Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
هذا، وقد انتهيت من ذكر خلاصة هذه الرسالة وما استطاعت أن تحققه من نتائج – ولله الحمد والشكر – وإنني لا أعد الجهد الذي بذلته والتعب الذي تحملته – مدة أربع سنوات قضيتها في إعداد هذه الرسالة – إلا شيئاً قليلاً في حق الشريعة الإسلامية. كما أنني لم أحقق جميع ما يجب أن أحققه في الارتقاء بهذه الرسالة إلى أعلى مستوى، وحسبي أنني حاولت أن أحقق ذلك وبذلت قصارى جهدي في فترة محدودة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لذا فإنني أعتذر إلى القارئ الكريم عما قد يكون في الرسالة من نقص أو خطأ، راجياً ممن وقف عليه أن يسعى في إصلاحه بكل مسؤولية وإخلاص، أداءً لحق الأخوة في الإسلام، وادخارا لجزيل المثوبة في دار الإسلام، فإن الكمال لله وحده، والعصمة من شأن الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقد روى البويطي ﵀ عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال له: "إني صنفت هذه الكتب فلم آل فيها الصواب، فلابد أن يوجد فيها ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵇. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ فما وجدتم فيها مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله فإني راجع عنه إلى كتاب الله وسنة رسوله ... ". وقال المزني ﵀: "فقال الشافعي: "هيه. أبى الله أن يكون كتابا صحيحًا غير كتابه".
وما أجمل تلك العبارة المأثورة عن العلامة العماد الأصفهاني ﵀ في بعض ما كتب حيث قال: "إني رأيتُ أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلى قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (). ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
стр. 1437
اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية وآراؤه في قضايا معاصرة
المؤلف/ المشرف: خالد بن مفلح آل حامد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الفضيلة- الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣١هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: فقه فروع عام موازن
الخاتمة:
وفي نهاية هذا البحث، أعترف بأنني لم أحقق ما كنت أصبو إليه بالدرجة التي كنت أودها وأرغبها؛ نظراً لصعوبة هذا البحث المتمثلة في أمور من أهمها:
١ - عظم المسؤولية التي شعرت بها حينما بدأت البحث بالنظر للمكانة العالية التي يتبوأها الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى – عند المسلمين.
٢ - أن المنهج الذي سار عليه في الفقه والفتوى لا يمكن أن يعرف إلا بالتتبع والاستقراء.
٣ - اختلاف أقواله، مع صعوبة تحديد التاريخ لبعض منها.
٤ - كثرة اختياراته المخالفة للمذهب في جميع أبواب الفقه.
٥ - تفرق أقواله في كتب كثيرة، وتسجيلات متعددة.
إلى غير ذلك من الصعوبات، ولكن يبقى عزائي في أنني قد قمت بذلك الجهد الممكن في تحقيق ذلك والحمد لله على كل حال. وأهم النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا البحث:
أولاً: أن هذا العالم الجليل له أصول في الفقه والفتوى، وله مصطلحاته الخاصة به، وقد أفردت ذلك في ملحق خاص بينت فيه منهجه في الفقه والفتوى، وأصوله، وقواعده، ومصطلحاته، وأسباب اختلاف أقواله، ومفرداته، وبيان المسائل التي خالف فيها شيخ الإسلام بن تيمية، وهي بمثابة الخلاصة لهذا البحث.
ثانياً: أن هذا البحث قد اشتمل على اختياراته الفقهية التي خالف فيها مذهب الحنابلة، وبعض هذه الاختيارات هي بمثابة الأصول لمسائل أخر، فينبني على ذلك وجود اختيارات أخرى تخالف المذهب بناء على الخلاف في هذه الأصول.
مع التنبه إلى أن ثمرة الخلاف في كل مسألة من المسائل تعتبر اختياراً للشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى – إذا وجد عنه النص بذلك، وقد حرصت على ذكر ذلك في ثمرة الخلاف بعد كل مسألة. ولذا فقد تكون اختيارات الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في هذا البحث – بهذا الاعتبار – أكثر مما تقدم. وبناء على ذلك فإن هذا البحث يتضمن اختيارات كثيرة تخالف المذهب غير ما ذكر، وقد ذكرت هذه الاختيارات إجمالاً في الملحق.
ثالثاً: من أعظم الفوائد التي خرجت بها من هذا البحث هي أن التعلق إنما يكون بالدليل لا بالأشخاص، وأنه لا يسوغ لطالب العلم أن يقلد أحداً من الناس مهما بلغ من العلم، من غير نظر في الدليل، وأعتقد بأن هذه الفائدة قد استفادها كل من تلقى العلم على هذا العالم الرباني، فبالرغم من المحبة العارمة التي تجدها في نفسك للشيخ ابن باز – ﵀ رحمة واسعة -، فإنك قد تأخذ برأي آخر غير ما يراه بحسب ما يظهر لك من الدليل من غير أن تجد حرجاً في ذلك، وهو في حقيقة الأمر يدرب طلابه على هذا المنهج في معظم دروسه.
ولذا فقد خالف الباحث شيخه الجليل في المسائل التالية:
١ - لا يشترط للمسح على العمامة ذات الذؤابة أن تكون محنكة.
٢ - خروج الهواء من القبل ينقض الوضوء.
٣ - تجب الموالاة في الغسل.
٤ - يجب الغسل للإسلام مطلقاً.
٥ - من صلى بالتيمم وهو ناس للماء في رحله فصلاته غير صحيحة، وعليه الإعادة.
٦ - الخمر نجس.
٧ - لا يجب القضاء على المغمى عليه مطلقاً.
٨ - يجب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام.
٩ - تستحب العدالة لمن يؤذن وليست بشرط.
١٠ - لا تصح صلاة الفريضة في الكعبة.
١١ - يشرع مسح الوجه بعد رفع اليدين إذا كان خارج الصلاة فقط.
١٢ - لا تصح الصلاة خلف المبتدع، أو الفاسق إذا كان قادراً على الصلاة خلف غيره.
١٣ - يسن ذكر هذه الأمور الأربعة في الخطبة: حمد الله، والأمر بتقواه والصلاة على النبي ﷺ ، وقراءة الآية.
١٤ - من رأى الهلال وحده وردت شهادته يلزمه الصوم.
١٥ - لا يجزئ التطوع بالصيام قبل قضاء ما عليه.
١٦ - يكره إفراد صوم يوم السبت، وهو أحد قولي الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى -.
١٧ - حاضروا المسجد الحرام هم أهل مكة ومن يكون منزله من مكة على مسيرة لا يجوز فيها قصر الصلاة.
١٨ - يجب هدي التمتع ولو عاد لبلده.
١٩ - من فاته الحج لزمه القضاء، وهو أحد قولي الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى -.
٢٠ - عدة المختلعة عدة المطلقة.
٢١ - لا يصح النكاح بنية الطلاق.
٢٢ - تجب الكفارة في شبه العمد.
٢٣ - يشترط الإقرار أربع مرات في حد الزنا، وهو قول الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى -.
٢٤ - أن حد اللوطي كحد الزاني بكراً أو ثيباً.
٢٥ - أنه لا يصح التطهر بمياه الصرف الصحي بعد المعالجة.
٢٦ - يقدم تحليل الدم على القيافة عند الاشتباه في ثبوت النسب وعدم البينة والله تعالى أعلم.
стр. 1438
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن جمعاً ودراسة
المؤلف/ المشرف: سليمان بن صالح الثنيان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المملكة العربية السعودية- وزارة التعليم العالي- الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: فقه الصحابة
الخاتمة:
الحمد لله أولاً وآخراً على ما وفق إليه من العلم والعمل، فما كان بي من نعمة أو بأحد من خلقه فمن الله وحده لا شريك له، فله الحمد وله الشكر، وبعد.
فقد عشت من خلال هذا البحث مع خير القرون وأزكاها، وأعمقها علماً، وقد استفدت من هذا البحث فوائد جمة؛ منها فوائد علمية، ومنها فوائد تربوية، ووصلت إلى نتائج، أهمها:
١ - حفظ الله تعالى للسنة النبوية؛ حيث هيأ لها خير الناس بعد الرسل، فحفظوها وبلغوها لمن بعدهم، وإذا رأوا من خالفها نبهوه إليها.
٢ - فضل الصحابة ﵃، واعتناؤهم بنشر السنة.
٣ - أن الاحتجاج بالسنة أمر مسلم به بين جميع الصحابة؛ ولذا كان بعضهم يحتج على بعض بها.
٤ - الصحابة كغيرهم من البشر؛ فاتهم ما فاتهم من العلم، وهذا إذا كان قد حصل لهم؛ فغيرهم من باب أولى، ومن قال إن شيخه ومتبوعه لم يخف عليه شيء من العلم فقد أخطأ، وزعم لهم من المنزلة ما لا يبلغه أحد من الناس.
٥ - في استدراك الصحابة بعضهم على بعض، وإنكار بعضهم على بعض حين تركهم العمل بسنة ما يبين ضعف إطلاق المقولة المشهورة: لا إنكار في مسائل الاجتهاد.
٦ - تبين لي خلال هذا البحث أن استدراك الصحابة بعضهم على بعض كان أمرا مشهورا لا ينكره إلا جاهل.
٧ - كما علمنا الصحابة ﵃ ضرورة الإنكار على من خالف السنة؛ فقد علمونا الأدب في هذا الإنكار، وهذا أمر جلي عند النظر في عباراتهم المذكورة في البحث.
٨ - لم يكن استدراك الصحابة بعضهم على بعض سبباً في تنافر قلوبهم وتقاطعهم.
٩ - قد تكون السنة مع المستدرك، وأحياناً توجد مع المستدرك عليه، وخفيت على المستدرك.
١٠ - الرجوع إلى الحق بعدما يتبين هو منهج الصحابة ﵃ حين يعلمون السنة.
١١ - لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه عارض السنة بعقله، وما نسب إليهم من ذلك فقد بينت في تمهيد هذا البحث أنه ليس من هذا الباب.
стр. 1439
اصطلاح المذهب عند المالكية
المؤلف/ المشرف: محمد بن إبراهيم أحمد علي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: مصطلحات وحدود وتعريفات ومداخل فنون وأصول بحث
خاتمة البحث
ظلت الكتب المعتمدة، وفي مقدمتها الأمهات، والدواوين، وتظل، أساس المذهب، وجوهر تطور آرائه، واجتهاداته، فـ"المصادر الكبرى لكبار شيوخ المذهب في المشرق والمغرب هي التي تعتمد في الدرس والفتوى إلى أوائل هذا القرن، ينسب إلى الإمام أبي عبدالله محمد القصار في الحث على التمسك بالكتب المعتبرة في وقته قوله: "توضأ بالرسالة، وصلِّ بالجلاب، وصم بالتلقين، وزكِّ بابن الحاجب، وحج بخليل، واقض بالمدونة".
فـ"الفقه المالكي من لدن الإمام إلى ما بعد عصره بقرون، حتى القرن الثامن، الذي ألف فيه خليل مختصره، إذ توفي خليل (سنة ٧٧٦هـ)، لم يخرج عن مبادئه، وهي مبادئ فقه مالك، وإن كان مما جاء به خليل خلافاً لما يذهب إليه البعض من أن وجهه قد تغير، وكما لم يتغير في القرن الثامن، فكذلك ما بعده إلى القرن الثاني عشر حيث ضعفت العناية بالفقه ... ، وإنما قصارى ما وقع هو إثراءه وجمعه بصورة تلم ما وزع في الأمهات ببسط ... ، فكان عمل المتأخرين هو لمّ المتفرق، والتنسيق بين مسائله".
توسع علماء المالكية المتأخرين في الأخذ بمبدأ ما جرى به العمل، بل إن "العمل أصبح مصدراً رسمياً للتشريع، لذلك نرى المغاربة أكثروا منه، وأقبلوا عليه، وتنافسوا في الأخذ به، حتى كان ذلك سبب انتشاره وتنوعه".
كان لتطبيق قاعدة ما يجري به العمل دور إيجابي في تطور آراء المذهب وترجيحاته مراعاة لمصلحة عامة أو خاصة، ومعايشة لحاجة المجتمعات المختلفة وأعرافها والفروقات الاجتماعية بينها.
على أن التوسع في تطبيق هذه القاعدة، وبخاصة العمل المحلي، كان له تأثير سلبي على وحدة تطبيق المذهب، واستقرار آرائه، وأوجد تبايناً ملحوظاً في ترجيحاته التي كانت تختلف باختلاف المدن أحياناً، ناهيك عن الأقاليم. هذا الجانب السلبي ـ وغيره ـ حدا ببعض العلماء إلى الوقوف موقف الناقد من تطبيق هذا المبدأ، ويرى أنه "كان من موجبات هرم الفقه".
إلا أنه "بالرغم من بعض السقطات التي بدت من هذا اللون من التشريع، وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت إليه، والمعارضة التي لقيها الفقهاء المسترسلون مع العمل، من لدن البعض الآخر، فإن هذا اللون من التشريع الذي اهتدى إليه الفقهاء، هو علم جليل ومجهود في ميدان التشريع كبير، إذ برهن الفقهاء بذلك على أنهم قادرون على مجابهة المستجدات والمشكلات الواقعة أو المتوقعة، وأعطوا بذلك الحلول للنوازل والقضايا التي لم يرد فيها نص صريح أو ضمني، وأثبتوا بذلك أنهم قادرون على ملاحقة التطور البشري، والتغير الزماني، كما دللوا أن الفقه المالكي فقه قابل دائماً للتطور، لمرونته، وقوة قابليته للاستمرار والبقاء، واستيعابه لكل ما يجد على ساحة المعاملات".
يكاد أكثر ما ألف بعد مختصر خليل ـ إن لم يكن شرحاً له، أو حاشية عليه، أو اختصاراًً ـ لا يخرج عنه إلا في القليل مما تتطلبه قواعد المذهب الترجيحية، ويمليه المنهج الذي اتبعه خليل في مختصره، وهو منهج دقيق في تحرير المعتمد للفتوى دقة تتسم بالتواضع والورع، والحرص على التأكد من ما يرجحه، ولذا ترك الباب مفتوحاً لمن يأتي بعده من العلماء ليدلوا بدلوهم، ويضربوا بسهمهم في تحقيق الراجح المعتمد في الأقوال في مذهب مالك في ضوء القواعد والضوابط التي حررها علماء المالكية، وحرصوا على متابعة تطبيقها وعلى رأسها قاعدة: ما يجري به العمل.
стр. 1440
استهل القرن الثالث عشر "وسمعة أعلام الأزهريين قد ضربت ما بين المشرق والمغرب بكتبهم التي شاعت في عصرهم، وعم الإقبال عليها". ونالت كتب العدوي، والدردير، والأمير، والدسوقي اعتماد علماء المالكية بعامة، والمصريين بخاصة، وصارت كتبهم مدار اعتماد الدارسين والمفتين. وقابل ظهور هؤلاء الأعلام المصريين ظهور أعلام من العلماء المغاربة، اشتهرت مؤلفاتهم في المغرب بخاصة وأقطار الشمال الإفريقي بعامة.
وظهر تأثر مؤلفات العلماء المصريين بترجيحات وآراء علماء المغرب واضحاً في كتاب الشرح الكبير للدسوقي، حيث اعتمد فيه على آراء العلماء المصريين وتحريراتهم، كالعدوي، والأمير، جنباً إلى جنب مع آراء وتحريرات الشيخ البناني على حاشية الزرقاني، مازجاً بذلك بين المنهجين: المصري، والمغربي اللذين سلكهما علماء المالكية في تحريرهم لكتب الأجاهرة، وسار على منهجه الصاوي في كتابه: بلغة السالك.
في حين ظهر تأثر علماء المغرب بالاتجاهات المصرية الترجيحية باعتماد كتب الدردير، والدسوقي.
يقول الشيخ ابن عاشور: "وعم الإقبال عليها [مؤلفات علماء المالكية المصريين] مثل الشيخ محمد الدسوقي، الذي عظمت شهرة دروسه، وأسانيده، وكتبه، واعتمدت حواشيه، ولا سيما حاشيته على شرح الدردير على المختصر الخليلي التي اعتمدها فقهاء الزيتونة في الدروس، والفتاوى، والأحكام، وعلقوا عليها، وجاذبوا مؤلفها بحوثه، ونقوله، وتحقيقاته".
في عرض شامل لأهم الكتب المعتمدة والمتداولة عند علماء المغرب في هذا العصر، يقول الشيخ الثعالبي (ت ١٣٧٦هـ): "إن غالب الفتوى من الكتب المتداولة ... ، وقد اشترط العلماء اشتهار الكتاب الذي يفتى منه على القول بجواز ذلك دون رواية، كمختصر خليل، على أن هذا حصّل درجة التواتر، لكثرة من يحفظه في زماننا ... ، ومن جملة شروحه المتداولة: حطاب، والمواق، وهما كتابان معتمدان إلا قليلاً، وشرح الدردير، ثم الرسالة وشروحها لابن ناجي، وزروق، وأبي الحسن، وجسوس وغيرهم.
ومن الكتب المعتمدة: الموطأ لمالك، وشرحها للباجي، وشرح محمد الزرقاني، وهي أم المذهب، وكذا المدونة ...
ومن كتب الفتوى: التحفة لابن عاصم الغرناطي، وشروحها لسيدي عمر الفاسي، والتاودي بن سودة، والدسولي [التسولي]، وميارة، وحاشية أبي علي بن رحال عليه، وشروح لامية الزقاق، والعمل الفاسي، وشروحه، والعمل المطلق، والمرشد المعين، وشرحاه لميارة، وتبصرة ابن فرحون".
زبدة الكلام: أن "غاية ما يشترط الآن فيمن ينتصب للفتوى أو للقضاء في إحدى العواصم الكبار أن يكون ... بحيث يعرف أن يطالع الكتب، ولا سيما مختصر خليل بشرحيه: الخرشي، والزرقاني وحواشيه".
توَّج هذا الرأي فضيلة الشيخ العلامة محمد الطاهري ـ رئيس مجلس الإفتاء في المجلس العلمي الإقليمي بفاس ـ حيث أفاد بما نصه: "علماؤنا ومشايخنا ومشايخهم، كانوا يفيدون بالاعتماد على الزرقاني على خليل بشرط استشارة من خدموه، ونعني به: حاشية التاودي، وحاشية البناني، وقد جاء الرهوني فحرر الزرقاني، وأصبح هو المعتمد، وزاد في تحريره الشيخ كنون وإن لم يجد عليه إلا القليل".
إن اعتماد الحواشي ـ التي أشاد بها فضيلة الشيخ العلامة محمد الطاهري ـ في تحرير آراء الزرقاني على كتاب مواهب الجليل لمحمد بن محمد بن عبدالرحمن الحطاب المكي، كما نبه عليه فضيلة الشيخ الثعالبي بقوله: "وعليه [حطاب] اعتمد البناني وابن سودة، والرهوني في كثير من تعقيباتهم على الزرقاني"، هذا الاعتماد يشير بوضوح إلى حقيقة علمية تاريخية هي: أن المذهب المالكي بدأ حجازياً مدنياً وانتهى حجازياً مكياً.
وفي الختام:
يأبى الله أن يكون الكمال إلا لكتابة، والعصمة إلا لرسوله ونبيه محمد ?، وهذا أخي القارئ جهد المقل، وهو ما توصل إليه الباحث عن تطور اصطلاح المذهب المالكي عند المالكية، وكتبه المعتمدة عبر القرون، منذ أن وضع البذرة المباركة إمام دار الهجرة، مالك بن أنس ﵁ في مدينة طيبة الطيبة على ساكنها أفضل الصلاة، وأتم التسليم، فنمت، وترعرعت، وأصبحت شجرة باسقة، وارفة الظلال، شأن كل عمل مخلص، أريد به وجه الله ?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ? [إبراهيم: ٢٤]، وصدق الله ـ العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا، ومولانا، وشفيعنا سيد الأولين والآخرين، النبي الأمي الأمين، ورضي الله عن أصحابه أئمة الهدى أجمعين، والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1441
الآثار المترتبة على الكفالة المالية (بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة)
المؤلف/ المشرف: ماجد أبو رخية
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: ضمان وكفالة ورهن
الخاتمة: وبعد: فهذا ما قدرني الله عليه من الكتابة في جزئية من جزئيات الكفالة، وهي الآثار المترتبة على الكفالة المالية، وقد تبين لي من خلالها ما يلي:
١ - إن الكفالة أمرها عظيم، وإنها ملزمة لصاحبها الذي لا يستطيع التخلص منها، والفكاك من أسرها، إلا بالوفاء بها، حتى إنه لو مات فإن الكفالة تتعلق بتركته، كما علمنا من قبل، الأمر الذي يملي على الإنسان العاقل أن يفكر ملياً قبل أن يوقع عليها، ويقيد نفسه بقيودها، وأن يمعن النظر في الشخص الذي يكفله، حتى لا يسبب له الوقوع في المتاعب مستقبلاً، ويقع في شرك المثل القائل: بأن الكفالة أولها شهامة وأوسطها ندامة وآخرها خسارة.
٢ - إن الذي عليه جمهور الفقهاء، هو حق مطالبة المكفول له لكل من الكفيل والمكفول؛ لأن الكفالة تعني ضم ذمة إلى ذمة. مع ملاحظة شرط المالكية المشهور عندهم، وهو: أن مطالبة الكفيل إنما تكون بعجز المكفول عن الوفاء أو مماطلته.
٣ - إن رأي ابن حزم – ومن قال بقوله – وهو إن الكفالة تنقل حق المطالبة من المكفول إلى الكفيل، فلا يطالب غيره، رأي غير سديد؛ لأن الذي ينقل حق المطالبة هو الحوالة، وفرق بينها وبين الكفالة.
٤ - إن للكفيل إذا حل أجل الكفالة، الطلب من المدين أو يخلصه من الكفالة بسداد ما عليه من الدين، وأن له أيضاً حق مطالبة الدائن بالضغط على المدين للإسراع في سداد دينه، حتى لا تتعطل مصالحه ببقاء ذمته مشغولة للغير، وإلا أسقط الكفالة، وقد رأينا إن القانون حدد أجلاً لهذا الغرض، وهو ستة أشهر، معتمداً على القواعد الفقهية القاضية بإزالة الضرر.
٥ - إن للكفيل على رأي جمهور الفقهاء أن يعود على المدين بما أداه عنه، وبما كفله لا بما أداه عند الحنفية، وفي حالة الصلح مع الدائن، فإن الكفيل يعود على المدين بما صالح عليه، لا بجميع الدين باتفاق الفقهاء، إذا كانت المصالحة على جنس الدين، وأما إذا كانت المصالحة على غير جنس الدين، فإن الكفيل يرجع على المدين بكل الدين، وبالأقل من قيمة ما صالح عليه من الدين عند جمهور الفقهاء.
٦ - إن نصوص المواد في القانون المدني الأردني، والقانون المدني الإماراتي، قد جاءت فيما يتعلق بالآثار المترتبة على الكفالة المالية موافقة مع ما جاء به الفقهاء من قبل.
والناظرة في المذكرة الإيضاحية للقانون الأردني، الذي يعد أصل القانون الإماراتي، والمصادر التي استقى منها القانون تلك المواد، لا يستغرب هذا الانسجام؛ فمجلة الأحكام العدلية والكتب الفقهية هي المصدر الرئيس لنصوص تلك المواد. ولا يفوتنا التنويه ببعض الإضافات التي جاء بها القانون، وأكثرها يتعلق بالإجراءات التنفيذية لعقد الكفالة، كتحمل المدين للنفقات التي يدفعها الكفيل حين تنفيذ الكفالة، وهي في الجملة لا تخرج على القواعد الفقهية التي اعتمد عليها الفقهاء.
"وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين".
стр. 1442
الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية
المؤلف/ المشرف: محمد بن عمر سالم بازمول
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الإمام أحمد - القاهرة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: قنوت
الخاتمة
خلصت هذه الرسالة إلى نتائج مهمة وهي التالية:
١ - أن قول من قال من الأئمة: لم يصح في قنوت الوتر قبل الركوع أو بعده شيء عن رسول الله ﷺ وكذا قول ابن عبد البر ﵀: " لا يصح عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر حديث مسندا " اهـ؛ فيه نظر وأنه غير مسلّم. فقد ثبت في قنوت الوتر مسندا من حديث الحسن بن علي ﵁ وحديث أبي بن كعب ﵁ , والله أعلم.
كما ثبت عن الصحابة كعمر بن الخطاب , وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم ومثله لا مجال فيه للرأي والاجتهاد إذ المقام مقام عبادة والأصل فيها التوقيف فلولا أن لديهم توقيفا في ذلك ما فعلوه
٢ - أن قنوت الوتر يشرع طوال العام وأن السنة فعله أحيانا وتركه أحيانا بدليل ما ورد من الاختلاف في مشروعيته
طوال العام مما يدل أن الرسول ﷺ كان يتركه أحيانا
ويتأكد المداومة عليه في النصف الأخير من رمضان من الليلة السادسة عشرة ويشرع ترك القنوت في النصف الأول من رمضان إذا صلي بالناس وهذا من السنن المهجورة فإن قنت في أوله وآخره جاز
٣ - أن قنوت الوتر يجوز قبل الركوع وبعده والأصل فيه قبل الركوع
٤ - أن من السنن المهجورة في هذا العصر قنوت الوتر أن يكبر للقنوت وأن يكبر بعده إذا قنت قبل الركوع
٥ - أن من السنة أن يجهر الإمام في قنوت الوتر وأن يؤمّن من خلفه
٦ - أن السنة في دعاء القنوت ألا يكون طويلا ولو اقتصر على قدر الوارد فهو أفضل ولو أطال أحيانا بقدر ما ورد جاز
٧ - أن دعاء القنوت ليس فيه شيء مؤقت فهو يجوز بأي صيغة والأفضل الاقتصار على الوارد
٨ - أن من السنة للإمام إذا صلى بالناس جماعة الوتر في رمضان ألا يقنت في النصف الأول من رمضان وأن يقنت في النصف الأخير منه ويدعو على الكفرة
٩ - يشرع رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر ويشرع إرسالهما ويشرع رفعهما في أوله وإرسالهما في آخره كل ذلك جائز
١٠ - لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الدعاء
١١ - يشرع الصلاة على النبي ﷺ في دعاء قنوت الوتر.
١٢ - يسجد للسهو من كان من عادته القنوت في الوتر فسها عنه أما من لم يكن من عادته القنوت أو تعمد تركه فلا سهو عليه
١٣ - أن من أشبه الصلوات بصلاة الوتر صلاة المغرب؛ إذ المغرب وتر النهار فما ثبت في القنوت فيها للنازلة يثبت للقنوت في الوتر ويؤكد هذا أن ما ثبت في الفريضة ثبت مثله في النافلة إلا لدليل
١٤ - أن أغلب أحكام قنوت الوتر ثابتة بفعل الصحابة رضوان الله عليهم والمقام مما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه إذ مثل ذلك لا يكون بالرأي فله حكم الرفع واختلافهم في هذا من باب اختلاف التنوع ما أمكن الجمع , والله الموفق هذا ما تيسر لي جمعه وتخريجه في هذا الموضوع أسأل الله بأن له الحمد لا إله إلا هو الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام أسأله العفو والعافية وأن يتقبل جميع عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يجعله داعيا إلى سنة نبيه الكريم محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين. وسبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
стр. 1443
الأحكام الشرعية للأعمال الطبية
المؤلف/ المشرف: أحمد شرف الدين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٠٢هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: أحكام طبية
الخاتمة: (١٠٣) لقد كان للاكتشافات العلمية في مجال الطب والجراحة وقع القنابل في عالم تسوده المبادئ التقليدية التي ترى أن حرمة النفس والجسم والجثة وهذه أحد الأركان الأساسية للنظام الشرعي والقانوني السائد.
هذه الاكتشافات، التي لو تركت دون ضابط فإنها ستؤدي إلى تغير الأعراف والأفكار بل والأخلاق، يجب أن يتسلح الفقهاء لمواجهتها بحكمها الشرعي حتى لا تتعدى حدودها فتصطدم سنة الله ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. كذلك فإن الفقه مطالب بالبحث عن أحكام مستحدثات الطب في الشريعة حتى لا نكون تابعين في هذه الأحكام.
وإذا كان يطلب من الفقه والقانون أن يراعيا الإمكانيات الحديثة للطب والبيولوجبا في وضع أحكامهما، فإن ذلك مقيد بعدم التعارض مع كليات الشريعة وبقدر ما تحفظه هذه الإمكانيات من مصالح جديرة بالرعاية، وإلا فإن للاكتشافات الحديثة للعلوم البيولوجية والطبية استعمالات لا فائدة منها بل إنها قد تكون مضرة.
إن قواعد الشريعة، على سعتها وترحيبها بكل تقدم علمي لمصلحة البشرية، لا يمكن أن ترضخ للإمكانيات الحديثة للعلوم لأن الشرع يحيط بعلمه وبأحكامه كل شيء، حين أن العلم لا يمكن أن يتسع لإدراك عواقب اكتشافاته ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾. وإزاء طرقات العلم، المفيدة منها والضارة، على أبواب الفقه والقانون، فإن الفقه يجد نفسه أمام طريقين متقابلين:
الأول: طريق اليقين طريق الله الخالق العالم بمن خلقه.
والثاني: طريق العلم والتجارب وهو طريق لا يتسم بالثبات أو باليقين.
وليس معنى اختيار الفقيه للطريق الأول أنه يرفض سلوك الطريق الثاني ولكن معناه أنه لا يأخذ من العلم إلا ما يحفظ مصالح راجحة في الشرع، فحيث توجد المصلحة فثم شرع الله.
إنما يجب على الفقيه، وهو بصدد بيان الحدود الشرعية لمكتسبات العلوم، ألا يقيد نفسه باجتهادات فقهية تقليدية صدرت في عصر لم يكن يعي بعد الكنوز التي اكتشفها العقل البشري في العصر الحديث. وإذا كان لكل حدث جديد فقه جديد يستند إلى أصول الشريعة ذاتها الواردة في القرآن والسنة، فإن الأحكام الفقهية التي هي مجرد اجتهادات وتفسيرات لما أجمل القرآن والسنة، يمكن أن تتغير بتغير الزمان، ولا يبقى ثابتاً إلا أصول الشريعة الواردة في القرآن والسنة.
لذلك فإن المعيار، الذي استندنا إليه في البحث عن الحكم الشرعي للإنجازات الطبيعة الحديثة، هو مدى اتفاق هذه الإنجازات مع كليات وأصول الشريعة، بينما اقتصر دور الفروع والاجتهادات الفقهية على تحديد الإطار الشرعي الذي يجب أن تبحث فيه المسألة.
(١٠٤) وبعد فإنه إذا كان لبحثنا هذا من فضل فإنه يتجسد في اعتقادنا، من ناحية في الطريقة التي جمعنا بها القواعد الفقهية المبعثرة، والتي يصعب على الباحث العثور عليها في أمهات كتب الفقه الإسلامي لوجودها في غير مظانها، ومن ناحية أخرى في الكيفية التي طبقنا بها هذه القواعد، بعد تقسيمها تقسيماً منهجياً، على بعض الأعمال الحديثة للطب والجراحة، ليكون البحث بذلك، في مجموعه وعلى ما نرجو، نبراساً يهتدي به في الحكم على كل ما هو مستحدث من أعمال في المجال الطبي والجراحي.
ولهذه الاعتبارات، ولكي يكون لبحثنا هذا فائدة علمية فوق قيمته العلمية المتواضعة، فإننا نثبت فيما يلي ملحقاً يتضمن اقتراحا بالقواعد التي تنظم بعض صور الاستخدامات الطبية الحديثة لجسم الإنسان وجثته.
ونتبعه بملحق آخر يتضمن أهم الفتاوى الصادرة في بعض الموضوعات التي عالجناها.
ولقد رأينا أنه من المفيد أن نخصص ملحقاً مستقلاً ليتضمن من ناحية التشريع الكويتي في شأن عمليات زراعة الكلى، وهو من أحدث التشريعات المتعلقة بهذا الموضوع، ومن ناحية أخرى الفتوى، التي أوردتها مذكرته الإيضاحية، والتي استصدرتها وزارة الصحة العامة من لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، لندرك بصفة ملموسة إلى أي مدى يعتبر المشرع الوضعي، في بلد إسلامي، نفسه ملزماً بالتقيد بالقواعد الشرعية المتعلقة بالتصرف في الحق في سلامة الحياة والجسد الذي هو أصلاً من موضوعات القانون المدني.
стр. 1444
الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجل- الأحكام الخاصة بالمرأة -
المؤلف/ المشرف: سعد بن شارع الحربي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المسلم ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: فقه المرأة - أعمال منوعة
خاتمة في أهم نتائج البحث
وبعد أن عرضت مسائل الفروق بين المرأة والرجل في الأحكام التي يشتركان في قواعدها العامة، ويختلفان في جزئياتها، أقول أن هذه الفروق في كثير منها ليست سالمة من خلاف بين الفقهاء، كما مر في أبواب الرسالة وفصولها ومباحثها ومطالبها، ومن أهم نتائج هذا البحث:
أولا: في باب العبادات:
١ - في مسألة الطهارة يغسل أثر بول الصبية التي لم تأكل الطعام عن إرادة وشهوة، بينما ينضح أثر بول الصبي الذي لم يأكل الطعام عن إرادة وشهوة تخفيفا لولع الناس وكلفهم بحمل الصبيان.
٢ - الختان في حق النساء مكرمة، بينما هو في حق الرجال واجب.
٣ - لا تحلق المرأة شعر رأسها لحاجتها إلى التجمل والتزين إلا لضرورة، بينما الرجل يجوز له ذلك.
٤ - لا يجوز للمرأة أن تمس طيبا تنتشر رائحته في خروجها إلى الأسواق منعا للفتنة بينما الرجل يتعطر بما شاء.
٥ - تخضب المرأة يديها ورجليها وتنقش بالحناء لأنه زينة في حقها وهو مطلوب منها ذلك، أما الرجل فإنه في حقه تشبه إلا لضرورة علاج ويباح له منه ما يخضب به رأسه ولحيته تغييرا للبياض فقط.
٦ - لباس المرأة يراعي فيه الستر والزينة الخفية والبعد عن التشبه بالرجال، ويجوز لها أن تلبس الحرير والذهب وتتحلى بما شاءت من أنواع المصوغ ما لم يخرج عن العادة والمألوف، والرجل لا يحل له لبس الذهب والحرير، ولا مصوغ الذهب والفضة إلا خاتم الفضة وما كان ضرورة ويراعي في لبسه للثياب الزينة الظاهرة مع البعد عن التشبه بالنساء.
٧ - في فصل الصلاة: المرأة لها عورة تختلف عن عورة الرجال فإنها كلها عورة إلا الوجه واليدين، أما الرجل فعورته ما بين السرة والركبة، والمرأة لا تؤذن ولا تقيم ولا تؤم جماعة الرجال، ولا تجهر بالقراءة في الصلاة وتصفق إذا نابها شيء في صلاتها بخلاف الرجل وإذا حضرت صلاة الرجال جماعة في المساجد تكون في صف وحدها خلف صفوف الرجال، وفي صفوف النساء خيرها أخرها وشرها أولها، بعكس صفوف الرجال.
٨ - تلبس الدرع والخمار في الصلاة حتى تخمر رأسها وظهور قدميها أما الرجل فيجزيه ما يستر عورته وهي ما بين سرته وركبتيه، وإذا خرجت إلى المساجد لحضور صلاة الجماعة فلا تتزين ولا تتعطر وتخرج تفلة.
٩ - يجوز لها حضور صلاة الجمعة ولا تنعقد بها عكس الرجل ويستحب لها حضور صلاة العيدين إذا لم يخش فتنة وحضور صلاة العيدين في حق الرجل سنة مؤكدة أو فرض كفاية.
١٠ - في مسألة الجنائز: تكفن في خمسة أثواب مبالغة في سترها استحبابا. والرجل يكفن في ثلاثة أثواب استحبابا، ولا تحمل النساء الموتى ولا يشيعنهم وذلك لضعفهن وعجزهن وقلة صبرهن ووجود الفتنة في حقهن، أما الرجل فإن ذلك في حقه فرص كفاية. وإذا اجتمعت جنائز رجال ونساء قدم الرجال على النساء لأنهم أولى منهن في الفضل في حال الحياة لقيامهم عليهن، فكذلك في حال الممات، ويقف الإمام في صلاة الجنازة على المرأة حيال وسطها وعلى جنازة الرجل عند رأسه استحبابا.
١١ - وفي مسألة الزكاة: لا تدفع المرأة زكاة لحليها الذي اتخذته للبس أو العارية ولو كثر إذا كان مما اعتادت النساء لبسه، أما الرجل فإنه يحرم عليه اتخاذ حلي النساء ولو اتخذه فإنه يزكيه، ولا يدفع الزوج زكاة ماله لزوجته اتفاقا بين الفقهاء لقيامه بالنفقة ولا تدفع زكاة مالها إليه لاشتراكهما في مصالح المال ومنافعه، ويجب على الزوج أن يخرج زكاة بدن زوجته.
стр. 1445
١٢ - في مسألة الصوم: لا يقبل خبر المرأة ولا شهادتها عن هلال شوال ويقبل خبرها في هلال رمضان احتياطا للعبادة، أما الرجل فإن شهادته معتبرة في هلال شوال. ولا تصوم نفلا وزوجها حاضر إلا بإذنه لأن ما تقوم به مندوب وحق زوجها واجب، فهو أولى بالتقديم.
١٣ - في مسالة الحج: يشترط وجود محرمها في خروجها إلى الحج لأنها عورة وضعيفة، فإذا لم تجد محرما فإنها تدخل فيمن لا يستطيعون الحج، ولا تخرج لحج النافلة وعمرتها إلا بإذن زوجها والرجل لا يحتاج إلى إذن الغير، وتلبس المخيط في إحرامها لأنه مطلوب في حقها الستر، أما الرجل فإنه يتجرد من المخيط لإحرامه، ولا ترفع صوتها للتلبية ويسقط عن ذات الحيض طواف الوداع. ولا ترمل ولا تضطبع في الطواف والسعي لئلا تنكشف ولأنها ليست من أهل الجلد. وكلما اعتزلت عن الرجال في طوافها وسعيها كان أكمل في حقها.
ثانيا: في باب الجهاد:
١ - لا يجب على المرأة قتال، بينما هو على الرجل فرض كفاية، أو فرض عين.
٢ - لا تقتل المرأة الكافرة من القوم المحاربين إذا لم تحارب أو تعن برأي أو مكيدة، وليس عليها جزية لأنها ليست من أهل القتال عكس الرجل.
ثالثا: في باب المعاملات:
١ - يحجر عليها في عطيتها فيما زاد على الثلث رعاية لمصلحتها ومصلحة زوجها وأسرتها وذلك في مسألة الصدقات والتبرعات عكس الرجل.
٢ - علمها مقيد بشروط تناسب طبيعتها الأنثوية وتراعي حق زوجها وأطفالها وعنصر الفتنة فيها، بينما عمل الرجل مطلق، لا يحد بقيود.
رابعا: في باب الولايات:
١ - لا تلي عقد النكاح ولا تكون وكيلا فيه، ولا تصح عبارتها فيه لأنه ليس بمال ولا يقصد به المال ومباشرة عقود الأنكحة تنافي الحياء والخفر. وتعرض المرأة للبروز أمام أجانب الرجال، أما الرجل فإنه يلي عقد النكاح.
٢ - المرأة أولى من الرجل في ولاية الحضانة للصغير أو من لا يستقل بشئون نفسه لأنها أكمل شفقة من الرجل.
٣ - لا تصح شهادتها في حقوق الأبدان والعقوبات، بينما ولاية الشهادة من الرجل مطلقة، وهي في الشهادة على النصف من الرجل.
٤ - لا تكون إماما ولا قاضيا ولا تلي شيئا من أمور المسلمين العامة، لوجود عامل الفساد في ولايتها شئون الناس العامة. مثل الحسبة والإمارة وغير ذلك.
خامسا: في باب الجنايات:
١ - ديتها على النصف من دية الرجل في النفس، أما ما دون النفس فإنها تعاقله إلى الثلث ثم تكون على النصف من ديته فيما زاد على ذلك.
٢ - يقتص لها من الرجل في الجراح العمد والأطراف التي توجب قصاصا، وتكون مساوية للرجل في ذلك لأن المعتبر العصمة.
٣ - لا تدخل في العاقلة، فلا تحمل من دية الخطأ شيئا لأنها ليست من أهل النصرة. وإنما يحمل ذلك العصبة الذكور. ولا تدخل في القسامة.
٤ - سادسا: في باب الأحوال الشخصية:
١ - المرأة على النصف من ميراث الذكر لأنها على النصف منه في الشهادة ولأنه يتحمل كثيرا من النفقات وأعباء الحياة الأخرى. وهي مستغنية بمال زوجها، وهذه في مسألة اجتماع الأبناء أو الأخوة الأشقاء أو الأخوة لأب.
٢ - لا ترث العمة وبنت الأخ وبنت الأخ العم عكس إخوتهن لأنهن من ذوات الأرحام ويورثن من قبل العصبة الذكور.
٣ - لا يرث ابن الملاعنة وابن الزنا من أبيه لأنه أجنبي عنه ويرث من أمه على عكس القاعدة في ميراث الولد من أبيه.
٤ - من قوامة الرجل على المرأة المهر والنفقة إذ يجبان عليه لها ولا يجبان له عليها.
٥ - لا تملك المرأة الطلاق ولا الإيلاء ولا عبارة الظهار، ويملك ذلك الرجل.
٦ - للمرأة حق الخلع في فك الرابطة الزوجية إذا خشيت الضرر بسوء العشرة إذا رضي زوجها والرجل لا يملك ذلك.
٧ - عليها عدة الوفاة صغيرة أو كبيرة مدخولا بها أو غير مدخول بها أما الرجل فإنه لا يعتد للوفاة.
وبعد، فإن ما تقدم خلاصة نتائج هذا البحث الذي ضمته أبواب وفصول هذه الرسالة في الفرق بين المرأة والرجل في الأحكام التي يشتركان في قاعدتها العامة ويختلفان في جزئيات هذه القاعدة. وبعضها ملزم والبعض الآخر على وجه الندب والاستحباب.
وإنني قد قدمت في قول مضى أول هذه الرسالة أني لم أتطرق لما كان من باب الضرورة أو كان شاذا أو ضعيفا خالف الإجماع إلا من النادر القليل، وحسبي أنني حاولت في جهد المقل أن ألم بمسائل مهمة في الفرق بين المرأة والرجل في مجال كثير من الأحكام وأن أنظمها في رسالة مستقلة تكون عونا للباحث والباحثة في مسائل الفروق بين النساء والرجال ومقدمة تدل على أول الطريق .. والله حسبي ونعم الوكيل.
стр. 1446
الأحكام المترتبة على الفسق في الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: فوفانا آدم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة دار المنهاج - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: فسق
الخاتمة: الحمد لله على التوفيق والإعانة، على استمرار العمل إلى النهاية، فله في ذلك الفضل والمنّة، وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة. ففي ختام هذه الرحلة الطويلة مع الفسق وما يترتب عليه من الأحكام، أجمل أهم النتائج التي توصلت إليها خلال البحث فيما يلي:
١ - اتفقت دلالة الكتاب والسنة واللغة، واصطلاح العلماء من المحدثين والأصوليين والفقهاء – ﵏، على أن الفسق هو الخروج عن الطاعة. وقد يطلق على غيره كالكفر، والمعصية، والفجور، والإثم، والكذب، وجميع أنواع السيئات. ٢ - إن الذنوب تتفاوت فيما بينها، فمنها الكبيرة ومنها الصغيرة، والفسق يحصل بارتكاب الكبيرة، أو بالإصرار على الصغيرة. فالكبيرة هي كل ذنب قرن والصغيرة ما كان دون ذلك، أو ما لم يقرن بما سلف. والإصرار عليها يكون بالإقدام عليها مع العزم على معاودتها، ثم تكرارها بناءً على هذا العزم السابق. وضابط التكرار هو تكرر الصغيرة تكرراً يشعر بقلة مبالاة المذنب بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. ٣ - البدعة هي ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، من عقيدة أو عمل. وهي أيضاً متفاوتة، فمنها المفسقة والمكفرة، فالمكفرة ما تضمنت مخالفة أصل فيه دليل مقطوع به، من كتاب أو سنة متواترة، أو إنكار أمر مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة. فمن تلبس بالمفسقة كان حكمه حكم الفاسق بالكبيرة، ومن تلبس – والعياذ بالله – بالمكفرة، كان حكمه حكم الكافر، لا تصح إمامته في الصلاة، ولا ولايته على المسلمين، وتبطل بها الولاية إن طرأت على الوالي، ويجيز الخروج عليه بشروطه، ولا يصلي عليه إن مات، ولا يزوج من المسلمات، ولا يعتد بقوله في انعقاد الإجماع، ولا تقبل فتاواه، ولا شهادته.
٤ - لفظ الفسق اصطلاح شرعي كالكفر، لا يجوز إطلاقه على معين إلا بعد توفر الشروط، وانتفاء الموانع، وإقامة الحجج والبينات.
٥ - إذا ثبت فسق المرء لم يقبل خبره في أمور الديانة، كخبره بطهارة الماء أو بنجاسته، وخبره بدخول وقت الصلاة، ودلالته غيره على القبلة، ولا يرجع الإمام لتسبيحه في الصلاة، ولا يقبل خبره برؤية هلال رمضان وغيره من الأهلة، لكن يستحب له إخبار الحاكم برؤيته، ولا تقبل فتاواه إن كان عالماً. ٦ - إقرار الفاسق يلزم نفسه، فإذا أقر بحق لزمه، وكذلك خبره، فإن أخبر برؤية هلال رمضان ورد خبره، لزمه الصوم، فإن أفطر وجب عليه ما يجب على الفطر وحده سراً، لكن إذا كمل الثلاثين في صومه الذي رأى وحده الهلال، ولم يطلع الهلال ليلة إحدى وثلاثين، لم يفطر إلا مع الجماعة؛ لتبين خطؤه حينئذ. وهكذا المجتهد الفاسق، إذا اجتهد في مسألة فأدى به اجتهاده فيها إلى حكم، لزمه في حق نفسه دون غيره. ٧ - إن الفاسق ليس من أهل الترخص، فلا يجوز له الترخص بالرخص الشرعية في سفره للمعصية، كالمسح على الخفين، وقصر الرباعية، والجمع بين صلاتين، وسقوط الجمعة، وعدم استقبال القبلة عند التنفل على الراحلة، والفطر في رمضان. ولا يعطى من الزكاة إذا كان غارماً في معصية، أو كان ابن سبيل في سفر المعصية، ولا تجوز له صلاة الخوف إذا كان في قتال، أو هروب من عدو هو فيهما عاص. أما إذا كان في سفر مباح أو واجب، غير أنه يعصي الله فيه، فيجوز له الترخص بهذه الرخص كلها، وكذلك إذا تاب؛ لخروجه من المعصية وصيرورته من أهل الرخصة.
стр. 1447
٨ - إن رد خبر الفاسق، ومنعه الترخص بهذه الرخص، زجر له عن فسقه ومعصيته، ومن صور زجر الفساق وعقوبتهم: جواز إظهار سجود الشكر أمام الفاسق؛ ليرتدع من معصيته التي يفسق من أجلها، وعدم صلاة الأئمة وأولي الفضل على الفاسق إذا مات، وعدم إيتائه من الزكاة إذا كان يستعين بها على المعصية، ومنع الولد الفاسق من الهبة إذا كان يستعين بها على المعصية، ومنع الوالد الفاسق من الاتهام لولده، وعدم إجابة دعوة الفاسق إلى الوليمة، ومنعه من التزوج بالصالحة العفيفة، ونزع اللقطة واللقيط منه إذا التقطهما، وعدم الاعتداد بتعريفه اللقطة، ومنع الفاسقة من حقها في حضانة طفلها، ومنع الناشزة من حقها في القسم والنفقة، وندب تطليق الفاسقة، إذا كان فسقها بالزنا، أو بتفريط في حقوق الله الواجبة، إذا عجز الزوج عن إجبارها عليها، وجواز اختلاع المرأة من الزوج إذا كان كذلك ...
٩ - للخوف من الفساق أثر في تغير بعض الأحكام، كخوف المرأة على نفسها الفساق عند الماء، وخوف واجد اللقطة عليها في ممر الفساق والخونة، فيباح التيمم للأولى، ويوجب الالتقاط على الثاني، ويسقط وجوب الحج على المرأة إذا لم تجد في سفرها إليه غير محرم فاسق، أو رفقة فاسقة غير مأمونة، كما يباح للمعتدة الانتقال من مسكنها الذي تعتد فيه، إذا كان بجوار الفسقة.
١٠ - لا يؤثر فسق السيد على تصرفاته في مملوكه، فتثبت له الولاية عليه، ويجوز له تزويج أمته، وإقامة الحد على رقيقه إذا زنى.
١١ - الفاسق من أهل القرب، وعباداته صحيحة إذا أداها على الوجه المطلوب، فيصح وقفه، ووصيته لغيره ما لم تكن الوصية في كفالة الأولاد، وتصح مشاركته في الجهاد. ما لم يكن مخذلاً أو مرجفاً أو خائناً يتجسس للكفار، ويطلعهم على عورات المسلمين.
١٢ - يجب تجهيز الفاسق والصلاة عليه إذا مات، سواء كان فسقه باعتقاد أو بارتكاب الكبيرة، ويجب بره على أبنائه مع فسقه، وتحرم الخطبة على خطبته، وتصح ولايته في نكاح نسيبته، وتصح وكالته في التزويج، ويصح لعانه، وأمانه لآحاد الكفار، وتقبل دعواه على العدل ويطالب باليمين إذا أنكر. فهذه مسائل لا فرق فيها بين الفاسق والعدل.
١٣ - يقبل خبر الفاسق في المعاملات، إلا إذا كان الفاسق المخبر فضولياً، ففي قبول خبره فيها خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، بناءً على أن هذا الخبر هل هو شهادة، أو خبر في المعاملات؟.
١٤ - الفاسق جائز التصرف، فيصح منه البيع والشراء، والإجارة، وتجوز مشاركته مع الكراهة، ويصح ضمانه وكفالته، ويصح التقاطه اللقطة واللقيط، غير أنهما ينزعان منه، ويملك اللقطة إذا لم يعثر على صاحبها بعد مدة التعريف، ويجوز وضع الرهن عنده إلا إذا كان الرهن أمة أو خنثى، أو كان الرّاهن والمرتهن، أو هما معاً متصرفين عن الغير، وكان الفاسق يخرج بفسقه عن الأمانة، ويجوز إيداع الوديعة عنده، إذا كان فسقه بغير معصية مالية، ولا يخشى منه عليها. وتجوز وكالته فيما يجوز له التصرف فيه.
١٥ - لا تنفسخ المساقاة بظهور الفسق من العامل، وإنما يتحفظ منه رب المال، فإن عجز ساق عليه الحاكم، وتكون أجرة العامل الثاني على الأول الخائن. ولا تنفسخ الإجارة كذلك بفسق المستأجر، وإنما على المؤجر أو الحاكم منعه من الفسق.
١٦ - فسق الرقيق عيب مثبت للخيار، إذا كان بارتكاب الكبائر، واختلفوا في فسق الاعتقاد. وكذلك ظهور الفسق من الأجير حيث لا يمكن التحفظ ولا التحرز من ضرره، وظهوره من المستأجرة للرضاعة مثبت للخيار.
١٧ - يحرم العقد على المنافع المحرمة، في الإعارة والإجارة، كما يحرم التوكيل في المعصية، والوصية بالمعصية أو الوقف عليها.
стр. 1448
١٨ - الفاسق ليس من أهل الولايات الدينية ابتداءً، فإذا ولي عليها صحت في بعضها، كإمامة الصلاة والأذان وغسل الميت، ولا تصح في الولايات المالية، كالنظر على الوقف، والوصية، والعمل على الزكاة وخرص الثمار. وكذا الولاية على النفس، ويعزل عنها ولو طرأ عليه الفسق بعد توليته. وهكذا ولاية القضاء، لا تصح ولايته، وإذا ولي وحكم لم ينفذ حكمه، إلا إذا ولاه ذو شوكة، فينفذ للضرورة، وينعزل بالفسق نفسه إذا طرأ عليه، وعلى الإمام تعيين قاض آخر مكانه؛ يتصفح قضاءه السابق، فما وافق الحق أمضاه، وما جانبه نقضه. أما الولاية الكبرى فلا تصح تولية الفاسق فيها، ولا العهد إليه بها، وإذا تولاها بالغلبة، أو فسق بعد عدالته، وجب نصحه وطاعته في المعروف، ويجزئ دفع الزكاة إليه، والجهاد معه، وتولي القضاء منه إذا كان يمكن القاضي من القضاء بالحق، ولا يجوز عزله ولا الخروج عليه، ولو كان فسقه فسق اعتقاد ما لم يبلغ حد الكفر البواح. وهذا كله عند السعة وتوفر العدول، فإذا عدم العدول وكان الموجودون كلهم فساقاً ولي أقلهم فسقاً وفجوراً.
١٩ - لا يصح تحكيم الفاسق في تحديد جزاء الصيد إذا قتله محرم، ولا للإصلاح بين الزوجين، أو بين الخصوم، ولا يقبل نزول الكفار إذا حوصروا على حكمه.
٢٠ - لا يجوز للقاضي الاستعانة في قضائه بفاسق، لا في النيابة عنه، ولا في الاستشارة، أو الكتابة، أو الحجابة، أو الترجمة، أو القسمة، أو التزكية والسؤال عن الشهود.
٢١ - تصح المكاتبة بين القضاة، فإذا كتب أحدهم إلى آخر، ثم فسق الكاتب بعد الحكم بكتابه، لم يغير ذلك في الحكم شيئاً، وإن فسق قبل الحكم بكتابه، فإن كان الكتاب بحكم مبرم أمضي ونفذ، وإن كان بسماع شهادة رد ولم يحكم به الثاني. وإن فسق المكتوب إليه عمل المتولي بدله بالكتاب، سواء كان بحكم مبرم، أو بسماع بينة.
٢٢ - إذا غلب البغاة على بلد وأخذوا منهم الزكاة أجزأتهم، ولا يكلفون بإعادته إذا غلب عليهم إمام أهل العدل. أما قضاء قاضيهم، فإن كانوا خوارج وأهل بدع لم يصح قضاء قاضيهم. وإن كانوا مجرد بغاة، فلا يخلو قاضيهم من أن يكون منهم، أو من أهل البلد الذين ظهروا عليهم، فإن كان القاضي من أهل البلد عدلاً صالحاً للقضاء صح قضاؤه، وإن كان من البغاة أنفسهم، صح ونفذ ما كان صواباً من قضائه، ورد ما خالف الصواب كقاضي أهل العدل.
أما إذا كتب قاضيهم من أهل البلد العدل بالعدالة، أو بمخالفتهم للبغاة، قبل كتابه، وإن لم يكونوا كذلك لم يقبل كتابته، وأما كتاب القاضي من البغاة الموافق للصواب، فالمستحب عدم قبوله، وإن قبله قاضي أهل العدل وعمل به جاز. وتقبل شهادة البغاة إذا لم يقاتلوا أهل العدل، ولم يستحلوا دماءهم، فإذا قاتلوهم واستحلوا دماءهم ردت شهادتهم ولم تقبل.
٢٣ - العدالة المطلوبة في الشهود هي الظاهرة والباطنة، وذلك عند أداء الشهادة لا عند تحملها، فيصح تحمل الفاسق الشهادة على أن يؤديها إذا تاب، وإذا لم يتب حتى دعي لأدائها لم تلزمه الإجابة. وشهادة الفاسق مردودة مطلقاً سواء كان فسقه بارتكاب كبيرة، أو ببدعة، وإذا قبل الحاكم شهادته وحكم به لم يصح الحكم.
٢٤ - إذا قبل القاضي شهادة عدلين، ثم فسقا قبل الحكم بشهادتهما، رد شهادتهما ولم يحكم بها. وإذا حدث الفسق منهما بعد الحكم وقبل الاستيفاء، فإن كان الحكم في مال استوفاه، ولم يؤثر الفسق في الاستيفاء، وإن كان المحكوم به حدا لله أو لآدمي كحد قذف أو قصاص لم ينفذ ولم يستوف. وإن حدث الفسق بعد الاستيفاء لم يتأثر به الحكم.
стр. 1449
٢٥ - إذا ظهر للقاضي فسق الشهود الذين قضى بشهادتهم بعلمه هو، نقض حكمه إذا لم يتهم في قضائه بعلمه، وإن كان بشهادة شاهدين، فإن أسند الفسق إلى وقت الحكم، نقضه القاضي، وإن شهدا مطلقاً لم ينقض الحكم بذلك. وإذا نقض الحكم في الحالين الأوليين رد القضايا والحقوق إلى أهليها، فلو كان الحكم المبني على شهادتهم في طلاق، أو عتق، أو عقد، أو لعان، رده. وإن كان في مال حكم بقضائه. وإن كان في قصاص في نفس أو عضو، كان الضمان على الشهود إن علموا، وإلا فعلى عاقلة القاضي.
٢٦ - إذا شهد عدلان عند القاضي المتولي أن القاضي قبله كان قد حكم بشهادة فاسقين، أحضر القاضي السابق، فإن أنكر كان القول قوله، وإذا ثبت أنه حكم بشهادة فاسقين، أحضر القاضي السابق، فإن أنكر كان القول قوله، وإذا ثبت أنه حكم بشهادة فاسقين نقض حكمه السالف.
٢٧ - إذا أشهد فاسق على شهادته عدلاً لم تصح شهادته على شهادته، وإذا تحمل الفرع العدل شهادة الأصل العدل، ثم طرأ الفسق على الأصل، بطلت شهادة الفرع على شهادته، سواء كان قبل أدائها، أو بعد أدائها وقبل الحكم بها. وإذا تاب قبل أداء الفرع شهادته على شهادته قبلت من الفرع الشهادة. ويصح تحمل الفاسق شهادة الأصل العدل، على أن يؤديها عنه عند عدالته، ولو كان عدلاً عند التحمل ثم طرأ عليه الفسق، منع الحكم بشهادته إلى أن يتوب، ولا يؤثر فسقه على شهادة الأصل.
٢٨ - القذف كبيرة من الكبائر، ومن قال لأخيه: يا فاسق، عزر ولم يحد، ما لم يجر العرف بتخصيصه بالزنا، أو يرد القائل نسبته به إلى الزنا وحد القذف لا يجب بقذف الفاسق بالزنا غير العفيف، أما سائر الفساق فيجب بقذفهم الحد.
٢٩ - شهادة القاذف لا تخلو من أربعة أحوال:
الأولى: أن يشهد قبل الحد والتوبة، فتقبل شهادته ما لم يثبت كذبه.
الثانية: أن يشهد قبل الحد وبعد التوبة فتقبل أيضاً.
الثالثة: أن يشهد بعد الحد وقبل التوبة فلا تقبل شهادته
الرابعة: أن يشهد بعد التوبة والحد فتقبل شهادته.
٣٠ - المحدود في القذف ليس من أهل الولاية ولا الشهادة عند الحنفية، ففسقه مؤبد عندهم لا ترفعه توبته، وهو بمثابة الفاسق قبل التوبة عند الجمهور، إلا في مسألة واحدة وهي صحة حلفه أيمان القسامة كالعدل، وذلك بمني على أنها أيمان لا شهادة، لذلك لا يجيزون توليه القضاء، ولا يصححون لعانه لأن الأيمان فيه شهادات عندهم، ولا يقبلون شهادته، ولا يجيزون نزول الكفار على حكمه إذا حوصروا ... بخلاف الفاسق عندهم، فهو من أهل الولاية والشهادة لكن الأفضل ألا يول القضاء، وألا تقبل شهادته، فإذا ولي القضاء وحكم، أو قبلت شهادته وحكم بها صح.
٣١ - المحدود في غير القذف تقبل شهادته بعد توبته اتفاقاً، وكذلك شهادة التائب من سائر الذنوب، ما لم يعد شهادته المردودة لفسقه السالف.
٣٢ - تقبل التوبة من جميع المعاصي، إذا كانت خالصة لله تعالى، وأقلع العاصي من الذنب، وندم على ما فات، وعزم على عدم العودة، وكانت توبته قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها. وإن كان الذنب في حقوق الآدميين رد المظالم إلى أهلها. وإن كانت المعصية قذفاً أكذب نفسه فيما قذف به أخاه. وإن كانت بدعة اعترف بها ورجع عنها، واعتقد ضد ما كان يعتقده من مخالفة السنة، فإن كان داعية إلى بدعته، دعا إلى ضد ما كان يدعو إليه من قبل.
ولا بد بعد هذا من استبراء التائب مدة يصلح فيها العمل، ويتحقق خلالها صدقه في توبته.
٣٣ - لا يؤثر الفسق في القسامة، فتصح أيمانها من الفساق على العدول وعلى أمثالهم الفساق، وتعتبر شهادة الفساق لوثاً موجباً للقسامة، وعن مالك في اعتبار شهادة الفاسق الواحد لوثاً موجباً للقسامة روايتان.
стр. 1450
وقول الفاسق المقتول في العمد: دمي عند فلان لوث عند المالكية، كما أن القسامة تبطل بتكذيب بعض الورثة بعضاً في تحديد المدّعي عليه، ولو كان المكذب فاسقاً.
٣٤ - إذا أدلى المدعي بشهوده، فإما أن يعرفهم القاضي، وإما ألا يعرفهم، فإن عرفهم بالفسق أو بالعدالة عمل بعلمه. وإذا لم يعرفهم بحث عن عدالتهم، فإن تبين جرحهم وفسقهم، سترهم القاضي وطالب المدعى عليه قبل الحكم، فإن عدلهم قبل تعديله، وإن فسقهم لم يقبل منه إلا ببينة، فإن كانت حاضرة سمعها القاضي منه، وإن كانت غائبة واستمهل القاضي ليأتي بها أمهله، فإن أتى بها، وإلا حكم القاضي عليه بشهود المدعي.
٣٥ - جرح الشهود لا يقبل إلا مفسراً، سواء كان من المزكين أو من المدعى عليه، فلا يكفي أن يقول: هو فاسق، إلا إذا بين سبب فسقه.
هذا أهم ما توصلت إليه خلال هذا البحث، وهو جهد طالب علم يرجو من ربه المزيد من العلم، فما وافق الصواب فمن الله، وما جانبه فمني ومن الشيطان، والفقه الإسلامي منه بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب – عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام -.
وإذ أن المولى قد أبى العصمة إلا لكتابه، فإني أناشد الله كل قارئ يطلع على زلة أو ملحوظة في هذا العمل أن يبادر بإشعاري – جزاه الله خيراً - وسيجد صدراً رحباً لقبول وجهة نظره.
والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه موجباً لرضوانه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1451
الأرش وأحكامه
المؤلف/ المشرف: حسين بن عبدالله العبيدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: حدود وعقوبات
الخاتمة:
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للناس أجمعين نبينا وإمامنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإنني أحمد الله تعالى الذي يسر لي إتمام بحثي وأعانني عليه وهآنذا في آخر البحث أكتب خاتمته التي تتضمن أهم النتائج التي ظهرت لي، ومن ثم أعقبتها بكتابة بعض التوصيات التي أراها، وهذه النتائج على النحو الآتي:
١ـ أن الأرش قسط ما بين الصحة والعيب في المبيع، وما يؤخذ من المال عن الجناية على مادون النفس مما لا قصاص فيه، وليس له عقل معلوم من الشارع وليس الأرش ثابتا بنص من الكتاب أو السنة غير أن الفقهاء متفقون على القول به والعمل بمقتضاه ويشهد لذلك عموم النصوص التي نهت عن أكل أموال الناس بالباطل وحرمت الظلم والإضرار بالناس.
٢ـ المرجع في تقويم المعيب لإخراج أرش العيب لأهل الخبرة بذلك المبيع وأنهم إذا اختلفوا في اعتبار الشيء عيبا من عدمه حكم بقول المثبتين للعيب لأن عندهم زيادة علم خفيت على غيرهم.
٣ـ أن الأرش لا يحكم به إلا بشروط ويسقط بمسقطات فلا يحكم به إلا إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه ومسقطاته.
٤ـ أن العيوب متنوعة فمنها الظاهر ومنها الخفي وللعرف اعتبار في تحديد ماهية العيب وكذا أهل الخبرة.
٥ـ إن العيب المؤثر هو ما ينقص قيمة المبيع أو عينه نقصانا يفوت به غرض صحيح على المشتري ويغلب على جنس المبيع عدمه فما كان من هذا القبيل فهو عيب بالمعنى الاصطلاحي يعطي للمشتري الحق في الرجوع على البائع لاستدراك ظلامته منه.
٦ـ أن الحكم بإمساك المشترك المبيع المعيب وأخذه أرش العيب أو أرش فقد الصفة المشترطة في المبيع أو الحكم برد المبيع المعيب إذا نقص سعره عند المشتري كل ذلك موكول لاجتهاد القاضي ونظره في القضية ويحكم بما يرى أنه المصلحة والأخف ضررا.
٧ـ أن المبيع إذا حدث به عيب آخر عند المشتري لزمه إمساكه وأخذ أرش العيب القديم الذي كان عند البائع لأن المبيع خرج عن صفته التي كان عليها عند عقد المبيع وهكذا كل تغير للمبيع عن صفته ما لم يكن المبيع ربويا قد اشتري بجنسه.
٨ـ لا يحكم بالأرش في بيع الربويات إذا كان العوضان ربويين ومن جنس واحد لئلا يفضي أخذ الأرش إلى ربا الفضل المحرم.
٩ـ كل ما حدث بالمبيع بعد العقد من عيب فهو من ضمان المشتري وإن لم يقبضه ما لم يمنعه البائع من قبضه أو كان المبيع مما يحتاج لحق التوفية، وكذا ما حدث بالمبيع بعد القبض ما لم يكن العيب في المبيع يرجع إلى سبب سابق على العقد بأن وجد سببه عند البائع وحقيقته عند المشتري.
١٠ـ أن زوال ملك المشتري عن المعيب لا يسقط حقه من الأرش مطلقا ما لم يكن عالما بالعيب فيسقط حقه حينئذ لرضاه بالعيب دلالة.
١١ـ أن الحكم بأرش العيب على الفور عرفا من حين يعلم المشتري بالعيب ويسقط بتأخيره ما لم يكن معذورا بهذا التأخير حفظا للحقوق ومراعاة لمصلحة الطرفين ودفعا للضرر عنهما معا.
١٢ـ أن المبيع المتعدد إذا بيع صفقة واحدة وهو مما يضره التفريق ثم وجد المشتري في بعضه عيبا فله رد الجميع أو إمساك الجميع، وليس له رد المعيب وحده إلا إذا كان المبيع ما لا يضره التفريق فيرد المعيب بقسطه.
١٣ـ المبيع الذي لا يطلع على عيبه إلا بكسره يجوز للمشتري رده معه أرش الكسر أو يمسكه ويأخذ أرش العيب إذا كان العيب مفسدا لبعض المبيع وكان ذلك المبيع ينتفع به.
стр. 1452
١٤ـ ليس الحكم برد المصراة ورد معها عوض اللبن من قبل الحكم بأرش العيب وذلك أن التصرية من باب الغش والتدليس وليست التصرية من قبيل ظهور العيب في المبيع ولذا يرد مشتري المصراة عوض اللبن صاعا من تمر وليس كذلك أرش العيب سواء كانت التصرية في بهيمة الأنعام أم في غيرها.
١٥ـ أن اشتراط البائع البراءة من العيوب في المبيع لا ينفع البائع لأن هذا نوع من الغرر والجهالة فلا يكون صحيحا.
١٦ـ هناك عهدة للمبيع عامة فيرجع المشتري على البائع فيما يظهر بالمبيع من عيب فيها وليس فيه عهدة خاصة بالرقيق.
١٧ـ إذا اختلف المتبايعان في زمن حدوث العيب أو في زوال أحدهما فالقول قول البائع مع يمينه إذا كان العيب يحتمل قوليهما معا.
١٨ـ يجبر البائع على دفع أرش العيب إذا تعذر رد المبيع ولا يجبر على دفعه إذا تمكن المشتري من رده.
١٩ـ لا يضمن الراهن تلف الرهن أو تعيبه إذا لم يفرط في حفظه ولم يتعد عليه كما يقبل قول الراهن مع يمينه في زمن حدوث العيب في العيب المرهونة إذا كان العيب يحتمل قول كل من الراهن والمرتهن.
٢٠ـ الغاصب ضامن لما يحدث من عيب أو نقص سواء نقصت قيمته أم لا كما يضمن الغاصب نقص سعر المغصوب بسبب رخص الأسعار أو بسبب التغيير وتحويل المغصوب من حالة إلى حالة أخرى أو بسبب استعماله حتى لو كان النقص بسبب طلب المغصوب منه إزالة ما أحدثه الغاصب.
٢١ـ يستحق المغصوب منه أرش النقص إذا رد الغاصب العين المغصوبة ولو زال العيب بعد الرد، وهذا بخلاف ما لو زال النقص عن المغصوب قبل رده بحيث رده الغاصب سليما كما كان قبل الغصب.
٢٢ـ إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في زمن حدوث العيب في المغصوب وكان العيب محتملا القدم والحدوث فإنه يقبل قول الغاصب بيمينه تمسكا بالأصل من براء ذمة الغاصب من هذا العيب ما لم يقم خلاف ذلك.
٢٣ـ الشفيع كالمشتري في استحقاق أرش العيب من عدمه وكذا المستأجر إذا اطلع على العيب في العين المؤجرة ما لم يطلع على العيب أثناء مدة الإجارة.
٢٤ـ يضمن المستأجر أرش نقص العين المؤجرة إذا تعيبت بسبب سوء استعماله أو تعدى على العين المؤجرة أو لم يراع شرط المؤجر.
٢٥ـ إذا اختلف المالك والأجير في صفة العمل قبل قول المالك مع يمينه فإذا حلف استحق أرش النقصان وهو ما بين قيمة العين صحيحة ومقطوعة.
٢٦ـ يدخل أرش البكارة في المهر فيجب لمن وطئت بشبهة وهي بكر مهر مثلها من الأبكار.
٢٧ـ من تصرف في حق غيره فأنقصه لزمه ضمان أرش نقصه سواء كان عامدا أم ظانا أنه ملك له ثم تبيين خطأ ظنه لأن هذا في حقوق الآدميين وهي مبنية على المشاحة والضيق.
٢٨ـ من تضرر بسبب تصرف جهة عامة فإنه يستحق أرش النقصان كمن تضرر بسبب فرد دفعا للضرر عنه فلا ضرر ولا ضرار.
٢٩ـ يحكم بأرش النقص على من اعتدى على حق من حقوق المسلمين العامة ومرافقهم التي ينتفعون بها ويكون إمام المسلمين هو القائم مقامهم فيطالب المعتدي بالأرش وتكون الجهة المعتدى على حقها مثله في المطالبة وذلك لأن هذا حق عام للمسلمين ويكون الوالي مطالبا وقائما مقام عامة المسلمين وله أن يفوض من يشاء في هذا الأمر.
٣٠ـ من تسبب في حادث سيارة فإنه مطالب بضمان أرش نقصها عن قيمتها لصاحبها فيضمن ما نقصت تلك السيارة بسببه دفعا للضرر عن صاحبها.
٣١ـ الأصل في الجراح الحكومة إلا ما وقتت السنة فيه شيئا معلوما.
٣٢ـ أن الأرش الواجب في الجناية يستخرج عن طريق الحكومة التي يحكم بها القاضي ونحوه فهو تي يقدر الواجب ويستعين القاضي وغيره بأهل الخبرة من الأطباء وغيرهم.
стр. 1453
٣٣ـ أن طريقة تقدير الحكومة في الجنايات غير المقدرة يتم عن طريق معرفة ما ألحقت الجناية بالمجني عليه ولا يعمل بالحكومة إلا إذا برأ واستقرت حاله وأمنت سرايته ولا تبلغ الحكومة الدية المقدرة فيما إذا كانت الجناية على عضو فيه مقدر ووجبت الحكومة.
٣٤ـ يعمل بالحكومة في الشجاج غير المقدرة وطريقة ذلك: أن يعرف مقدار تلك الشجة من أدنى الشجاج المقدرة ويجب بقدر نسبتها.
٣٥ـ الأصح أن في الضلع والترقوة والذراع والعضد والساق عقلا مقدرا من الشارع لصحة النقل في هذا الشأن فإذا وقعت الجناية على واحد من هذه العظام حكم بواجبه.
٣٦ـ يجوز للمجني عليه أن يستوفي ما أمكن من محل الجناية ويأخذ أرشا عما لم يتمكن من استيفائه على وجه الكمال فلا يستحق الجمع بين القصاص وأخذ الأرش.
٣٧ـ تثبت الحكومة في إبانة العضو ولو ثبت في مكانه والتحم سواء كان فيه عقل مقدر أم لا، تعويضا للمجني عليه عما لحقه من الشين والنقص.
٣٨ـ تجب الحكومة في الجنايات التي لم يقدر لها الشارع عقلا أما ما أوجب الشارع فيه عقلا مقدرا فيجب فيه المقدر إلا إذا لم يتحقق موجبه فيجب بقسط الذاهب من ديته إن كان النقص معلوما وإلا وجبت الحكومة عند تعذر معرفة النقص.
٣٩ـ تجب الحكومة في الجناية ولو لم تترك أثرا بعد البرء والاندمال ولا تذهب الجناية هدرا، كما تجب إذا برأ العضو المجني عليه مشوها أو ناقصا معيبا.
٤٠ـ كل عضو ذهب نفعه ففي إتلافه أو بعضه حكومة ولو كانت صورته باقية وكذا لو وقعت الجناية على عضو زائد في الإنسان.
٤١ـ كل جناية تفوت جمال العضو بدون نفعه ففيها حكومة.
٤٢ـ إذا وقعت الجناية على عضو ناقص فيحط من ديته بمقدار الناقص أما إن لم يكن فيه مقدر ففيه حكومة.
٤٣ـ يجب أرش البكارة على من أزالها بغير الوطء وهو التفاوت بين كون المرأة بكرا وثيبا، ولا يسقط هذا الأرش لو رجع الجاني عن اعترافه لتعلق ذلك الإقرار بحق آدمي.
٤٤ـ تجب الحكومة في الجناية على الأعضاء الباطنية في الإنسان نظرا لعدم ورود التقدير فيها وليست نظيرا لما وقتت ديته.
٤٥ـ لا تجب دية المنفعة في الإنسان إذا ذهبت على وجه الدوام ولا يرجى عودها بقول أهل الخبرة في هذا أما إذا نقصت المنفعة التي قدر الشارع لها دية وتقديره فتجب فيه حكومة عن طريق اجتهاد القاضي ومعرفته حسب تقرير أهل الخبرة في هذا.
٤٦ـ تجب الحكومة في الجناية التي تذهب لبن المرأة من ثدييها وكذا لو وقعت الجناية على ثندؤتي الرجل أو إحداهما.
٤٧ـ يعمل بالآلات الطبية الحديثة لتحديد مقدار نقص السمع أو البصر وغيرهما من المنافع ويكون ذلك من قبل الأطباء المختصين الموثوق بهم وهذا أولى من العمل بالصور التي ذكرها الفقهاء الأوائل رحمهم الله تعالى ولا محذور في هذا بل هو من المصالح التي فيها نفع للناس وحفظ لحقوقهم.
٤٨ـ الأصل في أعضاء الصغير ومنافعه السلامة فيجب بالجناية عليها ما يجب بالجناية على أعضاء الكبير ومنافعه إلا إذا وجد ما يعارض هذا
الأصل ويناقضه فيحكم فيه.
٤٩ـ تتعدد الأروش بتعدد محل الجناية بخلاف ما إذا كان العضو المجني عليه واحدا ذا أجزاء فتجب فيه ديته فقط إذا كان ذلك بجناية واحدة وإلا وجب لكل جناية واجبها.
٥٠ـ إذا وقعت الجناية على عضو تجب الدية ببعضه وزادت إلى محل آخر وجبت دية العضو وحكومة لما زاد ولا يتداخلان.
٥١ـ يختلف أرش الرجل الحر عن المرأة الحرة، كما يختلف أرش الرقيق والأمة عن الأحرار، والكفار عن المسلمين وذلك نظرا لاختلاف دياتهم والأرش يؤخذ بالنسبة من الدية فإذا اختلفت الدية اختلف الأرش تبعا.
стр. 1454
٥٢ـ تحمل العاقلة أرش الجناية خطأ إذا بلغ ثلث دية النفس فأكثر وتدفعه أثلاثا فإن كان الأرش الواجب ثلث الدية وجب في سنة وإن كان ثلثي الدية ففي سنتين وهكذا فإن لم يكن للجاني عاقلة أو كان له وتعذر الأخذ منها فإن أرش الجناية يتحمله بيت مال المسلمين فإن لم يمكن الأخذ من بيت المال وجب الأرش في ذمة الجاني ولا يسقط فيبقى دينا حتى يتمكن الجاني من الوفاء به وذلك لأن أرش الجناية حق وجب لآدمي فلا يقسط إلا بالوفاء به أو العفو عنه ممن هو له لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة والشدة والضيق.
٥٣ـ قد يحكم للمجني عليه بالتعويض من جراء الجناية التي أصابته وألحقت به قد يحكم فادحة ترتب عليها تعطل المجني عليه عن الاكتساب وأقعدته عن العمل فلا بد من مراعاة هذا عند فرض الاستحقاق للمجني عليه فلا يسوى بين جناية طفيفة وأخرى أحدثت أضرارا بالغة نظرا لاختلاف جنايتهما وتفاوتهما.
هذه أهم النتائج وأبرزها التي ظهرت لي من هذا البحث ـ وهي جهد المقل ـ فإن أصبت فمن الله وحده وله الحمد والمنة، وإن أخطأت فأستغفر الله منه وأتوب إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولكنه طبع البشر فكلنا نخطئ والعصمة لمن عصمه الله، ولكن حسبي أني اجتهدت وبذلت وسعي وطاقتي في كتابة هذا البحث بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعله بحثا نافعا لمن كتبه وقرأه وأن يجزل لنا الأجر والمثوبة وأن يعفو ويصفح عما حصل فيه من خطأ فقد ينبو الفهم ويزل القلم ويسق اللسان ولكن أملي في الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقبل أن أختم هذا البحث أود أن أذكر بعض التوصيات التي رأيت أنها من الأهمية بمكان حتى تدرس أكثر وتعطى حقها من الدراسة والبحث وأهم هذه الأشياء ما يلي:
١ـ النظر في مسألة استحقاق المشتري رد المعيب وأخذ ثمنه إذا أراد الرد بعد انخفاض سعر المعيب انخفاضا كثيرا لاسيما ونحن في زمن ارتبطت فيه المبيعات بالأسواق العالمية، وكثير نزول الأسعار في بعض السلع نزولا كثيرا مما يتطلب دراسة هذا الموضوع لإصدار حكم في هذا الشأن.
٢ـ تعويض صاحب السيارة التي تضررت من جراء حادث فبقيت مدة للإصلاح إذا كان الصادم متعمدا أو مخطأ ويتحمل نتيجة الحادث، لاسيما إذا كانت السيارة أجرة وتعطل صاحبها عن الاكتساب.
٣ـ النظر في كيفية تقدير الحكومة في الجنايات، في وقتنا الحاضر غير ما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى مما كان سائدا في زمانهم من تقدير المجني عليه كأنه رقيق فهذه الطريقة لا تناسب الآن فلا بد من دراسة هذا الموضوع والنظر في كيفية أخرى تناسب الحال، لاسيما أن ما ذكره الفقهاء ليس ثابتا بنص لا يجوز تجاوزه بل هو اجتهاد منهم ﵏ فليجتهد في بحث هذه الجزئية والنظر فيها من طلاب العلم والقضاة.
٤ـ دراسة حكم الجناية على أعضاء الإنسان الباطنية كالكبد والطحال والأمعاء أو الكلية أو إضعاف القلب والتأثير عليه ولا يخفى على أحد أهمية هذه الأعضاء وأنها جديرة بالعناية والبحث وذلك أني لم أجد ـ فيما أعلم ـ من تطرق إليها بالبحث والدراسة ولا ريب في أهمية دراسة هذه المسألة ليوقف عليها بحكم شرعي لاسيما مع كثرة الحوادث التي من شأنها التأثير على هذه الأعضاء وتقدم الطلب وكثرة المستشفيات التي تعالج المصاب في شيء من هذه الأعضاء ليبقى على قيد الحياة ـ بإذن الله تعالى ـ لكن مع تأثير بهذه الجناية.
٥ـ النظر في مدى مسؤولية الجاني عما يحدث للمجني عليه من التعطل عن الاكتساب وما يلزم لنفقات العلاج بسبب الجناية ودخولها في الأرش وقد حرصت غاية الحرص وبذلت جهدي في بحث هذه المسألة وسألت أهل العلم والاختصاص من القضاة والمشايخ وقرأت عنها وما كتب فيها وسطرت خلاصة رأيي فيها وما وجدته عن هذه المسألة المهمة ولا زلت أرى أنها بحاجة للخدمة والعناية سواء من القضاة أم الباحثين أم غيرهم لاسيما مع كثرة الحوادث المقعدة عن العمل وما يتطلبه العلاج في الداخل أو الخارج من المنفقات والمصاريف.
هذا ما ظهر لي من توصيات أحببت إبرازها للقراء عامة وللمشايخ خاصة ليدلوا بآرائهم ويعملوا أفكارهم لدراسة هذه المسائل بعناية، فهآنذا وضعت هذه المسائل أمامكم وأبديت فيها رأيي وما ظهر لي فيها أسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا ما يسخطه ويأباه وأن يعفو عن سيئاتنا وزلاتنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده وخليله وأمينه على وحيه محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه والتابعين والحمد لله أولا وآخرا الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 1455
الأسهم المختلطة - أسهم الشركات التي لغرض مباح ولكنها تتعامل بالمحرم أحيانا
المؤلف/ المشرف: صالح بن مقبل العصيمي التميمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار التدمرية - الرياض ̈الثالثة
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: شركات
الخاتمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فإن على المسلم أن يتقي الله ويخافه ويجتنب غضبه وسخطه وأن يحرص كل الحرص على اجتناب المحرمات وعليه أن يعلم أن الذنوب والمعاصي متنوعة ما بين كبائر وصغائر وأن هناك ذنوبا لا أثر لها على صحة عبادة المسلم وأن هناك ذنوبا لها أثر عليها ومنها المال الحرام حيث يظل ملازما للمؤمن في جميع شؤونه من مأكل ومشرب مركب وملبس. فعندما يسافر لطاعة من الطاعات فإن مركبه حرام وملبسه حرام ولذا قال رسول الله ﷺ " ... الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك "
فأنت تلحظ هنا أن الرجل يسافر سفر الطاعات ويبذل الجهد بالدعاء ولكن دعاءه مردود عليه لأن المال الحرام قد أحاط به من كل جانب فأثر المال الحرام شديد فقد يقع الإنسان في معصية من المعاصي فلا تؤثر على صحة صلاته ولا على صحة حجه بعكس المال الحرام الذي قد يؤثر على كمال الحج أو صحته وكذاك الصلاة وغيرها فأثره على جيمع أفعال العبد، ولذا أرشد النبي ﷺ صاحبه كعب بن عجرة حيث قال: يا كعب بن عجرة " إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به "
فعلى المسلم أن يتقي الله في نفسه وفي أولاده. وليتحر المال الحلال والكسب الحلال، وليعلم بأن في الحلال غنية عن الحرام وفي الواضحات الجليات مندوحة عن المشتبهات والمحرمات وعليه أن يستبرئ لدينه وأن يمحص ويدقق ولا يكون كما وصفه النبي ﷺ يتخبط بالأموال كما تتخبط البهائم في الربيع عندما أغراها رونقه وخضرته فأكلت منه بنهم دون أن تميز بين صالحه وطالحه أو تقتني بلا حذر فأهلكها. وكذا صاحب المال الحرام يتخبط به حتى يهلك ()
فكيف يرضى عاقل بأن يكون كالبهائم؟
ولقد حذر ﷺ أمته مما سيحدث حيث قال " ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام " ()
وهذا التنبيه من النبي ﷺ لم يلتفت إليه كثير من الناس حيث تجد الكثير منهم يتخبط في الأسهم أملا بالكسب السريع وتجده في كل يوم يحل لنفسه أسهما كان بالأمس يحرمها وقد لا يتحرج في شراء وبيع أسهم كان بالأمس لديه من الخوف والديانة ما يمنعه منها وتلك وربي مصيبة عظمى ورزية كبرى فالحذر الحذر من الوقوع في المهلكات واكتساب المحرمات والدخول في المساهمات المحرمة وعدم التثبت وعدم التدقيق والمؤمن مطالب بأن يتحرى لماله المجال المباح والاستثمار الذي لا تشوبه شائبة ولا تحيط به شبهة حتى يستبرئ لدينه وعرضه.
تم هذا البحث بحمد الله وتوفيقه في عصر يوم الجمعة ٧/ ٩/ ١٤٢٧هـ في مدينة الرياض ولله الحمد والفضل والشكر وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 1456
الأسهم المختلطة - حكم تداول أسهم الشركات المتعاملة ببعض المعاملات غير المشروعة
المؤلف/ المشرف: إبراهيم السكران
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: وهج الحياة للإعلام - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: عقود مالية - بيوع منهي عنها
النتائج
توصلنا في ختام هذا البحث إلى بعض النتائج المهمة:
١ - أنه لا يمكن الجزم بنقاء الشركات المدرجة في القوائم النقية طبقاً للمعهود المستفيض من تعاملاتها وعقودها، وأن أدق التفسيرات – والله أعلم – أن كافة الشركات المساهمة اليوم هي شركات مختلطة أصلاً لا تختلف في أصل وجود الاختلاط وعدمه، وإنما تختلف في نسبة المخالط بين (مخالط مغمور) و (مخالط غالب).
٢ - أن الشركات المختلطة إذا غلبت عليها التصرفات غير الشرعية في إدارة تمويلاتها واستثماراتها فإنه يحرم المشاركة فيها، أما إذا كانت التصرفات غير الشرعية يسيرة تابعة بالنسبة لأصل نشاط الشركة المباح فإنه تجوز المشاركة فيها، وهو اختيار الفقيه الشيخ ابن عثيمين وابن منيع وغيرهم من المحققين.
٣ - إن إصدار القوائم النقية والجزم بنقاء الشركة بناء على آخر قائمة مالية كالربع سنوية مثلاً يعتبر معياراً تحكمياً بلا دليل، حيث يتضمن (تحكماً زمنياً) في تعيين المدة الشرعية لنقاء الأموال فجعلوها تطيب بمضي ثلاثة أشهر وتخبث بمثل ذلك! كما يتضمن (تحكماً موضوعياً) في تحديد التصرفات الخاضعة للفحص الشرعي، حيث لا يفحص في القوائم النقية إلا القروض والإيداعات الربوية فقط، ويتم التعامي عن كثير من العقود الأخرى غير المشروعة.
٤ - العلاقة بأصحاب الأموال والتصرفات المختلطة حصل فيها الخلط بين ثلاثة مراتب متفاوتة الأحكام والآثار ودرجة الاختلاف الفقهي، وهي: مرتبة عموم المعاملة، ومرتبة المشاركة بالحصة، ومرتبة المشاركة بالتصرف.
٥ - تحقيق مرتبة عموم المعاملة عائد إلى قاعدة (المحرم لعينه والمحرم لكسبه) فالمحرم لعينه هو المال المحرم لوصف يتعلق بذات المال كالخمر والميتة ولحم الخنزير والتبغ ونحوها من الأعيان الفاسدة فلا يباح حتى تطيب عينه. أما المحرم لكسبه فهو المال المحرم لوصف يتعلق بفعل المالك، مثل الربا والقمار والرشوة والمكوس والغلول وحلوان الكاهن ومهر البغي وهدايا العمال ونحوها من الأثمان المأخوذة بعقود فاسدة، فيباح للغير إذا انتقل إليه بعقد شرعي صحيح.
٦ - تباح عموم معاملة صاحب الأموال والتصرفات المختلطة بلا تفريق في نسبة المحرم في أمواله وتصرفاته هل هو حلال غالب أم حرام غالب؟ ذلك أنه من المعلوم بالضرورة من سيرة النبي ﷺ وعامة أصحابه أنهم عاملوا اليهود والنصارى والمجوس والمشركين والمنافقين ممن ليسو مقتصرين على التهوك في الربا إقراضاً واقتراضاً فقط، بل لا يلتزمون بكافة ضوابط الشريعة في المعاملات والعقود أصلاً، وقد عاملهم النبي وأصحابه دون تفريق في نسبة المحرم إلى عموم أموالهم وتصرفاتهم.
٧ - التفريق في الشركات المختلطة بحيث يجوز العمل فيها وتحرم المشاركة في أسهمها لأنه إعانة لها على أكل الحرام يعتبر تفريقاً متناقضاً بلا فارق مؤثر معتبر، ذلك أن مطلق المعاملة يتضمن معنى المعاونة أيضاً، بل إن بعض صور المعاوضة أشد إعانة من المشاركة، فالإداري وموظف الأمن والمحامي والمحاسب أشد إعانة وإنجاحاً للشركة من المساهم المضارب.
٨ - لو كانت معاملة ومشاركة أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة محرمة أو غير مشروعة، لكان أول من يتنزه عنها رسول الله ﷺ ، حيث نجده قد شارك يهود خيبر في إنشاء شركة زراعية ولاهم التصرف فيها.
٩ - لو كان يجوز المشاركة مع الشريك الكتابي حتى ولو تعامل بالأموال المحرمة لأنه يستبيحها ويتأولها، بينما لا يجوز المشاركة مع الشريك المسلم المتعامل بيسير الأموال المحرمة لأنها محرمة عليه، لآل الأمر إلى أنه لا يجوز المساهمة إلا في الشركات الأجنبية التي يملكها غير المسلمين، أما شركات المسلمين فلا يجوز المساهمة فيها، وبالتالي تنمية الشركات الأجنبية وانهيار شركات المسلمين!
١٠ - أن الأصل في النيابة أن تسري تبعة التصرفات إلى المنوب عنه. إلا إذا شاب النيابة مانع ترتب عليه تخلف آثار النيابة التقليدية، والمتحصل في طبيعة المساهم قيام المانع وهو أن الأنظمة السارية التي سنها ولي الأمر منحت مجلس الإدارة صلاحيات التصرف وسلبت المساهم بصورته الفردية منها.
١١ - عوائد السهم ليست انعكاساً تاماً للتمويلات والاستثمارات اليسيرة المحظورة، بل هي خاضعة لحزمة واسعة من العوامل الاقتصادية، وبالتالي فإن التمويلات وفوائد الإيداعات المحظورة ليست المؤثر الوحيد على القيمة السوقية لأسهم الشركة.
١٢ - أن القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة ليس من باب الصواب المقابل للباطل، وإنما من باب الترجيح والموازنة بين أدلة الجواز وأدلة التحريم ذلك أن كلا القولين فيهما وجاهة وقوة لا تخفى.
والله تعالى أعلم بالصواب،،
стр. 1457
الأسهم حكمها وآثارها
المؤلف/ المشرف: صالح بن محمد بن سليمان السلطان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: شركات
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تسمو النفوس الطيبات، أحمده على إتمام هذا البحث، وأشكره على سائر النعم المتتاليات، وأصلي وأسلم على معلم البشرية ومزكيها ومبين الحلال من الحرام، المحذر من الوقوع في المشتبهات، فضلاً عن اقترافات المحرمات. وبعد:
فإن الأسهم من أدق المعاملات وأكثرها شيوعاً وأخطرها تداولاً وأشدها ارتفاعاً وهبوطاً، والناس في معرفة أحكامها وتعلمها في تفاوت بين، فمنهم العارف كثير السؤال تورعاً عن الوقوع في الحرام وبعداً عن المتشابه، ومنهم المقصر في ذلك هم درجات، فمنهم الجاهل بأحكامها ومنها المتأول – وربما تأول بما يوافق هواه أو بحث وتعلق بكل قول ولو كان القائل به قليل حتى ولو اعتقد مخالفته الدليل.
ومنهم من دخل فيها من غير سؤال ولا تمييز بين حلال ولا حرام، فولغ فيها حتى عمي لسان حاله، يقول مقال الجاهلين: (الحلال ما حل في الجيب) غافلاً أو مغافلاً عن: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون غلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وعن: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وعن: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وعن: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦].
والأسهم منها ما لا يختلف في تحريمه وهو أسهم الشركات التي أصل نشاطها محرم، ومنها ما هو حلال بين وهي أسهم الشركات التي أصل نشاطها مباح ولم تدخل في معاملات محرمة، وبينهما درجة هي محل خلاف وهو ما كان أصل نشاطها حلال ووجد في نشاطها حلال ووجد في نشاطها أعمال محرمة قرضاً بالربا وإقراضاً له، والجمهور على تحريمها، وهو القول الذي تدل عليه ظواهر الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة فضلاً عن المعقول المبني على مراعاة مقاصد الشريعة.
وقول من خالفه مبني على استدلال بقواعد لا تنهض على معارضة صريح تحريم الربا مطلقاً قليله وكثيره ...
- أن هناك فرقاً – بين المستثمر في عائد السهم وبين المضارب على فروق الأسعار في مسائل عدة، فالمستثمر استثمر أمواله في موجودات الشركة وأصولها – وهي موجودة ولها قيمتها. بخلاف المضارب، فقد يضارب على أسهم شركات خاسرة أو لا قيمة لها تقارب قيمتها السوقية، فهو يضارب على فروق الأسعار، وفيه شبه قوي بالمضاربة على المؤشر المجمع على تحريمه، وفيه مخاطرة تشبه القمار إلى حد كبير، وقد يكون بمنزله بيع المعدوم.
- أن المضاربة – عموماً – في أسواق الأسهم يعتريها شبه كثيرة منها أن هذه المضاربة لا تعدو أن تكون على أوراق مالية مستقلة عن الشركة المنسوبة إليها – بدلالة – البون الشاسع بين قيمتها السوقية وقيمتها الحقيقية، وهذه الورقة وسيلة لهذا البيع، وإلا فالواقع أنه مبادلة مال بمال، وهذا قول له وجه قوي، يشهد له واقع الحال.
- ومنها شدة المخاطرة الناشئة عن التقلب الحاد في الأسعار نتيجة التلاعب بأسعار السوق، هذه المخاطرة التي يدخل فيها المضارب وهو على وجل كبير من أن يغرم ويفقد أمواله أو جلها، بل خطورتها أشد من المقامر الذي قد لا يقامر إلا في القليل من ماله.
- ومنها أن الغش والتغرير ونشر الأخبار الكاذبة والمخادعة – صار وسيلة معتادة عند كثير من المتعاملين.
- أن المضاربة لا تعدو أن تكون تدويراً للأموال ومحلا للاتجار بها – وهذا يخالف ما قصدت به الأثمان، وأبعدت عن مجال استخدامها الصحيح في تنمية اقتصاد البلد وتنويع موارده ودعم برامجه، وتنويع مصادر دخله وتعدد وسائل الإنتاج، فضلاً عن تأثيراتها الاجتماعية من تفاقم حالة البطالة حينما حجبت هذه الأموال عن مشاريع منتجة تستوعب أعداداً كبيرة في العمل فيها, وإعالة أسرهم وسد فاقتهم، مع ما ترتب عليها من خلل عندما ذهب كثير من صغار المستثمرين ضحية تلك المضاربات فأغرقتهم الديون وأثقلت كاهلهم بعد أن استنزفت سائر ممتلكاتهم .. مع تأثيراتها النفسية والصحية الحادة والمؤلمة على الكثير. فضلاً عن تأثيراتها الشرعية من الإخلال بكثير من الشعائر والواقع شاهد على ذلك.
وهذا يستدعي إعادة النظر في هذه المضاربات وضبطها بضوابط الشرع وقواعده ومراعاة مقاصده.
هذه جمل مستفادة من هذه الدراسة راجياً أن تكون بداية لدراسات متعددة وبحوث متعمقة في هذا الموضوع الكبير، يشارك فيها المختصون المعنيون بمثل هذه الدراسات.
وختاماً، أسأل الله أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه صواباً على وفق سنة نبيه محمد ﷺ .
стр. 1458
الأشربة وأحكامها في الشريعة الإسلامية (المسكرات والمخدرات)
المؤلف/ المشرف: ماجد أبو رخية
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الأقصى - عمان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٠هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: أطعمة وأشربة
الخاتمة
إن الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد ...
فقد من الله علي بالانتهاء من كتابة موضوع (الأشربة وأحكامها في الشريعة الإسلامية) الذي أعددته لنيل درجة العالمية (الدكتوراة) في الفقه المقارن من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر وقد توصلت من خلال البحث في هذا الموضوع إلى النتائج التالية:
الباب الأول
(الخمر والأشربة المسكرة الأخرى)
وقد توصلت فيه إلى ما يلي:
أ- أن الخمر يطلق على كل ما خامر العقل وبالتالي فإن كل شراب مسكر خمر، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام، سواء أكان الشراب متخذا من العنب أو التمر أو الحنطة أو العسل أو غيرها، وهو الأمر الذي عليه جمهور أصحاب المذاهب.
ب- أن الشارع الحكيم حينما حرم علينا الخمر حرم علينا سائر أنواع المعاملات المتعلقة به فلا بيع ولا تملك ولا شراء ولا شرب ولا مداواة ولا إهداء، لأن الله لما حرمه أهانه والانتفاع به يشعر بتكريمه وقد نهينا عن ذلك.
ج- رأينا واقعية الإسلام من خلال تحريم الخمر والتدرج في تحريمه، فهو قد ملأ القلوب بالإيمان ورد النفوس إلى الله، فلما اطمأنت أنزل تشريعه، وحرمت الخمر بآية واحدة، ولم تنفق الدولة فلسا واحدا من أجل تنفيذ مضمونها، ورأينا كيف فشلت الولايات المتحدة بعد أربعة عشر قرنا في تحريم الخمر رغم قدرتها المادية والعسكرية، ورغم النفقات الباهظة التي صرفت لتنفيذ قرار التحريم وأن سبب الفشل عائد إلى أن خبايا النفوس لم تعالج، فالنفوس هناك لم تقتنع أصلا بتحريم شيء ألفته واعتادت عليه عبر سنين طوال، فلما صدر القرار وجد قلوبا موصدة ما لبثت أن أعلنت ثورة عليه، اضطر معها الذين وضعوا القانون إلى إلغائه بعد فترة زمنية محدودة خسرت فيها الدولة مالا تحسد عليه.
الباب الثاني
(عقوبة شارب الخمر ومسقطاتها)
وقد توصلت فيه إلى النتائج التالية:
أ- أن التشريع الإسلامي حينما يقرر شيئا فإنه يضع له ما يحميه فهو مثلا قد حرم الزنا، وحمى قرار التحريم بعقوبة الزاني، وحرم قذف المحصنات وحمى قراره بعقوبة القاذف، وحرم السرقة وحمى قراره بعقوبة السارق، وكذلك حرم الخمر الذي فيه ضياع العقل ورأينا كيف حمى قرار التحريم بإيجاب الحد على من شربه، وأن الحد يعد جزاء وفاقا لمن ألقى نفسه في أحضان الفساد والرذيلة.
ب- إن الفقهاء متفقون على عقوبة شارب الخمر وإن اختلفوا في مقدارها نظرا لخلو الكتاب الكريم والأحاديث الشريفة من تحديد مقدار معين لها، الأمر الذي جعل بعض الفقهاء يقول أن عقوبة الخمر عقوبة تعزيرية وليست حدا، خلافا لجمهور أصحاب المذاهب الأربعة الذين يقولون أن العقوبة على جريمة الشرب حد وليست تعزيرا.
الباب الثالث
(مسؤولية السكران)
وقد توصلت فيه إلى النتائج التالية:
أ- أن الفقهاء مجتمعون على أن من زال عقله بسبب غير مقصود كأن أكره على شرب خمر أو شرب لدفع غصة أو أوجر خمرا فإنه لا يؤاخذ بتصرفاته، لأن القلم مرفوع عنه كالمجنون والمغمى عليه.
ب- أن ابن حزم الظاهري قد ذهب إلى عدم التفريق بين السكر المقصود وغير المقصود، وأن السكران في كلا الحالين لا يعد مكلفا، وبالتالي فإنه لا يؤاخذ بتصرفاته.
ج- أن جمهور الفقهاء قد فرقوا بين السكر المتعمد وغير المتعمد، وقالوا: أن السكر المتعمد سبب في مؤاخذة السكران بتصرفاته لأنه لا ينافي الخطاب والسكران يبقى مكلفا، وهذا هو قول الحنفية والمالكية والمعتمد عند الحنابلة.
стр. 1459
وأما الشافعية فقد قالوا أن السكر يزيل العقل ويمنع التكليف غير أن السكران إذا كان عاصيا في سكره صار كالصاحي في جريان الأحكام عليه.
الباب الرابع
(الأشربة الحديثة المسكرة والمخدرات والدخان)
وقد توصلت فيه إلى النتائج التالية:
أ- أن العبرة في الأشربة المسكرة في مسمياتها لا في أسمائها وبالتالي فليسم القوم ما شاؤوا من الأسماء، فالحقيقة – التي تقول أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام، ونقول أن ما أسكر كثيره فقليله حرام – ثابتة لا تتغير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد صدق الله سبحانه حيث يقول ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾.
ب- أن المخدرات بجميع أنواعها محرمة، قليلها وكثيرها في الحرمة سواء لنهي رسول الله ﷺ (عن كل مسكر ومفتر) ولقوله ﷺ (ألا إن كل مسكر حرام، وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره حرم قليله وما خمر العقل فهو حرام).
ج- أن آراء الفقهاء قد اختلفت في إصدار حكم على الدخان من حيث الحل والحرمة وأنني رجحت القول بكراهته كراهة تحريمه، والله أعلم.
وبعد.
وأن الندوات والمؤتمرات والجمعيات التي تقيمها الدول للقضاء على المسكرات والمخدرات بعد أن ذاقت من أمرها الأمرين – فسادا في الدين والأخلاق والاقتصاد والسياسة والاجتماع – ستبقى جهدا ضائعا ليس له نصيب من النجاح لأن النجاح والفلاح لا يكون إلا في اتباع شريعة الله عقيدة ومنهاجا ونظام حياة.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وختاما:
فأنني أسأل الله أن يوفقنا لصالح الأقوال والأعمال وأن يجنبنا الزلل وفحش الكلام، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 1460
الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح
المؤلف/ المشرف: صالح بن فوزان الفوزان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة المعارف ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٨هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: أطعمة وأشربة
الخاتمة
في بيان سماحة الإسلام وحفاظه على سلامة الإنسان من خلال ما مر في هذه المباحث
المؤمن قد أغناه الله بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه فما حرم عليه شيئاً من الخبائث إلا وقد أباح له من الطيبات ما هو أضعاف أضعافه.
ونحن بعد هذه الجولة السريعة لاستعراض حكم الإسلام في الأطعمة وهو الدين الذي اختاره الله للبشرية بأجمعها ما بقيت الدنيا لتعيش في ظلاله وتنعم في هدية وتستضيء بنوره في جميع مجالات الحياة نلمس من خلال ما مررنا به من مباحث الأطعمة أن منهج الإسلام في هذا المجال كمنهجه في جميع المجالات منهج السماحة والحفاظ على سلامة الأرواح والأبدان والعقول فيبيح الطيبات من الأطعمة النافعة للأبدان والعقول ويحرم الخبائث الضارة للأبدان والعقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ فهذه الآيات وأمثالها توضح منهج الإسلام فيما يحل ويحرم من الأطعمة – فالأصل في الطيبات الحل وإنما حرم على اليهود بعض الطيبات عقوبة لهم على ظلمهم ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.
فالله خلق هذه الطيبات من الرزق لنفع الخلق وأوصى باستعمالها والانتفاع بها على وجه تتحقق به المصلحة وتندفع به المفسدة من غير مجاوزة لهذا الحد ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾.
وهكذا ترسم هذه الآيات الكريمات المنهج القويم في الأكل والشرب والإنفاق من الطيبات. وهو منهج وسط بين البخل والإسراف وإذا كان الله في هذا المنهج قد أباح الطيبات من الأطعمة وحرم الخبائث – فهو ينهي أشد النهي عن تجاوز هذا المنهج ومخالفته بتحليل ما حرم أو تحريم ما أحل فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
стр. 1461
وذلك أن التحليل والتحريم حق لله – فمن حلل وحرم فقد جعل نفسه شريكاً لله في هذا الحق – ومن عاب الله على اليهود والنصارى طاعتهم لأحبارهم ورهبانهم في تحليل ما حرم وتحريم ما أحله وأخبر أنهم بهذه الطاعة قد اتخذوهم أرباباً من دون الله حيث يقول سبحانه ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
كما عاب على أهل الجاهلية الذين استباحوا الميتة التي حرمها الله وحرموا أنواعاً من بهيمة الأنعام التي أباحها الله تقليداً لآبائهم وأتباعاً لأهوائهم حيث يقول سبحانه ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال: (البجيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة: كانوا يسيبونها لألهتهم فلا يحمل عليها شيء ... والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثنى بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي) أ. هـ.
"وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام .. كانوا يحرمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله اتباعاً منهم لخطوات الشيطان فوبخهم الله تعالى ذكره بذلك وأخبرهم أن كل ذلك حلال فالحرام من كل شيء عندنا ما حرم الله تعالى ذكره ورسوله ﷺ . والحلال منه ما حلله الله ورسوله كذلك" وتشريع الجاهلية في كل زمان ومكان في هذا وفي غيره تشريع ينبني على اتباع الهوى والتقليد الأعمى ويبتعد كل الابتعاد عن الوحي المنزل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ إنه منطق الجاهلية الذي لا يزال متوارثاً إلى اليوم فتعاني منه البشرية الضيق والحرج والتوغل في متاهات الضلال ما لم تثب إلى رشدها وترجع إلى شريعة ربها.
وقد طلب الله من عباده أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم وأن يشكروه على ذلك ليزيدهم من الطيبات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وشكرها يكون باعتراف القلب أنها من الله وحده. وبالتحدث بذلك باللسان وبالاستعانة بها على طاعة الله – هذه أركان الشكر التي لا يتحقق إلا بوجودها جميعاً وإذا تحقق الشكر انتقى الأشر والبطر وصارت هذه الأطعمة قواماً للحياة السعيدة وعوناً على عمارة هذا الكون العمارة اللائقة، وإذا لم يتحقق الشكر صارت هذه النعم استدراجاً للخلق حتى يحيق بهم الهلاك والدمار ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾.
стр. 1462
هكذا يرسم لنا الإسلام طريق الاستفادة من هذه النعم ويوضح لنا معالم الحلال والحرام في الأطعمة ويحذرنا من طريقي الإفراط والتفريط فيها اللذين قد سلك كل طريق منهما طائفة من ضلال البشر وبين لنا أنه لم يحرم علينا شيئاً إلا لأنه ضار خبيث فهو حرم الميتة لأنها مستقذرة تعافها النفوس وكذلك هي ضارة لما فيها من انحباس الرطوبات والدم المتعفن الذي لا يخرج إلا بالتذكية الشرعية وحرم علينا الدم المسفوح لما يشتمل عليه من الميكروبات الضارة والمواد المتعفنة وهو يغذي تغذية خبيثة تخرج المتغذي به عن طبيعة الاعتدال.
وحرم علينا لحم الخنزير ذلك الحيوان القذر الخبيث الذي ينبت لحمه في الغالب من القاذورات والأنجاس التي يتغذى بها – كما ينشأ عن التغذي به الإصابة بالأمراض الخطرة لما في لحمه من أسباب المرض التي يثبتها الطب وتدل عليها التجربة وقال الله تعالى عنه: (فإنه رجس) أي نجس فهو نجس العين خبيث المطعم.
وحرم الله ما أهل به لغير الله مما ذبح للأصنام من الأحجار والأشجار والقبور تقرباً إليها أو ذبح للأكل وذكر عليه غير اسمه وسماه فسقاً: (أو فسقاً أهل لغير الله به) وقال (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) أي معصية والفسق الخروج عن طاعة الله وذلك يؤثر في الذبيحة خبثاً ينتشر أثره على الأكل فيؤثر في سلوكه وأخلاقه.
وحرم لحوم السباع من الطير والبهائم لأن أكلها يكسب الأكل أخلاقاً عدوانية كأخلاق تلك السباع فتستحيل طباع البشر إلى طباع سباع ضارية شأنها الفتك والعدوان والظلم.
وبالجملة حرم الله كل خبيث من حيوان أو نبات ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ وحرم كل ضار بالبدن أو العقل: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وأباح كل ما هو مفيد لا ضرر فيه من الحيوانات والنباتات ﴿كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
إننا من خلال هذا كله نلمس كمال هدي الإسلام ومنهجه في الأطعمة كما هو شأنه في جميع مجالات الحياة مما جعله دينا قيماً صالحاً لكل زمان ومكان يتسع لدخول البشرية كلها فيه في أي وقت وفي أية بقعة.
إنه الدين الذي اختاره الله خاتماً لشرائعه السماوية يحمل كل مقومات البشرية ويسعى بها دائماً نحو الصلاح والفلاح: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ثم إن الإسلام يحسب للضروريات حسابها ويشرع لها أحكاماً مناسبة فيقول الباري جل وعلا بعد أن يذكر تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ويقول: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
ويقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيبيح سبحانه للمضطر من المحرم قدر ما يرفع ضرورته – فالإسلام يساير الإنسان في جميع أحواله في العسر واليسر في السراء والضراء في السعة والضيق: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
فهو الدين الصالح لكل زمان ومكان ولكل حال من الأحوال لأنه تشريع من حكيم حميد يعلم ما يصلح للبشر. ثم هو تشريع من غفور رحيم يريد أن يخفف عن عباده ولا يريد أن يعنتهم.
стр. 1463
ثم هو مع هذا يريد من عباده أن يترفعوا عن الخبائث ولو جاءت من طريق غير مباشر فنهاهم عن أكل لحوم الجلالة التي تتغذى بالنجاسة ويقاس عليه لحم ما يأكل الجيف. وحرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام ونهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن والسنور وقال إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه فلما كانت هذه المكاسب أثمان أعيان خبيثة محرمة أو في مقابل فعل محرم كانت مكاسب خبيثة لا يجوز التغذي بها ولا الانتفاع بأثمانها ترفعاً بالمسلمين عن المطاعم الخبيثة مما يدل دلالة واضحة على عناية الإسلام بأمر التغذية وحثه على أن تكون من مادة طيبة لأن أكل الحلال له تأثير حسن على القلب وتأثير على السلوك – والمادة الخبيثة تغذي تغذية خبيثة تؤثر على القلوب والطباع وتحجب العبد عن ربه فلا يستجاب له دعاء.
كذلك ينهي الإسلام عن كل طعام يضر بالجسم أو بالعقل أو يقتل فيحرم السموم والمخدرات يقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾.
كذلك ينهى الإسلام عن كل طعام يضر بالجسم أو بالعقل أو يقتل فيحرم السموم والمخدرات يقول الله سبحانه: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال رسول الله ﷺ (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوج بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) وكذلك كل مادة تضر يحرم أكلها كالزجاج والتراب والحجر – وكذلك يحرم الإسلام أكل النجس كالميتة ولبن الأتان والبول وأكل المتنجس كاللبن والخل والدبس والطبيخ والدهن ففي الحديث أن النبي ﷺ (سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) وفي رواية سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه).
هذا ويجعل بنا أن نختم بحثنا هذا بوصية الله للمؤمنين في هذا الموضوع حيث يقول سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ وصدق الله العظيم.
وصلى الله وسلم على نبيه الكريم محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1464
الأعياد المحدثة وموقف الإسلام منها
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن سليمان آل مهنا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار التوحيد- الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣١هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: أعياد مبتدعة
الخاتمة:
الحمد لله أن أتم علي نعمه، ويسر لي إكمال هذه الرسالة، وأسأله تعالى كما أتم علينا نعمه في الدنيا، أن يتمها علينا وعلى والدينا وأزواجنا وذرياتنا ومشايخنا وإخواننا في الآخرة، وبعد:
فبعد هذا المشوار الطويل، والوقت الذي قضيته مع العلم والعلماء والكتب، يسرني أن أختم هذه الرسالة بهذا الموجز المختصر:
أولاً: التمهيد، تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
١ - أن العيد له شأن عظيم في الإسلام، وأن الأعياد من جملة الشعائر والمناسك التي يجب فيها الاتباع، ويحرم فيها الابتداع.
٢ - أن الأعياد زمانية ومكانية، وأن الشارع الحكيم يحتاط أتم الاحتياط لمسألة المشاركة أو المشابهة للكفار فيها.
٣ - أن الأعياد الإسلامية أعياد تُنمِّي الإيمان، وتُعلِّق الإنسان بالله تعالى، خلافاً لأعياد الكفار.
٤ - أن الشريعة الإسلامية تمنع أشد المنع من التشبه بالكفار في الأعياد وغيرها، يدل لذلك آيات عظيمة وأحاديث محكمة، أبدع العلماء في تفسيرها وبيانها.
ثانياً: الباب الأول، وقد تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
١ - أن للكفار أعياداً كثيرة متنوعة الأسباب، لكن أغلبها له ارتباط ديني، ويكفي المسلم أن يعلم أهمها لديهم، وبعضاً من شعائرها.
٢ - أن هناك قواسم مشتركة بين أعياد أهل الملل، كالاهتمام بالنيران والأضواء، وتقديس بعض المأكولات والمشروبات، ونحو ذلك.
٣ - أن أعياد الكفار تكون بالحساب الشمسي لا القمري.
٤ - أن أعياد الكفار في جملتها لا تخلو من الفسق كشرب الخمور، والانحراف الأخلاقي.
٥ - أن أعياد الكفار في جملتها تعتمد على أساطير وخرافات تاريخية؛ لا مستند لها حقيقي.
ثالثاً: الباب الثاني، وقد تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
١ - أنه سرى في المسلمين كثير من الأعياد البدعية الزمانية والمكانية.
٢ - أن من أسباب ذلك ظهور دول تقوم على مبادئ ضالة، نشرت تلك الأعياد البدعية.
٣ - أن دولة بني بويه ودولة العبيدين - وكلاهما تظهر الرفض - هما السبب الرئيس في انتشار تلك الأعياد المحدثة في المسلمين.
٤ - أن من أسباب رواج تلك الأعياد البدعية: وجود الجهل، وسكوت العلماء خوفاً من سلاطين تلك الدول البدعية.
٥ - أن الأعياد المكانية البدعية أخطر على المسلمين من الأعياد البدعية الزمانية؛ لأن تعظيم المكان المحسوس الذي له جرم أدعى من تعظيم الزمان المعنوي.
٦ - أن الغلو في الأنبياء والصالحين من أعظم أسباب وجود الأعياد المحدثة.
٧ - أنه دخل على المسلمين – بسبب مجاورة الكفار والانفتاح عليهم – من شعائر أعياد الكفار شيء كثير؛ بل شاركوهم في أعيادهم.
٨ - أن أغلب الأعياد البدعية الزمانية عند المسلمين تقليد لما عند الكفار في أعيادهم، لكنها صبغت بصبغة إسلامية لتروج.
رابعاً: الباب الثالث: وقد تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
١ - أن التحذير من مشاركة الكفار في أعيادهم أخذ قدراً كافياً في نصوص الشريعة الإسلامية.
٢ - أن عامة أنواع المشاركة للكفار في أعيادهم لا تجوز، إلا ما كان من قبول هديتهم – من غير اللحم - إذا كان في قبولها تأليفاً لهم على الإسلام.
٣ - أنه من الضروري الاحتساب على الأعياد المحدثة، سواء كانت للمسلمين أم للكفار؛ وذلك لرواجها وكثرتها، وسهولة تأثر المسلمين بها؛ لما فيها من اللهو واللعب.
٤ - أن محمداً ﷺ هو أول المحتسبين على الأعياد المحدثة، وكان ينهى عنها بقوة، ظهرت تلك القوة في اندراس تلك الأعياد مع قصر مدة دعوته ﷺ .
٥ - أن مظاهر وشعائر أعياد الكفار اليوم تخفى على خواص أهل الإسلام فضلاً عن عوامهم؛ لذا فإن بيانها مهم غاية الأهمية.
٦ - أنه يلزم أن تنبعث طائفة من أهل العلم لتتبُّع الأعياد المحدثة ومظاهرها وشعائرها؛ لإقامة الحجة وبيان المحجة.
٧ - أن التاريخ الإسلامي حفل بأمثلة طيبة لحكام وعلماء قاموا بإزالة كثير من الأعياد المحدثة.
٨ - قلة ما كُتب من المصنفات في الأعياد المحدثة.
٩ - لذا فإن الحاجة ماسة لكثرة التصنيف في هذا الباب والإقراء فيه، مع تحديث المعلومات والمظاهر.
стр. 1465
الأغسال أحكامها وأنواعها من خلال السنة المطهرة
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن عبدالرحمن الشريف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الفضيلة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: طهارة - غسل
الخاتمة
الحمد لله الذي منّ علي بإنهاء هذا البحث فله الحمد والمنة والفضل أولا وآخرا وبعد:
فإنني ومن خلال هذا البحث توصلت إلى النتائج التالية:
١ - أن عدد الأحاديث والآثار في هذا الباب والتي خرجتها من خلال الكتب الستة بلغت نحوا من مائتين وخمسين حديثا.
٢ - أن الأغسال التي ترجح عندي أنها واجبة سبعة أغسال هي: الغسل من الجنابة بأسبابه الثلاثة خروج المني، والتقاء الختانين والاحتلام، والغسل من انقطاع الحيض، والغسل من النفاس وتغسيل الميت، والغسل من تغسيل الميت، والغسل للجمعة، المعتنق للإسلام.
٣ - أن الأغسال التي ترجح عندي أنها مستحبة ما سوى ذلك.
٤ - أن بعض الأغسال ليس عليها دليل من السنة المرفوعة وإنما استدل عليها ببعض الآثار القولية والفعلية عن بعض الصحابة أو التابعين - ومنها:
الغسل لدخول مكة، والغسل للمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار.
٥ - بلغت أسماء الرجال الذين ترجمت لهم (٢٣٨) رجلا وتسع نساء.
стр. 1466
الأقوال الشاذة في بداية المجتهد لابن رشد
المؤلف/ المشرف: صالح بن علي الشمراني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة دار المنهاج- الرياض ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٣١هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
الخاتمة والنتائج:
من النتائج التي يمكن الخروج بها بعد تمام هذا البحث ما يلي:
١ - أن كتاب (بداية المجتهد) سفر عظيم يحتاجه المنتهي، ولا يستغني عنه مبتدئ.
٢ - بلغت الأقوال التي تُرجم لها في هذا البحث أزيد من مائة قول، صرح ابن رشد بشذوذها؛ لأنه وفي بعض المسائل صرح بشذوذ أكثر من قول؛ فصارت الأقوال الشاذة في كتاب بداية المجتهد أزيد من مائة قول بهذا الاعتبار.
٣ - الشذوذ: هو التفرد بقول مخالف للحق بلا حجة معتبرة.
٤ - إطلاق الشذوذ على الأقوال الخاطئة مستخدم من قبل الفقهاء وغيرهم في جميع المذاهب.
٥ - متى تحقق شذوذ قول من الأقوال فإنه لا يصح اعتباره خلافاً في المسألة، ولا يؤثر في ثبوت الإجماع، ولا تصح الفتوى أو القضاء والحكم به.
٦ - إذا كان الأئمة شددو النكير على الأقوال الشاذة الصادرة عن أئمة أهل الاجتهاد؛ فإن أولى من ذلك بالنكير شذوذات المتعالمين وأرباب الأهواء والبدع.
٧ - الاحتساب في رد الأقوال الشاذة وبيان ضعفها من حراسة هذا الدين، والنصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
٨ - الشذوذ الصادر عن الأئمة المتفق على إمامتهم لا يؤثر في مكانتهم ولا يقدح في علمهم أو في الأخذ عنهم.
٩ - بالنظر إلى الأقوال التي حكم عليها ابن رشد بالشذوذ يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما حكم عليه بالشذوذ وهو كذلك:
وهذا القسم هو الغالب، إذ بلغت الأقوال الشاذة التي ذكرها ابن رشد وصح شذوذها – حسب علمي القاصر – أزيد من خمسة وسبعين قولاً.
القسم الثاني: ما حكم عليه بالشذوذ وهو ليس كذلك – فيما ظهر لي -، إلا أن هذا القول مرجوح.
وفي هذا القسم ما يقرب من خمسة عشر قولاً:
١ - كالقول بجواز التنفل بركعة واحدة.
٢ - وكالقول بأنه لا يقتل من الغربان في الحرم إلا الأبقع.
٣ - وكالقول بلزوم النفقة للزوجة الناشز.
٤ - وكالقول بعدم جواز تملك العربي.
٥ - وكالقول بقتل المرتد وإن راجع الإسلام.
وغير ذلك ..
القسم الثالث: ما حكم عليه بالشذوذ وهو ليس كذلك، بل كان راجحاً:
وفي هذا القسم ما يقرب من ثمانية أقوال، وهي:
١ - القول بعدم اشتراط الطهارة لسجود التلاوة.
٢ - القول بوجوب الجلسة الوسطى في الصلاة.
٣ - القول بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
٤ - القول بعدم وجوب الزكاة في الزيت.
٥ - القول بأن أول زمان الإمساك في الصوم هو الفجر الأحمر.
٦ - القول بجواز الحلف بالله تعالى.
٧ - القول بطهارة الخمر.
٨ - القول بأن الولد في المواريث يشمل الذكر والأنثى.
стр. 1467
الألعاب الرياضية أحكامها وضوابطها في الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: علي حسين أمين يونس
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس - الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: رياضة - فنون إسلامية
الخاتمة:
في نتائج الأبحاث التي احتوى عليها الكتاب:
وتتلخص فيما يلي:
١ - يتفق معنى اللعب لغة مع معناه اصطلاحا فهو فعل يقابل الجد من الأفعال غالبا.
٢ - ويرتبط المعنى اللغوي للرياضة مع المعاني الاصطلاحية المنبثقة عنه وذلك فيما يلي:
أ - الرياضة وتهذيب النفس: وذلك من خلال تهذيب النفس ودفعها إلى الالتزام بمحاسن الأخلاق والطبع الحسن بترويضها على قبول ذلك والاعتياد عليه.
ب - الرياضة والعبادة: وذلك من خلال ترويض النفس ومجاهدتها على الالتزام بالعبادة، والبعد عما يشغل النفس عنها.
ج- الرياضة وحركات النفس وسكناتها: وذلك بترويض الأعضاء الحسية والنفسية على بعض الأعمال المفيدة بالتدريج والاجتهاد.
د- الرياضة واللعب: وذلك بترويض الإنسان نفسه أو غيره على القيام بحركات وتصرفات معينة بقد اكتساب صفات جسدية جديدة غالبا وبقصد اللهو والترفيه والمتعة.
٣ - يرتبط مفهوم الألعاب الرياضية بعدة مصطلحات ذات صلة بها، وأهمها:
ا- الفروسية: وتتصل بالألعاب الرياضية بما فيها من معان عديدة، كالمهارة في الأداء والشجاعة والإقدام.
ب- الترويح: ويتصل بها من خلال الوسيلة أو الهدف، فالألعاب الرياضية وسيلة هامة من وسائل الترويح عن النفس، أو أن الهدف الرئيس منها هو طلب الترويح عن النفس.
ج- التربية البدنية: إذا تعتبر الألعاب الرياضية الركن الرئيس في تربية (تنشئة) الجسم تربية سليمة.
٤ - هذب الإسلام الألعاب الرياضية من شوائب الفسق والفساد، فمارس المسلمون ألوانا من اللعب الهادف والمفيد، كان من أهم أهدافه إعداد الأنفس للقتال في سبيل الله تعالى، وزيادة الألفة والمحبة بين الزوجين.
تطورت الألعاب الرياضية في العصور الحديثة تطورا مذهلا متماشيا في ذلك مع التطور العلمي والمعرفي، إلا أن فئات كثيرة من الناس قد اتخذتها وسيلة لارتكاب العديد من المحظورات والمخالفات الشرعية بصورة لم تعرفها الألعاب الرياضية في العصور الماضية إلا قليلا - أي بالمقارنة بينها - ومن العجيب أن فئات كثيرة من المسلمين تسمح لأنفسها بالوقوع في تلك المحظورات من خلال اللعب في الأندية أو الملاعب أو من خلال حضور اللعب والاهتمام به بحجة الرياضة مما ينبغي اجتنابه والحذر منه.
للألعاب الرياضية أهمية بالغة في العديد من النواحي، ومن ذلك:
أ - الناحية الجسدية، كإعداد الجسد للقتال، والمحافظة عليه من الأمراض والإسهام في علاجها.
ب - الناحية النفسية، كدفع الملل عن النفس، وتهذيبها من الطباع السيئة في بعض الأحيان.
ج- الناحية الاجتماعية، كالإسهام في حفظ استقرار الأسرة والنظام التربوي في المجتمع.
د- الناحية السياسية، كالإسهام في حفظ الأمن الداخلي والخارجي من خلال الجنود والأعوان الأقوياء
هـ_ الناحية الاقتصادية، كدفع الإنسان إلى تحمل أعباء العمل بهمة ونشاط مما يزيد في إنتاجه.
إلا أن اقتران اللعب بالممارسات والأهداف غير المشروعة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية وسلبية في جميع تلك النواحي!!.
٧ - اختلف العلماء في بيان حكم اللعب بصورة مجملة، فرأى فريق منهم أن الأصل فيه التحريم إلا ما كان نافعا في القتال أو إحسان المعاش بين الزوجين، ورأى أخرون أن الأصل فيه الكراهة، بينما رأى فريق ثالث أن الأصل فيه الإباحة إلا ما اشتمل على ضرر، وقد رجحت أن الأصل في اللعب الإباحة إلا ما كان غير نافع في أمر الدين أو الدنيا مما لم يعتبره الشرع فيكره، فالأصل في المسلم ألا يقوم بعمل لا فائدة ولا نفع فيه، وأن يتحرى من العمل ما كان نافعا في معاشه ومعاده.
стр. 1468
٨ - ندب الإسلام إلى القيام بأنواع من اللعب لما فيها من منافع وفوائد، وأباح أخرى من أجل ذلك ومن أجل إجمام النفس بالمباحات، وكره وحرم أنواع أخرى حسب ما يقترن بها من أفعال مكروهة أو محرمة، أو لأن صورة ممارستها مكروهة أو محرمة شرعا.
٩ - تعد ألعاب الفروسية وهي: الرماية، وركوب الخيل، وركوب الإبل، والمبارزة، واللعب بالرماح والحراب أشرف الألعاب وأفضلها في الإسلام، لأنها آلات نصرة الدين وتبليغه للناس، وقد ندب الإسلام إليها، وحث عليها، فكان رسول الله ? يمارس الكثير منها ويحث عليه ويعطي فيها العوض، تحفيزا للمسلمين على إدامة استعداداتهم لنصرة الدين وأهله، ويقاس عليها ما تطور من ألعاب في هذا الزمان من رماية حديثة وقيادة للطائرات والمراكب الحربية ونحوها، مما ينبغي على الإمام الحث عليه وإدامة تنظيمه.
١٠ - يهتم الناس بممارسة ألعاب القوى بصورة كبيرة لما لها من فوائد بدنية في مجملها ويتفرغ عن ذلك عن ذلك:
ا- إباحة هذه الألعاب لما فيها من نفع، والحث على ما كان فيه زيادة في الألفة بين الزوجين، كما كان في المسابقة على الإقدام بين الرسول ? وزوجه عائشة ﵂.
ب. كراهة التركيز على أهداف لا نفع غالب، كما في بذل الجهد وتضييع الوقت في لعبتي الوثب العالي بالزانة من اجل تجاوز أعلى ارتفاع ممكن نحو الأعلى!
١١ - يمارس الناس ألعاب الكرة والمضرب بصور عديدة مما بين الإسلام أحكامه ويتفرغ عن ذلك ما يلي:
ا- إباحة ما كان منها ذو نفع غالب مما لم يقترن بمحرم، ككرة القدم وكرة السلة وكرة اليد (البولو).
ب- كراهة ما كان قليل النفع ومما تضييع فيه الأوقات دون فائدة مثل (البلياردو) و (البولينج) و (الجولف).
ج - حرمة ما كان فيه إلحاق الأذى والضرر البالغ بالخصوم مما تبيحه قوانين اللعب ويحرمه الإسلام، ويشمل ذلك لعبتي (الرجبي) وكرة القدم الأمريكية.
ت - إن الكثير من هذه الألعاب قد تحول إلى آفات اجتماعية واقتصادية خطرة للغاية بما دخل فيها من مفاسد عديدة، ومن ذلك ما يرتبط بلعبة كرة القدم وغيرها من تمجيد وتقديس للاعبين، وارتفاع أثمانهم بصورة مذهلة للغاية أحيانا، والتفريق بين الناس بسببها، وتضييع واجبات الدين والدنيا من أجلها، ونحو ذلك مما حرمه الإسلام.
١٢ - أباح الإسلام أنواع معينة من ألعاب الصراع والدفاع عن النفس وحرم بعضها وبيان ذلك وما يرتبط به من أمور يوضح فيما يلي:
أ - تباح ألعاب (الصراع) و (الكاراتيه) و (التايكواندو) و (الجودو) وما ماثلها بشرط اجتناب إلحاق الضرر بجسد الخصم، وبشرط الامتناع عن ضرب أو ركل الوجه أو الرأس مطلقا، لنهي النبي ? عن ذلك.
ب - تحرم لعبتا المصارعة الأمريكية الحرة والملاكمة بصورة قاطعة في الإسلام بسبب وحشية كل منها إذ تقوما على إلحاق الأذى والضرر الجسدي والمعنوي بالخصوم بأقصى وأبشع صوره، مما يؤدي في الغالب إلى إصابة اللاعبين بالجروح والكدمات والكسور والأمراض المختلفة، والتي تودي إلى الموت أحيانا.
ج - ويلحق بالملاكمة في التحريم لعبة (الكك بوكسنج) لاعتمادها على لكم وركل اللاعب لخصمه في وجهه ورأسه بصورة كبيرة، فإن هذبت من ذلك ومما يلحق الضرر باللاعبين فيقال بإباحتها.
١٣ - أما ألعاب القوة الجسمانية والاستعراض فبيانها فيما يلي:
١ - تباح لعبة رفع الأثقال للرجال لما فيها من تعويدهم على تحمل المشاق وكذلك لعبة شد الحبل.
٢ - تباح لعبتا كمال الأجسام والجمباز في مجملها، إلا أن صورة ممارستها عند فئات كثيرة من الناس تجعلهما محرمة بما تشتمل عليه من العري الفاضح أو الاستعراض على أنغام الموسيقى أو التفاخر بالنفس، ونحو ذلك مما ينبغي اجتنابه شرعا.
стр. 1469
٣ - يحرم المشي على الحبال إن اقترن بمخاطرة بالنفس، ويكره بدون ذلك لأنه قد يؤول إلى مفاسد وخيمه.
١٤ - تباح ألعاب الرياضة المائية في مجملها، كالسباحة والغطس والمسابقة بين المراكب المائية، ويرتبط بذلك ما يلي:
ا- إباحة دخول الرجال إلى المسابح مع وجوب ستر العورات، والمنع من دخول النساء لها من غير حاجة.
ب- حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء في هذه الألعاب، وخاصة ما يرى في المسابح والشواطئ من ذلك مما يقود إلى ارتكاب الفواحش والمنكرات.
ج - حرمة تعريض النفس للمخاطر، كما في ركوب الأمواج الهائجة أو قيادة المركبات المائية بسرعات قاتلة.
١٥ - يكره اللعب على الجليد والثلج من غير حاجة أو دون فائدة، لما في ذلك من تعريض النفس للأذى من سقوط أو إصابة بمرض ونحو ذلك، فإن ارتبط بذلك مخاطرة كبيرة بالنفس فيحرم اللعب عندها، وذلك كما في الهبوط من على المنصات العالية باتجاه الأرض أو الهبوط من المرتفعات الجبلية بصورة خطرة نتيجة السرعة، أو الانزلاق على التكتل الصخرية ونحو ذلك، أما تسلق الجبال فإن ارتبط بمخاطر كبيرة فيحرم وإلا فلا.
١٦ - ألعاب الطيران من الوسائل المستحدثة في اللعب، ويتفرغ عنها ما يلي:
ا- وجوب الأخذ بالوسائل المتطورة فيها مما يستعان به على نصرة الإسلام والمسلمين، ويناط هذا الأمر بالإمام بالدرجة الأولى.
ب- حرمة تعريض النفس لمخاطر الهلاك في هذه الألعاب.
ج - كراهة الاشتغال بهذه الألعاب إلم يقصد بذلك نصرة الدين - كأن يقصد بذلك مجرد اللهو واللعب بسبب خطورتها وارتفاع كلفتها.
١٧ - تحرم أغلب الألعاب المتعلقة بالمسابقة بين السيارات والدراجات النارية، وذلك لما فيها من تعريض الأنفس والأموال للضياع والهلاك، أما قيادة الدراجات الهوائية فهو أمر مباح لنفعه الغالب العائد على الجسد.
١٨ - أوجب الإسلام العناية بالحيوان بما يعود على الإنسان بالنفع، وحرم التعرض له بالإتلاف والإيذاء دون ضرورة أو حاجة ويتفرغ عن ذلك ما يلي:
ا- حرمة (الروديو) ومصارعة الثيران والجري أمامه والتحريش بين الحيوانات لما في ذلك من تعذيبها أو إضاعة ماليتها، أو لما فيه من تعريض النفس للخطر.
ب. حرمة سباق الكلاب، للنهي عن اقتنائها دون حاجة، وكراهة اللعب بالحمام لتفاهته وسفاهته.
١٩ - حرمة اللعب بما ترد فيه الأمور إلى يعتقد أنه تدبير الجمادات أو الخط، ويدخل في ذلك النرد وما شابهها، وكراهة اللعب المضيع للأوقات كراهة شديدة وحرمته إن ضيع الوجبات، ويدخل في ذلك لعب الشطرنج والورق.
٢٠ - تقسم الألعاب التي يراد إخراج العوض فيها إلى ثلاثة أقسام هي:
أ - ما اتفق العلماء على إباحة إخراج العوض فيه، وهي الرماية بالسهام وركوب الخيل وركوب الإبل.
ب - ما اختلف العلماء في إباحة إخراج العوض فيه مما ينتفع به في القتال كالمبارزة واللعب بالحراب والرماح والصراع والجري ونحوها، والراجح فيه إباحة إخراج العوض ما لم يكن من كلا الطرفين إلا ما رجحت لحوقه بالقسم الأول.
ج - ما لا ينتفع أو يقصد به الإعانة على القتال فالأحوط في ذلك ما قاله جماهير أهل العلم من المنع من إخراج العوض فيه في الغالب أياً كان مخرجه.
стр. 1470
٢١ - ويحلق بالمسألة السابقة مدى اشتراط المحلل فيما لو أخرج العوض في الألعاب التي ينتفع بها في القتال كلا الطرفين المشتركين في اللعب، فاشترطه جمهور العلماء ليخرج الأمر عن صورة القمار، ولم يشترطه آخرون كابن القيم، ولم يبح هذه الصورة بعضهم، والذي ترجح لدي أن المحلل لا يشترط في هذه الصورة في كل من الرماية وركوب الخيل والإبل وما يدخل في معناها كالمبارزة والمطاعنة بالرماح وما يقوم مقامها في القتال، ومن ذلك وسائل الرماية الحديثة وقيادة الطائرات الحربية ونحوها، بشرط أن يقصد بذلك الإعانة على القتال لا مجرد اللهو واللعب.
٢٢ - لا يحل شرعا الإحتكام إلى القوانين الوضعية في الألعاب الرياضية التي تخالف أحكام الإسلام، وينبغي على ولي الأمر أن يسن القوانين التي تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
٢٣ - ينبغي على المسلم الحرص على عدم قضاء وقته في اللعب بما يضيع ما هو واجب أو ما هو أولى منه من أمور الدين أو الدنيا، أو أن يجعل اللعب وسيلة لتضييع الوقت، أما اللعب ليلا فيكره بدون حاجة لئلا يؤدي إلى تفويت فائدة قيام الليل وواجب صلاة الفجر.
٢٤ - ينبغي على المسلم التحلي بفضائل الأخلاق في اللعب، واجتناب الأخلاق الفاسدة وما يؤدي إليها، ومما يتفرع عن ذلك وجوب ستر العورات، والراجح أن حدها للرجل ستر السوءتين، أما الفخذان فيكره كشفهما، والراجح أن حدها للمرأة الجسد كله إلا الوجه والكفان إلا إن أدى كشفها إلى حدوث الفتنة فيجب سترها.
٢٥ - يباح للمرأة ممارسة أنواع كثير ة من الألعاب الرياضة، بشرط عدم تمكين الرجال من النظر إليهن أو الاختلاط بهن وبشرط ممارستها بعيدا عن أماكن الشبهات أو السفر من أجل ذلك أو على صورة فيها تشبه بالرجال أو مخالفة لطبيعة المرأة وأنوثتها، كالمصارعة وكمال الأجسام ورفع الأثقال وما شابه ذلك، كما يباح لهن ممارسة اللعب أثناء الحمل والرضاع، ما لم يؤد ذلك لحوق أذى بهن أو بأجنتهن أو أطفالهن.
٢٦ - يحرم اللعب مع الفساق والكفار على وجه التأبيد أو العادة، ويلحق بذلك اللعب في الأماكن التي تظهر فيها المنكرات أو حضور اللعب فيها من غير حاجة، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما في ذلك من المؤانسة لأهل الباطل ومظنة التأثر بأخلاقهم وأفعالهم المحرمة.
٢٧ - احتراف اللعب مختلف في حكمه، فيرى فريق من أهل العلم حرمته لما يقترن به من مفاسد كالشغل عن واجبات الدين والدنيا، ويرى آخرون إباحته بشرط ألا يقترن بمحرم أو يفضي إليه، وقد رجحت كراهة احتراف اللعب في المجمل، لأنه عمل لا نفع أو إنتاج فيه في الغالب، ولما في ذلك من شغل الإنسان نفسه باللعب وذلك مذموم، ويتفرع من ذلك ما يلي:
ا- لا يدخل في الكراهة ما كان غالبه النفع، كاللعب المحتاج إليه بشدة في القتال وكالاشتغال به في مجال التعليم.
ب - الراجح عدم جواز احتراف الكافر أو الذمي اللعب في صفوف فريق مسلم، وعدم جواز احتراف المسلم في صفوف الفريق الكافر أو الذمي، لما في ذلك من مفاسد من تعريض النفس للفتنة والفساد وغير ذلك.
٢٨ - يحرم اللعب من أجل الأهداف التالية:
أ) الحصول على جنسية دول كافرة، لما في ذلك من الموالاة لأهل الكفر والتبعية لهم والافتتان بهم.
ب) الغضب والانتصار للباطل، ومن أجل الرياء والشهرة والمفاخرة، وابتهاجها بأعياد غير المسلمين.
ج) تعظيما للأموات والأشخاص المشهورين.
٢٩ - يباح اللعب من أجل الإستشفاء والمحافظة على الصحة، ونحو ذلك من مقاصد الخير المعتبرة شرعا.
стр. 1471
٣٠ - يحرم تعريض النفس أو تعريض الآخرين للخطر أو الضرر بسبب اللعب بأي وجه من الوجوه، ومما يرتبط بذلك حرمة تناول المنشطات الضارة بالجسد، ومما يرتبط به أيضا وجوب معاقبة من اعتدى على غيره عمدا بلا عذر بالعقوبة المناسبة من قصاص أو تعزير أو تعويض مالي ونحو ذلك، ووجوب تعويض المعتدى عليه خطأ إن استوجب الأمر ذلك.
٣١ - يحرم بيع أوترويج أو شراء بطاقات دخول المباريات إن كان المقصد من ذلك الحصول على جوائز مالية أو عينية أو بصورة تؤدي إلى شيوع المقامرة عن طريقها، لأن ذلك يعتبر من القمار المحرم في الشرع.
٣٢ - يحرم على المسلم الاشتراك أو التسبب في الدعاية لمحرم من خلال اللعب، مثل أن يرتدي لباسا عليه دعاية لبنك ربوي، أو يلعب في ملعب يحوي إعلانات لأمور محرمة، كإعلانات الخمور والدخان ونحوها.
٣٣ - يحرم ارتداء الميداليات الذهبية على الرجال، والأحوط ترك ارتداء الميداليات الفضية، فإن احتوت على نقوش لصور من ذوات الروح فيحرم ارتداؤها مهما كانت مادتها، والأرجح أنه يحرم اقتناء الكؤوس والدروع الذهبية أو الفضية ويحرم اقتناؤها إن احتوت على مجسمات أو نقوش لصور ما فيه روح من البشر أو غيرهم، حتى لو لم تكون من الذهب أو الفضة.
٣٤ - يجب على ولي الأمر التدخل في الألعاب الرياضية بما يعزز جوانب الخير فيها، وبما يمنع من شيوع مظاهر السوء والفساد فيها.
والله أسأل أن يتقبل هذا العمل، وأن ينفع به أمة الإسلام، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يجعله في ميزان حسنات من قام عليه، والحمد لله رب العالمين.
علي حسين أمين يونس
١٩/ ١٢/٢٠٠١م
стр. 1472
الأنساب والأولاد - دراسة لموقف الشريعة الإسلامية من التلقيح الصناعي وما يسمى بأطفال الانابيب -
المؤلف/ المشرف: عبدالحميد محمود طهماز
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار القلم - دمشق ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٨هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: طب وصحة - تلقيح صناعي وطفل الأنابيب
الخلاصة
إن التلقيح الصناعي يؤدي إلى هدم قواعد الشريعة الإسلامية التي شرعها الله تعالى لحماية المجتمع والأسرة والأخلاق.
إنه يؤدي إلى كشف العورات التي حرم الله كشفها، وإلى اختلاط الأنساب التي أمر الإسلام بحفظها، وإلى شيوع نكاح المحارم.
كما يؤدي إلى كثرة التشوهات في المواليد، وانتشار الأمراض الجنسية والوراثية، فضلاً عما فيه من امتهان لكرامة الإنسان، وتغيير خلق الله تعالى، والانحراف عن سنن الفطرة التي شرعها للتزاوج والتكاثر.
كل ذلك يجعله حراماً في جميع صوره وأشكاله، فالمجتمعات الإسلامية لا تشكو من قلة أعداد المسلمين، ولا ينبغي من أجل عدد قليل من الناس قدر الله سبحانه عجزهم عن الإنجاب بالوسيلة الفطرية الطبيعية أن نفتح على أنفسنا ومجتمعاتنا أبواب هذه الشرور المدمرة لكل ما هو إنساني وأصيل في مجتمعاتنا وقواعد شريعتنا وأخلاقنا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1473
الأهلة نظرة شمولية ودراسات فلكية
المؤلف/ المشرف: عدنان عبدالمنعم قاضي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار المصرية اللبنانية – مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: مطالع الأهلة ومنازلها
الخاتمة: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
لقد تعهد الله بحفظ كتابه ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجرات: ٩]، وأخبرنا سيدنا رسول الله ﷺ أن الله يسخر لدينه من يجدده على مر الزمن، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داود. ولقد سجل التاريخ الإسلامي، بعد وفاة سيدنا محمد ﷺ ، فكر وجهد أئمة وعلماء مجتهدين، ممن جددوا هذا الدين وأحدثوا ثورة في فقه العبادات والمناسك وعلوم الدين. وفي وقت كل منهم قوبل فكر واجتهاد بعضهم بعدم القبول تارة والعنف الرسمي و/أو الفردي تارة أخرى؛ وذهب الرجال وبقي الفكر. الآن، ومرة أخرى، تحتاج الأمة الإسلامية إلى كثير من التسامح، وتقديم فكر فقهي جديد واجتهاد إسلامي مبدع للشعوب الإسلامية (وحتى غيرها) في عصر متسارع يتصف بمعارف وفتوحات علمية وتكنولوجية مذهلة واكتشافات كونية هائلة واتصالات آنية متيسرة وشعوب وأعراق مختلفة وعقائد متفرقة ومفاهيم متضاربة وإمكانات متاحة وشهوات مستباحة. لمواجهة كل ذلك، لا أمان لرأي فقهي أحادي يصادر من يخالفه ويضطهد من يعارضه.
стр. 1474
ما تحتاجه الشعوب الإسلامية هو: أن لا تعود الشعوب ١٤٠٠ سنة إلى الإسلام، بل هو تقديم الإسلام ١٤٠٠ سنة إلى الشعوب الإسلامية وغيرها في عصرها الحاضر بكل مشكلاته ومستحدثاته، وإيجاد حلول عصرية خلاقة لمشكلاتهم ومسائلهم. وسأعطي مثالين بسيطين على العودة والتقدم إلى الإسلام: تعامل بعضنا بزكاة الفطر والأضحية (ذبح أنعام في الحج). فهناك من يتشدد ويصر (أي يخطئ غيره إذا أخرج نقدا) على إخراج زكاة الفطر طعاماً كما ورد في الأحاديث النبوية الصحيحة، أي إخراج صاع من بر أو شعير أو تمر أو أقط أو زبيب (مع أنه يجيز إخراج رز والحديث لم يذكره، وهو تناقض ذاتي)؛ وهذا مثال فقه العودة ١٤٠٠ سنة. على الجانب الآخر، الأضحية ورد أيضا فيها أحاديث نبوية صحيحة بأن يقوم المضحي بنفسه بشراء وذبح وتوزيع أضحيته وأكل ثلثها وإهداء أقارب والتصدق على فقراء. ولكن الآن هناك من يجيز توكيل حتى شخصيات اعتبارية لشراء وذبح (ليس بالضرورة في مكان المضحي) وتوزيع الأضاحي ودبغ واستعمال جلودها دون أن يرى أو يعلم المضحي مصير أضحيته أو يأخذ شيئا منها بل وحتى نقلها خارج المشاعر المقدسة؛ وهذا مثال على تقديم الإسلام ١٤٠٠ سنة لمواجهة مسائل وحل مشكلات تعاني منها الشعوب الإسلامية في هذا العصر وليس شعوباً أخرى في أزمنة ماضية. ما أحوج الأمة الإسلامية إلى فقه الواقع الذي هو ببساطة شديدة (النزوع إلى واقع الناس لتعرف مشكلاتهم التي يعانون منها والبحث عن الأحكام التي تعالج هذه المشكلات في الواقع واستيعابه لهذه الأحكام. وأيضاً معرفة ما يمكن تطبيقه من هذه الأحكام وما لا يمكن نظراً للظروف المحيطة أو عدم الاستطاعة. وبعبارة مختصرة، هو الفهم العميق لمشكلات الناس وتنزيل الحكم الشرعي عليها بقدر استيعاب الواقع لهذا الحكم). إنه فقه يرتبط بالأصل ويتصل بالعصر، فقه التيسير والمستطاع وليس فقه الأمثل والعزائم لأننا في عهد استضعاف وتكوين لا في عهد استخلاف وتمكين. إنه فقه يواجه ويجيب بشكل معاصر عن أسئلة شبابنا وفتياتنا وليس فقط إعطاءهم أجوبة أجدادنا، الذين أبدعوا في زمانهم وأحدثوا ثورة في فقههم. إنه فقه يقنن علاقات المجتمع وسلوك الفرد بدلاً من أن يحجر على المجتمع ويلاحق الأفراد. إنه فقه يأخذ نظرة شمولية للدين (العلم الشرعي) ويتبنى معرفة عصرية للخلق (العلم الكوني). وقدوتنا في ذلك هو أن سيدنا رسول الله ﷺ ما خير بين أمرين قط في الإسلام إلا أخذ أيسرهما وذلك طيلة حياته وبالذات في حجة الوداع.
стр. 1475
هذا الكتاب ناقش مسألة إسلامية بنظرة شمولية وبعلم عصري، وعرض حلا لها. إن المحور الرئيسي لهذا الكتاب هو كيف ينظر ويشرح فرد نصوصاً شرعية بنظرة شمولية، ذاتية التناسق، ومتكاملة مع ما خلق الله؟ إذا أخذ أحدنا نظرة شمولية لكل الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في هذا الكون وذاتية التناسق، فشرحه لمسألة ما سيختلف عمن يبتسر نظرة انتقائية وأحادية وظاهرية لنص شرعي ودون مراعاة إلى ما خلق الله ويظن أنه خرج بحكم (شرعي). في النظرة الشمولية يتضح تناسق أحكام الشرع والصورة الكلية لمراد الشارع، وأيضا تناسق الشرع مع الخلق. أما من يبتسر نظرة انتقائية وأحادية وظاهرية لنص شرعي ودون مراعاة أيضا إلى ما خلق الله، فينشغل صاحبه بإظهار عدم التناقض الذي أنتجه فكره، وليس المبني في الشريعة، الإسلامية، وذهابه إلى أقصى حد لتركيب شرح أن الدين صالح لكل زمان ومكان بينما العلة فيما ارتأى والهفوة في حجره على من خالفه من الورى. بقي أن ندرك أن إظهار التناسق في الشريعة نفسها هو مسألة فقهية، بينما إظهار التناسق بين الشرع والخلق هو مسألة تجريبية empirical. هذه النظرة الشمولية، بشكلها الفقهي والتجريبي، هي النقطة المحورية في هذا الكتاب.
قضية تؤكد النقطة المحورية في هذا الكتاب هي استخدام الشريعة الإسلامية لوسائل وأدوات طبيعية لتطبيق تعاليمها؛ ومن هذه الوسائل ركز هذا الكتاب على شرح دور ظواهر (وأدوات) طبيعية في تحديد بدء وإقامة تكاليف شرعية؛ بفرعيها العبادات والمعاملات. مرة أخرى، إن العبادة هي كيفية محددة في توقيت محدد وفي مكان محدد ولأفراد مكلفين. أي أن هناك ثلاثة عناصر: العبادة وهي ثابتة، والدالة على العبادة وهي أيضاً ثابتة، وطريقة تحديد تلك الدالة وهي متغيرة (مثلا، الصلاة والصوم والحج عبادة، والدالة عليها هي مواقع الشمس، وطريقة تحديد مواقع الشمس هو علم مكتسب متغير. مثال آخر، الصوم والحج عبادة، والدالة على بدء الشهر هو مواقع الهلال، وطريقة تحديد مواقع الهلال هو علم مكتسب متغير). ولا أجادل هنا في العبادة والدالة عليها (مثل أن نغير ميقات صلاة الظهر أو ألا نتبع الشهر القمري للصوم أو للحج)، لكنني أجادل أن وسائل تحديد بدء زمن العبادة ليست جزءا من العبادة. إن استخدام ظواهر وأدوات طبيعية وعرفية وبديلة إما أن يأتي عن طريق نص شرعي أو يستنبط قياساً. أما كونها تأتي عن طريق نص شرعي، فليست الظاهرة الطبيعية أو العرفية أو البديلة هي المقصودة شرعا بحد ذاتها كعبادة. وأما كونها قياسا، فالقياس قاعدة فقهية. في كلتا الحالتين، الأمر ما بين نص وقياس وكلاهما ترخيص للمسلمين كي يستخدموا ظواهر (أدوات) طبيعية و/أو عرفية أخرى كي يقيموا التكاليف الشرعية.
следующие страницы →