الأولى: تقوى الله تعالى ومراقبته فإن ذلك أساس النجاح والفلاح للأمة والأفراد، قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقال تعالى ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ فبالتقوى تصلح الأمة وتزدهر بها شعوبها. وحقيقتها أن لا ترى حيث نهيت ولا تتخلف حيث أمرت.
الثانية: الوحدة، فالوحدة هي التي بها تتكون الأمة وتقوى والمشاهدة في ذلك دليلنا فكم من دويلات صغيرة ضعيفة أصبحت دولة تهز العالم بأسره لاتحادها واجتماع كلمتها. والولايات المتحدة ليست ببعيدة عنا، فأصبحت بالاتحاد دولة من أقوى دول العالم. ودويلات أمريكا الوسطى في غاية الضعف والخذلان لعدم اتحادها، مع أن القارة واحدة والمناخ واحد، ولكن بالوحدة قويت تلك وبالتفرقة ضعفت تلك. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقال تعالى ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ الآية. فتبين أن بالنزاع الفشل وذهاب القوة وبالوحدة القوة والرقي والازدهار.
الثالثة: الحذر من الابتعاث للدول الخارجية غير الإسلامية بحيث لا يترك طالب يذهب لإكمال دراسته هناك إلا بعد التأكد من فهمه للدين الإسلامي وتسليحه بالعلم الشرعي بحيث إن لم يدخل أفرادا من تلك الدول في الإسلام يبقى على الأقل متمسكا بدينه.
أما إرسال من ليست عندهم حصانة علمية ولا معرفة بالدين للخارج فهو ضياع لدينهم لكون تلك الثقافة مملوءة بالسموم المميتة للروح الإسلامية وتعاليمها.
فالحذر الحذر من إرسال الشباب غير المتعلمين للدين إلى الخارج. فإن هذا في غاية الخطورة.
وقد خلصت من خلال بحثي إلى أمور أهمها ما يأتي:
أولا: كون الجريمة: هي المعصية عند الفقهاء وأما القانون الوضعي فالجريمة فيه هي أيضا مخالفة القانون.
وأما القرآن فالجريمة فيه أكثر من ما تطلق على الكفر وقد وردت لمجرد الذنب أيضا، فالاتفاق حاصل في تعريف الجريمة، إلا أن القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية مختلفان فيما يسمى جريمة وما لا يسمى جريمة.
ثانيا: كون المسلم لا يقتل بالكافر قودا لوجود النصوص بذلك.
ثالثا: عدم وجود أدلة صريحة في القود بين الأحرار والعبيد وبعد بحث خلصت إلى عدم القود بينهما.
رابعا: عدم القود من السكران فيما جنى حال سكره شريطة كونه فاقد العقل بالكلية.
خامسا: عدم قتل الوالد بولده إلا في حالة لا تحتمل أي لبس بأن يذبحه.
سادسا: عدم الجمع بين الجلد والرجم والاكتفاء بالرجم فقط للثيب الزاني.
سابعا: عدم قبول شهادة القاذف مطلقا ولو تاب بالقرآن الكريم.
ثامنا: كون حد الخمر أربعين فقط لثبوت الضرب عن الرسول ﷺ وتحديد أبي بكر لذلك.
تاسعا: عدم القتل بالتعزير مطلقا مهما كانت الجريمة.
عاشرا: عدم جواز التعزير لغير المعاصي وتسمية ذلك أدبا لكون التعزير لا يطلق إلا على عقوبة معصية.
الحادي عشر: كون الضرب في التعزير لا يزاد فيه على عشرة أسواط.
وفي الختام أسأل الله جل وعلا أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يكون مرضيا، وأطلب من الله أن يعلمني ما جهلت ويرزقني العمل بما علمت، ومن رأى خطأ في هذا البحث فإني شاكر له أن يبين لي ذلك الخطأ لأتداركه. وعلى كل حال فلا يخلو بحث ولا كتاب من أخطاء مهما كانت جودة الكاتب. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وقال تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1157
قواعد التفسير جمعاً ودراسة
المؤلف/ المشرف: خالد بن عثمان السبت
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن عفان - الخبر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: علوم قرآن
تصنيف فرعي: تفسير - قواعد تفسير وفهم وتدبر كتاب الله
الخاتمة
- تبين لنا من خلال هذه الدراسة أن علم القواعد من العلوم الضرورية لطالب العلم، إلا أن القواعد المتعلقة بالتفسير لم تحظ بالعناية المطلوبة، فمع سعتها، وتعدد جوانبها، لا تكاد تجد كتاباً يجمع شتاتها، ويلم أطرافها ولذا بقيت تلك القواعد منثورة في بطون الكتب، ومتفرقة فيها.
- ضم هذا الكتاب ما يقرب من ثمانين وثلاثمائة قاعدة، منها قواعد أصلية، وأخرى تبعية، تم استقراؤها من نحو خمسة وعشرين ومائتي كتاب، مقسمة على ثمانية وعشرين مقصداً.
- ليس هناك فرق يذكر من الناحية الواقعية – بين الضوابط والقواعد، إذ أن العلماء الذين يفرقون بينهما يذكرون أشياء كثيرة – هي ضوابط حسب اصطلاحهم – على أنها من القواعد وليست كذلك.
- عرفنا من خلال البحث أن هناك فرقاً بين قواعد التفسير، وبين التفسير من جهة، وبين قواعد التفسير وعلوم القرآن من جهة أخرى، وبين قواعد التفسير وقواعد الأصول واللغة من جهة ثالثة.
- ظهر جلياً من خلال البحث أن قواعد التفسير تُستمد من كتب الأصول واللغة وعلوم القرآن، إضافة إلى مؤلفات أخرى من فنون شتى.
- تطبيق القواعد في استنباط المعاني والأحكام من كلام الله لا يعد من قبيل إعمال الرأي المذموم.
أسأل الله تعالى أن ينفع به من كتبه، أو قرأه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1158
كليات الألفاظ في التفسير دراسة نظرية تطبيقية
المؤلف/ المشرف: بريك بن سعيد القرني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: علوم قرآن
تصنيف فرعي: تفسير - قواعد تفسير وفهم وتدبر كتاب الله
الخاتمة
وبعد: فإني أحمد الله وأشكره أن وفق وأعان على إتمام هذه الرسالة بعد ما عشت مع كتاب الله وتفسيره، وفي رحاب هداياته وأنواره.
وهذه نتائج الرسالة وتوصيات الباحث، بها يتم عقد نظامها ويفوح مسك ختامها:
١ - أن موضوع الكليات قديم النشأة أصيل الظهور، بدأت بواكيره منذ عهد الصحابة والتابعين، حيث احتفوا بهذه الكليات التفسيرية وأكثروا من ذكرها.
وهذا نتيجة لعلمهم الواسع بمعاني التنزيل، وفهمهم الثاقب لحقائق التأويل، بل ورد في الكليات حديث مرفوع، لو صح لكان أصلا لهذا النوع.
٢ - برز اهتمام السلف الأوائل بكليات الألفاظ ثم علوم القرآن ولم يتضح الاتجاه إلى كليات الأساليب، بل إن هذا كان متأخر الظهور.
٣ - التزام السلف من المفسرين بصيغة محددة غلبت في تعبيرهم عن اصطلاحات القرآن وهي ما صدر بلفظ "كل"، حتى إنه قلما يعبر عن الكلية بصيغة أخرى، بينما تنوعت وتكاثرت الصيغ لدى من جاء إثرهم، وهي مفهومة العبارة واضحة الدلالة على القاعدة الكلية.
٤ - ظل جانب الاستقراء ومعرفة اصطلاحات القرآن في ألفاظه وأساليبه هو السائد عند أهل التفسير وكبار المتأولين، بمعنى أن الجانب التأصيلي والنظري وإظهار هذا النوع نوعا مستقلا من أنواع علوم القرآن ظل غائبا لم يطرق إلى وقت قريب فكان أن ظهرت مباحث مختصرة ضمن دراسات في أصول التفسير من قبل بعض الباحثين، ولا ضير أن يدخر الله للمتأخرين ما لم يكن عند الأولين، فكم ترك الأول للآخر.
٥ - يعد ابن عاشور أول من عقد للكليات عنوانا مستقلا وسماها "عادات القرآن" وأفردها بحديث مختصر، نبه على أهميتها للمفسر، وحقها من الاهتمام والعناية وأورد شيئا من المأثور عن بعض المفسرين , وضمن كلامه الإشارة إلى أن معرفة مصطلحات القرآن لا يحد بزمن ولا يختص بطائفة، بل هو حق مشترك لمن أعطي فهما وعلما في كتاب الله، وفهم هذا من قوله: "إنه استقرأ بنفسه كثيرا من عادات القرآن في ألفاظه وأساليبه".
٦ - كان مقاتل بن سليمان (ت١٥٠هـ) صاحب شأن وريادة في هذا الميدان التفسيري إذ نالت الكليات من اهتمامه جانبا كبيرا وحظا وافرا وتمثل هذا في أمرين:
أ- كثرة إطلاقاته، ووفرة كلياته، وفيما نقل عنه "الملطي" خير شاهد.
ب- إفادة العلماء بعده من كلياته، ونقلهم عنه بعض إطلاقاته وما فعله "ابن فارس" و"رسالته الأفراد" أوضح دليل.
٧ - رسالة "الأفراد" لابن فارس (ت٣٩٥هـ)، تعتبر أول مؤلف خص الكليات الأغلبية بتصنيف منفرد، وتمثل هذا في جمع وتحصيل ما يقرب من أربع وثلاثين كلية لفظية على نحو مختصر، وهي بحاجة إلى تقص أوثق لمعانيها وأفرادها.
٨ - ظهر مبكرا عند الأوائل بدءا من ابن عباس ﵄ توظيف الكليات التفسيرية في الاحتجاج للمعاني، والترجيح بين الأقوال، وهي قاعدة ترجيحية اعتمدها المفسرون في تصحيح معنى على معنى عند الخلاف.
والمفسر الشنقيطي هو من قرر هذه القاعدة نظريا حينما عد هذا نوعا من أنواع البيان في مقدمته ..
وهذا التوظيف للكليات أبرز فوائد معرفة الكليات وتحصيلها.
٩ - هناك نوع من الصلة والارتباط بين الكليات الأغلبية والوجوه والنظائر، فمن ينظر إلى الكليات بكون أحد المعاني قد غلب على مواضعه في القرآن بينما خرجت أفراد معدودة عن ذلك المعنى يجعلها من نوع الكليات الأغلبية، ومن ينظر إلى تعدد معانيها المفردة وتنوع تفسيراتها يجعلها من نوع الوجوه والنظائر.
стр. 1159
وبهذا يفهم عد الزركشي والسيوطي رسالة "الأفراد" لابن فارس من مؤلفات الوجوه والنظائر، وسردهم لها في آخر نوع الوجوه والنظائر.
١٠ - أما الكليات التامة المطردة فهي نوع مستقل مقابل للوجوه والنظائر، وحقه أن يفرد بالبحث والدراسة وأن يبرز كنوع هام من أنواع علوم القرآن.
١١ - أن الكليات التفسيرية وإن كانت قديمة الظهور إلا أنها متجددة لا تنتهي، مستمرة لا تنقطع، فالكشف عن طرائق القرآن وعاداته مجال رحب لكل من وهبه الله علما في كتابه، ومن هنا يعلم صعوبة أن تستقصى، وظن إمكانية أن تحصى بما لا مزيد عليها.
١٢ - يمكن أن ينسب علم الكليات إلى علوم القرآن، وإلى التفسير الموضوعي في آن معا.
فبالنظر إلى استقلاليته، وتنوع أقسامه، وثماره وفوائده، فهو من علوم القرآن.
وبالنظر إلى أنها قاعدة استخلصت من استقراء مواردها وتقصي أفرادها وضم النظير إلى نظيره للتقعيد لمعنى أو طريقة قرآنية، أو للتأكد من صحة الكلية وانضباطها فهي من نوع التفسير الموضوعي، أما بالنظر إلى ثمرة الكليات الكبرى وهي توظيف الكليات التفسيرية في الترجيح بين الأقوال والاحتجاج لصحيحها فإن هذا متعلق بأصول التفسير ويبحثه المفسرون في قواعد الترجيح.
١٣ - كان لابن القيم – ﵀ – اليد الطولى والقدح الأعلى في الكشف عن اصطلاحات القرآن وطرائقه المعهودة، فقد أبدع وأمتع في بيان أسرار التنزيل، ولطائف المعاني ودقائق التأويل، وجانب الكليات وعادات القرآن عند ابن القيم وتوظيفها ظاهرة هامة بارزة، تجلى فيها نفس ابن القيم التفسيري البارع، والغريب أن الدراسات حول جهود ابن القيم التفسيرية لم تولي هذه الظاهرة حقها من العناية بل ربما أغفلتها، وهذا الموضوع جدير بأن تكثف حوله الدراسات والرسائل.
١٤ - ظهر لي أن كثيرا من المعاني التي يذكرها أهل الوجوه والنظائر بحاجة إلى إعادة نظر، فهناك الكثير من الأقوال الضعيفة، والتكثر من تعداد الوجوه بلا موجب، وتشقيق المعاني، مما يتطلب تحريرا أكثر، ونظرة نقدية لهذه الوجوه.
فلا يكتفى بالمقارنة بين ما ورد في تلك المؤلفات من ألفاظ دون التدقيق في وجوهها، وتحقيق معانيها.
١٥ - بما أن هذه الدراسة تكاد تكون الأولى في هذا اللون التفسيري وبهذه المنهجية الاستقرائية النقدية، فإنها تستلزم الإكمال والتتميم في دراسات مماثلة.
وخاصة "كليات الأساليب" وبيان عادات القرآن وطرائقه المعهودة في كثير من القضايا والمعاني.
فهذا ميدان جم الفرائد، غزير الفوائد، ثمين اللطائف، عظيم الأسرار.
١٦ - نال كثير من أئمة التفسير عناية الدارسين فخصوهم بدراسات تكشف جهودهم وتبرز مناهجهم وتآليفهم في تفسير القرآن، ولكن بدا أنهم لم يولوا جانب الكليات عند أولئك المفسرين حظا أوفر واهتماما أكبر من شأنه أن يجلي معالم هذا الاتجاه ويسفر عن وجهه، فكان لزاما أن يلتفت لهذه الظاهرة التفسيرية عند أولئك المفسرين، ومن أبرزهم:
الراغب الأصفهاني، ابن عطية، الرازي، ابن القيم، ابن عاشور، الشنقيطي، محمد رشيد رضا.
١٧ - ما تم دراسته في هذه الرسالة من الكليات قارب الستين كلية، وبقيت كليات وفيرة قد استخرجتها من بطون التفاسير، وأحصيتها ومحصتها، ووثقتها من مصادرها، وسأضمها جميعا – بمشيئة الله، إن فسح الله لي في الأجل – في معجم كبير للكليات، راجيا أن يكون عملا متمما لهذه الدراسة الأولى في هذا الميدان، ومثريا المكتبة القرآنية بعون الله تعالى.
والله أسأل أن يسدد الخطى، ويبارك في الجهود.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
والحمد لله أولا وآخرا.
стр. 1160
مناهل العرفان للزرقاني - دراسة وتقويم -
المؤلف/ المشرف: خالد بن عثمان السبت
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن عفان - الخبر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: علوم قرآن
تصنيف فرعي: نقد كتاب أو فكر
الخاتمة
أحمد الله ﵎ على عونه وتيسيره، وأشكره على تفضله وإنعامه وتوفيقه .. وبعد:
فقد تبيَّن لنا جليًّا ـ من خلال هذا الكتاب ـ أهمية هذا الفن (علوم القرآن) ومسيس الحاجة إليه، الأمر الّذي دفع الجم الغفير من العلماء، قديماً وحديثاً، إلى الكتابة والتَّأليف فيه، أو في بعض جوانبه.
وقد جاءت طلائع تلك المؤلفات في وقت مبكر جداً، حيث ظهرت بعض الكتابات في القرن الأول من الهجرة، كما قام بعض الأئمَّة في الكتابة في مجموعة من مهمات هذا العلم (حسب الاصطلاح المتأخر) منذ زمن بعيد، واستمر التَّأليف فيه إلى يومنا هذا.
وكان كتاب "مناهل العرفان" من أهم وأشمل ما كُتب في هذا الموضوع، حيث إنَّ مؤلفه تعرض فيه لأهم مباحث هذا العلم وأكثرها فائدة، كما قام بدمج الموضوعات والأنواع المتشابهة في مبحث واحد، ولم يفرقها كما فعل غيره، مع صياغته لعبارة هذا الكتاب بأسلوب رفيع، ودملجة محكمة، في الوقت الّذي جمع فيه مادته العلمية من مؤلفات كثيرة ومتنوعة، تزيد على المائة ـ حسب عزو المؤلف إليها ـ ولم يكن نقل المؤلف واستفادته منها مقتصراً على بعض دون بعض.
ومع استفادة المؤلف من كلام غيره من أهل العلم إلا أنَّ ذلك لم يحوله إلى مجرد ناقل لما يكتبون، بل له أسلوبه الخاص، ومنهجه المستقل في البحث والنّظر، مع كون بعض مباحث هذا الكتاب تُعَدُّ إعادة صياغة لما كتبه السُّيوطي في الإتقان.
لكنَّ ذلك ليس بغالب على الكتاب ولله الحمد، فإنَّ فيه مباحث ومسائل هامة، بل مباحث كاملة زائدة على البرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، الأمر الّذي جعل من الكتاب مرجعاً مهماً يستقي منه من جاء بعد مؤلفه، ممَّن أراد التأليف في هذا الفن.
والمؤلف ﵀ وإن لم يكن قد استوعب جميع أنواع هذا الفن إلا أنَّه أحاط بالضَّروري منها تقريباً.
ومع محاسن ومزايا الكتاب هذه إلا أنَّ الكتاب لا يخلو من بعض الملحوظات والمآخذ المهمة، كتقرير مؤلفه لعقيدة الأشاعرة في عامة المواضع ذات التّعلق بموضوع الاعتقاد، مع تلقيب الأشاعرة ـ دائماً ـ بـ "أهل السنة"، إضافة إلى النّيل من أهل السنة والتّشنيع عليهم في بعض المواضع
كما وقع للمؤلف ﵀ نوع من المجاراة لأصحاب التّصوُّف في بعض عباراتهم ولحونهم ...
هذا مع تأثر ظاهر بالعصر الّذي عاش فيه المؤلف، حيث أصبح المسلك الدِّفاعي ـ عن الإسلام ـ سمة بارزة في ذلك الكتاب.
لذلك نجد المؤلف يكثر من إيراد الشبه بعد كل مبحث ثم يحاول الجواب عنها.
ومن الجدير بالذكر هنا أنَّ بعض الشبه تعتبر من صنع المؤلف وتركيبه والبعض الآخر نطق به أعداء الإسلام، وثالث الأنواع هو عبارة عن أقوال لبعض الأئمة في مسائل متنوعة من أمور العلم الّتي يختلفون فيها.
وقد بَيَّنّا فيما سبق عدم جواز عرض الشبه الّتي تثير الشك في الدِّين والمعتقد، كما بينا موقف أهل السنة من سماعها فضلاً عن محاولة الرَّد عليها، إلا في بعض الحالات الضيقة.
هذا وقد كان لمدرسة الأفغاني وتلميذه محمد عبده أثر بَيِّنٌ في منهج المؤلف.
ومما يُلاحظ على الكتاب غير ما سبق، كثرة الاستطرادات مع شيء من الإسهاب إضافة إلى حاجته إلى توثيق في كثير من مادته، سواء في النُّقولات الّتي يوردها المؤلف، أو في كثير من مسائل العلم الّتي يقررها.
كما أنّه بحاجة إلى صياغة متينة محكمة للتّعاريف الّتي يوردها مؤلفه حيث إنّه يصوغ كثيراً منها بطريقة إنشائية.
وبعد .. فلا يفوتني في أخر هذه الخاتمة أن أثني بالحمد للمولى ﵎ على عظيم نعمه المتتابعة، وأسأله ﵎ أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجزل المثوبة لكل من أعان على إتمامه وإخراجه بهذه الصُّورة.
وصلّى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1161
فرق وملل ونحل
стр. 1162
آراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويماً
المؤلف/ المشرف: علي بن سعد الضويحي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: معتزلة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المؤيد بالمعجزات الباهرات، وعلى آله وصحبه أفضل البريات، وبعد:
فله الحمد والمنة، وله الفضل على إتمام النعمة، حيث استكملت هذه الرسالة أبوابها وفصولها ومباحثها ومطالبها ومسائلها، عبر خطة علمية مرسومة ومنهج علمي مدروس.
وإذْ بلغ البحث نهايته، فإن المناسب أن أسرد النتائج التي توصلت إليها على النحو التالي:
١ - كانت نشأة المعتزلة مع بداية القرن الثاني الهجري بالبصرة في أواخر العصر الأموي.
٢ - المؤسس الحقيقي لمذهب الاعتزال هو واصل بن عطاء الغزال وصاحبه عمرو بن عبيد.
٣ - لا يصح قول من قال: إن المعتزلة سموا بذلك نسبة إلى الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، وذلك لأن هؤلاء الصحابة الكرام ﵃، لم يسموا معتزلة بالمعنى الاصطلاحي الذي نفهمه من مدلول هذه الكلمة، وإنما سموا بذلك بالمعنى اللغوي الدال على التنحي عن الفتن طلباً للسلامة من الإثم وصوناً للدماء.
والصحيح في ذلك أنهم سمّوا معتزلة لاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مجلس الحسن البصري رحمه الله تعالى.
٤ - يتفرع المعتزلة إلى فرعين رئيسين، هما:
(أ) فرع البصرة، ومن أبرز من يمثل هذا الفرع: واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد، عثمان الطويل، أبو الهذيل العلاف، أبو بكر الأصم، معمر بن عباد، النظام، الشحام، الجاحظ، أبو علي الجبائي، أبو هاشم الجبائي.
(ب) فرع بغداد، ومن أبرز من يمثل هذا الفرع: بشر بن المعتمر، أبو موسى المردار، أحمد بن أبي دؤاد، ثمامثة بن الأشرس، جعفر بن حرب، جعفر بن مبشر، الإسكافي، عيسى بن الهيثم، الخياط، أبو القاسم الكعبي.
٥ - من الأسباب التي دفعت المعتزلة للاشتغال بعلم الكلام معايشتهم للجماعات غير المسلمة التي تكونت داخل المجتمع الإسلامي كالمزدكيين، والإثنينية، والديصانية، والسمنية، وغيرهم، وذلك لدحض شبهاتهم عن طريق مقارعة الحجة بالحجة.
٦ - المعتزلة لا يجدون في أنفسهم حرجاً من تسميتهم بهذا الاسم، بل إنهم يفخرون به ويجعلونه وسام شرف لهم، بحجة أن الله تعالى ما ذكره في كتابه إلا في الاعتزال عن الشر.
٧ - يطلق على المعتزلة عدة أسماء كالعدلية، والموحدة، والمعطلة، والقدرية، والجهمية، والثنوية، والواردية، والحرقية، والمفنية، والملتزقة، والقبرية، وغير ذلك.
٨ - للمعتزلة أصول خمسة عليها مدار مذهبهم ومعتقدهم، لا يستحق أحد من الناس اسم الاعتزال عندهم حتى يستكملها في نفسه، وهي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٩ - التوحيد عند المعتزلة يقوم بنيانه على إنكار الصفات، والقول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله تعالى في الآخرة.
وهذا مناف للتوحيد الذي عليه أهل السنة والجماعة، فالتوحيد عندهم يقوم على إثبات الصفات كما يليق بجلال الله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، وعلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وعلى إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة.
١٠ - العدل عند المعتزلة يقوم على إنكار خلق الله تعالى لأفعال العباد، وعلى إيجاب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى، وعلى ترتيب الثواب والعقاب بمجرد استحسان العقل واستقباحه دون أن يتوقف ذلك على الشرع.
стр. 1163
وهذا بلا شك يتنافى مع معتقد أهل السنة والجماعة، فمن معتقدهم أن الله تعالى خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، وأنه لا يجب عليه شيء إلا ما أوجبه على نفسه بإيجابه هو، وأن الثواب والعقاب على الحسن والقبيح موقوف على الشارع.
١١ - يرى المعتزلة في أصل (الوعد والوعيد) أنه يجب على الله تعالى أن يفعل ما وعد به وما توعد عليه، فيجب عليه إثابة المطيع ومعاقبة العاصي، وإلا لزم الخلف والكذب في وعده ووعيده، ولزم منه فساد التدبير.
وهذا مخالف لما يعتقده أهل السنة والجماعة، فهم يعتقدون أنه يجب على الله تعالى أن يفي بما وعد به، لا على أنه من باب الاستحقاق والمعاوضة، وإنما لكونه سبحانه صادقاً لا يكذب في وعده.
ويعتقدون أن عدم معاقبة العاصي لا يعدُّ خلفاً في الوعيد، وإنما هو تكرم وتفضل وإحسان.
١٢ - حقيقة (المنزلة بين المنزلتين) عند المعتزلة: أن مرتكب الكبيرة لا يستحق أن يطلق عليه اسم الإيمان والإسلام، لأن في إطلاق ذلك عليه تشريفاً له، وهو ليس أهلاً لهذا التشريف بسبب إعراضه وعصيانه، ولا يستحق أيضاً أن يطلق عليه اسم الكفر والنفاق، لأن أحكام الكفار والمنافقين لا تجري عليه، وإذا انتفى عليه اسم الإيمان والإسلام، واسم الكفر والنفاق، استحق أن يسمى فاسقاً.
ولا يختلف أهل السنة مع المعتزلة في تسمية مرتكب الكبيرة فاسقاً، ولكنهم يختلفون معهم في القول بتخليده مع الكفار في النار، لأن معتقد أهل السنة والجماعة أن الفاسق لا يخرج بفسقه من الإسلام ولا يخلّد في النار، وإنما حكمه إلى الله تعالى إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ثم يخرجه من النار إلى الجنة.
١٣ - المعروف عند المعتزلة على قسمين: واجب، ومندوب. فالأمر بالواجب واجب، وبالمندوب مندوب، وأما المنكر فكله عندهم من باب واحد في أنه يجب النهي عن جميعه عند استكمال شروط الأمر والنهي.
وهذا صحيح، لأن المندوب ليس بواجب أصلاً حتى يجب الأمر به.
١٤ - يجب عند المعتزلة معالجة المنكر بالتدرج من الأسهل إلى الأصعب، ولا يجوز العكس. وهذا مخالف لأمره ﷺ في تغيير المنكر الذي يدل على البدء بالأشد ثم ما دونه.
١٥ - لأصول المعتزلة الخمسة العقيدة أثرها الكبير على آرائهم الأصولية، وبخاصة العدل والتوحيد.
١٦ - يرى المعتزلة أن العقول لا يجوز أن تتفاوت بأصل الفطرة، وإنما تتفاوت بالعوارض، وهذا لا يعتد به.
والصحيح أن العقول تتفاوت بأصل الخلقة، بدليل أن الله ﵎ جعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، وأن النبي ﷺ وصف عقل المرأة بالنقصان.
١٧ - العقل عند المعتزلة يدرك في الأشياء الحسن والقبح، ويرتب على ذلك الثواب والعقاب دون حاجة إلى الشرع.
والصحيح أن العقل يقوى على إدراك الحسن والقبح في الأشياء، وأما الثواب والعقاب على ذلك فهما موقوفان على ورود الشرع.
١٨ - العقل عند المعتزلة يدرك وجوب شكر المنعم تعالى قبل مجيء الشرع، ومن لم يشكر فإنه آثم.
والحق في ذلك أن العقل السليم يدرك أن الله تعالى هو صاحب الفضل والإنعام على جميع العباد، فيكون مستوجباً للشكر وللمحامد كلها، إلا أن ذلك الإدراك لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب قبل ورود الشرع.
١٩ - الحق عند أهل السنة والجماعة أن أوامر الله ﵎ لا تخلوا من مصالح، إلا أنها على سبيل التفضيل والإنعام، لا على سبيل الإيجاب والإلزام.
٢٠ - يرى المعتزلة أن الأمر بالأشياء على طريق التخيير يفيد وجوب جميعها، لتساويها في وجه الوجوب.
والراجح أنه لا يفيد وجوب جميعها، بل يفيد وجوب واحد منها لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف.
стр. 1164
٢١ - يرى المعتزلة عدم جواز أن يكون المحرم أحد أمرين لا بعينه، فإذا ورد النهي متعلقاً بأشياء على جهة التخيير، اقتضى المنع من الكل، بحجة أن كل واحد منهما إذا قبح، فجميعه قبح لا محالة.
والراجح أنه يجوز ورود النهي متعلقاً بأشياء على وجه التخيير، ويقتضي حينئذ تحريم واحد لا بعينه، ويتعين باختيار المكلف، وليس في ذلك ما يقبح، فالرجل يقبح في حقه الجمع بين الأختين في عقد واحد، لكن لا يقبح في حقه العقد على إحداهما.
٢٢ - يرى الكعبي أن المباح مأمور به شرعاً، وهو وسيلة لترك المحرم، وترك المحرم واجب، فما أدى إليه يكون واجباً.
والراجح في ذلك: أن المباح ليس بواجب شرعاً لكونه مأذوناً فيه ومخيراً بين فعله وتركه من غير إشعار بثواب على الفعل، أو عقاب على الترك، ولو كان واجباً لعوقب على تركه.
٢٣ - لا تصح نسبة القول إلى القاضي عبدالجبار بأن امتثال الأمر لا يدل على إجزاء المأمور به، بل إنه صرح في كتابه (المغني) بأن امتثال الأمر يدل على إجزاء المأمور به.
٢٤ - يرى أبو هاشم أن كف النفس عن المنهي عنه ليس بفعل، مع صرف النظر عن التلبيس بضد من أضداده، لأن تارك الزنا يمدح عند العقلاء على ذلك وإن لم يخطر بباله فعل الضد.
والراجح في ذلك: أن الكف فعل، فيكون التكليف في المنهي عنه تكليفاً بفعل يكون ضد المنهي عنه وهو الامتناع.
٢٥ - يرى المعتزلة أن المكره الملجأ لا يدخل تحت التكليف، لأنه غير مختار لما يفعل، فهو محمول على ما أقدم عليه، والمحمول على الشيء لا يثاب.
والراجح في ذلك: أن الإكراه على الأقوال يكون عذراً في إسقاط الإثم ورفع التكليف.
أما الإكراه على الأفعال، فإن بلغ درجة كون المُكرَه كالآلة في يد المُكرِه، فإن هذا الإكراه مسقط التكليف، لكونه مسقطاً للرضا ومفقداً للقدرة والاختيار.
وإن لم يبلغ هذه الدرجة، وإنما وقف عند حدود التهديد والوعيد، فإنه لا يكون مسقطاً للتكليف، لكونه لم يفقد إلا الرضا فقط مع وجود القدرة والاختيار.
٢٦ - يرى المعتزلة أن الفعل الحادث في حال حدوثه ليس مأموراً به.
وهذا يعني أن الأمر لا بد أن يتوجه قبل المباشرة، ولا فرق عندهم بين أن يكون المأمور متمكناً من الفعل من حين الأمر إلى وقت الفعل أو غير متمكن من حين الأمر.
والراجح في ذلك: أن التكليف بالفعل كما يكون متوجهاً قبل المباشرة، فإنه يكون متوجهاً حال المباشرة أيضاً، لأن المكلف كما صرح السلف مستطيع قبل الفعل وحين الفعل.
٢٧ - يرى أبو علي بن خلاد أن التعبد بالتأسي برسول الله ﷺ إنما يكون في العبادات فقط، لأن ما سوى العبادات يكون له فيها مصلحة من دوننا، فلا يجب علينا التأسي به فيها.
والحق في ذلك: أن الأصل في جميع أفعاله ﷺ التعبد باتباعها والتقرب إلى الله بالتأسي بها من قبل الأمة إلا ما نهض الدليل على بيان الخصوصية فيه، لكونه ﵊ لا يفعل إلا الأكمل والأفضل والأرضى لله ﵎، لاستشعاره أنه مشرع لأمته.
٢٨ - يرى أبو علي الجبائي أن الخبر لا يقبل إذا كان راويه واحداً، أما إذا رواه اثنان عدلان عن اثنين، فإنه يجب العمل به.
والراجح في ذلك: أن خبر الواحد إذا انفرد العدل بروايته وجب قبوله والعمل به، لأنه يسعنا ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ والسلف الصالح، حيث عملوا بخبر الواحد العدل، ولم يشترطوا التعدد لقبوله والعمل بمقتضاه.
٢٩ - يرى النظام أن الإجماع ليس حجة شرعية متبعة، لجواز وقوع الخطأ من الأمة، ومن يجوز عليهم وقوع الخطأ لا يكون إجماعهم حجة.
стр. 1165
والحق في ذلك: أن الإجماع حجة شرعية متبعة، إذ الشارع الحكيم قد شهد لهذه الأمة بالعصمة من الضلال، فيكون ما اتفقت عليه كلمتهم حجة قاطعة لأنه حق والحق أحق أن يتبع.
٣٠ - يرى عبد الله البصري أنه لا يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، بحجة أن الإجماع أصل مقطوع به، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فلا يجوز إثبات القطعي بالظني.
والراجح في ذلك: أنه يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، ويكون حينئذ ظناً يجب العمل به، لأنه إذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فلا فرق بين أن يرد بحصول إجماع يتضمن حكماً من الأحكام، وبين أن يرد بحصول قول من جهة الرسول ﵊ يفيد حكماً، من حيث وجوب الأخذ بذلك الحكم ووجوب العمل بمقتضى هذا الخبر.
٣١ - يرى النظام وبعض المعتزلة البغداديين أن القياس ليس حجة شرعية، بدليل أن الشارع فرق بين المتفقين وجمع بين المفرقين، وهذه طريقة يمتنع القياس بها.
والحق في ذلك: أن القياس حجة شرعية متبعة، وذلك لإجماع المسلمين سلفاً وخلفاً على العمل به في الجملة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون الأربعة، وغيرهم من فقهاء الصحابة وأئمة التابعين وأتباعهم، مما لا يدع مجالاً بإنكار حجيته في بناء الأحكام الشرعية الاجتهادية.
٣٢ - يرى أبو الهذيل العلاف أن القياس لا يسمى ديناً، بحجة أن اسم الدين لا يقع إلا على ما هو ثابت مستمر، وكيف يسمى القياس ديناً وهو من فعل القائس؟
والحق في ذلك: أن القياس من الدين لورود الأمر الشرعي بالتعبد به، وانعقاد الإجماع في الجملة على العمل بمقتضاه، وكل ما كان مأموراً به شرعاً ومجمعاً عليه من قبل الأمة، فهو من الدين.
٣٣ - يرى أبو هاشم أنه لا يجوز إثبات الحكم في شيء بالقياس إلا وقد ورد النص بإثباته فيه على الجملة، فيكون القياس دالاً على تفصيل الحكم، فلو لم يكن إرث الأخ ثابتاً في الجملة، لما جاز إثبات إرثه مع الجد بالقياس.
والراجح في ذلك: جواز القياس على الأصل وإن لم ينص على القياس عليه وذلك لأن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم كانوا يستعملون القياس في مسائل كثيرة وإن لم يكن عليه نص في الجملة، وعملهم هو الحجة في إثبات القياس.
٣٤ - يرى المعتزلة أن العلة مؤثرة بنفسها، بمعنى أنها الموجب للحكم بذاتها، بناء على جلب مصلحة، أو دفع مفسدة.
والحق في ذلك: أن العلة لا تؤثر بنفسها في الأحكام، وإنما المؤثر الحقيقي فيها هو الشارع الحكيم وحده، بدليل أن قبول ورود الشرع، لم تكن هذه العلل مؤثرة بنفسها، فالإسكار قبل تحريم الشارع للخمر، لم يكن علة موجبة للتحريم ولا لإقامة الحد على الشارب والسرقة قبل تحريمها شرعاً لم تكن موجبة للقطع، وكذلك لم يكن الزنا قبل تحريمه شرعاً موجباً للرجم أو الجلد، وهكذا.
٣٥ - النسخ في اللغة يطلق بإزاء معنيين، هما الإزالة والنقل.
إلا أنه حقيقة في الإزالة لأنها تقتضي تغيير الحكم الأول عما كان عليه، ومجاز في النقل لأنه يبقى الأول على ما كان عليه دون أي تغيير.
٣٦ - النسخ عند المتقدمين يختلف عنه عند المتأخرين.
فهو عند المتقدمين يطلق عليه تقييد المطلق، وتخصيص العام، وبيان المجمل، كما يطلقونه على رفع الحكم الشرعي المتقدم بدليل شرعي متأخر.
٣٧ - لا يصح تعريف النسخ اصطلاحاً بالبيان، إذ لا يلزم من كل بيان أن يكون نسخاً.
٣٨ - لا يصح تعريف النسخ اصطلاحاً بالإزالة لأن النسخ حقيقة في الرفع.
٣٩ - التعريف الراجح للنسخ في اصطلاح المتأخرين هو: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه.
وذلك لأنه أقل التعريفات مطعناً.
٤٠ - يرى أبو مسلم الأصبهاني أنه لا يحسن نسخ الشرائع شرعاً، بحجة أنه يفضي إلى البداء وهو الجهل.
стр. 1166
والحق في ذلك: أن النسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً، ولا مانع من نسخ الشرائع بعضها ببعض، فقد حصل إجماع المسلمين سلفاً وخلفاً على أن شريعتنا المطهرة ناسخة لجميع الشرائع السماوية السابقة، وأجمعوا على وقوع النسخ في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية.
٤١ - يرى المعتزلة أنه يمتنع نسخ وجوب معرفة الله تعالى، وشكر المنعم، ونسخ تحريم الكفر والظلم والكذب، لأن الأفعال لها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها، فلا يمكن نسخها.
وهذا صحيح، لأن شريعة أحكم الحاكمين الصادرة ممن لا يأمر بالفحشاء، تأبى أن تأمر بالظلم والكفر والكذب، وأن تنهى عن العدل والشكر والصدق، بل العقل السليم لا يتصور وقوع ذلك فيها أبداً، فهي شريعة محكمة جاءت من لدن حكيم خبير لا يتعارض فيها نقل صريح مع عقل صحيح.
٤٢ - يرى المعتزلة أنه لا يجوز نسخ العبادة قبل التمكن من فعلها، لما يترتب على ذلك من الأمر بما لا فائدة فيه وهو عبث.
والحق في ذلك: جواز نسخ العبادة قبل التمكن من فعلها، إذ لا يلزم منه العبث لكون المصلحة متحققة وهي الابتلاء والاختبار.
٤٣ - لا يصح ما نقله أكثر الأصوليين عن المعتزلة أنهم يرون عدم جواز نسخ التلاوة دون الحكم والعكس.
وتحقيق القول في ذلك: أن جمهور المعتزلة يرون جواز ذلك، ولم يخالف منهم إلا النزر اليسير وصفوا بأنهم شواذ.
٤٤ - يرى المعتزلة أنه يشترط في الأمر إرادة الآمر امتثال المأمور للمأمور به، بحجة أن الأمر لا يتميز عما ليس بأمر إلا بالإرادة.
والصحيح في ذلك: أن الأمر يتميز بالصيغة الموضوعية له في أصل اللغة وهي الدالة على الرتبة والاستعلاء.
٤٥ - يرى المعتزلة أنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى المكلف بما يعلم أنه لا يمكن منه أو لا يفعله، وذلك لاستحالة وقوع الفعل منه، فيكون التكليف بذلك قبيحاً.
والحق في ذلك الجواز لأنه تكليف مفيد تظهر فائدته في عزم المكلف على الامتثال فيطيع ويثاب، أو الامتناع فيعصي ويستحق العقاب.
٤٦ - يرى المعتزلة أن المأمور لا يجوز أن يكون معدوماً، إذ من شرط الأمر عندهم وجود المأمور.
والحق في ذلك: جواز توجه الأمر للمعدوم لتقدير وجوده على الصفة التي يصح معها التكليف، لثبوت ذلك بالنص والإجماع.
فنحن مأمورون بما أمر به الصحابة الموجودون زمن الخطاب، مع أننا كنا معدومين حين ذاك، إذ لو لم نكن مأمورين بما أمروا به لعدم وجودنا زمن الخطاب، للزم أن يبعث الله تعالى إلينا رسولاً آخر يبلغنا أمره، وهذا محال بالإجماع لثبوت أنه لا نبي بعد محمد ﷺ .
٤٧ - يرى بعض المعتزلة أنه لا يجوز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها، لأن في ذلك إعلاماً للمكلف بالبقاء حتى وقت دخول تلك العبادة وهذا إغراء له بالمعاصي فيتنافى مع الحكمة.
والراجح في ذلك: جواز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها، إذ لا ضرر في ذلك على المكلف بقدر ما فيه من مصلحة له، بحيث يوطن نفسه ويهيؤها لمباشرة العبادة إذا حان وقتها.
٤٨ - يرى المعتزلة أنه لا يجوز تأبيد الأمر إلى غير غاية، بحجة أن إدامة التكليف يفضي إلى جعل المكلف ملجأ إلى فعل ما كلف به وذلك يزيل التكليف.
والصحيح في ذلك: جواز تأبيد الأمر إلى غير غاية، لأن الأصل في أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ وجوب امتثال المكلف لها أبداً ما دام حياً قادراً.
٤٩ - يرى قدماء مشايخ المعتزلة أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده، لأنه القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، يفضي إلى أن يسمى الأمر نهياً عن الحقيقة، وهذا باطل.
والراجح في ذلك: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بطريق المعنى لا بطريق الصيغة، بمعنى أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.
стр. 1167
٥٠ - يرى أبو هاشم أن الفعل ذا الوجهين لا يصح أن يتعلق به النهي، وإلا لزم من ذلك أن يكون الشيء الواحد مأموراً منهياً، وذلك محال.
والراجح في ذلك: عدم استحالة انقسام النوع الواحد من الأفعال إلى واجب وحرام، بحيث يكون مأموراً به من وجه ومنهي عنه من وجه آخر وذلك لأن الجهة منفكة بين مورد الأمر والنهي، فلا يؤدي إلى التناقض والتضاد.
٥١ - يرى جمهور المعتزلة أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه مطلقاً لا في العبادات ولا في المعاملات، بحجة أن لفظ النهي لغوي وفساد العبادة شرعي، فلا يجوز أن يكون موضوعاً له.
والراجح في ذلك: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات على السواء، لأن كل ما نهى الله عنه وحرمه في بعض الأحوال وأباحه في حال أخرى إنما كان لمصلحة فيما أباحه أولاً ولمفسدة فيما حرمه ثانياً، وإلا فإن الحرام لا يكون صحيحاً نافذاً كالحلال بحيث يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال ويحصل به المقصود كما يحصل به.
٥٢ - يرى أبو علي الجبائي أن الجمع المنكر يحمل على الاستغراق من جهة الحكمة، لأن حمله على ذلك حمل له على جميع حقائقه، فكان أولى من حمله على البعض.
والراجح في ذلك: أن الجمع المنكر يحمل على أقل الجمع، لأن الجمع المنكر لا يتبادر منه الاستغراق عند الإطلاق.
٥٣ - يرى بعض المعتزلة أنه لا يجوز أن يسمع الله تعالى المكلف الخطاب العام المخصوص دون أن يسمعه الدليل المخصص، لأنه لو جاز ذلك لكان إغراء للمكلف بالجهر باعتقاد استغراقه، وهذا قبيح.
والراجح في ذلك: جواز إسماع الله تعالى المكلف الخطاب العام المخصوص دون إسماعه المخصص، وذلك لأن كثيراً من نصوص القرآن الكريم قد وردت عامة في لفظها، وتأخر بيان خصوصها عن موردها فترة من الزمن.
٥٤ - يرى أبو علي وأبو هاشم أن النبي ﷺ ، لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء من الشرعيات، لأن الله تعالى نفى عن رسوله ﷺ أن ينطق بالهوى، فكان ما ينطق به وحياً منزلاً.
والراجح: جواز تعبد النبي ﷺ بالاجتهاد في الحوادث التي لم يرد بها نص، لأنه إن كان المانعون من ذلك قد منعوه خشية أن يجتهد ﷺ فيخطئ، فليس الخطأ في الاجتهاد من الخطأ الذي يتنزه عنه منصب النبوة حتى يقال بعدم جواز تعبده بذلك.
وإن كان منعهم من ذلك حرصاً على حماية مصالح المكلف وصوناً له من الوقوع في المفسدة، فإن ذلك مردود بأن اجتهاده ﷺ بعناية الله ﵎ عن الخطأ والزلل.
٥٥ - يرى موسى بن عمران أنه يجوز أن يفوض الله تعالى للرسول ﷺ أو للعالم الحكم بما شاء، لأنه إذا جاز أن يفوض الله المكلف بأن يختار واحدة من خصال الكفارة، جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام بحسب اختياره.
والراجح في ذلك: أنه لا يجوز أن يفوض الله المكلف بأن يحكم بما شاء ويختار ما يريد، لأنه يلزم على هذا التفويض إبطال التعبد بالاجتهاد والتقليد، ويفضي إلى أن يستوي العامي بالعالم.
ولا يصح قياس هذه المسألة على الواجب المخير، فإن الخصال المشتمل عليها الواجب المخير لا تفويض فيها إذ الحكم محدد، وهو مأمور بأن يختار ما شاء مما حدده الشارع. وأما التفويض فمعناه أن تترك الحرية للمكلف بإنشاء ما أراد من الأحكام.
٥٦ - يرى بشر المريسي وكثير من معتزلة بغداد أن المخطئ في اجتهاده آثم، وذلك لأن الحق ممكن التدارك، إذ نصب الله تعالى عليه دليلاً يعرف به فمن أخطأ فليس بمعذور.
стр. 1168
والحق في ذلك: أن الإثم مرفوع عن المجتهد المخطأ إذا اجتهد في أحكام الفروع التي ليس عليها دليل قاطع من نص أو إجماع، وأنه مأجور على اجتهاده لما بذله من جهد واستفراغ وسع، لثبوت ذلك بنصوص الكتاب والسنة.
٥٧ - يرى أبو بكر الأصم أن قضاء القاضي ينقض بالاجتهاد، لأن على الحق دليلاً فمن أخطأه تجاوز الحق إلى الباطل فينقض حكمه.
والراجح في ذلك عدم جواز نقض قضاء القاضي بالاجتهاد، لأن جواز النقض يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام القضائية، فيفضي إلى أن يفقد الناس ثقتهم بالقضاة، فتفوت مصلحة نصب الحاكم.
٥٨ - يرى بعض المعتزلة أنه يجوز للمجتهد الاكتفاء بترجيح مذهب على مذهب من غير تمسك بما يستقل دليلاً، لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكتفون في تفاوضهم بمسالك الترجيحات دون أن يمهدوا أدلة مستقلة، وهم الأسوة في ذلك.
والحق في ذلك عدم جواز الترجيح بلا دليل، وإلا لأصبح ضرباً من ضروب الهوى والتشهي، ولو كان الترجيح جائزاً بلا دليل لكان للعامي دخل كبير في مسائل الاجتهاد.
٥٩ - يرى المعتزلة البغداديون أنه لا يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة بل يجب عليه النظر وطلب الدليل، لأن العامي لا يأمن أن يكون من قلده لم ينصح في الاجتهاد فيكون فاعلاً لمفسدة.
والحق في ذلك: أنه يجب على العامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة، وذلك لعجزه وعدم تمكنه من معرفة الحكم بدليله، إذ أنه فاقد لأهلية الاجتهاد، وفاقد الشيء كيف يعطيه؟ ولأنه لو كلف العامي بالاشتغال بمسائل الاجتهاد لتعطلت سبل الحياة التي هي قوام الناس.
٦٠ - يرى القاضي عبد الجبار أنه لا يجوز أن يختار المكلف الأخف من فتوى المجتهدين المتساوين، لأن الشريعة قد دلت على أن الحق في الأشد دون الأخف.
والراجح في ذلك: أن المقلد مخير بأخذ ما شاء من أقوال المجتهدين عند التساوي في الأمور المعتبرة، وذلك لأن إلزامه بالأخذ بالقول الأشد لا دليل عليه، بل قد قام الدليل على خلاف ذلك، حيث صح عنه ﷺ وهو الأتقى والأخشى لله تعالى- أنه كان يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثماً.
وبعد: فلا أدعي كمالاً فيما كتبت ولكن حسبي من ذلك ما بذلته من جهد لم أدخر فيه وسعاً، فإن كان صواباً فمن الله وله الحمد والمنة، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله تعالى مما زل به القلم أو أخطأ به اللسان.
وأسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة للمشرف على هذا البحث فضيلة الدكتور الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش على ما أولانيه من رعاية واهتمام وإرشاد وتوجيه حتى استطعت بتوفيق الله تعالى تخطي العقبات وتجاوز العثرات.
كما أتوجه بالشكر الجزيل لكل من أعانني على هذا البحث بإعارتي ما أحتاج إليه من مراجع ومصادر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
.........
стр. 1169
إتحاف النبلاء برد شبهات من وقع في الإرجاء
المؤلف/ المشرف: علي بن عبدالعزيز موسى
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الكيان – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: إرجاء - مرجئة
الخاتمة:
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشكره سبحانه على ما يسر لي من إتمام هذا البحث، وأسأله أن يتقبل عملي، كما أسأله سبحانه العفو والمغفرة إن حصل تقصير أو خطأ، إن ربي رؤوف رحيم.
وبعد هذه المباحث في مسائل الإيمان أسجل في هذه الخاتمة أهم النتائج، وهي كما يلي:
أولا: خطورة مذهب المرجئة، والتحذير من الوقوع في شراكه.
ثانيا: تعريف الإيمان عند السلف، وأنه قول وعمل واعتقاد.
ثالثا: وقع خلاف بين السلف في العلاقة بين الإسلام والإيمان، بيد أنه لا يضر؛ حيث إن الجميع يقول بدخول العمل في الإيمان.
رابعاً: أعمال الجوارح ركن في الإيمان، غير أن أفرادها منه ما يكفر تاركه ومنه ما لا يكفر، وذلك حسب النصوص الواردة في تارك كل عمل بحسبه.
خامساً: للمرجئة قديماً وحديثاً شبهات يستدلون بها على نجاة تارك العمل الظاهر، وقد تصدى لهم السلف وأبطلوا استشهادهم بنصوص الكتاب والسنة، فينبغي لطالب العلم أن يقف عليها، لاسيما مع ظهور المذهب الإرجائي في ثوب جديد، يزعم لابسوه أنه قول السلف!!
سادساً: مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان، ما لم يستحلها، وأدلة ذلك كثيرة جدا، وعليه إجماع السلف.
سابعا: ليست – الردة عافانا الله تعالى – بالاعتقاد فقط، وإنما بالاعتقاد أو القول أو العمل.
ثامنا: قد تأثر بعض من يدعو إلى منهج السلف بمذهب المرجئة، وأراد أن يستدل ببعض أقوال أهل العلم على نجاة تارك العمل الظاهر كلية دون عذر، فنسب مذهب المرجئة إلى السلف وهو لا يدري!!
تاسعاً: لزيادة الإيمان أسباب يجب على الناصح لنفسه أن يلتزمها حتى يكمل إيمانه، ويوفق لنيل الدرجات العلى في الجنة.
стр. 1170
الأحباش رسالة تعريفية بهذه الفرقة الضالة الجديدة
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن عبدالله
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: أحباش
خاتمة: لقد تبين من خلال هذا العرض المختصر لبعض ضلالات الأحباش، ما هم عليه من انحراف في العقيدة، واتباع للأهواء، وتلاعب بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
الأحباش على سذاجتهم وقلة علمهم ينتشرون بسرعة عجيبة، وقد يكون سبب ذلك ما لديهم من إمكانات مادية، واختيارات واسعة، يأخذ منها كل صاحب هوى ما يوافق هواه، وأيضا ما تدعيه هذه الطائفة من الولاء المطلق للحكومات. ولعل من هذه الطائفة من يأخذ حجمه الحقيقي بين العلماء وخطباء المساجد وأجهزة الإعلام، لما يمثله هذا المذهب من خطر على العقيدة والأخلاق، وما يثيره من خصومات، وجدل في المساجد، وتكفير للمسلمين، وإثارة للفرقة، وبثا للفتنة. وهم يعدون العدة الآن لنشر مذهبهم في بلاد الإسلام بين أهل السنة والجماعة، بل في الجزيرة العربية، نسأل الله تعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
стр. 1171
الأشاعرة في ميزان أهل السنة
المؤلف/ المشرف: فيصل بن قزاز الجاسم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المبرة الخيرية لعلوم القرآن والسنة – الكويت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: أشاعرة
الخاتمة
بعد هذا البيان والتوضيح لمنهج أهل السنة والجماعة ولمعتقد السلف الكرام، بات من الواضح لكل ذي عينين مخالفة الأشاعرة لمنهج أهل السنة والجماعة وتنكبهم عن طريقهم إلى طرق أهل الكلام، وطرق أهل الخوض في أسماء الله وصفاته بالعقول القاصرة.
واتضح لنا الخطأ الذي يتكرر على ألسنة بعض الباحثين بل وبعض المنتسبين إلى العلم من عد الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة حتى قال بعضهم: إن مصطلح أهل السنة والجماعة يشمل ثلاث طوائف: أهل الحديث، والأشاعرة والماتريدية.
وهذا لعمري من الجمع بين النقيضين إذ أن تقرير أهل الحديث لمسائل المعتقد ومصادرهم تختلف عن مصادر المتكلمين وتقريرهم.
فكيف يجتمع نكير السلف على أصحاب التأويل للصفات والمخرجين لنصوصها عن ظواهرها اللائقة بالله تعالى مع تجويزه بل مع وجوبه كما هو قول الأشاعرة في كثير من الصفات.
أم كيف يجتمع سعي السلف في تأليف الكتب والمؤلفات التي تبطل التأويل وترد على أصحابه مع تلك التي تدعو إلى التأويل وتجعله أصلا في العقيدة.
وقد تبين لنا أيضا مما سبق نقله أن كثيرا من تأويلات الأشاعرة لكثير من صفات الله تعالى هي عين تأويلات الجهمية والمعتزلة التي تواتر عن السلف الإنكار على أصحابها والنهي عنهم والتحذير منهم كتأويلهم للوجه واليدين والعينين والنزول والمجيء والضحك ونحوها من الصفات.
وأما ما يمارسه بعض الناس من تهويل يريد به إسكات أهل الحق عن رد الباطل وإنكاره فتراه يقول: إن الحكم على الأشعرية بالضلال يستلزم تضليل الأمة وتسفيه علمائها الذين سلكوا هذه الطريقة عبر كثير من القرون، وما إلى ذلك من التهويلات. فهذا مردود عليه من وجوه.
أولها: أن هذا الإلزام إن صح فإنما يتوجه ابتداء إلى السلف والأئمة قبل أن يتوجه إلينا لأنهم أول من أنكر على من تأول الصفات بل واشتد نكيرهم وتغليظهم في ذلك حتى عدوا كل من تأول صفة لله وصرفها عن ظاهرها من الجهمية، وقد مر معنا في ثنايا هذا الكتاب كثير من كلامهم ومنها وصف الإمام أحمد لن أنكر الحرف والصوت لله بالتجهم، وكذلك من تأول صفة الضحك لله وغيرها كثير.
فكيف نلام على ما نحن متبعون فيه، ولا يلام غيرنا على ما هم مبتدعون فيه؟
الوجه الثاني: أن الحكم على الأوصاف بالبدعة والضلالة لا يستلزم الحكم على الأشخاص فقد يقع العبد في معصية أو بدعة ونحو ذلك ولا يكون في الأمر نفسه عاصيا ولا مبتدعا وذلك إما لوجود مانع من إكراه وشبهة ونحو ذلك أو لفقد شرط كعلم ونحوه.
قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥]
وقال عمرو بن العاص ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " ()
فمن اجتهد في الوصول إلى الحق وبذل وسعه متجردا لله تعالى مؤثرا للحق على غيره فلم يصب فهو مأجور على اجتهاده في طلب الحق
ولكن، لا يعني هذا السكوت على خطئه، وترك الإنكار عليه فإن إنكار المنكر واجب لعموم قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]
وقول النبي ﷺ : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ()
والمنكر: هو كل ما خالف الكتاب والسنة وهدي السلف.
ومنه: تسليط سهام التأويل على صفات الله تعالى التي بينها لعبادة وأوضحها في كتابه وسنة نبيه ﷺ .
стр. 1172
وليس مسلك التأويل في صفات الله تعالى من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف ولا يتوجه فيها الإنكار إذ أنه مخالف لإجماع الصحابة والسلف والذين لم يصح عنهم حرف واحد في التأويل. وفي مقابله صحت آلاف النصوص التي تنهى عنه وتحذر منه ومن أهله.
وبهذا يتبين أن الواجب على أهل العلم بيان الواجب في صفات الله تعالى والأمر باتباع نهج الصحابة والسلف الكرام والنهي عن كل ما خالف ذلك والإنكار على فاعله مهما كانت منزلته ومكانته مع أنه قد يكون في الأمر نفسه مجتهدا لم يتبين له الحق فيكون عذرا له عند الله بل مأجورا عليه.
ومما ينبغي التنويه عليه أن بيان الحق في أسماء الله وصفاته من الواجبات العظيمة ومن تعظيم الله وتعظيم كتابه وتعظيم سنة نبيه ﷺ وأن الرد على من خالف في ذلك واجب متعين على أهل العلم وهو من أعظم الجهاد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: " الذب عن السنة أفضل من الجهاد".
وليس هذا تفريقا للأمة ولا تشتيتا لها كما يروجه بعض الجهلة لأن قبول كلام الأشاعرة وغيرهم من أصناف المعطلة الخائضين في صفات الله بعقولهم وآرائهم والرضى به أو السكوت عنه وعن بيان خطئة والتحذير من أهله يستلزم أمورا عظيمة:
أولا: مخالفة الكتاب والسنة في أعظم وأشرف العلوم وهو العلم المعلق بذات الرب تعالى وصفاته وجماله وجلاله.
الأمر الثاني: التسلط على آيات الكتاب ونصوص السنة تحريفا وتعطيلا بمحض الآراء الفاسدة والعقول الكاسدة وهذا يفقد الكتاب والسنة الهيبة والتعظيم في القلوب.
الأمر الثالث: أن يلتمس الهدى من غير الكتاب والسنة بل من آراء المتكلمين ونحاتات أذهانهم.
الأمر الرابع: زيادة التفرق والاختلاف بين المسلمين وذلك بالخوض في المعاني المجازية المختلفة فكل يقول: مراد الله كذا والآخر يعارضه ويقول: بل مراده كذا وهكذا حتى تختلف القلوب. والقلوب لا تجتمع إلا على قدم التسليم لنصوص الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.
الأمر الخامس: أن السكوت عن الإنكار على الأشاعرة ومن وافقهم خروج عن منهج السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة بعدهم وتنكب عن طريقهم إذ أنهم لم يقبلوا التعرض لآيات الصفات بالتأويل ولا التفويض والتجهيل ولذا اشتد نكيرهم على أصحاب هذه المقالات، وعظم هجرانهم لهم والتحذير من طريقتهم. وعلى هذا فكل دعوة لقبولهم والسكوت عنهم هي في حقيقتها دعوة لترك منهج السلف ومخالفتهم.
الأمر السادس:
أنه مخالف لما أمر الله به المؤمنين من التواصي بالحق في قوله ﴿وتواصوا بالحق﴾ ومخالف لما أمر به النبي ﷺ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من قام بمراجعة هذه الرسالة والتقديم لها. كما أني أدعو مؤلفي كتاب " أهل السنة الأشاعرة " إلى الرجوع عما سطرته أيديهم فيه والعكوف على كتب السلف قراءة ودراسة ليتبين لهما كثيرا مما كان خافيا عليهما.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 1173
الإباضية تاريخاً وعقيدة
المؤلف/ المشرف: وليد مساعد الطبطبائي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: إباضية
أهم النتائج:
١ - يعتبر المذهب الإباضي في الأصل فرقة من فرقة الخوارج، ولكن بسبب اعتدالهم وحكمة أئمتهم تمكنوا من المحافظة على وجودهم.
٢ - تلتقي أصولهم في العقيدة كثيراً مع المعتزلة – وإن كانوا يخالفونهم في بعض المسائل.
٣ - يختلف الإباضية كلياً عن أهل السنة والجماعة في موضوع الإيمان بالأسماء والصفات، وفي حقيقة الإيمان، وفي حكم مرتكب الكبيرة، وعصاة المؤمنين يوم القيامة.
٤ - يختلف الإباضية عن أهل السنة والجماعة في بعض جوانب عقيدة (السمعيات) حيث تلتقي جوانب كثيرة منها مع عقيدة أهل السنة والجماعة، مثل الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والبعث والحساب والحوض والجنة والنار والاستطاعة لكن يتجه منهجهم إلى التأويل في اعتقاد الميزان والصراط والشفاعة للعصاة.
وكذلك الحال في مسألة الإيمان فإن الإباضية يوجبون نصب إمام، غير أنهم لا يشترطونه في قريش.
٥ - يتسم الفقه عندهم بنوع من التشدد والتزام النصوص – بخلاف العقيدة التي يعمل فيها بالعقل كثيراً – إلا أن فقههم لا يختلف كثيراً عن مذاهب أهل السنة. ٦ - معرفة مناهج التفسير عند الفرق الإسلامية أمر في غاية الأهمية من أجل الوقوف على عقائد ومرتكزات هذه الفرق من خلال تفسيرهم للقرآن الكريم. ٧ - يعتبر ميدان التفسير عند الإباضية وسيلة من وسائل نشر المذهب والدفاع عن عقائده وحقائقه.
٨ - موقفنا من الإباضية والتفسير الإباضي يمكن تلخيصه – من وجهة نظري – بما يأتي:
أ- يجب على علماء الإباضية إعادة النظر في منهج التأويل وأعمال العقل في منهج التأويل في القضايا التي يخالفون بها أهل السنة والجماعة كي يسلم جميع جوانب الاعتقاد عندهم ويصح في المذهب أنه على صراط مستقيم.
ب- يجب على علماء الإباضية العودة باتباعهم إلى الأصول الأولى التي كان عليها الصحابة الكرام وصولاً إلى توحيد كلمة الأمة قولاً وفعلاً.
ج- يجب على علماء الإباضية تنقية التراث الإباضي وخاصة ميدان التفسير وتصفيته مما علق به من دخيل وشوائب تفقده جماله وروعته، كما يجب أن ننأى بكتاب الله عن الخوض فيه واستغلاله لتأصيل فكرة أو مذهب معين عن طريق لي أعناق الآيات وتطويعها لخدمة مثل هذه الأمور المذهبية.
هذا ونسأل الله أن يهدينا إلى سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف الكويت في ٥ رمضان المبارك ١٤١٤هـ الموافق ١٥/ ٢/١٩٩٤م
стр. 1174
الإباضية في المغرب العربي
المؤلف/ المشرف: أحمد إلياس حسين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الضامري ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: إباضية
خاتمة: اتضح من خلال هذه الدراسة أن فرقة الإباضية نجحت في بث دعوتها في المغرب العربي حتى أصبح لها ثقل كبير بين سكانه، وأقامت دولتها منذ القرن الثاني الهجري، ورغم أن عمر هذه الدولة لم يمتد طويلا إلا أن تراث ونظم الإباضية أظل مجموعات كبيرة من أهل المغرب منذ سقوط دولتهم في آخر القرن الثالث الهجري وحتى العصر الحديث.
وقد أسهم الإباضية بدور كبير في تاريخ المغرب الإسلامي في المجالات السياسية والاقتصادية والتربوية وهي المجالات التي تعرض لها البحث. كما قام الإباضية بدور واضح في انتشار الإسلام في غرب أفريقيا وكان لهم فضل السبق على غيرهم في هذا الميدان وكانت للإباضية علاقات طيبة مع الدول الإسلامية في المغرب والأندلس وكانت صلاتهم وثيقة بإباضي المغرب. ويلاحظ أن تاريخ الإباضية لم يجد الاهتمام المطلوب في المعاهد والجامعات العربية رغم ثقله وأهميته ومكانته البارزة في التاريخ الإسلامي فقد طورت هذه الفرقة وجددت كثيرا في مختلف المجالات السياسية والتربوية ولعل نظام العزابة وحده يتطلب جهود مؤسسات مختلفة لدراسته والاستفادة من تجاربه.
стр. 1175
الإسماعيلية المعاصرة
المؤلف/ المشرف: محمد بن أحمد الجوير
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: إسماعيلية
الخاتمة: في ختام هذا البحث أحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشكره على أن وفقني وأمدني بعون منه حتى قمت بإتمامه على هذه الصورة التي أرجو أن أكون قد وفقت بالوصول إليها. إن سطور هذه الخاتمة تتضمن النتائج الهامة التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، إضافة إلى توصيات في هذا المجال.
أولا: أهم نتائج هذا البحث: بعد البحث والدراسة عن هذه الفرقة المعاصرة وقفت من خلال الباب الأول الخاص بالأصول التاريخية لهذه الفرقة المعاصرة وما اندرج تحته من فصول على أن هذه الفرقة امتداد للفكر الإسماعيلي القديم الذي هو بدوره امتداد للمذهب الشيعي الرافضي الذي بني أساسه على مبدأ النفاق والخداع، ولقد كان للفلسفة الفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة الأثر الواضح في مقولات ومصطلحات هذه الفرقة إذ مازالت هذه الفرقة تربط نفسها بهذه الفلسفات، وبغيرها من الأديان والمذاهب المغايرة للإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية والبوذية والاشتراكية والماسونية.
أما في الباب الخاص بمعتقدات هذه الفرقة وأثرها على بعض المذاهب، فواضح تماما أن القوم يسيرون على نهج أسلافهم في المعتقد، حيث اعتقدوا بإلهين اثنين يقومان بالخلق والتدبير أطلقوا على الأول اسم (السابق) وأطلقوا على الثاني اسم (التالي).
ولم يؤمنوا بعقيدة ختم النبوة في الإسلام، بل ادعو لأئمتهم ودعاتهم النبوة والرسالة مما جعل الإمامة عندهم هي المحور والمرتكز الذي تقوم عليه معتقداتهم وممارسة عاداتهم الاجتماعية فأضفوا عليها هالة من التعظيم والتقديس حتى أصبحت أضرحة بعض أئمتهم ودعاتهم مزارات يقصدونها. وكذلك الحال بالنسبة للعقائد الآخروية من بعث ونشر وحساب وعقاب وجنة ونار ... الخ، قام هؤلاء بإنكارها وتأويلها مع أركان الشريعة عموما لتتناسب مع ميولهم ورغباتهم الشخصية.
ولقد تأثرت بعض المذاهب بهذه الفرقة، ولا نجد لهذا التأثر أية غرابة طالما أنها اعتبرت بذرة من بذورها التي غرستها في المجتمعات الإسلامية تحت مسميات مختلفة بغية التضليل، فهذه المذاهب برمتها لا تعدو من كونها وجهان لعملة واحدة. وهذه الفرقة فرقة باطنية تفتخر بهذا اللقب لإصرارها على تطبيق مبدأي (التقية) والقول (بالظاهر والباطن) فما يقومون به من عبادات وغيرها أمام عامة المسلمين، فهو مجرد عمل ظاهري لا يعبر عن عقيدتهم الباطنية.
أما الباب الخاص بالمظاهر الدينية وما اندرج تحته من فصول، فتوصلت إلى أن هذه الفرقة لها عادات وطقوس واحتفالات تمارس فيها أمورا منافية للشريعة الإسلامية، حيث بنيت على أسس مادية بحته، فالأعياد والاحتفالات والشعائر الدينية لديهم لا تجد لها سندا في الإسلام، إذ أنها مرتبطة بشخصية الإمام والداعي عندهم. كما لاحظت أن أسلوب الدعوة الإسماعيلية المعاصرة قد طرأ عليه التغيير ليتناسب مع متغيرات العصر، فتوصلت إلى أن الإسماعيلية المعاصرين قد تحمسوا في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات والمراكز الطبية في أغلب دول العالم، وهم يبذلون الأموال الطائلة في سبيل نشر دعوتهم تلك، سائرون على نهج النصرانية للتبشير لديانتهم.
كما لفت نظري كثرة الضرائب التي فرضها الأئمة والدعاة على أتباعهم والتي أضفوا عليها صفة الإسلامية لكي تنطوي على أتباعهم، وهم بذلك يهدفون إلى جمع المال لإنماء ثرواتهم التي يسرحون ويمرحون بها في أنحاء أوربا. وأخيرا قد بينت حكم الإسلام في جملة ما ذهبت إليه هذه الفرقة، إذ جاء مكفرا إياها، ومحذرا المسلمين من خطرها
стр. 1176
الإسماعيلية وفرقها – حقائق ووثائق
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن المجاهد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الآفاق ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: إسماعيلية
الخاتمة:
وفي نهاية هذا البحث يمكنني أن ألخص أهم النتائج التي توصلت إليها في نهاية بحثي، وهي كالآتي:
١ - الإسماعيلية: فرقة شيعية، إمامية، رافضية، باطنية، فلسفية، غالية، نادت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وعقبه من بعده.
٢ - عقائد الإسماعيلية خليط من عقائد الأمم السابقة كالفرس، والمجوس، ممزوجة ببعض التصورات الإسلامية، والهدف منها طمس عقيدة الإسلام، والتشكيك في الدين.
٣ - تنسب الإسماعيلية إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.
٤ - المؤسس الفعلي للإسماعيلية هو: أبو الخطاب الأسدي.
٥ - جعفر الصادق بريء من الإسماعيلية، ومما ينسبونه إليه من الأكاذيب.
٦ - يعتبر إسماعيل بن جعفر هو الإمام السادس في عداد أئمة الإسماعيلية، وولده محمد بن إسماعيل هو الإمام السابع.
٧ - الترتيب الإمامي الإسماعيلي يبدأ بعلي بن أبي طالب، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين (زين العابدين)، ثم محمد الباقر بن علي بن الحسين، ثم جعفر الصادق بن محمد الباقر، ثم إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم محمد بن إسماعيل.
٨ - الحسن بن علي لا تعده الإسماعيلية ضمن أئمتها؛ لتنازله بالخلافة لمعاوية ﵄، والإمام المستودع لا تعتبره الإسماعيلية إماماً فعلياً.
٩ - توفي إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه، وذلك عام ١٤٥هـ.
١٠ - إسماعيل بن جعفر، وولده محمد بن إسماعيل شخصيتان تحتاجان إلى مزيد من الدراسة المنصفة، والبحث المتجرد عن التعصب. ولا يثبت ما قاله متأخروا أهل السنة من الطعن فيهما؛ لاعتمادهم على مصادر خصوم الإسماعيلية من الاثني عشرية والمستشرقين في تقييم شخصية إسماعيل وولده محمد.
١١ - مات محمد بن إسماعيل مطارداً في البلدان، ولم يكن له عقب.
١٢ - انتحال ميمون القداح لشخصية محمد بن إسماعيل.
١٣ - مرت الإسماعيلية بأربع مراحل هي: المرحلة الخطابية، وهي مرحلة الغموض، والمرحلة القداحية، وهي مرحلة الدعوة والانتشار، والمرحلة القرمطية، وهي مرحلة الإباحية، وانتهاك الحرمات علناً، والمرحلة العبيدية، وهي مرحلة الدولة وبسط النفوذ.
١٤ - العبيديون من السلالة القداحية الفارسية، ولا يمتون إلى آل البيت بصلة، وأدلة من صحح نسبهم كلها عاطفية، لا تعتبر عند أهل النظر.
١٥ - ميمون القداح يعتبر من أبرز الدعاة والمفكرين، والحجج والأبواب عند الإسماعيلية.
١٦ - القرامطة على اختلاف مسمياتهم يعتبرون من طوائف الإسماعيلية، وخلافهم مع العبيديين خلاف سياسي؛ من أجل الصراع على منصب الإمامة في الغالب، أو في سياسة إخراج العقائد والإفصاح عنها، وهذا يترتب على اختلافهم في تقدير ما يسمونه بقيام القيامة الذي يزعمون أنه إيذان بإعلان العقائد الباطنية، وإلغاء مبدأ التقية، والإفصاح بوضع الشرائع واستحلال المحرمات والمحارم.
١٧ - الدروز المعاصرون يعتبرون دروعاً بشرية ضد المسلمين في بلاد الشام، وعمالتهم واضحة جلية.
١٨ - أئمة المستعلية بمختلف طوائفهم وأطيافهم تعتبر إمامتهم باطلة بحسب الفلسفة الإسماعيلية، لمخالفتها لبعض شروط الإمامة: كالسن، وبقاء الإمامة في الأعقاب. مع وجود هذه المخالفات في كثير من فرق الإسماعيلية قبل وبعد المستعلية.
١٩ - الدعوة الطيبية المستعلية فكرة صليحية، وأفكار إسماعيلية.
٢٠ - أطلق لقب الهبرة على طائفة الطيبية بعد موت الصليحية، وبسبب اشتغال أبناء الطائفة بالتجارة في الهند.
стр. 1177
٢١ - انتقال الصلاحيات إلى ما يسمى بالداعي المطلق في ظل انعدام الأئمة عند الإسماعيلية، وقيام الداعي المطلق بصلاحيات الإمام بعد قتل الآخر، وعجز الإسماعيلية عن إثبات وجود ما يسمي بالطيب بن الآمر.
٢٢ - البهرة السليمانية في اليمن تتوسع بشكل هادئ، وغير ملفت للنظر، بينما وجود الداودية ملحوظ في الأوساط الرسمية؛ بسبب سياستهم، وتحسين علاقاتهم مع الأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي.
٢٣ - البهرة السليمانية في عراس والمزاحن تتبع القيادة المركزية لطائفة السليمانية في نجران، والتي تشكل خطراً على الفكر السني في الجزيرة العربية عموماً وعلى بلاد الحرمين على وجه الخصوص.
٢٤ - سوف تحظى سليمانية المزاحن بالاهتمام من قبل الداعي الجديد، والذي يعد من أبناء هذه المنطقة، وسبق له أن كان منصوباً للداعي السليماني فيها.
٢٥ - ثبوت قتل نزار بن المستنصر على يد أخيه المستعلي، ولم يكن له عقب.
٢٦ - فرقة النزارية أنشأها الحسن بن الصباح، وهي التي تعرف بالحشاشين، وليس له نسب إلى نزار.
٢٧ - طائفة الآغاخانية تنتمي إلى القاسمية النزارية.
٢٨ - فرق وطوائف الإسماعيلية تيارات متعددة المسميات، متحدة الأفكار والغايات، والخلاف بينها خلاف سياسي في مرحلية الإفصاح عن الأفكار والمعتقدات، ممزوج بصراع المطامع والأهواء الشخصية لدى القيادات الإسماعيلية.
التوصيات:
وفي ختام هذا البحث أضمنه بالتوصيات التالية:
١ - ضرورة البيان حول عقائد فرقة الإسماعيلية، والتحذير من خطرها على الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين.
٢ - ضرورة قيام الأنظمة العربية الإسلامية من وضع حد لانتشار مثل هذه الأفكار والمعتقدات، والتي تشكل خطراً على الإسلام والمسلمين، كما تشكل خطراً على الأنظمة في المناطق التي تسيطر عليها مثل هذه الطوائف الهدامة. وإن اعترفت ظاهرياً بالأنظمة القائمة فإنه اعتراف مرحلي ممزوج بعقيدة التقية.
٣ - ضرورة الوحدة بين العاملين في الحقل الإسلامي في مواجهة هذا المد بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشر الفكر السني الأصيل.
٤ - كما أوصي الدعاة إلى الله، والعاملين للإسلام بقراءة كتب هؤلاء والكتب التي تعريهم؛ ليتعرفوا على مدى المؤامرة التي يدبرها هؤلاء على الإسلام والمسلمين.
٥ - وأوصي أهل الاختصاص من العلماء والباحثين والسياسيين والمهتمين لعمل مراكز متخصصة للأبحاث حول هذه الفرقة وطوائفها، وإنشاء مؤسسات لدعوة هؤلاء، وإيجاد مرافق لاستيعاب العائدين منهم، وإنشاء مواقع بحثية على شبكات الانترنت لدعوة عوامهم، وإقامة الحجة على دعاتهم، وتوعية أهل السنة بمخاطر هذه الأفكار والدعوات الهدامة، والتي تشكل خطراً على الدين والوطن والقيم والمبادئ، والأخلاق والثوابت.
стр. 1178
الإنسان الكامل في الفكر الصوفي عرض ونقد
المؤلف/ المشرف: لطف الله بن عبدالعظيم خوجه
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الفضيلة – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: تصوف - صوفية
الخاتمة:
أحمد الله، الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعونه وتوفيقه يتوصل إلى الغايات، وأشكره على ما هيأ من إتمام الرسالة، التي استوجبت بحثا وجهدا، فرضته الطبيعة الفلسفية لهذا الموضوع، وقد خلصت إلى نتائج أهمها:
١ - أن معنى (إنسان) في اللغة: الظهور، والنسيان. وفي الاصطلاح: مرئي عاقل.
٢ - أن الإنسان أكرم المخلوقات، وأرقاها، وأجمعها لكثير من الخصائص الكونية، فقد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من الأوصاف.
٣ - خيرية النبي محمد ﷺ المطلقة على سائر البشر، وعلو مقامه في الفضل والعبودية، دون أن يتجاوز ذلك إلى مقام الربوبية أو الألوهية.
٤ - المسلم خير الخلق، ولا يكافئه أحد في مرتبته أو حرمته، والصالح من بني آدم خير من الملائكة وصالحي الجن.
٥ - وضوح الفرق بين الخالق والمخلوق، وأن علو مرتبة المخلوق لا تبلغ به مرتبة الربوبية والألوهية بحال، بل يحرم عليه أن يتطلبها أو يدعيها.
٦ - أن سمو الإنسان وارتقاءه إنما يكون بالإسلام علما وعملا، وفق منهج السلف.
٧ - أن كلمة (صوفية) أصلها ومرجعها إلى كلمة (سوفية) اليونانية، ومعناها: الحكماء. فإن (سوف) تعني الحكمة، ومنه (فيلسوف) ومعناه: محب الحكمة.
٨ - أن حقيقة التصوف وماهيته هو الفناء عن البشرية، والبقاء بالإلهية، إما عن طريق الاتحاد بالذات الإلهية، أو عن طريق حلولها وتجليها في أكمل المخلوقات.
٩ - أن التصوف فكرة هو الفلسفة، وأما من جهة المنتسبين، فمنهم السني، ومنهم الفلسفي. فقد قيل في تعريف التصوف أنه: التخلق بأخلاق الله. وفي تعريف الفلسفة أنها: التشبه بالإله على قدر الطاقة. والتعريفات متطابقان.
١٠ - وجود طائفة من المتصوفة المعاصرين على الاعتقاد الذي كان عليه المتحققين بالتصوف من الأوائل.
١١ - أن فكرة (الإنسان الكامل) عند الصوفية محورية، وغاية عليا، يسعى إليها كل من أراد التحقق بالتصوف.
١٢ - أن أول من أطلق مصطلح (الإنسان الكامل) في المتصوفة هو ابن عربي، أما من قبله فكانوا يستعملون مصطلحات أخرى، لها المعاني نفسها التي للإنسان الكامل.
١٣ - كثرة مرادفات مصطلح (الإنسان الكامل) وأهمها: القطب، الحقيقة المحمدية، الولي، الكلمة، العقل الأول، العقل الفعال .. إلخ. وكل واحدة منها تكشف عن زاوية من زوايا الإنسان الكامل الكثيرة.
١٤ - أن (الإنسان الكامل) في رأي المتصوفة، أول موجود في العالم على الإطلاق، وجد نورا، ومن نوره وجدت الأنوار والمخلوقات فبه خلق الله الكون.
١٥ - أن الإنسان الكامل، في رأي المتصوفة، هو الجامع للأسماء والصفات الإلهية، والحقائق الكونية، وأنه روح العالم، به بقاؤه، وأنه برزخ، وله الوساطة بين الحق والخلق، لإيصال الفيض الإلهي إلى الخلق، والوصول بالخلق إلى الحق، وله بذلك التمكين في الكون، والكشف عن المغيبات، وأنه يظهر في كل زمان ومكان، وأكمل صورة ظهر فيها هي: صورة محمد ﷺ .
١٦ - أن الإنسان الكامل، في رأيهم جامع بين الأوصاف الإلهية والحقائق الكونية ولأجله له الوساطة للحق في: التعرف إليهم، وإيجاد العالم، والقيام بخلافته في حفظ العالم، وإفاضة روح الحياة إليه. وله الوساطة للخلق في: التعرف والوصول إلى الحق، والكشف عن المغيبات.
١٧ - أن علة وساطة الإنسان الكامل، في قولهم، تنزه الحق عن تدبير الكون تدبيرا مباشر، لعدم المناسبة.
١٨ - جعل الصوفية سبب خلق الكون إرادة الله أن يعرف، وأن (الإنسان الكامل) هو الذي يقوم بمهمة التعريف، لكونه على الصورة الإلهية.
١٩ - جعل الصوفية صورة (الإنسان الكامل) هو صورة الله تعالى، مِثلا بمثل.
٢٠ - وصف (الإنسان الكامل) بالعصمة المطلقة.
٢١ - التصريح بسقوط التكاليف في حق الواصل، وانسجام هذا الرأي مع قواعد التصوف ومصطلحاته، واستنكار جمع كبير من المتصوفة الأوائل هذا الرأي.
٢٢ - اختفاء الهيبة والحشمة بين العبد وربه، في منزلة الإنس والتدلل، لتحل محلها معاني العشق والتدلل، والجرأة على مقام الله تعالى.
٢٣ - أن أصول الأفكار الصوفية عن (الإنسان الكامل) ترجع إلى الثقافات: الفارسية، والهندية، واليونانية، مع تطوير قام به المتصوفة في حواشي الفكرة، دون أصلها.
٢٤ - المتصوفة لهم جهد بارز في تضمين نصوص الكتاب والسنة معاني التصوف، متبعين في ذلك نهج إخوان الصفاء.
٢٥ - انتقال فكرة (الإنسان الكامل) خصوصا، والفكر الصوفي عموما، إلى المسلمين عبر مسالك متنوعة، مثل: الترجمة، وفرق الشيعة، ورسائل إخوان الصفا.
٢٦ - مناقضة فكرة (الإنسان الكامل) للإسلام جملة وتفصيلا.
стр. 1179
البوهرة – تاريخها وعقائدها – دراسة علمية موثقة عن طائفة البوهرة الإسماعيلية
المؤلف/ المشرف: قمر الهدى الأثري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار عمار – عمَّان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: باطنية
الخاتمة:
الحمد لله الذي بعونه تتم الصالحات وبعد: فإن أبرز ما وصلت إليه بعد البحث والتحقيق ألخصه فيما يلي: أن طائفة البوهرة الإسماعيلية لم تكن من تأسيس أحد من آل البيت، وجعفر الصادق بريء من مثل هذه الحركة الباطنية المضادة للإسلام.
فلسفة الإمامة وما يتعلق بها من الصفات هي من نسج الخيال, لا صلة لها بالواقع والعمل.
إن كبار الدعاة الإسماعيليين المقربين من أئمتهم لم يكونوا مخلصين في عملهم, بل كل منهم كان له هدف معين يهوى الوصول إليه، ولذلك أظهر الأئمة البراءة عنهم, وأوضح مثال لذلك أبو الخطاب, والمغيرة, وعلي بن الفضل.
إن عقيدة النص, وكون الإمام بعد الأب ابنه لا صلة لها بالإسلام, ولم تكن معروفة حتى بين أبناء جعفر الصادق الأربعة الذين قاموا بادعاء الإمامة لأنفسهم.
لم يتفق اثنان منهم على أي أمر من الأمور, مع تحريم الرأي والاجتهاد, واختلفوا فيما بينهم اختلافاً لم يختلف مثله غيرهم قط.
إن القول بالظاهر, والباطن, والتأويل, من أقوال الفلاسفة, والبراهمة, واليهود, ولا يوجد في الإسلام مثل هذه الترهات.
إن خلاصة تعاليم الإسماعيلية البوهرة هي اعتقاد رسول بعد رسولنا خاتم النبيين.
وما صلة البوهرة بالإسلام بعد تفسير كلمة الإخلاص لا إله إلا الله بلا إمام إلا إمام الزمان، والخالق البارئ المصور عندهم هو العقل الأول أو إمام الزمان، وعندهم (عالم الغيب والشهادة) هو القائم الذي يقوم يوم القيام، وقل هو الله أحد هو العقل الأول, أو الرسول محمد, أو آل بيته الطاهرون، والشرك فيها هو شرك في الحدود وليس في المعبود، وفيه رسول بعد رسول الله خاتم النبيين، ويكون عندهم الأنبياء مخطئون، والأئمة من آل فاطمة هم المعصومون، ويكون المراد بأشهد أن محمداً رسول الله شهادته للقائم أو عبيد الله، يعد فيه القرآن الكريم محرفاً من التوراة والإنجيل، الدين الذي أساسه الباطنية والكتمان، الذي تكون حقيقته مأخوذة من الأفلاطونية الحديثة, والنظرات الإيرانية والهندية, الذي أخذ حدوده العشرة من نظام الكاثوليكية، الذي لا ينكر فيه السجود للإمام، الذي يحتم وجود إمام معصوم في كل زمان، وغاب إمامه قبل ثمانية قرون.
وبعد هذا الاستعراض الإجمالي تتضح الصلة بين البوهرة الطيبية والإسلام.
والإسلام دين قيم خالص من غش فلسفة الفلاسفة, وكتمان النصرانية، والمدارج المذهبية، ولا يوجد فيه تصور الحق الملكي الإلهي، وليس فيه الحلول والتناسخ، لا يحتاج فيه إلى وسائط الأولياء، وتعاليمه مبنية على التوحيد, والأعمال الصالحات.
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
стр. 1180
الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام مناهجهم وأصولهم وسماتهم - قديما وحديثا وموقف السلف منهم
المؤلف/ المشرف: ناصر بن عبدالكريم العقل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الوطن - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: خوارج
الخاتمة: تنبيهات ونصائح وتوجيهات:
وفي الختام أحمد الله تعالى على أن وفق وأعان على إتمام هذه الحلقة ولا يسعني في نهايتها بعد شكر الله والثناء عليه بما هو أهله، إلا أن أسدي نصيحة خالصة صادقة إن شاء الله لعامة المسلمين، وشبابهم بخاصة وبصفة أخص أهل هذه البلاد المباركة، حيث لا تزال بحمد الله أسلم من غيرها؛ فأقول: يعيش المسلمون اليوم في جميع الدنيا نهضة إسلامية مباركة، وهي بين الشباب أكثر، وكما أن لهذه النهضة جوانب إيجابية كثيرة، وأنها في جملتها أحيت الأمل بين المسلمين، وتحققت بها، وستتحقق بها كذلك مصالح عظيمة للإسلام بإذن الله. إلا أنها مع ذلك قد يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل والتقصير، وهذا أمر طبيعي يصاحب كل موجات التطور في التاريخ، ولا أدل على ذلك من آخر عهد الصحابة ﵃، فقد صاحب موجات الفتح العارمة التي واكبت الفتح الإسلامي الأول لبلاد العراق والشام ومصر، حيث دخلت الإسلام أمم وشعوب وقبائل كثيرة كلها حديثة عهد بجاهلية وكفر؛ من العرب والفرس والروم والقبط وغيرهم. فقد صاحب هذه الموجات نزعات كثيرة من الأهواء والبدع والأحداث الجسام، كالفتنة على الخليفة الراشد عثمان ﵁ وما أعقبها من فتن، وظهور الفرق الأولى: الخوارج والشيعة (السبئية)، وبدع النساك والعباد، وبدع القدرية، وقد واجه الصحابة ﵃ والتابعون وأئمة الهدى وولاة الأمر، هذه الظواهر بالحكمة والفقه والعلم والحلم والحزم والقوة، بحسب مقتضيات الحال. ومع ذلك فإن هذه الظواهر الشاذة والنزعات البدعية لم تحجب الخير عن البشرية، فقد صاحب ذلك قيام أعظم حضارة في التاريخ قامت على العلم والجهاد. وكذلك أمر هذه النهضة الحديثة، فإن وجود النزعات الشاذة بين بعض فصائلها لا يعني فقدان الأمل فيها بل العكس، ولا يعني أنها لن تؤتي ثمارها، بل إن هذه الثمار الطيبة قد بدأت بوادرها في كل مكان، لكن ظهورها المفاجئ مع قلة الموجّه والناصح، وبُعد كثير من فئاتها عن توجيه العلماء المباشر، جعلها تعيش مرحلة حرجة هي أشبه بمرحلة الطفولة والمراهقة والتخبط إلى حد ما، ونحن على ثقة بإذن الله بأنها ستتجاوز هذه المرحلة إلى الرشد والتعقل، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إذن فالواجب على العلماء وطلاب العلم في الأمة أن يسددوا الأمة ويرشدوها ويوجهوها إلى الخير، وأن يعالجوا الأخطاء التي تنشأ كما فعل الصحابة والتابعون وتابعوهم. ومن هذا المنطلق فإني سأذكر هنا شيئا مما ظهر لي من بعض الأخطاء التي تحدث من فئات وأفراد وجماعات وتوجهات، من نزعات وسمات تحتاج إلى نظر وتصحيح ومناصحة. مع العلم أن ذكرها هنا لا يعني الحكم على أصحابها بأنهم أهل أهواء، وأبرأ إلى الله من أن أتهمهم بذلك، لكنها سمات وظواهر ونزعات وصفات وخصال متفرقة قد لا توجد مجتمعة عند طائفة بعينها. كما أني أخشى إن لم تعالج هذه الظواهر ويناصح أهلها أن تتجارى بأصحابها وتتأصل وتتكاثر، حتى تكون بذورا للأهواء (لا قدر الله).
стр. 1181
هذا ولا يحسن بل وليس من الحكمة أن يدعي المسلم أنه في مأمن من الأخطاء والأهواء كيف لا؟! والنبي ﷺ المعصوم كان يقول: ((يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك)) [أخرجه الإمام أحمد بألفاظ مقاربة ٣/ ١١٢، ٢٥٧ وغيرها والترمذي في كتاب القدر حديث رقم (٢٢٩٠) وحسنه وابن ماجه في الدعاء حديث رقم (٣٨٣٤) وصححه العلامة الألباني - صحيح الجامع الصغير (٧٩٨٧)] إذا كان الأمر كذلك فمن ذا الذي سيدّعي العصمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك. أما ما تمكنت من استقرائه من نزعات وظواهر وسمات متفرقة يلزم التنبيه عليها والتحذير من الوقوع بها خشية الوقوع بالأهواء، فأمثل لها بما يلي:
١ - تصدر حدثاء الأسنان، وسفهاء الأحلام – أحيانا- لأمور الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلا علم ولا فقه ولا تجربة، ولا رجوع إلى العلماء وأهل الفقه والتجربة.
٢ - هيمنة نزعة الخروج على أذهان بعض الناس، وكثرة الثرثرة بها وإطلاق الأحكام فيها، في حيث إنهم ليسوا من أهل الحل والعقد، ولا من الراسخين في العلم الذين يعنيهم الأمر شرعا.
٣ - شيوع ظاهرة التكفير والتبديع بلا ضوابط شرعية، ولا فقه، ولا تثبت بما في ذلك الأحكام على الأشخاص والجماعات والهيئات والأنظمة وغيرها والتكفير باللوازم.
٤ - التسرع في إصدار الأحكام والمواقف بمجرد الشائعات، والقرائن والظنون، أو اللوازم، وأغلب ما يحدث بين أبناء الأمة الآن من نزاعات وخصومات هو من هذا الباب.
٥ - البراء من المخالفين في الاجتهاديات التي يسوغ فيها الخلاف ويعذر فيها المخالف، وأكثر النزاعات الجارية اليوم بين بعض فئات المسلمين ومنسوبي الدعوات من أهل السنة من هذا النوع.
٦ - الحكم على القلوب، واتهام النيات، وتصيد الزلات، وغمط المخالفين حقهم، أو جحد الحق الذي معهم.
٧ - كثرة الخصومات والجدل والمراء في الدين، مع قلة العمل الإيجابي المثمر، مع التعالم والتعالي والغرور واحتقار الآخرين من العلماء ومن دونهم.
٨ - الخطأ والجهل في منهج الاستدلال؛ ومنه الاستدلال بالنصوص على غير ما تدل عليه وعلى غير القواعد الشرعية، وإنزال النصوص على غير ما تدل عليه، والجهل بفهم السلف وتفسيرهم للأدلة، وعدم مراعاة الاستدلال من حيث: العموم والخصوص، أو الإطلاق والتقييد والنسخ ونحو ذلك، وعدم اعتبار قواعد المصالح والمفاسد ونحو ذلك.
٩ - الجهل بالعلوم الشرعية وقلة الفقه في الدين، والتقصير في طلب العلم الشرعي.
١٠ - أخذ العلم الشرعي على غير أصوله الشرعية، وبغير نهج سليم.
١١ - أخذ العلم عن غير العلماء، وتلقيه عن الصغار والمثقفين والمفكرين، الذين هم في العلم الشرعي من فصيلة العوام.
١٢ - فرض الرأي والموقف على الآخرين، ومصادرة الرأي المخالف، ومحاصرته بكل وسيلة، إلى حد استباحة الوسائل غير الشرعية لمنع الرأي الآخر. مع العلم أن أكثر الأمور التي يدور عليها الخلاف بين أهل السنة هي من الاجتهاديات. كما أن من هذا الصنف من لا يطيق سماع الرأي المخالف وإن كان مما يجوز فيه الخلاف، حتى ولو قامت الحجة واستبان الدليل.
١٣ - سوء الأدب مع العلماء والمشايخ وطلاب العلم الشرعي ويتمثل ذلك: بلمزهم واستنقاصهم أحيانا، وبإشاعة ما يسيء إليهم وينقص اعتبارهم عند الآخرين، ويشحن قلوب الناس، والشباب والعوام عليهم، والجرأة على الطعن فيهم والتشهير بهم.
стр. 1182
١٤ - سوء الأدب والجفاء - تدينا - مع من يجب أو ينبغي احترامهم وتوقيرهم، كالوالدين، والأخوة، وكبار السن، والمعلمين، والجيران، والزملاء، وأهل الاعتبار من الأمراء والولاة وذوي الهيئات والمسئولين. ١٥ - سرعة الاستجابة للفتن، والتصرفات الغوغائية، والجمهرة والتداعي عند كل صيحة دون الرجوع لأهل العلم والحلم والفقه والرأي، إلا من يوافق هواهم.
١٦ - استباحة البدع والوسائل المريبة في سبيل تحقيق الهدف.
١٧ - الولاء والبراء على الأهواء والرغبات، وما يوافق المواقف لا على الدليل والسنة.
١٨ - الخوض في المسائل الكبرى والقضايا الخطيرة ومصالح الأمة العظمى التي لا يبت فيها إلا العلماء المعتبرون، والراسخون، وأهل الحل والعقد في الأمة، مثل تكفير الأعيان والهيئات، والخوض في البيعة والخروج ونحو ذلك.
١٩ - غرس الغل، وشحن قلوب الناس على المخالفين، ومن ذلك شحن قلوب الصغار والنساء والعوام والغوغاء الذين ليس لهم حل ولا عقد، مما يفسد ذات البين، ويفتح باب الغوغائية والفتن التي تفسد الدين، وتهلك الحرث والنسل.
٢٠ - إهمال جانب المناصحة لولاة الأمور والتخذيل عن ذلك وتخطئة من يفعله. ٢١ - إدمان الكلام والثرثرة في ما لا شأن للعامة فيه من السياسة والمظالم والأثرة، ونحو ذلك مما أمر الرسول ﷺ بالصبر عليه، ومما لا يمكن معالجته إلا مع ذوي الشأن وأهل الحل والعقد في الأمة من العلماء والولاة، وأهل الرأي والمشورة.
٢٢ - استحلال الغيبة باسم مصلحة الدعوة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم ذلك غيبة العلماء والولاة أو المخالفين من أهل الاستقامة.
٢٣ - تصيد زلات العلماء وطلاب العلم والصالحين وإشهارها، والسكوت عن أخطاء أهل الفسق والفجور والزندقة وإغفالها.
٢٤ - ضيق العطن وقلة الصبر واستعجال النتائج في أمر الدعوة وغيرها، مما يبعث روح اليأس والتشاؤم والتصرفات المتشنجة.
٢٥ - ضعف الحكمة وقلة التجارب، مما يجعل البعض يقعون في أخطاء وقع فيها السابقون من أمثالهم، فلم يستفيدوا من العبر والدروس فإن السعيد من وعظ بغيره.
٢٦ - نزعة العنف واستعمال القوة، بما في ذلك اللجوء إلى الأعمال غير المشروعة في سبيل النكاية بالمخالف كالوشاية والاستعداء والبهتان والمقاطعة. وقد يصل الأمر عند بعضهم إلى الضرب والإضرار المباشر. ٢٧ - ترك الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات، وتحريمها أو تحريم العمل في الوظائف الرسمية.
٢٨ - تحريم بعض المباحات، والتشدد في ذلك ومنه التوقف في التعامل مع المسلمين أو الحكم عليهم.
٢٩ - الإخلال بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأساليبه، أو سلوك المعتزلة والخوارج وأهل الأهواء في ذلك. وفي الجملة؛ فإن هذه الظواهر إنما توجد عند القليل من أبناء الأمة، وليست في بلد واحدة، ولا في طائفة أو جماعة دون أخرى، لكنها قد تكثر في جماعة أو طائفة أو بلد وتقل في آخر، بل ربما يكون شيء منها في طوائف تدعي السلفية، وأخرى تدعي السنة والجماعة، وثالثة تنتمي إلى فرق هالكة كالرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والصوفية، وأهل الكلام، ورابعة تنتمي إلى جماعات محدثة وشعارات.
هذا ... وأسأل الله لي ولجميع المسلمين وأئمتهم وعامتهم وشبابهم التوفيق والهداية والسداد والرشاد، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا وشبابنا إلى ما فيه صلاح الأمة في دينها ودنياها وأن يقينا جميعا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفق جميع المسلمين لسلوك طريق السنة، ويهديهم سواء السبيل، وأن يجمع كلمتهم على الحق وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. وكتبه ناصر بن عبدالكريم العقل.
стр. 1183
الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم
المؤلف/ المشرف: ناصر بن عبدالله السعوي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المعراج الدولية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: خوارج
الخاتمة: تم بفضل الله وتوفيقه، ما أردت ذكره في هذه الرسالة، عن موضوع الخوارج ودراسة مذهبهم ونقده.
وقد أشرت في مقدمة هذه الرسالة إلى ما يعانيه المسلمون في هذا الزمان من التفرق والتمزق واختلاف الكلمة، وهذا مرض خطير قد عرض الأمة إلى الهلاك والويلات والدمار والضعف والانهيار حتى أصبحوا لقمة سائغة للأعداء.
وواجبنا نحن المسلمون اليوم أن نبحث عن علاج نستطب به، ولكن قبل ذلك لا بد من معرفة أسباب ذلك الداء وأصوله.
وقد بحثنا عن هذه الأسباب فلم نجدها وليدة هذا العصر بل وجدناها ضاربة في أعماق التاريخ الإسلامي، ومنذ فجر الإسلام، إذ إن من هذه الأسباب: الجهل بحقيقة الدين ومبادئه السامية وتحكيم الرأي وهوى النفس ولو كان مخالفا للشرع وعدم تمكن الإسلام من قلوب كثير من المسلمين مما جعلهم ألعوبة بأيدي أعداء الإسلام الذين يحملون له الكيد والحقد فتظاهروا بالإسلام حيلة لتحقيق أغراضهم وأطماعهم وهذا من أعظم أسباب تفرق الأمة الإسلامية.
وبناء على ذلك ظهرت فرق منتسبة إلى الإسلام وهي مخالفة للمنهج الإسلامي الصحيح بعيدة عن الصراط المستقيم.
(والخوارج) هم إحدى تلك الفرق وقد ذكرت في الباب الأول من هذه الرسالة: نشأتهم وأصل مقالتهم وسبب خروجهم عن جماعة المسلمين، وهو لا يعدو تلك الأسباب المذكورة.
وحتى الخوارج بعد مفارقتهم لجماعة المسلمين لم يسلموا من الفرقة والخلاف بل دب النزاع بينهم فأصبحوا فرقا بينها من الشقاق والنزاع ما الله به عليم، كما بينت ذلك في الباب الثاني.
وإذا تدبرنا أهم آرائهم التي يجمعهم القول بها وجدناها من أعظم أسباب التفرق والانشقاق، وهي قولهم بتكفير صاحب الكبيرة، ورأيهم في الإمامة.
أما تكفير صاحب الكبيرة فعندهم أن من فعل معصية كبيرة فهو كافر خارج من الدين، وتجب البراءة منه،
وهذا من أعظم أسباب التفرق والتمزق حيث إنه لا يسلم من ارتكاب معصية إلا القليل من الناس.
لكن الإسلام قد وضع الحلول العادلة التي تردع العاصي ولا تفرق الأمة؛ فبدعة الخوارج هذه من أعظم الأدلة على جهلهم وخبث مبدئهم.
وأما من جهة الإمامة: فعندهم أنه يجب الخروج على الإمام عند أدنى مخالفة من جور أو ظلم أو معصية أو نحو ذلك، حتى ولو أدى الأمر إلى الشقاق وحمل السلاح وسفك الدماء.
فهذا من أعظم أسباب تفرق الأمة وتمزق شملها وذهاب قوتها. ولذلك حرم الإسلام الخروج على الإمام المسلم.
وإذا تدبرنا حركات الخوارج وجدناها عاملا أساسيا في تفريق كلمة المسلمين وإضعافهم وإراقة بعضهم لدماء بعض، حتى وإن تظاهروا بإرادة الخير ونصرة الإسلام، ولكنهم يحملون أفكارا ليس فيها إلا الضرر والشر المحض.
ولذلك حذرنا منهم الرسول ﷺ ، كما حذرنا منهم الصحابة والسلف الصالح.
فالواجب على المسلمين اليوم أن يأخذوا حذرهم من أعداء الإسلام، وأن تكون لهم عبرة بما مضى.
وأن يتفقهوا أمر دينهم وأن يتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ففي ذلك السعادة والفلاح والنجاة، في الدنيا والآخرة.
стр. 1184
الخوارج تاريخهم وأراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها
المؤلف/ المشرف: غالب بن علي عواجي
المحقق/ المترجم: بدون مكتبة لينة - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: خوارج
وقد انتهيت من دراستي للخوارج إلى أهم النتائج الآتية:
في الباب الأول:
١ - تبين لي من دراسة جميع الآراء التي قيلت في التعريف بالخوارج وتحديد نشأتهم، أنهم باعتبارهم فرقةً متميزة لها آراء خاصة معروفة، هم الذين خرجوا على الإمام علي في وقعة صفين بعد قضية التحكيم، وامتد تاريخهم بعد ذلك من خلال فرقهم العديدة وحركاتهم الثورية على الدولة الإسلامية.
٢ - تبين لي من دراسة كيفية خروج الخوارج على الإمام علي نتيجةً لقبول التحكيم حسب روايات المؤرخين أنه كان مكرهاً في قبوله (١)، خلافاً لمن ذهب إلى أنه كان برضاه، ونتيجةً لاتصالات شخصية بينه وبين معاوية، وأنه كان مكرهاً كذلك في إنابة أبي موسى الأشعري عنه، وأنه لا يُعدُّ ذلك طعناً منه في دينه، وتبين لي تبرئة الصحابة من الخداع في تلك القضية، وتبرئة الإمام علي فيما اتهم به من العصبية القبلية، والاعتداء على الخوارج في موقعة النهروان بدون مبررات تدعو إلى ذلك.
٣ - ظهر لي خطأ من زعم أن الخوارج كاد أن يقضى عليهم نهائياً في موقعة النهروان، حتى انقطعت الصلة بينهم وبين الفرق الخارجية التي ظهرت في العصرين الأموي والعباسي، وبيَّنت أنه بقي من الخوارج بعد موقعة النهروان وفي بقية المناطق الإسلامية الأخرى كثرة عددية جعلت تاريخهم متصلاً، خلافاً لمن شكك في تلك الحقائق.
٤ - انتهيت إلى أن ظاهرة الخروج لم ترجع إلى سبب واحدٍ، بل عملت عليها أسباب قريبة مباشرة وأخرى بعيدة، وأنه كان لكل منها أثره في تلك الظاهرة، قوي هذا الأثر أم ضعف.
٥ - ظهر لي من دراسة حركات الخوارج أنهم لم يكونوا منظمين في خروجهم، ولم تحكمهم قيادة حكيمة بقدر ما حكمهم التهور والاندفاع.
وأن موقف الدولة منهم على العموم كان يتسم بالعنف وكان ينقصه المعاملة بالحكمة والحسنة حتى للمعتدلين من الخوارج كأبي بلا وغيره، ولو تغيرت المعاملة لكان ذلك عاملاً في صلاحهم، حافظاً لقوة الدولة التي أنهكتها معاركها معهم.
٦ - من تأريخنا للفرق الكثيرة التي تشعبت إليها الخوارج يتضح لنا أن كثرة هذه الفرق ترجع إلى سرعة اختلافهم على بعضهم لأتفه الأسباب، وكذلك إلى ما نأخذه على علماء الفرق من ولعهم بتكثير ما يذكرونه من فرق الخوارج ونسبتها إلى زعمائها، حتى ولو لم تستحق تسميتها كذلك لقلتها.
٧ - انتهينا من بحث خصائصهم إلى أنهم كانوا أهل شجاعة وسرعة اندفاع، بالإضافة إلا ما تميزوا به من كثرة العبادة والزهد والفصاحة وصدق في الحديث، وصبر على الجدل والمنازعة.
في الباب الثاني:
١ - رجحت أن الخوارج يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، وأنهم لم يكونوا سواءً في تمسكهم بظاهر النص، أو في أخذهم بمبدأ التأويل، ولم يلتزموا بأحد هذين المنهجين، بل أخذوا بكل منهما حسب ما يقتضيه تحقيق أهدافهم.
٢ - انتهيت من دراسة آراء الخوارج (ولاسيما الإباضية منهم) في بعض مسائل الإلهيات والسمعيات إلى أنهم ينكرون زيادة الصفات على الذات الإلهية ويؤولون الصفات الخبرية، وينكرون الرؤية، ويختلفون في القول بالقدر، وأنهم ينكرون وجود الجنة والنار الآن، وكذلك ينكرون عذاب القبر والشفاعة، وينكرون الحقائق الشرعية للصراط والميزان يؤولونهما.
стр. 1185
٣ - الخوارج يعتبرون أن العمل جزء من حقيقة الإيمان، فلا يتم إلا به، وأن الإسلام والإيمان عندهم بمعنى واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص إلا عند الإباضية منهم، وأنهم وإن اتفقوا مع السلف في اعتبار العمل جزءاً من الإيمان؛ إلا أنهم اختلفوا في النتائج المترتبة على ذلك فيما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة.
٤ - بينت خطأ ما يشاع عن الخوارج أنهم جميعاً يكفرون مرتكبي المعاصي كفر ملة، بل هناك من يفرق بين الصغيرة والكبيرة، وأن الإباضية يكتفون بتكفير العصاة كفر نعمة، وإن اتحدوا مع غيرهم في القبول بخلود العصاة في النار، وبينت مدى اختلافهم في كل ذلك عن موقف السلف في هذه القضية.
٥ - بينت أن الخوارج يقولون بضرورة الإمامة العظمى، خلافاً لما قيل غير ذلك، وأن ما نُسب إليهم من القول بعدم ضرورتها ربما كان رأيهم في بادئ الأمر، أو لبعض الغلاة من النجدات، بدليل أنهم لم يعملوا به، بل على العكس من ذلك كان لهم ولاتهم منذ تجمعهم قبل موقعة النهروان، وتبين لي أن شروطهم في الإمامة شروط شديدة معظمها صحيح، وأنهم خالفوا ما ورد من الأحاديث في شرط القرشية دون أن يعتبروا هذا الشرط ولو مرجحاً، وأنهم اختلفوا في إمامة المفضول، ولم يجز إمامة المرأة إلا الشبيبية.
٦ - بينت مدى الخلاف بين الخوارج وأهل السنة في غلوهم في الخروج على الإمام لأدنى سبب.
٧ - مخالفة الخوارج لأهل السنة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هي في قيامهم بذلك على أي حال ولأي سبب، دون تقدير للعواقب المرتبة على ذلك التغيير، حتى فعلوا من المنكرات باسم تلك القاعدة أكثر مما أرادوا من الإصلاح.
٨ - ظهر لي اختلاف الخوارج في حكم التقية والقعدة تحليلاً وتحريماً.
٩ - بينت بالدراسة الوافية من واقع مواقف الخوارج وكلامهم غلوهم الشديد في الحكم على مخالفيهم عموماً، ومخالفتهم في ذلك لهدي الإسلام.
١٠ - انتهيت إلى رفض أقوال المكفرين للخوارج مطلقاً، وكذلك أقوال المكتفين بتفسيقهم أو تبديعهم مطلقاً، ورأيت أنهم جميعاً لا يشملهم حكمٌ واحدٌ، بل يختلفون في ذلك باختلاف فرقهم ومدى قرب آرائهم أو بعدها عن الدين، ومدى اعتدال بعضهم من موقفهم من المسلمين.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
١٠/ ١/١٣٩٨هـ
стр. 1186
الخوارج والحقيقة الغائبة
المؤلف/ المشرف: ناصر بن سليمان السابعي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: خوارج
خاتمة الكتاب: وفي نهاية مطاف هذا الكتاب، يجمل بنا أن نحرر أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة والمتمثلة فيما يلي:
١ - أن في أهل النهروان أو معارضي التحكيم عدداً من صحابة رسول الله ﷺ تتفق المصادر على ثلاثة منهم: زيد بن حصن الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي وهو غير ذي الخويصرة وغير المخدج، والخريت بن راشد السامي الناجي.
٢ - الصواب في قضية التحكيم مع معارضيه، وما ينسب إلى ابن عباس أنه خصمهم في حروراء غير ثابت.
٣ - لم يكن أهل النهروان راضين عن مقتل عبدالله بن خباب، بل قتله أحد الذين انضم إليهم فيما بعد وهو مسعر بن فدكي التميمي، وقد طرده أهل النهروان. نسبة التكفير إلى أهل النهروان غير ثابتة، وإن ثبتت فيحمل على الكفر بمعنى المعصية كما وردت بذلك نصوص القرآن والسنة النبوية.
٥ - ظهر مصطلح الخوارج بعد ظهور الأزارقة عام أربعة وستين من الهجرة النبوية، وبرز في عام اثنين وسبعين.
٦ - ينحصر معنى الخوارج الاصطلاحي فيمن يحكم على مخالفيه بالشرك أو الكفر المخرج من الملة الذي ترتب عليه جواز الاستعراض؛ أي قتل المخالفين ومعاملتهم بأحكام المشركين.
٧ - يجمع المحكمة الآراء التالية:
أ- رفض التحكيم.
ب- جواز أن تكون الإمامة في غير قريش.
ج- جواز الخروج على الأئمة الجورة.
د- الحكم بالكفر على عصاة الأمة، لكن يحمل على كفر النعمة عندهم فيما قبل عام أربعة وستين من الهجرة، أما بعد ذلك فلم يلتزم به سوى الإباضية.
٨ - مقتل الإمام علي كرم الله وجهه على يد عبدالرحمن بن ملجم لم يكن بتدبير من المحكمة.
٩ - الفرق التي يصح أن تنسب إلى الخوارج هي الأزارقة والنجدات والصفرية دون الإباضية بسبب تبني الفرق الثلاث الحكم على المخالفين بالشرك المخرج من الملة، أما الإباضية فإنهم يعاملون مخالفيهم معاملة المسلمين بكل أوجهها.
١٠ - حديث المروق حديث صحيح ثبت عن عشر طرق عن الصحابة.
١١ - يمكن أن يحمل حديث المروق على الخوارج الذين ظهروا بعد عام أربعة وستين من الهجرة، وذلك لانطباقه على صفاتهم المتمثلة في كثرة العبادة مع الانحراف في توجيه بعض الآيات والنصوص الشرعية المتعلقة بالمشركين بجعلها متوجهة إلى أهل القبلة، فيرتب عليه استباحة القتل مصداقاً لقوله ﷺ في بعض ألفاظ هذا الحديث: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).
وينسحب هذا الحكم على كل من يتبنى الفكر الخارجي قديماً وحديثاً.
١٢ - حديث المخدج لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وهو زيادة شاذة.
١٣ - حديث شيطان الردهة حديث منكر.
١٤ - حديث المتعبد حديث ضعيف.
١٥ - حديث الإمام علي: "لقد علمت عائشة بنت أبي بكر أن أهل النهروان ملعونون على لسان محمد ﷺ " حديث ضعيف.
١٦ - حديث الإمام علي: "أمرت بقتال الناكثين والفاسطين والمارقين" حديث موضوع.
١٧ - حديث (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق) صحت بعض أسانيده، لكنه غير صريح في قوم مخصوصين.
وأما إن حمل على أهل النهروان فلا يصح بالزيادة، والصحيح منه بلفظ (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة).
١٨ - حديث (الخوارج كلاب النار) لا يصح رفعه إلى رسول الله ﷺ ، والأقرب أنه موقوف على أبي أمامة الباهلي صدي بن عجلان.
стр. 1187
هذا، وقد تجلى للقارئ الكريم أن أهل النهروان ومعارضي التحكيم الذين قيل عنهم ما قيل طوال القرون الغابرة، والذين طالما شوهت حقيقتهم ونالهم من ظلم الفرق الأخرى ومن حيف كثير من المؤرخين والكتاب الشيء الكثير، كانوا – في الحقيقة – طلاب حق أصابوه، وإن قيل عنهم غير ذلك، بل كانوا هم أصحاب الرأي الحازم والنظرة النافذة في أعماق الأحداث، وقد جرت الأمور على ما توقعوه، والمتأمل في المجريات التاريخية يتبين له صدق هذه النتيجة.
ولا غرابة في ذلك، فقد كانوا من أهل الفضل والعلم، وكان فيهم جملة من أصحاب رسول الله ﷺ ، أي الأقدمين منهم. كما وصفوا بأنهم أصحاب البرانس والسواري، وفي ذلك دلالة واضحة على اتصافهم بنعوت الخير والتقى والزهد في الحياة، ووصفوا بالقراء الذي كان لقباً للعلماء والفقهاء يومئذ، وقد تقدم عن ابن عباس ما يكفي للتأكد على صحة هذا الوصف، فقد قال لعتاب بن الأعور التغلبي – أحد معارضي التحكيم – كما سبق إحالته إلى ابن أبي شيبة في مصنفه: "إني أراك قارئاً للقرآن، عالماً بما قد فصلت ووصلت"، الأمر الذي دعا راوي القصة – وهو كليب بن شهاب الجرمي – إلى وصفه بقوله: "كأنما بنزع بحاجته من القرآن في سورة واحدة". إضافة إلى ما سبق ذكره من الأمور الأخرى التي تشهد لقوة ما صاروا إليه في مسألة التحكيم. وبناء عليه فلا مجال لقبول تأويل حديث المروق الصحيح أو غيره فيهم. وقد بان جلياً أن حديث المخدج الذي يقتضي أن يراد به أهل النهروان غير ثابت، بل حكمت عليه السيدة عائشة ﵂ بأنه مكذوب على النبي ﷺ حسبما تقدم ذكره وذكر النقاش فيه. كما تجلى أيضاً أنهم بريئون من وصمة الخوارج التي تلصق بهم. والأمر نفسه يجري على من نهج نهجهم دون غلو ولا شطط كما هو حال الأزارقة والنجدات والصفرية الذين حكموا على مخالفيهم بالشرك والكفر المخرج من الملة. ورغم ذلك، فإن ما ينسب إلى النبي ﷺ من الأحاديث التي تنص على الذين سموا بالخوارج أو تشير إليهم لا يثبت، وليس كل ما يروى في الخوارج يكون صحيحاً، وذلك كالأحاديث التي مرت في الفصول المتقدمة، وكمثل حديث (الخوارج كلاب النار) الصريح بلفظه، فلا يصح أن يكون من كلام خير البشر ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى وقد أوتي جوامع الكلم وأفانين البلاغة.
ومن الجدير الإشارة إليه أن مثل هذه الروايات تأتي ضمن الحملة التي شنها الأمويون ضد أهل النهروان وأتباعهم والخوارج والمنسوبين إليهم، فقد اتخذوا أساليب عدة للتشنيع عليهم وتشويه صورتهم تجاوزت إلى الأحلام والمنامات.
وأما ما ورد عن الصحابة أو بعضهم من ذم الخوارج – الأزارقة والنجدات والصفرية – فلا يدخل ضمن تلك الحملة، فإنما قالوا بالحق ونطقوا بالصدق.
стр. 1188
وصدور بعض ألفاظ الذم منهم في حق أناس بعينهم يعطيه بعض الرواة حجماً أكبر ليصير ذلك بعد فترة من الزمن نصاً شرعياً. ويضاف إلى هذه الظاهرة – وهي ظهور روايات ضد مخالفي السلطة الأموية أو غيرهم – الحديث الموضوع المكذوب على رسول الله ﷺ : (المرجئة والقدرية والروافض والخوارج يسلب منهم ربع التوحيد، فيلقون الله كفاراً خالدين مخلدين في النار). رواه ابن الجوزي في الموضوعات، وفيه محمد بن يحيى بن رزين قال: حدثنا أبو عباد الزاهد، قال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ ، قال ابن حبان: محمد بن يحيى بن رزين دجال يضع الحديث لا يحل ذكره إلا بالقدح فيه. قال: وأبو عباد لا يحل الاحتجاج به". [ابن الجوزي "الموضوعات" ١/ ٢٠٥ في ذم المرجئة والقدرية والروافض والخوارج]. ويقاس على هذا الأمر ما يوجد من الروايات في حق التيارات التي خاضت غمار الصراع السياسي في أدوار التاريخ المتقدمة. ويشمل الأمر الأمويين أنفسهم، فقد وضعت فيهم وفي غيرهم من الذين كانوا يحكمون بمنطق السيف روايات لا تصح عن النبي ﷺ ، كان ذلك المنطق المتعسف سبباً لاختلاقها. وهذا شأن جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام، اللهم إلا الذين أطلق عليهم الخوارج، فقد كانوا أبعد الناس عن الكذب على عامة البشر فكيف بالكذب على رسول الله ﷺ . وهذا أمر يشهد به الكل ويعترف به الجميع وتقره الدراسات.
ومن أبسط الأمثلة عليه وأقربها قول ابن تيمية – وقد تقدم – في حق الذين سموا بالخوارج: "لا يعرف فيهم من يكذب"، وقوله: "ليسوا ممن يتعمدون الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث".
وختاماً ألفت انتباه القارئ إلى أن يمعن النظر في هذه القضية ويكون على حذر من أغراض كثير من الرواة، كما أعطف عنايته إلى موضوع هذا الكتاب ليكون محل تأمل وموضع وقفة متأنية تستجلي من خلالها الحقيقة، من أجل خدمة الهدف المشترك بين أبناء هذه الملة الحنيفية وهذا الدين الناصع.
أسأل الله أن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه، وصلى الله على رسوله الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 1189
الصوفية في حضرموت – نشأتها – أصولها – آثارها
المؤلف/ المشرف: أمين بن أحمد بن عبدالله السعدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار التوحيد – الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي: تصوف - صوفية
الخاتمة:
انتهى – بفضل الله وإعانته – ما أردته من هذا البحث، الذي تعرض لدراسة الصوفية في حضرموت (نشأتها وأصولها وآثارها)، فلله الحمد أولاً وآخراً على ما أسبغ علي من نعمه الظاهرة والباطنة، وأجلها نعمة الإسلام والسنة، ثم سلوك طريق علم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، وفي ختام هذا البحث أسجل النتائج التي أختم بها هذه الرسالة وهي كالآتي:
١ - حضرموت لفظ مكون من كلمتين: (حضر) و (موت) ركبت تركيباً مزجياً فصارت كلمة واحدة، وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك على أقوال بينتها في فقرات البحث، وتبين أن حضرموت اسم موضع واسم قبيلة.
٢ - تبين من خلال البحث أن حضرموت كانت بها أديان مختلفة قبل دخول الإسلام إليها، فقد وجدت بها عبادة الشمس، وعبادة الأصنام ونحو ذلك، ثم دخلتها اليهودية، ثم النصرانية وبعد ذلك دخلها الإسلام فرحل بعض رجالها إلى المدينة لمبايعة النبي ﷺ ولتعلم دين الله تعالى.
٣ - أن دخول الإسلام لحضرموت كان مبكراً بالنسبة لغيرها من البلدان، وكان لها أثر واضح في نشر الإسلام بعد ذلك، ولكنه عكر هذا الإسلام المصفى ما نشره المتصوفة فيما بعد من الشركيات والبدع.
٤ - تعددت الأقوال في أصل اشتقاق التصوف وفي معناه، وقد ذكرنا بعض تلك الأقوال، وترجح أن التصوف نسبة إلى الصوف؛ لأنه كان غالب لباس الزهاد.
وأما معنى التصوف فالذي يظهر أنه يختلف المعنى بحسب العصور التي يمر بها التصوف، فقد نشأ التصوف في بدايته لأسباب أهمها: نزعة الزهد لدى البعض، بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية التي سادت المجتمع في ذلك الوقت، ثم دخلت عليه نظريات فلسفية أبعدته عن دين الله تعالى، فالتصوف عند بعضهم رياضات يقوم بها السالك لهذا الطريق ليصل من خلالها إلى وحدة الوجود ويشعر أن الكون والله شيء واحد – تعالى الله عن ذلك-.
٥ - إن دخول التصوف إلى حضرموت كمنهج له قواعده وأصوله ورجاله كان في القرن السادس، وتمكن في القرن السابع على يد محمد بن علي العلوي الملقب بالفقيه المقدم، وإن وجد قبله بعض الشخصيات التي تشربت بالتصوف إلا أنه لم يكن لها دور كبير في تأسيس التصوف بحضرموت، وكان لدخول التصوف أسباب بينتها في ثنايا هذا البحث، منها: الجهل، ووجود العلويين القادمين من العراق، والاتصال ببعض البلدان التي دخل التصوف إليها مبكراً وغير ذلك.
٦ - تبين لي من خلال البحث وجود صلة قوية بين أهل حضرموت وبين صوفية العالم الإسلامي خاصة صوفية المغرب، وصوفية زبيد، وإن كان هناك بعض الغموض في التاريخ الحضرمي حيث لم تعرف تفاصيل تلك الصلات، وتتضح الصلة ببلاد المغرب، وذلك بإرسال مندوبين لحضرموت، من قبل شعيب أبي مدين التلمساني؛ لنشر خرقة التصوف هناك، وتحكيم بعض الشخصيات الحضرمية؛ لنشر الطريقة المدينية بتلك الجهة.
٧ - قام الصوفية الأوائل في حضرموت بنشر التصوف بتلك الجهة وإلى جهات أخرى في اليمن وخارجها، وكان لهم تلاميذ نشروا هذا الفكر في مناطقهم بينا أبرزهم ودورهم في ذلك.
٨ - إن الطريقة المنتشرة في حضرموت، هي الطريقة العلوية نسبة إلى آل باعلوي، الذين قدموا من العراق واتخذوا حضرموت موطناً لهم، وتبين من خلال البحث أن هذه الطريقة عبارة عن مزيج من الطريقتين الشاذلية والغزالية، لها طقوسها وشعائرها التي يسلكها المريد ليصل إلى الغايات المزعومة التي يروج لها شيوخ الصوفية.
стр. 1190
وقد تفرعت من الطريقة العلوية طرق كثيرة انتشرت في حضرموت وفي بعض بلدان العالم الإسلامي: كالعيدروسية، والحدادية، والعطاسية وغيرها.
كما وجدت بعض الطرق الصوفية بحضرموت، كالعبادية، والعمودية لها ارتباط بالطريقة العلوية في كثير من طقوسها وأهدافها.
٩ - وجد في حضرموت بعض الصوفية الغلاة الذين اعتنقوا فكرة وحدة الوجود وسطروا ذلك في مؤلفاتهم، منهم: عبد الله العيدروس، وابنه أبو بكر، وأبو بكر بن سالم العلوي، وعبد القادر العيدروس، وأحمد باعشن، وهناك بعض المتصوفة لهم إشارات وعبارة توحي بالقول بهذا العقيدة، ويرجع السبب في ذلك إلى التعمق في التصوف بالإطلاع على كتب الغلاة كابن عربي، والحلاج، وابن الفارض، بل قد قام بعضهم بشرح تلك الكتب، كما فعل أبو بكر العيدروس، وأحمد باعشن.
١٠ - واتضح من خلال البحث أن الصوفية تتواجد بكثرة بمدينة تريم منذ نشأتها إلى اليوم، إذ تعتبر القاعدة التي بث منها المتصوفة أفكارهم المنحرفة إلى بقية مناطق حضرموت، ثم بقية بلاد اليمن, ثم إلى البلدان الأخرى خارج اليمن: كالهند، وأندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وبلدان شرق أفريقيا.
وأما ما يتعلق بأصول صوفية حضرموت العقدية وآثارها والجهود المبذولة في مقاومتها فيتضح فيما يلي:
عند دراسة عقائد صوفية حضرموت اتضح لي أن القوم بنوا اعتقاداتهم على القصص والحكايات، ومسائلة مشايخهم ونحو ذلك، فهم ليسوا كغيرهم من الفرق الذين كتبوا مؤلفات مستقلة في بيان اعتقادهم، فهذا أمر قليل عند صوفية حضرموت، وإنما تجد تقرير عقائدها مندرجاً في التراجم، وكتب المناقب والكرامات، وكتب التاريخ، وفي الأشعار والحضرات، وكتب الأوراد والأذكار ونحوها.
وتبين أن صوفية حضرموت اتخذت مصادر للتلقي تختلف عن المصادر التي اعتمدها أهل السنة والجماعة؛ فاتضح انحراف صوفية حضرموت في ذلك وتلقيها من غير الكتاب والسنة، وأما نصوص الكتاب والسنة فقد أولوها وفوضوها؛ بل وفسروها بتفاسير باطنية أبعدتها عن معانيها المرادة.
واعتمد القوم الكشف والرؤى والمنامات في تلقي أمور دنيهم؛ بل ادعوا التلقي من الرسول ﷺ بعد موته، وكذا من الخضر ﵇، ومن مشايخهم الأموات.
وأما التوحيد فقد انحرفوا في جميع أنواعه الثلاثة، ففي توحيد الربوبية: اعتقدوا أن مشايخهم وأولياءهم أقطاب وأغواث يتصرفون في الكون، ويملكون صفات وأفعال الرب تعالى من علم الغيب، والإحياء، والإماتة، والتصرف بالدنيا والآخرة وغير ذلك.
ومن انحرافهم في الربوبية أيضاً: قول كبار مشايخهم بعقيدة وحدة الوجود, وهي الاعتقاد أن الوجود واحد وليس هناك خالق ومخلوق – تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً – وهذه العقيدة نسف لدين الإسلام من أساسه.
وفي توحيد الأسماء والصفات مع قول كبار مشايخهم بوحدة الوجود وجعل صفات الرب للمخلوق فأنهم كذلك اتبعوا منهج المتكلمين – الأشاعرة – وسلكوا طريقهم في هذا الباب، فقالوا بإثبات بعض الصفات دون بعض، وقالوا بالتأويل والتفويض البدعيين في صفات الله تعالى، ونفوا كثير من صفات المولى سبحانه كصفة العلو، والاستواء، والنزول، والكلام. وقالوا في الرؤية أنه تعالى يرى لا في جهة، كما أنكروا صفة الوجه، واليدين، والقدم، والصفات الفعلية – الاختيارية – لله تعالى، كالرحمة، والغضب، والرضا، وقد ذكرت نصوصهم في ذلك ورددت عليها بالأدلة الشرعية وأقوال أهل العلم.
وأنكرت صوفية حضرموت أن يكون القرآن كلام الله تعالى، وقالوا: هو عبارة عن كلام الله؛ لأن كلامه تعالى – بزعمهم – معنى واحد، قديم أزلي، ليس له تعلق بمشية الله وقدرته، ليس بحرف وصوت، وإنما هو كلام نفسي.
стр. 1191
وتبين أن الإيمان عند صوفية حضرموت مجرد التصديق، فمن أتى بالتصديق عندهم وترك العمل فهو مؤمن عندهم، فهم على مذهب المرجئة في هذا الباب.
وأغفلت صوفية حضرموت توحيد الألوهية فلم يعرفوا معنى هذا التوحيد الذي بعثت به الرسل، ولم يعرف القوم كذلك أول واجب على المكلف، ولا معنى العبادة التي أمر بها العباد، فقادهم ذلك للوقوع في الشرك الأكبر وطلبهم من الأولياء والشيوخ الأموات قضاء الحاجات، ودعاءهم، والاستغاثة بهم، وجعلهم شفعاء عند الله، وكذا توسلوا بهم لعدم معرفتهم بالتوسل المشروع فتوسلوا بذات الشخص وبجاهه، فالتوسل بذات الشخص معناه: جعله واسطة بين الله وبين خلقه، وحرفوا هذه المصطلحات الشرعية ليسوغوا شركياتهم وبدعهم.
كما انحرفت صوفية حضرموت في عدم معرفة نواقض التوحيد, فوقعوا في الشرك, وصححوا شركيات مشايخهم وأوليائهم، وزعموا أن ذلك ليس بشرك, وإنما هم واسطة بينهم وبين الله لا يريدون منهم سوى أن يقربوهم إلى الله تعالى؛ لمنزلتهم الرفيعة عند الله تعالى، فشابهوا في زعمهم هذا قول المشركين تماماً في ذلك، وينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه مختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾ [الزمر: ٣].
وفي النبوة: انحرفت صوفية حضرموت في هذا الركن الذي يعد الركن الرابع من أركان الإيمان، حيث رفعوا منزلة مشايخهم وأوليائهم إلى مرتبة النبوة، واعتقدوا أن إلهام الولي كالوحي للنبي، وقالوا بعصمة الأولياء، بل وفضلوا علوم أوليائهم على علوم الأنبياء.
واضطربوا في النبوة كذلك، فقال بعضهم بأقوال الفلاسفة من أن النبوة تكتسب بالرياضات والمجاهدات ونحو ذلك، ولم يعبأوا بنصوص الوحي, وإنما اعتمدوا مصادر المكاشفات والأذواق والمنامات ونحوها.
وغلا القوم في شخص النبي ﷺ ، وقالوا بالحقيقة المحمدية، وأنه أول مخلوق، وأن الوجود خلق من نوره ﷺ ، واعتقدوا حياته ﷺ في قبره كحياته في الدنيا، وتصرفه بالخروج إليهم، ومحادثتهم، والتلقي عنه، كما اعتقدوا تجزؤ جسد النبي ﷺ ، واعتقدوا إحاطة علمه بالأولين والآخرين، وأنه مرسل إلى جميع الملائكة والنبيين ونحو ذلك من مظاهر الغلو التي نهى عنها الشرع.
وفي القدر: انحرفت صوفية حضرموت في باب القدر الذي يعتبر الركن السادس من أركان الإيمان التي يجب الإيمان بها، فتناقضت فيه حيث قررت أن أولياءها يخلقون فعل أنفسهم؛ بل ويتصرفون في الكون كله ومن فيه – كما هي عقيدة القطبية – نجدها في المقابل اعتمدت عقيدة الجبرية، وسموها كسباً تبعاً للمذهب الأشعري، فنفت وجود قدرة للعبد مؤثرة في الفعل، كما نفت الأسباب أن تكون أسباباً، ونفت الحكمة والتعليل في أفعال الله، وقالت بقول المتكلمين في التحسين والتقبيح، وكذا انحرفت في مفهوم التوكل الصحيح حيث دعت لترك الأسباب، وادعت أنهم بترك الدنيا تسخر لهم الأكوان.
كما ادعى القوم معرفة ما في اللوح المحفوظ، وتصرفهم فيه كيف شاءوا.
стр. 1192
وانحرف القوم في الركن الخامس من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، فتكلموا في أمور المعاد بلا علم، وأولوا بعضها بكلام يشبه كلام الباطنية، وادعوا تصرفهم فيها، فقد زعموا أن أولياءهم يحشرون يوم القيامة أمة لوحدهم، ويتصرفون في الصراط فيمرون عليه, بل وإمرارهم لمن يشاءون من الناس ثم إدخالهم الجنة. في الصراط، ومرورهم عليه بسلام وإمرار غيرهم معهم إلى الجنة. كما ادعوا التصرف في الجنة والنار، وتكلموا في شأنهما بلا علم، وزهد كبارهم في الجنة ولم يبال بالنار، وادعوا معرفة مصير الخلق في الآخرة، وضمان الجنة لمن يشاءون، وإخراج من يشاءون من النار.
وفي عذاب القبر ونعيمه: زعموا أن أولياءهم ومشايخهم يطلعون على أمور البرزخ، ويتصرفون فيه أحياءً وأمواتاً، وخاضوا في الكلام فيما يقع بعد الموت بلا علم ولا دليل، وقالوا بعدم انقطاع عمل الولي بعد موته.
وأما آثار صوفية حضرموت فكثيرة نجملها في الآتي:
الغلو في الأولياء والصالحين: وهذا الأثر أعظم الآثار التي تتميز به الصوفية في كل زمان ومكان، إذ دينهم قائم على تقديس الأشخاص، حيث أعطوا أولياءهم ومشايخهم صفات الرب تعالى، واعتقدوا رعايتهم – أحياء وأمواتاً – للناس، وبالتالي صرفوا لهم أنواعاً من العبادات، ولو لم يكن من آثار صوفية حضرموت إلا هذا الأثر لكفى؛ لكون جل المخالفات والانحرافات سببها الغلو في الذوات والأماكن ونحوها.
وغلت صوفية حضرموت في القبور فصرفت لها كثيراً من العبادات، وسبب ذلك الغلو في الأموات، فقد بنوا قبورهم، واتخذوها مساجد، ووضعوا عليها السرج وزخرفوها وأحاطوها بالتقديس والتعظيم، ونشروا الحكايات في عقوبة من لم يعظمها، وروجوا لزيارة قبور مشايخهم ومعظميهم بوسائل كثيرة، وشدوا الرحال إليها لاعتقادهم بركتها لاسيما قبور كبارهم الذين ادعوا لهم مطلق التصرف في أمور الدنيا والآخرة أحياءً وأمواتاً.
وأما العبادات الشركية والبدعية عند صوفية حضرموت فقد ظهرت عبادات شركية وبدعية كثيرة، مثل: الخلوات الصوفية، والاحتفالات البدعية، والأوراد والصلوات الصوفية بل كثير من تلك الأوراد تحتوي علي الشرك الأكبر.
ومن آثارهم: نشر الفكر الصوفي بوسائل متعددة، منها: التأليف والنشر وهي أكثر الوسائل انتشاراً، كما كان لهم أثر في الرحلات التي يقوم بها مشايخهم إلى مناطق مختلفة لبث عقائدهم وأعمالهم الشركية والبدعية، وكان لانتشار المكتبات والتسجيلات الصوفية ونحوها أثر في بث فكر هذه الطائفة.
ومن آثارهم أيضاً نشر الأربطة والزوايا: التي تعتبر محاضن الصوفية حيث تضم مختلف شرائح المجتمع، فقد بنوا تلك الزوايا والأربطة في مناطق مختلفة من بلاد اليمن بل وخارجها.
ومما تقدم يتضح خطورة الصوفية وعقائدها، ومناقضتها لأصول الإسلام وتأثيرها الهدام على العقيدة والعبادة والأخلاق، وما تركته من انحرافات علمية وعملية في مجتمع حضرموت وفي غيره من البلدان التي هاجر متصوفة حضرموت إليها خير شاهد على ذلك.
стр. 1193
ورغم تلك الآثار السيئة التي خلفتها الصوفية في بلاد حضرموت وغيرها من البلدان التي وجدت بها إلا أن هناك من قام بمحاربة هذه الآثار السيئة على تلك البلدان، ومن أوائل أولئك أهل حضرموت أنفسهم، فقد وجد بها علماء من العلويين وغيرهم قاموا بمحاربة التصوف بوسائل مختلفة، كما بينا ذلك في مبحث الجهود ضد هذه الطائفة الدخيلة على أرض حضرموت، وتمثلت تلك الجهود بأمور كثيرة، منها: التأليف، والتحذير، والمقاومة لتلك الأعمال بقدر المستطاع، وكذا شاركهم إخوانهم من بلاد اليمن وخارجها، كما كان لبعض الولاة وبعض القبائل جهود مشكورة في نصرة الحق ومحاربة الباطل وأعوانه، واستمر هذا العطاء والبذل من أهل العقيدة الصحيحة إلى يومنا هذا، فقد وجد أهل العلم الذين يدرسون العقيدة الصحيحة، وأنشئت المراكز العلمية لتدريس دين الله تعالى، وانتشر دعاة الحق في بلاد حضرموت، وقام بعض أهل العلم بالرد على مخالفات صوفية حضرموت بالكتب والنشرات، والأشرطة الصوتية، وعبر مواقع الإنترنت وغيرها من الوسائل، فنفع الله تعالى بتلك الجهود حتى عاد الكثير من الناس إلى الحق بعد أن بقوا في شرك التصوف مدة طويلة.
كما تبين من خلال هذا البحث خوف أهل الباطل من الحق وأهله، حيث أدرك متأخرو صوفية حضرموت وأتباعهم الباطل الذي هم عليه ومضى عليه سلفهم، فاضطروا لحذف كثير من الانحرافات التي احتوتها كتب سلفهم؛ كما فعل محمد بن أحمد الشاطري في المشروع الروي حيث حذف كثيراً من خرافاته لأنها – بزعمه – لا تناسب العصر، وكما يفعله هذه الأيام أبو بكر بن علي المشهور في كثير من كتبه من تخريج العبارات الشركية لسلفه.
وكذا اتضح لي من خلال البحث في مؤلفات القوم في هذا الزمان خوفهم من ذكر أسمائهم على مؤلفاتهم وخاصة ما تعلق بالعقيدة، حيث يضعون عليها الأسماء المستعارة ثم ينكشف أمرهم بذكر هذه المؤلفات في كتبهم الأخرى، وقد ذكرنا أمثلة على ذلك في ثنايا هذا البحث، وهذا يبين إدراك القوم خطر ما هم عليه من الباطل وخوفهم من الحق وأهله.
كما يتضح من خلال البحث استعمال متصوفة حضرموت العبارات البراقة – التي تخفي تحتها السموم –،مثل تسمية أنفسهم بدعاة الوسطية والاعتدال، ومحاربة الغلو والتطرف، ودعاة منهج أهل البيت المظلوم في هذا الزمان، وغيرها من العبارات؛ التي تهدف لاستمالة قلوب العوام والجهلة بمذهبهم المنحرف.
إن ما يذكرونه عن مشايخهم وصالحيهم من الكفر والضلال وإقرار المنكرات، إما أن يكون: كذباً عليهم ويلزم الأتباع التبرئة ممن قاله، أو افتري على مشايخهم، وإلا فإنهم مقرون بالباطل، ثم إن هذه ليست بكرامة؛ لأن الوقوع في الباطل أو إقراره ليست كرامة، إنما هي إهانة وضلال، ودليل على عدم اهتداء فاعل ذلك للحق والهدى، فأنت ترى أهل السنة موفقون في أقوالهم وأفعالهم، وإن جهل حال بعضهم فأقوالهم وأفعالهم الحميدة تدل على سلوكهم طريق الهداية، ولكل نصيب من ولاية الله تعالى كل بحسبه؛ فإن الولي هو المؤمن التقي، والله المستعان.
وتبين أن الصوفية في القرنين الرابع والخامس عشر أقل تأليفاً عن سابقيهم، لقلة البضاعة والضعف العلمي، والجمود على بدع وضلالات سابقيهم، والتمسك بها دون الحيدة عنها، بالإضافة إلى الانشغال بالدنيا، وإن تكلموا فيرددون الشبه القديمة التي مضى عليها أسلافهم، كما استغل بعضهم مسألة النسب لنشر باطلهم ودعوة الناس إليه.
стр. 1194
ينبغي التنبيه أن الصوفية المعاصرين يدعون – كسلفهم –،أن التصوف: هو معالجة القلوب التي أظلمت عليها المعاصي، وزخارف الدنيا ... إلخ، وكذا ادعاؤهم أنهم شافعية، وأن منهجهم منهج الوسطية والاعتدال البعيد عن التطرف، وأن مدرستهم هي المدرسة الأبوية التي يجب الانضمام إليها؛ فبنوا المراكز الصوفية لنشر فكرهم، وساعدتهم على ذلك الإمكانيات الكبيرة، والعلاقة الكبيرة بكبار الأغنياء في بلدان مختلفة أعانوهم على ذلك، وكل ذلك لن يجدي شيئاً؛ فالحق واضح وقوي، وإن رفع الباطل رأسه في بعض الأوقات فلن يستمر طويلاً.
وفي ختام هذا البحث الذي أسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يتقبله، وأن ينفع به فإني أوصي بما يلي:
أوصي نفسي وإخواني في الله بوصية الله تعالى للأولين والآخرين وهي تقوى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١] فمن تمسك بهذه الوصية رزقه الله العلم النافع والعمل الصالح، اللذين بهما سعادة العبد في الدارين.
وأوصي إخواني الباحثين بدراسة الفرق التي ظهرت في بلاد اليمن، ومعرفة أصولها وعقائدها وآثارها السلبية على المجتمع اليمني، وإبراز الجهود ضد تلك الفرق والطوائف، حيث وجدت جهود مشكورة بذلها أهل السنة في محاربة الفرق التي ظهرت هنالك: كالإسماعيلية، والصوفية، والإباضية، والزيدية، والمعتزلة والأشعرية، فينبغي القيام بهذا الأمر واحتساب الأجر من الله تعالى.
كما اقترح دراسة المسائل العقيدة في الكتب التاريخية، فإن تاريخ اليمن عموماً، وتاريخ حضرموت خصوصاً احتوى على كثير من المسائل العقيدة المبثوثة، فحبذا لو جمعت تلك المسائل ودرست في رسالة.
كما أوصي بدراسة تاريخ حضرموت دراسة علمية صحية متجردة، وبيان سبب الغموض الذي ساده، وكذلك إبراز جهود أهل العقيدة الصحيحة الذين حاربوا التصوف الدخيل على بلاد حضرموت من أول يوم، فإن كتب التاريخ وكذا كتب الصوفية أشارت إلى وجود خلاف من بعضهم ولم تفصل؛ لأن بيان ذلك يضرها.
كما أوصي بدراسة أثر الدعوة السلفية على حضرموت خصوصاً وعلى اليمن عموماً، خصوصاً دعوة شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب – رحمهما الله تعالى -.
وأوصي بالبحث في تاريخ حضرموت المشرق، الذي احتضن دعوة أهل السنة منذ فجر الإسلام، وقام أهله بدور بارز في نصر الإسلام والمسلمين داخل اليمن وخارجها؛ فقد كان منهم المجاهدون أصحاب الفتوحات، ومنهم العلماء والمحدثون والقضاة فحبذا لو درس هذا الجانب المضيء من تاريخ هذا الإقليم الكبير من بلاد اليمن.
والوصية أيضاً بالإسهام في إظهار جهود علماء حضرموت السلفيين – الذين تجاهلهم كثير من المؤرخين الحضارمة – سواء بالمحاضرات، أو إصدار الكتب والكتيبات التي تبين دورهم في نصر دين الله تعالى، وتحفيزهم أهل حضرموت للتأسي بمنهجهم الرشيد في بيان التوحيد ومحاربة الشرك والبدع.
كما أوصي القائمين على المدارس والجامعات اليمنية بالتحذير من فرقة الصوفية وغيرها من الفرق؛ وذكرت الصوفية لملاحظة نشاطهم الواضح في الآونة الأخيرة في بلاد اليمن العزيزة.
وينبغي عدم التهاون بشأن هذه الفرقة، بل الواجب التحذير منها ومن شيوخها الذين يبثون شرهم بأسماء براقة، منها: دعاة الوسطية، والاعتدال، ومدرسة أهل البيت ونحو ذلك من التسميات التي لا تغير من الحقيقة شيئاً.
كما أوصي بعقد الندوات والمؤتمرات الإسلامية؛ لتوحيد الجهود ضد هذه الفرقة ومن على شاكلتها، وبيان عقائدها وبدعها لتحذير الأمة من شرها.
стр. 1195
كما ينبغي تحذير دور النشر من نشر أو طباعة الكتب التي يبثها المتصوفة؛ لإعادة المسلمين إلى عهد الجاهلية الأولى من عبادة غير الله؛ وأتباع غير رسول الله ﷺ .
نشر العقيدة الصحيحة بين أفراد الناس بمختلف الأساليب، منها: إرسال الدعاة من العلماء، وطلبة العلم الأقوياء، والدعاة المتميزين؛ لنشر الحق في تلك الأماكن، وكذا إرسال الكتب والأشرطة ونحو ذلك واحتساب المثوبة من المولى جل في علاه.
تكثيف الجهود في القضاء على الجهل الذي وجد في حضرموت في فترات من الزمن، ولا يزال موجوداً في بعض الأماكن التي يندر أو يقل فيها دعاة الحق، كما أن للزيارات الدعوية دوراً هاماً في القضاء على الجهل، وكذلك الواجب على الدعاة نشر الكتب السلفية والأشرطة الداعية إلى التوحيد والمحذرة من الشرك والبدع.
ومن الوصايا الصبر في الدعوة، وسعة الصدر في ذلك، وإظهار صفات الداعية السني الذي يجب أن يتمتع بالخلق الحسن؛ إذ أن صوفية حضرموت تختلف كثيراً عن صوفية البلدان الأخرى، لما يتمتع به متصوفة حضرموت من الأخلاق، والصبر، وطول البال – كما يقال – في دعوتهم، وكذلك السخاء الذي يبذلونه للناس الذي جر الجهال بحقيقة مذهبهم إلى التمسك بما هم عليه؛ بل والدفاع عنهم لاسيما من بعض القبائل الموالية للصوفية.
ومن التوصيات كذلك: السعي لدعم دعاة الحق وتزويدهم بالكتب، والمراجع التي تهتم بمسائل التوحيد، والرد على طوائف الباطل بما فيهم الصوفية، للاستفادة منها من الرد على شبهاتهم التي يتداولها اللاحق عن السابق.
انتهاز الفرصة للحوار مع كبارهم، لاسيما وهم ينادون. بالحوار، ويكون الحوار لمن له أهلية في العلم، ويتمتع بآداب الحوار، ولديه الصبر، بشرط أن يجعل الحكم بين الجميع الكتاب والسنة وفق مذهب السلف دون غيره، مع مراعاة المصالح والمفاسد، ويكون ذلك لأهل العلم الذين يقدرون الأمور قدرها.
تمكين أهل حضرموت من المنح الدراسية في الجامعات الإسلامية في المملكة، لما تلعبه تلك الجامعات من دور كبير في توضيح العقيدة الصحيحة، ومنهج السلف الصالح؛ لينهل الطلاب من معينها الصافي ثم يعودون إلى وطنهم دعاة هدى داعين إلى سبيل ربهم على بصيرة.
الدعوة لفتح معاهد سلفية تتبع المملكة في عموم بلاد اليمن وبلاد حضرموت، لما سيكون لذلك –بإذن الله- من أثر بالغ في المجتمع الحضرمي؛ لاسيما والناس على فطرة ومحبة للتوحيد ودعاته.
الاهتمام بالصحف التي تعالج أوضاع الناس، وتجيب على استفساراتهم، وتبين لهم دينهم، وكيفية التعامل بما يرضي ربنا جل وعلا، وتكون غايتها الاهتمام ببيان العقيدة الصحيحة والتحذير مما يضادها، وتصدر هذه الصحف والمجلات عن هيئة حكومية يقوم عليها أهل العلم السلفيون.
بث العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح وذلك: بالمحاضرات، والدروس بواسطة الوسائل الحديثة في هذا العصر؛ كالأشرطة الصوتية، وأقراص الكمبيوتر، وعبر شبكات الإنترنت في حضرموت وفي غيرها من البلدان الأخرى التي بث فيها المتصوفة شرورهم، وبلغات تلك البلاد؛ كبلاد الهند، واندونيسيا، وماليزيا، ونحوها.
المساهمة في نشر الدورات العلمية الصيفية في حضرموت وغيرها لتدريس كتب التوحيد والسنة والمحاضرات الهادفة لتصحيح العقيدة، والإجابة على استفسارات الناس في أمورهم الدينية والتحذير من الشرك والبدع.