها على أنّها فعلاً في القواعد والضوابط، فهي أشبه بالمباحث الفقهيّة العادية، وإن عرضت طائفة من الشروط عرضتها على هيئة تقرير المسائل الفقهية، وقد يرد في بعضها، ما هو على هيئة قاعدة أو ضابط، ولكنّ ذلك قليل ومن أمثال هذه المؤلفات: "ضوابط الدراسات الفقهيّة" لسلمان بن فهد العودة، و "قواعد ومنطلقات في أصول الحوار وردّ الشبهات" للدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي، و "قواعد فقهيّة لترشيد الصحوة الإسلامية" لناصر درويش، و "قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد" لعثمان بن علي حسن، و "الضوابط الشرعية لموقف المسلم في الفتن" لصالح بن عبدالعزيز آل الشيخ, و "قواعد في التعامل مع العلماء" لعبدالرحمن بن معلاّ اللويحق. وغيرها من المؤلفات التي لم تلتزم بالمعاني الاصطلاحية، عند علماء هذا الموضوع. ٣ـ وفي مجال ترتيب القواعد وتنظيمها نجد جهوداً محدودة في ذلك، مع أنّ هذا أمر جدير بالاهتمام، فجمع القواعد والضوابط، ذات الموضوع الواحد يعطي تصوّراً جيّداً لموضوعها، ويُرسي أسساً قويمة في بحثها ودراستها. وعَرْضُ القواعد والضوابط، بحسب الأبواب الفقهية، الذي نجده في طائفة من كتب التراث، لا يحقّق الهدف الذي نقصده. وقد تطرّقت بعض الكتب المعاصرة إلى شيء من ذلك، ففي كتاب "نظرية الضمان" للدكتور وهبة الزحيلي نجد المؤلّف عقد فصلاً خاصاً للقواعد الفقهية المتعلقة بالضمان، ذكر فيه عشرين قاعدة فقهيّة شرحها وعلّق على كل واحدة منها على انفراد. ولكنّ مثل هذا العمل محدود، ومنهج الدراسة فيه لم يكن القصد منه تكوين تصوّر كلّي عن الموضوع. إنّ التوجّه إلى هذا التكوين، وهو ما ندعو إليه، يحقّق هدفين: الأول: تصوّر الموضوع، منطلقاً فيه من أسسه وقواعده العامّة. الآخر: المساعدة على التعرّف على الجوانب التي لم تعالجها القواعد الفقهية، مما يفسح المجال لإنشاء قواعد تسدّ مثل هذا النقص، في موضوع الدراسة. ولا يعيق مثل هذا العمل، أنّ بعض القواعد تدخل في إطار موضوعات متعدّدة، إذ لا ضير من إعادة القاعدة، وتكررها، إن كانت ذات تعلّق بالموضوع الخاص. ومما لا شك فيه أن الحياة المعاصرة، والدراسات العلمية المتنوعة، وذات الاختصاصات المختلفة تدعو لمثل هذا الأمر. فلماذا لا تكون هناك قواعد تفسيرية، وقواعد في العقود، وقواعد في الأحكام الجنائية، وقواعد في المعاملات، وقواعد في البيّنات والمثبتات والترجيح بينها، وقواعد في الاقتصاد وغير ذلك من المجالات. ولماذا لا توجّه الدراسات في الجامعات، وفي مجال الرسائل العلميّة والأبحاث العلمية، إلى مثل هذا النوع والنشاط، بتنظيم هذه القواعد والربط فيما بينها، وتكوين صورة عن الموضوع بالاستناد إليها. والكشف عن الفجوات المحتاجة إلى أن تملأ بما ينظمّها من الأحكام. هذه بعض الآراء نطرحها في مجال التأليف في القواعد الفقهية، نسأل الله ـ تعالىـ أن تكون مفيدة، وأن يكون لها وجه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 102

القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين للعلامة ابن قيم الجوزية المؤلف/ المشرف: عبدالمجيد جمعة الجزائري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن القيم - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢١هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية نتائج واقتراحات: وبعد هذا الجهد المضني الذي بذلته في خضم هذا البحث فإني توصلت إلى نتائج من أهمها ما يلي: ١ـ إن الإمام ابن القيم – ﵀ – نشأ في أسرة ذات علم وفضل كانت السبب الرئيسي في تكوين شخصيته العلمية. ٢ـ بدأ يشتغل بالعلم، ويكب على تحصيله في السن السابعة ويظهر ذلك بالمقارنة بين تاريخ ولادته سنة ٦٩١هـ وتاريخ وفاة شيخه الشهاب العابر سنة ٦٧٦ هـ ٣ـ من خلال دراستي لكتاب " إعلام الموقعين" فقد سجلت النقاط التالية: أـ يجوز ضبط اسم الكتاب بكسر الهمزة فيقال: " إعلام الموقعين" ويجوز بفتحها فيقال: أعلام الموقعين" ب ـ إن موضوعه يدور حول أصول الفتيا وشروطها، وآداب المفتي والمستفتي. ج ـإن منهج ابن القيم فيه متميز وقد كشفت عن جوانب مهمة من خصائصه ومميزاته. ٤ـ إن كتاب " إعلام الموقعين" يعتبر مرجعا أساسيا في علم أصول الفقه. ٥ـ إن القاعدة الفقهية كلية ولا يضر تخلف آحاد جزئياتها أو وجود مستثنيات منها. ٦ـ إن الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي لم يتميز إلا في العصور المتأخرة حيث اصطلحوا على أن القاعدة هي ما تجمع جزئيات كثيرة من أبواب مختلفة والضابط يجمعها من باب واحد. ٧ـ بدأ ظهور علم القواعد في عصر النبوة حيث يعتبر القرآن والسنة النواة الأولى لهذا الفن ثم لاحت معالمه في عصر الصحابة ومن بعدهم حيث أثر عنهم عبارات جرت مجرى القواعد ولا يزال في نمو وترعرع حتى برز في صورة فن مستقل قائم على ساقه في مطلع القرن الرابع الهجري. ٨ـ إن القواعد الفقهية ليست على درجة واحد من حيث الاحتجاج بل تنقسم إلى قسمين. القسم الأول: قواعد متفق عليها من حيث الجملة وإنما اختلف في بعض جزئياتها مثل القواعد الخمس الأساسية. ٩ـ ساهم الإمام ابن القيم ﵀ مساهمة فعالة في خدمة هذا الفن وإثرائه وبناء صرحه وذلك من خلال تأسيسه بعض القواعد وتعرضه للبعض الآخر بالنقد. ١٠ـ تميزت القاعدة الفقهية عنده بحسن الصياغة والدقة في العبارة. ١١ـ بعد استقرائي للقواعد الفقهية في " إعلام الموقعين" ظهر لي أهم خصائصها: أـ أنها مستوحاة من النصوص الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة والقياس الصحيح. ب ـ أنها موافقة لمقصود الشارع ومراعية لمصالح العباد. ج ـ أنها اتسمت بطابع التيسير والتسهيل.

стр. 103

القواعد الفقهية تاريخها وأثرها في الفقه المؤلف/ المشرف: محمد بن حمود الوائلي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٧هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة وتشتمل على النتائج التالية: ١ - إن حركة تقعيد القواعد الفقهية وتدوينها قد بدأت في أوائل القرن الرابع الهجري لكنها لم تشتهر إلا في بداية القرن السابع الهجري. ٢ - إن القواعد الفقهية لم توضع جملة واحدة، بل أخذت في النمو والتدرج حتى بلغت الغاية في النضج والازدهار والكمال. ٣ - إن للقواعد الفقهية أثرا عظيما في الفقه بضم الجزئيات المتفرقة بعضها إلى بعض مما يعين على معرفة فروع المذهب، ويساعد على الحفظ والفهم ويسهل مهمة الموازنة في الدراسات الفقهية المقارنة بين المذاهب الفقهية، فتكون الموازنة بين الأصول، لا بين الفروع. ٤ - إن القواعد الفقهية تصور كيف يكون التخريج في ذلك المذهب، وتفريع فروعه واستخراج أحكام ما يجد من حوادث لم تكن في عصر الأئمة بحيث تكون الأحكام غير خارجة عن مذهبهم، فلا يقف العلماء فيه عند جملة الأحكام المروية عن أئمتهم، بل يوسعون ويقضون فيما يجد من وقائع على طريقتهم. وإنه بذلك ينمو المذهب، وتتسع رحابه، وتمده بأغزر الفقه وأحكمه وأتقنه وتجنبه الشطط وتهديه سواء السبيل. ٥ - إن الفقه الإسلامي ليس حلولا جزئية لا تربطها قاعدة، ولا يضبطها ضابط فكري كما يدعي ذلك مخالفوه، بل هو أسس جامعة، وقواعد كلية ثابتة مستقرة، تهدي وترشد. ٦ - إن المؤلفات في القواعد الفقهية لم تقف عند مذهب معين، فقد شملت كافة المذاهب الفقهية المشهورة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.

стр. 104

القواعد الفقهية والأصولية المؤثرة في تحديد حرم المدينة النبوية مع ملحق بالوثائق والصور والخرائط المؤلف/ المشرف: محمد بن حسين الجيزاني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة دار المنهاج – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أما بعد: فقد تبين من خلال دراسة مسألة حدود حرم المدينة النبوية أن المؤثر في تحديد هذا الحرم طائفة من الأصول العلمية المتنوعة، فمنها قضايا لغوية، وأخرى حديثية وجغرافية وتاريخية، ومنها قواعد فقهية، ومسائل أصولية. وقد خصصت بشيء من البيان تلكم القواعد الفقهية والأصولية التي يمكن أن يبنى عليها ويستند إليها في ضبط حدود هذا الحرم، وعدد هذه القواعد إحدى عشرة قاعدة، وهي: أولاً: القواعد الفقهية: ١ - ما قارب الشي أُعطي حكمه. ٢ - ما ثبت للبعض يثبت للكل. ٣ - هل الحد يدخل في المحدود؟ ثانياً: القواعد الأصولية: ١ - معرفة التاريخ شرط في النسخ. ٢ - دلالة سنة الترك. ٣ - خبر الواحد فيما تعم به البلوى. ٤ - الفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة. ٥ - الموقف من النص المطلق ومن النص المقيد. ٦ - تخصيص العموم أولى من النسخ أو الترجيح. ٧ - الجمع بين الأدلة متى أمكن فهو أولى من الترجيح. ٨ - تحقيق المناط. وفي نهاية المطاف يحسن التنبيه على قضية مهمة، ألا وهي: أن مسألة تحديد حرم المدينة النبوية من المسائل التي لا تزال بحاجة إلى مزيد بحث وتحرير، وما هذا الجهد المتواضع إلا محاولة لرسم الضوابط العلمية، ووضع المعايير المنهجية لهذه المسألة المعضلة. وإني لأرجو أن يثمر هذا الجهد فتحاً لآفات البحث والإنتاج، ودفعاً للمزيد من الفقه والاستنباط.

стр. 105

القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن صالح العبداللطيف المحقق/ المترجم: بدون الناشر: الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٣هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية (الخاتمة) الحمد لله على توفيقه وتيسيره، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وبعد: فإنه يحسن بي ــ بعد أن أنهيت الكتابة في هذا الموضوع، وبعد أن قضيت زمناً غير يسير في جمع مادته العلمية، ثم تنسيقها ــ أن أدوّن أبرز ما ظهر لي من نتائج فمن أهمها ما يلي: ١) أن القواعد المتضمنة للتيسير في غالبها محل اتفاق بين الفقهاء، وأن الخلاف بينهم إنما هو في كيفية تطبيق بعض هذه القواعد على فروعها، أو في إدراج هذا الفرع أو ذاك تحت هذه القاعدة أو تلك. كما يحصل الاتفاق ــ أحياناً ــ على ثبوت الدليل ثم يُخْتَلف في الحكم المستنبط منه. ٢) أن قواعد التيسير مستمدة من نصوص الكتاب والسنة وقائمة على أدلة شرعية هي مجموع الأدلة الدالة على الفروع المندرجة تحتها. ٣) أن الشريعة الإسلامية وأحكامها الفقهية قائمة على رفع الحرج والتيسير على المكلفين وأن هذه هي إحدى خصائص هذه الشريعة المطهرة ومحاسنها. ٤) أهمية هذه القواعد في الفقه واندراج كثير من مسائله تحتها. كما ظهر لي من خلال استعراض كتب القواعد الفقهية لاستخلاص المادة العلمية بعضُ النتائج العامة ومنها: ١) أن سبب إغفال كثير من المؤلفين في القواعد الفقهية لذكر الأدلة على صحة تلك القواعد هو طريقة استنباطها وهي استقراء الفروع. ٢) أن أولئك العلماء الأجلاء قد بذلوا جهوداً عظيمة في استنباط تلك القواعد من خلال استقراء الفروع، وفي صياغتها تلك الصياغات المحكمة، وفي تتبع ما استثني منها من مسائل. نسأل الله أن يجزيهم عن الدِّين وأهله خير الجزاء. وبعد فهذا هو جهد المقل وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفّقت فيه للصواب كما أسأله تعالى أن يغفر لي ما أخطأت فيه إنه سميع مجيب. وأوجه رجائي إلى كل من اطلع على هذا العمل أن يستر العيب ويسدّ الخلل، ويبدي النصح، وأن يعلم أن هذه هي طبيعة عمل البشر. والله المستعان وعليه التكلان والحمد لله أولاً وآخراً.

стр. 106

المشقة تجلب التيسير المؤلف/ المشرف: صالح بن سليمان اليوسف المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المطابع الأهلية للأوفست- الرياض ̈بدون سنة الطبع: ١٤٠٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة الحمد لله الذي بعونه تتم الصالحات وله الشكر على ما أنعم به وتفضل من التوفيق في البدء والختام. وبعد .. فلقد جئت على جميع فقرات الخطة الموضوعة للبحث في قاعدة من أعظم قواعد هذه الشريعة الحنفية السمحة، ألا وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير، ثم بينت مدى بناء الفروع الشرعية في شتى أبواب العبادات والمعاملات مما يشهد لأهمية هذه القاعدة وأنها جديرة بالبحث والدرس. وبذلك يظهر فضل هذا الدين وأنه جدير بأن يكون خاتم الأديان وأن من ابتغى غيره باء بالخسران. كما يظهر من هذا البحث مدى أهمية قواعد الفقه الكلية على الإجمال، وأنها لا تقل عن القواعد الأصولية أهمية في استنباط الأحكام الفقهية وربطها ببعضها البعض وتخريج الفروع عليها. فبقدر إحاطة الفقيه بها يعلو قدره ويكون قادرا على السيطرة على زمام الفروع. فلا تتضارب مع الأحكام ولا تتعارض. زد على أن القواعد الفقهية أسهل فهما وانقيادا من قواعد الأصول لغلبة الأدلة العقلية على الثانية، وميل أهلها إلى الاعتماد على المقدمات المنطقية، فالقواعد الفقهية سهلة العبارة واضحة الغاية ثمرتها مؤكدة. ولا يسعني في هذه الخاتمة إلا أن أبين بعض ثمرات هذا البحث ونتائجه على سبيل الإيجاز لكي يأخذ القارئ لمحة موجزة عنه: ١ – إن القواعد الفقهية تمتاز بالأسلوب الواضح، والإيجاز في العبارة، على عموم معناها واستيعابها للفروع الكثيرة، فهي مهمة عظيمة النفع، ينطوي تحتها من الفروع ما لا يحصى، فبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه لأن من ضبط الفقه بقواعده، أحاط بمعظم الجزئيات لاندراجها تحتها. ٢ – إن قاعدة المشقة تجلب التيسير من القواعد المتفق عليها في الشريعة الإسلامية، وقد توافرت الأدلة عليها من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن تتبع سيرة الصحابة ﵃، والتابعين لهم بإحسان، وجد أنهم أخذوا بمبدأ التيسير وابتعدوا عن الأعمال الشاقة. ٣ – إن الشارع الحكيم، لم يعلق التخفيف في بعض الأحكام الشرعية على وجود المشقة أو عدمها، وذلك لأن المشاق تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، والمشاق بالقوة والضعف، بحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم، وضعفها، وبحسب الأزمنة، وبحسب الأعمال. فليس سفر الإنسان راكبا على الدابة أو ماشيا على الأقدام كسفره على السيارة أو الطيارة، كما أن الأشخاص في تحمل المشاق يختلفون فرب رجل جلد ضرى على قطع المسافة حتى صار ذلك عادة له، وآخر بخلافه، وكذلك يتحمل أحدهما في مرضه ما لا يتحمل الآخر. وإذا كان الأمر كذلك، فليس للمشقة المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس. لذلك أقام الشارع السبب مقام العلة، فاعتبر السفر مثلا لأنه أقرب مظان وجود المشقة، وترك كثيرا منها موكولا إلى اجتهاد الشخص. ٤ - إن المشاق المؤثرة في التخفيف تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: مشاق رابطها الشارع بأسباب معينة، بحيث يدور التخفيف معها وجودا وعدما، كربط التخفيف بالسفر والإكراه والمرض والنسيان ... الخ. القسم الثاني: مشاق لم يرد بشأنها من الشارع ضبط ولا تحديد، وهذه تتنوع إلى نوعين: النوع الأول: مشاق ملازمة للعبادة، فلا يمكن تأدية العبادة بدونها كمشقة الوضوء مثلا، فمثل هذه المشاق لا أثر لها في التخفيف. النوع الثاني: مشاق منفكة عن العبادة في الغالب، وهذه ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: مشقة عظيمة كمشقة الخوف على النفوس، فهذه موجودة للتخفيف. المرتبة الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع الإصبع، فهذه لا أثر لها في التخفيف.

стр. 107

المرتبة الثالثة: مشقة واقعة بين المرتبتين، وضابطها هو أنه ما كان منها قريب من المرتبة الأولى يلحق بها، فيكون مؤثرا في التخفيف، وما كان منها قريب من المرتبة الثانية يلحق بها فلا يكون مؤثرا في التخفيف، وما توسط بينهما، فمثل هذا النوع لا ضابط له، فيرجع فيه إلى العرف. ٥ – تبين عند تقسيم المشاق، أن منها ما هو مانع من التكليف، كالمشقة الخارجة عن المعتاد، ومنها ما هو غير مانع من التكليف، كالمشقة الزائدة عن المعتادة، وهي المشقة الطبيعية التي يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر به. ٦ – في مباحث أسباب التخفيف التي تتخرج على قاعدة المشقة تجلب التيسير، تبين أن أسباب التخفيف التي هي – النسيان والجهل والمرض والسفر والعسر وعموم البلوى والإكراه .. الخ – تعالج ما يواجه المكلف من المشاق بإيجاد تخفيفات مقابلة لها بمعنى أن المشقة المرتبة عليها توجب التخفيف، ثم أن هذه التخفيفات مرعي بها مصالح من وجدت بهم الأعذار، أو يتوقع وجودها بهم. والتخفيفات المترتبة على هذه الأسباب أكثرها تتناول حقوق الله تعالى لأنها مبنية على التسامع والرحمة والمغفرة، أما ما يتعلق بحقوق العباد فقد خفف في شأنها ما ينتفى فيه القصد فترتفع العقوبة البدنية، أما الأضرار اللاحقة بالغير فإنها مضمونة، لأن في إهمالها حرج على من وقعت عليه، فكل غلط أو نسيان أو خطأ أو سبق لسان أو التكلم مكرها أو جهلا بما لا يريده العبد وإنما يريد خلافه، لا مؤاخذة عليه، لأنه لو رتب عليه حكم لحرجت الأمة وأصابها غاية التعب، والمشقة مرفوعة عن هذه الأمة، فلا مؤاخذة بهذه الأشياء. ٧ – في مباحث العسر وعموم البلوى، تبين أن العسر، هو ما يقوم به الإنسان مع المشقة الزائدة عن المعتاد، وبذل كل الطاقة والمجهود. وعموم البلوى، هو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال، وينتشر وقوعه بحيث يعسر الاستغناء عنه، ويعسر الاحتراز منه إلا بمشقة زائدة. وفي المباحث المتعلقة بالعسر تبين ما يلي: أ – في مبحث العسر والاستحسان: تبين أن أهم مقاصد هذا المبحث، هو تجنب الإيغال في طرد القياس الموقع في الحرج والمشقة، فجميع أنواع الاستحسان هادفة إلى التيسير والتخفيف، فهي مظهر من مظاهر رفع الحرج والمشقة ومعالجة لغلو اطراد القياس، كما جاء تعريفه عند بعضهم، بأنه طلب السهولة في الأحكام، فيما يبتلى فيه الخاص والعام، وقيل: أنه هو الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة إلى غير ذلك. ب – وفي مبحث العسر والمصالح المرسلة: تبين أن المصالح المرسلة مظهر من مظاهر التخفيف والتيسير على العباد، فهي مظهر لمرونة الشريعة الإسلامية، تحقيقا لمطالب الحياة ومناسبتها لكل مكان وزمان، إذ أن رفع المشقة عن الناس فيما لزمهم من أحكام يقتضي أن تكون تلك الأحكام دائرة مع مصالحهم ومقتضيات سعادتهم وإلا لما ارتفع العسر. والآئمة يقولون بالاستصلاح، سواء كان ذلك باسم الاستصلاح أو الاجتهاد أو القياس أو الاستحسان أو العرف. جـ - وفي مبحث العسر وسد الذرائع: في دراسة أنواع الذرائع يتبين أن الشريعة الإسلامية فتحت من الذرائع مقدار ما يرتفع معه العسر والضرر، فإذا زال العسر بقيت على سدها، لأن أصل سد الذرائع مجمع عليه. فسد الذرائع دائما وفي كل الظروف والأحوال يكون سببا لوقوع المشقة للأمة. د – وفي مبحث العسر والعرف: تبين أن العرف يرجع إليه كثير من الأحكام الشرعية، ونزع الناس عما ألفوه واعتادوا عليه وتلقته طباعهم السليمة بالقبول، عسر وحرج شديد وعليه ينبغي للمفتي أن يتعرف على أعراف الناس وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم فما وجده في العرف الذي لا يتعارض مع نصوص الشريعة اعتبره، وما أسقط أسقطه.

стр. 108

وبهذا يتبين أن مراعاة العرف، فيه تخفيف وتيسير، ومخالفته، توقع في المشقة ولكن العرف إنما يعمل به في حدود الشروط المعتبر له، لأن الأخذ بالعرف دون قيد ولا شرط يؤدي إلى التلاعب بالأحكام الشرعية. ٨ – إن الرخص ليست هي الأحكام الأصلية، وأنها تهدف إلى رفع الحرج عن هذه الأمة، وأقرب تعريف لها هو تعريف البيضاوي وهو قوله: (هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر). ٩ – إن قصد المشقة نفسها في التكليف لا يصح، لأنه مخالف لقصد الشارع، وما كان مخالفا لقصد الشارع فهو باطل، أما قصد العمل الذي من لوازمه المشقة كمن يختار الجهاد على نوافل العبادات فهذا قصد صحيح، لأنه في هذه الحالة لم يقصد المشقة نفسها وإنما قصد العمل الذي من لوازمه المشقة. أما دخول المكلف في المشقة باختياره، فإن كانت معتادة فللمكلف الدخول فيها باختياره، ولكن ليس القصد من الشارع نفس المشقة بل القصد المصلحة الراجحة. وإن لم تكن معتادة، فإن كانت المشقة حاصلة بسبب المكلف واختياره والفعل لا يقتضيها بأصله، فهذا بأصله، فهذا منهي عنه ولا يصح التعبد به. وإن كان الفعل مقتضيا لها، فهذا هو الذي شرعت الرخص من أجله فإن شاء عمل بالرخصة، وإن لم يعمل بها، فلا يخلو من أن يعلم أو يظن أنه يدخل عليه في نفسه أو جسمه أو عقله أو ماله أو حال من أحواله ضرر يكره بسببه العبادة، فهذا أمر ليس له، وكذلك إن لم يعلم بذلك ولا ظن ولكنه لما دخل في العمل دخل عليه ذلك فحكمه الإمساك عما أدخل عليه المشوش. أو من أن يعلم أو يظن أنه لا يدخل عليه الضرر ولكن في العمل مشقة غير معتادة. فهذا موضع لمشروعية الرخصة. ١٠ – تبين أن السبب في رفع المشقة عن المكلفين هو الخوف من الانقطاع عن العبادة أو بغض العبادة أو كراهة التكليف أو الخوف من فساد قد يحصل في عقله أو جسمه أو ماله أو حاله، أو الخوف من التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، فربما كان التوغل في جزء منها يكون شاغلا عنها. فالنهي لعلة معقولة المعنى مقصودة للشارع، وإذا كان كذلك، فالنهي يدور مع العلة وجودا وعدما، فإذا وجد ما علل به الشارع، كان النهي موجودا وإذا لم توجد كان النهي مفقودا. ١١ - إن المشاق والشدائد التي يجدها المكلف في طريق قيامه بالعبادة وسائر التكاليف مثاب عليها قل ذلك أم كثر، فإذا تساوت الأفعال في الشرف والشرائط والسنن والأركان، وكان إحداهما أشق من الآخر استوت في الأجر لتساويها في الوظائف، وانفرد الشاق عنها بتحمل المشقة، فأثيب على تحمل المشقة لا على عين المشقة، إذ لا يصح التقرب بالمشاق، لأن المشقة ليست مناطا للأجر، بل الأجر على المشقة يأتي بسبب كونها ملازمة للعبادة لا لكونها مقصودة من الشارع إذ ليست شدة العمل ومشقته هي السبيل لتحصيل الأجر بل مناط الأجر هو الامتثال لأمر الشارع. ١٢ – وبالتطبيقات الفقهية على القاعدة تبين أن قاعدة المشقة تجلب التيسير، تحتل جزءا كبيرا في مجال التطبيق على الفروع الفقهية، فتطبيقاتها تأتي على جميع أبواب الفقه، فقلما تجد بابا من أبواب الفقه، إلا وللقاعدة أثر عليه، فما وجدت عزيمة إلا وجد في جانبها رخصة، إلا الشرك والقتل والزنا. فإذا نظرت إلى أبواب الفقه وبدأتها من كتاب الطهارة وتتبعتها بابا بابا إلى كتاب القضاء، فإنك تدرك أن هذه القاعدة لها نصيب كبير في مجال التطبيق، ولكن أثر القاعدة في العبادات أكثر منه على المعاملات. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه،،،

стр. 109

المصالح المرسلة وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي المؤلف/ المشرف: محمد أحمد بوركاب المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٣هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: مصالح مرسلة خاتمة الكتاب: وفي نهاية هذه الرحلة الممتعة مع المصالح المرسلة، أود أن أسجل أهم ما توصلت إليه من نتائج، منذ بداية الطريق إلى نهايته. ١ - المصالح المرسلة، هي كل منفعة ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية، ولم يشهد لها نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء. فهي عبارة عن أخذ حكم في حادثة معنية، من مجموع نصوص، بحيث لو انفرد كل منها لم يفدنا ذلك الحكم. وهي بهذا المعنى مقبولة اتفاقاً، خلافاً للظاهرية الذين أنكروا القياس. ولذا قال الإمام القرافي: (وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وفرقوا بين المسألتين، لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب). ٢ - المصالح المرسلة معتبرة شرعاً، بجنسها لا بعينها، وتسميتها مرسلة تجوزاً، من أجل التفريق بينها وبين المصالح المعتبرة في باب القياس. ولذا فتسميتها (بالمرسل المعتبر) أدق؛ لأنها مرسلة من حيث إن النصوص الخاصة لا تشهد لها، لا باعتبار ولا بإلغاء، ومعتبرة من حيث إنها ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية. ٣ - المصالح المرسلة، ما هي إلا إجراء للقواعد الكلية على عمومها الذي ثبت باستقراء مجموع النصوص، فهي التفات من المالكية إلى ضرورة الرجوع إلى مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية عند استنباط الأحكام من النصوص الخاصة. ٤ - منشأ اختلاف العلماء في حجيتها ثلاثة أمور: الأول: إطلاق الأسماء على غير مسمياتها عند أصحابها. الثاني: عدها دليلاً مستقلاً كما فعل المالكية، أو إدراجها تحت دليل من الأدلة المتفق عليها كالقياس على ما عليه الجمهور، أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدل عليه الكتاب والسنة والإجماع، على ما ذهب إليه الإمام الغزالي. الثالث: التخوف من اتخاذها وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة، والقول في الدين بالتشهي والرأي المجرد. ومن أجل ذلك التخوف الذي رد به بعض العلماء المصالح المرسلة، وضعت لها ضوابط وقيود، تضمن للمجتهد اجتناب الزلل والقول في الدين بالرأي، وهي: أ- أن تكون ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية. ب- ألا تصادم نصاً خاصاً. ج- أن تكون معقولة المعنى في ذاتها. د- أن يكون الذي يفرع الأحكام عليها، مجتهداً جامعاً لشروطه، ومن شروطه الأساسية للقول بها: ١ - فهم مقاصد الشريعة على كمالها، كما ذكر الشاطبي. ٢ - معرفة الناس وأحوالهم وظروفهم (معرفة الواقع)، كما ذكر الإمام أحمد. ٣ - أن يكون الذي يفرع الأحكام عليها ورِعاً لا يخاف في الله لومة لائم، لكي لا تستهويه قلوب الأغنياء والساسة والحكام، فيحيد عن الحق قصد إرضائهم. ٤ - من أجل الفهم الصحيح والدقيق لسنة رسول الله ﷺ خاصة الظني منها يجب علينا أن نفهمها مقرونة بالنظر في عمومات القرآن، والمقاصد العامة من التشريع الإسلامي وما تفرع عنها من قواعد كلية، ظنية كانت أو قطعية. ٥ - لا مانع شرعاً من تخصيص النص العام بالمصلحة المرسلة، سواء اعتبرناها دليلاً مستقلاً، أو داخلة تحت باب القياس بمفهومه الواسع. لأن التعارض الجزئي بين النص العام والمصلحة المرسلة، هو في حقيقة الأمر تعارض بين عامين، عام استقيد من الصيغ، وعام استفيد من استقراء مجموع النصوص التي استخلصت منها القاعدة الكلية.

стр. 110

وإذا كانت المصلحة المرسلة فرداً من أفرادها، فالتخصيص ليس بها، وإنما بما استندت إليه من أصل كلي وما تفرع عنه من قواعد كلية. ٦ - التخصيص بالمصلحة المرسلة، هو تعطيل مؤقت لفرد من أفراد العموم للحاجة والمصلحة، فإذا زالت الحاجة رجع ذلك الفرد المستثنى إلى حكمه الأصلي، وفي هذا خير دليل على أن التشريع الإسلامي لا يعرف العجز والجمود عند نزول النوازل، وتغير الظروف والأحوال. ٧ - بوسع المصالح المرسلة أن تعالج كثيراً من القضايا التي تجدُّ في حياة المسلمين، سياسية كانت أم اقتصادية، أم ثقافية، أم اجتماعية، ذلك أن مجالها النوازل التي لم يرد فيها نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء؛ فإن لاءمت مقصود الشارع وقواعده الكلية اعتبرتها ودعت إليها؛ وإن خالفت ألغتها وحذرت من شرها ومفاسدها. ومن هنا كانت تسعة أعشار العلم. وما بقى من نوازل بدون علاج، وسعته المصادر التبعية الأخرى، كالاستحسان، والاستصحاب، وأصل اعتبار المآل الذي يتفرع عنه: قاعدة سد الذرائع، والحيل، ومراعاة الخلاف، والاستثناء. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي للمسلمين أن يكونوا في غنى عن التفكير في تجديد وتوسيع علم أصول الفقه، بحجة أن قواعده ومصادره صارت ضيقة ولا تفي بمتطلبات العصر. بل عليهم أن يجددوه بإحياء ما اندرس من العمل به، وتبسيط مسائله، وتخليصه مما ليس منه من الأمور التي اقتضاها ظرف من الظروف، وتوسيع بعض مباحثه، كالاجتهاد الجماعي الذي أصبح من حاجيات العصر إن لم نقل من ضرورياته. فما أحوج الأمة الإسلامية إلى أن ترى علماءها ومفكريها، على اختلاف تخصصاتهم وانتماءاتهم، جالسين على طاولة واحدة، يسودهم الحب في الله، والتعاون على نصرة شريعة الله، والنصح لعباد الله، يتدارسون مشاكل المسلمين، وما جد في حياتهم، وفق منهج علمي بعيد عن العواطف والعصبية، كي ينهضوا بهذه الأمة التي تترقب فجر يوم جديد، يوشك أن تشع شمسه، ليعم نورها مشارق الأرض ومغاربها، ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٤ - ٦]. فإذا استجابوا لنداء الأمة، سار الكل وراءهم، والتأم الشمل، وقويت الشوكة، وتحقق في الجميع قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾ [آل عمران: ١١٠]. وفي هذا القدر كفاية، وأحمد الله ربي حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، على أن وفقني، وأعانني على هذا العمل. فما كان فيه من صواب فبتوفيقه تعالى، وما كان فيه من خطأ ونقص فبتقصيري، ومن نفسي ومن الشيطان، ولا يسعني إلا فضله تعالى وعفوه، فاللهم فاعف عني. وقبل أن أضع القلم من كتابي هذا أذكر القارئين وأهل العلم بما قاله العماد الأصفهاني رحمه الله تعالى: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يوم، إلا قال في غده أو بعد غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر).
следующие страницы →