Полный текст (2 012 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وأما فلاسفة الدنيا وعظماء الغرب فقد سبقوا بعقلهم وإنصافهم إلى إدراك ما في الشرع من محاسن ومميزات لم يصل إليها غيره من القوانين، وشهدوا أن كل من يهمه الإنصاف والعدالة لا مجرد المساواة والعدل، يجب أن يستمد من شريعة الإسلام وأخلاق القرآن، وسننقل هنا بعض هذه الشهادات لتكون عونا لمن لم يدركوا الحقيقة، ومن لا يزالون تحت عقدة النقص أمام غيرنا. والا فان فقه الإسلام ومقاصد الشريعة لا يحتاجان إلى دليل خارجي لإثبات تفوقهما وامتيازهما.
يقول الاستاذ جيبون:
إن الفقه الإسلامي مسلم به من حدود الأقيانوس والأطلانطي إلى نهر الفانج بأنه الدستور ليس لأصول الدين فقط ... بل للأحكام الجنائية والمدنية، وللشرائع التي عليها مدار حياة نظام النوع الإنساني وترتيب شؤونه:
وقد أهاب مسيو لاكازيلي المشرع الايطالي بالعالم كله ان يستمد قانونه من الشرع الإسلامي لأنه حسب قوله أكثر تمشيا مع روح الحياة القانونية. وقد قرر مؤتمر لاهاى للقانون المقارن المنعقد سنة ١٩٣٢: اعتبار الشريعة الإسلامية مصدر القانون العالمي).
وقال العلامة جيب في كتابه (وجهة الإسلام) لا يزال الإسلام يسلك سبيلا وسطاً بين المتناقضات الشديدة. وهو على معارضته لفوضى القومية الأوربية وللنظام العسكري لروسيا الشيوعية، لم يقع بعد عرضة للهجمات الاقتصادية الملحة التي تمتاز بها أوربا وروسيا.
وقال صديقنا المرحوم الأستاذ ماسينيون:
للإسلام الفضل في أنه يمثل لنا فكرة عادلة مما يقوم به كل فرد من أبناء الوطن بدفع عشر ربع الأرض للخزانة العامة. أنه يشن الغارة على المبادلة المطلقة، وعلى رأسمالية المصارف. وقروض الدولة والضرائب غير المباشرة على الأشياء ذات الأهمية الجوهرية. ثم هو يؤكد حقوق الأب والزوج والملكية الفردية ورأس المال التجاري. ونراه هنا يقف مرة في مكان وسط بين الرأسمالية البورجوازية، وبين الشيوعية البولشفية.
ولكن لا تزال للإسلام رسالة يؤديها من أجل الإنسانية، ولا يوجد مجتمع سجل له من النجاح في أن يجمع بين كثير من الأجناس المختلفة وإن سوى بينهم في العمل والمكانة وتهيئة الفرص كما سجل الإسلام.
وإن الجماعات الإسلامية العظيمة، في إفريقيا والهند، وأندونسيا؛ والجماعات الإسلامية الصغيرة في الصين، والجماعات الصغرى في اليابان؛ لتبين جميعا أنه لا تزال للإسلام القوة على أن يتألف العناصر التي لا سبيل إلى التوفيق بينها بسبب الجنس والتقاليد.
وإذا لم يكن بد من أن يحل التعاون محل التضامن بين المجتمعات العظيمة في الشرق والغرب، فإن وساطة الإسلام شرط لابد منه، لأنه في يده إلى حد كبير حل المشكلة التي تواجه أوربا في علاقاتها مع الشرق.
وإن اتحدا زاد الأمل زيادة لا حد لها في بلوغ نتيجة سليمة.
وقال مستر جون، دي، فو؛ نبرت:
إن محمدا حرم سفك الدماء، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأقر المساواة، واستنكر الاستبداد، ومنح الإنسان حقوقه المدنية. فلتتذكر أوربا أنها مدينة بالفضل لهذا الرجل العظيم ( I ).
وإذا فلن ينظر إلينا المفكرون الواعون من الغرب إذا رجعنا إلى ديننا وشريعتنا إلا نظرة التقدير والاحترام.
ومن حسن الحظ أن جماعة مهمة من علماء القانون في العالم الإسلامي، أخذت تدرس الفقه الاسلامى وتؤلف فيه وتبحث على ضوئه مشاكل العصر، وأخذت ترغب في تنظيم مؤتمرات ومجامع لإبراز محاسن الشريعة الإسلامية، وتطوير طريقة عرضها، وأساليب التأليف فيها. وإذا كانت هذه الطائفة ما تزال قليلة العدد ولا زال سلطان القانون المستمد من الغرب والحاكمون بمقتضاه ِ حائلين بينها وبين إنجاز برامجها وتحقيق مقصدها فإنها تبشر بصدق ما أخبر به الرسول ﵇ من أنه: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى ياتى امر الله.
ولا شك أنهم سينتصرون متى ثبتوا وصبروا وصابروا. لأن الحق معهم وهم رجاله. (وإن حزبنا لهم المنتصرون) وكل أملنا في أن تخرج كل من كليتي الحقوق والشريعة مجازين قادرين على المساهمة بنصيب أوفي في دراسة الشريعة واستجلاء محاسنها وعرضها في ثوب قشيب عصري، يسهل على غيرهم أن يدرسوها ويفهموها.
فإذا كانت هذه المحاضرات التي ألقيت في كل من الكليتين، قد فتحت لطلبتها آفاقا لمعرفة مقاصد الشريعة وأسرارها وأخلاق الإسلام ومكارمه، فإن ذلك خير جزاء لي على ما بذلت من مجهود، والله سبحانه المسؤول أن يوفقنا جميعا لما فيه خير أمتنا وديننا ويسلك بنا وبالإنسانية كلها مسالك النجاة والمعرفة والسلام.
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب).
стр. 177
مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبدالسلام
المؤلف/ المشرف: عمر بن صالح بن عمر
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس- الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: مقاصد الشريعة
الخاتمة
في ختام جولتي مع هذا الرجل العملاق في علمه وورعه وجهاده أقف معه وقفتين توديعيتين حتى ألقاه في جنات الخلد إن شاء الله.
الوقفة الأولى: بعض نقاط الجديد عند الإمام العز.
ليس المراد بالتجديد تغيير حقائق الدين الثابتة القطعية لتلائم أوضاع الناس وأهواءهم ولكنه تصحيح للمفاهيم المترسبة في أذهان الناس عن الدين وتعديل لأوضاعهم وسلوكهم وفقا لتعاليمه وإرجاعه غضا طريا بعد أن تراكم عليه البدع والانحرافات.
وكل هذا ينطبق على إمامنا العز – ﵀ – فقد أمات البدع، وأحيا السنن، كما حارب التقليد وأحيا الاجتهاد ومارس دور العالم المجاهد في قيادة الأمة فالتف الناس حوله واتخذوه إماما بدون منازع – كما مر معنا في ترجمته - وهو جدير بذلك فقد كان يدافع عن مصالح الأمة بيده وبلسانه وبقلمه ويحفظ حقوقها ويدرأ عنها كل المافسد.
ومن نقاط التجديد عند الإمام ما يلي:
- النقطة الأولى: سعي الإمام لتقنين أصول الفقه.
يظهر سعي الإمام لتقنين أصول الفقه فيما نلاحظه أثناء دراسة كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام من تفريعات واستثناءات وشواهد وضوابط انظر مثلا حديثه عن النسيان وما يتعلق به وما يسقط به وما لا يسقط به وضابطه
وكذلك في حديثه عن المشقة وأنواعها وضوابطها
وكل ما يحتاج إلى ضابط فإن الإمام يغفل عن تجديد ضابطه فها هو يقول مثلا: "والضابط أن اختلال الشرائط والأركان إذا وقع لضرورة أو حاجة فإن لم يختص وجوبه بالصلاة كالستر فإن كان في قوم يعمهم العري فلا قضاء عليه لما فيه من مشقة ...
ويواصل في تحديد ضابط ما يتدارك إذا فات بعذر وما لا يتدارك مع قيام العذر.
وهكذا توجهت همة الإمام إلى تجديد بناء العقلية الإسلامية بالتأكيد على العقلية الأصولية التي لا ينبغي أن تغرق في الجزئيات وإنما اختصرها في كليات وضبطها في قواعد لمواجهة مستجدات الحياة مهما تعقدت وتشبعت ويبدو هذا جليا في الثروة الهائلة من القواعد التي خلفها لنا الإمام – ﵀ – متناثرة في كتبه هذه القواعد التي تتوجه بالهمم والأنظار نحو المستقبل لتواكب تطور الحياة عن وعي وإدراك وتلبي احتياجات العصر المتغيرة عبر الزمان والمتنوعة عبر المكان أما الفروع فغالبا ما تعني بالماضي لتحكم له أو عليه.
والقواعد التي ذكرها الإمام كثيرة أقتصر على نماذج منها تمهيدا لبحثها بحثا مستقلا بإذن الله تعالى.
- أولاً القواعد الفقهية:
١ـ تحصيل مصلحة الواجب أولى من دفع مفسدة المكروه
٢ـ تصرف الولاة ونوابهم بما هو الأصلح للمولي عليه
٣ـ لا يقدم في أي ولاية إلا أقوم الناس بمصالحها ودرء مفاسدها
٤ـ لا يجوز تعطيل مصالح صدقها الغالب خوفا من وقوع مفاسد كذبها النادر
٥ـ حفظ البعض أولى من تضييع الكل
٦ـ حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود
٧ـ تحمل أخف المفسدتين دفعا لأعظمهما
٨ـ دفع الضرر أولى من جلب النفع
٩ـ الأصل في الأموال التحريم ما لم يتحقق السبب المبيح
ويمكن القول بأن الإمام قد ألقى أوسع ما يمكن من الضوء على قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد وأظهر باستقرائه جريانها في مسائل لا تحصى وأحكام لا تعد أصليها وفرعيها حتى استطاع أن يرجع الفقه كله إلى هذه القاعدة الشاملة الجامعة الأصيلة " اعتبار المصالح ودرء المفاسد"
ب ـ في مراعاة التخفيف ورفع الحرج:
١ـ لا يسقط المقدور عليه بالمعجوز عنه
٢ـ الأشياء إذا ضاقت اتسعت
٣ـ قد وسع الشرع في النوافل ما لم يوسعه في الفرائض
٤ـ الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبا لمصلحتها
стр. 178
٥ـ ما أحل لضرورة يقدر بقدرها ويزول بزوالها
ج ـ في المقاصد والوسائل:
١ـ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
٢ـ كل ما كان أقرب إلى تحصيل المقصود من العقود كان أولى بالجواز لقربه إلى تحصيل المقصود
٣ـ لا تقدم التتمات والتكملات على مقاصد الصلاة
٤ـ الوسائل تسقط بسقوط المقاصد
٥ـ كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل
٦ـ إذا كان المطلوب محرما فسؤاله حرام
٧ـ يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع
د ـ في مقاصد المكلفين:
١ـ مقاصد الألفاظ على نية اللافظين ويستثنى من ذلك اليمين فإنه على نية المستحلف
٢ـ من أطلق لفظا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه
٣ـ العقود مبنية على مراعاة المقصود دون صور الأعواض
الأغلب على الناس هو الجزم
هـ ـ في أمور متفرقة:
١ـ المتوقع كالواقع
٢ـ ما لا يمكن ضبطه [يجب] الحمل على أقله
٣ـ القليل يتبع الكثير في العقود
٤ـ من لا يملك تصرفا لا يملك الإذن فيه وذكر لهذه القاعدة مستثنيات
٥ـ من ملك الإنشاء ملك الإقرار
ثانيا: القواعد الأصولية:
أـ في الأحكام التكليفية:
١ـ لا تكليف بما لا يتعلق به قدرة ولا إرادة
٢ـ لا يجوز تأخير حق يجب على الفور لأمر محتمل
إذا كان المطلوب محرما فسؤاله حرام
٤ـ لا يترك الحق لأجل الباطل
ب ـ في تعليل الأحكام:
١ـ الأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها
٢ـ الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبا لمصلحتها
ج ـ في العموم والخصوص:
دلالة العادات وقرائن الأحوال بمنزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق
د ـ في الدلالات:
١ـ تقدير ما ظهر من القرآن أولى في بابه من كل تقدير
٢ـ يقدر من المحذوفات أخفها وأحسنها وأفصحها وأشدها موافقة للغرض
٣ـ الكلام الصريح لا يفتقر إلى نية لأنه بصراحته منصرف إلى ما دل عليه
هـ في سد الذرائع:
١ـ يحتاط لدرء مفاسد الكراهية والتحريم كما يحتاط لجلب مصالح الندب والإيجاب ولهذه القاعدة مستثنيات
٢ـ تنزيل الموهوم (من المصالح والمفاسد) منزلة المعلوم
وـ في العرف والعادة:
١ـ دلالة العادات وقرائن الأحوال بمنزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وقد تقدم ذكرها قريبا في العموم والخصوص.
٢ـ ينزل الاقتضاء العرفي الاقتضاء اللفظي
٣ـ دلالة العرف كدلالة اللفظ
ز ـ في الاستصحاب:
١ـ استصحاب الأصول مثاله من لزمه طهارة أو .. ثم شك في أداء ذلك .. لزمه ذلك لأن الأصل بقاؤه في عهدته
٢ـ الأصل براءة الذمة مثاله من شك هل لزمه شيء .. لا يلزمه شيء من ذلك لأن
الأصل براءة ذمته
ج ـ في الخروج من الخلاف:
الخروج من الخلاف مستحب
ط ـ في الاجتهاد:
الاجتهاد لا ينقض
ويعد الإمام أول من فتح باب التأليف في القواعد ثم تبعه من جاء بعده
النقطة الثانية: من تجديدات الإمام: ربط الأصول بأهدافها الحيوية وإعادة دمج ثمارها في واقع الحياة فقد اتجه الإمام بأصول الفقه اتجاها عمليا بعيدا عن التكلف النظري إذ إنه لا يؤمن بأن هناك قضايا فلسفية لذا نجده يكثر من التمثيل والتطبيقات الفقهية في قواعد الأحكام ومصالح الأنام خاصة مما يخرج تلك القواعد من الجمود النظري إلى التطبيق الفقهي.
ـ النقطة الثالثة: تقسيم المصالح والمفاسد تقسيمات كثيرة الواقف على كلام العز في كتابه قواعد الأحكام يجده أفاض في المصلحة (وكذلك المفسدة) تقسيما وتمثيلا وأتى في هذا الموضوع بما لم يأت به غيره ممن تكلموا فيها بل كثير منهم اتخذوه قدوة ورائدا في هذا الشأن
ومما راعاه الإمام في تقسيمه عظم المصلحة وشر المفسدة فقدم من المصالح ما هو أعظم خيرا للمكلف وأبعد من المفاسد ما هو أكثر شرا للمكلف فجاء ترتبيه حسب نفع المكلف من حيث الإقدام على المصالح والإحجام عن المفاسد فدفع الكفر – في أعلى المراتب،
стр. 179
ودفع القتل بعده ثم تترتب فضائل الدفع بمراتب المدفوع في سوئه وقبحه وعد هذا معروفا بالعقل قبل ورود الشرع ومن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به
ـ النقطة الرابعة: إبراز الوسائل وتنوعها لتحقيق مقاصد الشريعة حتى لا يصيب المكلف ملل ولا ضيق أو يعتريه فتور في تحقيق والمحافظة عليها.
النقطة الخامسة: كثرة الطرق الموصلة إلى معرفة المصالح الدنيوية عند الإمام.
النقطة السادسة: النظرة الشاملة من الإمام لتحقيق المقاصد العامة إذ يرى إصلاح القلوب وتزكية النفوس والتخلق بصفات الله والاتصاف بها عامل مهم في تحقيق المقاصد المكلفة لقصد الشارع.
ـ النقطة السابعة: تحريره تحريرا شافيا كافيا لمسألة الثواب في المصائب فكان بذلك أستإذا لمن جاء بعده كالشاطبي
ـ النقطة الثامنة: اتسام منهج الإمام التغييري بالشمولية بحيث نجده يتراوح بين اللين والشدة وبين الموعظة والقتال ذلك بأن الإمام ينظر إلى كل الظروف التي يحتمل أن تواجه الداعية في دعوته لتطبيق شرع الله وتحقيق مقاصده.
الوقفة الثانية: أهم النتائج المتوصل إليها.
ـ أولا: الاعتراف بجهود هذا الإمام ولفت الأنظار إلى فضله العظيم في تأسيس علم
المقاصد واهتمامه بها الأمر الذي مهد الطريق للذين جاؤوا من بعده.
ويمكن القول بأن مشروعه تجديديا إحيائيا لترميم تصدعات الحياة الإسلامية ولكن لم تتهيأ له الأجواء السياسية والثقافية والاجتماعية ليعطي ثماره الحضارية تجديدا ونهضة ذلك بأن عصره – كما مر معنا في ترجمته – عصر انقسامات واستعانة بالكفار وإعانة لهم على المسلمين.
ومن حقنا أن نتساءل عن المصير الذي قدر لهذا المشروع منذ نهاية القرن السابق مرورا بالشاطبي وابن عاشور إلى يومنا هذا ولعل همم بعض طلاب العلم تجعل هذا التساؤل رسالة علمية كما أنني لست بمبالغ عند اعتبار أن الفكر الإسلامي اليوم في أمس الحاجة إلى الاستنارة بمثل أفكار هذا الإمام العالم ذي الشخصية العلمية الفذة وإلى كل من آرائه واجتهاداته هذه الآراء والاجتهادات التي أعلت من شأن أصول الفقه بأن فتحت له بابا جديدا وهو فن مقاصد الشريعة.
وأن ما في هذا الرسالة من اجتهادات الإمام وآرائه لا تغني عن الرجوع إلى مؤلفاته والنهل من نبعها الصافي.
ثانيا: الاعتراف بجهود الإمام في محاربة التقليد والركود والجمود ودعوته إلى الاجتهاد المتعمق الذي يستوعب كل الحياة بجميع تطوراتها ومتغيراتها الاجتماعية والسياسية ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالتعمق في فهم النصوص الشرعية في أبعادها الأصولية والفقهية والمقاصدية.
ثالثا: المقاصد العامة ثابتة لا تتغير ولا تختلف باختلاف الأمم والعوائد والأزمنة وإن اختلفت بعض مصالح الناس باختلاف الأزمان والأعراف ومن هنا كانت دعوة ابن عاشور لصهر مسائل أصول الفقه وإعادة ذوبها في بوتقة التدوين وتسميتها بمقاصد الشريعة
ـ رابعا: تعد مقاصد الشريعة الركن الثاني من أركان أصول الفقه – وركنه الأول هو:
الفهم الذي يقوم على جانب الاستكشاف والتجريد والتعميم – وهي بمثابة تنزيل الأحكام المجردة على واقع الأحداث ومستجدات الأمور بمعطياتها الزمانية والمكانية وملابساتها الشخصية فـ "مثل ما يتوقف استنباط الأحكام الشرعية على الألفاظ فإنه يتوقف على مقاصد اللافظ
ومع كون المقاصد مبحثا أصوليا إلا أنه يكاد يكون مفقودا في كتب الأصول كمبحث مستقل قائم الذات إلا من بعض الإشارات في مباحث العلة أو المناسبة أو الاستصلاح ...
стр. 180
وإذا اعتبرنا أصول الفقه قانونا يتوصل به إلى استنباط الأحكام وكيفية التطبيق السليم فإن الاهتمام اليوم بالمقاصد أكثر من ذي قبل يعد خطوة نحو تلبية متطلبات الحياة ومسايرة قضاياها المستجدة لاستيعاب جميع متغيراتها.
ومن المعلوم أن التشريع وليد الحاجة فما قام تشريع في أمة ولا نشر فيها قانون إلا وقد قام في البلاد قبلهما حاجة تدعو إليهما فيأتي التشريع ويصاغ القانون على قدر تلك الحاجة الداعية والقوانين في جميع أنحاء العالم لا تلبث بعدة مدة من وضعها أن تصبح غير وافية بالنسبة لبعض الأحداث فالاهتمام بالمقاصد يساعد على إيجاد الحلول المناسبة لما استجد من القضايا في إطار من الضوابط قد سبق بيانها في أثناء الرسالة حتى لا يكون لأهواء الناس مدخل في استنباط الأحكام أو تطبيقها.
وقد بين ابن عاشور شدة حاجة الفقيه إلى معرفة المقاصد في مثل هذه الحالة " فاحتياجه فيها ظاهر وهو الكفيل بدوام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا "
ـ خامسا: المقاصد متداخلة لا يكاد ينفك بعضها عن بعض ولقد تبين فيما سبق
أنها خادمة لبعضها فقد يكون المقصد وسيلة مفضية إلى مقصد أعلى منه كما أن المقاصد الجزئية للأحكام تندرج بدورها في دوائر تنتهي إلى المقاصد الكلية التي تنتهي بدورها إلى المقصد الأعلى وهو تحقيق مصالح العباد في الدنيا والمعاد.
سادسا: المقاصد العامة معان حقيقية تهدف الشريعة إلى تحقيقها في واقع الحياة حتى تكون على تلبية حاجيات المسلمين وساعية نحو الأفضل في تنظيم مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإلى تحقيق كل ما ينفع الأفراد والأمة من خير يعود على خدمة الضروريات والحاجيات والتحسينيات.
سابعا: المقاصد العامة مع الفطرة وهي أساس هام بني عليه هذا الدين قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٠) سورة الروم
ومما يؤكد عليه الإمام أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد نظرا لهم من رب الأرباب
ثامنا: ينبغي أن تكون الاجتهادات الفردية أو الجماعية المؤقتة أو الدائمة مرتبطة بواقع الحياة وبمقاصد الشريعة الإسلامية كضابط لهذه الاجتهادات من الزيغ والانحراف وليكون أقرب ما تكون إلى الصواب وأجدر بالتطبيق العلمي في الحياة.
الضابط الأول: ارتباط الاجتهاد بواقع الحياة.
الارتباط كما نعيشه من ناحية ويشمل جميع مجالات هذا الواقع من ناحية أخرى نتفادى الثغرات – إن لم نقل الفراغ – الذي نعيشه في عدد غير قليل من مرافق التنظيم الاجتماعي الذي ما تزال مبادئ التشريع فيها معتمدة على حضارة وفلسفة أجنبيتين.
لذا كان لزاما على العالم أن تكون علاقته بالمجتمع الذي نعيشه علاقة وطيدة – كعلاقة إمامنا العز بمجتمعه – حتى تكون آراؤه آراء عالم خبير بأحوال النفوس دارس لها متعمق في
دراستها فاحص لأحوال عصره عارف بظروفه ذلك بأن هذه الآراء والفتاوى مواقف يتحرك بها المجتمع نحو التغيير ولا يقتصر ضررها على الفرد بل يتجاوزه إلى الأمة وكل خطأ في تقدير الموقف محسوب على توجهات المجتمع وسلامته.
الضابط الثاني: انبناء الاجتهاد على مقاصد الشريعة.
ويبدو ارتباط الاجتهاد فيما قرره الإمام من أن المقاصد مرجوع إليها
وأن كل غافل عنها في حكمه أو فتواه يلزمه أن ينقض حكمه ويرجع عن فتواه وأما من أفتى على ما تقتضي قواعد الشريعة وإقامة مصالحها فكيف يحتاج إلى نقل جزئي مخصوص من كلي اتفق على إطلاقه من غير استثناء
стр. 181
وأكد الشاطبي هذا المعنى بقوله: " فمن أخذ بنص في جزئيه معرضا عن كليه فقد أخطأ وكما أن من أخذ بالجزئي معرضا عن كليه فهو مخطئ"
١ـ إضفاء صفتي الشمولية والاستمرارية على الشريعة فلا تعرف حدودا للزمان ولا للمكان.
٢ـ استعمال الأقيسة المعتبرة والاستنتاجات العقلية السليمة بشكل يتلاءم مع واقع الناس ويراعي ظروفهم دون إبطال للنص أو تحريف له.
٣ـ تطلع المتعاملين فيما بينهم إلى أعلى مثل العدل والإحسان والتعاون لبلوغ المصلحة الشرعية من التعامل فيتوفر بذلك جو من الثقة والنية الحسنة بين الناس ويؤمن الغش والاحتكار وأكل مال الغير بالباطل.
٤ـ الحد من الخلافات المذهبية بين المسلمين التي منشؤها – في الغالب – سوء فهم مقاصد الشريعة أو عدم فهمها على الإطلاق وتوحيد المسلمين مقصد من مقاصد هذا الدين وضرورة من ضروراته.
٥ـ تحديد مفاهيم الحقوق وتعيين مواقعها حتى لا يبقى للحق الشخصي المطلق ولا للأنانية الفردية البغيضة مكان في نفوس الناس ذلك بأن المقاصد العامة بحيث تندرج في مضمونها كافة الحقوق ما كان منها ذا مضمون ديني أو خلقي أو سياسي أو اقتصادي وما إلى ذلك مما يتعلق بجميع نواحي الحياة ماديا ومعنويا فكانت كل الحقوق الجديدة التي لم يعرفها العالم الغربي إلا في هذا العصر مقررة في الشريعة الإسلامية فيما رسم من مقاصدها وغاياتها وشرع من وسائل علمية لتحقيقها وتنميتها والمحافظة عليها.
٦ـ تنظيم حياة المجتمع البشري والموازنة بين حاجيات الناس فلا تطغى حاجة إنسان على آخر ولا تصطدم حريته مع حرية غيره.
٧ـ إيجاد الحلول لكثير من المسائل الطارئة في حياتنا المعاصرة.
ـ تاسعا: علم المقاصد علم دقيق لا يخوض فيه إلا من لطف ذهنه واستقام فهمه لذا أكد الإمام على ضرورة الفهم السليم، والطبع المستقيم
ـ عاشرا: لا يزال فن المقاصد مهمة مطروحة تنتظر من ينجزها فعليا ويتوغل فيها إلى أقصى دلالاتها فهي مادة ثرية لا غنى عنها لباحث أو مجتهد إلا أن هذا الإنجاز يتطلب شيئا من الإحاطة بثقافة العصر وقيمه خاصة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ـ حادي عشر: ضرورة معرفة المقاصد وإيضاحها في نسق عقلي ومنهج علمي سليم وأن يجعل منها مادة تربوية علمية يُربى عليها أبناء الأمة وتقام على أساسها كياناتهم النفسية وغذائهم الفكري ووضوح المقاصد يوفر لنا أمرين:
١ـ الوضوح في أولويات العمل الإسلامي – اليوم – لتطبيق شرع الله في أرضه وإعلاء كلمته.
٢ـ القضاء على الغبش والتخبط مما لا يدع مجالا ولا موضعا يعتد به للنظر الجاهل بالنصوص وأولوياتها وغايتها.
ـ ثاني عشر: الالتفات إلى المصلحة في الاجتهاد مطلوب إلا أن تقديمها على النصوص أمر خطير يؤدي إلى تعطيل الشريعة من أساسها ولو جاز أن تقل الأمة هذا الرأي على إطلاقه في تشريعها وتسمح به لرجال الحقوق والقضاء في اجتهادهم لسادت الفوضى في العمل بالشريعة فمن تراءت له مصلحة في أمر ما وزينها له هواه عمل به وإذا تصور أن فيه مفسدة نبذة وذلك منتهي الاضطراب والتخبط.
ثالث عشر: الشريعة تعمل على تحقيق المقاصد العامة والمحافظة عليها فهي:
١ـ تحافظ على المصلحة أبدا وفق نظام ثابت لا يتأثر بوجود شخص أو موته قال تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١٤٤) سورة آل عمران] وسواء كانت هذه المصلحة عامة أم خاصة صغيرة أم كبيرة حفظا للحق العام والحق الخاص في آن واحد حتى إن الإنسان لا يعتبر حرا في نفسه وأعضائه فلا يحق له أن يتصرف فها إلا وفق ما يرضي الله " لأن الحق في ذلك مشترك بينه وبين ربه" على حد قول الإمام
стр. 182
ومن هنا يمكن القول بأن المصالح متداخلة فالمحافظة على المصلحة العامة محافظة لمصلحة الأفراد بحيث يستطيع كل من يتمكن من الانتفاع بها أن ينتفع بها وفقا للوجوه المعروفة شرعا.
وكذلك القول في المصلحة الخاصة: بها يتحقق صلاح المجتمع تبعا فحفظ مال اليتيم – مثلا – حتى سن الرشد فيه نفع لليتيم عند رشده إذ يجد ماله كاملا غير منقوص وفيه نفع لغيره سواء كان وارثا أم غير وارث بما يحققه ذلك المال من نفع عام بإقامة مشاريع أو صدقات خاصة أو عامة ولعل هذا هو معنى قوله تعالى ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ (٥) سورة النساء] فعد أموال اليتيم كأنها أموال من يرعاها.
وكذلك في حفظ النفس فإنها مصلحة خاصة ولكن المحافظة عليها على النظام العالمي.
وإذا نزلت بالأمة نازلة أو طرأت بعض الطوارئ وجب اعتبار مصالح هذه الأمة كلا متكاملا لا كدويلات متفرقة " وطريق المصالح أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك" كما قال ابن عاشور
وتداخل المصالح يستدعي إيجاد قواعد وخطط تشريعية يلتزمها المجتهد لإعطاء كل ذي حق حقه فلا يظلم أحد. وأساس هذه القواعد هي: الموازنة بين ما يعود على صاحب الحق من نفع مشروع وبين ما يلحق الغير من ضرر لازم أو فساد ممنوع.
وفي هذه الموازنة يتفاوت نظر النظار وتتعارض فيه الخواطر والأفكار لذا أكد الإمام على الفهم السليم والطبع المستقيم.
ولقد استطاع أن يستنبط من استقرائه للشريعة سلما للمصالح يتدرج بحسب آثارها في دنيا الناس فتحدث عن الضروري والحاجي والتحسيني وبنى على ذلك مواقف عملية حتى يتمكن الناس من الموازنة بين المصالح وترتيبها فلا يقعوا أمام طريق مسدود يجعلهم مخيرين بين مصالح الدنيا أو الآخرة.
ولو وضع المسلمون هذا السلم نصب أعينهم قبل اتخاذ بعض القرارات أو تبني بعض المواقف لسملت الأمة – الآن – من كثير مما هي فيه من المشاكل
٢ـ كما أنها تراعي التخفيف والتيسير وترفع الحرج عن الناس باعتبارها شريعة عملية واقعية تسعى إلى أن تكون واقعا حيا في نفوس أتباعها ولا يتم ذلك إلا بسلوك الرفق والتيسير ذلك بأن اليسر من الفطرة والنفوس مجبولة على حب الرفق والنفور من الشدة والإعنات ومن هنا كان الحرج مرفوعا والمشقة منفية وليس المراد بنفي المشقة أن لا مشقة ولا كلفة في شيء من التكاليف الشرعية أصلا بل المراد أن تكون المشقة في حدود طاقة المكلفين.
كما أن الدعوة إلى التيسير ليست على إطلاقها بل المراد أن يكون التيسير بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة وإلا لزم ارتفاع جميع التكاليف أو أكثرها.
٣ـ وتقيم العدل وتدعو إلى أن تكون إقامة العدل عن إدراك وتفهم عميق لأبعاده ومراميه وللمسالك والوسائل المفضية إليه فمن راعى ذلك وفق إلى جني ثماره إذ لا ثمرة تجنى دون تصور سليم وتنفيذ واع حكيم.
كما بينت الشريعة أن عاقبة العدل كريمة وعاقبة الظلم وخيمة ولهذا يرى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة
ـ رابع عشر: شرعت الشريعة من الوسائل ما يتلائم مع تحقيق مقاصدها ويحافظ عليها ولولا ذلك لفات الكثير منها ولذا كان اعتناؤها بالوسائل كاعتنائها بالمقاصد إلا أن العناية بالمقاصد أولىواعتبرت الوسائل بمثابة التتمات والتكملات وصارت كل وسيلة تخدم مقصدا مطلوبة التحصيل وكل وسيلة لا تؤدي إلى ذلك مطلوبة الترك مع أنه قد تتعد الوسائل إلى المقصد الواحد فيقدم أقواها تحصيلا للمقصد المتوسل إليه بحيث يحصل كاملا ميسورا يقدم على ما هو دونه في هذا التحصيل.
هذا ما وفقني الله إليه وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
стр. 183
مناقشة الاستدلال بالإجماع
المؤلف/ المشرف: فهد بن محمد السدحان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: إجماع
الخاتمة
في ختام هذا البحث: أحمد الله على توفيقه، وأشكره – سبحانه – على عونه وتسديده.
وأود أن أسجل – هنا – أهم النتائج والفوائد، وأهم الملحوظات والمقترحات:
أولاً: النتائج والفوائد:
١ - أهمية هذا الموضوع للمناظر وللناظر (الباحث).
٢ - عناية العلماء المتقدمين به من الجهتين: التأصيلية، والتطبيقية.
وقد سبق بيان هذين الأمرين في المقدمة.
٣ - لم أجد مثالا لما يسميه الأصوليون (الإجماع الصريح) الذي ينقل فيه القول عن الجميع، أو الفعل عن الجميع، أو القول عن البعض والفعل عن البعض الآخر. فالإجماعات المستدل بها في مسائل الخلاف إجماعات سكوتية.
٤ - أن الإجماع يمكن أخذه من الاختلاف، فاختلاف العلماء المستقر في مسألة ما على أقوال يدل دلالة غير مباشرة على اتفاق على بعض الأمور، ويمكن أن يسمى هذا بالإجماع الخفي أو بالإجماع الضمني، ويسميه بعضهم بالإجماع المركب.
ومن هذه الأمور:
أ – الإجماع على منع إحداث قول آخر في المسألة.
ب - الإجماع على تسويغ الأخذ بكل قول وأن المسألة اجتهادية، وينبني على هذا منع انعقاد الإجماع بعد الخلاف.
جـ - الإجماع على الأخذ بأقل ما قيل في المسألة.
٥ – أن محل الخلاف في إمكان الإجماع (إمكان وقوعه، وإمكان العلم به، وإمكان نقله) وفي حجيته: إنما هو الإجماع على الأحكام التي لا تكون معلومة من الدين بالضرورة، ويسمى (إجماع الخاصة) أي: المجتهدين وحدهم.
أما الإجماع على الأحكام التي تكون معلومة من الدين بالضرورة فلا نزاع في إمكانه، ولا في حجيته، ويسمى (إجماع العامة) أي: الإجماع الذي أجمعت عليه الأمة قاطبة: مجتهدوها وعوامها.
٦ – أن الإجماع دليل نقلي كغيره من الأدلة النقلية، ولذا فلا بد لصحة الاستدلال به من:
أ – صحة السند.
ب – وضوح الدلالة في المتن.
جـ - الرجحان على المعارض.
٧ – أن القول بتقديم الإجماع على الأدلة الأخرى ليس على إطلاقه، بل ينبغي أن يقيد بالقطعي، أما الظني من الإجماع فشأنه شأن الأدلة الظنية الأخرى، فيمكن أن يكون راجحا، ويمكن أن يكون مرجوحا، ويرجع هذا إلى نظر المجتهد واجتهاده.
٨ – أن الإشكال الناشئ من الاستدلال بالإجماع في مسائل الخلاف يزول بإدراك أمرين:
أ – أن المستدل بالإجماع – هنا – إنما يريد إجماعا سابقا للخلاف الذي أبداه – أو حكاه – الطرف الآخر، فهو بهذا يبين أن ذلك الخلاف يعد خرقا للإجماع السابق، وأنه يجب على من بلغه وعلم به وثبت عنده أن يرجع عن الخلاف.
ب – أن أكثر ما يذكر في هذه المسائل إنما هو من قبيل الإجماعات الظنية .. وإذ آل إلى الظنية صار الإجماع كغيره من الأدلة، وزال الإشكال الناشئ من حكاية الخلاف.
٩ – أن الإجماع ينقسم إلى قسمين: مقطوع ومظنون. والظنية تتطرق إليه من جهة الثبوت ومن جهة الدلالة، فتكون الأقسام أربعة.
وقد سبق بيان هذا في المبحث السابع من التمهيد.
١٠ - أن الإجماع القطعي بضوابطه التي وضعها الأصوليون في قولهم: (ما وجد فيه الاتفاق، مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، ونقله أهل التواتر) لم يتحقق له – حسب علمي – مثال في الواقع، ولا يمنع هذا أن تستفاد القطعية من انضمام قرائن أخرى إليه، لكن المقصود – هنا – هو فيما إذا جردنا النظر إلى الإجماع.
١١ – أن منشأ الاعتراضات على الاستدلال بالإجماع أحد أمور ثلاثة:
أ – المنازعة في أصول الإجماع.
ب – المنازعة في ضوابط ثبوته: إما في اعتبارها، وإما في تحققها.
جـ - المنازعة في ضوابط الاستدلال به المتعلقة بمتنه: إما في اعتبارها، وإما في وجودها.
стр. 184
١٢ - أن الخلاف في أصل حجية الإجماع لم يظهر له – حسب علمي – أثر في التطبيق؛ لأن المنكرين لها – إذا استثنينا الإمامية – قلة من المتكلمين ليسوا بأصحاب مذاهب لها فروعها المبنية المدونة.
أما الإمامية فإن خلافهم – فيما يحكي فيه أهل السنة الإجماع – ليس راجعا إلى مسألة حجية الإجماع، بل إلى مسألة تحقق الإجماع وانعقاده؛ لأنهم – حين يسلمون بتحققه في مسألة – لابد لهم من الأخذ بها أجمع عليه، وإن كان مستندهم – في هذه الحالة – هو قول المعصوم الداخل في جملة المجمعين، فالنتيجة واحدة، ولذا لم يظهر لي أن للاختلاف في حجية الإجماع أثراً عند التطبيق.
ثانياً: الملحوظات والمقترحات:
١ – أن المثبتين للإجماع والمنكرين له أطالوا في بحث مسائل: (إمكان وقوع الإجماع، وإمكان العلم به، وإمكان نقله)، وكأن الإمكان هو المقصد الأهم.
والمقترح: أن يصرف الجهد إلى المسألة التي حكي وقوع الإجماع عليها وتحقيق القول فيها، إذ أن هذا هو الغاية الأولى، فإذا كان المستدل في مسألة يحكي الإجماع عليها، فالأمر قد تجاوز الإمكان إلى الوقوع، فلا يبدو – حينئذ – أن لبحث موضوع الإمكان وجها، وبخاصة أن الأمر يتعلق بإمكان عادي أو استحالة عادية، والمستحيل العادي ليس له صفة الثبات؛ فما يكون مستحيلا – عادة – في وقت قد يقال بإمكانه في وقت آخر، تبعا لتغير الظروف.
٢ – أن مسائل الإجماع المحكية في مصادرها (وموسوعاتها) لم تحظ بما تستحق من التحقيق والتنقيح وتمييز الثابت من غيره، ولم تخضع لمعايير نقد السند والمتن، وكان المنتظر أن تحظى بمثل ذلك؛ لأنها جزئيات دليل ثابت من أدلة التشريع، فهي كجزئيات دليل السنة النبوية التي حظيت بذلك كما لا يخفى.
والمقترح: أن تتضافر جهود الباحثين لتتبع مسائل الإجماع المنقولة في مصادرها، ونقدها، فالإجماع دليل نقلي، وله سند ومتن، فيجب أن يحقق القول فيهما.
٣ – أن الذين يستدلون بالإجماع يذكرون في كثير من المواضع – إجماعات مجردة؛ فيقولون – مثلا -: (دليلنا الإجماع؛ فقد أجمع العلماء على كذا) أو نحو ذلك.
والمقترح: اتباع المنهج الآتي للاستدلال بالإجماع:
أ – ذكر الطريق الذي ثبت به الإجماع – إما بالرواية أو بالعزو إلى كتاب – مع تصحيح ذلك الطريق، وبيان نوع النقل (متواتر أم مشهور أم آحاد؟)، وذكر عبارة الناقل.
ب – ذكر صفة الإجماع، وذلك ببيان دليل حصول الاتفاق بين العلماء (قول الجميع، أم فعل الجميع، أم قول بعضهم وفعل البقية، أم قول بعضهم وسكوت البقية، أم فعل بعضهم وسكوت البقية؟).
جـ - ذكر وجه الدلالة من متن الإجماع (نص أم ظاهر؟ منطوق أم مفهوم؟ ... )
وأخيرا: أرجو أن يسهم هذا البحث (مناقشة الاستدلال بالإجماع) في تكوين منهج يعين على تطبيق تلك المقترحات.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 185
منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة
المؤلف/ المشرف: مسفر بن علي القحطاني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الأندلس الخضراء - جدة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٤هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: استنباط
الخاتمة
بعد هذه الرحلة الطويلة الممتعة التي عشتها مع هذا البحث، ألقي عصا الترحال منتهياً حيث انتهت بي مباحثه وتمت فصوله، مسجلاً أهم النتائج التي توصلت إليها والفوائد التي وقفت عليها من خلال النقاط التالية:
١ - أن ثبات أحكام الشريعة مع تعاقب الأزمنة واختلاف أحوال الناس والمجتمعات دليل على صلاحيتها لكل زمان ومكان؛ وذلك أن الله قد تكفل بحفظها من كل خطأ أو نسخ أو تبديل.
ومن مكملات هذه الصلاحية للشريعة أن بقيت هناك أحكام تتغير من ظرف إلى آخر بحسب ارتباطها بالمصلحة أو العرف المتغير.
٢ - شمول الشريعة لكل ما يحتاجه الناس على الإطلاق فلا تخلو حادثة واحدة عن الحكم الشرعي في جميع الأعصار والأقطار والأحوال، فالمعاني التي تضمنتها الشريعة تعمّ جميع الحوادث وتسعها إلى يوم القيامة.
٣ - أن الله قد نصب لكل مسألة حكماً شرعياً معيّناً يجتهد العالم في معرفته، فكانت الحاجة لبيان معنى الأحكام الشرعية التكليفية منها والوضعية لأنها خالدة باقية لا تختلف باختلاف الأزمنة أو الأمكنة، إنما يختلف تنزيلها فيما يحدث من وقائع ونوازل تحتاج إلى تلك الأحكام الشرعية.
٤ - التعريف المختار للنوازل المعاصرة هي: " الوقائع الجديدة التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد ".
٥ - أن هناك بعض المصطلحات للنوازل تدل على المعنى نفسه تقريبا ً مثل: الحوادث والوقائع والمسائل والقضايا والمستجدات.
٦ - أن الاجتهاد في حكم النوازل نشأ منذ تنزّل القرآن الكريم على النبي ﷺ بحسب الوقائع والأحداث ليجيب عما يحدث في حياة الصحابة من نوازل، وكذلك فعل النبي ﷺ وتصرفه بالفتيا وتبليغ الرسالة والصحابة والتابعين ساروا على هدي الكتاب والسنة في معالجة الوقائع الحادثة بهم.
٧ - تكمن أهمية البحث في أحكام النوازل من خلال الجوانب التالية:
أ - التأكيد على صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.
ب - مراعاة حاجات ومصالح العباد.
ج- تفويت الفرصة على الأخذ بالقوانين الوضعية.
د- تجديد الفقه الإسلامي.
٨ - أن الاجتهاد في طلب الأحكام جائز في الجملة، وقد يجب للمجتهد المتأهل عند الحاجة وضيق الوقت ويندب إذا كان الوقت متسعاً، وقد يحرم الاجتهاد لغير المتأهل أو في المسائل التي لا يسوغ فيها النظر، ويكره للمتأهل أن يجتهد فيما يستبعد وقوعه.
٩ - الصحيح الذي ذهب إليه الجمهور أنه: لا تخلو واقعة عن حكم لله تعالى فيها.
١٠ – لا يسوغ الاجتهاد في النوازل التي فيها نص قاطع أو مجمع عليها أو مسائل الاعتقاد التي لارأي فيها، أو كانت من المعضلات أو الأغلوطات أو مما يستبعد وقوعه في حياة الناس.
١١ - التعريف المختار للاجتهاد هو ما ذهب إليه الإمام البيضاوي – ﵀ – وهو: " استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية ".
١٢ - أنه لا فرق بين استعمال مصطلح الاجتهاد أو النظر إذا كان مقيداً بالاجتهاد في الأحكام كما صرح بذلك بعض الأصوليين.
١٣ - من الشروط التي ذكرها العلماء في المجتهدين: معرفة آيات الأحكام لغة وشرعاً، معرفة أحاديث الأحكام لغة وشرعاً، معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، التمكن من معرفة مسائل الإجماع ومواطن الاختلاف، معرفة وجوه القياس وشرائطه المعتبرة، معرفة العلوم اللغوية التي تعينه على فهم الكتاب والسنة, التمكن من علم أصول الفقه، معرفة مقاصد الشريعة
١٤ - قسَّم العلماء المجتهدين إلى مراتب لا تخرج عن قسمين:
الأول: المجتهد المطلق. ويتفرع إلى نوعين:
أ - مجتهد مطلق مستقل.
стр. 186
ب - مجتهد مطلق غير مستقل.
الثاني: مجتهد المذهب. وهو ثلاثة أنواع:
أ - مجتهد التخريج.
ب - مجتهد الترجيح.
ج – مجتهد الإفتاء.
وكل نوع من أنواع المجتهدين له نوع نظر واجتهاد في التعرف على النوازل، إما مباشرة من نصوص الشرع أو من خلال قواعد المذهب وآراء الأئمة.
١٥ - المراد بالاجتهاد الجماعي: " استفراغ جمهور أهل العلم وسعهم في درك الحكم الشرعي واتفاقهم عليه بعد التشاور فيه " من خلال مجالس علم أو مجامع فقه.
١٦ – ظهرت أهمية الاجتهاد الجماعي في عصرنا الحاضر، لكونه أكثر دقة وإصابة من الاجتهاد الفردي، وأنه مرحلة لسد الفراغ الحاصل بسبب توقف الإجماع، كما أنه ينظم الاجتهاد ويمنع توقفه، وأكثر إحاطة بالنوازل المعاصرة.
١٧ – أن الاجتهاد الجماعي ليس إجماعاً ولكنه حجة ظنية اتباعه أولى من غيره.
١٨ - أن إنشاء المجامع الفقهية التي تضم أغلب المجتهدين في الشريعة، هو الثمرة العملية لتحقيق الاجتهاد الجماعي الأقرب إلى الصحة والصواب للنظر في النوازل المعاصرة.
١٩ - لا يجوز خلو عصر من العصور عن مجتهدٍ في الأحكام قبل أشراط الساعة الكبرى، من حيث الوقوع الشرعي.
٢٠ – يصح تجزؤ الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، على الراجح من أقوال أهل العلم.
٢١ - الرجوع إلى المذاهب الأربعة في التعرف على أحكام النوازل له أهميته في الاطلاع على طريقة الفتوى ومستندها وكيفية تنزيل هذا المستند عليها وفي ذلك كله تمرين للمجتهد على النظر في أحكام النوازل المعاصرة.
٢٢ - المنهج العام للنظر في النوازل، يبدأ من اختيار الأدلة الصحيحة بدءاً بالإجماع القطعي ثم الكتاب والسنة. ثم تحليل تلك الأدلة تحليلاً علمياً يبين دلائل النص وتفسيراته ومفهوماته، ثم ينظر بعد ذلك في أخبار الآحاد فإن لم يجد نظر إلى القياس الشرعي واعتبر القواعد الأصولية عند استنباط الحكم.
٢٣ - من المناهج المعاصرة للنظر في النوازل منهج التضييق والتشديد ومن أبرز ملامحه:
التعصب للمذهب أو للآراء أو لأفراد العلماء، التمسك بظواهر النصوص فقط، الغلو في سد الذرائع والمبالغة في الأخذ بالاحتياط عند كل خلاف.
٢٤ - ومن المناهج المعاصرة أيضاً: منهج المبالغة في التساهل والتيسير، ومن أبرز ملامحه:
الإفراط في العمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص، تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب، التحايل الفقهي على أوامر الشرع.
٢٥ - أن المنهج الوسطي المعتدل هو أولى المناهج بالنظر في أحكام النوازل المعاصرة، ومن الضوابط التي ينبغي للناظر أن يراعيها في نظره واجتهاده لتحقيق الاعتدال والتوسط والوصول إلى الحق نوعان من الضوابط:
أ - ضوابط يحتاجها قبل الحكم في النازلة وهي:
١) - التأكد من وقوعها.
٢) - أن تكون من المسائل التي يسوغ فيها النظر.
٣) - فهم النازلة فهماً دقيقاً.
٤) - التثبت والتحري واستشارة أهل الاختصاص.
٥) - الالتجاء إلى الله وسؤاله الإعانة والتوفيق.
ب - ضوابط يحتاجها أثناء الحكم على النازلة وهي:
١) - الاجتهاد في البحث عن الحكم الشرعي، مع مراعاة ذكر دليل الحكم، وتبيين البديل المباح عند المنع من المحظور، والتمهيد للحكم المستغرب لتأليف الناس به.
٢) - مراعاة مقاصد الشريعة، من خلال: تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر، واعتبار قاعدة رفع الحرج، والنظر في المآلات.
٣) - فقه الواقع المحيط بالنازلة.
٤) - مراعاة العوائد والأعراف.
٥) - الوضوح والبيان في الإفتاء.
٢٦ - أن التكييف الفقهي للنوازل المعاصرة مرحلة من النظر لا يستغني عنها المجتهد من أجل فهم النازلة الفهم السليم للوصول إلى حكمها الصحيح.
стр. 187
والتعريف المختار للتكييف الفقهي هو: " التصور الكامل للواقعة وتحرير الأصل الذي تنتمي إليه " وقد يرادف مصطلح التكييف: التصوّر أو التصوير، أو التوصيف للنازلة.
٢٧ - من الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند القيام بالتكييف الفقهي:
أ - أن يكون التكييف الفقهي مبنياً على نظر معتبر لأصول التشريع.
ب - بذل الوسع في تصور الواقعة التصور الصحيح الكامل.
ج- تحصيل المجتهد الملكة الفقهية في استحضار المسائل وإلحاقها بالأصول.
٢٨ - أن أول طريق يبدأ به المجتهد المتأهل بعد تكييف النازلة وفهمها البدء بعرض النازلة على النصوص الشرعية المتمثلة بنصوص الكتاب والسنة، وهو أول طريق للتعرف على حكم النوازل وأهمها، وذلك بنص الكتاب والسنة وفعل الصحابة في اجتهاداتهم.
٢٩ - إن وجه الردّ إلى الكتاب والسنة في معرفة أحكام النوازل قد يتأتى بالمنصوص من الآيات والسنن أو من خلال دلالات النصوص وأماراتها على الأحكام.
٣٠ - إن الإجماع هو الدليل الذي يلي النص في القوة والاحتجاج إلا أن يكون إجماعاً قطعياً لا يقبل النسخ أو التأويل فإنه أولى بالاعتبار، ووجه الردّ إليه في التعرف على أحكام النوازل: أنه ردّ في الحقيقة إلى نصوص الكتاب والسنة لأنها مُستندَهُ الذي يقوم عليه، أن في معرفة الإجماع معرفةٌ لنوع المسألة النازلة هل هي من المجمع عليها أو المختلف فيها حتى يتسنى بحثها والاجتهاد فيها.
٣١ - الدليل الرابع من الأدلة المتفق عليها هو القياس الذي به يُتعرف على أحكام كثير من النوازل التي لا نص فيها، فهو الأصل المسترسل على جميع تلك الحوادث والوقائع والمستوفي لأحكام ما جَدّ ويستجدّ من أمور.
٣٢ - قد يقع التعرف على حكم النازلة بالردّ إلى الأدلة المختلف فيها كقول الصحابي، والاستحسان، والاستصحاب الذي لا يصار إليه إلا عند عدم وجود الدليل الخاص في حكم المسألة.
٣٣ - من الضوابط العامة التي ينبغي للمجتهد مراعاتها عند الردّ إلى الأدلة الشرعية:
أ - اعتبار دلالات الألفاظ في فهم النصوص.
ب - عدم إخراج النصوص عن ظواهرها لأغراض فاسدة وتأويلات بعيدة لا تحتملها اللغة.
ج- اعتبار العوارض المؤثرة في الحكم سواء كانت في ذات الدليل، أو مؤثرة في تنزيل الدليل على الواقعة.
د- معرفة طرق الجمع والترجيح عند تعارض النصوص والدلالات.
هـ- الاعتناء بمكانة العقل في فهم النصوص.
٣٤ - من طرق التعرف على حكم النازلة الردّ إلى القواعد والضوابط الفقهية. والمراد بالقاعدة الفقهية في الاصطلاح: " أنها حكم كلي فقهي ينطبق على فروع كثيرة من أكثر من باب ".
أما الضابط الفقهي فيراد به في الاصطلاح:" أنه حكم كلي فقهي ينطبق على فروع كثيرة من باب واحد".
٣٥ - أن القواعد والضوابط الفقهية لها أهمية كبرى في معرفة أحكام النوازل؛ إذ في ضبطها غنية عن حفظ كثير من الفروع والجزئيات الفقهية، أن معرفة القواعد يزيل التناقض بين الفروع الذي قد يطرأ إلى فهم من يشتغل في دراسة الفروع الفقهية فقط، كذلك تعين دراسة القواعد على فهم مقاصد الشرع وكلياته، كذلك يؤدي فهم القواعد الفقهية إلى إكساب المجتهد الملكة الفقهية التي تعينه على الاستدلال والترجيح والتخريج.
٣٦ - من طرق التعرف على أحكام النوازل، طريق التخريج الفقهي، والمقصود به: " استنباط الأحكام الشرعية العملية وما يوصل إليها من خلال آراء أئمة المذهب وقواعدهم " وهذا التعريف يشمل أنواع التخريج الثلاثة: تخريج الأصول من الفروع، وتخريج الفروع على الأصول، وتخريج الفروع على الفروع.
стр. 188
٣٧ - إن أكثر أنواع التخريج الفقهي عملاً عند المجتهدين في أحكام النوازل المعاصرة هو: تخريج الفروع من الفروع وهناك بعض الضوابط التي ينبغي للناظر مراعاتها عند هذا النوع من التخريج وهي:
أ - ألا يخرِّج الحكم على أقوال الأئمة مع وجود النص الشرعي من القرآن والسنة.
ب - أن يكون للمخرِّج دراية كاملة بقواعد المذهب وفروعه.
ج- أن يكون المخرِّج عالماً بأصول الفقه على وجه العموم وبالقياس على وجه الخصوص.
د- أن يكون للمخرِّج ملكة الاقتدار على معرفة المآخذ وربط الفروع بأصول المذهب.
هـ- أن يكون ذا دراية بالعوارض الطارئة على الحكم والفوارق الفقهية بين الفروع.
وأن يكون التخريج على آراء أئمة المذهب من مصادره المعتبرة عند العلماء.
٣٨ - إن أهم طرق تخريج الفروع على الفروع لمعرفة أحكام النوازل:
طريق القياس، وهو ثلاثة أنواع:
١) - ما قطع بنفي الفارق.
٢) - ما نص على علته.
٣) - وما عرفت علته عن طريق الاستنباط.
والراجح من أقوال العلماء جواز النوعين الأوليّن دون الثالث.
٣٩ - من طرق التعرف على أحكام النوازل الردّ إلى المقاصد الشرعية. والمراد بالمقاصد الشرعية على المختار من تعريفات العلماء: " المعاني والحِكَم التي رعاها الشارع عموماً وخصوصاً من أجل تحقيق مصالح العباد في الدارين ".
٤٠ - تنقسم المقاصد الشرعية باعتبار حفظها ومدى الحاجة إليها إلى:
ضرورية وحاجية وتحسينية، وباعتبار مرتبتها في القصد إلى أصلية وتابعة، وباعتبار شمولها لأحكام الشريعة إلى: عامة وخاصة وجزئية.
٤١ – وللمقاصد الشرعية دور كبير في التعرف على أحكام النوازل، فمعرفتها شرط في بلوغ المجتهد مرتبة النظر في الأحكام، كما صرّح بذلك أكثر من إمام في الأصول، كذلك مراعاتها شرط في جميع أنواع الاجتهاد.
٤٢ - أن الردّ إلى المقاصد الشرعية في التعرف على الأحكام ردّ إلى المصلحة المرسلة القائمة على المحافظة على مقصود الشرع من إيجاد مصالح الخلق ودرء المفاسد عنهم بشرط أن تكون هذه المصلحة: ضرورية أو حاجية، وكلية، وقطعية أو ظنية ظناً غالباً.
٤٣ - أن المتتبع لكثير من النوازل المعاصرة سواء كانت في العبادات أو المعاملات أو الأحوال الشخصية أو الطبية يجد أن طريق اجتهاد العلماء فيها لا يخرج عما ذكرناه من طرق ٍ للتعرف على أحكام النوازل وذلك بأن يكون حكمها راجعاً إلى نصٍ شرعي أو قاعدةٍ أصولية أو فقهية أو عن طريق التخريج الفقهي أو بردها إلى مقاصد الشريعة العامة.
стр. 189
منهج التيسير المعاصر دراسة تحليلية
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن إبراهيم الطويل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهدي النبوي - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: تيسير وتشديد
وفي نهاية المطاف وبعد أن طويت مراحل هذا البحث، وأنهيت الحديث في أغلبه بما أمكن، فإني أسجل هنا أهم ما ورد فيه من نتائج وهي:
١. أن لهذا المنهج جذورا تاريخية ونفسية وفكرية فهو ليس جديدا برمته.
٢. أن مفهوم هذا المنهج لدى العلماء المعاصرين كان منطلقا من الرؤية الشرعية له، لذا كانت ردودهم متوالية وتعقيباتهم متتالية.
٣. أن مفهوم هذا المنهج لدى العلمانيين كان مؤيدا له بل ومتجاوزا له بمراحل بعيدة.
٤. أن لهذا المنهج مدرستين كبيرتين هما: الإسلاميون، والعلمانيون علما أن المنتمين لهاتين المدرستين ليسوا سواء في منطلقاتهم وأهدافهم.
٥. أن لهذا المنهج أصولا متعددة وطرقا متكاثرة انطلقوا منها واعتمدوا عليها.
٦. أن في تطبيقات هذا المنهج التجاوز البين والتيسير المفرط من أصحابه ومناصريه.
٧. أن ظهور هذا المنهج عائد إلى أسباب متعددة منها ما هو: داخلي مثل: المؤثرات البيئية، ومنها ما هو خارجي مثل: الانبهار بالحضارة الغربية.
٨. أن هذا المنهج له آثار غير حميدة وفي عرضها ودراستها نفع كبير للحذر من هذا المنهج وسلوك طريقه، وهذه الآثار منها:
ما هو أثر من الناحية التشريعية كالتفلت من بعض الأحكام الشرعية.
ومنها ما هو أثر سلوكي كالتفرق.
ومنها ما هو فكري كالاجتهاد من غير أهله.
ختاما: فإن الموضوع لا يزال غضا طريا، يحتاج إلى كثير من البحوث والدراسات حتى يمكن تحديد معالمه والوصول به إلى مرحلة النضج. وهذا ما يزيدني ثقة أن هذا البحث خطوة في الطريق-ليس إلا- وللمتعقب فضل الزيادة والتمحيص. والحمد لله الذي بنعمته تم الصالحات وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 190
موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة
المؤلف/ المشرف: سليمان بن صالح بن عبدالعزيز الغصن
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار العاصمة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: استدلال
الخاتمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ففي نهاية هذا البحث – الذي حرصت فيه على التركيز في مباحثه والتجلية لمسائله، وحسن العرض لدلائله، والذي أفدت منه فوائد جليلة، وتوصلت فيه إلى نتائج كثيرة – يمكن إيجاز أهم ما توصلت إليه بما يلي:
أولاً: أن علم الكلام هو الذي يقوم على إثبات العقائد الدينية عن طريق الأدلة العقلية، وأن أهل الكلام هم كل من سار على هذا المنهج في الكلام في مسائل العقيدة.
ثانياً: أن الفرق الكلامية – وإن تعددت أسماؤها – فإنها متفقة في أصل المنهج الذي تتناول من خلاله مسائل العقيدة، وإنما يختلفون في التوسع في تطبيق هذا المنهج أو عدم التوسع في ذلك.
ثالثاً: تبين لنا كيف نشأ علم الكلام، والعوامل التي أثرت فيه، كالالتقاء بأصحاب الديانات الأخرى، وكذلك حركة الترجمة لكتب المنطق والفلسفة، والجهل بنصوص الشرع وغير ذلك.
رابعاً: أن منهج أهل الكلام أعقبهم بلايا كثيرة من الفرقة والاختلاف والشك والحيرة والجدل والاستهانة بنصوص الشرع وغير ذلك.
خامساً: تجلى منهج السلف في الأخذ بنصوص الكتاب والسنة من خلال ثمانية أمور، تم عرضها هناك.
سادساً: أن السلف قد أدركوا خطر الكلام والمتكلمين منذ بداية ظهورهم، وحذروا منهم.
سابعاً: أن أساطين المتكلمين تراجعوا عن منهجهم، وندموا على مسلكهم.
ثامناً: أن المتكلمين يعتقدون ثبوت النص القرآني والأحاديث المتواترة.
تاسعاً: تعلق بعض المتكلمين بالقراءات الشاذة والموضوعة لنصرة مذهبهم.
عاشراً: أنكر بعض المتكلمين أموراً ثبتت بالأخبار المتواترة كالشفاعة والرؤية.
حادي عشر: أن المتكلمين – وإن اعتقدوا قطعية ثبوت النص القرآني والأحاديث المتواترة – إلا أنهم يرون أنها ظنية الدلالة، ويرى كثير منهم أنه لا يصح الاستمساك بها في مسائل الصفات والقدر ونحو ذلك، مما يطلب فيه القطع واليقين، وقد تبين بطلان ذلك من خلال سبعة عشر وجها، وتبين أن إطلاق القول بأن جميع النصوص لا تفيد اليقين إلا عند تيقن عشرة أمور – ذكروها – من أعظم الإلحاد في شرع الله ودينه.
ثاني عشر: يرى المتكلمون أنه لا يجوز الاستمساك بأخبار الآحاد في مسائل العقيدة بحجة أنها ظنية، ومسائل العقيدة مبناها على القطع، وقد تبين بطلان هذا الزعم وتناقضه ومخالفته لمنهج السلف.
ثالث عشر: اتضح أن أهل الكلام – لجهلهم بالسنة وقلة ورعهم – فإنهم قد يضعون أحاديث، أو يستدلون بأحاديث ضعيفة وموضوعة، كما أهم في المقابل ربما ردوا أحاديث صحيحة وكذبوها.
رابع عشر: أن للعقل مكانة في العقيدة الإسلامية، وأن الإسلام قد أثنى على أرباب العقول، وأنه لم يلغ عمل العقل، كما أنه لم يطلق له العنان ليخوض فيما لا يدركه، أو يحار فيما لا يفهمه.
خامس عشر: أن المتكلمين غلوا في تعظيم العقل حتى جعلوه حاكماً على الشرع، ومقدماً عليه عند التعارض، وحتى أوجب بعضهم على الله – بالعقل – أموراً، ومنعوا عليه أموراً أخرى، وقد تبين لنا وجه الصواب في كل هذه المسائل، وتناقض أهل الكلام في مقالاتهم هذه.
سادس عشر: أبطل المتكلمون دلالات كثير في النصوص الشرعية من خلال عدة طرق: كاتباع المتشابه، والقول بالمجاز، والتأويل، والتفويض.
سابع عشر: عرفنا أقوال العلماء في المحكم والمتشابه، والقول الراجح في ذلك، كما تبين لنا تحقيق القول في حكم تأويل المتشابه.
стр. 191
ثامن عشر: أن إطلاق القول بأن نصوص الصفات من المتشابه غير صحيح، وكذلك القول بأنها من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله باطل، وأنه على القول بأن بعض نصوص الصفات من المتشابه، فإن معناها معلوم غير مجهول.
تاسع عشر: عرفنا معنى المجاز وأثره في تحريف معاني النصوص الشرعية وتحقيق الكلام في مسألة القول بوجوده في القرآن واللغة العربية، وتبين أن الدافع لتحقيق الكلام في ذلك ومثار الخلاف فيه هو الزعم بأن نصوص الصفات لا تطلق على الله حقيقة بل مجازاً، وعلمنا بأن هذا الزعم باطل.
عشرين: عرفنا معاني التأويل في اللغة والاصطلاح والأسباب الحاملة لأهل الكلام على التأويل.
واحداً وعشرين: أن ما نسب إلى الإمام أحمد من تأويله لبعض النصوص، فبعضه غير ثابت عنه، وبعضه الآخر من قبيل التأويل الصحيح الموافق للشرع، لا كتأويلات أهل الكلام.
ثانياً وعشرين: أن التأويل الباطل قد استخدمه أهل الكلام في كثير من النصوص الشرعية في عامة أبواب العقيدة، وذلك كنصوص الصفات والقدر والإيمان وبعض أمور اليوم الآخر، وكذلك كلام الجمادات وأفعالها، وقد تم عرض أمثلة لذلك مع الرد على هذه التأويلات وبيان الحق فيها.
ثالثاً وعشرين: تبين بجلاء كثير من لوازم تأويلات أهل الكلام الباطلة وآثارها السيئة على النصوص الشرعية وعلى عقيدة الأمة.
رابعاً وعشرين: أن التأويل ليس كله مردوداً، بل إن من التأويل ما بعد صحيحاً، وهو ما توافرت فيه شروط التأويل الصحيح كما هي مبينة في صلب البحث.
خامساً وعشرين: تم عرض معنى التفويض وبداية القول به وشبه أهله المتبنين له والزاعمين بأنه مذهب السلف، وقد تبين بطلان هذه الشبه وهذا الزعم، وما يلزم عليه من لوازم فاسدة، واتضح أن التفويض من منهج أهل الكلام، وأنه مثل التأويل في نتائجه السيئة وجنايته على النصوص وتعطيل معانيها، بل قد يكون التفويض شراً من التأويل، وقد استبان أن التفويض مخالف للكتاب والسنة ومذهب سلف الأمة.
وبعد، فهذه أبرز النتائج التي تضمنها هذا البحث.
والحق أني أشعر بأن عامة مسائله لا زالت تحتاج إلى مزيد بحث وتحقيق، كما أني أرى ضرورة القيام بدراسات خاصة لبيان صلة المناهج والتوجهات المنحرفة في العصر الحديث بالمناهج والفرق المتقدمة، لا سيما أهل الكلام المذموم، فإن أصولهم لا زالت متبعة، وطرائقهم لا زالت منتهجة، وإن تنوعت الشعارات المرفوعة، وتجددت المسائل المطروحة، فالمنطلقات والشبه – في الغالب – واحدة.
وفي الختام فهذا جهد المقل، أسأل الله أن ينفع به، وأن يجعله خالصاً لوجهه، وأن يجعلنا من جنده وأوليائه المنافحين عن عقيدة الإسلام، وأن يبارك في أفعالنا، ويأخذ بنواصينا لما يحبه ويرضاه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 192
نظرة في الإجماع الأصولي
المؤلف/ المشرف: عمر بن سليمان الأشقر
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٠هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: إجماع
الخاتمة: أهمّ النّتائج التي توصَّلت إليَها هَذه الدَراسة
يمكننا أن نوجز أهم النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة في النقاط التالية:
١ - الإجماع الممكن الوقوع الذي احتج به علماؤنا يطلق بإطلاقين:
الأول: المعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يكون مسلماً من أنكره.
الثاني: اتفاق من حفظ قوله من أهل العلم على حكم من الأحكام، بحيث لا يعرف لهم مخالف فيما ذهبوا إليه.
٢ - رتبة الإجماع بالمعنى الأول التقديم على غيره من الأدلة، لأنه إجماع على الأدلة القطعية الثبوت القطعية الدلالة، وما كان كذلك فإنه لا يقدم عليه دليل من الأدلة بحال.
والنوع الثاني حجّة ودليل يجب المصير إليه، ولكنَّ مرتبته متأخرة عن نصوص الكتاب والسنة، فلا يصار إليه إلا عند فقد الدليل.
٣ - منكر النوع الأول من الإجماع يكفر ويفسق، لأنه أنكر أمرا لا قوام لإسلام العبد وإيمانه إلا بالإقرار به, والمصير إليه. كمنكر وجوب الصلاة أو الزكاة أو الحج ونحو ذلك.
أما منكر النوع الثاني فإنه لا يضلل ولا يفسق وإن كان ينكر عليه، ويلام وينصح ويرشد، لأن العلماء مختلفون في حجية هذا النوع من الإجماع.
٤ - الإجماع الذي يعتد به بعض علماء الأصول والذي هو إجماع جميع علماء الأمة في عصر من العصور على حكم من الأحكام، حجّة ودليل لو أمكن وقوعه لا يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، ولكنَّ وقوعه غير ممكن بحال، للأسباب التي عرضنا لها في هذه الدراسة.
٥ - بينت الدراسة أن الإجماع الذي ارتضاه بعض أهل الأصول ليس هو الإجماع المعتمد عند علمائنا الأوائل، وأن الذين ابتدعوا القول به ليسوا هم علماء أهل السنة، وأن الذين ابتدعوا القول به ليسوا هم علماء أهل السنة، وأن القول به أدى إلى عدم الاحتجاج بالإجماع، لأن هذا النوع من الإجماع لا وجود له حتى يحتج به في واقع الأمر.
٦ - فتح القول بهذا النوع من الإجماع باب شرّ على المسلمين، فبعض ضعاف النفوس الذين يريدون أن يلبسوا على المسلمين دينهم يجادلون وينازعون في قضايا مسلَّمة عند جمهور الأمّة، وعندما يواجهون ويحاورون يقولون: إن هذه المسائل خلافية ليس فيها إجماع، أثبتوا لي أن جميع علماء الأمّة ذهبت هذا المذهب أو قالت بهذا القول، فإذا لم نستطع إثبات ذلك جعل هذا الرجل عدم قدرتنا على تلبية طلبه ذريعة لمخالفته ما سار عليه جمهور علماء الأمّة كما هو حادث في هذه الأيام.
стр. 193
نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي
المؤلف/ المشرف: عبدالسلام العسري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب ̈بدون
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة
الخاتمة
وبعد: يطيب لي في نهاية المطاف بنظرية الأخذ بما جرى به العمل في المذهب المالكي، أن أختم الكلام بخلاصة لأهم ثمرات هذه الرسالة.
لقد قسمنا البحث إلى قسمين: درسنا في القسم الأول نشأة نظرية الأخذ بما جرى به العمل وتطورها.
وفي القسم الثاني: درسنا ضوابط نظرية الأخذ بما جرى به العمل.
فخلاصة القسم الأول هي:
١ - إن تعدد الأقوال أمر ضروري لابد منه في كل مذهب حي متطور، ولا يضيره ذلك التعدد، وإنما يعتبر ذلك ثروة فقهية تغني الفقه الإسلامي عموما بالاجتهادات السديدة المناسبة لجميع الحاجيات.
٢ – إذا كان تعدد الأقوال في المجال النظري يدل على حيوية الفقه لإعطائه الحلول المتعددة لكن هذا التعدد في المجال التطبيقي يؤدي إلى تعارض الاجتهادات، هنا وجدنا فقهاء الأندلس والمغرب أسسوا ضوابط للترجيح بين تلك الأقوال المتعددة، فاعتمادا على تلك الضوابط استطاعوا الخروج بقول واحد، أوجبوا على القضاة والمفتين العمل به.
٣ – إن ما توصل إليه فقهاء الأندلس والمغرب من قواعد لنظرية عمل الفقهاء المتأخرين، إنما يعتبر ذلك اقتداء بالإمام مالك في قاعدته (عمل أهل المدينة) التي اعتمدها على صعيد الاجتهاد المطلق.
٤ – إن تطبيق نظرية الأخذ بما جرى به عمل الفقهاء المتأخرين، بدأ بالتدريج خلال قرون متعددة، وكانت البداية في قرطبة أهم مدن الأندلس، فقد اشترط أهل قرطبة على القضاة من أجل الخروج من الخلاف، أن يحكم القاضي بقول ابن القاسم وما عليه أهل الإقليم، وقد اقتدى بذلك أهل المغرب، فكانت ظهائر تولية القضاة تنص على أنه يجب الحكم بالمشهور أو المعمول به.
وخلاصة القسم الثاني المتعلق بضوابط عمل الفقهاء المتأخرين ترتكز على ما يلي:
١ – أن يثبت جريان العمل، بأن يذكر الفقهاء في كتبهم أو في وثائقهم القول الذي جرى به العمل، مع الإشارة إلى القاضي أو المفتي الذي أجرى ذلك العمل، أو الإشارة إلى من أقر ذلك العمل وأيده.
٢ – إن إجراء العمل يدخل في تكييف الوقائع ومحاولة وصفها بأوصاف تقبل الاندراج تحت الأصول الشرعية، ونظرا إلى أن الشريعة جاءت لمصالح العباد، ونظرا إلى أن هذه المصالح تختلف باختلاف البلدان والأزمان، كان لابد لإجراء العمل من مراعاة خصوصيات كل بلد وكل زمان، وكان لابد من اختلاف أحكام العمل باختلاف البلدان والأزمان.
٣ – ومن أجل تحقيق المصلحة ربطت أحكام العمل بأسس وموجبات اجتماعية وكان القول الذي يستند إلى إحدى تلك الأسس والموجبات الاجتماعية قولا جديرا بأن يعمل به، ويرجح على غيره من الأقوال، وقد استفاد الفقهاء المتأخرون بعض تلك الأسس والموجبات من أسس عمل أهل المدينة، كاعتبار ما اعتمده القضاء والإفتاء، والعرف، وعموم البلوى، واعتبار الاتصال والاستمرار في التطبيق، كما أضافوا إلى ذلك موجبات أخرى أخذوها من الأصول العامة للمذهب المالكي، كاعتبار المصلحة المرسلة، وسد الذريعة وفتحها، ورعاية الضرورة والحاجة.
٤ – إن باب إجراء العمل والترجيح بين الأقوال، ليس بابا مفتوحا لكل أحد، بل لابد لمن يرجح بجريان العمل من الحصول على مؤهلات فقهية، وتوصلنا إلى أن المرتبة المحتاج إليها في بناء أحكام العمل على ما سوى العرف هي مرتبة مجتهد المذهب (أي مجتهد التخريج) وعند انعدامه فيمكن أن يسد فراغه مجتهد الفتيا (أي مجتهد الترجيح).
أما أحكام العمل التي تبنى على العرف، فإنه تكتفي في إجرائها بمرتبة الفقيه المقلد الصرف لأن العرف أمر ظاهر، يشترك في إدراكه الخاص والعام.
وأختم كلامي بحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 194
نظرية الضرورة الشرعية
المؤلف/ المشرف: وهبة الزحيلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت ̈الرابعة
سنة الطبع: ١٤٠٥هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: ضرورات وضرر
خاتمة البحث
هذه هي أهم الأحكام الاستثنائية التي تتطلبها ضرورات الناس وحاجياتهم، مما يستوجب رفع المسؤولية الأخروية أو عدم ترتب الإثم والعقاب في الدار الآخرة، أو إباحة الفعل المحظور، أو التيسير على الناس في أداء الواجبات الدينية حسبما يتلاءم ذلك مع واقع الحياة وظروف الإنسان المختلفة.
وهذه الاستثناءات التشريعية هي المقصودة في قولنا: المعنى الأعم للضرورة الذي يشمل الحاجة، وهو الذي يتبادر فهمه إلى ذهن الناس، فلا يسألون عادة عن حكم الأوضاع الاستثنائية النادرة جداً، كما في حالة ضرورة المخمصة المستجيزة لأكل الميتة ونحوها من المحرمات، وإنما يهتمون بمعرفة أحكام الأوضاع الخاصة التي يتكرر وقوعها حسب الظروف المعيشية الحاضرة راجين من وراء سؤالهم بيان الترخيصات الشرعية، والاستفادة من محاولات الفقهاء في التخفيف عن الناس بما أنتجته عبقرياتهم بحيث لا يصادمون صراحة النصوص التي تحرم المحظورات وتنه عن المفاسد والآثام.
ومن خلال هذا البحث يتبين أن نظرية الضرورة الشرعية تشمل كل جوانب الأحكام الشرعية، سواء في العبادات أو الالتزامات والعقود والمعاملات، أو الجرائم والعقوبات (نظرية الشبهة في الحدود، وامتناع العقاب على جريمة وقعت خطأ أو نسياناً بإكراه) أو في القرارات الإدارية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب.
وإطلاع كل إنسان على هذا البحث يضيف إليه دليلاً جديداً على أن الشريعة الإسلامية الخالدة شريعة الحياة والواقع والفطرة، وأنها صالحة للتطبيق والعمل بها في كل زمان ومكان فلا يضيق بها أحد، ولا يحس امرؤ بأنها غلّ على النفوس أو قيد يمنع من التطور والحضارة، أو مسايرة ركب الحياة، أو الانطلاق بحرية كاملة في كل الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
بل إن هذا المعنى لي بجديد في الحقيقة إذا حسنت نية الذين يريدون تطبيق الأحكام الإسلامية، وحاولوا وضعها قيد التجربة والتنفيذ، وفي ميدان البحث والدرس والتثقيف، والتاريخ أصدق شاهد على ما نقول، فقد ظلت هذه الشريعة عشرات القرون الزمنية لها الحاكمية المطلقة في مجالات التشريع والتنفيذ والتخطيط تلبي مصالح الناس، وتحقق تطلعاتهم وأمنياتهم إلى مستقبل حافل بالأمجاد، ولكن مع الاستعانة بالعلماء الأمناء المخلصين المتفتحة قرائحهم، المتجاوبة اجتهاداتهم مع واقع العصر، دون أن يعجزوا في حل مشكلة، أو يضيقوا ذرعاً في مصادر الشريعة وأصولها ومبادئها العامة؛ لأن شرع الله ملازم للمصلحة.
قال الشاطبي: لقد ثبت أن الشارع قد قصد التشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية؛ وذلك على وجه لا يختل لها به النظام، لا بحسب الكل؛ ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات، أو الحاجيات؛ أو التحسينات.
والله تعالى نسأل الرشد والهداية والتزام جادة الاستقامة والتوفيق في بيان محامد الإسلام ومحاسن شرعة الله والبعد عن الأهواء وأتباع التقليد؛ وعدم التماس الأحكام والحلول من أعداء الله؛ أو محاكاة فعل الجاهلين:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 195
نظرية الضرورة الشرعية - حدودها وضوابطها
المؤلف/ المشرف: جميل محمد مبارك
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الوفاء - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٨هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: ضرورات وضرر
خاتمة
بعد هذه الجهود التي بذلتها في إخراج هذا البحث على الصورة التي أرجو أن يحصل بها على بعض الرضى، أعرض أمام القارئ النتائج الأساسية التي أوصلتني إليها تلك الجهود:
١ـ بينت أن الشريعة الإسلامية مبنية على إزالة الضرورة عن الخلق، لأن الشريعة جاءت لمصالحهم، ومن مصالحهم إزالة الضرورة عنهم.
٢ـ تبين لي أن إزالة المشقة عن المكلف هو المعيار الذي تستند إليه الضرورة، وبينت نوع هذه المشقة التي تعتبر معياراً للضرورة.
٣ـ بينت أن المجال الخصب لنظرية الضرورة هو الحاجيات والتحسينات أو المكملات للضروريات أو الحاجيات أو التحسينات.
٤ـ سجلت أن أغلب صور المشقة لا ضابط لها في نفسها، وإنما المكلف هو فقيه نفسه فيها.
٥ـ أكدت أن المشقة التي في التكاليف الشرعية عادة مقصود للشارع قصداً تبعياً، وليست مقصودة قصداً أولياً.
٦ـ بينت أن التسبب في الضرورة لا يمنع إباحة إزالتها، وإن أثم المتسبب فيها.
٧ـ أثبتُّ أن الضرورات تثبت بالقياس.
٨ـ وضحت المعيار الأصولي الذي ينبغي الاستناد إليه فيما يباح بالضرورة وما لا يباح.
٩ـ بينت أن حدود الضرورة وحكمها يختلفان باختلاف الأشياء المضطر إليها.
١٠ـ بحثت علاقة الضرورة بمصطلحات أصولية، كالمصلحة والاستحسان والرخص وسد الذرائع، لما لهذه العلاقة من أهمية كبرى في تفهم أسس نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية.
١١ـ أزلت شبهة توهم أن الضرورة مخالفة صرفة للنصوص، وبينت أن الضرورة لا تخالف دليلاً إلا لتوافق دليلاً آخر أكثر جلباً للمصلحة ودفعاً للمضرة، ولم يبق للمتعلل بالضرورة في مخالفة النصوص متعلق يستند إليه.
١٢ـ أثبتُّ أن للضرورة ضوابط يجب أن تخضع لها، وهي ضوابط كفيلة بالفصل بين الضرورة الحقيقية والضرورة الوهمية، ولا بد لمن يفتي بالضرورة أن يتقيد بهذه الضوابط حتى لا ينزلق في فتواه ويفتي بالضرورة في غير محلها الصحيح، فيكون بذلك ممن يحرفون الكلم عن مواضعه.
ولعل القارئ يدرك أن البحث كله محاولة لوضع أسس وضوابط للتمييز بين الضرورة الشرعية النابعة من نصوص الشريعة وقواعدها، وبين الضرورة النابعة من الهوى ووهن العزيمة.
وسيجد القارئ نتائج أخرى أثناء قراءة البحث.
وفي الختام أبتهل إلى ربي سبحانه أن يجعلني من عباده المخلصين في علمهم وفي عملهم، وأن يزيدني علماً وتوفيقاً وسداداً، وأن يختم أيامي بما ختم به لعباده الصالحين، إنه سبحانه سميع مجيب.
стр. 196
واقعية التشريع الإسلامي وآثارها
المؤلف/ المشرف: زياد بن صالح لوبانغا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: أصول فقه
تصنيف فرعي: تشريع - حكمته وأسرار الشريعة
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أشكره تعالى على ما أنعم علي من إتمام هذا البحث وإكماله، وأسأله تعالى أن ينفعني به والمسلمين أجمعين. أما بعد:
فقد كان هذا البحث متضمناً للنتائج التي تزيد في جلاء الإسلام وشريعته الكاملة، والتي يزداد بها المؤمن إيماناً، ويستطيع من خلالها غير المسلم أن يستبين صوراً من عظم هذا الدين في تنظيم الحياة الإسلامية. وإليك أبرز هذه النتائج مجملة دون تفصيل:
١ - مصطلح (الواقعية) من المصطلحات التي جرى تداولها واستخدامها حديثاً، واشتهر بمناداتها المذاهب والفلسفات الفنية لدى الغرب، وكانوا يعنون به ما يقع تحت الحس والشهادة، حتى يتمكنوا من مواجهة الفكر الكنسي، والتيار المثالي، اللذين ظلا مرتكزين على الأمور الروحية والعقلية، بعيدين عن الأمور الحسية والواقعية. وهؤلاء في ذلك عنوا ما عني به الفلاسفة الأقدمون، من الاحتفاء بالمادة، ورفع كل ما من شأنه قبول المشاهدة والتجربة، وراحوا ينكرون كل ما يمت إلى الروح بصلة، مما لا تدركه حواسهم، ولا تطيق تجربته أدواتهم.
أما بعد ما استخدم المسلمون هذا المصطلح، فقد تغير مفهومه تبعاً لتغير الفكر المستخدم فيه، إذ الإسلام يختلف عن جميع الأنظمة في رؤيته للحقائق، وإقراره لها، سواء كانت مادية، أو معنوية، فصار هذا المصطلح يطلق على ما يلاحظه الإسلام من واقع الأشياء الحسية، وما يقرره من حقيقة الأمور الغيبية، وأن الأشياء المادية كما لها واقع يتناسب مع مجاله الدائر فيه، فكذلك الحقائق الغيبية لها واقع يتناسب مع وضعها وحالتها. وأحسب أن هذا المعنى للواقعية، كان خافياً على بعض الباحثين المسلمين، الذين رفضوا وصف الإسلام وأنظمته بالواقعية، حتى لا يختلط بما عناه فلاسفة الغرب.
٢ - راعت الشريعة الإسلامية بواقعيتها فطرة الإنسان وظروفه، فأصبحت بذلك سهلة يسيرة، لأي امرئ امتثالها أينما كان، وكيفما وجد، فهي شريعة شاملة لم تراع حالة واحدة يتعرض لها الإنسان فقط، كالصحة مثلاً، أو الغنى فحسب، بل شملت مراعاتها جميع أحوال الإنسان وظروفه، صغره وكبره، شبابه وشيخوخته، صحته ومرضه، غناه وفقره، علمه وجهله، تذكره ونسيانه، عمده وخطأه، اختياره وإكراهه، ونحو ذلك من أحواله المتعددة، ورتبت على كل حالة منها أحكاماً تتناسب مع طبيعة الإنسان، وتتفق مع قدرته وطاقته. فالغني الواجد يطالب بالعبادات المالية كالزكاة والصدقة والوقوف ونحوه، ما دام قادراً على أدائها، ومالكاً لها ملكاً تاماً، والرجل الصحيح الجسم يطالب بأداء العبادات على تمامها، بكامل شروطها وأركانها ما دام يملك القدرة على ذلك، ولا يلجأ إلى الرخصة إلا إذا عجز عن ذلك: لأنه حينئذ يعد مضطراً تقدر ظروفه وضرورته قدرها.
٣ - دعم التشريع الإسلامي الأخلاق لهدفين بارزين:
стр. 197
أ- هدف مادي، يضمن بقاء الحياة البشرية، ويحافظ على النوع الإنساني. إذ التاريخ البشري قد شهد عواقب وخيمة للأمم التي استهانت بالأخلاق، وانحلت من القيم والفضائل، فما أن استبدلت السيئات بالصالحات، والمنكرات بالحسنات، حتى أذن الله لهم بالهلاك، لما أودع في السيئات قوة الهدم والتدمير، وما تجنيه للمجتمعات من الزوال والاضمحلال، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]، ولا يأذن الله تعالى لقوم بالهلاك إلا الذين لم يأخذوا بأسباب النجاة والفلاح، وتنصلوا من مسئولية الرقابة والتوجيه لأفراده، وخاصة الذين يقع منهم التفريط والتقصير، وتجافوا عن الاستقامة والرشاد، فإذا ما انتبهوا لذلك واعتنوا بالإصلاح كتب الله لهم بالبقاء، وأورثهم أرضه بما رحبت، وهذا مقرر في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] , وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
ب- هدف معنوي يحرك الهمم والنفوس، ويجذبه نحو التحلي بالأخلاق الفاضلة، والتخلي عن الرذائل، حتى يكون التحلي بهذه، والتخلي عن تلك، سبباً لنيل المعالي والدرجات في الدنيا والآخرة. فخلق (الإنفاق) مثلاً: إضافة إلى تحرير النفس من الشح والبخل، ونشره للألفة بين الناس؛ إذ النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، وكره من أساء إليها، فإنه يجلب رضا الله تعالى وعظيم أجره للشخص المنفق. وخلق (العفو) عن الناس، إضافة إلى نزعه للإحن والأحقاد من النفوس، وزرعه للمحبة والمودة فيها، فإنه يستعطف رضوان الله تعالى، وجزيل ثوابه لمن عفا وتجاوز. وهذا ما قرره قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤].
٤ - نحا التشريع الإسلامي منحى الاعتدال والتوازن في تلبية حاجات الإنسان وإشباع غرائزه، من أجل أن تتحقق له مصلحتان عظيمتان:
أ- تجدد الحياة واستمرارها، دون تعثر أو توقف، وذلك أن الإنسان إذا لبيت حاجاته المادية، ومطالبه الروحية باتزان، استطاع أن يمضي قدماً في أداء رسالته، والقيام بدوره المنوط به بين الكائنات، وما مثل هذا التوازن في الأهمية والقيمة، إلا كمثل التنفس هو عبارة عن حركة تعادل بين الشهيق والزفير، حيث لو اختل التوازن فيهما، بأن طال الشهيق أكثر مما يجب، فطغى على الزفير: أو امتد الزفير أكثر مما ينبغي، فجار على الشهيق، اختل معه التنفس، فإذا تساويا وتعادلا، بقي التنفس مستمراً في حركته وأدائه، وكذلك الإنسان، تتعطل حياته وتتعثر إذا لم يوازن المرء حاجات جسده وروحه.
ب- الانسجام مع الفطرة والكون، فتوازن المرء في إشباع جسده وروحه، انسجام حقيقي مع الفطرة، وتناسق كبير مع الكون والحياة.
أما انسجامه مع الفطرة؛ فلأن الإنسان السوي يتقبل التوازن في إرواء حاجاته، ولا يستسيغ إطلاق العنان لها، كما لا يستمرئ كبتها وحرمانها.
стр. 198
وأما انسجامه مع الكون كله؛ فلأن مخلوقات الله تعالى التي تسيح في الأرض، أو التي تسبح في الفضاء، تخضع جميعها لنظام التوازن، فمنها ما توازنه مصمم في دورته بين السرعة والبطء، ومنها ما توازنه مركوز في حركته بين الزيادة والنقصان، ومنها ما توازنه مركوز في طبيعته وتكوينه البيولوجي والكيميائي، فكل هذه الكائنات ينسجم معها الإنسان في نظام توازنها، بل إن توازنها لمما يدعوه إلى الاستمساك به، حتى يقدر على القيام بواجباته الفطرية نحو ربه ومجتمعه وما يحيط به من الكائنات.
٥ - نوَّع التشريع الإسلامي الشعائر والشرائع، مراعاة لأمور ثلاثة:
أ- احتواء الحاجات البشرية، فالبشر تتعدد حاجاتهم، وتتنوع مطالبهم، وتختلف رغباتهم، فكان لابد من تنوع الشرائع حتى يسع الحياة كلها، ويلبي حاجات الناس ومطالبهم.
ب- مرعاة الفطرة الإنسانية، فإن الإنسان سرعان ما يتسرب إليه الملل والسآمة من الحياة، إذا كانت على وتيرة واحدة. مثال ذلك: ما وقع للنصارى من ابتداع الرهبانية، وجعلها أسلوباً واحداً للحياة، فقد اتجهوا صوب المعنويات وحدها، واستهانوا بالأمور المادية، إلى درجة أنهم حاولوا الامتناع عن الشعور بها، لكنهم في النهاية سئموا من هذه الحياة الرتيبة، وعجزوا عن الالتزام برهبانيتهم التي ابتدعوها، حتى سجل ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حتى رعايتها﴾، فقد راح رجال الكنيسة يتنافسون في جمع المادة والمال، وفرضوا على الناس عشر أموالهم، وجابوا الضرائب من كل مكان، وباعوا صكوك الغفران لكل مخطئ.
ج- الرحمة بالإنسان الضعيف، إذ تعتريه نقائص وعيوب، وتميل به الأهواء والشهوات، فتنويع تلك الشرائع نعمة له ورحمة، إذ هي بجملتها تكمله إذا نقص، وتصوبه إذا أخطأ، وترفعه إذا هبط، وترشده إذا ضل سواء السبيل، حتى إنها لتصل به إلى المستوى الذي يؤهله للخلافة في الأرض، ونيل رضوان الله تعالى ومغفرته في الدنيا والآخرة.
٦ - تشريع الرخص في الشريعة الإسلامية، إنما جاء تفادياً لضررين:
أ- الانقطاع عن التكاليف والإعراض عنها، وذلك بأن تمل منها النفوس وتكرهها، إذ العمل الشاق يوقع الضرر على نفسه أو عقله أو ماله بعمل يتحرج به، أمسك عنه، وتجاوزه إلى غيره.
ب- التقصير في بعض الأعمال، وخاصة إذا كثرت وتزاحمت، فالإنسان الموغل في العمل الشاق، ربما قطعه عن غيره، ولاسيما حقوق الغير التي تتعلق به، فيكون عمله الداخل فيه قاطعاً عما كلفه الله به من سائر الأعمال، فيفرط فيها ويقصر، ويصبح ملوماً لا معذوراً.
стр. 199
٧ - انتقى التشريع الإسلامي (الزواج) مما سواه طريقاً أمثل لإشباع غريزة الجنس؛ لانسجامه مع الفطرة، إذ به يسمو الإنسان عن إشباع حاجته بالطرق الدنيئة، ويضمن استقرار نفسه، وسكون قلبه، وقضاء وطره. أضف إلى ذلك أنه نظام كوني، يسير عليه كل شيء في الكون؛ لأن الزوجية – التي جعلها الله تعالى في مخلوقاته – عبارة عن أن يكون شيء متصفاً بالفعل، وآخر متصفاً بالقبول والانفعال، ويكون في أحدهما التأثير وفي الآخر التأثر، وهذا وذلك هو علاقة الزوجية بينهما، وهي أساس تركيب الأشياء في هذا الكون، وعليه يجري نظام الكون، فكل شيء في الكون يرتبط – من حيث المبدأ والأصل – بهذه العلاقة الزوجية، التي يكون أحدهما فاعلاً، والآخر قابلاً ومنفعلاً، ولا ريب أن تختلف هذه العلاقة باختلاف طبقات المخلوقات وتنوعها. فمن المزاوجة ما يوجد بين العناصر والجواهر، ومنها ما يكون بين المركبات غير النامية، وآخر تراه بين الأجسام النامية، ونوع تعهده في أنواع الحيوان، وكل هذه الأنواع من المزاوجة تختلف في نوعيتها وكيفيتها، ومقاصدها الفطرية، ولكنها تتفق في أصل المزاوجة وجوهرها، ولتحقيق مقصود الفطرة الرئيس، لابد أن يكون أحد زوجيه متصفاً بقوة الفعل، والآخر بقوة الانفعال.
٨ - أوجب التشريع الإسلامي تقديم حكم الله مطلقاً لعدة أمور، منها:
أ- حكم الله تعالى مشتمل على الحق والعدل المطلق دون حكم غيره، ذلك أن الله تعالى وصف نفسه بالحق، ووصف كلماته بالصدق والعدل، وكلها صفات تقتضي مطابقة الحق والعدل، كما أن مقتضى عدل الله سبحانه أن يكون بريئاً من العواطف والنزعات، سالماً من التحيز لفئة، منزهاً عن الرغبات والشهوات، فهو لا يظلم في الحكم أحداً من الناس كائناً من كان؛ لأنه لا يحقق مصلحة فئة دون فئة، ولا يؤثر جنساً على آخر، بل هو رب الجميع وخالقهم ورازقهم وحاكمهم، ومن كان هذا شأنه لا ينحاز في الحكم أبداً، بل حكمه فيهم عدل مطلق.
ب- حكم الله تعالى ذو هيبة ومكانة عالية في النفوس، يجله الأصاغر والأكابر، ويحترمه الرعاة والرعية، وذلك لما ركز في فطرهم أن الله تعالى كامل في ذاته، منزه عن كل نقص وعيب، سواء كان ذلك في نفسه، أو في فعله, أو في قوله, أو شرعه، وما دام الناس يعتقدون ذلك، ويعرفون أن التشريع من عند الله تعالى، وأنه الصيغة النهائية للتكليف الرباني، فإن له في نفوسهم شأناً عظيماً، وإجلالاً كبيراً، يظهر ذلك من شدة حرصهم على تنفيذه حسب ظروفهم وأحوالهم، حتى لو كان أحدهم في مكان بعيد عن أعين الناس لا يطلع عليه أحد؛ لأنه يعلم أنه – وإن اختفى عن الناس- لكنه لا يختفي عن الله تعالى، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ج- حكم الله تعالى ثابت ومستقر، لا يتغير بتغير الحكام وتبدل الحكومات، فيستوي فيه أن تكون الهيئة الحاكمة محافظة، أو مجددة، ويستوي فيه أن يكون الحكم جمهورياً أو ملكياً، أو أي شكل من أشكال الحكم، فإن ذلك لا يؤثر عليه؛ لأنه لا يرتبط بهيئة الحكم ولا بجهازه، وإنما يرتبط بنظام الحكم ومنهجه.
стр. 200
٩ - التكافل الاجتماعي الذي أقره الإسلام، أنسب حل وأمثل منهج للقضاء على المشكلة الاقتصادية، فهي إما أن تكون ناشئة عن العجز وعدم الطاقة على العمل، وقد يكون العجز جسدياً أو عقلياً، أو تكون ناشئة عن قلة المصادر الطبيعية وندرتها، بحيث لا تكون كافية لإشباع حاجات البشر إشباعاً كافياً، فالتكافل الاجتماعي المقر بنوعيه المادي والأدبي، يلعب دوراً رئيساً في القضاء على هذه المشكلة، حيث يجعل آحاد الناس الأثرياء في كفالة جماعتهم الفقراء، فالقادر المطيق كفيل للعاجز المعدم، والغني الموسر ضامن للفقير المعسر، حتى تظل القوى البشرية متلاقية في جلب المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار.
١٠ - أقر التشريع الإسلامي العقوبة لأنها تحمل الناس على امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فهي التي تجعل الأمر منقاداً ومتبوعاً، والنهي متروكاً ومهجوراً، والفساد مخفياً ومستوراً، إذ المرء مجبول على حب ذاته، حريص على حمايتها من كل أذى ومكروه، والعقوبة تحتوي على أكبر الأذى الذي يحمل المرء على اتقاء أسبابها؛ لأنه يعلم أن صدور ذلك منه سيعود وباله عليه، فكما اكتوى الناس بنار إجرامه وإساءته، سيكتوي هو بنار عقابهم وتأديبهم، ومتى شعر بذلك راجع نفسه كثيراً قبل الإقدام على الجريمة، وحاسبها حساباً شديداً يقيها من وطأة العقاب، بإبعادها عن كل ذريعة تؤدي إليه، ولهذا قيل: إن العقوبات موانع قبل الفعل، وزواجر بعده.
١١ - جدوى العقوبة وكفايتها مدركة بأربعة أمور:
أ- اشتمال العقوبة على الردع والتخويف، وذلك بأن تكون كفيلة لردع كل مجرم عن تكرار الإجرام واعتياده، وتخوف غيره من أن تسول له نفسه سلوك مثله؛ لأن ما يعود عليه من ضرر العقاب، يفوق ما يجنيه من نفع الجريمة.
ب- قدرتها على الإصلاح والتأديب؛ لأن العقوبة لم تقر انتقاماً من المجرم، أو امتهاناً لشخصيته، ولكنها شرعت وأقرت لقدرتها على إصلاح الخلل الكامن في نفسه، وتطهيره مما اقترفته جوارحه من الإثم والعدوان.
ج- تناسبها مع الجريمة حجماً ومقداراً، فقد وضعت العقوبات على قدر الجرائم، ونوعت بحسب تفاوتها في القوة والضعف، وما تحدثه من الضرر والفساد.
د- سريانها على جميع الأشخاص، وذلك بأن تكون العقوبة مطبقة على كل من ارتكب جريمة، دون أن يعفى منها أحد لمركزه أو جاهه، أو أي سبب آخر؛ لأن العقوبة مرتبطة بنوع الإجرام لا بشخصية المجرم.
١٢ - إنما كان التشريع الإسلامي صالحاً لحكم الأجيال كلها لأمرين:
أ- يسر تكاليفه وسهولتها، ذلك أن أحكام الإسلام ومبادئه كلها سهلة يسيرة، لا تخرج عن مكنة الإنسان وطاقته، ولا تستعصي على الامتثال والتطبيق، فالشارع الحكيم عندما سن هذه الأحكام والتكاليف، لم تغب عنه طبيعة الإنسان وطاقته المحدودة، بل وضع هذا الأمر في سلم الاعتبار والاهتمام، ولهذا وجد من التكاليف ما أسقط عن الإنسان لمنافاتها لوسعه، وخروجها عن طاقته، كما وجد منها ما خفف عليه كيلا يكون عليه حرج في أدائه.
ب- تلبيته لضرورات الحياة ومطالبها، ذلك أن الإنسان مهما أوتي من رزانة العلم والمعرفة، وسداد العقل والرأي، لا يمكنه أن يضع نظاماً ومنهجاً شاملاً؛ يلبي كافة حاجاته وضرواته، ويعالج جميع شئونه وقضاياه، وإنما القادر على ذلك هو الله تعالى وحده، الذي أحاط بالإنسان وبكل شيء علماً وخبرة وقدرة، فهو العليم بحاجات الإنسان ومصالحه كلها، ولهذا لما رضي له الإسلام ديناً ومنهجاً للحياة، جعله قادراً على تلبية كل ما تمس إليه حاجته، وتقضي بها مصلحته من الضرورات الخمس، التي هي الدين, والنفس, والعقل, والعرض, والمال.
١٢ - ظروف العصر الحالي تدعو إلى التطبيق العلمي للإسلام، وذلك لأمور ثلاثة:
стр. 201
أ- حاجة البشرية كلها إلى نظام شامل ومتكامل، وذلك أن البشرية في كل زمان ومكان تحتاج إلى الرقي المادي والمعنوي معاً، أما في الآونة الأخيرة، فقد تحقق لها رقيها المادي، وبلغت فيه شأواً بعيداً استطاعت أن تعرج إلى بعض الأجرام السماوية، وتنسمت الحياة عليها، ولكنها ظلت جوعى إلى رقيها الأدبي والمعنوي، لتعيش حياتها بطبيعتها الإنسانية، المكونة من الجسد والروح، بحيث لا يكون ثمة تجاوز على الروح لصالح الجسد، أو تضييق على الجسد لصالح الروح، بل يعطي كل جوهر منها حقه بالقسطاس المستقيم، وما عرف نظام على وجه الأرض غير الإسلام، يقدر أن يحقق للبشرية هذا التوازن والاتزان بين هذين الجوهرين، إذ لا يهمل شقها المادي، ولا يغفل جانبها المعنوي، وإنما يوائم بينهما، حتى ترتقي البشرية بشقيها، دون أن يهبط جانب منها، وتتقدم بكل قواها وطاقتها دون أن يتخلف جزء منها.
ب- اتساع التشريع الإسلامي لكل حادث ونازل، وذلك بفضل ما يمتاز به من الثبات والمرونة، فثباته منصب على الأمور الخالدة خلود الجبال الراسيات، والتي تدوم وتبقى بقاء الأرض والسماء، كالكليات, والجواهر, والأهداف, والغايات، والأركان, والواجبات، ومرونته مرتكزة على الأمور المتغيرة والمتبدلة تبدل الليل والنهار، وتغير الظروف والأحوال، كالفروع والجزئيات، والوسائل والأساليب. فبثباته على الجواهر والكليات، استعصى على الذوبان والخضوع لكل تطور صالح وفاسد، وبالمرونة في الفروع والجزئيات، استطاع أن يواجه كل بيئة وظرف، ويعالج كل حادث ونازل، ويتصدى لكل تغير وتطور، فيقر منه ما كان نافعاً ومفيداً، ويتفق مع اتجاهه ولا يخالفه، ويرد منه ما كان فاسداً وضاراً.
ج- قدرته على إصلاح ما أفسدته النظم البشرية، ذلك أن النظم الوضعية التي صنعتها يد الإنسان، لا توصف بالصحة المطلقة، والاستقامة الكاملة، فيكتفى بها عن بديل آخر، ولهذا وجدت ثمة مفاسد وأضرار احتوت عليها هذه النظم، وعجزت هي نفسها عن إدراكها وتفاديها، بينما أدركها الإسلام ودفعها منذ أربعة عشر قرناً؛ إذ لم تكن لتخفى عليه مصلحة راجحة من المرجوحة، أو مفسدة غالبة من اليسيرة، وهو صادر عن الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
توصيات:
١ - موضوع (واقعية التشريع الإسلامي) كبير جداً، من الصعب أن تستوعب كافة جوانبه في رسالة مختصرة، إذ ما من نظام من أنظمة الإسلام المختلفة، وأهدافه، سواء كان عقيدة أو عبادة أو معاملة، وما تناولته في هذا البحث يعد مجرد إلمام للموضوع، أشبه بمن يغترف من ماء البحر.
٢ - لابد من مضاعفة الجهد في دراسة مزايا الإسلام وخصائصه الكبرى؛ لأن ذلك يجعل الإسلام أكثر نصاعة ووضوحاً، ويزيد المرء يقيناً بأن هذا المنهج أحق بالاحتذاء والامتثال مما سواه، وهذا ليس لسبقه المتميز في كل مجال، بل أيضاً لبلوغه رتبة الكمال في النظر والتطور، وسلامة مبادئه كلها من التناقض والتضاد، الذي اشتملت عليه النظم البشرية فهدمت آخرها ما بناه أولها، فما كان حراماً بالأمس أصبح حلالاً اليوم، وكذا العكس.
٣ - بما أن ظاهرة الانحراف من الظواهر التي ترتفع نسبتها في أكثر من مجتمع، رغم وجود الوسائل المانعة منها، فإن ذلك لا يرجع إلى صعوبة تلك الظواهر في القضاء عليها، والحد منها، وإنما ذلك راجع إلى عدم جدوى هذه الوسائل، وفقدانها القوة الضرورية الكافية للحد منها، ووضع الخناق عليها، بينما وسائل الإسلام بواقعيتها استطاعت أن تقضي على الجرائم قضاء مبرماً طيلة أربعة عشر قرناً؛ لما فيها من قوة الكبت والمنع ما يبطل الدوافع إلى الإجرام والبواعث لها، فهي بحق زواجر قبل الإجرام، ومانع بعدها، ومن هنا وجب على المسلمين المصير إليها، والالتزام بها؛ ليتحقق لهم ما يصبون إليه من الأمن والأمان في الأنفس والآفاق.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آهل وصحبه أجمعين.
стр. 202
إدارة وأعمال
стр. 203
الديوان النبوي الشريف أحكامه ونظامه
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن محمد بن سعيد الحجيلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: إدارة وأعمال
تصنيف فرعي: سيرة وشمائل - دراسات وعبر
الخاتمة وأهم النتائج والتوصيات:
لعل أهم ما أختم به كتابي هذا هو ذكر أهم النتائج التي ظهرت لي من خلال ما كتبته في هذا الكتاب؛ وهي كالتالي:
١ - إن كلمة الديوان كلمة عربية وليست أعجمية، وهذا ما ذهب إليه جمهرة من العلماء القدماء والمعاصرين، من أجلهم شيخا أهل اللغة الكسائي وسيبويه، وقد وردت في الأحاديث النبوية، فلا ننسبها إلى العجمة، وقد وردت على لسان المصطفى ﷺ وصحابته الكرام، وهم فصحاء الأمة.
٢ - أن مصطلح الديوان عرف في كافة العصور الإسلامية؛ من عصر الدولة النبوية إلى عصرنا الحاضر في الدولة السعودية.
٣ - أن مصطلح الديوان له تعاريف كثيرة ومسميات متعددة، واختصاصات متنوعة من عصر الدولة النبوية إلى عصرنا الحاضر.
٤ - أن ديوان الإنشاء أول من أسسه النبي ﷺ في العهد النبوي، وبقي معروفاً – في اختصاصاته إلى نهاية الدولة المملوكية – بما هو عليه في العهد النبوي، وليس مأخوذاً من دولة قيصرية أو فارسية.
٥ - أن الدواوين في العصر النبوي كثيرة، ولكنها ليست في الشهرة متساوية، فبعضها – كديوان الإنشاء – أشهر من غيره.
٦ - أن كُتَاب الديوان في العهد النبوي الشريف معروفة أعيانهم، واختصاصاتهم، وتحدث عن سيرتهم كل مؤرخ لأصحاب النبي ﷺ من رجال الحديث الشريف، علاوة عن حديث رجال السير والتاريخ.
٧ - أن حصر عدد كتاب الديوان النبوي يحتاج إلى دراسات معاصرة جادة بحسب المصادر الموجودة أو التي ستوجد، ولكن لا يقل عددهم عن أربعين رجلاً بحال من الأحوال.
٨ - أن تحديد اختصاصات ومهمات كل كاتب من كتاب الديوان النبوي محدد من قبل النبي ﷺ وقد يخص أحد الكتاب بمهمات غير الآخر، بحسب تقدير النبي ﷺ ورؤيته الخاصة.
٩ - أن تشرف هؤلاء الكتاب بالكتابة بين يدي النبي ﷺ يعد من المناقب العظيمة لهؤلاء الكتاب التي يجب إبرازها، والحديث عنها، وكتابة الدراسات حولها، ولماذا خصوا بها.
١٠ - أن الديوان النبوي كان يكتب الكتب الصادرة، ويستقبل الكتب الواردة ويجيب عليها أيضاً.
١١ - أن حصر الكتب الواردة والصادرة من الديوان النبوي يحتاج لدراسات متخصصة بحسب المصادر المتاحة، ودراسة علمية لكل الكتب الصادرة والواردة.
١٢ - أن النبي ﷺ كتب لكافة ملوك الأطراف المجاورة لجزيرة العرب من كافة الجهات الشرقية والشمالية والغربية، وكافة زعماء القبائل والديانات في عصره.
١٣ - أن النبي ﷺ كتب لمجموعة كبيرة من زعماء القبائل المسلمين، وحصر هؤلاء يحتاج لدراسات عميقة، وقد بذلت جهداً في حصر أغلب هؤلاء الأعلام، ولعلي أول من حاول حصر ذلك.
١٤ - أن النبي ﷺ بلغَّ دعوة الإسلام لكافة ملوك الأرض المعروفين في عصره، والكتاب كالخطاب، وشهد له ربه بالإبلاغ، وإكمال الرسالة على الوجه المطلوب.
١٥ - أن موضوعات الكتب النبوية تحتاج لدراسات متعمقة من علماء الإدارة والسياسة الشرعية، ويجب التأسي بها عند الكتابة للآخرين.
١٦ - أن النبي ﷺ كتب أصنافاً متعددة من الكتب، وفي شتى شؤون الدولة من الولاية العامة، والجباية والبيع والشراء، والمنح، والإقطاعات، وغير ذلك.
١٧ - إن البريد النبوي كان عبارة عن هؤلاء الرسل الكرام الذين بعثهم في أداء رسالته إلى أمم الأرض في عصره، فتجب العناية بسيرهم وأخبارهم، وإفرادها في مؤلفات مستقلة.
١٨ - أن فقه الكتب والرسائل النبوية من أجل أصناف علم الحديث الشريف الخاصة، والفقه عامة، فيجب العناية بهذا الفن الرائع المهم.
١٩ - أن إنشاء الدواوين في العهد النبوي كان له الأثر العظيم في العصور التالية إلى عصرنا الحاضر، مع تعدد مسمياتها واختصاصاتها، فتجب العناية بهذا الفن بإفراد كل عصر بمؤلفات مستقلة؛ لأن هذا من بيان عظمة الإدارة النبوية الشريفة.
٢٠ - أن الدراسات العلمية التي أجراها عدد من المستشرقين على النسخ الذاتية التي وصلت إلى عصرنا الحاضر، تحتاج إلى ترجمة إلى اللغة العربية، وتحتاج أيضاً إلى دراسات علمية معاصرة من علماء المسلمين الأكفاء، وهم كثيرون –والحمد لله- في عصرنا؛ لأن منهج المستشرقين الدراسي مخالف لكثير من المناهج المتبعة في عالمنا الإسلامي، فيجب تكثيف الجهود من قبل الدول الإسلامية الغنية والأفراد؛ لإعادة ذلك التراث الإسلامي إلى مصدره الذي خرج منه، حتى يسهل على كل باحث الاطلاع عليه، وإجراء الدراسات حوله.
стр. 204
القيادة الإدارية
المؤلف/ المشرف: نواف كنعان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار العلم ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٠٢هـ
تصنيف رئيس: إدارة وأعمال
تصنيف فرعي: مدير - معلم - صفات وشروط ومهارات
الخاتمة
يتضح لنا من هذه الدراسة أن للقيادة دوراً هامّاً في الإدارة، يبرز من خلال مسؤوليتها في تحقيق التكامل بين الجوانب التنظيمية والإنسانية والاجتماعية للعملية الإدارية، وتوفير الفاعلية للإدارة لتمكينها من تحقيق أهدافها.
والقيادة الإدارية بمفهومهما الحديث ليست وليدة فكر معين أو بيئة دون الأخرى، ولكن تطورها جاء عبر مراحل متعّددة في الفكر الإداري، كما أن جذورها تمتد إلى الوقت الذي بدأ فيه التفاعل الاجتماعي وتوزيع العمل بين الأفراد والجماعات في التنظيمات الاجتماعية.
ولم يكن من الممكن هذه الدراسة أن تحقق هدفها إلاَّ إذا أحاطت بالجهود السابقة في هذا الصدد، وأفادت من تصوراتها وتحليلاتها وتفسيراتها ونتائجها، فتبدأ من حيث انتهت هذه الجهود لتضيف إليها من النتائج ما يتعلق بموقف جديد ـ زماناً ومكاناً ـ وما قد يدعمها أو يخالفها مما يسهم في عملية الحفاظ على الاستمرار في البحث العلمي، ويلقي الضوء على الأهمية النظرية لهذه الدراسة.
ولهذا فقد ركزنا اهتمامنا على إبراز المفاهيم التي عرفتها الإدارات القديمة والتي استهدفت تطوير مفهوم القيادة الإدارية ... كما سعينا جاهدين إلى إبراز المفاهيم التي تبنتها المدارس السلوكية، والتي تنظر للعنصر البشري على أنه العامل الحاسم والفعّال في الإدارة، محاولين طرحها كبديل للمفاهيم التي تبنتها المدارس الكلاسيكية، والتي تنظر لمشكلات الإنتاج والكفاءة الإنتاجية على أنها مشكلات فنية وتكنولوجية بالدرجة الأولى، وأن وسيلة زيادة كفاءة القيادة تتركز في تحسين أساليب ومعدات الإنتاج ...
كما ارتكز منهجنا في البحث على أساس النظرة التكاملية الشاملة للقيادة الإدارية والنظر إليها كنظام متناسق مترابط ـ بجوانبه التنظيمية والإنسانية والاجتماعيةـ يؤثر ويتأثر بالبيئة التي ينشأ أو يعمل فيها، لتكون هذه النظرة بديلاً للنظرة الجزئية التي تؤكد على بعض جوانب القيادة وكأنها جوانب مستقلة عن بعضها ... وقد حاولنا التأكيد على ضرورة المقارنة بين الافتراضات النظرية وبين ما هو كائن فعلاً في التطبيق العملي، مع محاولة إجراء الملاءمة اللازمة بين الصورتين على ضوء المتغيرات والظروف المختلفة.
وفيما يتعلق بأساليب القيادة الإدارية فقد تبين لنا أن هذه الأساليب كانت انعكاساً للمفاهيم الإدارية التي سادت في مراحل مختلفة من مراحل الفكر الإداري، وأسهمت في توجيه أساليب الإدارة نحو الأخذ بأسلوب قيادي معين في مرحلة معينة من هذه المراحل. ولذلك ركزنا اهتمامنا على دراسة وتحليل الافتراضات التي قدمها كتّاب الإدارة في إطار هذه المفاهيم.
وقد تبين لنا من خلال هذا التحليل كيف أن الافتراضات التي قامت عليها النظرة السلبية للإدارة، قد وجهت الأنظار إلى أن الأفراد العاملين في الإدارة محتاجون إلى إشراف حازم ورقابة شديدة، ومن هنا تتأتى ضرورة اتباع القادة لأسلوب القيادة الأتوقراطية باعتباره الأسلوب الذي يتلاءم مع هذه الافتراضات، لأنه يمكّن القائد من ممارسة مهامه وتحقيق أهداف الإدارة ... وكيف أن الافتراضات التي قامت عليها النظرة الحديثة للإدارة قد وجهت الأنظار إلى ضرورة تهيئة الظروف الملائمة التي تساعد مرؤوسيهم على إشباع حاجاتهم المادية والمعنوية وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في تحقيق أهداف الإدارة والعمل على تنميتهم وتطويرهم، ومن هنا تتأتى ضرورة اتباع القادة لأسلوب القيادة الديمقراطية باعتباره الأسلوب الذي يتلاءم مع هذه الافتراضات.
стр. 205
ولقد رأينا أن الأسلوب الديمقراطي للقيادة الذي يرتكز على العلاقات الإنسانية السليمة بين القائد ومرؤوسيه، من خلال تحقيق الاندماج بين العاملين، وعلاج مشكلاتهم، وتطويعهم، والتأثير فيهم بحوافز معنوية ضماناً لحسن مشاركتهم في تحقيق الأهداف المطلوبة ... هذا الأسلوب يساعد على جعل المجموعة العاملة في ظله أكثر تعاوناً وإيجابية، ويرفع بالتالي من كفاءتها الإنتاجية.
كما ركزنا الاهتمام على القيادات غير الرسمية وأهمية دورها في الإدارة، وأكدنا على أن هذه القيادات يمكن أن تؤدي دوراً إيجابياً إذا ما أحسنت القيادات الرسمية التعامل معها من خلال إيجاد التكامل بين متطلبات وأهداف هذه القيادات، ومتطلبات وأهداف التنظيم الرسمي الذي تعمل في إطاره ... وأنه بدون التعاون بين القيادات الرسمية والقيادات غير الرسمية فإن الأخيرة ستخلق مواقف سلبية أو عدائية من الأولى، وعندها تكون القيادات الرسمية مضطرة لمواجهة هذه القيادات بالطرق التي تراها ملائمة لإضعافها أو الحد من نشاطاتها.
وفيما يتعلق بخصائص القيادة الإدارية الناجحة، فقد بيّنا أن اختيار القيادات الإدارية يعتبر من المشكلات الهامة التي تعني بها الدول الحديثة على اختلاف أنظمتها، وأن صعوبة حل هذه المشكلة نابعة من كون متطلبات النجاح في القيادة تختلف من وظيفة إلى أخرى، ومن فترة زمنية إلى أخرى، ومن موقف لآخر في المنظمة الواحدة ... وقد استعنا في حل هذه المشكلة بالجهود التي قام بها علماء الإدارة والنفس والاجتماع، لوضع معايير يمكن على أساسها اختيار القادة الأكفاء، وما أسفرت عنه هذه الجهود من نظريات ... ابتداء من نظرية السمات التي تركزت مجهودات أنصارها حول الكشف عن مجموعة من السمات والقدرات والمهارات المشتركة للقادة الناجحين ... إلى نظرية الموقف التي تركزت مجهودات أنصارها حول تحليل عناصر الموقف كعامل هام يؤثر في تحديد خصائص القيادة، والقول بأن متطلبات القيادة تختلف بحسب المجتمعات، والتنظيمات الإدارية داخل المجتمع الواحد، والمراحل التي يمر بها التنظيم، والمنصب القيادي المطلوب شغله ... وانتهاء بالنظرية التفاعلية التي حاولت التوفيق بين نظريتي السمات والموقف، من خلال النظر للقيادة على أنه عملية تفاعل اجتماعي، وإن متطلبات القيادة الناجحة نابعة من التفاعل بين شخصية القائد وجميع المتغيرات المحيطة بالموقف الكلي وخاصة المجموعة العاملة ...
ولقد رأينا أن متطلبات القيادة الناجحة ترتبط بالموقف الإداري الذي يوجد فيه القائد. وأن النمط القيادي الملائم يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة القائد على تحليل عناصر الموقف ومتطلبات كل عنصر على ضوء الانعكاسات البيئية والإيديولوجيات السياسية والاقتصادية، ومن ثم معرفة ما إذا كان النمط القيادي المستخدم يحقق النتائج المطلوبة ... وأن نظرية الموقف بهذا المفهوم قدمت مفهوماً ديناميكياً للقيادة، لأنها ربطت بين القيادة والموقف الإداري، على أساس أن عوامل الموقف والمتغيرات المرتبطة به هي التي تحدد السمات والمهارات التي يمكن أن تعزز مركز القائد ونجاحه. كما أنها من ناحية أخرى قدمت مفهوماً ديمقراطياً للقيادة، لأنها لم تحصر القادة في عدد محدد من الأفراد هم من تتوفر فيهم سمات وقدرات معينة، بل جعلت قاعدة القيادة عريضة بحيث يمكن لأي شخص أن يكون قائداً في بعض المواقف ... ولأنها رفضت المفهوم القائل بأن القادة يُولدون ولا يُصنعون، من خلال تأكيدها على أن هناك الكثير من السمات والقدرات والمهارات القيادية يمكن اكتسابها بالتعليم والتدريب.
стр. 206
والتطورات التكنولوجية الحديثة في مجال الإدارة، وما أدت إليه من زيادة الأعباء على القائد الإداري، أوجدت خصائص جديدة للقيادة القادرة على مواجهة متطلبات الإدارة الحديثة، وتحقيق الفاعلية الإدارية. ومن أهم هذه الخصائص: قدرة القائد على اتخاذ قرارات فعّالة، من خلال التشخيص الواعي للمشكلة والتقدير السليم للواقع والاسترشاد بآراء المرؤوسين، والموازنة بين المخاطر التي قد يسببها اتخاذ القرار .... وقدرته على الاتصال الفعّال، من خلال حسن إصغائه لموظفيه، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن أنفسهم، وتوضيح أفكاره حتى تكون مؤثرة فيهم، وتفهمه للأهداف المتوخاة من الاتصال وتقييمه باستمرار لاتصالاته، ومحاولة تذليل العوائق التي تعترض اتصالاته ... وقدرته على إدارة وقته: من خلال تسجيل وقته وتحليل توزيعه ووضع الأسس لأولوية الأعمال التي تستحق وقتاً أكثر حتى لا يكون الإفراط في استخدامه للوقت في العمل على حساب صحته ... وقدرته على الإدارة بالأهداف من خلال: تفهمه للنظام وأسلوب عمله، وتعرفه على السمات المميزة لمرؤوسيه وإشراكهم في وضع الأهداف، ومراعاة استخدامه للوقت في تطبيق هذا النظام ... وأخيراً على إدارة التغيير من خلال: وضع استراتيجية للتغيير وتنفيذها، واعتماده في ذلك على ردود الفعل لدى موظفيه ومعرفة كيفية معالجتها، ومرونته التي تمكنه من التكيف مع المواقف التي يجد صعوبة في تغييرها، واستخدام النمط القيادي الذي يتلاءم مع متطلبات التغيير.
والله ولي التوفيق
стр. 207
اقتصاد
стр. 208
آثار التغيرات في قيمة النقود وكيفية معالجتها
المؤلف/ المشرف: موسى آدم عيسى
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مجموعة دلة البركة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: اقتصاد
تصنيف فرعي: اقتصاد - أعمال منوعة
الخاتمة وأهم نتائج البحث
بعد أن ناقشنا أسباب وآثار ووسائل معالجة التغيرات في قيمة النقود، ففيما يلي ملخصاً لأهم النقاط التي تناولها البحث والنتائج التي توصل إليها:
أولاً:
ناقشنا في الباب التمهيدي لهذه الدراسة، حقيقة النقود الورقية الإلزامية وماهية التغيرات في قيمتها، ولقد ظهرت لنا من خلال المناقشة النتائج التالية:
١ - ظل المسلمون في صدر الإسلام وحتى سنة ٧٦ هجرية يتعاملون بالدينار والدرهم، غير أن مفهوم لفظ الدينار والدرهم كان ينصرف إلى وزنهما وليس إلى عملة محددة كما يتبادر للذهن، إذ أن مفهوم الدينار كان ينصرف في العصر النبوي وما بعده إلى كل وزن يساوي مثقالاً ولا يدل على عملة محددة العيار أو النقش.
٢ - رغم وجود تشابه كبير بين حقيقة النقود الورقية المعاصرة وبين النقود المغشوشة من حيث إن كليهما نقد ائتمان ذو قيمة تبادلية أكبر من قيمته الذاتية، إلا أننا لا نستطيع أن نقيس عليها أحكام النقود الورقية الإلزامية، وذلك لأن الأحكام الشرعية في النقود المغشوشة تنصرف عند غالبية المذاهب إلى ما فيها من ذهب أو فضة. كما أن الوجود النسبي للذهب والفضة في النقود المغشوشة ينفي العلاقة بينها وبين النقد الورقي الإلزامي المعاصر.
٣ - تبين للباحث أن الفلوس رغم أن نشأتها كانت كنقد مساعد يستخدم لبيع وشراء توافه السلع، إلا أنها احتلت في بعض الفترات التاريخية مكانة رفعتها إلى مرتبة النقدين، بحيث أصبحت النقد الأساسي الذي تنسب إليه أثمان سائر السلع والخدمات.
٤ - تبين للباحث أن فقهاء المسلمين انقسموا بشأن أحكام الفلوس إلى فريقين: فريق ربط أحكامها الشرعية بأصلها ومعدنها، واعتبر الثمنية فيها شيئا عارضاً يجب إلا برفعها إلى مكانة النقدين، ومن ثم لم ير جريان الربا فيها، أو استحقاق الزكاة فيها. وفريق ثان نظر إلى وظيفتها فاعتبرها نقداً، طالما أنها تقوم بوظائف النقود الشرعية. وقد تبين للباحث بعد المناقشة رجحان ما قال به الفريق الثاني الذي يرى أن الفلوس تجري عليها أحكام النقود الشرعية وذلك:
أ- لأن الإسلام لم يلزم الناس بنقد معين، وتفضيل المسلمين للذهب والفضة كان لما فيهما من خصائص ومميزات جعلتهما يفيان بالشروط المطلوبة في النقود، غير أن ذلك لا يعني أن غيرها لا تنطبق عليه الأحكام الشرعية.
ب- تعتبر الفلوس في حقيقتها القاعدة العامة للنقود الاصطلاحية في المجتمعات الإسلامية، إذ تمثل نقطة التحول والتحرر من الذهب والفضة. وإذا كان الذهب والفضة قد قاما بوظائف النقود في فترة من الفترات التاريخية خير قيام وتأسست الأحكام الشرعية بهما، فلا يعني ذلك بالضرورة لزوم الاقتصار عليهما.
٥ - توصل الباحث بعد ترجيحه لعلة الثمنية التي قال بها بعض فقهائنا المسلمين، إلى أن النقود الورقية في العصر الحاضر هي نقود اصطلاحية يجري فيها الربا كجريانه في الفلوس، كما تجب فيها الزكاة وكل أحكام النقود الشرعية، غير أنها تختلف عن النقدين في بعض الجزئيات، منها:
أ- لا تعتبر النقود الورقية مالاً بذاتها، ولكنها مال بالقياس إلى غيرها، والدليل على ذلك أن الدولة لو أحرقت منها الملايين لا تكون قد فقدت من ثروتها إلا بقدر تكاليف طبعها وقيمة الأوراق المصنوعة منها.
ب- إذا لم تكن مالاً بذاتها فإنها تضمن بماليتها والتي تتمثل في قوتها الشرائية.
ثانياً:
стр. 209
ناقشنا في الباب الأول من هذا البحث أسباب التغيرات في قيمة النقود واستعرضنا أهم النظريات النقدية، وتوصلنا إلى أنه لا يوجد اختلاف جوهري بين مختلف النظريات التي ناقشت أسباب التغيرات في قيمة النقود، خاصة فيما يتعلق بوضعية البلدان النامية. إذ تتفق هذه النظريات في أن كمية وسائل الدفع تعتبر محدداً أساسياً لأسباب التغيرات في قيمة النقود، وقد يؤثر حجم الإنفاق أو حجم الطلب في إحداث التغيرات في قيمة النقود، غير أنه لن تتوفر أسباب زيادة الإنفاق بدرجة محسوسة ما لم تكن هناك زيادة في عرض النقود أو سرعة تداولها، بالنسبة إلى العرض الكلي للسلع والخدمات عند مستوى الأسعار السائد. وأثبت الباحث أن الخلل الناشئ، سواء بين كمية وسائل الدفع، أو بين حجم الإنفاق وبين العرض الكلي للسلع والخدمات، يعود في ظل الأنظمة الربوية إلى ثلاثة أسباب جوهرية:
أولها: البنيان الاقتصادي القائم على الربا كوسيلة للتمويل.
ثانيها: سيادة نظام الإنتاج الاحتكاري.
ثالثها: انحراف هيكل الطلب بسبب انتشار أنماط الإنتاج والاستهلاك الترفي.
وخلصنا بعد مناقشة هذه الأسباب إلى أن جزءاً كبيراً من أسباب التغيرات في قيمة النقود في هذا العصر، يعود في الواقع إلى وجود خلل سلوكي جاء نتيجة لعدم وجود قيم وقواعد يرتكن إليها في التعامل الاقتصادي.
ثالثاً:
ناقشنا في الفصل الثاني من الباب الأول دور البناء الاقتصادي الإسلامي في استقرار قيمة النقود، وتبين لنا من المناقشة ما يلي:
أ- أن تحريم الربا كوسيلة للتمويل وإحلال نظامي المشاركة والمضاربة، يدعم استقرار مستوى الأسعار عن طريق تأثيره في القضاء على الروح السلبية التي يحدثها نظام سعر الفائدة في قرارات المدخرين والمستثمرين. إذ يعمل نظام المشاركة على تضييق الفجوة بين قرار الادخار وقرار الاستثمار، كما أن عدالة توزيع الناتج في ظل نظام المشاركة تضمن عدم تركز الثروة عند فئة قليلة من المجتمع، مما قد يعرض الاستثمار للتقلب من فترة لأخرى، ومعلوم أن تقلب الاستثمار تترتب عليه تقلبات مستوى الأسعار وتغيرات قيمة النقود.
هـ- إن سلطة إصدار النقود في الاقتصاد الإسلامي إنما هي سلطة سيادية تختص بها الدولة. ولا يجوز تبعاً لذلك للأفراد أو القطاعات أن تمارس هذه السلطة، لأن ذلك يعتبر نوعاً من الافتئات على الإمام الذي هو أدرى الناس بمصلحة الرعية، ولأن تصرفاته منوط بها تحقيق المصلحة. وقررنا، تبعاً لذلك، جواز قيام مصارف تجارية خاصة، وأنه يجوز لها أن تمنح الائتمان تحت سيطرة ورقابة المصرف المركزي.
ومن عرض جميع المكونات البنائية السابقة توصلنا إلى نتيجة هي الأساس الذي عقدنا من أجله هذا الفصل، وهي أن الاقتصاد الإسلامي الملتزم بكل الضوابط التي أشرنا إليها آنفاً، يتميز باستقرار نسبي في مستوى الأسعار ومن ثم في قيمة النقود يفوق بذلك النظام الربوي بدرجات كبيرة، وأن فرص الكساد والانكماش فيه تبدو ضئيلة للغاية.
كما استنتجنا مما تقدم، أن أسباب التغيرات في قيمة النقود في ظل الاقتصاد الإسلامي تنحصر في الآتي:
١ - تعتبر كمية وسائل الدفع العامل المتغير الأساسي الذي قد تنتج عنه تقلبات مستوى الأسعار وتغيرات قيمة النقود. وهذا قد يفسر لنا الاهتمام الواسع الذي أولاه فقهاء المسلمين لقضية إصدار النقود، إذ إنهم قصروها على الإمام أو من ينيبه، كما أنهم ذهبوا إلى تعزيز كل من يتدخل في سلطات ولي الأمر، لأن ذلك يخل بمصلحة كلية تمس حياة المجتمع واستقراره، ومن ثم فهو نوع من أنواع الفساد في الأرض.
стр. 210
٢ - من الممكن أن تؤثر الأجور في إحداث تقلبات الأسعار حتى في ظل النموذج التنافسي الذي يعمل فيه الاقتصاد الإسلامي، وذلك فيما إذا كانت الأجور تزيد أو تنقص بنسبة تختلف عن نسبة زيادة الإنتاجية.
وقد ناقشنا بعض النماذج من التاريخ الإسلامي، وتوصلنا إلى أن الإطار النظري الذي قدمناه يتوافق إلى حد كبير مع بعض التجارب التاريخية.
رابعاً:
ناقشنا في الباب الثاني من هذا البحث الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتغيرات في قيمة النقود، وكما تشير الدراسات الاقتصادية المعاصرة، فإن التغيرات في قيمة النقود تؤدي إلى:
- إعادة توزيع الدخل الحقيقي والثروة القومية بطريقة عشوائية لا تستند إلى أي أساس شرعي أو منطقي.
- كما أنها تؤثر تأثيراً سلبياً في الدخل القومي ومعدل النمو الاقتصادي.
- كما أنها تشوه نمط الاستثمار في المجتمع، إذ تعمل على نزوح الاستثمار من القطاعات الأساسية إلى القطاعات الثانوية وغير المفيدة لتقدم الاقتصاد ونموه.
- إضافة إلى ذلك، فإن التغيرات في قيمة النقود تؤدي إلى اختلال ميزان المدفوعات, ويشكل ذلك في الواقع استنزافاً لموارد الدولة لصالح الدول الأخرى.
وبعد مناقشة وافية لهذه النقاط، توصلنا إلى أن الآثار المترتبة على التغيرات في قيمة النقود تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك من خمس نواح:
الناحية الأولى: تؤدي التغيرات في قيمة النقود إلى الإضرار بمصلحة المجتمع الكلية، إذ أنها تؤثر في قدرة الأمة في النهوض والتطور والأخذ بأسباب القوة، وذلك بتأثيرها السيئ على الوسائل المادية التي تساعد على النمو والتطور، وعلى ذلك فهي تدخل في نظاق الضرر العام الذي يجب أن يمنع بناء على قوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).
الناحية الثانية: تؤدي التغيرات في قيمة النقود إلى الإخلال بقضية الملكية الخاصة المصونة في الشريعة الإسلامية، إذ يترتب عليها انتقال الثروة والدخل الحقيقي من فئات اجتماعية إلى أخرى، فهي في واقعها سرقة خلقية وأكل لأموال الناس بالباطل.
الناحية الثالثة: تؤدي ظاهرة التضخم في العصر الحاضر إلى تحقيق المبدأ الرأسمالي التقليدي الذي يدعو إلى تركيز الثروة عند فئة الرأسماليين. فالتمويل التضخمي في العصر الحاضر، ما هو إلا وسيلة لتركيز الثروة عند الدولة أو عند الرأسماليين، بحجة أن ذلك وسيلة للنمو الاقتصادي. وقد أثبتنا بالتحليل والتجربة فساد هذا الرأي، خاصة في الدول النامية. وأثبتنا أنه لا يجوز شرعاً للدولة الإسلامية أن تنتهج هذا النهج في التنمية، لأنه لا تنطبق عليه شروط المصلحة. إذ أنه يعارض مصالح ورد بها النص الشرعي، كما أن وجه المصلحة فيه موهوم إن لم نقل معدوم، كما أنه لا يعتبر وسيلة لرفع حرج عن المسلمين، فقد دلت التجارب على أن الاستقرار في مستوى الأسعار – مع بعض الشروط – يعتبر أفضل مناخ للنمو الاقتصادي المقرون بالعدالة.
الناحية الرابعة: تؤثر التغيرات في قيمة النقود تأثيراً سيئاً في أصحاب الدخول الثابتة والمتغيرة. ومن وظائف الدولة في الإسلام ترشيد سياستها الاقتصادية بحيث تهيئ لهذه الفئات حياة كريمة، كما دلت التجارب على أن انتشار الظلم الاجتماعي في فترة تقلبات الأسعار يؤدي إلى تخفيض إنتاجية العمال.
الناحية الخامسة: تؤثر التغيرات في قيمة النقود في سلوك الأفراد الملتزم بالشريعة الإسلامية، ومن وظائف الدولة في الإسلام العمل على أحكام صلة الناس بخالقهم بكل الوسائل والأساليب.
стр. 211
واستنتجنا من هذه النقاط الخمس أنه لا يجوز لولي الأمر اللجوء إلى أي سياسة من شأنها أن تؤدي إلى التغيرات في قيمة النقود، كما يجب عليه الحيلولة دون كل الأسباب المفضية إليها، حفاظاً على مصلحة المجتمع في الحياة الدنيا والآخرة.
خامساً:
ناقشنا في الفصل الأول من الباب الثالث كيف يمكن للدولة الإسلامية أن تحول دون حدوث تقلبات في مستوى الأسعار تؤدي إلى تغيرات في قيمة النقود، وكيف يمكن أن تسيطر عليها بفرض حدوثها، وأثبتنا في هذا الصدد ما يلي:
١ - تعتبر سياسة تثبيت قيمة النقود أفضل سياسة تفي بالمقاصد الشرعية التي يجب توفرها في التعامل النقدي، غير أن صعوبة تطبيق هذه السياسة من الناحية العملية، دفع بنا إلى اقتراح تطبيق سياسة استقرار قيمة النقود، والتي في ظلها تسعى الدولة بكل وسائلها منع ظهور اتجاه واضح لارتفاع الأسعار في الأجل الطويل أو تقلبات حادة في الأجل القصير.
وقد اقترحنا منهجاً لتحقيق استقرار قيمة النقود – على النحو المتقدم – يستند على ما يلي:
أ- السياسة النقدية: ترتكز السياسة النقدية على مبدأ أساسي وهو أن تكون نسبة الزيادة في كمية النقود مرتبطة بنسبة الزيادة في حجم الناتج القومي الصافي.
ب- السياسة المالية: تقوم السياسة المالية على الإنفاق العام كمحور ارتكازي، وللدولة أن تلجأ إلى الضرائب والدين العام كأدوات مساعدة، كما لها أن تلجأ إلى تأخير وتقديم الزكاة بهدف تحقيق الاستقرار في قيمة النقود، غير أننا اشترطنا إلا تلجأ الدولة إلى تعجيل وتأجير الزكاة إلا عند الضرورة، إذ أن للزكاة أهدافاً اجتماعية شرعت من أجلها، فيجب ألا تنصرف عنها إلا لضرورة شرعية أو حاجة مقتضية.
جـ- سياسة الأجور: أثبت الباحث أن أفضل سياسة للأجور تتلاءم مع قواعد الشريعة الإسلامية هي ربط الأجور بالإنتاجية، وأوضحنا أن ربط الأجور بالإنتاجية بالإضافة إلى أنه يحقق العدالة لجميع الأطراف، فإنه يساهم في استقرار الأسعار ومن ثم استقرار قيمة النقود، كما أثبتنا أن ربط الأجور بالإنتاجية هو مبدأ إسلامي أصيل تشير إليه قواعد الإجارة التي فصلها الفقهاء.
واقترحنا لتطبيق هذه السياسة لجنة أطلقنا عليها لجنة "الأجور العادلة" على غرار لجنة الأسعار التي قال بها الفقيه المسلم ابن حبيب المالكي. وتتكون اللجنة من ولي الأمر أو من ينيبه، وممثلين لأرباب الأعمال وممثلين للعمال لتحديد نسبة الزيادة في الإنتاجية التي تستحق زيادة في الأجر، بتحكيم ولي الأمر ولجانه المختصة وتحكيم الأخلاق الإسلامية، مع مراعاة تقديم مصلحة المجتمع الكلية على المصالح الجزئية عند التعارض. وتكون هذه اللجان بديلاً عن النقابات غير الملتزمة بمنهج معين، والتي بسبب تعنتها وتحكم أرباب الأعمال، ضاعت مصالح المجتمعات.
سادساً:
أثبت الباحث أن الاستقرار في قيمة النقود الذي اقترحناه يحقق أهدافاً اقتصادية واجتماعية واسعة، بالإضافة إلى أنه يعتبر شرطاً ضرورياً لصحة عقد المضاربة التي تستند عليه معظم المعاملات الشرعية في هذا العصر، كما أنه شرط لصحة عقد الإجارة إذ تتوقف صحة الإجارة على العلم بالأجرة، وذلك يكون بقدرها وجنسها وصفتها، ولا يتحقق ذلك إلا حينما تكون قيمة وحدة النقد ثابتة أو مستقرة خلال الزمن.
سابعاً:
ناقشنا في الفصل الأخير من هذه الدراسة الآراء الفقهية في كيفية معالجة آثار التغيرات في قيمة النقود بفرض حدوثها في المجتمع الإسلامي، وتوصلنا إلى النتائج التالية:
стр. 212
١ - يقرر الباحث كما قال الفقهاء وكما أثبتت دراسات سابقة في هذا المجال، أن التغيرات في قيمة النقود الذهبية والفضية لا يجب فيها إلا المثل وذلك لتمتع هذه النقود بقيمة ذاتية تجعلها لا تفقد من جراء التغيرات الحادثة في قيمتها شيئاً يذكر.
وهذا الحكم ينطبق على الظواهر النقدية التي تعتريها كالكساد والانقطاع والإبطال، فحيث وجدت فإنه لا يلزم المدين إلا مثلها، فإن لم توجد تجب قيمتها.
٢ - يثبت الباحث أن الظواهر النقدية، كالكساد والانقطاع، التي كانت تعتري النقود الاصطلاحية في العصور الماضية تفقد أهميتها النسبية في العصر الحاضر، وذلك لأن تلك الظواهر ترتبط بقاعدة النقود المعدنية والتي خرج عنها العالم بتطبيقه لقاعدة النقود الائتمانية. وحتى بفرض حدوث بعضها، فإن العرف السائد يجعل أمر معالجتها ميسوراً.
ثامناً:
تناولنا في المبحث الأخير من هذه الدراسة الرأي الفقهي في معالجة آثار التغيرات في قيمة النقود بالنسبة لأصحاب الالتزامات المالية المؤجلة، توصلنا إلى أن للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: على المدين الوفاء بمثل النقود التي ترتبت في ذمته بغض النظر عن تغيرها.
القول الثاني: أن على المدين الالتزام بدفع قيمة النقود التي تغيرت يوم ثبوتها في ذمته.
القول الثالث: يلتزم المدين بدفع المثل إذا كانت التغيرات في النقود يسيرة، بينما عليه الالتزام بالقيمة إذا كانت التغيرات فاحشة.
وبعد أن استنبطنا – وبحمد الله – أدلة كل قول من هذه الأقوال ومناقشتها مناقشة وافية، نثبت ما يلي:
١ - أن أساس الاختلاف بين الفقهاء في هذه المسألة يعود إلى ضمان المدين لما أخذ. فأصحاب القول الأول يرون أن التغيرات في قيمة النقود لا تعتبر عيباً من العيوب الموجبة للضمان، وذلك لأن تغيرات قيمة النقود تقاس عندهم بتغيرات أسعار السلع المثلية.
أما أصحاب القول الثاني فهم يرون أن تغيرات قيمة النقود تعتبر أحد العيوب الموجبة للضمان، ذلك لأن الأعيان لا يتصور عيبها إلا بنقصان قيمتها، وحيث إن يد المدين يد ضمان، فعليه يقع ضمان الصورة والمعنى.
٢ - يرجع الباحث القول الثاني الذي يرى جواز تعويض المدينين أو الدائنين عن تغيرات قيمة النقود، وذلك تحقيقاً للعدالة بين الأموال المترتبة في الذمة والأعواض البديلة عنها. غير أنه يقرر أن ترجيح هذا القول في العصر الحاضر، لا يعني إطلاقاً جواز فرض أسعار فائدة تحدد مسبقاً نظير الانخفاض المتوقع في قيمة النقود، وذلك لأن التحديد المسبق لأسعار الفائدة حتى بفرض تساويها مع نسبة التغير، فإنه يفضي إلى الجهل بالتماثل. وهو يؤدي إلى الربا اتفاقاً. كما أن التحديد المسبق لأسعار الفائدة يفترض أن التعويض يجب في حالة الانخفاض فحسب، وهذا خطأ، إذ إن القواعد الإسلامية ثابتة تهدف إلى تحقيق العدالة في كل الأحوال.
٣ - اقتراح الباحث منهجاً لتطبيق مبدأ التعويض، يقوم على ترجيح ما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية والقاضي أبو يوسف، وعلى أن التعويض جزء من ضمان المدين لما أخذ.
وفي المنهج المقترح يتم التعويض عن طريق اختيار وحدة للتحاسب الآجل أطلقنا عليها "الدينار الإسلامي"، ولا يشترط لهذه الوحدة وجود مادي، ولكن يتم التحاسب على أساس النسبة الموجودة بين سعر الذهب وسعر العملة الورقية وقت الوفاء بالدين.
وبعد:
فإن هذا البحث لا يزيد عن كونه قطرة في خضم هذا الموضوع، بذلنا فيه أقصى ما نملكه من جهد. فإن وفقنا فالحمد لله، وإن كانت الأخرى فنسأل الله أن يعطينا أجر إثارته، فالإثارة تعني المناقشة التي تستدعي التفكير، والتفكير بداية للبحث عن الحق.
﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
والحمد لله في البدء والانتهاء وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (تم بحمد الله)
стр. 213
أحكام الأسواق المالية (الأسهم والسندات) ضوابط الانتفاع والتصرف بها في الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: محمد صبري هارون
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس - الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٩هـ
تصنيف رئيس: اقتصاد
تصنيف فرعي: اقتصاد - إسلامي
الخاتمة
نستخلص من هذا البحث الأمور الآتية:
١ - سوق الأوراق المالية قسم من أقسام السوق المالية، إذ تجري فيها المعاملات على الأوراق المالية (الأسهم والسندات) بوساطة أشخاص مؤهلين لهذا النوع من العمل.
٢ - تمثل الأسهم حصة في رأس مال الشركة وعدد الأسهم التي يحملها الشخص يعبر عن مدى مشاركته ونسبة الأرباح التي يستحقها، وهي أنواع:
ا- الأسهم العادية
ب - الأسهم الممتازة: وهذه لها ميزات لا تتمتع بها الأسهم العادية مثل زيادة حصة الربح أو استيفاء فائدة سنوية ثابتة.
ج- أسهم تمتع: وهي الأسهم التي يستوفي أصحابها ما دفعوه ويبقى لهم الحق في الأرباح.
٣ - أما السندات: فإنها تمثل دينا على الشركة وهي على أنواع أيضا ومنها:
ا- سند النصيب: وهو السند الذي تصدره الشركة بقيمة اسمية حقيقة وتحدد لصاحبه فائدة ثابتة بتاريخ استحقاق معين عن طريق القرعة.
ب - السند المستحق الوفاء بعلاوة إصدار: وهو السند تصدره الشركة بقيمة ١٠٠ دينار مثلا ويستوفى منه ٨٠ دينارا فقط.
ج- السند ذو الاستحقاق الثابت: وهو السند الذي تصدره الشركة بقيمة اسمية ويحصل صاحبه على فائدة ثابتة عن هذه القيمة.
٤ - سوق الأوراق المالية تؤدي دورا بالغ الأهمية في جمع المدخرات وتحريك رؤوس الأموال من القطاعات ذات الفائض التمويلي إلى القطاعات ذات العجز المالي. ومن هذه الوظائف الاقتصادية:
ا-تسهيل عملية تداول الأوراق المالية بصفة سريعة ومستمرة.
ب - تعطي مؤشرا لتعيين الفعاليات الاقتصادية الناجحة.
ج- توزيع رؤوس الأموال على مختلف أنواع الصناعات.
د- تعتبر واسطة بين جميع شبكة فعاليات الاقتصاد الكلي، لها من القدرة على تجميع المعلومات وتوثيق البيانات، ما يوفر قاعدة جيدة لاتخاذ القرارات الاستثمارية الموثوقة.
هـ- المساعدة على تحديد الأسعار وفق مبادئ العرض والطلب.
٥ - العاملون في السوق
أ - سماسرة الأوراق المالية وهم ينقلون إلى السوق أومر زبائنهم ويجرون العمليات المطلوبة منهم.
ب - مندوبون رئيسيون: وهم معاونون للسمسار يعملون بأمره.
ت - الوسطاء: وهم أداة الاتصال بين الزبون والسمسار.
٦ - عمليات السوق
أ-عمليات عاجلة: تتم فوراً بحيث يدفع الثمن وتستلم الأوراق المالية.
ب-عمليات آجلة: بحيث يحدد موعداً لتسليم الأوراق ويسمى موعد التصفية.
٧ - يشجع الإسلام الناس على استثمار أموالهم دون تجميدها حتى لا تأكلها الزكاة.
٨ - الدول الإسلامية تزخر بالثروات المادية والمعدنية، وهذه بالطبع بحاجة إلى تنميتها بطريقة شرعية منضبطة بالضوابط الإسلامية. وعلى هذا تقوم البنوك والمؤسسات الإسلامية خصوصاً فيما يتعلق بإصدار الأوراق المالية الإسلامية ومنها البنك الإسلامي للتنمية.
٩ - ضوابط التعامل بالأسهم والسندات:
أ - تنبثق ضوابط السلوك الإسلامية من القرآن والسنة لأنهما المصدران الوحيدان في التشريع الإسلامي فالقرآن الكريم حدد أساليب الإنفاق ووضع ضوابطه، وأهمها أن المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه، ومن الضوابط ترشيد الإنفاق وعدم الإشراف أو التبذير وعدم التقتير.
стр. 214
ب - ومن هذه الضوابط: العلم بأحوال السوق وأحكامها لأن العمل في السوق عبادة، وعلى هذا فعلى المتعامل أن يبتعد بقد الإمكان عن الشبهات وأن يكف عن التعامل بالمحرمات كالتعامل بالربا والخمر وغير ذلك، وأن يتصف بالأمانة والعدل والإحسان والصدق والوفاء وأن يتجنب الكذب والحسد وغير ذلك من الرذائل. وعلى المتعاملين أن يتصرفوا بالتراضي والإختيار، وأن يحسنوا السداد في القول، وأن يعملوا على إظهار الحقائق، وتيسير سبل التعامل، وتوثيق العقود والمعاملات دون إكراه، أو خلابة، أو تغرير، أو تدليس، وأن يبتعدوا عن التناجش، والإحتكار، والغبن، والقمار في المضاربة وغيرها من سبل التعامل.
جـ –ولا بد للمتعاملين من مراعاة العرف والعادة كأساس لتحديد الالتزامات ما دام لا يفضي إلى الضرر أو المفسدة أو يخالف أمرا شرعيا.
د - إن التصرفات في السوق بحاجة إلى الرقابة الشرعية سواء تم تعيينها من قبل الدولة أو المؤسسات وهي نوع من الحسبة لتدبير أحوال السوق للمصلحة تحقيقا للعدل بين الناس وعملا بالقاعدة (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة). فمن أعمال المحتسب: مراقبة الأسعار، ومنع تبادل السلع الضارة ومنع المعاملات التي حرمها الإسلام.
١٠ - وفيما يتعلق بأحكام الأسهم والسندات فهي كما يلي:
ا- لما كان السهم يمثل حصة في رأس مال الشركة، فإن المتاجرة بأسهم شركة ربوية غير جائز.
ب - إن من أنواع الأسهم ما لا يجوز التعامل فيه لأنه خارج عن قواعد الشركة المشروعة وذلك مثل الأسهم الممتازة التي تمنح لصاحبها فائدة سنوية أو أرباحا زائدة على غيره من المساهمين.
جـ- ومن أنواع الأسهم ما يعرف باسم أسهم التمتع وهي أسهم تسلم لصاحبها قيمتها ويبقى شريكا يأخذ الأرباح، وهذا أكل لأموال الناس بالباطل باعتبار أنه قد انقطعت صلته بالشركة.
د- إن الأسهم الوحيدة التي يجوز التعامل بها هي الأسهم العادية التي تعطي لأصحابها حقوقا متساوية وما عداها فهي أسهم باطلة شرعا.
هـ- وأما السندات فإنها تمثل دينا على الشركة والواجب في الديون استيفاؤها بلا زيادة ولا نقصان، لأن الزيادة ربا والنقصان ظلم، وكلاهما حرام، ولذلك فالتعامل مع السندات غير جائز لأسباب:
١ - أن حامل السند يستوفي فائدة ثابتة على دينه بغض النظر عن وضع الشركة من حيث الربح والخسارة.
٢ - أن من السندات ما يصدر بخصم إصدار فيدفع المكتتب أقل من القيمة الاسمية ويستوفي القيمة كاملا وهو ربا.
٣ - ومنها ما يصدر بعلاوة زائدة على القيمة التي دفعها المكتتب ولا شك أن هذا أيضا نوع من الربا.
١١ - أما عمليات السوق فالعمليات العاجلة إذا كان البيع فيها حالا وباتا ولم يكن قائما على محظور شرعي، فإن هذه المعاملة عن طريق البورصة جائزة، شريطة أن لا يكون العقد قائما على المجازفة، حيث تصبح عملية البيع والشراء صورية، حيث تباع العقود وتنتقل من يد إلى يد، وغاية العاقدين الاستفادة من فروق الأسعار مثل البيع على المكشوف.
أما العمليات الآجلة فهي غير جائزة لأن هذا النوع من العمليات لا يتم فيه تسليم المعقود عليه، لا الثمن ولا المثمن، بل يشترط تأجيلهما، وعلى هذا فإن هذه العملية لا تجوز لأن شرط صحة العقود أن يتم تسليم العوضين أو أحدهما ولا يجوز اشتراط تأجيل الاثنين، ودخلت بالتالي في معنى بيع الكالئ بالكالئ، فهذه العمليات أيضا تدخل في القمار الممنوع لأن البائع يضارب على هبوط السعر في اليوم المحدد، والمشتري يضارب على صعوده، ومن يصدق توقعه يكسب الفرق.
١٢ - وفيما يتعلق بزكاة الأسهم فهي كما يلي:
ا- لا تزكى الأصول الثابتة مثل المبنى والآلات.
ب- زكاة الأسهم التجارية ٢.٥%.
أ - زكاة الأسهم للشركات الاستثمارية في الزراعة، ما يسقى منها بماء المطر ١٠% والذي يسقى بالآلة ٥%
د- زكاة الأسهم المتخذة للإستثمار في الصناعات المختلفة تجب في الناتج الصافي قياسا على نماء زكاة الأصول الثابتة ١٠% بعد أن تخصم جميع النفقات بما في ذلك استهلاك الآلات.
١٣ - ومن أنواع الأوراق المالية الإسلامية: سندات المقارضة، شهادات ودائع الاستثمار، شهادات الاستثمار للبنك الإسلامي للتنمية، وشهادات التأجير أو الإيجار المتناقصة، وهناك سبل وإمكانيات لتطوير الأوراق المالية الإسلامية، ومن ذلك: -
أ - تشجيع قيام المؤسسات المالية والبنوك الإسلامية المتخصصة بالتمويل المتوسط وطويل الأجل.
ب - استحداث أوراق مالية إسلامية يمكن التعامل بها بالإضافة إلى ما تم استحداثه فعلا.
ج - دعم الاتجاه نحو إنشاء المزيد من المشروعات المشتركة كأحد الأشكال التي يمكن أن تجسد التعاون الاقتصادي بين البلدان الإسلامية.
د - تنمية وتطوير التجارة بين الدول الإسلامية عن طريق تكوين مناطق تجارية حرة.
هـ- اتخاذ التدابير التي من شأنها تثبيت أسعار الصرف فيما بين العملات المحلية الإسلامية مع ضمان حرية التحويل فيما بينها.
انتهى بحمد الله
стр. 215
إسهامات الفقهاء في الفروض الأساسية لعلم الاقتصاد
المؤلف/ المشرف: رفيق يونس المصري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: البنك الإسلامي للتنمية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٩هـ
تصنيف رئيس: اقتصاد
تصنيف فرعي: اقتصاد - إسلامي
خاتمة
لم يكن علم الاقتصاد منفصلاً في تراثنا الإسلامي عن العلوم الأخرى، إلا أن هذا التراث العظيم قد ضم إسهامات عديدة لعلمائنا في الفقه والأصول، في مجال الفروض الأساسية لعلم الاقتصاد.
١ - ففي مجال الرشد (الرشاد) الاقتصادي، اتضح لنا اهتمام هؤلاء العلماء بصلاح المال حفظاً وتنمية وحسن إدارة، يضطلع به بالغ عاقل رشيد، غير ذي سفه ولا غفلة، بل عارف بمصالحه ومدرك لسبل التصرفات الرابحة. وقد حث الإسلام الأولياء على تأهيل أولادهم وترشيدهم واختبارهم، حتى يتمتعوا بأهلية عالية في الأداء والتصرف. وقد جعل الإسلام الولاية على القاصرين وناقصي الأهلية أو عديميها، ورتبها على أساس القرابة والحافز.
٢ - وفي مجال فرض بقاء الأشياء الأخرى على حالها، رأينا أن علماءنا قد سبقوا إلى صياغة قريبة من هذا الفرض، إذ عبروا عنه بقولهم: "والمسألة بحالها" أو "إذا تساوت (أو استوت) الشروط الأخرى". وهذا الفرض قد لا يغفل عنه الباحثون نظرياً، ولكن قد يغفلون عملياً، أو يسيئون تطبيقه، فتأتي نتائجهم وأحكامهم غير منضبطة.
٣ - وفي مجال فرض الندرة، اكتشفنا أن علماءنا على وعي كبير بها، في أبواب تطبيقية مختلفة، فلا عجب أن رأيناهم طرحوا المشكلة الاقتصادية، وصاغوها بعبارات معاصرة، وسعوا إلى حلها بطرائق مختلفة تناسب كل باب.
ولعل الذين أنكروا الندرة أو المشكلة الاقتصادية، أو كادوا ينكرونها، ما كانوا ليفعلوا ذلك لو أنهم اطلعوا أولاً على جهود هؤلاء الأئمة الكبار في هذا المجال. إنه يجب علينا أن نميز بين المشكلة وحلها.
٤ - وفي مجال فرض التعظيم، رأينا أن فقهاءنا لا يكتفون من بالحسن، بل يطالبوننا بالتي هي أحسن، كي لا يفوت الفرق بين الحسن والأحسن. وقد طبقوا هذا في المنفعة والربح والريع ... إلخ، وعبروا عنه بعبارات مختلفة، وكانت لهم في ذلك كتب وكتابات فريدة في بابها ومفيدة وواضحة، لا غموض فيها ولا تعقيد، لو أننا علمناها لطلابنا لتركت في نفوسهم أثراً فاعلاً، لا تقوى على بلوغه الكتب والكتابات الغريبة، التي لا تكاد تدخل في وعيهم، وإذا دخلت فإنها سرعان ما تخرج.
ترى هل يستطيع علماؤننا وباحثونا المعاصرون أن يبنوا على هذه الثروة الفكرية، في اشتقاق علوم إسلامية تضاهي علوم الحضارات السائدة اليوم؟
إن أهم ما نحتاج إليه في هذا الاتجاه هو صفاء العقيدة والذهن.
وبعد، فهذا ما قدمه الفقهاء المسلمون، فماذا قدم الاقتصاديون المسلمون؟ هذا ما قدمه الفقهاء القدامى، فماذا قدم فقهاؤنا المعاصرون؟
следующие страницы →