Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
الدعاء وأحكامه الفقهية
المؤلف/ المشرف: خلود بنت عبدالرحمن المهيزع
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الصميعي - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: دعاء - صفته وآدابه
الخاتمة:
الحمد لله الذي من علي بإتمام البحث ووفقني لإكماله، وأشكره على جزيل نعمه وإحسانه. وأصلي وأسلم على خير خلقه المبعوث رحمة للعالمين. وبعد:
فأهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث ما يلي:
١ - أن الدعاء هو التضرع إلى الله والافتقار إليه بطلب تحقيق المطلوب أو دفع المكروه بصيغ السؤال والخبر.
٢ - أن الدعاء تدور عليه الأحكام التكليفية الخمسة، وإن كان الأصل فيه الندب.
٣ - أن الدعاء يتنوع بعدة اعتبارات:
أ- باعتبار معناه إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة.
ب- باعتبار صيغه إلى طلبية وخبرية.
ج- باعتبار حكمه إلى دعاء مشروع وغير مشروع.
هـ- باعتبار ما ورد إلى دعاء مأثور ودعاء غير مأثور.
ووباعتبار الداعي إلى دعاء مسلم ودعاء فاسق ودعاء كافر.
٤ - أن للدعاء فضائل عظيمة، ومناقب جليلة، وهو من أفضل الطاعات وأعظمها، وهو سرها وروحها.
٥ - أن للدعاء شروطاً وأركاناً لا يصح الدعاء بدونها وله آداب ينبغي التحلي بها كالطهارة واستقبال القبلة، ورفع اليدين وغير ذلك.
٦ - أنه يستحب للداعي أن يرفع يديه حال الدعاء إلا في المواطن التي لا يشرع رفع اليدين فيها كالدعاء في الطواف أو بعد الأكل أو عند النوم ونحو ذلك.
٧ - إن الأصل الدعاء بباطن الكفين ولا يشرع الدعاء بظهور الكفين على القول المختار.
٨ - أنه لا بأس للداعي أن يرفع يداً واحدة عند الدعاء إذا منع من رفع الأخرى عذر.
٩ - أنه يستحب للداعي أن يشير بإصبعه حال الدعاء ويسمى الإخلاص أو التضرع.
١٠ - أنه يجوز للداعي أن يرفع بصره إلى السماء حال الدعاء، وإن كان الأولى التضرع والانكسار بين يدي الله، أما رفعه في حال الدعاء في الصلاة فحرام وكبيرة من الكبائر.
١١ - الأولى للداعي ألا يمسح وجهه بعد الفراغ من الدعاء في غير الصلاة وإن فعله أحياناً من غير ملازمة له كان له وجه، أما مسح الوجه بعد الفراغ من الدعاء في الصلاة فبدعة مذمومة.
١٢ - أنه لا يشرع للداعي أن يجثو على ركبتيه حال الدعاء، لأن الأحاديث الواردة فيها ضعيفة.
١٣ - أنه لا يشرع الدعاء قبل أذان الفجر وهو من البدع المكروهة المذمومة.
١٤ - أنه يستحب لسامع الأذان وكذا الإقامة على القول المختار أن يقول مثل قولهم ثم يدعو بعدها.
١٥ - أنه يستحب للداخل لقضاء الحاجة والخارج منها أن يدعو بالدعاء المأثور باتفاق الفقهاء.
١٦ - أنه لا يصح دعاء يقال على أعضاء الوضوء على القول المختار.
١٧ - أنه يستحب قول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، بعد الفراغ من الوضوء لما ورد فيه.
١٨ - أنه لا يصح الدخول إلى الصلاة بصيغ الدعاء باتفاق الفقهاء.
١٩ - أن دعاء الاستفتاح سنة لكل مصل وأن محله بعد التكبير وقبل قراءة الفاتحة.
٢٠ - أنه لا يشرع الدعاء بين آيات الفاتحة، ومن دعا بينها عامداً يلزمه أن يستأنفها.
٢١ - استحباب الدعاء عند آية الرحمة والاستعاذة عند آية الوعيد في صلاة النفل فقط دون الفرض، على القول المختار.
٢٢ - يستحب الدعاء في الركوع في الفرض والنفل على القول المختار وكذا يستحب الدعاء في السجود لكل مصل للأدلة الواردة فيه.
٢٣ - وجوب قول سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد عند الرفع من الركوع ويستحب الزيادة على التحميد بحسب ما ورد، والزيادة على الوارد بدعة محدثة.
٢٤ - وجوب سؤال المغفرة في الجلوس بين السجدتين لصراحة فعل النبي ﷺ ولا يكره الزيادة عليها بحسب الوارد عنه ﷺ .
стр. 1542
٢٥ - أن الدعاء بعد التشهد الأول مكروه في الفرض والنفل، لعدم وروده، أما الدعاء بعد التشهد الثاني فمستحب خصوصاً الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال.
٢٦ - يشرع للداعي أن يشير بسبابة اليمنى عند دعائه في الصلاة في التشهد الثاني مع التحريك على القول المختار.
٢٧ - لا يشرع زيادة اللهم ارحم محمداً في ألفاظ التشهد الثاني، أما الدعاء له بالرحمة مفرداً في غير الصلاة فجائر على القول المختار.
٢٨ - يشرع للمصلي أن يدعو بجميع حوائجه في الصلاة للأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان الأولى له أن يختار الأدعية الواردة في الكتاب والسنة أو الواردة عن السلف حتى لا يقع في الاعتداء المنهي عنه.
٢٩ - يجوز الدعاء لمعين في الصلاة في الفرض والنفل على القول المختار.
٣٠ - يجوز الدعاء بغير العربية في الصلاة للعاجز عنها ولا يجوز ذلك للقادر عليها على القول المختار.
٣١ - أنه يستحب أن يقول في سجود التلاوة ما يقوله في سجود الصلاة من التسبيح وإن زاد غيره مما ورد فحسن هذا في الفرض والنفل.
٣٢ - أنه لا يشرع دعاء ختم القرآن في صلاة النفل والفرض؛ لعدم ورده عن النبي ﷺ ، أما خارج الصلاة فمستحب لما ورد فيه من الأدلة.
٣٣ - يشرع القنوت في الصلوات الخمس خلال الجمعة عند النوازل ويكره عند عدمها ويكون محله بعد الركوع على القول المختار.
٣٤ - يستحب القنوت في كل نازلة بما يناسبها وليس فيه لفظ مؤقت، ويستحب الجهر به ورفع اليدين فيه على القول المختار.
٣٥ - أن القنوت في النوازل خاص بالإمام الأعظم أو نائبه على القول المختار.
٣٦ - يسن القنوت في الوتر في جميع أيام السنة وأنه مخير بين فعله قبل الركوع أو بعده.
٣٧ - أصح ما ورد في الوتر الدعاء الذي علمه النبي ﷺ الحسن ﵁: (اللهم اهدني فيمن هديت ... ) وله أن يضم إليها السورتين اللتين قنت بهما عمر: (اللهم إياك نعدب، ولك نصلي) وله أن يزيد ما شاء من الأدعية المأثورة في القرآن والسنة، من غير إطالة تشق على المأمومين.
٣٨ - أن الأولى في القنوت في الوتر ألا يبدأ فيه بالصلاة والسلام على النبي ﷺ ، لعدم الدليل الدال على مشروعيته، وأما ختمه بالصلاة والسلام على النبي فمستحب لما ورد فيه من الأدلة.
٣٩ - يستحب الجهر بالقنوت في الوتر في حق الإمام والإسرار في حق المنفرد على القول المختار.
٤٠ - يسن الاشتغال بدعاء الله وذكره والصلاة عند الكسوف حتى ينجلي باتفاق الفقهاء، ويكون محل الدعاء في نفس الصلاة، وإذا فرغ من الصلاة ولم ينجل الكسوف اشتغل بالدعاء والذكر حتى ينجلي ولا يعيد الصلاة.
٤١ - الاستسقاء بالدعاء مشروع ولا خلاف بين الأمة في جوازه، لكن الاستسقاء بالصلاة أفضل، ويكون محل الدعاء في الاستسقاء بعد الفراغ من الخطبة أو قبل الفراغ منها باتفاق الفقهاء، ويسن تحويل الرداء للإمام والمأموم عند الدعاء فيها.
٤٢ - تستحب صلاة الاستخارة والدعاء عقيبها بما ورد باتفاق الفقهاء في جميع الأمور المباحة أو المستحبة، ولا تشرع في الأمور الواجبة أو المحرمة والمكروهة.
٤٣ - يجب الدعاء للميت في صلاة الجنازة سراً ويكون محله في جميع التكبيرات، لأنه هو المقصود الأعظم وليس فيه دعاء مؤقت لكن ينبغي التزام ما ورد عنه ﷺ لأن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، ولا يرفع يديه حال الدعاء.
٤٤ - يشرع الدعاء للصغير ومن فيه حكمه بالمغفرة عند الصلاة عليه ولا يختص ذلك بالمكلف على القول المختار.
стр. 1543
٤٥ - يستحب للمصلي أن يشرك نفسه ووالديه والمسلمين عند الدعاء للميت في صلاة الجنازة مع تخصيص الميت سواء كان مكلفاً أو غير مكلف بالدعاء فيقول: اللهم اغفر له وارحمه ونحو ذلك.
٤٦ - يستحب الذكر والدعاء بالأدعية الواردة بعد السلام للإمام والمأموم والمنفرد باتفاق الفقهاء، أما الدعاء بعد المكتوبة بغير ما ورد مع رفع اليدين فأمر محدث لم يثبت عن النبي ﷺ .
٤٧ - الدعاء جماعة بصوت واحد بعد التسليم من الصلاة من الإمام والمأمومين بدعة محدثة لم يفعلها النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه ولا التابعين ولم تنقل عمن يوثق به من الفقهاء، وكذا الدعاء من الإمام وتأمين المأمومين بدعة ولا يباح منه إلا ما كان لعارض كقنوت النازلة ونحو ذلك.
٤٨ - يستحب الدعاء عند دخول المسجد أو الخروج منه بما ورد عنه ﷺ .
٤٩ - يشرع الدعاء في خطبة الجمعة لولي الأمر بالصلاح والإعانة على الحق وللمسلمين بأمور الآخرة وهذا من مستحبات الخطبة ومكملاتها وليست من شروطها وأركانها على القول المختار، ولا يشرع رفع اليدين في حال الدعاء لا من الإمام ولا من المأمومين باتفاق الفقهاء.
٥٠ - أن أرجى ساعات الإجابة يوم الجمعة هي آخر ساعة بعد العصر، لقوة الأدلة الواردة في ذلك، وإن دعا في الساعة التي بين جلوس الإمام إلى انقضاء صلاة الجمعة فذلك زيادة خير رجاء الإجابة.
٥١ - يستحب للمصلي أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بما شاء بين كل تكبيرتين من التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين.
٥٢ - لا بأس أن يدعو المسلم لغيره في يوم اليعد بقوله: تقبل الله منا ومنكم ونحو ذلك لما فيه من مصلحة شرعية وهي التآلف والتواد وسلام الناس بعضهم على بعض.
٥٣ - استحباب الدعاء عند لبس الثوب وعند دخول المسكن والخروج منه بما ورد عنه ﷺ .
٥٤ - يستحب لآخذ الزكاة سواء كان الساعي أو الفقير أو الحاكم أو غيره أن يدعو للمعطي فيقول: (آجرك الله فيما أعطيت، وبارك له فيما أنفقت، وجعله لك طهورا، وبارك الله فيما أبقيت) أو نحو ذلك وليس فيه دعاء مؤقت.
٥٥ - أن الصلاة على غير النبي ﷺ أحياناً من غير أن يجعل ذلك شعاراً له لا بأس به.
٥٦ - يستحب الإكثار من الدعاء وذكر الله وغير ذلك من العبادات المحضة في نهار رمضان ويتأكد في الأوقات الفاضلة كالعشر الأواخر وأوقات السحر وعند الإفطار ويستحب أن يدعو عنده بلفظ: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله).
٥٧ - لا يشرع الدعاء عند الدخول في النسك بلفظ: (اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسره لي وتقبله مني ... ) ولا بعد التلبية لضعف الحديث الوارد في ذلك.
٥٨ - يستحب الدعاء عند رؤية الكعبة بلفظ: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام) باتفاق الفقهاء مع رفع اليدين على القول المختار.
٥٩ - يستحب الدعاء عند استلام الحجر بما ورد عنه ﷺ وفي أثناء الطواف وعلى الصفا والمروة وفي أثناء السعي وفي عرفة وعند المشعر الحرام وبعد الرمي باتفاق الفقهاء.
٦٠ - عدم مشروعية التعريف بغير عرفة لعدم وروده عن النبي ﷺ .
٦١ - يشرع الدعاء عند الذبح بلفظ: (بسم الله اللهم منك وإليك اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم) على القول المختار.
٦٢ - يستحب الدعاء بالشهادة في سبيل الله ويستحب الدعاء عند توديع الجيش وفي أثناء القتال وإذا انهزم العدو وانتصر المسلمون بما ورد عنه ﷺ .
стр. 1544
٦٣ - يستحب الدعاء عند الخروج إلى السفر وفي أثناء السفر وإذا أمسى أو أسحر أو أشرف على القرية أو البلد الذي يقصده بما ورد عنه ﷺ لا فرق في ذلك بين سفر الطاعة أو سفر المعصية.
٦٤ - جواز بيع كتب الأدعية وإجارتها أو شرائها بالتقسيط على القول المختار.
٦٥ - يستحب الدعاء عند عقد النكاح للزوجين بلفظ: (بارك الله لكما، أو بارك عليكما، وجمع بينكما في خير)، ويستحب للزوج أن يدعو عند دخول امرأته عليه بما ورد عنه ﷺ .
٦٦ - يستحب الدعاء عند الجماع بما ورد عنه ﷺ وهو: (اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) باتفاق الفقهاء.
٦٧ - يستحب أن يهنأ الوالد بالمولود سواء كان أماً أو أباً بأي بلفظ يحصل به المقصود، ومما ورد: (بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، ورزقت بره وبلغ رشده).
٦٨ - يستحب للمصلي سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً أن يؤمن على الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية ويجهر به الإمام والمأموم في الصلاة الجهرية على القول المختار.
٦٩ - يستحب ختم الدعاء في غير الصلاة بالتأمين باتفاق الفقهاء.
٧٠ - يستحب الدعاء طرفي النهار بما ورد عنه ﷺ والمحافظة على ذلك ومحل هذه الأدعية والأذكار قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أو بعده والأمر في ذلك واسع.
٧١ - يستحب الدعاء عند النوم والاستيقاظ وعند الفزع والخوف بما ورد عنه ﷺ .
٧٢ - يشرع تشميت العاطس إذا حمد الله بلفظ: يرحمك الله ويجيب العاطس، (يهديكم الله ويصلح بالكم) لما ورد فيه من الأحاديث، والتشميت فرض كفاية والرد واجب على العاطس.
٧٣ - لا يشرع التشميت في حق من لم يحمد الله عند العطاس، أو أتى بلفظ غير الحمد، ولا المزكوم إذا تكرر منه العاطس، ولا في حق من يكره التشميت، ولا في حق من عطس داخل الصلاة أو وهو يستمع الخطبة يوم الجمعة، أو عطس عند امرأة أجنبية، أما الكافر فيشتمه بلفظ: يهديكم الله ولا يدعى له بالرحمة والمغفرة، على القول المختار.
٧٤ - أن الدعاء إذا استجمع شروطه وآدابه مجاب كله، لكن الإجابة تتنوع كما جاءت بذلك النصوص.
٧٥ - أن للدعاء أوقاتاً وأزمنة وأماكن فاضلة يرجى فيها إجابة الدعاء ينبغي معرفتها ليتعرض لها.
٧٦ - أن للدعاء آثار عظيمة وفوائد جليلة ترجع على الداعي بالخير في الدنيا والآخرة فبه ترفع المحن وبه تستجلب النعم وبه يزيد الإيمان واليقين والعبودية لله رب العالمين.
стр. 1545
الدفع بالتقسيط عن طريق البطاقات الائتمانية دراسة فقهية مقارنة
المؤلف/ المشرف: عمر يوسف عبابنة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس – عمان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: تقسيط وآجل
النتائج والتوصيات:
أولاً: النتائج:
لقد أصبح من المسلم فيه وجود بطاقات الائتمان التي تقوم على مبدأ التسهيل على عملاء البنوك، وقد تضمنت بعض البطاقات الائتمانية صورة لتسديد ما يترتب على حامل البطاقة من أموال، ألا وهي الدفع بالتقسيط، حيث إن حامل البطاقة يستطيع أن يشتري السلعة ومن ثم يقوم بتسديد ثمنها للبنك (مصدر البطاقة) على شكل أقساط مريحة، وقد ساهمت هذه العملية في التخفيف من الأعباء الواقعة على كاهل حاملي هذه البطاقات.
وقد قدمت هذه الدراسة المحاور الرئيسة والأسس التي تقوم عليها بطاقات الائتمان بشكل عام، وبطاقات الدفع بالتقسيط الائتمانية بشكل خاص، حيث تم تسليط الضوء على كافة جوانب عمل هذه البطاقات سواء من الناحية الاقتصادية، أو الناحية الشرعية، وقد توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج يمكن إجمالها بما يأتي:
١ - يعتبر الدفع بالتقسيط أثراً من آثار البيع، كما يمكن أن ينشأ عن أي عقد عوضي، وهو عبارة عن تسديد مبلغ من المال لجهة معينة على حصص معلومة المقدار، وآجال محددة، يتفق عليها كل من الأطراف المتعاقدة.
٢ - إن الأصل في العقود التي تبنى على المعارضات المالية أن يكون الثمن فيها معجلاً، إلا إذا اتفق الطرفان على تأجيل الثمن، وتسديده على عدة أقساط.
٣ - يشترط للدفع بالتقسيط أن يكون الثمن محدداً، وكذلك الأجل، وأن يبين مقدار كل قسط، والفترة الزمنية بين تلك الأقساط، دون زيادة على الثمن عند تأخر المدير عن التسديد، وعدم الإنقاص منه في حال تسديد المدين قبل حلول الأجل.
٤ - من صور الدفع بالتقسيط المعاصرة، تلك الصورة التي تنتج عن استخدام البطاقات الائتمانية في الشراء، أو الحصول على الخدمات.
٥ - إن بطاقة الائتمان هي عبارة عن اتفاقية بين طرفين، والغالب أن يكون أحد الطرفين مؤسسة مالية، ويكون الطرف الآخر شخصاً يطلب الحصول على هذه البطاقة، بحيث يتم لهذا الشخص الحصول على السلع والخدمات من الأماكن التجارية التي تقبل التعامل بهذه البطاقة, ثم تلتزم تلك المؤسسة المصدرة للبطاقة بإعطاء هذا الشخص ضماناً، تلتزم فيه بدفع ما يترتب على حامل البطاقة من مبالغ مالية لتلك الجهات التجارية، ثم تعود بعد ذلك عليه بما دفعته.
٦ - تنقسم بطاقات الائتمان إلى قسمين: بطاقات الحسم الشهري ( Ghareg Card) وفيها يتم اقتطاع المبلغ المطلوب من حامل البطاقة مع نهاية كل شهر، وبطاقة الائتمان المتجدد ( Credit Card) لا يلتزم حاملها بتسديد الأموال التي ترتبت عليه عند نهاية كل شهر، وإنما يلتزم بدفع نسبة قليلة من هذه الأموال، ثم يتم تدوير ما تبقى من مبلغ إلى الشهر التالي، بحيث تترتب عليه فائدة يكون قد اتفق عليها مع البنك المصدر، وهذا القسم من البطاقات غير معمول به في المؤسسات والمصارف الإسلامية.
٧ - هناك عوائد للبطاقات الائتمانية مشتركة بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية تتمثل في رسوم إصدار البطاقة وتجديدها، ورسوم إصدار بطاقة بدل فاقد، ورسوم التجديد المبكر، وكذلك الحصول على نسبة مئوية من المنظمة العالمية الراعية للبطاقات.
٨ - يجوز أخذ الرسوم على إصدار البطاقات لأن المقصود منها تغطية الأعمال الإدارية والمراسلات، ولا مانع من اختلاف هذه الرسوم تبعاً لاختلاف الخدمات أو المزايا المقدمة لحامل البطاقة.
٩ - إن التكييف الفقهي للعلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها لا تخرج عن كونها عقد قرض، وبين المصدر للبطاقة والتاجر عقد وكالة بأجر، وبين التاجر أو مقدم الخدمة وحامل البطاقة عقد بيع أو إجارة.
стр. 1546
١٠ - إن النسبة التي يقتطعها مصدر البطاقة من التاجر الذي قبل التعامل بالبطاقة كُيفت عدة تكييفات فقهية وهي إما أجرة استحقها المصدر على تحصيل الدين من حامل البطاقة، أو أجرة سمسرة أو أجرة بدل خدمات أو أجرة مقابل الوكالة، أو من باب أخذ الأجرة على الحوالة، وأغلبها تصلح لتكييف هذه العَمَلية.
١١ - هناك عدة بطاقات للدفع بالتقسيط في المصارف الإسلامية مثل بطاقة الشامل التي تصدر عن مصرف الشامل في مملكة البحرين، وبطاقة تيسير الأهلي التي تصدر عن البنك الأهلي التجاري السعودي، وبطاقة الخير السعودي التي تصدر عن بنك السعودي الأمريكي.
١٢ - العقد الشرعي الذي تقوم عليه آلية عمل بطاقة الشامل هو القرض الحسن، وتقوم بطاقة تيسير الأهلي على بيع الفضولي، وتشترك مع بطاقة الخير السعودي في عملية التورق المصرفي المنظم، وهاتان الأخيرتان تحتويان على محاذير ومخالفات شرعية تجعلهما غير جائزة شرعاً، بخلاف بطاقة الشامل التي تقوم على فكرة القرض الحسن.
١٣ - يعتبر التورق الفردي جائزاً، أما التورق المنظم (المصرفي) فغير جائز، لما يرد عليه من تحايل على الشريعة ومآله في نهاية الأمر إلى الربا.
١٤ - يجوز بيع الفضولي بشرط أن يكون موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجازه نفذ، وإن رده بطل، لأن في ذلك إبقاء لإرادة المالك على سلعته.
١٥ - هناك آثار اقتصادية لبطاقات الائتمان تعود على جميع الأطراف المتعاملين فيها، فبالنسبة للمنظمة العالمية تنحصر منافعها في العمولات التي تحصلها من البنوك المصدرة للبطاقات، أما البنوك المصدرة فمنافعها تتمثل بالرسوم التي يقوم حامل البطاقة بدفعها، وحامل البطاقة يتمكن من شراء السلع والاستفادة من الخدمات أينما حل وارتحل، ويستفيد التاجر عن رواج سلعته وزيادة نسبة مبيعاته.
١٦ - يعتبر التعامل ببطاقة الائتمان وسيلة مأمونة للحفاظ على الأموال من الضياع أو السرقة.
١٧ - تمنح البطاقة حاملها قيمة أدبية واجتماعية، كما تعزز عنده النزعة الاستهلاكية، ولكنها قد تفقد أو تسرق أو تزيف، مما يعود بالخسارات المالية على حاملها والمنظمة العاملية الراعية لها.
ثانياً: التوصيات:
إسهاماً في تطوير عمل هذه البطاقات، ومحافظة على بقائها ضمن الضوابط الشرعية، يوصي الباحث بما يلي:
١ - تكثيف الجهود من قبل الباحثين في مجال الدراسات الاقتصادية الإسلامية في موضوع البطاقات الائتمانية، وما يستجد منها من أشكال.
٢ - عدم الخروج عن الأطر الشرعية بحجة الإتيان ببديل شرعي لأي من المعاملات الاقتصادية المعاصرة.
٣ - عدم التحايل على نصوص الشريعة في تكييف بعض المعاملات المالية المعاصرة.
٤ - ضرورة توعية جمهور عملاء المصارف الإسلامية بالضوابط الشرعية عند استخدام بطاقات الائتمان المختلفة، عن طريق إصدار نشرات تعريفية توضح آلية عمل هذه البطاقات، والمحاذير المترتبة على مخالفة استخدام هذه البطاقات.
٥ - تعميم فكرة البطاقات الائتمانية التي تمكن حاملها من دفع التزاماته على أقساط شهرية، كبديل عن البطاقات الربوية.
٦ - دراسة النموذج المقترح لبطاقة التقسيط الائتمانية، وتبنى بعض المؤسسات المصرفية الإسلامية لهذا النموذج، ومحاولة الارتقاء به ليكون خالياً من أي مخالفة شرعية.
стр. 1547
الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها والتأمين التعاوني عليها
المؤلف/ المشرف: عبدالحميد محمود البعلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الراوي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: تأمين
خلائص البحث وتوصياته
نحن بحاجة ماسة إلى المؤسسة الفكرية والتنظير الواسع للعمل المصرفي والاستثماري الإسلامي، وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث:
خصصت الأول: للدين وأسبابه ومصادره.
وعقدت في الثاني: مناظرة بين التأمين التجاري والتعاوني أبرزتها في أربعة عناصر.
وجعلت الثالث: للديون المتعثرة والمشكوك فيها كظاهرة عامة ومشكلة خطيرة في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية أبرزتها في أربعة عناصر أيضاً، مصنفاً الديون المتعثرة بحسب أسبابها، ثم أردفت ذلك ببعض الوسائل العلاجية للتعثر المالي والديون المشكوك فيها وأبرزت أنه من الصعوبة بمكان التعميم بشأن وسائل علاج المشكلة.
أما المبحث الرابع: فتناولت فيه التأمين التعاوني وخطر الديون المتعثرة في تسعة عناصر.
وذلك كله على النحو التالي:
الدين عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ما ثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته فتدخل فيه كل الديون المالية وتخرج عنه سائر الديون غير المالية.
وأسباب ثبوت الدين في الذمة كثيرة منها:
- الالتزام بالمال سواء أكان في عقد أو التزام بإرادة منفردة.
- العمل غير المشروع المقتضي لثبوت دين على الفاعل.
- هلاك المال في يد الحائز إذا كانت يد ضمان.
- تحقق ما جعله الشارع مناظاّ لثبوت حق مالي كحولان الحول على النصاب في الزكاة.
- إيجاب الإمام لبعض التكاليف المالية على القادرين عليها بشروطها الفقهية.
- أداء واجب مالي يلزم الغير عنه بناء على طلبه.
- الفعل المشروع حال الضرورة فالاضطرار لا يبطل حق الغير خلافاً لبعض المالكية.
- العمل النافع للغير بغير إذنه.
وفي المبحث الثاني عقدت مناظرة بين التأمين التجاري والتعاوني قامت على أربعة محاور هي:
المحور الأول: ضرورة التفريق بين التأمين كفكرة والتأمين كعقد قانوني من العقود المسماة، فالتأمين كفكرة يمر على مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تعكس نفسها في عدد من التعاريف التي قيلت في التأمين وتنهض هذه المفاهيم المتعددة في نفس الوقت كمبررات لنظام التأمين أمام الانتقادات الموجهة إليه كعقد وليس كفكرة أو نظام. فالاقتصاديون والاكتورايون يركزون في تعريفاتهم للتأمين على الدخل والثروة وتأثير الأخطار والحوادث عليها. وكذلك الاكتواريون يهتمون بأساليب القياس فيما يتعلق باحتمال وقوع الحادث وتوقع الخسارة والمتخصصون والممارسون يركزون على تعريفاتهم على الصفة الاجتماعية. وفي القانون وعند القانونيين يتم التركيز على التأمين كعقد بين المؤمن والمؤمن له. وهو ما يقتصر عليه القانون، مما جعل القانونيين أنفسهم يتخذون من ذلك أساساً للقول بأن التأمين ينقلب من تأمين إلى رهان غير مشروع لأن الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر.
стр. 1548
وأضيف هنا أنه لعل هذا المسلك القانوني في التركيز على العلاقة بين المؤمن والمؤمن له منفرداً في عقد معاوضة من الأسباب الرئيسة في تسميته بالتأمين التجاري إذ يكون الربح هو الهدف الوحيد والأول والأخير من عمليات التأمين. ولهذا تنص قوانين التجارة على أن التأمين بأنواعه من الأعمال التجارية فضلاً عما تجيزه قوانين التجارة من اقتضاء الفائدة ابتداء وانتهاء، ابتداء عند الاتفاق وانتهاء عند التأخير في الوفاء. ويظل هذا التفاوت في النظر إلى التأمين كفكرة تقوم على مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية وكعقد ينظم علاقة بين طرفين هو المسؤول إلى حد كبير عن اختلاف الآراء والاتجاهات الفقهية في التأمين مما جعلنا نعرض لمعتصر من الآراء والاتجاهات الفقهية في التأمين التجاري بأدلتها مع مناقشة هذه الأدلة والمتتبع لهذه الأدلة يجد أن جانباً جوهرياً منها اعتمد في المحاججة على التأمين كفكرة مثلما قيل بأن عقد التأمين ليس من عقود المعاوضة المالية التجارية وإنما هي عقود تعاونية.
ومما هو مقرر بل محل اتفاق أن عقود التأمين التي تبرمها شركات التأمين عقود معاوضات مالية كما يثبته قصد المتعاقدين في نصوص العقد.
ومثلما قيل بأن الربا ليس في التأمين كنظام قانوني وإنما فيما تقوم به شركات التأمين من أعمال وعقود أخرى غير مشروعة.
ومما هو مقرر لدى المتخصصين والممارسين أن الفائدة الربوية متضمنة دائماً في جوهر عقد التأمين لا يخلو منها وهي جزء من طبيعة العقد وحقيقته القانونية إذ إن سعر الفائدة أحد أربعة عناصر أساسية يتحدد على أساسها القسط الصافي وهي: الخطر، ومبلغ التأمين، ومدة التأمين، وسعر الفائدة. فالمادة ٧٧٣ مدني كويتي تنص على أن: "التأمين عقد يلتزم المؤمن" بمقتضاه بأن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغاً من المال في نظير مقابل نقدي يؤديه المؤمن له للمؤمن". ومثلما قيل إن التأمين التجاري يحقق المصلحة وهي من مقاصد الشريعة فيكون جائزاً شرعاً ولكنها مصلحة لم تشهد لها الشريعة بالاعتبار فكانت ملغاة، ولذلك كان طبيعياً أن تصدر قرارات المجامع الفقهية الإسلامية بعدم جواز التأمين التجاري وحرمته وبجواز التأمين التعاوني وأنه البديل الشرعي الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي وأنه مرغوب فيه لأنه:
أولاً: من قبيل التعاون على البر القائم على التبرع لا المعاوضة المالية بين قسط التأمين ومبلغ التأمين:
فالتأمين التعاوني يحقق مصالح من طبيعة واحدة وليست مصالح متقابلة أو متعارضة كما هو الشأن في المعاوضات التي تبني على المشاحة والمكايسة، وما لنا ألا نؤمن بالأساس الذي يقوم عليه التأمين التعاوني وقد اتفق الفقهاء على أن نظرية التبرع لا يحكمها حكم تكليفي واحد وإنما التبرع تعتريه الأحكام الخمسة (الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/ ٦٦) والمالكية يرون أن كل التزام فردي بهبة أو صدقة أو جنس أو جائزة على وجه البر وما أشبه ذلك من وجوه المعروف لازم لصاحبه لا يقبل منه الرجوع عنه بل نقل ابن رشد الاتفاق على لزوم الهبة بالقول وإن كان الملتزم له غير معين (دل على ذلك ما جاء في تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب ج١، البهجة شرح التحفة ج٢، والخرشي ج٥، والزرقاني على خليل ج٥، وحاشية الدسوقي ج٤) ويترتب على هذا الأساس المكين في التأمين التعاوني أمران جوهريان هما:
أ- انعدام الربا بنوعيه فيه.
ب- تملك هيئة المشتركين في مجموعهم لأقساط التأمين المتبرع بها ومن ثم:
стр. 1549
ج- اندماج شخصية المؤمن والمؤمن له، فكل عضو من أعضاء هيئة المشتركين يجمع بين صفتي المؤمن والمؤمن له في آن واحد فهم يمثلون المؤمن باعتبارهم مالكي أموال التأمين وهم في نفس الوقت مؤمن لهم باعتبارهم حملة وثائق التأمين. ألم نقل أن التأمين التعاوني يجمع بين مصالح أطراف من طبيعة واحدة على خلاف التأمين التجاري.
د- ما يسمى بشرط التخصيص الذي يعطي شركة التأمين الحق في مالية حاملي الوثائق بمقدار نصيبهم في الزائد من الخسارة على الأقساط المدفوعة إذا لم تكف.
ثانياً: الربح في التأمين التعاوني تبع لا قصد، ومما هو مسلم به في الفقه أنه:
"يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها" فيغتفر في الشيء إذا كان تابعاً ما لا يغتفر إذا كان مقصوداً وعبر عنها ابن نجيم بقوله: يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر قصداً وعليها نصت مجلة الأحكام العدلية في المادة ٥٤ وكذلك المادة ٥٥ التي نصت على قاعدة "يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء" والمادة ٢٥٦ التي نصت على قاعدة "البقاء أسهل من الابتداء" فالذي لا يجوز ابتداء قد يجوز بقاء وذلك على خلاف التأمين التجاري.
وفي المبحث الثالث تناولت ظاهرة الديون المتعثرة والمشكوك فيها وبيان مظاهرها وأعراضها التي إن بدت تدل عليها وتصنيف أسبابها وكيف أن هذه الظاهرة أصبحت تمثل خطراً على المؤسسات والشركات بل والدول أيضاً ومن هنا كانت هذه الظاهرة مثار البحث والاهتمام.
وبالنسبة للمصارف والمؤسسات المالية فإن مشكلة الديون المتعثرة والمشكوك فيها تؤثر تأثيراً مباشراً على الأداء الحقيقي، أعني "الأداء المصرفي الفعال" فقوة الأداء المصرفي تقاس من جانبي الوجود والعدم أو من جانبيه السلبي والإيجابي.
فالجانب السلبي تعبر عنه إحجام المعجوز عنه من الموارد والإمكانات المادية التي كان يمكن أن تؤثر في ربحية البنك.
أما الجانب الإيجابي لقوة الأداء المصرفي فيتمثل في حجم استغلاله للفرص الاقتصادية السانحة ومن ثم حجم استثماراته ومشروعاته الإنتاجية.
فالمال ليس قوة في ذاته بقدر ما هو قوة بحفظه والمحافظة عليه من جانبي الوجود والعدم وبذلك تتحقق "الثقة" المنشودة في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ومن هنا الأهمية البالغة لمشكلة الديون المتعثرة وضرورة معالجتها بأساليب وطرق علمية ناجعة. هذا ولقد تعددت مصطلحاتها وتسمياتها وكلها تعبر عن ظاهرة واحدة أكثر مصطلحاتها وتسمياتها ذيوعاً هو "الديون المتعثرة" عبر عنها بعض فقهاء الشريعة بقولهم.
"بتعذر حصول الدين" (مغني المحتاج للشربيني ج٢) وقولهم "العيب في الدين" (نظرية العقد لابن تيمية).
стр. 1550
(من تسمياتها: الديون الحرجة – الديون الصعبة – الديون غير العاملة) وكلها تعبر عن ظاهرة واحدة ولكن بدرجات متفاوتة ويمكن أن يؤدي تحليل المركز المالي والنقدي للمدين إلى القول بوجود حالات يمكن معالجتها وهي حالات الإعسار أو العسر المالي وحالات ميؤوس من علاجها تقتضي اتخاذ الدائن الإجراءات اللازمة للمحافظة على حقوقه وإلى أن تنتهي تلك الإجراءات يعتبر الدين مشكوكاً فيه أي في تحصيله وتصبح الديون المعدومة هي التي أصبح من المستحيل استرجاعها. والمؤسسات المالية ككائن حي تتأثر تأثراً مباشراً بظروف المتعاملين معها وبظروف البيئة المحيطة بها ويجب أن تأخذ بكل أسباب الحيطة والحذر تجاه كل ذلك. ومن هنا كانت مشكلة الديون المتعثرة ذات شقين فتعثر المتعاملين مع المصارف سبب وعلة في تعثر هذه المؤسسات المالية والمصرفية ولا شك أن طبيعة عمل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية وأساليب وأشكال صيغ التمويل فيها يضفي على المشكلة بعداً آخر جديراً بالبحث والتحليل إذ المصرفية الفقهية الشرعية (الإسلامية) لا تقوم على الإقراض والاقتراض بل تقوم في الأساس على الملكية والتملك مما يخرج بحثه من إطار هذه الدراسة.
هذا ومظاهر التعثر المبكرة تختلف بالنسبة للمشروعات الفردية عنها بالنسبة للمؤسسات مما أوردنا جانباً مهما منه في هذا البحث وضرورة العناية بدراسة وتحليل هذه المظاهر أولاً بأول كي يمكن تحديد "مؤشرات الخطر" واتخاذ الإجراءات الشرعية المناسبة في الوقت المناسب لإصلاح مسار العمل ومعالجة أوجه القصور في "الأداء التشغيلي" ومن ثم حماية أموال البنك ومصالحه.
وعلى ضوء ذلك نقول "بوجوب" تصنيف الديون المتعثرة بحسب أسبابها، فمما لا شك فيه أن ذلك يساعد كثيراً في عدالة الحكم وكيفية المعالجة الصحيحة والرشيدة للمشكلة ومن ثم التمكن من إنزال الحكم الشرعي الصحيح على المسألة.
فليس من تعثر بسبب ضائقة مالية أو عسر بسبب عارض من ضيق ذات اليد كمن أعثر بسبب اللد والمماطل وسوء القصد أو كمن تعثر بسبب جائحة من الجوائح أو بسبب القوة القاهرة أو الظروف المحيطة والعامة وهكذا إلى غير ذلك.
وفي هذا السياق صنفنا أسباب التعثر إلى أربعة مجموعات هي:
١ - مجموعة الأسباب التي ترجع إلى البنك نفسه وعلى رأسها الخلل في "الهيكل المالي" وعدم التناسب في "المزيج التمويلي" و"الانبعاج" فيه:
كأن تمثل صيغة تمويلية معينة أغلب النشاط المالي والاستثماري على حساب سلة المزيج التمويلي المناسبة مما يزيد من نسبة احتمالات الخطر والمخاطرة وما يتطلبه تدارك ذلك من: نظام محكم للضمانات وحسابات دقيقة للمخاطرة ودراية تامة بأحوال السوق وأحوال المتعاملين فيه.
٢ - مجموعة الأسباب التي ترجع إلى المدينين:
يتعين على البنك ابتداء أن يتوقى أسباب التعثر التي ترجع إلى المدينين ببناء منظومة متكاملة من الدراسات الدقيقة للمتعاملين ومشروعاتهم وبخاصة ما يرجع إلى سلامة الإدارة المالية للمشروع وإدارة الإنتاج فيه. ومن أهم الأسباب التي ترجع إلى المدينين أوردنا أربعة أسباب منها هي:
أ- الإعسار:
بما يعنيه من عدم القدرة في الحال على أداء ما ترتب في الذمة من حقوق مالية، وآية الإعسار قال فريق من الفقهاء أنها عامة في كل من كان له قبل رجل معسر حق من أي وجه كان ذلك الحق، وأن المعسر الأخذ منه حلال والصدقة عليه أفضل والنظرة واجبة فالعاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وخير الله الصدقة على النظرة.
ب- الإفلاس:
المفلس من كان دينه أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله.
ج- المماطلة أو المطل:
وهو تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر أو مع التمكن منه وهو ظلم موجب للعقوبة.
د- جحود الدين وإنكاره:
стр. 1551
فإذا جحد المدين الدين فقد تعذر حصول الدائن على دينه وكان المدين آثماً.
٣ - مجموعة الأسباب التي ترجع إلى الظروف الطارئة والقوة القاهرة والجوائح:
- الجائحة عرفها خليل بقوله: هي ما لا يستطاع دفعه.
- والظروف الطارئة هي التي تؤدي إلى اختلاف التوازن الاقتصادي للعقد ولا تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً (كما هي القوة القاهرة) وفي نفس الوقت تجعل تنفيذ الالتزام يعود بخسارة على المدين تخرج عن الحد المألوف فلا ينقضي التزام المدين ولا يبقى كما هو لأنه مرهق فيرده القاضي إلى الحد المعقول. ونظرية الظروف الطارئة تناولها الفقهاء عندما تحدثوا عن الفسخ بالأعذار وعن الجوائح في بيع الثمار وعند تعديل العقد في حالة تقلب النقود ووضعوا ضابطاً للعذر الطارئ الذي يجيز فسخ عقد الإجارة مفاده أن:
عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يلتزمه بموجب العقد وذكروا من جوائح القرض كساد النقود ورخصها وغلاؤها وانقطاعها (البحث القيم تغير قيمة العملة في الفقه الإسلامي).
٤ - مجموعة الأسباب الاقتصادية العامة:
وتتعلق هذه الأسباب بالعوامل السياسية والاقتصادية والتشريعية التي تؤثر على النشاط الائتماني بالمصارف وتزيد من ظروف "عدم التأكد" ومن ثم درجة المخاطر وقد ترجع هذه الأسباب إلى ظروف محلية إقليمية أو إلى ظروف عالمية دولية.
ومن هذه الأسباب المحلية أو الإقليمية:
- سياسة التسعير بغير ضوابط شرعية وما قد تؤدي إليه من عدم المقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
- سياسة الإغراق.
- السياسة الضريبية المرهقة بغير ضوابط شرعية.
- سياسة أسعار الصرف والسياسة الائتمانية والنقدية عموماً وعدم قدرتها على تحقيقها الاستقرار المنشود مما يؤثر سلباً على قدرة الأفراد والمشروعات على سداد ديونها وبخاصة إذا كانت بالعملات الأجنبية.
ومن الأسباب الدولية والعالمية التي تؤدي إلى التعثر ما يلي:
- سياسة الحروب الاقتصادية والحصار الاقتصادي الدولي.
- سياسة التكتلات الاقتصادية الدولية.
- ظاهرة الركود التضخمي وما تحمله من اتجاهات متناقضة في السوق.
- أزمة الديون الدولية والتوقف عن الدفع في الديون الدولية يؤدي إلى مواجهة البلد المتوقف عن الدفع لاحتمالات تزايد إجراءات الحماية التجارية ضده وما يترتب على ذلك من انخفاض جوهري في حجم تجارته الخارجية وما يصاحب ذلك من زيادة أسباب التعثر المالي.
- مجموع هذه الأسباب يشكل أخطاراً يجب العمل على تلافيها أو التقليل منها إلى أدنى حد ممكن في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وذلك يتوقف على:
١ - مدى الكفاءة في اختيار المزيج التمويلي الأمثل.
٢ - نظام التوجيه المالي السليم والمتابعة والرقابة المالية مما يساعد على الاكتشاف المبكر للتعثر المالي.
стр. 1552
٣ - مدى تجنب المخالفات الشرعية بالترك أيضاً وليس بالفعل أو الإتيان فقط كعدم أخذ الضمانات العينية الكافية وعدم وجود نظام استعلام جيد عن المتعاملين، أما اللجوء إلى "الشرط الجزائي" و"اشتراط التعويض عن الضرر" بسبب تأخر المدين عند من يجيزه واشتراط "حلول باقي الأقساط" فقد لا تفيد إذا توقف المدين عن الدفع بالكلية وعدم وجود مال له إذ لا توفر هذه الاشتراطات مصدراً إضافياً للمال يمكن أن يستوفى منه الدين المتعثر فيه. كل ذلك كان مدعاة للتطرق لوسائل علاج مشكلة الديون المتعثرة، وبداءة نقول: إنه من الصعوبة بمكان التعميم بشأن وسائل العلاج فإذا ثبت لنا أن مشكلة الديون المتعثرة متشابكة الأسباب متداخلة النتائج فإنه يكون من الخلط التعميم بشأن وسائل العلاج، فقد يكون من الأسباب ما لا شأن للمدين به على نحو ما سبق وقد يشترك البنك مع المدين في حدوث المشكلة وقد تتواطأ عدة أسباب في إحداثها ولا شك أن تحديد الأسباب المؤثرة في حدوث المشكلة يترتب عليه إمكانية تحديد الالتزامات المترتبة على كل حالة بعينها.
وعلى ضوء "تحليل المركز المالي" والنقدي للمدين يمكن تقسيم الديون المتعثرة إلى حالات يمكن معالجتها وحالات ميؤوس منها، والحالات التي يمكن معالجتها تمثل حالات العسر المالي المؤقت الذي يقوم فيها البنك بمد يد المساعدة للمدين مثل تأجيل سداد الديون الحالية أو تقديم مساعدة مالية وهذا كله عبرت عنه الآية الكريمة: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فالعسر هو ما يسفر عنه "تحليل المركز المالي" والنقدي للمدين وأنه يستوجب النظرة، وخيرية الصدقة على النظرة درءاً للآثار السيئة والضارة بكل من الدائن والمدين إذ قد يثير التشدد في اتخاذ الإجراءات إلى إثارة الرعب في نفوس المتعاملين مع البنك واختلاف ثقتهم فيه ومن ثم انحدار سمعته فضلاً عن أن البنك قد لا يحصل على كامل حقه إذ لم تكف أموال التصفية للمدين بل إنه يجوز للبنك أن يقدم قرضاً للمدين لما قاله ابن قدامة في المغني (٤/ ٢١٣): "ولو أفلس غريمه فأقرضه ألفاً ليوفيه كل شهر شيئاً معلوماً جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له" وقال الحطاب (تحرير الكلام في مسائل الالتزام): "إذا قال له إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضيهم فقال نعم يلزمه ذلك ويحكم به عليه وهو جار على القول بلزوم إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء".
المعالجة المحاسبية السائدة في هذا المقام تقوم على طريقتين هما:
• طريقة تكوين مخصص للديون المقدر عدم تحصيلها مستقبلاً على أن تعتبر تلك الخسائر المتوقعة كمصروفات في الفترة التي يتم فيها البيع (باعتبار أن السياسة المتبعة هي البيع على الحساب) بما يترتب عليه قياس صافي الربح أو الخسارة بطريقة تعكس التوقعات عن الخسائر المحتملة.
• طريقة الخصم المباشر من حساب العملاء.
ومن الوسائل العلاجية والمقررة فقها:
• في حالة المماطلة: قضاء الحاكم دين المدين من ماله جبراً.
• في حالة البيع: تمكين الدائن من فسخ العقد واسترداد المبيع أو المشاركة في ملكية السلعة المبيعة على المدين بما يعادل الجزء المتبقي من ثمن السلعة ويكون البائع حينئذ شريكا للمشتري بحصته.
стр. 1553
• تحليل المركز المالي للمدين: إذا ثبت إعساره "ينطر" ولا يحبس على رأي من قال من وجب عليه حق فذكر أنه معسر به حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته (ابن قدامة وغيره في المغني مسألة ٣٤٦٤ ج٤) بل ذهب رأي إلى القول: ولو أفلس غريمه فأقرضه ألفا ليوفيه كل شهر شيئاً معلوماً جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له، والتأمين التعاوني من أهم الأدوات ووسائل العلاج لمشكلة الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها بما يقوم عليه من أسس شرعية أقرتها المجامع الفقهية وذلك انطلاقا من الخطر الذي قد يصبح ضرراً مادياً واقعاً.
• والخطر باعتباره جوهر عملية التأمين تعددت تعريفاته لدى كتاب التأمين والاقتصاديين والرياضيين والإحصائيين بل ولدى علماء النفس والاجتماع أيضاً. والخطر مؤثر في إسقاط العبادات أو تخفيفها ويتعلق به الرخص الشرعية.
• وفي نطاق التأمين فالخطر: عبارة عن الخسارة المتوقعة المصاحبة لحالة عدم التأكد من الأحداث المستقبلية ويقصد به الضرر الناشئ عن الحادثة أو الكارثة. ويعرفه القانونية بأنه "حادثة احتمالية لا يتوقف تحققها على محض إرادة أحد الطرفين خاصة إرادة المؤمن له وعلى ذلك فلكي تعتبر حادثة ما خطراً يجب أن تكون احتمالية من حيث وقوعها أو عدم وقوعها وبالتالي يجب أن يكون مستقبلياً وممكناً وليس مستحيلاً وقوعه وألا يكون وقوعه معلقاً على محض إرادة أحد المتعاقدين لأنه في هذه الحالة سيكون مؤكداً وليس محتملاً.
وإذا كان ذلك معنى الخطر فإنه يشترك مع الضرر بمعنى ما لا يدري أيحصل أم لا يحصل وهو رأي الكاساني وابن عابدين وابن تيمية والقاعدة العامة في الفقه الإسلامي أن الغرر يؤثر في سائر عقود "المعاوضات المالية" قياساً على عقد البيع حيث ورد النص بتأثير الغرر فيه والغرر المؤثر الذي يكون معه العقد غير صحيح هو الغرر الكثير في عقود المعاوضات المالية والكثير ما كان غالباً في العقد حتى صار العقد يوصف به وأن يكون الغرر في المعقود عليه أصالة أما عقود التبرعات فلا أثر للغرر فيها كقاعدة عامة عند المالكية وابن تيمية.
والتوقف عن دفع الديون والتعثر فيها كارثة أو حادثة متوقعة تهدد بخسارة مالية ومن ثم يصح أن تدخل في نطاق التأمين التعاوني وتصبح وثيقة التأمين التعاوني عقد تبرع مقصود بها أصلاً التعاون على تفتيت الخطر والمشاركة في تحمل الضرر.
و"نظرية التبرع" التي يقوم عليها التأمين التعاوني تقضي: أن تصرف الإنسان في خالص حقه دون مساس بحق أحد لا يتوقف على إرادة غيره، أي أن التصرف يتم بالإرادة المنفردة من ناحية نشأته، ولكن ظهور أثره يتوقف على قبول المتبرع له وذلك أمر آخر غير وجوده ونشأته وهذا ما عناه بعض الفقهاء "بالتبرع الذي يفيد تمليكاً" كالهبة والاعتداد بالإرادة المنفردة واعتبارها مصدراً للالتزام مبدأ قام عليه الفقه الإسلامي وتوسع فيه المالكية، ولا أدل على مخاطر الديون وبخاصة المتعثرة والمشكوك في تحصيلها من قيام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار التي انضمت جميع الدول العربية إلى اتفاقية إنشائها واكتتبت في رأس مالها وتقوم المؤسسة بتوفير الضمان ضد المخاطر التجارية والمخاطر غير التجارية الموضحة في نظامها وتشتمل المخاطر التجارية على:
- إفلاس المشتري (المستورد) أو إعساره أو تصفيته.
- امتناع المشتري عن سداد ما استحق عليه للمصدر أو للمصرف المقرض.
ومن أنواع عقود الضمان التي تمارسها المؤسسة "عقد ضمان قرض" ويغطي هذا العقد الأخطار غير التجارية التي قد يتعرض لها القرض ووفقاً لشروط، وتمارس المؤسسة نشاطها وفق قواعد التأمين التجاري التقليدية.
стр. 1554
أضف إلى ذلك أن "الديون" كانت محلاً للتأمين في دولة الكويت حتى الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت.
ومما يتصل بالتأمين التعاوني على الديون المتعثرة "إمكانية قياس الخطر المتوقع" فعلى ضوء ذلك تتحدد النتائج ولا شك أن قياس الخطر يتطلب معرفة بالأساليب الرياضية والإحصائية والتي شهدت في الآونة الأخيرة تطورات جعلت من "نظرية الاحتمالات" نظرية مستقلة تدرس ضمن فروع علم الإحصاء ومن هنا أصبحت عملية قياس الخطر تنصب على احتمال تحقق الخسارة في إطار توافر قانون الأعداد الكبيرة واتساع سوق التأمين. ولا شك أن هذه الحسابات تعكس أثرها على مكونات العملية التأمينية الأساسية من أقساط وتعويضات مما يعكس أثره على "الملاءة المالية" لشركات التأمين التعاوني، والملاءة المالية لشركة التأمين تعني توافر القدرة المالية للشركة على الوفاء بالتزاماتها قبل حملة الوثائق وإلا تعرضت الشركة نفسها لخطر "العسر المالي" الذي قد يؤثر على استمرارية النشاط التأميني ونجاحه. وكل ذلك يتطلب وعيا فقهياً بفنيات التأمين وإنشاء تخصص فقهي جديد يسمى "فقه التأمين" بعد كل ذلك نستطيع القول باطمئنان إن الحاجة إلى التأمين التجاري التقليدي لم تعد حاجة متعينة وسقطت بذلك آخر حجة كان يمكن أن يلوذ بها المدافعون عن التأمين التجاري بعد أن أصبح التأمين التعاوني نظاماً معمولاً به في كثير من بلدان العالم وإن كان الطريق أمامه ما زال طويلاً حتى يحقق الانتصار في حلبة المنافسة الشديدة والشرسة.
(وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ويأبى الله إلا أن يتم نوره)
стр. 1555
الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: عمر بن عبدالعزيز المترك
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار العاصمة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: ربا وبنوك ربوية
نتيجة وخلاصة البحث
استعرضت في المقدمة تاريخ الربا عند اليهود والنصارى والربا في نظر الفلاسفة، والربا في الجاهلية، ثم الربا في القرون الأخيرة، وتوصلت إلى النتائج التي أوضحتها ومنها:
١ - إن الإسلام لم يكن الدين الوحيد الذي حرم الربا، بل كان محرماً في الديانتين السابقتين على الإسلام. فهو محرم في التوراة، والإنجيل، والقرآن، ومنه يتضح أن موقف الإسلام من تحريم الربا: موقف التقرير والتأكيد.
٢ - إن اليهود حرفوا الكلم عن مواضعه فجعلوا التحريم خاصاً بالإسرائيليين وحدهم وأباحوه مع غير الإسرائيليين وبذلك اندفعوا في أكل الربا مع غيرهم فأشاعوا الربا في العالم قديماً وحديثاً، ولقد عاقبهم الله وسجل ذلك عليهم في القرآن واعتبرهم أكلة ربا ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾.
٣ - إن النصارى حرموا الربا تحريماً قاطعاً لا فيما بينهم فقط بل بالنسبة لهم ولغيرهم وأجمعت على ذلك كنائسهم وشددوا في تحريم الربا حتى حرموا كثيراً من البيوع الجائزة في الشريعة الإسلامية كبيع السلم والبيع بالنسيئة وكل تجارة يمكن أن تستر من ورائها قرضاً بفائدة.
٤ - إن من الربا الذي لا شك فيه في الديانتين السابقتين: اليهودية والنصرانية القرض بفائدة.
٥ - إن نظرة الفلاسفة تتفق مع الأديان السماوية في تحريم الربا وأنه كسب غير طبيعي وآفة اجتماعية وخلقية واقتصادية.
٦ - إن النصارى استمروا على تحريم الربا حتى القرون الأخيرة حيث طال عليهم الأمد فنسوا حظاً مما ذكروا به فبدؤا يتحللون منه شيئاً فشيئاً فأباحوا الفائدة على القرض.
٧ - إن كثيراً من الاقتصاديين والمفكرين ظهرت لهم آثار الربا السيئة وبدؤا يحذرون من مغبته وينادون بحرمته.
٨ - إنه نتج من إباحة الربا كثير من النظريات الهدامة كالشيوعية الملحدة والاشتراكية المتطرفة.
ثم انتقلت إلى الباب الأول وتحته أربعة فصول:
تحدثت في الفصل الأول عن معنى الربا لغة واصطلاحاً وذكرت بعض أقوال العلماء في تعريفه وبينت ما قد يرد عليها من اعتراضات.
ثم بينت العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي.
وبعد ذلك انتقلت إلى بيان الفرق بين البيع والربا وأوضحت ما بينهما من فروق أساسية، وأن قول الكفار ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ مغالطة منهم ظاهرة ومكابرة واضحة وأن هذا القياس كقياس إبليس لما أمره الله بالسجود لآدم ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾.
ثم انتقلت إلى الفصل الثاني وفيه تحدثت عن ربا الفضل وآراء العلماء فيه ومخالفة ابن عباس في تحريمه وقد استعرضت أدلة كل من الطرفين وما أورد عليها من مناقشات وخلصت إلى ترجيح قول الجمهور للأسباب التي أوضحتها والتي منها:
١ - إن الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل صريحة لا تحتمل التأويل. بخلاف الأدلة الدالة على جوازه فإن دلالتها بالمفهوم والمفهوم يتطرق إليه الاحتمال والمتحمل إذا عارضه النص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
٢ - كثرة الطرق التي روت تحريم ربا الفضل حيث وردت في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة والمسانيد. ورويت عن عدد كبير من الصحابة وتلقته الأمة بالقبول حتى حكي بعضهم الإجماع على ذلك.
стр. 1556
٣ - ثبوت رجوع بعض القائلين بإباحة ربا الفضل كابن عمر – ﵄. وهذا يدل فيما يدل عليه على عدم بلوغهم أحاديث النهي عن التفاضل. فلما بلغتهم رجعوا إلى القول بتحريمه.
٤ - رجحان القول برجوع ابن عباس – ﵄ – للأدلة التي أوضحناها وبينا رجحانها على الأدلة المستدل بها على عدم رجوعه للأمور التي ذكرناها هناك.
ثم بينا رجحان قول الجمهور بأن الربا ليس مقصوراً على الأصناف الستة التي ورد النص بها كما ذهب إليه نفاة القياس وبعض من العلماء لأن تشريعاً جاء في معاملات الناس لابد وأن يكون فيه معنى ومغزى فمتى وجد هذا المعنى وهذا المغزى فالحكم يشمله لأن من قواعد الشريعة وأصولها العامة التسوية بين المتماثلين وإعطاء الشيء حكم نظيره والشارع لم يحصر الأموال التي يجري فيها الربا في الأصناف الستة التي ورد بها الحديث وأن القول بقصر الربا على الأصناف الستة نظرة ظاهرية وجمود على حرفية النص من غير نظر إلى روح الشريعة وحكمها.
ثم تحدثت عن الحكمة في تحريم ربا الفضل وأوضحت أن الله عليم حكيم لا يشرع شيئاً إلا لحكمة سواء علمها البشر أم لم يعلموها وأنه ليس من شرط الانقياد والامتثال معرفة الحكمة فقد تظهر لبعض وتخفى على آخرين، وما لا تظهر حكمته اليوم قد تظهر غداً، وأن واجب العباد هو: الامتثال والتسليم بأمر خالقهم ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
وبعد ذلك تكلمت عن آراء العلماء في علة الربا في الأصناف الستة وبينت أن العلماء اتفقوا على أن في الحديث جملتين كل واحدة تنفرد بعلتها الذهب والفضة جملة والأصناف الأربعة الباقية، وهي: البر، والشعير، والتمر، والملح جملة.
فذكرت أولاً خلاف العلماء في علة الربا في النقدين وما استدل به لكل قول ورجحت القول القائل بأن العلة فيهما هي الثمنية وأن كل ما اتخذ الناس سكة بينهم فإنه يجري فيه الربا كما يجري في النقدين.
ثم استعرضت الآراء في علة الأصناف الأربعة ورجحت القول القائل بأن العلة فيها هي الطعم مع الكيل أو الوزن لأن في هذا القول جمعا بين الآثار التي فيها الإشارة إلى التعليل بالكيل أو الوزن والأحاديث التي فيها ذكر الطعام كما أن في هذا التعليل معنى مقبولاً.
وبعد ذلك انتقلت إلى الفصل الثالث وهو ربا النساء وذكرت آراء العلماء في تحديده وبينت أسباب التفاوت الكبير في تحديده وأن منشأ ذلك اختلافهم في علة ربا الفضل.
ثم تناولت بالبحث حكم بيع الجنس بجنسه نساء وبينت أن الجنس إذا كان من الأموال الربوية فلا يجوز بيعه بجنسه نساء إجماعاً وأما إذا كان الجنسان ليسا من الأموال الربوية فقد أوضحت خلاف العلماء في ذلك ومنشأ الاختلاف ودليل كل، ورجحت القول بعدم جوازه للأدلة التي اقتضت ذلك والتي سبق بيانها في موضوعه.
ثم بعد ذلك تناولت بالبحث حقيقة الربا الجاهلي وبينت أن العلماء اختلفوا فيه فمنهم من جعله خاصاً بالزيادة على الدين المستحق مقابل تأجيله ولا يشمل ما إذا كانت الزيادة في العقد الأول وهو القرض بفائدة ومنهم من ذهب إلى أن ربا الجاهلية له صورتان رئيسيتان.
стр. 1557
الصورة الأولى هي التي تقدم ذكرها، والصورة الثانية: القرض بفائدة وانتهى البحث في هذا المقام بترجيح القول القائل بأن له صورتين هما: الربا في القروض، والربا في الديون؛ للأدلة التي أوضحناها. ثم أوضحت الحكمة في تحريم الربا وبينت أن له مضاراً خلقية واقتصادية واجتماعية أفردت كلا منها ببيان خاص.
ثم بعد ذلك بينت الفرق بين الربا والقرض وأوضحت أن الفرق بينهما ناتج من طبيعة كل من العقدين. وأنه لا مبادلة في القرض في الحقيقة وإنما أساس الاتفاق فيه أن يأخذ المقترض مقداراً من المال على أن يثبت في ذمته يؤديه في ميسرته دون النظر إلى البدل وحين تشتغل ذمته يجب عليه مثله أو قيمته. عند تعذر المثل فالمعاوضة فيه وقت العقد متخفية لأن مبناه على الإرفاق والإحسان فهو في الحقيقة أشبه بالتبرع بالمنافع فهو من جنس العارية والمنيحة ولذا أسماه النبي ﷺ منيحة، إلا أنه أقيم تسليم المثل فيه مقام تسليم العين. أما البيع فإن مبناه فيه على المغابنة والمماكسة.
كما بينت الفرق بين الربا والحوالة. ومن ذلك أن الحوالة ليست من جنس البيع وإنما هي من جنس إبقاء الحق. واختلاف الأسامي دليل على اختلاف المعاني في الأصل.
ثم انتقلت إلى الفصل الرابع وهو القرض بفائدة.
فعرفته وعرفت الفائدة وبينت أنها هي الربا في مفهوم القرون السابقة، وأن تسميته بفائدة لا يترتب عليها تحريم ولا تحليل وإنما يترتب على المعاني والحقائق التي في المسميات، ثم بينت دليل تحريم القرض بفائدة من الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة، ونظراً إلى أنه قد أثيرت شبهات لتحليل الفائدة فقد ذكرت نحواً من تسع شبهات وناقشتها وبينت بطلانها.
وأوضحت أن الذي حرم الربا لم يترك أمر الناس سدى فإن الله تعالى لم يحرم شيئاً عوضهم عنه بما هو خير وأنفع وشرع لهم ما تدعو حاجتهم إليه ويغنيهم عن اللجوء إلى الحرام وما سد باباً إلا وفتح من الخير أبواباً فحرم الربا؛ لأن ضرره أكبر من نفعه لأن به يأكل القوي الضعيف ويستعبد الغني الفقير فيزداد الغني غنى والفقير فقراً.
стр. 1558
وشرع لهم القرض الحسن فيما إذا لم تحضر النفوس الشح؛ لأن به تقوى الروابط ويحصل الأجر والمثوبة وبه تنمو الأموال ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. وشرع القراض لأن فيه عدالة للطرفين لأن فيه تعاوناً بين المال والعمل بدون محاباة لأحدهما على الآخر. وشرع السلم وأباح البيع بالنسيئة وحث على التجارة والسعي في الأرض، لطلب الرزق وأباح الشركات بأنواعها، ولقد سار السلف الصالح على هذا النهج القويم، والطريق المستقيم، فالمضطر منهم لا يلبث أن يجاب. ومن نزلت به ضائقة بادر إخوانه من المسلمين بإسعافه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وعن ابن عمر – ﵄ – قال: أتي علينا زمان وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم وأن النبي ﷺ -قال: "إذا الناس تبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم". فقامت لهم حضارة ومدنية لم تشهد الدنيا لها نظيراً بلغت من الصين شرقاً، إلى الأندلس وشواطئ المحيط الأطلسي غرباً، واستمرت تلك الحضارة وتلك المدنية قروناً طويلة صيرت شئون الحياة الاقتصادية على وجه لم تشهد الدنيا له مثيلاً أصبحت مضرب الأمثال حيث كان التآخي والمحبة والتعاون من أسس الدعامة الكبرى لتلك الحضارة وتحقق وصف الله تعالى لها بأنها خير أمة أخرجت للناس قامت على أساس من الأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية فكان الغني أمله إرضاء الفقير بأي صورة كانت من الصور كالتصدق عليه أو إقراضه وكانت نظرتهم إلى المادة على أنها وسيلة تقويهم على الكسب المشروع والعبادة الخالصة لله تعالى، فهل يأتي بعد هذا من يقول: إن الربا ركن من أركان المدنية لا غنى لها عنه، وضرورة من ضرورات الاقتصاد لابد منه حقاً إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
إذا لم يكن للمرء عين صحيحه
فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
ولقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن الربا سبب للعقوبة وموجب لسخط رب العالمين وعذابه ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وعن عمرو بن العاص –﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب".
وعنه ﷺ أنه قال: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله".
وأن واجب المسلمين اليوم أن يتمسكوا بشريعة ربهم ومبادئ دينهم فإن فيها صلاحهم في دنياهم وأخراهم ومعاشهم ومعادهم ذلك أن قواعد المعاملات في الإسلام مبنية على العدالة في أدق صورها وعلى التعاون في أبهى مباهجه وهي الكفيلة بأن تعيد للأمة الإسلامية عزها ومجدها، وأن تنظم حياتهم في عمرانها، وفي صناعتها، وفي زراعتها، وفي أمنها، ورغدها.
стр. 1559
وفي الباب الثاني تكلمت عن سبع مسائل هامة اختلف العلماء فيها بين الحظر والإباحة.
المسألة الأولى:
الربا بين المسلم والحربي وقد استعرضت فيها أدلة القائلين بالجواز وأدلة القائلين بعدم الجواز وتوصلت في النتيجة إلى اختيار رأي الجمهور بعدم الجواز ورددت أدلة القائلين بجواز ذلك للمبررات التي أوضحتها وبينت أن القول بهذا يؤدي إلى ضرر بالاقتصاد الإسلامي وأن أموال المسلمين ستتحول إلى المصارف الأجنبية وأن الحكمة في تحريم الربا بين المسلمين موجودة في تحريم الربا بين المسلم وغير المسلم.
المسألة الثانية:
مسألة الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً. وفيها استعرضت أدلة المانعين وأدلة المجيزين، وناقشت أدلة كل منهم وما قد يورد عليها. ثم انتهيت إلى ترجيح القول القائل بجواز ذلك؛ للأسباب التي أوضحتها. ومنها أن هذا يعتبر من حسن الاقتضاء وأنه ضد الربا وأنه يغتفر في القضاء ما لا يغتفر ابتداء؛ لأن الإرفاق فيه أظهر من معنى المعاوضة.
المسألة الثالثة:
مسألة البيع لأجل مع زيادة الثمن تعرضت لآراء العلماء في هذه المسألة وأدلة كل ومناقشتها وانتهيت إلى القول بجواز ذلك إذا لم تكن الزيادة فاحشة ورأيت أن لولي الأمر أن يضع حداً لمقدار الزيادة حتى لا تستغل حاجة الفقير وإن طاعته في ذلك واجبة وأوضحت الفرق بين القول بجواز هذه المسألة وتحريم الربا وأن قياس المسألة الأولى على الثانية قياس مع الفارق، كما أن القول بعدم جواز ذلك يؤدي إلى الربا الصريح.
وفي المسألة الرابعة:
تحدثت عن العينة وبينت اختلاف العلماء في معناها وبالتالي اختلافهم في حكمها واستعرضت الآراء في ذلك وأدلة كل وانتهيت إلى القول بجوازها إذا لم يكن هناك مواطأة ملفوظة أو ملحوظة.
وفي المسألة الخامسة:
بحثت "بيع الوفاء": فعرفته، وبينت: متى حدث هذا البيع. واختلاف العلماء في تكييفه. وهل هو رهن، أو بيع صحيح، أو بيع فاسد؟ وانتهيت إلى القول بعدم جوازه؛ لأنه ما خرج في حقيقته عن كونه قرضاً بفائدة لقاء الأجل الذي يتفق عليه الطرفان وتسميته وفاء لا يخرجه عن حقيقته فالأحكام لا تتعلق بالأسماء وإنما تتعلق بالحقيقة.
وفي المسألة السادسة:
تناولت بالبحث: بيع السفتجة فذكرت خلاف العلماء في حكمها ودليل كل ومناقشته وانتهيت إلى ترجيح القول القائل بجوازها؛ لأن فيها مصلحة للطرفين فكل منهما له منفعة بدون مضرة لأحدهما على حساب الآخر والشارع لا ينهى عما فيه مصلحة ظاهرة وإنما ينهى عما فيه مضرة.
وفي المسألة السادسة:
تناولت بالبحث: بيع الدين فعرفته وذكرت خمس صور لبيع الدين وهي:
١ - بيع الدين لمن عليه بثمن حال.
٢ - بيع الدين لمن عليه بثمن مؤجل.
٣ - بيع الدين لغير المدين بثمن حال.
٤ - بيع الدين لغير المدين بثمن مؤجل.
٥ - بيع الدين بالدين ابتداء.
وقد استعرضت في كل صورة: أقوال العلماء في حكمها، وأدلة كل، ورجحت منها ما ارتضيت به مدعوماً بالدليل الذي جعلني أختاره من غير تعصب.
وفي الفصل الأول من الباب الثالث تكلمت عن نشأة المصارف وأنواعها وبينت معنى الصرف لغة وشرعاً، وشروط جوازه.
ثم في الفصل الثاني تحدثت عن النقود الورقية وآراء العلماء فيها وانتهيت إلى ترجيح القول القائل بأنها نقد مستقل بنفسه يجري عليه حكم الذهب والفضة، وأنها أجناس تختلف باختلاف جهات إصدارها، وأن القول بغير هذا يؤدي إما إلى التضييق على الناس وإقفال باب التعامل بها كالقول القائل بأنها سندات بدين على جهة مصدريها.
وإما إلى فتح باب الربا على مصراعيه وإباحته بنوعيه كالقول القائل بأنها عروض تجارة.
وفي الفصل الثالث تحدثت عن الودائع المصرفية وأنواعها وبينت أنها ليست ودائع بالمعنى الفقهي وإنما هي في الحقيقة قروض.
стр. 1560
وأوضحت أن الودائع بفائدة غير جائز شرعاً؛ لأنه ربا.
ثم تحدثت عن حكم فوائد الودائع الإسلامية في المصارف الأجنبية وبينت أنه لا ينبغي أن توضع أموال في المصارف الأجنبية؛ لأن هذا يقوي نفوذها وتستخدم ضد مصالح الإسلام والمسلمين، ولكن إذا فرض أن الإنسان أودع ماله مصرفاً أجنبياً لضرورة اقتضت ذلك. فلا ينبغي أن نترك هذه الفوائد لهذه المصارف وإنما ينبغي أخذها لا على أنها ملك لرب المال فإنها مكسب خبيث ولكن تصرف في مصالح المسلمين وبينت أن هذا من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما.
ثم في الفصل الرابع تحدثت عن صندوق التوفير وأوضحت أن حكم أخذ فائدة محددة على القروض إنها من الربا المحرم. واستعرضت أهم الشبه التي أثيرت للقول بحل فائدة صندوق التوفير وبينت بطلانها. ومن تلك الشبه القول بأن الربا المحرم هو ما كان للاستهلاك لا للإنتاج. ومنها أن الفائدة التي تؤخذ من صندوق التوفير هي من قبيل المضاربة وأوضحت أننا لو أخذنا بهذا المبدأ وهذا التخريج العجيب لكان في إمكان كل إنسان أن يرد كل جزئيات الربا المحرم إلى المضاربة بربح معين فالذي يستدين ألف ريال مثلاً بفائدة سنوية يمكن أن يتأول هذا التأويل.
ثم انتقلت إلى الفصل الخامس وفيه تحدثت عن بيع الأسهم والسندات وبينت الفرق بينهما، وبينت حكم كل منهما، وأن حكم بيع الأسهم جائز، ثم بينت ما قد يعترض على القول بجوازها وأجبت عنه.
ومنها أن المشتري والبائع لأسهم الشركات لا يعلمان بجميع ممتلكات الشركة، وعلى هذا يكون فيها نوع من الجهالة والغرر، ومنه أن من موجودات الشركة نقوداً فإذا بيعت بنقود من جنسها يكون من باب بيع الربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسه.
أما بيع السندات فقد أوضحت أن السندات إذا كانت عبارة عن قروض بفائدة فإنه لا يجوز تداولها؛ لأن القرض بفائدة حرام "والله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه" فليس لصاحبه إلا رأس ماله لكن لو قدر أن هناك سندات بدين مشروع فإن هذا يكون من باب بيع الدين وقد أوضحنا حكمه في مسألة بيع الدين.
وفي الفصل السادس تكلمت عن الحوالات المصرفية واستعرضت أنواعها وبينت حكم كل منها وذكرت حكم تحويل النقود من قطر إلى قطر عن طريق المصارف.
وفي الفصل السابع تحدثت عن الضمان البنكي وعن آراء العلماء في أخذ الجعالة على الضمان وأدلتهم. واخترت القول بجواز أخذ الجعالة على الضمان إذا كان له غطاء كامل لدى الضامن، أما إذا لم يكن له غطاء فلا أرى جوازه؛ سداً لذريعة أن يستر من ورائه قرضاً بفائدة.
وفي الفصل الثامن تحدثت عن الأوراق التجارية وعرفت الأوراق التجارية وأن من الأعمال المصرفية خصم الأوراق التجارية وبينت موقف الشريعة من خصم الأوراق التجارية وأن الحكم فيها يختلف باختلاف ما إذا كان المصرف هو المدين أو لا، فإذا كان المدين هو المصرف الخاصم فإن هذا جائز شرعاً؛ لأن هذا يعتبر من باب الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً.
وأما إذا كان الخاصم غير المدين فلا يظهر جوازه شرعاً ولا يمكن تخريجه على قاعدة صحيحة من قواعد الشرع.
وفي الفصل التاسع: تحدثت عن الاعتماد المستندي وبينت فوائده وحكمه من الوجهة الشرعية وأنه جائز شرعاً؛ لأنه لا يعدو أن يكون ضماناً برهن وأن أخذ العمولة عليه جائز أيضاً إذا كانت هذه العمولة لا تستر من ورائها قرضاً بفائدة.
ثم انتقلت إلى الفصل العاشر فتناولت آراء العلماء في التأمين ومستند كل منهم، وناقشتها وتوصلت إلى القول بجواز التأمين التعاوني. وأما التأمين التجاري سواء كان تأميناً على بضائع ونحوها، أم تأميناً على الحياة فلا يظهر لي جوازه؛ لأن قواعد الشريعة وأصولها الكلية تقتضي القول بمثل ذلك.
стр. 1561
وفي الفصل الحادي عشر بحثت مشروع إنشاء مصرف إسلامي يقوم على أسس مستوحاة من أصول شريعتنا الغراء، ويسير على قواعد الشرع الحكيم وأوضحت الأسس الرئيسية التي ينبغي أن ينهجها وأنه بقيام هذا المصرف نكون تحررنا من التقيد بنظم لا تمت إلى الإسلام بصلة وتخلصنا من آفة الربا وآثامه اللعينة والتي روجها بيننا اليهود، والذين أشركوا؛ بأساليبهم الماكرة ووسائلهم المختلفة؛ لاستعبادنا واستغلالنا وإبعادنا عن أوامر ديننا. وبينت أنه بقيام هذه المصارف سيتحقق للأمة الإسلامية الخير، ويكون لها شخصية إسلامية متميزة وسمات مستقلة وأنه لن تتعطل أي مصالح تجارية، ولن يتوقف أي نشاط اقتصادي، بل بالعكس ستنمو البلاد وتزدهر، وتسير في معاملاتها وتجارتها على قواعد العدل والمساواة وإبعاد عنصر الظلم والاستغلال، والمخاطرة. هذا ما توصلت إليه بعد أن استعرضت في كل مسألة من مسائل هذا البحث أقوال العلماء في حكمها، وأدلة كل منهم. ودققت النظر في أدلة كل فريق: صحيحها وضعيفها، نَقْلِيِّها وعقليها، واخترت منها ما ترجح لدى مدعماً بالدليل الذي جعلني أختاره من غير تعصب فالحق أردته، وأرجو أن أكون وفقت في ذلك: فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفر الله العظيم، ولا يسعني إلا أن أقول: هذا جهدي وطاقتي، والله حسبي ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1562
الرسالة الفاصلة في تقدير غالب الموازين والمكاييل
المؤلف/ المشرف: عبدالرحيم إبراهيم الهاشم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: فقه عبادات منوعات
الخاتمة: الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على عبدالله ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى آثارهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين ...
أما بعد: فإنه من خلال بحثي لهذا الموضوع في غالب كتب السلف الصالح ﵃ والاستفادة من أهل الخبرة أختم بحثي بالملاحظات التالية:
١ - ينبغي على كل باحث منصف أن يبحث عن الحق ولا يتعصب لرأي من الآراء. وأن يجتهد مهما استطاع في النقل عنهم بالأمانة العلمية والتحقيق من أقوالهم وعدم إمرارها دون نظر وتقليب وموازنة بين أقوالهم وتقديراتهم عموما، وتقديرات الواحد منهم خصوصا فيما يتعلق ببعض، مع عدم التعرض بذم المخالف للصواب إن ظهر.
٢ - ينبغي (إن لم يجب) على كل من فتح الله عليه بشيء علمه، أن يحرص على تحقيقه وإفادة الآخرين به. وأرجو من الله أن يعينني على إضافة تقديرات المسافات الشرعية في غير هذه العجالة عند إعادة النظر فيها. ومن أراد ذلك فالبحث منتشر في بطون الكتب وفائدته بارزة والحاجة إليه موجودة.
٣ - أرجو من المطلع على هذه الرسالة إن كان من أهل العلم المحققين أن يدقق فيها ويوافيني بالخطأ إن وجد. ما دمت حيا، وإن مت فهو في حل إذا تحقق ذلك وراجعه مع بعض أهل العلم الثقات.
٤ - أرجو ممن يلي أمر المسلمين أن يحاول الدقة في تقدير ما يناط بالموازين والمكاييل الشرعية والعرفية مما ينتشر في عصره، ثم توزيعها على من يتعامل بذلك وأمرهم بذلك على وجه السلطة، وليحذر الحيف فيها أو الزيادة عليها فإنها تدخل في باب المظالم. والله أعلم .. وصلى الله على عبده ورسوله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1563
الرضاع المحرم وبنك اللبن
المؤلف/ المشرف: حسين عبدالمجيد أبو العلا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة البيان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: رضاع
الخاتمة
"اللهم ارزقنا حسنها"
في أهم نتائج البحث، وهي:
١ - يشترط في ثبوت التحريم بالرضاع أن يكون هذا الرضاع من امرأة بينة الأنوثة حية بالغة وأن يكون الرضيع في الحولين الأوليين من عمره وأن يكون قد رضع خمس رضعات متيقنات سواء كانت هذه الرضعات من الثدي مباشرة أو من إناء أو وجور أو سعوط وسواء كان اللبن خالصاً أو غالباً إن كان مخلوطاً بماء أو دواء وسواء كان سائلاً أو مطبوخاً أو مجبناً.
٢ - أن العلة الظاهرة في التحريم بالرضاع هو حصول الجزئية للرضيع بالنسبة لمرضعته إذ بلبنها ينبت لحمه وينشز عظمه.
٣ - أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ويدخل في هذا ثبوت الحرمة في المصاهرة بالرضاع.
٤ - أنه يجوز بيع لبن الأمهات ولكن لا يجوز إنشاء بنوك لشرائه وبيعه.
٥ - يثبت الرضاع بالإقرار من أحد الزوجين سواء قبل الزواج أو بعده، وكذا بشهادة رجل وامرأتين أو برجلين أو بشهادة النساء وحدهن.
والله أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 1564
الرهن في الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: مبارك بن محمد الدعيلج
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: ضمان وكفالة ورهن
الخاتمة
فيما يلي خلاصة لأهم موضوعات الكتاب، والنتائج التي توصلت إليها من خلال الكتاب.
اشتمل الكتاب على خمسة أبواب:
الباب الأول في مقدمات تخص عقد الرهن، بينت فيها تعريف الرهن وحكمه، وأركانه، والشروط فيه.
والباب الأخير للأحكام التي تتعلق بالرهن، من ضمان، وانتفاع ونفقة، وتصرف، وغير ذلك.
والأبواب الثلاثة بينهما خصصتها لبيان أركان الرهن:
فكان الباب الثاني للمعقود به (الصيغة).
والباب الثالث للمعقود عليه (المرهون والمرهون به).
والباب الرابع للعاقدين (الراهن والمرتهن).
هذا هو مجمل موضوعات الكتاب .. وفيما يلي تفصيل هذا الإجمال:
١ - اختلف فقهاء المذاهب الأربعة في تعريف الرهن بناء على اختلافهم في بعض الشروط في المرهون، أو المرهون به، أو العاقد، والراجح المختار من هذه التعريفات أن الرهن: (عقد من جائز التصرف يقتضي توثيق دين مالي لازم، أو عين مالية مضمنة، بدين مالي لازم – على من هو عليه – أو عين مالية مضمونة يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها – كله أو بعضه – عند تعذر الاستيفاء.
٢ - ورد جواز الرهن في القرآن الكريم مقرونا بشرطين: السفر، وعدم وجود الكاتب، فقال – تعالى -: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ فذهب بعض العلماء إلى أن هذين الشرطين يراد بهما التقييد والاحتراز، ومن ثم قيدوا جواز الرهن بالسفر وعدم وجود الكاتب أو السفر فقط.
وذهب الجمهور إلى أن هذين الشرطين جاءا بناءً على الغالب من حياة الناس، وأنهم غالبا إنما يحتاجون إلى الرهن، أو الكتابة في السفر حيث لا شهود، وليسا للاحتراز والتقييد، بدليل أن النبي ﷺ رهن في الحضر، ومن ثم جوزوا الرهن في الحضر، كما يجوز في السفر. والراجح رأي الجمهور.
٣ - ذهب الجمهور إلى أن اشتراط غلق الرهن – بمعنى أن المرتهن يشترط على الراهن أنه إذا لم يأته بالدين في الوقت المحدد فإن الرهن يكون ملكا له – باطل مستندين إلى قوله ﷺ : (لا يغلق الرهن).
وخالف في ذلك ابن القيم فذهب إلى أن الشرط صحيح، وذكر أن الإمام أحمد فعله، وذهب في تفسير الحديث مذهبا يختلف عن مذهب الجمهور. والراجح رأي الجمهور.
٤ - نص إمام الحرمين الجويني على أن شارب الخمر تعتريه ثلاثة أحوال: أحدها: هزة ونشاط، إذا دبت الخمر فيه ولم تستول عليه.
الثانية: نهاية السكر، وهي أن يصير طافحا يسقط كالمغشي عليه لا يتكلم ولا يكاد يتحرك.
الثالثة: متوسطة بينهما، وهي أن تختلط أحواله، فلا تنتظم أقواله وأفعاله ويبقى تمييز وكلام وفهم.
وأن العلماء إنما اختلفوا في وقوع طلاقه في الثالثة، أما الأولى فينعقد فيها الطلاق قطعا لبقاء العقل، وأما الثانية فلا ينعقد إذ لا قصد له كالمغمى عليه. وقريب من هذا التفصيل للمالكية والحنفية والحنابلة.
وقد اختلف العلماء في عقود السكران على ثلاثة مذاهب. والراجح أنه إذا كان بمحرم صحت عقوده وإلا فلا.
٥ - اختلفوا في رهن الصبي المميز والسفيه. والراجح أنه إذا كان بإذن وليهما وكان مشروطا في عقد بيع أو قرص جاز، وإن كان تبرعا لا يجوز.
٦ - اختلفوا في ارتهان السفيه. والراجح جوازه.
٧ - اختلفوا في جواز رهن المفلس، والظاهر أنه لا يجوز مطلقا.
٨ - اختلفوا في رهن المكره، والفضولي، والراجح عدم صحة رهنهما.
٩ - اتفق الفقهاء على أن العين إذا كانت غير مضمونة – كمال المضاربة والشركة – فلا يجوز الرهن بها.
١٠ - اختلفوا في رهن العين المضمونة بنفسها على ثلاثة أقوال: ثالثها أنها إذا كانت غائبة يجوز، وإذا كانت حاضرة فلا. وهو الراجح.
стр. 1565
١١ - الراجح عدم جواز الرهن على الدين الموعود.
١٢ - هناك ضابط لما يجوز رهنه يمكن أن يكون متفقا عليه في الجملة وهو: أن كل ما يجوز بيعه يجوز رهنه، وذلك بأن يكون مالا، متقوما في الشرع، موجودا حال العقد، معلوما للعاقدين علما ينفي الجهالة، ويمنع التنازع، مقدورا على تسليمه وحيازته.
١٣ - توسع المالكية فاستثنوا من هذه القاعدة أشياء لا يجوز بيعها وأجازوا رهنها معللين ذلك بأن طبيعة عقد الرهن تختلف عن طبيعة عقد البيع، فالرهن تبرع وتوثق، وشيء في الجملة خير من لا شيء، بخلاف عقد البيع فإنه معاوضة.
وشدد الحنفية فمنعوا رهن أشياء يجوز بيعها، وتوسط الشافعية والحنابلة.
١٤ - أجاز المالكية رهن ما فيه غرر يسير وجهالة، وإن كان لا يجوز بيعه.
١٥ - اتفقوا على صحة رهن الدين في غير الابتداء، وذلك بأن تؤول العين المرهونة بعد العقد إلى دين في ذمة متلفها.
١٦ - اختلفوا في رهن الدين في الابتداء، والراجح أنه يجوز إذا كان ممن هو عليه، لأنه يجوز بيعه منه.
١٧ - اختلفوا في رهن المصحف بناء على اختلافهم في بيعه. والظاهر أنه لا يجوز رهنه وإن جاز بيعه، لأنه إنما جاز البيع لأنه ضرورة لانتشاره وهذا غير موجود في الرهن.
١٨ - اشترط الحنفية في العين المراد رهنها أن تكون محوزة، فلا يجوز عندهم رهن الثمر بدون الشجر، ولا الشجر بدون الأرض، وخالفهم الأئمة الثلاثة فأجازوه. وهو الراجح.
١٩ - اشترط الحنفية في العين المراد رهنها أن تكون فارغة، فلا يجوز عندهم رهن الدار المشغولة بمتاع ما لم يخلها قبل قبضها، وخالفهم الأئمة الثلاثة فأجازوا رهنها. وهو الراجح.
٢٠ - اشترط الحنفية في العين المراد رهنها أن تكون متميزة عما ليس بمرهون، فلم يجيزوا رهن المشاع، وخالفهم الأئمة الثلاثة فأجازوه وهو الراجح.
٢١ - اختلفوا في رهن المجهول – كأنه يرهنه ما في هذا الكيس – أو رهن غير المعين – كأن يرهنه أحد هذين الثوبين – والظاهر أنه إذا كان مشروطا في العقد فلا يصح إلا رهن المعلوم المعين، لأن المرتهن يترك جزءا من الثمن في مقابل الوثيقة، وكذا إذا كان متبرعا به لأن العقود إنما شرعت لتؤدي مقاصدها، ورهن المجهول أو غير المعين لا يؤدي المقصود من الرهن، ولأنه يفضي إلى النزاع.
٢٢ - اتفقوا على جواز رهن المكيل والموزون والمعدود ولمذروع.
٢٣ - اختلفوا في رهن المبيع قبل قبضه والراجح جوازه.
٢٤ - الأرجح أن كيفية قبض المرهون مرجعها العرف، لعدم ورود نص من الشارع يبين كيفية القبض، وإنما الذي ورد هو القبض فقط. يقول الخطيب الشربيني: (والرجوع في حقيقته (يعني القبض) إلى العرف لعدم ما يضبطه شرعا، أو لغة، كالإجبار، والحرز في السرقة. ويقول ابن قدامة: (القبض مطلق من الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والتفرق).
٢٥ - اختلفوا في قبض المرتهن، أو العدل، العين المرهونة: هل هو شرط لزوم، أو صحة، أو تمام؟ والراجح أنه شرط لزوم.
٢٦ - يشترط لصحة القبض إذن الراهن بالقبض، وبقاء أهليته وأهلية المأذون له إلى حين القبض.
٢٧ - ذهب الجمهور إلى أن للعاقدين الاتفاق على وضع الرهن عند عدل أو عدلين وخالف في ذلك ابن حزم فمنعه. والراجح رأي الجمهور.
٢٨ - العدل في عقد الرهن هو من رضي الراهن والمرتهن بوضع الرهن بيده ممن يقدر على البيع والإبقاء، سواء كان عدلا في الشهادة أم فاسقا، مسلما أم ذميا.
٢٩ - ليس للعدل أن يدفع الرهن إلى أحد المتراهنين بدون إذن الآخر.
٣٠ - ينعزل العدل بعزل المتراهنين.
٣١ - ليس للراهن أن ينفرد بعزل العدل مطلقا، أي سواء كانت وكالته في العقد أم بعده على الأرجح.
٣٢ - ليس للمرتهن أن ينفرد بعزل العدل أيضا.
стр. 1566
٣٣ - تنتهي وكالة العدل بواحد من خمسة أمور: موت العدل، أو جنونه أو الإغماء عليه، أو موت الراهن، أو جنونه.
٣٤ - اختلف العلماء في الاستدامة في القبض، هل هي شرط في صحة الرهن أو ليست شرطا؟ فذهب الشافعية إلى أنها ليست شرطا وخالفهم الجمهور. والراجح رأي الشافعية.
٣٥ - اختلف العلماء فيما إذا تلف الرهن عند المرتهن من غير تعد ولا تقصير هل يضمن أو لا يضمن – على ثلاثة أقوال:
أحدها: يضمن مطلقا.
الثاني: يضمن إن كان هلاكه مما يخفى على الناس.
الثالث: لا يضمن مطلقا. وهو الراجح.
٣٦ - الذين قالوا بضمان المرهون على المرتهن اختلفوا فيما يضمن به على ثلاثة أقوال:
أحدها: يضمن بالأقل من قيمته ومن الدين.
ثانيها: يضمن بمقدار الدين قل أو كثر.
ثالثها: يضمن بقيمته.
٣٧ - اتفق الفقهاء على أن مؤونة المرهون على الراهن، إلا أن الحنفية استثنوا بعض وجوه الإنفاق مما يحتاج إليه لحفظ الرهن – مثل أجرة المسكن – أو لرده – مثل أجرة رد الآبق – أو لرد جزء منه، فجعلوها على المرتهن، والجمهور على خلافهم وهو الراجح.
٣٨ - الأصح أنه يجوز للراهن أن يستوفي منافع رهنه، سواء أذن له المرتهن أم لم يأذن – لكن بشرط أن لا يضر بالمرتهن.
٣٩ - خروج الرهن من يد المرتهن إلى الراهن توسع فيه الشافعية وشدد فيه المالكية، وتوسط الحنفية والحنابلة.
فالشافعية يجيزونه ولا يترتب عليه أي أثر على عقد الرهن. والمالكية يبطلون به عقد الرهن.
أما الحنفية فيترتب عندهم على خروج الرهن من يد المرتهن إلى الراهن خروجه من ضمان المرتهن فإذا عاد عاد الضمان.
٤٠ - اتفق العلماء على أنه إذا لم يأذن الراهن للمرتهن بالانتفاع ولم يكن الرهن مما يركب، أو يحلب، أو يستخدم فليس له ذلك.
واختلفوا في حالتين:
الأولى: إذا لم يأذن الراهن بالانتفاع، وكان الرهن مما يركب أو يحلب أو يستخدم.
اختلفوا في الحالة الأولى على أربعة أقوال، والراجح منها أن للمرتهن أن ينتفع بالمرهون ركوبا، أو حلبا، أو استخداما بقدر النفقة، إذا امتنع الراهن من الإنفاق فأنفق عليه.
واختلفوا في الثانية – أيضا – والراجح أن الانتفاع – بدون مقابل – جائز إذا خلا عقد الرهن عن اشتراطه حقيقة، أو ضمان، ثم لم يكن من المرتهن بعد عقد الرهن أية مضايقة للراهن، أو إلجاء له، فإن وجد شيء من ذلك، فهو سحت لا مراء فيه.
وأما الانتفاع بعوض فيجوز أيضا، شريطة أن تكون المدة والعوض معلومين وأن لا تكون هناك محاباة، فإن جهلت المدة، أو العوض لم يجز الانتفاع لأنه يؤدي إلى المنازعة، وإن وجدت محاباة فحكمها حكم الإذن مجانا.
٤١ - الأرجح أن تصرف الراهن – في الرهن قبل القبض – تصرفا ينشئ حقا لازما ينفذ ويبطل به الرهن، خلافا للمالكية.
٤٢ - الراجح أنه يجوز للراهن أن يتصرف بالرهن بعد القبض تصرفا لا ينشئ حقا، ولا يؤدي إلى ضرر بالمرتهن.
٤٣ - عقد الرهن وثيقة لدين في عين الرهن، تمنع الراهن من كل ما يقدح فيها، فهو ممنوع من كل تصرف قولي، يزيل الملك – كالبيع والهبة – أو يزاحم حقه – كالرهن من غيره – أو ينقص – كالتزويج – أو يقلل الرغبة فيه – كالإجارة التي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدين، لأن الوثيقة إنما تحصل بالحجر على الراهن، وقطع سلطة كانت له ليتحرك للأداء.
٤٤ - يجوز للراهن أن يبيع الرهن بإذن المرتهن قبل حلول أجل الدين اتفاقا، لكنهم اختلفوا هل يكون الثمن رهنا بدل العين، أو يبطل الرهن ويبقى الدين بلا وثيقة، أو يعجل الدين، إلا إذا اشترط كون الثمن بدلا عن الرهن؟ أقوال.
٤٥ - اختلفوا في جواز الزيادة في الدين ليكون الرهن رهنا بالدينين والأصح جوازه.
٤٦ - الجمهور على جواز الزيادة في الرهن، وخالف في ذلك زفر. والراجح قول الجمهور.
стр. 1567
٤٧ - أجاز الإمام مالك رهن الفضلة من قيمة الرهن، ومنعته المذاهب الثلاثة والراجح جوازه.
٤٨ - اختلفوا في نماء الرهن المنفصل، هل يكون داخلا في الرهن فيأخذ حكمه، أولا؟ على خمسة أقوال. والراجح أن جميع نماء الرهن المنفصل وزوائده لا تدخل في الرهن، فلا تباع في الدين مع العين، بل تسلم للراهن.
٤٩ - الراجح أن الدابة إذا كانت مع شخص مكلف، وأتلفت شيئا فإنه يضمن مطلقا، أي سواء مالكا، أم مستعيرا، أم مودعا، أم مرتهنا، وسواء وطأته برجلها، أم صدمته، أم خبطته برأسها، أم كدمته بفمها.
٥٠ - الراجح أن ما تتلفه البهائم نهارا فلا ضمان على من هي تحت يده وإن أتلفت ليلا ضمن، خلافا للحنفية.
٥١ - إذا أتلف الراهن المرهون فإنه يضمنه، ويكون الضمان رهنا بدله.
٥٢ - إذا اتحد العقد والعاقد فإن المرهون لا ينفك منه شيء بسداد بعض الدين، بل يظل مرهونا ما دام هناك شيء من الدين وإن كان يسيرا.
٥٣ - مما ينفك به الرهن: البراءة من الدين، أو الإقالة، أو فسخ عقد الرهن أو الإبراء من الدين.
٥٤ - إذا أراد الراهن قضاء الدين، فإنه يقضي الدين أولا، ثم يسلم المرتهن الرهن له.
٥٥ - يجب على الراهن وفاء الدين عند حلول أجل الدين من الرهن أو من غيره.
٥٦ - يجوز للحاكم أن يبيع الرهن أو غير الرهن من ملك الراهن، إذا كان الراهن غائبا أو ممتنعا عن البيع والوفاء، وللحاكم أن يفعل ما فيه المصلحة للطرفين.
٥٧ - الذي يستحق بيع الرهن – عند حلول الأجل وعدم الوفاء – هو الراهن أو وكيله، لكن لابد من إذن المرتهن، لما له فيه من حق.
٥٨ - للحاكم أن يبيع الرهن في حالتين: إذا امتنع الراهن عن البيع أو كان غائبا.
٥٩ - إذا امتنع الراهن من البيع والوفاء، أجبره الحاكم، فإن امتنع عزره، فإن أصر باع عليه.
٦٠ - بيع الوفاء هو أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين لدين لك عليّ على أني متى قضيت الدين عاد المبيع لي.
٦١ - اختلف العلماء في تكييف (بيع الوفاء) الفقهي على أقوال كثيرة بلغت عند الحنفية – وحدهم – ثمانية أقوال خرجوا في بعضها عن مفهوم بيع الوفاء.
والراجح: إنه إذا كان العاقدان يقصدان بهذا العقد الرهن، فإنه يكون رهنا صحيحا، لأنه – كما هو الراجح – ليس للرهن صيغة معينة لا يجوز تجاوزها، بل إن العقد يصح متى تم بصيغة مفهوم المعنى المراد منها، بغض النظر عن كون الصيغة بلفظ الرهن أو ما اشتق منه، أو بلفظ غيره.
هذا من ناحية الصيغة.
ومن الناحية العملية لهذا العقد، فإنه رهن اشترط فيه الانتفاع، ويأتي فيه خلاف العلماء في اشتراط الانتفاع، وإذا قد رجحنا أنه محرم، وباطل، كما رجحنا أنه لا يؤثر على العقد – فإن شرط الانتفاع الموجود ضمنا هنا ملغي ويكون حكمه حكم الرهن.
٦٢ - الراجح أن الرهن الرسمي كما هو عند القانونيين غير جائز عندنا لما فيه من إباحة التصرف للراهن بما ينقل الملكية مما يضعف الوثيقة وأن ما تيسر عليه المصارف المتخصصة – في المملكة العربية السعودية وهي مصارف التنمية – من الاكتفاء بالتهميش على الصك عن القبض الحسي، ومنع الراهن من التصرفات التي تزيل الملك أو تنقصه جائز شرعا.
стр. 1568
الزواج بنية الطلاق
المؤلف/ المشرف: صالح آل منصور
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الكتاب والسنة - باكستان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: نكاح - طلاق وخلع وفسخ ونشوز
الخاتمة
ولعل القارئ المنصف بعد هذه الجولة القصيرة تبين له أن الحق – والله أعلم – بجانب من رأى تحريم هذا النكاح وبطلانه لما قدمنا، وذلك:
أولاً: أن الأصل في الإيضاح التحريم، وذلك بإجماع العلماء، فإذا كان الأمر كذلك؛ فإنها لا تستباح؛ إلا بما دل الدليل على حلها، وأين الدليل على إباحة الزواج بينه الطلاق؟! وكون هذا النكاح قد توفرت فيه الشروط والأركان؛ فهذا يجعله نكاحاً صحيحاً في الظاهر أمام الناس، يترتب عليه أحكام النكاح الصحيح، ولكن لا يلزم من كونه صحيحاً ظاهراً أن يكون مشروعاً حلالاً فيما بينه وبين الله؛ فمثل هذا النكاح لا يحبه الله ولا يرضاه – والله أعلم -؛ لمنافاته مقاصد الشريعة في النكاح، ولما فيه من الغش والخداع، ولما فيه من المفاسد العظيمة.
ثانياً: في الشريعة فرق كبير وبون شاسع كما بين السماء والأرض والثرى والثريا بين النكاح بنية الدوام والنكاح بنية الطلاق؛ فالزواج بنية الدوام هو الأصل في مشروعية النكاح، وهو الذي فطر عليه البشر، وهو الذي يوافق مقاصد الشريعة، ولو ظن هذا المتزوج أن النكاح قد لا يستمر مع هذه الزوجة؛ لما أقدم عليه، ولبحث له عن أخرى يستمر معها.
أما الزواج بنية الطلاق؛ فهو دخل معها من أول لحظة من لحظات بدء العقد على أنه لا يستمر معها، بل لا يريد ذلك ولا يرضى به، وربما يعمل الأسباب التي تمنع استمراره، وكون هذه النية قد تتغير لا تسوغ لنا القول بجواز مثل هذا النكاح، وإلا؛ لقلنا بجواز نكاح المحلل ونكاح المتعة؛ بحجة أن النية قد تتغير، والأحكام إنما تبنى على الظن الغالب.
وقد علمنا الشارع أن اختلاف النية لها أعظم الأثر في بناء الأحكام الشرعية، وإن كانت صورة العمل واحدة.
روى عمر بن الخطاب؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
رابعاً: يكفي في قبح هذا الزواج والقول بتحريمه أنه غش وخديعة وظلم للمرأة وأوليائها، وقد حرم الله الخداع والغش والظلم.
وإلى القارئ الكريم بعض ما ظهر لي من مفاسد هذا النكاح:
١ - أنه ذريعة إلى ترك الزواج الحقيقي الذي يراد به الدوام، حيث إن هذا ليس كالزواج بنية الدوام؛ فليس فيه التزامات ولا أعباء الزواج الحقيقي، والكثير من الشباب أو الرجال يريدون الحرية البهيمية وعدم التقيد بمسؤولية زوجية، يتزوج من شاء، فيقيم معها أو معهن فترة، ثم يطلق وينتقل إلى أخرى في أي بلد وفي أي مكان ... وهكذا.
٢ - إنه ظلم للمرأة وعدوان وغش وخيانة لا يرضاه المتزوج بهذا الزواج لابنته ولا لموليته؛ فكيف يرضاه لغيره؟!
٣ - ضياع الأولاد.
أ- ربما ضاع الأولاد لعدم قدرة والدهم على أخذهم إلى بلده؛ لوجود بعض القوانين أو الأنظمة التي تمنع أخذهم أو إدخالهم إلى بلاده، أو لعدم القدرة على تربيتهم.
ب- ربما أنكر بعض الآباء هؤلاء الأولاد أو أبغضهم، حيث إنهم وجدوا عن غير رغبة من أبيهم، ووجدوا من هذه الزوجة التي لا يريد البقاء معها.
٤ - أنه ذريعة لاختلاف الأنساب وضياعها، وذلك ينتج عن كثرة الزواج بهذه الفتيات؛ فمثل هذا الزواج لسهولته؛ لا يكون فيه تقيد بأحكام الشرع.
٥ - فتح هذا الباب يجعل كثيراً من النساء عاطلات من الأزواج، حيث وقعن في شرك مثل هؤلاء الأزواج، فسرحوهن سراحاً غير جميل؛ فهذا يشكل خطراً ويهددهن بالوقوع في الفاحشة والسقوط.
٦ - زواج المرأة من عدة رجال يبيتون لها مثل هذه النية يهون عليها الوقوع في فاحشة الزنى كما قد يهون ذلك على الرجال.
стр. 1569
٧ - إباحة مثل هذا الزواج تشويه للإسلام وتنفير للناس منه، ونشأ عن ذلك أن ارتد كثير من المسلمات حديثات العهد بالإسلام أو المغتربات المسلمات اللاتي وجدن في بلاد الغرب، حيث تزوجهن بعض الشباب، وطلقوهن.
٨ - إن كثيراً من هؤلاء المتزوجين بنية الطلاق لا يحرصون، وربما لا يفكرون في اختيار الزوجة الصالحة، وربما لا يهمه صلاحها ولا أسرتها ولا أصلها ولا شيء من الاعتبارات الأخرى التي تهم المتزوج بنية الدوام.
٩ - مثل هذا الزواج قد يعطل كثيراً من النساء الشريفات عن الزواج، ذلك أن الرجل قد لا يقدم على تزوجهن وهو يريد الطلاق؛ لما يترتب على ذلك من تكاليف أو مسؤوليات اجتماعية أو مشاكل أسرية، فيتركهن، ويذهب إلى غيرهن أقل مستوى منهن في نظره، حتى يسلم من التبعة.
١٠ - إذا كان عنده ثلاث زوجات، فتزوج الرابعة بنية الطلاق، ثم طلقها؛ فقد يتزوج أخرى ومطلقته لم تزل في عدتها، ثم يطلقها ويتزوج أخرى ومطلقته الثانية لم تزل في عدتها، وربما تزوج ثالثة ورابعة وخامسة وأكثر من ذلك والمطلقات السابقات لا يزلن في عدتهن منه، وربما أنجبن أولاداً من هذا الوطء، وقد ذكرنا لك فيما سبق قصة الشاب الذي تزوج تسعين امرأة في فترة قصيرة.
إلى غير ذلك من المساوئ والمفاسد التي لا تليق ولا تقرها العقول السليمة فضلاً عن شرع الله الحكيم.
ولعلنا نخلص إلى خاتمة القول بأن النكاح بنية الطلاق حرام حسب ما ظهر لي من أدلة الشرع ومقاصده، والله أعلم، وأنه يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح، وأنه غش وخديعة وظلم للمرأة وأوليائها، وأنه لا فرق بينه وبين نكاح المتعة ونكاح التحليل في التحريم؛ لتساويهما في نية عدم دوام النكاح واستمراره، وذلك يصادم مقاصد الشريعة في مشروعية النكاح، غاية ما في الأمر أن نكاح المتعة والتحليل وجد فيه التصريح بالنية، والنكاح بنية الطلاق لم يصرح فيه الزوج بنيته، بل خدع المرأة وأوليائها، وقد عزم على هذه النية، ووجدت الأسباب التي تؤيد هذه النية؛ كعدم استطاعته إخراجها من بلدها وإدخالها بلده، أو وجود بعض الفوارق الاجتماعية والموانع الأخلاقية، أو غير ذلك، بل ربما حرص على إيجاد الأسباب التي تجعل الزواج لا يستمر؛ كأسباب عدم الإنجاب وعدم إحسان العشرة وغير ذلك.
لذا؛ فإنا نقول: إن نكاح المتعة باطل ظاهراً وباطناً، والنكاح بنية الطلاق صحيح في الظاهر؛ فنجري عليه الأحكام الشرعية حسب ما ظهر لنا من ثبوت نسب الأولاد ووجود النفقة والتوارث بينهما وغير ذلك من أحكام الزوجية. أما فيما بينه وبين الله تعالى؛ فالنكاح باطل، وإنما الأعمال بالنيات.
وروى عمر بن الخطاب ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وإذا كان الرسول ﷺ جعل نكاح الرجل الذي تزوج امرأة وهو ينوي أن لا يعطيها صداقها وربما يريد بزواجه الاستمرار معها، إذا كان الرسول جعل وطأه لها زنى يلقى الله يوم يلقاه وهو زان؛ فما تقول بالرجل الذي تزوج امرأة يظهر لها انه سيستمر معها وأنها تكون زوجته التي تشاركه الحياة ويبني بها بيته وسكنه وينجب منها الأولاد؛ فتنخدع له، وتعطيه أعز ما تملك، وهي بكارتها وجوهرتها الثمينة الغالية التي هي مطمع الرجال وفخر الفتيات وعزهن، فيدخل بها على هذه النية الباطلة، ثم لا يلبث أن يقسم ظهرها بالطلاق؛ أليس هذا أولى بالحكم عليه بالزنى ممن تزوج امرأة وهو ينوي أن لا يعطيها صادقها؟
стр. 1570
وقد قال الشيخ رشيد رضا في "تفسيره": "هذا، وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون: إن عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إياه يعد خداعاً وغشاً، وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الزوج والمرأة ووليها، ولا يكون منه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذواقات وما يترتب على ذلك من المنكرات، وما لا يشترط فيه ذلك؛ يكون اشتماله على ذلك غشاً وخداعاً تترتب عليه مفاسد أخرى من العداوة والبغضاء، وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته، وهو إحصان كل من الزوجين للآخر، وإخلاصه له، وتعاونهما على تأسيس بيت صالح من بيوت الأمة" انتهى.
وفي الختام؛ فإني أوصي كل من وقع في مثل هذا النكاح أن يتقي الله تعالى، ويحذر مثل هذا الزواج، ويقصد في زواجه الدوام والاستمرار، حتى يكون زواجه موافقاً لمقاصد شرع الله في النكاح، ويحذر الغش والخداع والظلم؛ فهل يرضى مثل هذا الزواج لابنته أو أخته أو موليته؟ كلا، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
هذا؛ وإني أناشد الله كل طالب علم لا يرى ما أراه في هذا النكاح: أن لا يتعجل في إبداء رأيه؛ لئلا يحصل ما لا تحمد عقباه، وأن يكون موقفه موقف عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – من طلاق الثلاث بكلمة واحدة، حينما أمضاه عليهم، مع أن الأدلة الصريحة الصحيحة تخالف ما ذهب إليه؛ لما رأى من حصول المفسدة بتساهل الناس في الطلاق وتتابعهم عليه. ولا يخفى على طالب العلم أنه ليس كل ما كان مشروعاً في حال يكون مشروعاً في كل حال؛ فهذا حد السرقة أوقفه عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – عام المجاعة، كما أوقف تغريب الزاني البكر دفعاً للمفسدة، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم لعدم الحاجة إلى التأليف؛ لظهور المسلمين وقوتهم، وضعف مخالفيهم، وغير خاف على أحد ما جره، ويجره الزواج بنية الطلاق من المفاسد في هذا العصر، ولعل شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – لو رأى مثل هذه المفاسد التي حصلت، أو تحصل بالزواج بنية الطلاق؛ لرأى مثل ما رأيت؛ كما هو معلوم من أصوله وتقعيداته التي يبنى عليها كثيراً من الأحكام التي هي شبيهة بهذا – والله أعلم -.
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، فإن كان صواباً؛ فمن الله، والحمد لله على التوفيق، وإن كان غير ذلك؛ فمن نفسي والشيطان، وشرع الله بريء من ذلك، والعصمة لمن عصمه الله تعالى.
اللهم! يا حي! يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا رحمن! يا رحيم! يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، أسألك أن تعلمني ما ينفعني، وتنفعني بما علمتني، وتجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم، وتنفع به عبادك المسلمين، وأعوذ بك أن أقول عليك أو على رسولك أو على أحد من خلقك ما لا يرضيك؛ إنك سميع قريب مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد
стр. 1571
الزواج بنية الطلاق حقيقته وحكمه وآثاره
المؤلف/ المشرف: أحمد بن موسى السهلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة دار البيان الحديثة - الطائف ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: نكاح - طلاق وخلع وفسخ ونشوز
الخاتمة: لقد أرسلنا أشعة البيان على قضية "الزواج بنية الطلاق" وعرضنا في هذا البحث الآثار المدمرة التي تتمخض عن القول بجوازه، ودفعنا الرأي هذا ببراهين بينة لا تدفع، مكشوفة لم تتقنع. مشكاة التنزيل معتمدها، وهدي النبوة مصدرها، وآراء الأئمة تدعمها، ومقاصد الشرع تصدقها.
ثم وضحنا ما آلت إليه فتوى الجواز من تذرع المترخصين بواسطتها إلى الاستمتاع الحرام، وانتهاك الأبضاع بدون ملام، وقد هز هؤلاء أركان الأسرة هزا عنيفاً ووأدوا في مستنقع الخديعة مقاصد نكاح الرغبة، الذي ارتضاه الله سبحانه لنا شرعاً ورتب عليه أحكاماً، واختار بناء الأسرة على هذا الأساس تحقيقاً للتكاثر، وتلخصت النقاط التي نتجت عن هذا البحث يما يلي:
أولا: إن الزواج بنية الطلاق – هو نكاح المتعة ذاته، بل هو أسوأ منه من عدة نواحي. أما اعتباره نكاح متعة فلأن هذا النكاح الذي رخص فيه في أول الإسلام للضرورة مداره وعمدته توقيت النكاح، ثم حرمه الله تعالى إلى يوم القيامة، وسد هذا الباب ولا فرق بين التصريح بالتوقيت أو نيته من قبل الزوج، الذي بيده عقدة النكاح، ولذلك أطلق عليه أئمة متقدمون ومتأخرون بأنه نكاح متعة، وعابوه ونشروا مساوئه، وأعلنوا أضراره وتعدد مفاسده.
وأما كونه أسوأ من نكاح المتعة، فلأنه بالإضافة إلى نية التوقيت فيه فقد دخله الغش والتدليس على المرأة وأسرتها، ونبذ مقاصد النكاح، وطرح تلك الأهداف السامية التي أراد الله تعالى تحقيقها عبر هذا الزواج الشرعي.
ثانيا: تبين أن الإمام أحمد نص على أن هذا النكاح نكاح متعة وعليه جرى أصحابه كما أوضحنا ذلك، باستثناء الموفق أبي محمد صاحب المغني، وقد ناقشنا رأيه في موضعه، وقد قال في الإنصاف [الزركشي على مختصر الرخفي ٥/ ٢٢٩] بأن الأصحاب على خلافه. نعم للإمام أحمد نص في المسألة بأن الزواج بنية الطلاق شبيه بالمتعة. وهذا أيضاً يقتضي بطلانه وتحريمه. فقد قال الزركشي [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ٨/ ١٦٠ - ١٦١]: "لأنه شبيه بالمتعة، والشبيه بالشيء يعطي حكمه، بيان الشبه أنه ألزم نفسه فراقها في وقت بعينه، والمتعة النكاح فيها يزول في وقت بعينه" اهـ.
ثالثا: تبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته جزم بتحريم هذا الضرب من النكاح وسوى بينه وبين نكاح التحليل، وفرع على هذا الأساس، وتعجب من جزم أبي محمد بصحته، وأما رأيه الأول الذي قال فيه بأن هذا العقد دائر بين الكراهة والتحريم فقد كان في حكمه متردداً غير جازم، وتابعاً فيه فيما يبدو لأبي محمد، ثم استبان له الأمر فجزم بحرمته. وقال الشيخ صالح اللحيدان [مقدمة الزواج بينة الطلاق ص ١٥]: "وكون شيخ الإسلام له رأيان في المسألة: رأي يؤيد صحة هذا النكاح، وآخر يبطله؛ يحملنا على أن نقول: الجدير بشيخ الإسلام أن يكون رأيه الخاص بإباحة هذا النكاح كان في أول أمره تبعاً للموفق، ومن كان على هذا القول، ثم استبان له الرأي بعد اتساع دائرة علمه، وإحاطته بالسنة ومقاصد الشريعة، وتعمقه في الغوص على مدلولات النصوص، وحكمة التشريع فصار إلى خلاف الرأي الأول، ولاشك أن كل إنسان يؤخذ من قوله ما وافق الدليل، ويستغني عما خالف الدليل بالدليل نفسه، أو ما فهم منه والواجب الأخذ بما اتفق مع حكمة التشريع، وانسجم مع أدلة الكتاب والسنة" اهـ.
رابعاً: عرضنا قول أهل العلم أن علة تحريم المتعة هو التوقيت، وهو ينطبق على مسألتنا، وبناء على ذلك فإن أدلة تحريم المتعة تتناول "الزواج بنية الطلاق" لوجود التوقيت المنوي.
стр. 1572
ولذلك عرضنا لأطوار تحريم نكاح المتعة في السنة، إذا عرضنا أحاديث المتعة التي تحكي الترخيص فيها والتحريم، وبعد تمحيصها والنظر في أسانيدها ومعرفة مراتبها من حيث القوة والضعف تبين لنا أنه لم يصح فيها إلا الترخيص فيها قبل غزوة خيبر، ثم تحريمها فيها، ثم الترخيص فيها ثانية في فتح مكة ثم لم يخرج رسول الله ﷺ من مكة حتى نادى بتحريمها إلى يوم القيامة، وسد هذا الباب وما سوى ذلك من المواطن التي تحكي الترخيص فيها أو غيره فأحاديثه معلة لم تثبت كما فصلنا الكلام على ذلك في محله، اللهم إلا تحريمها في عام أوطاس فإنه ثابت ولكن مرجعه إلى تحريمها بمكة لأن الغزوتين متقاربتان زمناً، فأوطاس بعد الفتح بيسير، في عام واحد، فلا فرق بين أن ينسب التحريم إلى أيهما. خامساً: أثبتنا من أقوال أهل اللغة، وحملة الشريعة الذين أراد الله تعالى بهم خيرا ففقهم في الدين – أثبتنا أن النكاح المؤقت يطلق عليه شرعا ولغة بأنه نكاح متعة، وأن علة النهي عن نكاح المتعة هي التوقيت الذي يلغي كافة المقاصد الشرعية من القصد بالنكاح.
سادسا: أوضحنا أن هذه المسألة داخلة في قواعد فقهية، وكلها يؤخذ منها منع هذا الزواج وتحريمه، كقاعدة "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب جانب الحرام" والقاعدة الحديثية "لا ضرر ولا ضرار" وغيرهما كالأصل في الأبضاع التحريم. سابعاً: بينا انحراف الناس في هذه المسألة إذا ترخصوا في "الزواج بنية الطلاق" على النحو الذي لم يقل به المبيحون، فإن من أباح هذا الزواج أو رخص فيه فإنما رخص فيه لمن كان في سفر وليس معه زوجة تعفه، وخشي على نفسه الفتنة ولكن هؤلاء المترخصين فيها لم يأخذوا بأي قيد من قيودها، وكل الذي فهموه وطبقوه أن هذا النكاح جائز، فترى أحدهم يشد الرحال كلما عنَّ له أن يرحل من أجل المتعة، وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، بل مارسه بعضهم في نفس المدينة التي يسكنها وله زوجة أو زوجتان وإنما الغرض المتعة!!
ثامناً: ناقشنا آراء الذين رخصوا فيها مناقشة علمية توصلنا فيها إلى رد هذه الفتوى، وسد الطريق على أولئك الذين يحملون كلام أهل العلم ما لم يحتمل، ويخرجون في التطبيق بشيء محرم عند أهل العلم جميعاً. يقول العلامة "ابن عثيمين" [فتاوى المرأة لابن عثيمين ص ٤٨ - ٤٩]: "ولأنني سمعت أن بعض الناس اتخذ من هذا القول ذريعة إلى أمر لا يقول به أحد، وهو أنهم يذهبون إلى البلاد للزواج فقط، يذهبون إلى هذه البلاد ليتزوجوا، ثم يبقوا مع هذه الزوجة ما شاء الله التي نوى أن زواجه منها مؤقت ثم يرجع، فهذا أيضاً محظور عظيم، في هذه المسألة فيكون سد الباب فيها أولى لما فيها من الغش والخداع والتغرير، ولأنها تفتح مثل هذا الباب، لأن الناس جهال، وأكثر الناس لا يمنعهم الهوى من تعدي محارم الله" أهـ.
تاسعاً: عرضنا بعض الصور التي تحدث بها الثقات عن الآثار المفزعة التي تمخضت عن القول بحل "الزواج المؤقت" وما نجم عن ذلك من مآسي يندى لها جبين أولي المروءة والحياء، حتى وصل الأمر إلى أن بعض من أسلمن وتزوجن ممن نوى الطلاق وطلقن وامتطين مراكب الضياع هن وأولادهن؛ وصل بهن الأمر إلى الارتداد والخروج عن ملة الإسلام بعد أن اعتنقنه رغبة فيه، وفيما يدعو إليه من مكارم الأخلاق!.
وما ذلك إلا بسبب أولئك المدلسين المخادعين، الذين استحلوا الفروج بكلمة الله تعالى، وما وفوا بمقتضى العقد، ولا أحسنوا الصحبة، ولا عاشروهن بالمعروف، بل ربما جعلوا الدعوة إلى الله وسيلة لإيقاعهن في حبائلهم.
стр. 1573
عاشراً: استغل أصحاب الهوى والشهوات فتوى بقية السلف وفخر الخلف "ابن باز" فأثبتنا نص الفتوى، وعلقنا عليها، وهي واضحة بقيودها، وأنها تمثل الضرورة الشرعية، ولو علم – رحمه الله تعالى – بما فعله الناس لرجع عن هذه الفتوى لما فيها من إساءة للإسلام؛ فقد ارتد كثير في ديار الغرب عن الإسلام بسبب الزواج بنية الطلاق، مع كونها أصبحت متعة ظاهرة في حق من يسافر من أجل هذا الزواج. حادي عشر: كررت بعض الأدلة والنصوص والنقولات بحسب مناسباتها للحاجة إليها، والتكرار للحاجة وعند اللزوم من منهج القرآن كما هو معلوم من تكرار بعض القصص لمناسباتها، فلا ضير علينا أن كررنا بعض النقولات للحاجة. وأخيراً خصصنا آخر البحث لمناقشة علمية لأهم ما حوته رسالة مجيز معاصر لهذا الضرب من النكاح، واعتمدنا في مناقشة استدلالاته على المصدرين النيرين كتاب الله الفرقان، وسنة رسوله المأمور بالبيان ﷺ ، وما فهمه علماؤنا الأوائل والمعاصرون من المقاصد الشرعية. ثم إني على يقين بأن كل من نسب إليه الجواز، وصح ذلك عنه لو رأى هذه المآسي المخزية التي ولدها ممارسة هذا النكاح المؤقت، وما جره من ويلات، ومنافاة لمكارم الأخلاق، ودفن للمقاصد الشرعية، وما خلفه من تأيم للفتيات، وإهدار للحقوق، وضياع لمستقبل المطلقات، وتعد على أولياء أمورهن بالغش المتعمد؛ أنا على يقين بأنهم سيجزمون بتحريمه وبطلانه سداً للذريعة. لاسيما ونحن في عصر تكالبت فيه قوى الشر على الإسلام والمسلمين، وهم يحاولون بكل وسيلة النيل من تعاليم الإسلام العليا، وإلصاق التهم بديننا الحنيف، لاسيما فيما يتعلق بنظام بناء الأسرة، الذي ظل شامخاً طيلة أربعة عشر قرناً وسيظل بمشيئة الله تعالى. وعندما يجدون تلك الصور التي عرضنا نموذجاً منها، مثل إنسان يتزوج بتسعين امرأة بنية الطلاق، ويطلقهن كلهن، ثم يؤوب إلى بلاده، وآخر ينجب ويطلق، ويترك أولاده في مهام الأحزان وعواصف الضياع، لا رعاية ولا نفقة، ولا توجيه، ولا سؤال عنهم، مع أن ديننا الحنيف يقول: ((كفى بالمرء أثماً أن يضيع من يقوت)) رواه أبو داود، ولمسلم: ((كفى إثما أن تحبس عمن تملك قوته)).
لا شك أن أعداء الإسلام حينما يرون هذه الصور القائمة التي لا تمثل تعاليم الدين تترآى في ديارهم يملؤون بذكرها مسامع الدنيا، ويقولون لأولئك الأغمار هذا هو دين الإسلام، وكفى خزياً وعاراً على هؤلاء المتمتعين أن بعض من دخلن في الإسلام ثم تزوجن على هذا النحو، وطلق الأزواج واختفوا – ارتددن عن الدين – وعزفن عن تعاليم تشرع مثل هذا الظلم، ولا تقيم لحقوق المرأة وزناً بحسب ما بدا لهن. فالله المستعان: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحمد بن موسى السهلي.
الطائف
стр. 1574
الزينة مفهومها وأحكامها الدنيوية في القرآن
المؤلف/ المشرف: وفاء محمد عزت الشريف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار عمار ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: لباس وزينة - أعمال شاملة
الخاتمة
في هذه الرسالة تناولت موضوع (الزينة ومفهومها وأحكامها الدنيوية في القرآن الكريم) التي قسمتها إلى ستة أبواب، خصصت الباب الأول في (الزينة ومعانيها) فجعلته في فصلين وكل فصل في ثلاثة مباحث.
الفصل الأول منها: في توضيح معناها في اللغة العربية، ثم في القرآن الكريم فاستخرجت الآيات الخاصة بكلمة (زين) ووجدت أنها ما يقارب ستاً وأربعين آية، ثم معناها في السنة النبوية الشريفة من خلال استخراج بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تتعلق بالزينة.
ثم في الفصل الثاني فسرت الآيات التي وردت في موضوع الزينة من تفاسير عدة، فوجدت اختلاف أنواعها من خلال التفاسير، وبينت أنواعها من خلال الآيات، وبعدها أدرجت الخلاصة مما يؤخذ من أقوال المفسرين.
فمن الزينة ما يختص بالكون مثل السماء والأرض والبحر والجبال، ومنها ما يختص بالمخلوقات كزينة الإنسان وزينة الحيوان والنبات، ووجدت أن الزينة مكملة بعضها بعضاً، فزينة الإنسان مستمدة من النبات والحيوان، وزينة الأرض من النبات والجبال والأنهار.
وأما في الباب الثاني فعنونته (أنواع الزينة)، وفيه تمهيد وفصلان، الفصل الأول فيه ثلاثة مباحث، وجدت أن الزينة، منها الظاهرة ومنها الباطنة، فمن الزينة الظاهرة العين، ومن الزينة الباطنة القلب، وفرقت بين قلب المؤمن وقلب الكافر، ومن ثم أوضحت الزينة الباطنة الظاهرة منها زينة العقل واللسان.
وفي الفصل الثاني بينت صور الزينة في ستة مباحث: منها: زينة السماء، فمن زينة السماء الشمس والقمر والنجوم والكواكب، التي جعلها الله زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وهداية يهتدي بها الساري في الليالي المظلمة، أما زينة الأرض ففي زرعها وخضرتها في جبالها وقممها، وفي أنهارها وجداولها، في كل ما على الأرض زينة أوجدها الله لا يلحظها إلا من آمن بالله حق الإيمان وتفكر في آلائه ومخلوقاته، وفي البحر زينة في زرقتها وفي السفن التي تجري عليها، وفي ما يستخرج منها وغيرها من البحر.
وللحيوان زينة جمال في اقتنائها وفي أصوافها وأوبارها وفي حلها وترحالها، وللنبات زينة في نبتها وحركة ورقتها وتنوع ألوانها وأزهارها وأريجها.
وللإنسان زينة في كل ما خلق الله وأبدع من تشكيل وتقويم جسده، وجعله خير مخلوقات الأرض قاطبة، وكلها مكملة بعضها البعض.
فاستخلصت أن الزينة شاملة لكل شيء في هذا الكون، فما من شيء إلا وله زينة في خلقه، وفي إبداعه، وفي تناسقه، وكلها تدل على خالقها وبارئها ومصورها، الذي أحسن كل شيء خلقه.
أما الباب الثالث فعنوانه (زينة الإنسان) فقد قسمته إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول فيه خمسة مباحث وهذا الفصل خصصته بزينة الإنسان، استنتجت من خلال هذا الفصل أن الزينة لها غايات عدة منها ستر العورة والزينة والطاعة والعبادة عن طريق إظهار نعمة الله على الإنسان، وأن الزينة نشأت مع الإنسان منذ خلق مع سيدنا آدم، وأن الإنسان مأمور بها في كل وقت وكل حين وكل مكان، فزينة الحج تختلف عن زينة العيد وعن زينة الجمعة، وزينة الرجل تختلف عن زينة المرأة، وزينة الخلق تختلف عن زينة التخلق، ووجدت أن العورة جزء من الزينة لا يتجزأ عنه لأنها الأساس في اللباس ومن ثم الزينة التي يقصد بها طاعة الله وعدم عصيانه.
стр. 1575
والباب الرابع جعلته (لأحكام الزينة) الخاصة بالإنسان وجعلته ثلاثة فصول، الفصل الأول قسمان: الزينة الباطنة والزينة الظاهرة للإنسان، ثم أحكام الزينة فوجدت أن للزينة أحكاماً مختلفة منها ما هو مفروض من الكتاب والسنة النبوية الشريفة، ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مباح التزين به، ومنها ما هو مكروه أو محرم يجب الابتعاد عنه، حتى لا يؤدي التزين به إلى معصية الله، ولكل حكم منها ما يؤكده من الآيات القرآنية الكريمة أو من السنة النبوية الشريفة أو آراء الفقهاء المختلفة والمتعددة، وما كانت آراء الفقهاء واختلافاتهم إلا رحمة للعباد.
أما الفصل الثالث منها فقد خصصته لآداب اللباس الخاصة بالرجل والمرأة وما المباح منها، وما المنهي عنه حتى لا تختلط الأمور على الناس فيتشبهون في لباسهم بالصنف الآخر، ثم أدرجت بعدها بيان حكم الذهب والفضة والحرير لباساً واستخداماً وزينة للرجل والمرأة، وما يباح منه وما يحرم، واعتمدت على الحكم ما كان منها حلالاً أو حراماً بدلائل من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وآراء الفقهاء واختلافاتهم.
ومن ثم في الباب الخامس خصصته (لآثار الزينة)، وجعلته في فصلين: الفصل الأول لأثر الزينة، فوجدت أن الزينة لها أثر يظهر في سلوك المسلم وتصرفاته، وفي أثاث بيته وزخارفه، وفي المجتمع المسلم بعاداته وتقاليده الإسلامية وضبطه ومعاييره الربانية، فنجد المجتمع يحرص على النظافة لأنها من سلوكيات المسلم فتؤدي إلى مجتمع نظيف، وغيرها من السلوكيات التي تؤدي به إلى أن يكون خير مجتمع وخير أمة أخرجت للناس كما أمر الله ، وفي المجتمع غير المسلم وما لهم من حقوق وواجبات في ظل الحكم الإسلامي.
وأما الفصل الثاني فخصصته لآثار التبرج والاختلاط، وبينت الفرق بين الزينة الحسنة والزينة السيئة وأثر ذلك على سلوك الفرد والمجتمع، وخطر التبرج والاختلاط ولماذا نهي عنهما في المجتمع المسلم، لما لهما من آثار سلبية في المجتمع.
وأما الباب السادس فجعلته خاصاً (بزينة الله وزينة الشيطان)، وفيه فصلان: الفصل الأول (زينة الله)، وزينة الله لها مطالب منها مطالب في العقائد، ومنها في العبادات، ومنها في الأخلاق، ومنها في المعاملات، وكل منها زينة يؤديها الإنسان طاعة لله ، ومن خلالها يحاول الشيطان إضلال الناس عن طرائق عقائدهم وعبادتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، فيزين لهم أعمالهم وأقوالهم، وهذا ما جعلته في الفصل الثاني وهو (زينة الشيطان).
وموضوع الزينة ليس مخصصاً بجزء معين من الدين الإسلامي، فهو موضوع شامل للدين، فهو من العقائد ومن العبادات ومن الأخلاق ومن المعاملات، لذلك كان من الصعب إيجاد المواضيع الخاصة فيه، لذلك تحتم عليَّ البحث طويلاً لأجد بعض الموضوعات فآخذ من هذا المرجع ومن ذاك المصدر، لأجمع المعلومات الخاصة بالرسالة، وما قدمت هو القليل الذي استطعت البحث والخوض فيه، جمعته في هذه الورقات لتكون موضوعاً للرسالة، ولو أردت أن أوفيه حقه لاحتاج الأمر إلى زيادة عدد الصفحات والمواضيع لشمول الموضوع وتشعبه وتعدده، وحسبي أني لا أريد الإطالة.
أسأل الله التوفيق والرضا وجزاكم الله عنا خير الجزاء.
стр. 1576
السفر الذي يثبت به القصر
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن محمد الريش
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: صلاة - سفر ومسافر
خاتمة البحث
وبعد حمد الله وشكره الذي أمدني بعونه وتوفيقه حتى أنهيت مباحثه فإني أدون هنا أبرز النتائج التي توصلت إليها في البحث:
١ - أن الفقهاء اختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة إلى ثلاثة أقوال.
٢ - أن أرجحها – والله أعلم – هو قول من قال أن المسافر يقصر في أي سفر كان سواء أكان سفر طاعة أو مباح أو معصية.
٣ - أن الفقهاء اختلفوا في تحديد مسافة السفر التي يجوز فيها القصر إلى ثلاثة أقوال في الجملة.
٤ - أن أرجحها – والله أعلم – قول من قال: إن السفر المبيح للقصر لا حد له في الشرع.
٥ - أن بعض الناس اليوم لا يفهم هذا القول فهماً صحيحاً فيستدل به على أمور لا ينتهجا ولا يؤديها لكن هذا القول لا يعتبر السفر إلا ما عده الناس سفراً واحتاج إلى الزاد والراحلة ومؤونة السفر.
٦ - أن طول الزمن وقصره في السفر غير معتبر حتى عند المحددين للمسافة.
٧ - أن من لم ينو الإقامة وأقام لحاجة ينتظر قضاءها ولا يدري متى يخرج فإنه يقصر أبداً.
٨ - واختلف الفقهاء في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام إلى خمسة أقوال في الجملة.
٩ - أرجحها عندي – والله أعلم – أن يطبق ما فعله النبي ﷺ بحجته فإذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم وإلا فيقصر لقوة دليله ولأن فيه خروجا من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب وهو ما تطمئن إليه النفس.
стр. 1577
الشروط في النكاح
المؤلف/ المشرف: صالح بن غانم السدلان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار معاذ ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٠٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: نكاح - شروط النكاح
الخاتمة
حيث أن الحديث عن الشروط في النكاح وما يتعلق بها من أبحاث فمن المناسب أن نختم البحث ببيان بعض الحقوق الزوجية لأن الشروط إما أن ترجع إلى ما يتعلق بحق الزوج أو بحق الزوجة أو بحق مشترك بينهما. والحديث مهما يتناول أموراً ثلاثة:
١ - حقوق الزوج على زوجته.
٢ - حقوق الزوجة على زوجها.
٣ - الحقوق المشتركة بين الزوجين.
فصل: في حقوق الزوج على زوجته:
الأصل الذي بنيت عليه حقوق الزوج على زوجته هو قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أثبتت الآية للرجال حق القوامية على نسائهم بسبب ما فضل الله بعضهم على بعض وبسبب ما أنفقوا من أموالهم. ومن أبرز هذه الحقوق الطاعة: إذا أعد الزوج لزوجته السكن الشرعي المستكمل لحاجات معيشتها الذي تأمن فيه على نفسها ومالها يجب عليها أن تسلم نفسها إليه وأن تقيم معه في هذا المسكن، وعليها أن تمتثل أمره إلا فيما نهى الله عنه.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ويلزمها القرار في بيته وألا تخرج إلا بإذنه.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ في هذه الآية يأمر الله تعالى النساء أن يلزمن بيوتهن صيانة لهن وحفظاً لحق أزواجهن.
ويلزمها المحافظة على نفسها ومالها وألا تأذن لأحد يكره دخوله في منزله إلا بإذنه ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾.
ولا يجوز للمرأة أن تهجر فراش زوجها وعليها أن تمتثل أمره إذا دعاها لحاجته. عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشها فأبت قلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح.
وعليها أن تؤمن بوجوب حق زوجها عليها وأن له من الحق أعظم من ما لها عليه.
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾.
وعن قيس بن سعد في حديث طويل عن النبي ﷺ وفيه (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق). إن المرأة إذا أقامت هذه الحقوق وغيرها مما لم تذكر لكفيل بأن تعيش في أكناف زوجها عيشة هادئة كريمة ملؤها المحبة والوئام.
فصل في حقوق الزوجة على زوجها:
الأصل في حق الزوجة على زوجها قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وحقوق الزوجة على زوجها كثيرة ومتعددة فمن هذه الحقوق: الصداق ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
وإذا دخل الرجل بالمرأة استحقت عليه المهر كاملاً. وإن فارقها بعد العقد وقيل الدخول وكان قد سمي مهراً استحقت نصفه ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾.
стр. 1578
وإن لم يسم شيء فلها على زوجها المتعة ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
٢ - نفقة الزوجة وهي ما تحتاج إليه من طعام وكسوة ومسكن وفرش وخدمة وكل ما يلزم لمعيشتها حسب المعروف وهي حق لها على زوجها لقوله تعالى ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. وروى مسلم في صحيحه اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
٣ - عدم الإضرار بالزوجة ومن حقوق الزوجة على زوجها أن لا يضارها بقول أو فعل أو خلق ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ روى أبو داود في سننه عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله "ما حق زوجة أحدنا عليه" قال (تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) وإذا قصر في شيء من نفقتها أو نالها منه أذى لها حق المطالبة بحقها والدفاع عن نفسها وإذا كان للزوج أكثر من زوجة وجب عليه العدل بينهن والتسوية في كل ما يملك بذله لهن. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.
وقالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.
الحقوق المشتركة: هناك حقوق مشتركة بين الزوجين تجب لكل من الزوجين بسبب عقد الزواج فمنها: حل الاستمتاع إذا تم عقد النكاح بين الزوجين وتوفرت الشروط من تسليم زوجته وتأمين المسكن ونفقة. وانتفت الموانع من الحرام ونحوها أبيح الاستمتاع لكل من الزوجين بالآخر على الوجه الشرعي الذي قصد منه عقد النكاح ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ والمرأة سكن لزوجها وهو كذلك سكن لها.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ومن هذه الحقوق أيضاً ثبوت التوارث بين الزوجين إذا تم عقد الزواج ثم مات أحد الزوجين قبل صاحبه ثبت حق التوارث بينهما ما لم يمنع من ذلك مانع.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾.
ومنها المعاشرة بالمعروف على كل من الزوجين أن يعاشر زوجه بالمعروف كما أمر الله تعالى وعاشروهن بالمعروف. ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف.
стр. 1579
وقال ﷺ في خطبة يوم حجة الوداع: ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم لن تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيل، ألا إن لكم إلى نسائكم هذا ولنسائكم عليكم حقاً فلكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن).
نتبين من هذه النصوص مشروعية المعاشرة بين الزوجين بالمعروف وأن لكل زوج على زوجه حقاً فعلى المرأة أن تقوم بالحقوق التي تناسبها وكذلك على الزوج أن يقوم بالحقوق التي تناسبه.
ومن هذه الحقوق أيضاً ثبوت حرمة المصاهرة بين الزوجين فيحرم على الزوج نكاح أم زوجته وإن علت وبنتها كذلك يحرم عليه أن يجمع بين المرأة وأختها وعمتها وبين المرأة وخالتها ويحرم عليها هي نكاح أبي الزوج وابنه وإن نزل.
هذه بعض الحقوق المشتركة التي تثبت لكل من الزوجين على الآخر بعقد الزواج وليس المقصود حصر جميع الحقوق التي من هذا النوع وإنما المراد بيان جنسها.
فصل:
وملاك الحقوق الزوجية والقيام بها الإيمان بالله وتتبع ما ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك من أقوال وأفعال فإن رسول الله ﷺ هو المثل الأعلى في حسن الأخلاق وخاصة ما يتعلق بالمعاملات الزوجية عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). وعنها أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر قالت: (فسابقته على رجلي فسبقته فلما حملت اللحم سابقته فسبقني. قال هذه بتلك السبقة). رواه أبو داود وهذا منه ﷺ يدل على عظيم خلقه وتواضعه وهو القدوة لأمته ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
السنة الثابتة مستفيضة ببيان ما كان عليه الرسول ﷺ من حسن المعاشرة الزوجية. فما عرف أنه ضرب امرأة ولا عبداً بل حذر من ذلك أشد التحذير وهذا يوجب على كل مسلم أن يقتدي برسول الله ﵊ فيما كل ما من شأنه الاقتداء به.
مراتب الحقوق الزوجية:
وما يتعامل به الزوجان واجب ومندوب كالمعاشرة الزوجية مثلا فإن منها الواجب والمندوب.
والواجب في حد ذاته مراتب متفاوتة فبعض الواجبات آكد من بعض وألزم فتأمين النفقة الضرورية مثلا يختلف في وجوبه عن تأمين نفقة الكفاية. وكذلك المندوب مراتب يختلف بعضها عن بعض وهذا بين يتضح من استقراء الأوامر الشرعية في الحقوق الزوجية وغيرها.
فصل:
وما نهى أن يتعامل به الزوجان محرم ومكروه. والمحرم مراتب بعضها أشد من بعض فمنها ما يستوجب التأثيم مع العقوبة في الدنيا ومنها ما يستوجب التأثيم فقط والمكروه مراتب كذلك فمنه ما يستحق فاعله اللوم والعتاب ومنها ما يستحق لوماً دون ذلك فالإصرار على فعل المكروه والاستمرار عليه قد يصل إلى درجة التحريم فالذي يتخذ بذاءة اللسان خلقا له مع زوجته مع علمه بالنهي عن ذلك، فليس كمن تحصل منه البذاءة على فترات مختلفة.
وبعد فهذا ما تيسر لي كتابته فإن كان صواباً فمن الله وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1580
الشريعة الإسلامية والفنون (التصوير - الموسيقى ٠٠٠)
المؤلف/ المشرف: أحمد مصطفى علي القضاة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الجيل - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٨هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: تصوير ونحت تماثيل
الخاتمة وأهم نتائج البحث: هذا غاية طاقتي وقصارى جهدي في معالجة قضية من قضايا الإنسان الأساسية، التي نالت حظاً عظيماً من حياة الناس القديمة والحديثة، وقد حرصت أن يكون الموضوع متناسقاً فيما بينه، ومتفقاً مع منهجيات الدراسات الحديثة، ومعطاءً في قضايا مستجدة. ولقد قررت هذه الجولة الطيبة في رياض الفقه الإسلامي في قضية إنسانية عصرية جملة من الأمور القيمة والحقائق العامة، التي أهمها:
١ - أن هذه الشريعة شريعة مستقلة متميزة ذاتية، لم تخضع للضغوطات الاجتماعية، ولا للصراعات الطبقية، ولا للاضطرابات الإنسانية، وتظهر استقلاليتها في أنها تطرح القضايا الإنسانية وتجيب على التساؤلات بصورة متميزة تختلف عن بقية المناهج والأنظمة، وأن تشريعاتها لم تكن في يوم من الأيام ولن تكون نتيجة ضغوطات أو صراعات أو اضطرابات، وإنما هي تشريعات ذاتية نابعة من مصادرها الثابتة المرنة الأصيلة.
٢ - أن هذه الشريعة شريعة شاملة كاملة، قد أقامت توازناً رائعاً بين جانبي الحياة الإنسانية، وشملت تشريعاتها كل جوانب الحياة، ولم تعجز الشريعة من أن تعطي حكماً في القضايا الإنسانية الكبرى والصغرى، القديمة والحديثة منها، وهي تعطي تصوراً رائعاً كاملاً للكون والإنسان والحياة، التي تعد المجالات الحرة لكل أنواع الفنون على مر التاريخ البشري، وهي أيضاً تربط بين كل تشريعاتها من جانب وبين قضايا الإنسان من جانب آخر.
٣ - حفظ الشريعة الإسلامية الإنسان من التخبط والاضطراب في معالجته لمشكلاته، وذلك في الوقت الذي اضطربت فيه الموازين، وانعدمت القيم، واختلت المقاييس، وأخذ الإنسان بعد أن ابتعد عن هدي السماء ينتقل من تقديس إلى تقديس، ومن قلق إلى قلق ومن اضطراب إلى اضطراب، وهو يحاول في كل مرة – ومن خلال الفنون – أن يطمئن ضميره، ويربح جسده، ويسلي نفسه، .... ولكن أني له؟. وأكثر ما برز هذا الاضطراب في المدرسة السيريالية التي قامت على نبذ الشعور والعقل والأديان، وعلى تقديس القمامة، ولذلك أخذ الإنسان في مراحل تاريخه يسلي نفسه بلوحة تصويرية، أو بلحن موسيقى، أو بمقطع غنائي، أو بمشهد تمثيلي، وسيبقى الإنسان المبتعد عن هدي السماء متشبثاً بالفنون دون أن يرى فيها راحة وأنساً.
وأما النتائج التفصيلية للبحث حسب تسلسلها في الرسالة فهي:
١ - عرضت مقدمة الرسالة أهمية موضوع الفنون وضرورة دراسته دراسة مقارنة من الوجهة الشرعية، ولذلك لمعرفة آراء العلماء في قضايا الفنون القديمة والمستجدة، ثم تمحيصها واختيار الأرجح منها.
٢ - وتكلمت في التمهيد عن تعريف الفن ونشأته وتطوره، وكيف اقتصرت كلمة الفنون على التصوير والموسيقى والغناء والتمثيل؟ ثم بينت أقسام الفنون المختلفة من حيث الموضوع والآلة والزمان والمكان، ومن حيث القبول أو الرفض، الذي أدى إلى ظهور المدارس الفنية عبر التاريخ الإنساني، وكذلك بينت وظائف الفنون العامة والخاصة، وكيف استغلت الحركات العالمية كالشيوعية والصهيونية وغيرهما الفنون استغلالاً مشيناً؟. وقد تكلمت في التمهيد أيضاً عن تعريف الفن الإسلامي، واخترت تعريفاً مناسباً، ثم عرضت منهج الفن الإسلامي وخصائصه، مبيناً موضع الطبيعة والإنسان فيه.
следующие страницы →