Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
رسالة في حكم تقديم السعي على الطواف
المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن عبدالله الجريسي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣١هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: حج وعمرة - سعي
الخاتمة:
الحمد لله أولاً وآخراً على ما يسره لي ربي من إتمام هذه الرسالة، فلك الحمد يا ربي حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا ..
وقد عرضت في هذه الرسالة (حكم تقديم السعي على الطواف) أقوال أهل العلم، وبلغت خمسة أقوال كما تقدم، وهي على النحو التالي:
القول الأول: عدم صحة تقديم السعي على الطواف مطلقاً.
القول الثاني: صحة تقديم السعي على الطواف مطلقاً.
القول الثالث: صحة تقديم السعي على الطواف في الحج والعمرة في حق الجاهل والناسي؛ دون العامد.
القول الرابع: صحة تقديم السعي على الطواف في الحج والعمرة؛ مع وجوب الدم.
القول الخامس: صحة تقديم السعي على الطواف في الحج، وجواز ذلك مقيداً بتقديمه على طواف الإفاضة يوم النحر وما بعده؛ فلا يصح تقديمه على طواف القدوم، أما العمرة فلا يصح تقديم السعي على طوافها مطلقاً.
وقد قمت بجمع هذه الأقوال من مواطنها المتفرقة، وذلك من خلال عدد كبير من المراجع حتى يتمكن القارئ من معرفتها والاطلاع عليها، ثم قمت باستعراض أدلة الأقوال، وجعلت أدلة كل قول على حدة؛ مع مناقشتها وذكر الاعتراضات والأجوبة والردود – إن وجدت – عليها، كما قمت بحصر صور تقديم السعي على الطواف، وقد بلغت عشرين صورة، أهمها سبع عشرة صورة، وممن انفرد بالإفتاء بها - إما نصاً أو بقياس الأولى أو على سبيل العموم - سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀، وقد رجحت القول الثاني منها؛ نظراً لقوة ما استدلوا به، ولإجابتهم عما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى، وذكرت أسباب الترجيح على شكل نقاط كما تقدم.
ولا شك أن معرفة سبب الخلاف يعين على تصور المسألة، ومن أسباب الخلاف المهمة: هو فعله ﷺ ، فهل مجرد فعله ﷺ في الحج والعمرة وغيرهما من العبادات يدل على الوجوب أم على الاستحباب؟! فمن قال بالأول منع تقديم السعي على الطواف، ومن قال بالثاني لم يمنع ذلك.
وأما حديث أسامة بن شريك أن رجلاً قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف؟ قال: (لا حرج)، فلا يدخل تصحيحه وتضعيفه في سبب الخلاف عند الجمهور؛ حيث إن أكثر أهل العلم قد صححوه، وقد سبق ذكر من صححه من أهل العلم، كما أن الحنفية الشافعية قد صححوه؛ ولكنهم تأولوه، فأما الحنفية: فقد أوَّلوه بأن هذا الترخيص كان في أول الإسلام؛ حيث لم تستقر شرائع الحج، أما اليوم فلا، وتقدم الجواب عن هذا التأويل. والشافعية أوَّلوه بأن مقصود السائل: سعيت عقب طواف القدوم وقبل أن أطوف للإفاضة. وقد ظهر ضعف هذا التأويل كما تقدم، كما أن بعض من أعله بالتفرد منهم لم يجزم بتضعيفه؛ حيث قال بعد ذكره لتفرد جرير عن الشيباني: فإن كان محفوظاً فمراده ... وذكر التأويل السابق.
وأما المالكية؛ فلم يرد عن مالك في هذا الحديث شيء، ولم أجد له ذكراً فيما وقفت عليه من كتبهم؛ باستثناء الإمام ابن عبد البر؛ فقد ساقه بسنده من طريق أبي داود كما في التمهيد، والقاضي عياض في إكمال المعلم، ولم يذكرا شيئاً في تصحيحه أو تضعيفه، كما نقله الزرقاني في شرحه للموطأ، وقد نقله من كلام الحافظ في الفتح.
وأما الحنابلة؛ فلم يرد عن أحمد في هذا الحديث شيء أيضاً؛ بل لم أجد له ذكراً فيما وقفت عليه من كتب مسائل الإمام أحمد وكتب المذهب؛ باستثناء الإمام ابن القيم؛ فقد ذكره في زاد المعاد وحكم عليه بالضعف، كما تقدم، وباستثناء علمائنا المعاصرين – أيضاً –؛ كسماحة مشايخنا: الباز والعثيمين والجبرين.
стр. 1787
وفي الحقيقة إن حديث أسامة بن شريك كان ينبغي أن يكون دليلاً على الجواز لمن يرى صحته؛ لأنه نص صريح في مسألة جواز تقديم السعي على الطواف، ولم يكن كذلك عند الأحناف والشافعية؛ لأنهم تأوَّلوه.
وأما من قال: إن حديث أسامة بن شريك مقيد بجوازه في حال الجهل أو النسيان دون العمد - كما في القول الثالث في المسألة - فقد أجيب عنه بأجوبة، منها: أن النبي ﷺ لم يستفصل عن حال السائل، ولم يقل له: هل أنت عامد أو ناسٍ أو جاهل؟ فلمَّا لم يستفصل ﵊ دل على جواز ذلك مطلقاً، كما أن النبي ﷺ لم يُسقط الحرج إلا وقد أجزأ الفعل؛ إذ لو لم يجزئ لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحج، كما لو ترك الرمي ونحوه فإنه لا يأثم بتركه جاهلاً أو ناسياً؛ لكن يجب عليه الإعادة.
وأما من قال: إن حديث أسامة بن شريك مقيد في الحج دون العمرة، وجوازه في الحج مقيد بما بعد الوقوف وما بعده، وليس قبل الوقوف. كما هو القول الخامس، وقال به فضيلة الشيخ العثيمين، أما دليل منعه من العمرة: أن السؤال ورد في الحج دون العمرة، فأجبنا عنه بما تقدم.
وأجبنا عنه من كلام الشيخ العثيمين ﵀؛ وأن ذلك معارَض بقول فضيلته: بأن كل ما يُفعل في الحج يُفعل في العمرة، وأن الأصل مشاركة العمرةِ الحج َّفي الأفعال والأحكام إلا ما استُثني، فإن قيل- كما تقدم -: يلزم من ذلك وجوب طواف الوداع في العمر، كما هو واجب في الحج وأنتم لا تقولون بذلك؟ فالجواب عنه بقول فضيلته أيضاً: فإن الأصل مشاركة العمرة الحج في الأفعال والأحكام إلا ما استُثني، وطواف الوداع مما استُثني بعدم وجوبه في العمرة؛ لوجود القرائن الدالة على ذلك والتي سبق بيانها، وأما قول فضيلته بأن الجواز مقيد بيوم العيد وليس قبل ذلك؛ لأن السؤال وقع يوم النحر ولم يسأل قبل ذلك، فأجبنا عنه أيضاً بقول فضيلته بما تقدم، ومن ذلك قول فضيلته: وإذا كان الحديث عامّاً فإنه لا فرق بين أن يأتي ذلك يوم العيد أو فيما بعده، كما أجبنا عنه بأن النبي ﷺ لم يستفصل عن حال نسك السائل أو وقت أدائه مع علمه ﷺ بكل ذلك، وبيّنا أثر ما تقدم من التعارض، وأنه يضعف هذا القول؛ لأن عدم الاستمرار على طريقة واحدة من الاستدلال – بحيث يستعمل في مكان ما لا يستعمل في غيره – يحصل فيه انقلاب النظر.
وأما خلاف العلماء في تقديم بعض الأمور على بعض في يوم النحر فلا يدخل أيضاً في سبب الخلاف في تقديم السعي على الطواف؛ لأن خلافهم - كما نصوا على ذلك - في غير تقديم السعي على الطواف كما تقدم.
وأما القول بأن السعي تبع للطواف على سبيل الفرض؛ فقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة، كان من أهمها: أن النبي ﷺ لما رخّص في تقديم السعي على الطواف علمنا أن ذلك جائز، وأن تقديم الطواف هو الأفضل والأبر، فإن لم يسلَّم بذلك؛ فيقال: كيف يصح أن يكون السعي ركناً في الحج – كما هو قول الجمهور – مع أنه تبع للطواف؟! وكيف يصح – أيضاً – أن يقدم طواف القدوم عليه؛ مع أنه سنة عند الجمهور؟! وكيف يكون التابع أعلى من المتبوع؟!
وأما العذر في ذلك - كما هو عند الأحناف - وهو أن الشرع أجاز له أداء السعي عقيب طواف هو سنة للتيسير؛ لأن الطواف الذي هو ركن لا يجوز قبل يوم النحر، وفي يوم النحر أعمال كثيرة، ولو وجب عليه السعي في هذا اليوم للحقته المشقة، فأجبنا عنه بأن ما ذكروه كلام لفظي لا يغير من حقيقة الأمر، وهو أن التابع تقدم على المتبوع، والله أعلم.
стр. 1788
وبقي أن أذكر في هذه الخاتمة الكلام على حديث عائشة ﵂ لما حاضت وقال لها النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)؛ فقد استدل به كلٌّ من أصحاب القول الأول والقول الثاني.
أما أصحاب القول الأول - وبالأخص منهم أصحاب الشافعي - فقد استدلوا به على المنع بقولهم: إن النبي ﷺ أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تسعَ كما لم تطُف، فلو لم يكن السعي متوقفاً على تقدم الطواف عليه ما أخرته، واعتُرض عليه بأن السنة جاءت برفع الحرج عمن قدم السعي على الطواف، فإن لم يُسلَّم بذلك؛ فيمكن أن يقال كما تقدم: إن عائشة ﵂ لم تفعل السعي كما فعلت غيره من المناسك – والله أعلم – لا لأجل أن تقديم الطواف عليه شرط؛ بل لأن الإتيان بالسعي بعد الطواف كمالٌ واتباع للسنة، وأن ما أباحه الله ورسوله ولم يُرَ فيه حرج فهو مشروع، ولكنه ترك الأفضل، كما أن فعلها ﵂ لا يدل بنفسه على الوجوب ولا يخصص العموم، ومما أيَّد عدم ارتباط حكم المسألة بفعل عائشة ﵂ ما ورد من الأحاديث الأخرى في ذلك؛ كحديث: (الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت)، وغيره من الأحاديث التي تقدم الكلام عليها، ثم ختمتُ مناقشة هذا الدليل بإلزام من استدل بهذا الحديث على المنع أن يقوم باشتراط الطهارة للسعي؛ لأن الرسول ﷺ أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تسعَ ﵂ على غير طهارة كما لم تطُف، فلو لم يكن السعي متوقفاً على الطهارة لما أخرته؛ وهم لا يشترطون ذلك، ومعلوم أن جماهير الأمة – إلا من شذ – لا يشترطون الطهارة للسعي؛ أخذاً بعموم حديث عائشة: (افعلي ما يفعل الحاج) ويدخل فيه السعي، وهم بذلك قد استعملوا شيئاً في مكان وتركوه في آخر، كما فرقوا بين الفعل وأوصافه، والفعل لا ينفك عن أوصافه، فإذا جاء فعل عم أوصافه المقترنة به، فإذا جاز الاستدلال بحديث عائشة ﵂ على عدم اشتراط الطهارة للسعي؛ كان فعل السعي نظيره، وإلا كان مخير أحدهما – إذا منع الآخر – متحكماً، والتحكم لا يعجز عنه أحد. ثم لا يتصور أن يُستدل بالحديث على جواز وصف الفعل دون أصله، فما لا يجوز أصله كيف يجوز وصفه؟ فكيف يستدل بالحديث على جواز السعي على غير طهارة ولا يستدل على جواز أصل السعي؟ والله أعلم.
ولذلك حاول البعض أن يكون قوله مطَّرداً في ذلك؛ فمنع الاستدلال بحديث عائشة ﵂ على عدم اشتراط الطهارة للسعي؛ لأنه يلزم منه تقديم السعي على الطواف. وأما توجيه الحافظ العراقي وابن رجب وأبي الوليد الباحي وغيرهم بأن السعي لم يدخل في عموم الحديث؛ لأنه تابع للطواف ولا يفعل إلا بعده، فأجبنا عنه بأن ما ذكروا مصادرة على المطلوب؛ لأن كون السعي لا يكون إلا بعد الطواف، وهو محل النزاع، والله أعلم.
وأما أصحاب القول الثاني: فقد استدلوا بحديث عائشة ﵂ المتقدم على الجواز؛ مع ذكري لأحاديث أخرى في هذا الباب في معنى حديث عائشة ﵂، واجتهدت في ذكر وجوه الدلالة من هذه الأحاديث، وذكرت خمسة أوجه، ولم أجد ما يمكن أن يعترض به عليها؛ سوى ما تقدم من عدم التسليم بدخول السعي في عموم حديث: (افعلي ما يفعل الحاج)؛ لأنه تابع للطواف فلا يفعل إلا بعده. وتقدم الجواب عنه –أيضاً- وأنه استدلال في محل النزاع كما نبهت على رواية: (ولا بين الصفا والمروة)، وذكرت كلام أهل العلم في شذوذها وعدم الأخذ بها. وأنبِّه أيضاً إلى أنني لم أجد من استدل بحديث عائشة - المتقدم على الجواز - سوى الإمام ابن حزم، وهو ظاهر قول عكرمة كما تقدم، وظاهر النص موافق لما ذكروه، والله أعلم.
стр. 1789
رفع العتاب والملام عمن قال: "العمل بالحديث الضعيف اختيارا حرام "
المؤلف/ المشرف: محمد بن قاسم الفاسي
المحقق/ المترجم: محمد المعتصم بالله البغدادي
الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٦هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: العمل بالحديث الضعيف
الخاتمة
ختم الله لنا بالحسنى ومتعنا بالنظر لوجهه الكريم الذي لا يفنى
اعلم أني لما وقفت على كلام سيدي عبدالرحمن الفاسي في تحفة الأكابر المتقدم بعضه في الفصل الثالث وكان متضمناً لما حاصله أنه يجب العمل بأحد القولين الذي هو أقوى من مقابله كما أنه يخير في العمل بأحد القولين المتساويين أردت أن أبسط ذلك بذكر الصور اللائقة بالمقام على جهة التفصيل والتمام وحاصل هذه الصور أنها عشرة: ستة فيها أحد القولين أقوى من مقابله فيجب العمل به ويحرم العمل بمقابله وأربعة القولان فيها متساويان في ترجيح كل منهما أو في عدم ترجيح كل واحد منهما.
فالستة الأولى هي أن يكون أحد القولين مشهوراً ومقابله شاذ أو أحد القولين راجحاً ومقابله ضعيفاً أو أحد القولين راجحاً ومقابله مشهوراً أو أحد القولين مشهوراً أو راجحاً ومقابله شاذا أو ضعيفاً أو أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر راجحاً فقط أو أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر مشهوراً فقط فهذه ست صور يجب فيها العمل بالأقوى ويحرم العمل بمقابله إلا في الضرورة والقوة حصلت في الصورة الأولى بالمشهورية وفي الثانية بالراجحية وفي الثالثة بالراجحية أيضاً فإنها أقوى من المشهور كما تقدم ذلك عن الهلالي في الفصل الثاني وفي الرابعة باجتماع المشهورية والراجحية وفي الخامسة باجتماع ذلك أيضاً فإن اجتماع ذلك أقوى من انفراد الراجحية وفي السادسة باجتماع ذلك أيضاً فإن اجتماع ذلك أقوى من انفراد المشهورية وإلى القول الأقوى المذكور في هذه الست صور أشار خليل بقوله مبيناً لما به الفتوى أي مقتصراً على القول القوي الذي يجب الحكم والفتوى والعمل به في هذا المختصر غالباً وهو ما كان راجحاً ومشهوراً أو راجحاً فقط أو مشهوراً فقط.
والصور الأربع الباقية التي فيها القولان متساويان تنقسم على قسمين الأول أن يكون القولان متساويين في التقوية وفيه ثلاث صور.
أحدها أن يكون القولان مشهورين معاً.
ثانيها أن يكون القولان راجحين معاً.
ثالثها أن يكون كل من القولين راجحاً ومشهوراً بأن يكون كل منهما قالت به جماعة وكل منهما له دليل قوي وإلى هذه الصور الثلاث أشار خليل بقوله وحيث قلت خلاف فذلك للاختلاف في التشهير لأن مراده باختلاف التشهير الاختلاف في التقوية عبر المختلفون في ذلك بلفظ التشهير أو الترجيح كما يفيده الحطاب في الكلام على النص المذكور ونصه وسواء كان اختلافهم بلفظ التشهير أو بما يدل عليه كقولهم المذهب كذا أو الظاهر أو الراجح أو المفتي به كذا أو العمل على كذا أو نحو ذلك اهـ نقله بناني عند قول خليل في الظهار وهل هو العزم على الوطء الخ وسلمه وكذا نقله الرهوني ثمة وسلمه.
والثاني من المتساويين أن يكون لا ترجيح في واحد من القولين وفيه صورة فقط وإلى هذه الصورة أشار خليل بقوله وحيث ذكرت قولين أو أقوالاً الخ وحكم هذه الصور الأربعة أن المكلف مخير فيما يعمل به من القولين كما نص عليه سيدي عبدالرحمن الفاسي وما ذكرناه عن سيدي عبدالرحمن الفاسي من أنه يعمل بالقولين في الست صور ويخير في الأربعة يؤخذ من كلام سيدي محمد الرهوني في غير ما موضع من حاشيته.
стр. 1790
مثال الصورة الأولى وهي ما إذا كان أحد القولين مشهوراً والآخر شإذا كراء الأرض بما يخرج منها فإن المذهب أي المشهور كما قال الشيخ التاودي على التحفة المنع تبعاً لناظمها قال ابن رشد في المقدمات، مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه يجوز كراؤها بالدنانير والدراهم والعروض والثياب والحيوان ما عدا كراءها بالطعام وإن لم تنبته كالسمن والزيت وبما تنبته ولو غير طعام كالقطن والكتان اهـ " وقال سحنون من اكترى أرضاً بما يخرج منها فذلك جرحة في حقه وتأوّله أبو محمد بما إذا كان عالماً بالمنع وهو مذهبه أو قلد مذهب المانع وإلا فلا على قول مالك وأكثر أصحابه عول خليل إذ قال عاطفاً على المنع ما نصه وكراء الأرض بطعام أو بما تنبته إلا كخشب الخ وقد سلم كلامه كل من شرحه أو حشي عليه والمقابل وهو الليث يقول بالجواز فلا يحل لعالم أن يفتي به لأحد وإنما يجوز له أن يعمل به في نفسه عند الضرورة فإن وقع ذلك الكراء المحرم على المشهور فإن اطلع عليه قبل حرثها فالفسخ ليس إلا وإلا فالزرع أو المقتاة كله للمكتري وعليه لربها كراء المثل عيناً هذا إن اكتراها لِسَنة واحدة فإن اكتراها بجزء مما تخرجه سنين واطلع على ذلك في أثنائها فالأعوام الباقية تفسخ فيها الكراء وما مضى يكون فيه كراء المثل.
وكذا من ذبح ذبيحة وجعل الكرجمة كلها لجهة البدن فالمذهب أي المشهور أنها لا تؤكل وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب وأصبغ وابن مزين قال التلمساني وهو المشهور وقال في الشامل ولو حاز الجوزة للبدن من غير قطع فمشهورها المنع وقال ابن الحرب لا تؤكل مطلقاً أي لا يأكلها غني ولا فقير وممن صرح بحرمتها السيوري، وكلامه محمول على عدم الصعوبة في الدين وكذا ذكر ابن رشد أن المشهور منع أكلها فعلى هذا القول وهو حرمتها على الفقير والغني لا بيع فيها ولا صدقة وإنما ترمى للكلاب قال ابن ناجي ويضمن الجزار قبعتها إن فرط كثقب اللؤلؤة ومن استؤجر على نقل زجاج فكسره أو أذن له في تقليب فخّار فكسره والبيطار في حال علاجه للدابّة والطبيب في حال طبه والمؤدب إذا ضرب ضرباً لا يجوز له أمّا ما يجوز له ونشأ منه فساد فلا شيء عليه والقاضي إذا حد حداً ونشأ منه فساد فلا ضمان عليه والمقابل القائل بجواز الأكل وهو ابن وهب، ومن تبعه وإن كان قوياً في نفسه فهو شاذ بالنسبة للقول بالحرمة.
стр. 1791
وكذا من خشي باشتغاله بالوضوء أو بالغسل من الحدث الأكبر خروج الوقت فالمشهور أنه يتيمم مطلقاً كان يداوم على الصلاة في الوقت أم لا وهو قول مالك الذي رواه الأبهري عنه وهو مذهب ابن القصار وعبدالوهاب وغيرهما من العراقيين وهو الذي اختاره التونسي وابن يونس وصاحب التوضيح وأقامه اللخمي وعياض من المدونة وصرح ابن الحاجب بتشهيره والمراد بالوقت الذي هو فيه اختيارياً أو ضرورياً كما يؤخذ من سيدي محمد الرهوني والشاذ يقول أنه يتوضأ أو يغتسل ولو أدى ذلك للصلاة خارج الوقت ولم يطلع خليل على أن هذا الثاني شاذ بالنسبة إلى الأول فأشار إلى تشهيرهما معاً بقوله وهل إن خاف فواته باستعماله خلاف وكذا إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه فالمشهور فيها الوجوب والشاذ يقول بالاستحباب وقد صرح بشذوذ القول بالاستحباب شيخ الشيوخ سيدي عبدالقادر الفاسي في نوازله الكبرى قال ولا يعمل بهذا القول الشاذ إلا عند الضرورة وقد اعترض العارف بالله مولاي أحمد التجاني القول بالسنية ولم يَرْتض ِ إلا القول بالوجوب مستدلاً بقوله تعالى وثيابك فطهر قال لأن الأمر للوجوب حقيقة وإذا أبطل ﵁ القول بالسنية فكيف يرتضي القول بالاستحباب ثم أن ما للحطاب وصدر به الزرقاني واختاره المسناوي فإنه قال والنفس لما يقوله الحطاب أميل نقل ذلك تلميذه جسوس في شرح الفقهية وكذا اختاره الشيخ بناني وسلمه الرهوني بسكوته عنه وكذا سلمه شيخنا في اختصاره من أن الخلاف بين السنية والوجوب لفظي هو الصواب خلافاً لمن جعله من الشراح حقيقياً كالشيخ الإمام أبي سالم العياشي، في ترجمة حكيم الإسلام الروداني فقد رد عليه العلامة الشريف الحسني سيدي أبو عبدالله محمد بن عبدالسلام القادري ﵀ ورضي عنه في كتابه " نشر المثاني " في ترجمة حكيم الإسلام المذكور بأن كون الخلاف حقيقياً يفيد أنه على السنية تكون الإعادة وقتية مع أن الصواب أن الإعادة على السنية أبدية.
فإن قلت: كيف تجعل الخلاف لفظياً وتجعل الإعادة على السنية أبدية وهم نسبوا لمالك وجميع أصحابه إلا ابن وهب وأبا الفرج أن الإعادة على القول بالسنية وقتية فقط قلت: مرادهم بجميع أصحابه من أدركه فقط لا كل من تمذهب بمذهبه ومعلوم أن أصحابه الذين لم يدركوه هم أكثر ممن أدركه وكلهم اختاروا أن الخلاف لفظي وانظر الحطاب وبهذا التحقيق تعلم ما وقع للشيخ سيدي علي الأجهوري في النظم الذي نسب إليه ونصه.
فرضٌ إزالة ُ النجاسةِ وقيل ندب وقيل سنة خذ يا نبيل
وكلها مشهر في المذهب من اقتدى بواحد لم يذنب
وحاصل ما وقع له أمران.
الأول أنه جعل القول بالسنية مقابلاً للقول بالوجوب وبنى عليه كما في نوازله أن من صلى بالنجاسة ذاكراً قادراً يعيد في الوقت فقط ولا يعيد أبداً إلا على القول بالوجوب وهذه وإن كانت طريقة منسوبة لمالك فهي ضعيفة بالنسبة للطريقة الأخرى القائلة بوجوب الإعادة أبداً ولو على السنية وقد رواها ابن وهب عن مالك فالصواب أنهما قول واحد وأن الخلاف لفظي.
стр. 1792
والثاني أنه شهر القول بالاستحباب معتمدا ًعلى تشهير الفاكهاني والصواب أن القول بالاستحباب شاذ لأن تشهير القول بالاستحباب الذي عزاه سيدي علي الأجهوري للفاكهاني رده الشيخ مصطفي بأنه وقف على كلام الفاكهاني فوجده يدل على خلاف ذلك وكلام الأجهوري الروداني بأنه بحث عنه في كلام الفاكهاني فلم يجده وكلام الروداني صواب وأما رد أبي سالم العياشي على الروداني فباطل كما ذكره صاحب نشر المثاني فانظره وقول الشيخ علي الأجهوري في نظمه من اقتدى بواحد الخ يحمل الاقتداء في كل من الأقوال الثلاثة على ما يليق به ففي الاختيار يقتدي بالقول بالوجوب المرادف للسنية على الصواب وفي الضرورة يقتدي بالقول بالاستحباب أو بالسنية على كلامه من الغرق بينها وبين الوجوب والله تعالى أعلم وبهذا التأويل يسقط البحث معه بأن كلامه يوهم جواز الاقتداء بالقول بالاستحباب في الاختيار ولا قائل به وكذا يوهم جواز الاقتداء في الاختيار بالسنية على كلامه من مباينة القول بالسنية للوجوب وهو ليس بصواب لأن القول بالإعادة في الوقت المبني على السنية على تسليم مباينتها للوجوب لا يقوى قوّة القول بالإعادة على جهة الوجوب المبني على الوجوب وإذا كان لا يعمل في الاختيار بالاستحباب ولا بالسنية على القول بمباينتها للوجوب فلا يفتى بواحد منهما خلافاً لعلي الأجهوري في نوازله فإنه أفتى بالإعادة في الوقت على السنية وهذا على أن ما في نوازله أفتى هو به وقيل إن ما فيها إنما هو لبعض تلامذته وعليه فالاعتراض على ذلك البعض والله أعلم.
ثم اعلم أن المشهور القائل بالوجوب مع الشرطية مطلقاً من غير تقييد بالذكر والقدرة.
وقيل واجب غير شرط مطلقاً والأول من هذه الأقوال الثلاثة هو الصواب وعليه مشى الشيخ خليل فإنه ذكر الوجوب مع الذكر والقُدْرة في فصل إزالة النجاسة ثم بين أن هذا الوجوب على جهة الشرطية في قوله شرط لصلاة طهارة حدث وخبث وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها ابن رشد في الأجوبة ونقلها الشيخ الرهوني عند قول الشيخ خليل في ستر العورة إن ذكر وكذا بيع الطعام لأهل الحرب المشهور منع ذلك ولو في زمن الهدنة والشاذ يقول بجواز ذلك في زمن الهدنة وهو لابن حبيب.
وكذا استنشاق النفحة فإنه حرام على المشهور فقد صرح بحرمة ذلك الولي الصالح سيدي عبدالقادر الفاسي وتبعه ولده سيدي عبدالرحمن ونظم ذلك في العمليات بقوله.
وحرَّمُوا طَابا للاستعمال وللتجارة على المنوال
стр. 1793
وقد صرح بحرمة ذلك العلامة الزبادي ذكر ذلك في رحلته وكذا صرح بذلك الرهوني في حاشيته عند قول خليل وفي كره القرد الخ وكذا صرح بذلك سيدي الطالب بن الحاج في حاشيته على ميارة وكذا صرح بذلك سيدي بدر الدين الحموي في بعض أجوبته ناقلاً عن العلقمي أنه استدل على حرمة ذلك الاستنشاق بالحديث الذي رواه مسلم والسيوطي في الجامع الكبير عن أم هانئ أنها قالت نهي رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر وهذا الحديث نبه السيوطي على صحته وروي عن أم سلمة أيضاً وكذا نص على حرمة ذلك الاستنشاق شيخنا العلامة المرنيسي في بعض أجوبته وكذا صرح بحرمة ذلك العلامة الزرهوني مستدلاً على ذلك بالحديث المتقدم قال ووجه الدليل منه أن القاعدة عند المحدثين أن النهي إذا ورد عن شيئين وقد علم حكم النهي عن أحدهما أعطي الآخر حكمه بدليل اقترانهما في الذكر اهـ أي فالمسكر حرام فكذا ما قارنه وهو المفتر ومنه النفحة المستنشقة ثم اعلم أنها حرام على المشهور سواء قلنا مفترة أم لا أما إذا قلنا أنها مفترة فعلة التحريم المأخوذ من الحديث المتقدم زوال العقل مع أن حفظه من الكليات الخمس المجمع عليها عند أهل الملل وهي العقل والدين والمال والعرض والدم قال ﷺ " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " وقال ﷺ " إن الله نهاكم عن قيل وقال وإضاعة المال أو كما قال وقالت أم هانئ نهي رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر والله أعلم وأما إذا قلنا أنها غير مفترة فالعلة في ذلك أنها تخل بالمروءة كما صرح بذلك سيدي عبدالقادر الفاسي والله أعلم.
والشاذ القائل بجواز ذلك مأخوذ من قول سيدي الطالب بن الحاج في حاشيته على ميارة في الكلام على الاستفاف وأفتى جمع من أئمة كل مذهب بالإباحة اهـ لأنهم إذا أباحوا الاستفاف فأحرى الاستنشاق وذكر أنه كما يحرم ما ذكر يحرم مسميتها بطابة لأن السفهاء الذين يستعملونها يسمونها بذلك.
стр. 1794
ومثال ما إذا كان أحد القولين راجحاً والآخر ضعيفاً التفرقة بين الصبيان في المضاجع المذكورة في حديث أبي داود مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع فالتفرقة المذكورة مندوبة عند العشر سنين على الراجح وهي رواية عبدالوهاب عن مالك والضعيف هو قول ابن القاسم يقول أن التفرقة تستحب عند سبع سنين قال ابن رشد الصواب رواية ابن وهب لا قول ابن القاسم وكذا الوليمة مندوبة على الراجح واجبة على الضعيف وكذا إخراج الريح في المسجد حرام على الراجح جائز على الضعيف وهو قول ابن العربي وكذا غسل الرجلين في الوضوء من الجنابة في قولان الراجح تأخير غسلهما وهو الذي روته سيدتنا ميمونة ﵂ فإنها ذكرت أن النبي ﷺ كان يؤخر غسل رجليه والقول الضعيف يقول بتقديم غسلهما ولا دليل له فيما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أراد الغسل توضأ وضوءه للصلاة لأن كلامها مطلق وكلام ميمونة مقيد والمطلق يحمل على المقيد فيحمل كلام عائشة على ما عدا الرجلين هذا حاصل ما للشيخ بناني وغيره ومثال الصورة الثالثة وهي ما إذا كان أحد القولين مشهوراً والآخر راجحاً تحلية الصبي بالذهب أو بالفضة أو لباس الحرير الخالص فإن الراجح الذي أخذه الفقهاء المجتهدون من قول النبي ﷺ " من تحلى ذهباً أو حلى ولده مثل خربصيصة لم يدخل الجنة " هو التحريم في حق الصبي والمخاطب به وليه وقوله ﷺ في هذا الحديث: لم يدخل الجنة المراد به أنه لا يدخل الجنة مع السابقين الأولين إلا أن يتوب أو يقابله الله بالفضل أو يشفع فيه النبي ﷺ فسيدخل مع الأولين وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والخربصيصة بفتح الخاء وسكون الراء وبفتح الباء الموحدة شيء من الحلي كما فسره الجوهري في الصِّحاح بذلك وفسره في القاموس بالخرزة محركة وفسر الخرزة بالجوهر والمشهور جواز تحلية الصبي بالفضة وكراهة تحليته بالذهب وكراهة إلباس الولي الحرير له فيجب تقديم الراجح على المشهور ولذلك قال خليل وحرم استعمال ذكر فعبر بذكر ليشمل الصبي ولم يعبر برجل القاصر على البالغ.
стр. 1795
وكذا قراءة ركعتي الفجر فيها قولان الراجح منهما ندب قراءة قل ياأيها الكافرون في الركعة الأولى وقل هو الله أحد في الركعة الثانية فقد روي الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون في الأولى وقل هو الله أحد في الثانية ومثل هذه الرواية رواية أبي داود عن عبدالله بن مسعود عن النبي ﷺ والمشهور في قراءة ركعتي الفجر ندب الاقتصار على الفاتحة عملاً بقول عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يخفف قراءة ركعتي الفجر وعلى هذا المشهور مشى خليل إذ قال وندب الاقتصار على الفاتحة واعترضه الشيخ الرهوني بأن الراجح المقدم على المشهور هو قراءة قل ياأيها الكافرون وقل هو الله أحد ولا دليل للمشهور في قول عائشة أن النبي ﷺ كان يخفف القراءة فيهما لأن التخفيف لا يستلزم ترك السورتين المذكورتين والله أعلم وقيدنا في الكلام على المحلى بالصبي لأن الخلاف في الجواز وعدمه قاصر عليه وأما الرجل فيحرم عليه الذهب والفضة من غير خلاف فالمجانة إذا كانت من الفضة الخالِصَة أو الذهب الخالص فهي حرام على الرجل محمولة كانت أو معلقة لقول خليل وحرم استعمال ذكر محلى كما أدخلها في كلامه العلامة الشيخ بناني فقد ذكر أنه أراد الخروج لزيارة الغوث الكامل مولانا عبدالسلام بن مشيش نفعنا الله به في الدارين واحتاج إلى مجانة ليعرف بها أوقات الصلاة فلم يجد إلا مستعملة من ذهب أو فضة فطلب النصوص التي تبيحها له فلم يجدها ونقل عنه أنه استدل على حرمتها بقول خليل وحرم الخ فسافر بلا مجانة ومن المتأخرين من أجازها معللاً ذلك بأنها تعين على الصلاة في وقتها وفي هذا التعليل بحث لعدم توقف معرفة الوقت على المجانة ولكثرة غير الخالصة في هذا الزمان ومنهم من فصل فأباح المجمولة دون المعلقة والاحتياط هو القول الأول إلا لضرورة فحينئذ يقلد الثالث والله أعلم وقولنا فهي حرام على الرجل مفهومه أنها جائزة للمرأة وهو كذلك لأن المحلى لا يحرم لباسه على المرأة وكذلك يجوز للمرأة المخايد التي فيها الصقلي الخالص لأن ذلك من قبيل المفروش الذي هو من اللباس وكذلك يجوز لها النطعة العمياء لأنها مفروشة فهي ملحقة باللباس أيضاً والله أعلم فكل لباس لها أو ما جرى مجرى لباسها كما إذا كان مفروشاً لها فهو جائز.
قال الحطاب عند قول خليل وجاز للمرأة الخ ما نصه قال في الزاهي وما اتخذه النساء لشعورهن وأزرار جيوبهن وأقفال ثيابهن وما يجري مجرى لباسهن فجائز اهـ والمراد بقوله وما اتخذه النساء لشعورهن ما يلففن فيه شعورهن لا المشط من الذهب أو الفضة فإنه حرام كالمكحلة والمرآة والمدهن ومثل ما للحطاب للمواق وسيأتي نصه قريباً والله أعلم.
стр. 1796
وأما الستور المفضضة أي المطرزة بالفضة الخالصة أو المذهبة كالحيطي المعروف عندنا بالزحاف وكالخامية المعروفة عندنا أيضاً بالحمقاء فإنهما محرمان على الرجل وكذا هما محرمان على الأنثى لأنهما ملبوسان للحائط لا للمرأة والشارع إنما أباح للمرأة الذهب والفضة إذا كان ملبوسين لها وقد نص على حرمة الستور المذكورة على الرجل والمرأة الحطاب والمواق عند قول خليل وجاز للمرأة إلى قوله لا كسرير ونص الحطاب قال في الجواهر وكذا المكاحل والمرايا المحلات وأقفال الصناديق والأسرة والمذاب والمقرمات وشبه ذلك لا يجوز اتخاذ شيء من ذلك من ذهب أو فضة ولا تحلية شيء منها لا للرجال ولا للنساء ثم قال والمرايا جمع مرآة بكسر الميم والمذاب جمع مذبة ما يطرد به الذباب والأسرة جمع سرير والمقرمات جمع مقرمة بكسر الميم والراء ستر فيه نقش وتصاوير قاله في الصحاح اهـ المقصود منه والشاهد في قوله والمقرمات فإنه لما ذكرها في سياق قول خليل لا كسرير وبعد قوله لا يجوز اتخاذ شيء من ذلك من ذهب أو فضة علمنا أن نقشها هو بالذهب أو بالفضة ولذلك حرمت عليهما والله أعلم ونص المواق وفي ابن يونس ما يتخذه النساء لشعورهن وأزرار جيوبهن وأقفال ثيابهن وما يجري مجرى لباسهن فلا زكاة فيه وليس كما يتخذنه للمرايا وأقفال الصناديق وتحلية المديات والأسرة والمقرمات وشبه ذلك اهـ.
فإذا كانت المقرمات وهي الستور التي فيها نقش من الذهب أو الفضة تحرم على النساء كما هو صريح المواق عن ابن يونس فأحرى الرجال والله أعلم فأخذ حرمة الحيطي الزحاف والخامية الحمقاء من كلام الحطاب والمواق مسلم عند كل من له دراية بكلام الفقهاء والله أعلم وأما ما وقع في كلام العلامة الدسوقي من جواز الستور المذهبة والمفضضة فلا يعول عليه لأنه مخالف لكلام ابن يونس والجواهر والحطاب والمواق وغيرهم وكذا يحرم على الذكر والأنثى نقش الجدران والخشب بالذهب والفضة كما نص على ذلك العلامة الزرقاني ونصه لا كسرير ذهب أو فضة أو محلى بأحدهما ومرآة ومشط ومدية وقفل صندوق ومكحلة كمْروَد إلا لِتَداو ٍ وإن تعين طريقاً جاز لهما وإلا منع عليهما ودخل تحت الكاف مروحة محلاة بأحد النقدين وما اتخذ في جدران وسقوف وخشوب وأغشية لغير القرآن فلا يجوز شيء من ذلك لرجل ولا امرأة انظر الحطاب اهـ والشاهد في قوله وما اتخذ في جدران وسقوف وخشوب الخ وكلامه هذا سلمه الشيخ بناني والشيخ التاودي والشيخ الرهوني وكلام الحطاب الذي أشار إليه هو ما نصه وكذلك أي يحرم على الرجال والنساء ما يتخذ في الجدران والسقف والأخشاب كما في الطراز وغيره قال في الزاهي وكذلك ما جعل للزجاج وأزرار وأقفالاً لثياب الرجال وقصب للأطفال والكبار وأغشية لغير القرآن وما يجري مجرى الأحراز ثم قال والقصب بفتح القاف والصاد المهملة المجوف والله أعلم وبما ذكر تعلم أن قول العلامة الدسوقي عند قول خليل وجاز للمرأة الملبوس مطلقاً ما نصه واعلم أن تزويق الحيطان والسقف والخشب والساتر بالذهب والفضة جائز في البيوت وفي المساجد مكروه إذا كان يشغل المصلي وإلا فلا اهـ ليس بصواب.
стр. 1797
واعلم أن من ملك شيئاً من الحلي وهو حرام عليه كالحيطي المذهب والخامية المذهبة فإنه تجب عليه الزكاة فيه كل سنة كما نص عليه الشيخ خليل في باب الزكاة بقوله إلا محرماً لأنه استثناه مما لا زكاة فيه وما ذكرناه من حرمة نقش الجدْران بالذهب والفضة هو في غير الكعبة المشرفة أما الكعبة وما ألحق بها من المسجد النبوي ومن أضرحة الأولياء فلا يحرم نقش ما ذكر فيها فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل الكعبة قال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء أي عزمت أن لا أترك في الكعبة المشرفة أما الكعبة وما ألحق بها من المسجد النبوي ومن أضرحة الأولياء فلا يحرم نقش ما ذكر فيها فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لما دخل الكعبة قال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء أي عزمت أن لا أترك في الكعبة ذهباً ولا فضة بل أتصدق على الفقراء بالجميع فقال له حاجب الكعبة لا تقدر أن تفعل ذلك قال ولم قال لأن صاحبيك يعني النبي ﷺ وصاحبه أبا بكر ﵁ لم يفعلا ذلك فقال عمر ﵁ المرآن الكاملان اللذان يجب عليّ اتباعهما أو كلاماً هذا معناه وكذلك يجوز بيع الشيء القليل الذي ترجى بركته بما هو أكثر من ثمنه بأضعاف مضاعفة كبيع الشمعة التي تساوي مثقالاً بمائة وكبيع جزء قليل من الكسوة الذي لا يساوي مثقالاً واحداً بمائة ودليل إباحة ما ذكر كلامه جسوس على الشمائل فإنه قال في باب ما جاء في صفة مدح رسول الله ﷺ ما نصه قال ابن حجر واشترى أي قدح مولانا رسول الله ﷺ الذي كان عند أنس بن مالك خديم مولانا رسول الله ﷺ من ميراث النضر بن أنس بثمان مائة ألف أي من الدراهم الشرعية كما صرح بذلك الشيخ إبراهيم البيجوري في حاشيته على الشمائل فإذا كان السلف الصالح يشترون الشيء القليل بالثمن الكثير لرجاء بركته فكذلك يجوز لنا ذلك لرجاء بركة الصالحين وأهل العلم وأهل البيت.
وقد كان الولي الصالح سيدي عبدالقادر الفاسي يستسقي بأهل البيت كما كان السلف يستسقون بجدهم ﷺ فمن كانت عنده محبة في سيدنا محمد ﷺ كان شراؤه لحاجة مملوكه لواحد من أهل البيت كشراء السلف الصالح حاجة من حوائج رسول الله ﷺ فقد قال أبوبكر الصديق ﵁ ارقبوا محمداً في أهل بيته أي من أراد أن ينظر إلى وجه سيدنا محمد ﷺ فلينظر إلى واحد من أهل بيته كما فسره بذلك ابن وفا ﵀ والله أعلم.
стр. 1798
ومثال الرابع وهو ما إذا كان أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر شإذا وضعيفاً الجلوس على الحرير الخالص للرجال فإنه حرام على المشهور لكثرة قائلة وحرام على الراجح أيضاً لقوة دليل التحريم وهو نهيه ﷺ الرجال عن لباس الحرير فإن الجلوس عليه من جملة اللباس بدليل قول أنس بن مالك أن هذا الحصير قد اسود من طول ما لبس ومعلوم أن لباس الحصير هو الجلوس عليه وأما قول ابن الماجشون أن الجلوس ليس من اللباس في شيء فمَرْدود بكلام أنس المتقدم وأما تأويله كلام أنس بأنه كان يجعل حصيره غطاء فبعيد جداً وهذا على تسليم أن النهي إنما ورد عن اللباس فقط وليس كذلك بل ورد عن الجلوس أيضاً فيكون مقابله وهو الجواز شإذا وضعيفاً وهو لابن الماجشون وبعض الشافعية والكوفيين والمراد بالكوفيين الحنفية كما صرح به الأمير وكما يؤخذ ذلك من كلام القسطلاني في كتاب الشفعة وبيان وجه الأخذ منه أنه نسب القول بثبوت الشفعة للجار للحنفية فقط ثم بعد ذلك عبر عنهم بالكوفيين ونسبه لهم فقط والله أعلم ثم أن الجلوس عليه حرام على الرجل ولو بالتبعية للمرأة والقول بجوازه تبعاً لها ضعيف لا يعمل به إلا في الضرورة هذا حكم الجلوس عليه وأما لباسه فحرام على الرجال إجماعا وقد صرح العلامة الخرشي بالإجماع عند قول الشيخ خليل وعصى وصحت وكذا صرح به غير واحد ومستند الإجماع الحديث المتقدم قريباً وما أخرجه ابن حبان في صحيحه أن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار وأشهدكم أني سمعت رسول الله ﷺ يقول من لبس الحرير في الدنيا حرمه في الآخرة وأما ما ذكره القلشاني في شرح الرسالة من الخلاف فقال بعض العلماء من الفاسيين أن ذلك الخلاف كان قبل انعقاد الإجماع وحينئذ فلا ينبغي أن لا يذكر هذا الخلاف لئلا يغتر به إلا بقصد التنبيه على أنه كان قبل انعقاد الإجماع هذا حكم لباسه وأما تعليقه فإن كان مع استناد الرجال عليه فهو حرام كالجلوس عليه وإن كان من دون استناد إليه فهو جائز قال العارف الفاسي ﵁ في حاشيته على المختصر عند قول خليل في الوليمة كفرش حرير وقد ذكر ابن عرفة أن ما كان من ذلك أي من الحرير الخالص لمجرد الزينة بحيث لا يستند إليه ولا يجلس عليه إلا ظهر خفته قال ولا يصح كونه مانعاً من وجوب الإجابة للولائم وكذا قال ذلك التتائي اهـ منها وفي كتاب الجامع لجمل من الفوائد والمنافع للشيخ زروق ﵁ ما نصه فأما فرش الحرير فلا يجوز الجلوس عليها ولا يمتنع من الإجابة لأجلها اهـ المقصود منه فقوله ولا يمتنع من الإجابة لأجلها أي إذا كان فرش الحرير لا يجلس عليها أحد بحضرته كما لا يجلس هو عليها وإلا فتحرم الإجابة كما يدل على ذلك قوله فلا يجوز الجلوس عليها ومثل جلوس الرجال على الحرير استنادهم إليه وقد نص الخرشي والزرقاني في باب الوليمة على أن تعليق الحرير من غير استناد رجل إليه لا يمنع من الإجابة للولائم وسلم كلامهما كل من حشى عليهما وهذا كله في الخالص بلا حائل فلو كان مع الحائل فقيل يحرم أيضاً وهو للمازري وعياض كما عند الزرقاني عند قول خ وعصى وصحت الخ وقيل يجوز وهو الذي صرح به العارف بالله الفاسي والبرزلي والبطريني والمرجاني ونقله الشيخ بناني في باب الوليمة ويلمه.
فإن قلت: إن الشيخ بناني وغيره ذكرو أن جواز الجلوس على الحائل مقيس على الصلاة على الثوب الذي تحته نجاسة ومعلوم أن المنصوص وهو ما للمازري وعياض مقدم على المخرج.
стр. 1799
قلت: كما تقوّى الأول بكونه منصوصاً تقوى الثاني بتلقي العلماء المذكورين آنفاً له بالقبول وبكونه مأخوذاً من المدونة كما ذكر ذلك العلامة الرهوني عند قول خ ولمريض بستر نجس إلى قوله وكذا الصحيح على الأرجح وباقتصار الشيخ بناني عليه في شرحه على المختصر فالقولان مرجحان معاً والله أعلم.
هذا كله حكم الحرير الخالص ويلحق به كما ذكره الشيخ علي الأجهوري ما إذا كان الغالب فيه حريراً بأن كان سداه حريراً ولحمتُه من حرير وغيره أو العكس نقله الصعيدي على الرسالة وأما الخز ففيه طريقان مرجحان معاً الأولى أنه ما سداه حرير ولجمته صوف أو قطن أو كتان فهذا فيه أقوال ثلاثة فقيل جائز وعليه يحمل لباس الإمام مالك له وكذلك شيخه ربيعة وقيل حرام وقيل مكروه وهو أشهر الأقوال وأما إذا كان سداه من صوف ولحمته من حرير فهو حرام على هذه الطريقة وقد صرح بحرمته الخرشي في الكبير كما نقله عنه الصعيدي ويؤخذ هذا التحريم من تعريف الخز المذكور عند الزرقاني وقد سلم ذلك التعريف الشيخ بناني والتاودي والرهوني الثانية أن الخز هو ما سداه حرير ولحمته صوف أو بالعكس فكلا الصورتين من الخز مكروه على هذه الطريقة وعليها مشى الشيخ جسوس في شرح الشمائل والصعيدي على الرسالة والشيخ التاودي على البخاري ناقلاً ذلك عن ابن العربي والله أعلم وأما تغطية الُجدْران بالحرير الخالص فلا يحرم إلا استناد الرجال إليه نعم تغطية الجدران بالستر المذهَّبة أو المفضضة فذلك حرام ولو من غير استناد إليها والفرق بين ستر الحرير والستر المذهبة أن حرمة الحرير أخف من حرمة الذهب والفضة كما نص على ذلك غير واحد وممن نص على ذلك عز الدين ونصه بعد كلام لأن أمر الحرير وغيره إذا كان الحرير مغلوباً ولا يجوز مثل ذلك في الذهب والفضة نقله عنه البرزلي في مسائل الصلاة ونقل ذلك عن البزرلي شارح العمل وكذا نقل ذلك عن البرزلي الشيخ الطيب بن كيران في بعض تآليفه.
ويدل أيضاً على أن الحرير أخف حرمة ستور الذهب والفضة على الرجل والأنثى كما مر بخلاف ستور الحرير فإنه يجوز للمرأة الاستناد إليها دون الرجل فمن نظر للستور المذهبة أو المفضضة على جهة الرضا باستعمالها فقد رضي بالمعصية والرضا بالمعصية معصية وأما قول الصعيدي وقد رأيت ما نصه ويجوز الجلوس تحت الستائر التي على الجدران وكذا تحت السقف المذهبة اهـ كلامه فهو إما ضعيف أو يحمل على الجلوس اضطراراً لا اختياراً والله أعلم.
فإن قلت: إنا أدركنا جماعة من العلماء يحضرون الولائم وفيها سترٌ مذهبة ولا ينكرون شيئاً من ذلك.
قلت: لا دليل في فعلهم على جواز ذلك لأنهم غير معصومين ولو سألتهم لصرحوا بالحرمة.
стр. 1800
وكذا استعمال آلة اللهو فإنه حرام على المشهور لكثرة قائله وعلى الراجح لقوة دليله فقد سئل العلامة المحقق البركة أبو محمد سيدي عبدالسلام القادري الحسني عن مسئلة السماع والغناء لا يحل سماع شيء منه سواء كان بآلة أو غيرها على المذهب أي المشهور وكذا الملاهي الملهية وهي الآلة المطربة المعروفة حسبما نص عليه أصبغ وابن رشد والشيخ ابن أبي زيد وغيرهم ووجه المنع في ذلك أنه من اللهو وكل لهو باطل كما في الحديث إلا الثلاثة المستثنيات فيه والباطل خلاف الحق فهو ضلال كما في الآية والضلال محرم على المؤمنين وعلة تحريم المسؤول عنه كونه صارفاً عن الحق ملهياً عن الملك الحق مشغلاً عن التعلق بالرب مثيراً للهوى النفساني ومحركاً للباعث الشيطاني فإذا وجدو أنه يوجد من جمع قلبه على مولاه وملك زمام نفسه وهواه انتفت هذه العلة ولم يصادف النهي محله ولذلك لم يمنعوا في حق الصوفية وأمثالهم وإنما اختلف فيه قولهم بالنسبة إليهم بالكراهة والجواز وأكثرهم قولهم فيه بالجواز ثم جوازه لهم مشروط بأمور ذكرها الشيخ زروق في شرح الرسالة وهي السلامة من ممنوع شرعاً كحضور النساء والصبيان وكون المسموع مما يقع به تنبيه وإرشاد أو زيادة يقين وكونه لا ينكر فيه شيء معنى ولا لفظاً وكونه خالياً عن الآلات والكف.
وليعلم أن موضوع المسئلة المتكلم عليها هو الغناء المشتمل على ما يسوغ التكلم به في الشرع لفظاً ومعنى كالغزل والنسيب والمدح لمن يحق أن يثنى عليه وشبه ذلك أمّا ما كان فاسد المعنى أو المبنى فمن الباطل الذي لا خلاف في تحريمه فلا يحل سماعه ولا التكلم به اتفاقاً فاعرف ذلك والله الموفق اهـ ولا يخفي أن مراده بالغناء الذي هو حرام على غير مذهب الصوفية ما فيه الخدود والقدود وتمطيط وتزويق في الكلام كما يؤخذ ذلك من قوله في الكلام على العلة مثيراً للهوى النفساني ومحركاً للباعث الشيطاني فيؤخذ منه أن السماع على غير هذا الوجه بأن كان فيه مدح الرسول ﵊ من غير تمطيط وتزويق جائز ولو لغير الصوفية والله أعلم والشاهد في قوله وكذا الملاهي المهلية الخ فإنه يفيد حرمتها على المشهور وقوله إلا الثلاث المستثنيات الثلاثة المستثناة هي لعب الرجل مع زوجته والمسابقة والرمي بالنبل وقوله كما في الآية أشار به بقوله تعالى ﴿فمإذا بعد الحق إلا الضلال﴾ وقوله في الكلام على الصوفية نقلاً عن الشيخ زروق وكونه خالياً عن الآلات انظره مع ما صرح به غير واحد من جواز الآلة للصوفية قال الإمام السيوطي حين سئل عن الآلة (حرمها من عليهم المعّول في الأحكام) يعني وهم علماء الظاهر المقتدى بهم وسمعها من لا سبيل إلى الإنكار عليه يعني وهم الصوفية ﵃ اهـ وقال عبد الباقي الزرقاني عند قول خليل وبطلت بقهقهة ما نصه.
стр. 1801
فائدة: القهقهة في غير الصلاة مكروهة عند الفقهاء وحرام عند الصوفية قاله الأقفَهْسِي كما في الشيخ أحمد ولعل المراد بالحرمة الكراهية الشديدة أو أنهم نظروا لمعنى يوجب التحريم عند الفقهاء لو اطلعوا عليه إذ الصوفية لا يخالفون الشرع ومن ذلك قول بعض الصوفية بجواز سماع آلة اللهو المحرمة عند الفقهاء لسماعهم منها ذكر الله دون اللهو فالجواز قاصر على من هو بتلك الصفة ومنه إتلاف الشبلي ما يلبسه بنحو حرقه مجيباً من قال له جاء النهي عن إضاعة المال بأن إضاعته لمداواة مرض بدني غير منهي عنه بل مطلوب فكيف بإضاعته لمداواة مرض ديني وأنا أفعله لذلك اهـ وسلمه محشوه والشاهد في قوله المحرمة عند الفقهاء أي جمهورهم فهذا يدل على جوازها للصوفية خلافاً للشيخ زروق وقد يجاب عنه بأنه لم يبحها جميعهم بل بعضهم فيكون هو ماشياً على قول من منعها منهم ويدل على أن منهم من منعها كلام الزرقاني المتقدم فإنه نسب الجواز لبعضهم لا لجميعهم.
ويدل على ما ذكر أيضاً قول العارف الرباني سيدي عبدالوهاب الشعراني في كتابه لطائف المنن ما نصه ومما أنعم الله ﵎ به عليّ كراهة سماعي للغناء على الآلات المطربة من حين كنت صبياً عملاً بنهي الشارع ﷺ عن ذلك فتحصل أنه كما اختلف فيها أهل الظاهر اختلف فيها أهل الباطن إلا أن الراجح مختلف فالراجح عند أهل الظاهر المنع والراجح عند الصوفية الجواز والله أعلم.
ولنرجح لما نحن بصدده من النصوص الدالة على أن المشهور الحرمة فنقول وقال العلامة أبو عبدالله سيدي الطالب بن الحاج في حاشيته على المرشد المعين ما نصه الملاهي الملهية وهي العود وجميع ذوات الأوتار حرام في الأعراس وغيرها كما في باب الشهادة من التوضيح نقلاً عن المازري ونحوه لابن عرفة وصاحب المدخل وهو المشهور في مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد قال ولم أر من صرح بالخلاف في ذلك من المالكية إلا من عبر في كراء المعازف بالكراهية ومن عبر في العود والرباب بالكراهة كابن المواز وابن عبدالحكم قال وقد يريدون بالكراهة التحريم كما في التوضيح والعلة في ذلك شدة الإطراب المؤدي إلى الاستكثار المنبت للنفاق في القلب نقله في المدخل عن ابن عيينة اهـ منه وقوله ولم أر من صرح بالخلاف في ذلك من المالكية انظر مع ما نقله هو نفسه قريباً عن ابن العربي في العارضة من أن مذهبه الإباحة وهو من المالكية فلعله لم يطلع على كلامه أولاً فتحصل أن سماع الآلة جائز للصوفية حرام على غيرهم على المشهور كما صرح بذلك أصبغ وابن رشد والشيخ ابن أبي زيد والتوضيح والمازري وابن عرفة وهو المشهور أيضاً في مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وأن علة التحريم كونه ملهياً عن الملك الحق لما فيه من شدة الإطراب وقد صرح بهذه العلة الإمام الساحلي والشيخ بناني والشيخ التاودي وابن حجر والحطاب وابن رشد وأنه لا فرق في التحريم بين الأعراس وغيرها خلافاً لتفصيل الزرقاني ونصه واعلم أن الغناء إما بآلة أو بغيرها وفي كل إما أن يحمل على تعلق بمحرم أو لا وفي كل إما أن يتكرر أو لا وفي كل إما فعلاً أو سماعاً وفي كل إما في عرس أو صنيع وإما في غير ذلك فمتى حمل على تعلق بمحرم حرم فعلاً وسماعاً تكرر أم لا بآلة أو لا في عرس أو صنيع أو نحوهما أو في غير ذلك ومتى لم يحمل على محرم جاز بعرس وصنيع فيمنع إن تكرر بآلة وغيرها فعلاً وسماعاً وإن لم يتكرر كره سماعاً وهل كذا فعلاً أو يمنع اختلاف اهـ كلامه بلفظه وقد رده العلامة الرهوني بأنه خلاف ما في المعيار عن المازري من أنه بالآلة حرام وبكلام ابن عرفة فإنه قال الظاهر عند العلماء حرمته اهـ.
стр. 1802
ومن الأدلة على الحرمة قوله تعالى ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل .... أليم﴾ فإن جمهور المفسرين على أن لهو الحديث الغناء والمزامير كما في القسطلاني.
والحاصل أن الآلة فيها طرق ثلاثة.
حرمتها على المشهور في المذاهب الأربعة وهي أقرب إلى الصواب.
المحققين كالإمام الولي الصالح أبي عبدالله سيدي محمّد الأنصاري الساحلي في كتاب بغية السالك في أشرف المسالك والولي الصالح أبي محمد العبدري المعروف بابن الحاج في كتابه المدخل والشيخ يوسف بن عمر وابن حجر الهيتمي في الزواجر نقلاً عن القرطبي وصاحب المعيار والشيخ زروق في قواعده وصاحب روح البيان والشهاب الخفاجي على الشفاء وأبي بكر الطرطوشي وابن الصلاح.
الطريقة الثالثة تحكي الاجماع على الاباحة حكاها ابن حجر في فتح الباري عن قوم وهي ضعيفة جداً وأغرب ابن حجر في ذلك فإنه يتوسع في حكاية الأقوال حتى يحكى أقوال الكفار وقد رد عليه جماعة من الفحول في هذا المعنى منهم الإمام العلامة المحقق أبو العباس سيدي أحمد بن مبارك اللمطي السجلماسي في كتابه ازالة اللبس فانظره هذا حكم السماع والآلات وأما حكم الرقص فحاصله أنه تعرض له أحكام أربعة الحرمة وهي لمن فعل ذلك رياء أو سمعة والكراهة وهي لمن فعل ذلك لأجل مساعفة الناس والوجوب وهو لمن فعل ذلك بقصد فك نفسه من الهلاك الذي يحصل له لو لم يرقص بأن كان من أهل الوجد والندب وهو لمن فعل ذلك بقصد التشبه بالصوفية أهل الحال والوجد والله أعلم.
ومثال الخامس: وهو ما إذا كان أحد القولين راجحاً ومشهوراً والآخر راجحاً فقط الدلك في الغسل فإن القول بوجوبه لذاته مشهور وراجح أما كونه مشهوراً فلأنه صرح به جماعة من المالكية بل نسبوه لمالك وأتباعه وأما كونه راجحا ً فالأحاديث الدالة على وجوب الدلك والأصل أن وجوبه لذاته والقول بوجوبه لإيصال الماء للبشرة راجح فقط للدلالة المذكورة عند الشافعية.
ومثال السادس: وهو ما إذا كان أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر مشهوراً فقط وقت المغرب فالمشهور والراجح الامتداد ودليله ما في صحيح مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي في حديث السائل عن وقت الصلاة ظانه صلاها في اليوم الأول حين غابت الشمس وفي الثاني عند سقوط الشفق وفي رواية قبل أن يغيب الشفق وفي صحيح مسلم أيضاً إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق والمشهور فقط هو الذي مشى عليه خ في قوله تقدر بفعلها بعد شروطها.
стр. 1803
ومثال السابع: وهو ما إذا كان كل من القولين مشهوراً لستر العورة في الصلاة فإن القول باشتراطه للذاكر القادر شهره ابن عطاء الله قائلاً هو المعروف من المذهب والقول بعدم اشتراطه شهره ابن العربي وإليه أشار الشيخ خ بقوله هل ستر العورة إلى قوله خلاف وكذا نضح الجسد أو غسله لمن شك في إصابة النجاسة له فإن القول بالنضح شهره ابن شاس وابن الحاجب والمازري والثاني شهره ابن رشد وابن عرفة وإليه أشار خ بقوله وهل الجسد كالثوب أو يجب غسله خلاف وكذا من عجز عن الموالاة عجزاً حقيقياً فإنه اختلف فيه على قولين مشهورين هل يبني إن طال وهو الذي اختاره الحطاب وجزم به اللخمي وحكى ابن هارون الاتفاق عليه وصرح ابن بزيزة بأنه المشهور وكذا صرح ابن جزي في قوانينه بتشهيره والذي حرره الشيخ مصطفى أن العاجز عجزاً حقيقياً لا يبني مع الطول وهو ظاهر المدونة وعليه حملها الباجي وابن يونس وعبدالحق والونوغي والمشذالي وجزم به ابن الجلاب والقاضي عبدالوهاب في التلقين ورجحه الفاكهاني وابن العربي والعجز الحقيقي هو أن يكره على تفريق الطهارة بما يعد إكراهاً شرعاً أو بعروض مرض له في الأثناء منعه من إتمامها ولم يجد منا ولا أواعد من الماء ما جزم بأنه يكفيه فأهرق له أو غصب منه أو أهرقه هو من غير قصد وتبين أنه لا يكفيه فهذه الأمثلة كلها من العجز الحقيقي ومفهوم قولنا إن طال أنه إذا عجز عجزاً حقيقياً ولم يطل فإنه يبني اتفاقاً وأما غير الحقيقي فإنه يبني مع القرب دون الطول اتفاقاً والطول هو مقدار ما تجف به الأعضاء المعتدلة في الزمان المعتدل مثاله ما إذا أعد من الماء ما ظن أنه يكفيه فعجز ماؤه.
ومثال الثامن: وهو ما فيه قولان راجحان تأخير الصلاة عن وقتها الاختياري إلى الضروري فقيل ذلك حرام وهو الذي مشى عليه خليل في قوله وأثم إلا لعذر وقيل مكروه فقط وهو مأخوذ من قول المصنف أيضاً والكل أداء فإن العلماء قالوا أن الأداء لا يجتمع مع الإثم ودليل الأول قوله ﷺ " من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر " وقوله " من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله " ودليل الثاني قول النبي ﷺ " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " فإنه قد أخذ منه العلماء أن من أدرك ركعة في الوقت الضروري فكأنه أدرك جميع الصلاة في الوقت فلا إثم عليه حينئذ وإنما الإثم إذا أوقعها كلها خارجة الوقت وقد بسط الكلام على هذه المسئلة أبو حفص الفاسي في تقييد له فيها وانفصل على القول بالكراهة والله أعلم.
ومثال التاسع: وهو ما إذا كان كل من القولين مشهوراً وراجحاً وقت صلاة الصبح فإن الذي مشى عليه خ أن مختارها من طلوع الفجر إلى الإسفار أي الضوء وضروريها من الإسفار إلى طلوع الشمس حيث قال وللصبح من الفجر الصادق وإلى الإسفار لا على قال الزرقاني وما اقتصر عليه المصنف هو رواية ابن القاسم وابن عبدالحكم ومذهب المدونة وقال ابن عبدالسلام أنه المشهور وقيل أن مختار الصبح يمتد من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وهو رواية ابن وهب في المدونة والأكثر وعزاه عياض لكافة العلماء وأئمة الفتوى قال وهو مشهور قول مالك وابن عبدالبر وعليه الناس وهو المتبادر من الرسالة وابن العربي ولا يصح عن مالك غيره فعلى هذا القول لا ضروري لها اهـ كلام الزرقاني.
стр. 1804
فعلمت منه أن كلا ً من القولين مشهور لكثرة القائل بكل واحد منهما وكذا كل واحد راجح من جهة الدليل ففي الموطأ جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن وقت صلاة الصبح فسكت عنه رسول الله ﷺ حتى إذا كان من الغد بعد أن أسفر وفي رواية فصلاها من الغد أمام الشمس أي قدامها بحيث طلعت الشمس بعد سلامه منها ثم قال ﷺ أين السائل عن وقت صلاة الغداة أي الصبح فقال السائل ها أنا ذا يا رسول الله فقال ﷺ ما بين هذين وقت يعني هذين وما بينهما وقت لصلاة الصبح فهذا الحديث الشريف يدل على امتداد وقت الصبح من الفجر إلى طلوع الشمس لأن النبي ﷺ صلاها في اليوم الأول في أول وقتها الذي هو طلوع الفجر وفي اليوم الذي بعده صلاها قرب الشمس وقد حمل العلماء صلاته في اليوم الثاني على الوقت المختار كاليوم الأول وأما دليل القول الذي مشى عليه خ فحديث جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام المذكور في أول الموطأ وفي الصحيح وغيرهما من إمامة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ فإنه صلى بالنبي ﷺ الفجر قبل الإسفار فأخذ منه العلماء ﵃ عدم امتداد مختار الصبح إلى طلوع الشمس.
стр. 1805
ومثال العاشر: وهو ما إذا كان كل من القولين لا ترجيح فيه ولا تشهير التطهير بالماء المجعول في الفم الذي أشار له خ بقوله وفي التطهير بماء جعل في الفم قولان ثم اعلم أن الخلاف إما يكون حقيقياً أو لفظياً أو في حال أو في شهادة أو معنوياً والفرق بينها أن الخلاف اللفظي هو الراجح إلى اللفظ والتسمية مع الاتفاق في المعنى كان يقول الشافعي الوتر مستحب ويقول مالك هو سنة لا مستحب مع اتفاقهما على أنه ليس بواجب وأنه مؤكد فوق غيره من المندوبات فهذا الخلاف إنما هو في تسمية الوتر مستحباً لأنه محبوب للشارع ويقول المالكي لا لمحبوبيته ولكني أميزه باسم السنة لأنها طريقة داوم عليها النبي ﷺ فيقول الشافعي أنا أسلم لك أنه طريقة ولكن كل محبوب فهو طريقة مشروعة فالسنة والمستحب عندي مترادفان ويقول المالكي هما عندي متباينان يحصل التمييز بين أقسام المندوب وينعكس القولان في صلاة الضحى فالشافعي يسميه سنة والمالكي لا يسميه بها ومثاله في كلام المؤلف أي خ الخلاف الذي حكاه في إزالة النجاسة هل هي واجبة أو سنة فإن المعتمد كما في الحطاب أن الخلاف بين الوجوب والسنية لفظي ويقابل الخلاف اللفظي الخلاف المعنوي وهو الكثير وقوعاً عند الفقهاء وهو ما كان راجعاً إلى المعنى والحكم كالخلاف في جعل الموافق كالمخالف في حكمه وعدم جعله مثله فيه وأما الخلاف في حال فهو الذي يراعي فيه أحد القائلين أمراً يعتقد أنه الواقع في نفس الأمر ويراعي القائل الآخر ضده معتقداً أنه الواقع في نفس الأمر فينبني على ذلك اختلافهما في الحكم وذلك حيث يكون الحكم عليه محتملاً لوصفين متضادين يقتضي كل منهما حكماً يخالف ما يقتضيه الآخر كاختلاف العلماء في طهورية الماء الذي يسقط فيه عود صلب من الطيب فأخرج مكانه وتغير ريح الماء فرجعه كما نبه عليه المازري إلى حال العود هل يمكن عادة انفصال أجزاء منه تخالط الماء فيكون مضافاً أو لا يمكن انفصال أجزاء منه تخالط الماء فيكون تغييره بالمجاورة فقط فيكون غير مضاف والظاهر أن منه الخلاف في مسئلة دهن لاصق كما تقدم وكالاختلاف في مسئلة عدم صحة التطهير بماء جعل في الفم أو صحته فهو راجع إلى الاختلاف في حال هذا المحكوم عليه أعني الماء هل ينفصل عن الفم سالماً أو مغيراً بالريق فلو اتفقا على إحدى الحالتين بأن رأى أحدهما أن الواقع من حال الماء هو ما رآه مقابله لوافقه في الحكم.
وكذلك الاختلاف في بعض البلدان هل يجوز بيع دورها أم لا فإنه راجع إلى الخلاف في حالة فتحها هل فتحت عنوة أو صلحاً وأما الخلاف في شهادة فهو الذي لا يتوارد فيه القولان على محل واحد كاختلاف مالك والشافعي ﵄ في البسملة أهي آية في أوائل السور أم لا فمالك يقول لا وذلك باعتبار ما شهره من قراءة شيخه نافع بدونها والشافعي يقول نعم هي آية وذلك باعتبار ما شهره من قراءة ابن كثير فكل منهما مصيب باعتبار ما ذكر هكذا قرر بعض العلماء هذا الخلاف في البسملة ذلك في الكلام عليها ومثاله في كلام المؤلف قوله في مفوتات البيع الفاسد وبطول زمان حيوان إلى قوله بل في شهادة بيانه أن المحل الذي قال فيه الشهر فوت هو باعتبار حيوان يتغير في تلك المدة كالجذاع والخرفان والمحل الذي قال فيه الشهران والثلاثة ليست بفوت هو باعتبار حيوان لا يتغير في تلك لمدة كالثيرة والبعران.
وأما الخلاف الحقيقي فهو مقابل للخلاف اللفظي والخلاف في حال والخلاف في شهادة فإذا لم يرجع الخلاف إلى التسمية وإلى الخلاف في المحكوم عليه وتوارد على محل واحد فهو الحقيقي اهـ من العلامة الهلالي بمعناه وقوله كاختلاف مالك الخ ليس بصواب والصواب كما قال ابن عبدالسلام الفاسي وسيدي إدريس البدراوي نفعنا الله بهما أن الخلاف بين مالك والشافعي حقيقي نشأ عن الاجتهاد انظر بَسْط ذلك في حاشيتنا على شرح العلامة ابن كيران نجانا الله وإياه من النيران والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها ونعوذ بك من المعصية وأسبابها سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
حمداً لمن فقه في دينه من اصطفاه من عباده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الفائزين بامداده أما بعد فقد تم طبع هذه الرسالة الجميلة الحاوية للمحاسن الجليلة الموسومة برفع العتاب والملام عمن قال العمل بالضعيف اختياراً حراً تأليف خلاصة السادة الأشراف صفوة بني عبد مناف العلامة الأفضل والفهامة الأمثل فريد العصر ذي الفخر السني سيدي محمد بن قاسم القدري الحسني لازالت إطلال العلماء ببقائه معمورة وآمال الفضلاء على مكارمِهِ مقصورة وكان تمام طبعها الباهر وكما شكلها الزاهر بالمطبعة العامرة التي هي للقطب الدردير مجاورة المملوكة لذي المعارف والوفا حضرة محمد أفندي مصطفي في أواخر شهر شعبان سنة ١٣٠٨من هجرة سيد ولد عدنان صلى الله وسلم عليه وعلى آله وكل منتسب إليه.
стр. 1806
زكاة الأسهم والسندات
المؤلف/ المشرف: صالح بن غانم السدلان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار العالمية للكتاب الإسلامي ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٠٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: زكاة - الأموال غير النقدية - أسهم - استثمارات
والخلاصة: أن الذين قالوا بإلحاق الأوراق النقدية بالفلوس أعطوا أحكامها أحكام الفلوس، وقد بحث الفقهاء – ﵏ أحكام الفلوس، واختلفوا في تكييفها، وانقسموا في ذلك الاختلاف قسمين:
القول الأول: نظر إلى أصلها، ففرق بينها وبين النقدين في الربا والصرف والسلم والزكاة. وقال بهذا الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية.
القسم الأول: نظر إلى واقعها بعد انتقالها عن أصلها، فاعتبرها أثماناً، وأثبت لها أحكام الأثمان في الربا والصرف والسلم والزكاة. وقال بهذا القول أبو الخطاب عند الحنابلة، وبعض المالكية والحنفية.
القول الرابع: ويرى أصحاب هذا القول أن الأوراق النقدية بدل لما استعيض بها عنه، وهما النقدان الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقاً. ويرى القائلون بهذا القول: أن الأوراق النقدية قائمة بذاتها في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة حالة محلها جارية مجراها، معتمدة على تغطيتها بما تفرعت عنه منها [والأمور الشرعية بمقاصدها ومعانيها، لا بألفاظها ومبانيها] وأنه إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات من الورق لا تساوي بعد إبطالها شيئاً مما كانت تساوية من ذي قبل. فلهذا ثبت لها حكم النقدين مطلقاً، [لأن ما ثبت للمبدل يثبت للبدل]. ويترتب على القول بهذا:
١ - جريان الربا بنوعيه في الأوراق النقدية.
٢ - ثبوت الزكاة فيها متى بلغت قيمتها نصاباً واستكملت شروط الزكاة. ٣ - جواز السلم بها.
٤ - ما كان له منها غطاء من ذهب له حكم الذهب، وما كان غطاؤه من فضة فله حكم الفضة عند الصرف.
٥ - يشترط التساوي في القيمة عند اتفاق نوعين من الورق متفرعاً عن ذهب أو فضة كالريال السعودي والليرة اللبنانية مثلاً، ويمتنع التفاضل حينئذ بينهما.
٦ - إذا اتفق جنسان من الورق النقدي، أحدهما متفرع عن ذهب، والآخر عن فضة جاز فيهما التفاضل إذا كان يداً بيد. وهذا القول لا يجد ما يسنده من دنيا الواقع بعد أن عرفنا أن غطاء الأوراق النقدية لا يلزم أن يكون ذهباً أو فضة، بل قد يكون عقاراً أو بترولاً، أو ما إلى ذلك، وهم يشترطون أن يكون الغطاء ذهباً أو فضة كي تتحقق البدلية. ومجمل القول: أن الأوراق النقدية تحصل من وجهة نظر الفقهاء فيها أربعة أقوال:
القول الأول: أنها سندات ديون على جهة إصدارها.
القول الثاني: أنها عرض من عروض التجارة.
القول الثالث: أنها كالفلوس في طروء الثمنية عليها.
القول الرابع: أنها بدل عما تفرعت عنه من النقدين: الذهب والفضة. وتقدم دليل كل قول وما يترتب عليه من الأحكام.
والذي يظهر أن أقرب هذه الأقوال إلى الصحة وأوفقها بالدليل واعتبار الأحكام المتعلقة بالأوراق النقدية من حيث التعامل والزكاة وغير ذلك: هو أن الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه، ويدل عما حلت محله من عملات الذهب والفضة، وما كان منها متفرعاً عن الفضة فله حكم الفضة، والأمور الشرعية بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها تساوي بعد إبطالها شيئاً مما كانت تساويه قبل إبطالها إذن: فلها حكم النقدين الذهب والفضة مطلقاً. لأن ما يثبت للمبدل عنه يثبت للبدل.
وقد اعتبرت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية هذا القول ووافق عليه أكثرية الأعضاء، في مضمون قرارها رقم (١٠) بتاريخ ١٦/ ٤/١٣٩٣هـ في موضوع الأوراق النقدية. وكذلك اعتبره مجلس المجتمع الفقهي الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة في مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في ربيع الثاني سنة ١٤٠٢هـ.
стр. 1807
وجاءت القرارات الآتية موافقة لهذا القول، ومبنية عليه، وهاك البيان: أولاً أن العملة الورقية قد أصبحت ثمناً، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها وتمولها وتداولها وحصول الثقة بها كوسيط للتداول بين الأفراد.
لهذا فإن الورق النقدي قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة فتجب الزكاة فيها إذا بلغت قيمتها، أو في النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.
وكذلك يجري الربا عليها بنوعيه فضلاً ونساء، كما يجري ذلك في النقدين الذهب والفضة تماماً، وتأخذ الأوراق النقدية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها، كما يعتبر الورق النقدي أجناساً مختلفة تتعدد بتعدد جبهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق السعودي جنس، والورق الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، ولا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقاً، متفاضلاً بدون تقابض.
ولا يجوز – أيضاً – بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان نسيئة أو يداً بيد، ويجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً إذا كان ذلك يداً بيد. ويجوز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم والشركات. والله أعلم،،،
تم الفراغ من كتابة هذا البحث غرة محرم الحرام سنة تسع وأربعمائة بعد الألف من هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه وأرخ له راجي عفو ربه المنان د. صالح بن غانم السدلان.
стр. 1808
زكاة الحقوق المعنوية (ندوات قضايا الزكاة المعاصرة)
المؤلف/ المشرف: عبدالحميد البعلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بيت الزكاة - الكويت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: زكاة - حقوق معنوية
خلائص البحث
في الفصل التمهيدي تناولنا:
الزكاة في الاقتصاد الإسلامي ركن في منهج الإصلاح الاقتصادي بخصائصها ودورها في تحريك مكونات العملية الاقتصادية، بل إن الإنسان جزء من معناها وهو أساس وهدف عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، ولذلك نقول: أما آن الأوان لأن تأخذ موقعها الصحيح في ظل ظروف إعادة هيكلة النظم الاقتصادية التي يعيشها العالم العربي والإسلامي وتمويل برامجها.
وفي زكاة عروض التجارة:
فإن المتأمل لتعريفات الفقهاء للتجارة يجد أن منهم من غلب ربطها بالشخص التاجر وقال: التجارة محاولة الكسب ومن ثم قصد الاتجار عند اكتساب الملك، وتبع ذلك تفصيل القول في التاجر المدير والتاجر المحتكر كما ذهب المالكية، ولذا قيل: هي في الأصل مصدر دال على المهنة.
ومنهم من غلب موضوع التجارة ونظراً إلى مال التجارة وقال: إن التجارة تقليب المال؛ أي البيع والشراء وما يعد لذلك من أجل الربح وقصد الاتجار به معاوضة.
وكلا النظرين مهم في تأصيل نظريات الأعمال التجارية والتاجر والمتجر في النظم التجارية، والمالية المعاصرة.
متي يصير المال من عروض التجارة؟
ويصير المال من عروض التجارة بثلاثة ضوابط فقهية مجتمعة هي:
الأول: الإعداد للبيع بقصد التجارة والربح ومن ثم يتحقق في المال وصف النماء كشرط لخضوعه لزكاة التجارة، فالسلعة إذا مورس فيها النشاط لا بقصد الربح وإنما بقصد الاقتناء لا تعتبر من عروض التجارة.
والأمر في هذا مداره إلى ظواهر عرفية، والبيع من الأضداد يقال باعه الشيء، وباعه منه، وبعت الشيء اشتريته وبعته، وشريت الشيء اشتريته وبعته.
والإعداد للبيع وكينونته للتجارة فيما له قيمة مالية يثبته العرف التجاري أيضاً.
والثاني: تشترط نية التجارة مما يصح فيه نية التجارة.
والثالث: ولابد من اقتران عمل التجارة – (أي يملكها بفعله) – بنيتها (عند الشراء وحال التملك) حتى تعمل نيته لأن مجرد النية لا تعمل، فالأصل في العروض القنية لذا وجبت نية التجارة فيها، وإذا ثبت حكم التجارة فلا تحتاج كل معاملة إلى نية جديدة ويكفيه استصحاب حكمها بأن لا ينويها للقنية.
وفي الفصل الثاني تناولنا: الحقوق المعنوية والزكاة: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المقصود بالحقوق المعنوية وأنواعها:
مصطلح الحقوق المعنوية سليل القانون الوضعي والدراسات القانونية لقيام النظام القانوني على التفريق بين الأشياء والأموال.
وقد غدت الحقوق المعنوية تتمتع بتنظيم قانوني وحماية إقليمية وعالمية منذ ما يزيد على قرن من الزمن واستقرت في العرف الخاص والعام العالمي والإقليمي، بل واستقرت في النفوس من جهة العقول وتلقتها الطباع السليمة بالقبول.
فالحق المعنوي عند الأصوليين ليس بخال منه حكم شرعي بامتثال أوامر الله ونواهيه، والامتثال أمر معنوي باطني غير محسوس أخص من الفعل.
وعند الفقهاء وعلى الأصح فهو علاقة شرعية تؤدي إلى الاختصاص بشيء مع امتثال شخص آخر وتخول صاحبه سلطة المطالبة به ومنعه من غيره والتنازل عنه، ومن ثم يطلق على المصالح والمنافع الاعتبارية الشرعية التي لا اعتبار لها إلا باعتبار الشارع والمنافع تدخل في زمن الحقوق المختلف في ماليتها.
ومن ثم تندرج الحقوق المعنوية تحت طائفة الحقوق المالية وعلى الأخص المنافع.
الحقوق المعنوية والمنافع:
стр. 1809
والمنافع فيما نحن بصدده تشمل ما يقابل الأعيان وهو الأعراض وثمرات الأعيان سواء كانت متولدة منها أو غير متولدة منها والمنافع المختلف فيها هي المقابلة للأعيان، والمال عند المالكية يشمل المنافع والحقوق.
والمنافع بحد ذاتها تعتبر أموالاً عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأنها تحاز بحيازة أصلها ومصدرها.
وسبب اختلاف الحنفية مع سائر الفقهاء في تعريف المال ثم في مالية المنافع اختلاف الأعراف فيما يعد مالاً وما لا يعد، فالمال ليس له حد في اللغة ولا في الشرع، فرجع في تحديده للعرف.
ولا شك في ترجيح مذهب الجمهور لأنه هو المتفق مع عرف الناس والمتسق مع أغراضهم ومعاملاتهم؛ فاسم المال كما يقول السيوطي: "لا يقع إلا على ما له قيمة وما لا يطرحه الناس".
والمنافع عند الحنفية لضرورة الحاجة أعطيت حكم الموجود وجوزوا أن تكون محلاً للعقد فأقاموا العين مقام المنفعة في العقود، وعلى ذلك تعتبر عندهم مالاً بورود العقد عليها مراعاة للمصلحة وإن لم تكن مالاً عندهم بحسب الأصل.
بل إن المنافع المتوقعة يصح أن تكون محلاً للبيع كما يقول الرملي، وصرح بالتجارة في المنافع.
وفي هذا يقول الدسوقي: المنافع المتمولة يعاوض عليها.
والحقوق المعنوية بما ترد عليه من أشياء غير مادية لها قيمة مالية ومتمولة بتمول الناس لها وجريان أعرافهم العامة والخاصة بذلك لحاجة الانتفاع بها وحمايتها، ومن هنا تماثل المنافع في الاصطلاح الفقهي ومن ثم تجري فيها – أي الحقوق المعنوية – الحيازة الخاصة بها والمتمثلة في نسبتها إلى صاحبها وصدورها عنه.
وأنها كذلك – أي الحقوق المعنوية – تكون محلاً للملك بمعنى الاختصاص والاستئثار ومن ثم الاستغلال المالي.
وعلى هذا فالحقوق المعنوية تمثل منفعة معتبرة أو هي من قبيل المنافع المعتبرة في نظر الشارع، وليست في ذلك أقل شأناً من هبة الثواب على ما ذهب إليه بعض الفقهاء كالشاطبي من ماليتها وقابليتها للملك والتصرف ولا أقل شأناً من بيع حق التعلي عند المالكية حيث جاز فيه بيع الهواء.
وقد أجاز الفقهاء إطلاق الحق على المنافع والمصالح سواء كان الحق مجرداً أو غير مجرد، أي مقرراً، وإذا أطلق الحق على المنافع فهو من المال عند جمهور الفقهاء عدا الحنفية إذا أريد به منفعة أو مصلحة مالية.
والحقوق المعنوية تجمع بين صفتي الحق المجرد والمقرر معاً:
فالجانب الأدبي المعنوي فيها متعلق برغبة ومشيئة صاحبها مملوكة له ومنسوبة إليه وصادرة عنه، إن رأى الخير في الانتفاع بها انتفع وإن رأى غير ذلك ترك.
التعامل التجاري بيعاً وشراء، والحقوق المعنوية مناطها الفكر الابتكاري والجديد وهي أمور ذهنية لصيقة بالشخصية الطبيعية إن لم تكن منها، وهذا الشق لا ينفك عنه أي من الحقوق المعنوية بما يستطيعه صاحبه فيه من التغيير أو الإلغاء أو التجديد.
ومن هذا الجانب أو الشق يصعب القول بأن الحق المعنوي يمكن إدخاله في "كينونة الإعداد للبيع" التي هي جوهر ضوابط عروض التجارة التي تخضع للزكاة، ومن ثم يصعب القول بأن هذه الحقوق أصبحت بمثابة السلع المعدة للبيع؛ فالشق المعنوي أو الأدبي كامن فيها يتمتع فيه صاحبه بإرادته وما يترتب على ذلك من سلطات حقوقية مالية له فيها.
ولهذا يدخلها أهل المحاسبة ضمن الأصول الثابتة في المشاريع الاستثمارية المعاصرة لأنها لم تتخذ بقصد بيعها وإنما بقصد استغلالها في زيادة معدلات الربح للمشروع.
هل الجانب المالي في الحقوق المعنوية من قبيل المستغلات؟
إذا اتخذ الحق المعنوي للاستغلال ومن ثم تتجدد منفعته فهو يدر على صاحبه كسباً ودخلاً، ولكن "عينه قد لا تبقى" فهي تدور مع رغبة صاحبه وتعديله أو تحسينه أو العدول عنه.
والمستغلات تتفق مع الحق المعنوي من وجهة إدراره على صاحبه كسباً ودخلاً، وتختلف عنه في بقاء عينها ما أعدت للنماء أي في أصلها المادي البحث، فضلاً عن أن زكاة المستغلات إنما تجب على رأي الموسعين في إيجاب الزكاة لعموم الأدلة وقياس المال المستغل على المال المتجر فيه؛ وفي أن يصبح المقيس أي الفرع أصلاً أو في اعتبار المقيس أصلاً كلام ليس هنا بحاله.
وعلى ذلك تزكى زكاة النقدية بشروطها، هذا والله أعلم.
стр. 1810
زكاة النقود الورقية المعاصرة
المؤلف/ المشرف: محمود الخالدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: زكاة - النقدين
خاتمة البحث: إن ربط الشريعة الإسلامية لبعض الأحكام بالدينار والدرهم لم يكن عبثاً، ولا محض صدفة، لأنهما كانا النقد المتداول أيام النبوة. فإقرار رسول الله ? التعامل بالدينار البيزنطي والدرهم الفارسي هو تشريع من الله تعالى، الأمر الذي لا يترك لأهواء البشر. وهو التشريع الكامل الثابت الشامل الصالح لإصلاح واقع كل الناس في كل زمان ومكان.
وهذا البحث وإن دل على شيء فإنما يدل على أن الأمة الإسلامية بحاجة إلى الفهم الصحيح للإسلام، ضمن بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً بتبني الطرق الشرعية الصحيحة في الاستنباط دونما أي ارتباط بالهوى والمشاعر والوجدان. فالله تعالى يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾. ورسول الله ? يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
ولتنظر الدول المنتجة والمصدرة للنفط القائمة في العالم الإسلامي، كم استنزف الدولار الأمريكي مخزونهم من النفط، وهو قائم قاعد في الهبوط والتذبذب في سعر صرفه مقابل الذهب والنقود الورقية المتداولة الأخرى. وليسأل وزراء النفط أنفسهم حول مقادير أرصدتهم في الاحتياطي النقدي لو أنهم باعوا نفطهم بالذهب أو بنقود ورقية نائبة مغطاة بالذهب؟ إن التبعية للدولار بعد إلغاء نيكسون لاتفاقية "بريتون وودز" جعلت الاقتصاد في العالم الإسلامي في فلك الجنرال، لذلك فإنه يترتب على عقلاء الأمة المبادرة إلى إصدار نقود ورقية معاصرة جديدة، تكون مغطاة بالكامل ذهباً. به نبيع نفطنا ومنه نزكي أموالنا، وبتداوله نحافظ على أرصدتنا من تآمر صندوق النقد الدولي، الذي يخطط لعودة الدول العربية النفطية إلى صحراء الفقر من جديد. وما الذي يحدث بين العراق وإيران ببعيد عن أصابع صندوق روبرت مكنمارا للنهب الدولي الذي يعلن الحرب على المسلمين بالجنرال دولار.
стр. 1811
زكاة عروض التجارة
المؤلف/ المشرف: أمجد طلبة وسيد زيدان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ماجد عسيري - جدة ̈الأولى
سنة الطبع: ٢٠٠٠م
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: زكاة - عروض التجارة
الخلاصة
بعد مراجعة هذه المسألة وأدلتها وجدنا أنه يوجد شبه إجماع بين العلماء على (وجوب زكاة عروض التجارة) فقد قال بذلك الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وأبو عبيد وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم – ﵏ جميعاً-.
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة زكرنا منها:
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ..... الآية﴾.
• قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً .... الآية﴾.
• وحديث النبي ﷺ : (وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً ... ).
• وحديث: (كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع).
وقد بينا ضعفه.
• وحديث: (وفي البر صدقته .. ) وهو ضعيف أيضاً.
• وأثر عمر ?: (ألا تؤدي زكاة مالك يا حماس؟) وعلمنا ضعفه.
• وأثر ابن عمر ?: (ألا تؤدي زكاة مالك يا حماس؟) وعلمنا ضعفه.
• وأثر ابن عمر ?: (ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة).
أما القائلون بـ (عدم وجوب زكاة عروض التجارة) فهم: عطاء وأهل الظاهر ومن المعاصرين الشيخ الألباني – رحم الله الجميع -.
ومن أدلتهم على ذلك:
• قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ .... الآية﴾.
• وحديث: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... ) فاستدلوا بهذا الحديث مع الآية السابقة على حرمة المال الأصلية فلا يؤخذ منه شيء إلا بدليل صريح ولم يصح عندهم دليل على ذلك.
كما استدلوا بأحاديث تسقط الزكاة عن بعض الأشياء منها:
• حديث: (ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه).
• حديث: (ليس فيما دون خمس أوق صدقة ... الحديث).
• حديث: (أنه إنما أخذ الصدقة من الزبيب والحنطة والشعير والتمر).
• حديث: (يا معشر التجار إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة)، واستدلوا به على الاستحباب ككفارة لما يحضر البيع من لغو وحلف ويكون بما تطيب به النفس.
• واستدلوا بأثر عطاء حيث قال: (في الميزان إن كان يدار كهيئة الرقيق زكي ثمنه).
وقال في العبد للتجارة: (ليس عليه زكاة إلا الفطر).
كما استدلوا ببعض الآثار الأخرى. وهذا ملخص أدلة الفريقين:
وثم فريق آخر نحا منحى الوسيطة بين الفريقين فقال: بـ
(وجوب زكاة عروض التجارة في كل ما يتجر فيه إلا ما سماه الدليل) مثل العبد والفرس والخضروات وما دون الخمسة أوسق وما دون الخمسة ذود وغيرها من الأشياء فليس عليها زكاة؛ لأن الدليل جاء بإسقاط الزكاة عنها، ولم يأت دليل يستثني وجوب الزكاة عليها إن كانت للتجارة أو غيرها، وممن نحا هذا المنحى كما يظهر من تبويبه الإمام الدراقطني حيث بوب باباً قال فيه: (باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق).
هذا والله أعلم بالصواب
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1812
زواج المسيار دراسة فقهية واجتماعية نقدية
المؤلف/ المشرف: عبدالملك بن يوسف المطلق
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن لعبون - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: نكاح - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة
بعد حمد الله وشكره على توفيقه لي على إتمام هذا البحث:
فإني وبعد هذه الدارسة والبحث المستفيض في زواج المسيار فقهياً واجتماعياً أخلص إلى النتائج التالية:
١) زواج المسيار زواج مستكمل للأركان والشروط المتعارف عليها عند جمهور الفقهاء، من تراضى الزوجين وحضور الولي والشهود، ونحو ذلك، ولكنه يتضمن تنازل الزوجة عن بعض حقوقها الشرعية باختيارها ورضاها مثل النفقة والقسم، والعقد فيه صحيح، ولكن هذا الزواج مخالف لكثير من الحكم والمقاصد التي أرادها الشارع من الزواج. ولذلك يجب عدم التشجيع على هذا الزواج واتخاذ الوسائل اللازمة لمنعة وعدم انتشاره في المجتمع والتوقف عن القول بإباحته بشكل عام.
٢) جاءت تسمية هذا الزواج بالمسيار من باب كلام العامة، وتمييزاً له عما تعارف عليه الناس في الزواج العادي لأن الرجل في هذا الزواج يسير إلى زوجته في أوقات متفرقة ولا يستقر عندها طويلاً.
٣) هذا الزوج بهذه الصورة حديث عهد بالمجتمع، فلم يظهر إلا منذ سنوات معدودة، ولكن الذي يبدو أن له صوراً مشابهة في الماضي القريب والبعيد فقد كان التجار قديماً في منطقة الخليج يتزوجون زواجاً قريباً من هذا خلال أسفارهم، كما أوردت بعض الكتب الفقهية القديمة حالات فيها بعض الشبه من هذا الزواج.
٤) هناك أسباب كثيرة أدت إلى ظهور هذا الشكل من الزواج، منها ما يعود إلى النساء وعلى رأسها كثرة عدد العوانس والمطلقات والأرامل وصواحب الظروف الخاصة، وكذلك رفض كثير من الزوجات لفكرة التعدد.
ومنها ما يعود للرجال وعلى رأسها رغبة بعض الرجال الإعفاف والحصول على المتعة الحلال مع ما يتوافق وظروفهم الخاصة، ومنها ما يعود للمجتمع وعلى رأسها الأعراف السائدة في بعض المجتمعات من مغالاة في المهور والنظر بشيء من الازدراء لمن يرغب في التعدد ونحو ذلك.
٥) لزواج المسيار بعض الفوائد والمزايا تتمثل في إعفاف قدر كبير من نساء ورجال المجتمع اضطرتهم ظروفهم الشخصية أو الظروف المجتمعية إلى اللجوء إلى الزواج بهذه الصورة، بدلا من سلوك مسالك غير شرعية.
٥) وكذلك فإن للزواج بهذه الصورة مساوئ ومفاسد كثيرة، فقد يتحول الزواج بهذه الصورة إلى سوق للمتعة وينتقل فيه الرجل من امرأة إلى أخرى، وكذلك المرأة تنتقل من رجل لآخر.
كما يترتب عليه تهدم مفهوم الأسرة من حيث السكن الكامل والرحمة والود بين الزوجين، وقد تشعر المرأة فيه بالمهانة وعدم قوامة الرجل عليها مما يؤدي إلى سلوكها سلوكيات سيئة تضر بنفسها وبالمجتمع، كذلك قد يترتب عليه عدم إحكام تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة سوية متكاملة، ويؤثر سلبا في تكوين شخصيتهم.
٧) زواج المسيار يختلف كليا وجزئيا عن زواج المتعة والمحلل، فهو زواج مستكمل الأركان والشروط وإن اختلف في الموازنة بين فوائده ومفاسده، أما زواج المتعة والمحلل فحرام باتفاق أهل السنة لأنه ليس مقصودا لذاته.
стр. 1813
سجود السهو (رسائل فقهية)
المؤلف/ المشرف: محمد بن صالح العثيمين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٤هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: صلاة - سجود السهو
والخلاصة
يتبين لما مما سبق:
أن سجود السهو تارة يكون قبل السلام، وتارة يكون بعده.
فيكون قبل السلام في موضعين.
الأول: إذا كان في نقص، لحديث عبدالله بن بحينة ﵁ أن النبي ﷺ سجد للسهو قبل السلام حين ترك التشهد الأول. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
الثاني: إذا كان عن شك لم يترجح فيه أحد الأمرين، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فيمن شك في صلاته فلم يدركه صلى ثلاثاً أم أربعاً؛ حيث أمره النبي ﷺ أن يسجد سجدتين قبل أن يسلم، وسبق ذكر الحديث بلفظه.
ويكون سجود السهو بعد السلام في موضعين.
الأول: إذا كان عن زيادة لحديث عبدالله بن مسعود ﵁ حين صلى النبي ﷺ الظهر خمساً فذكروه بعد السلام، فسجد سجدتين ثم سلم ولم يبين أن سجوده بعد السلام من أجل أنه لم يعلم بالزيادة إلا بعده، فدل على عموم الحكم وأن السجود عن الزيادة يكون بعد السلام سواء علم بالزيادة قبل الإسلام أم بعده.
ومن ذلك:
إذا سلم قبل إتمام صلاته ناسياً ثم ذكر فأتمها؛ فإنه زاد سلاماً في أثناء صلاته، فيسجد بعد السلام لحديث أبي هريرة ﵁ حين سلم النبي ﷺ في صلاة الظهر أو العصر من ركعتين فذكروه فأتم صلاته وسلم ثم سجد للسهو وسلم ثم سجد للسهو وسلم وسبق ذكر الحديث بلفظه.
الثاني: إذا كان عن شك ترجح فيه أحد الأمرين لحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ أمر من شك في صلاته أن يتحرى الصواب، فيتم عليه ثم يسلم ويسجد. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
وإذا اجتمع عليه سهوان؛ موضع أحدهما قبل السلام، وموضع الثاني بعده فقد قال العلماء: يغلب ما قبل السلام فيسجد قبله.
مثال ذلك:
شخص يصلي الظهر فقام إلى الثالثة ولم يجلس للتشهد الأول وجلس في الثالثة يظنها الثانية ثم ذكر أنها الثالثة؛ فإنه يقوم ويأتي بركعة ويسجد للسهو ثم يسلم.
فهذا الشخص ترك التشهد الأول؛ وسجوده قبل السلام وزاد جلوساً في الركعة الثالثة؛ وسجوده بعد السلام، فغلب ما قبل السلام. والله أعلم.
والله أسأل أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لفهم كتابه وسنة رسوله ﷺ والعمل بهما ظاهراً وباطناً في العقيدة والعبادة والمعاملة وأن يحسن العاقبة لنا جميعاً إنه جواد كريم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1814
سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية (الضرائب) دراسة فقهية مقارنة
المؤلف/ المشرف: صلاح الدين عبدالحليم سلطان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: هجر - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: ضرائب ومكوس وجمارك
نتائج البحث:
من أهم النقاط التي انتهى إليها هذا البحث ما يلي:
١ - أن الدولة في النظام الإسلامي تراعى مصالح المحكومين في الدين والدينا والآخرة وهو بهذا يختلف تماما عن النظام الرأسمالي والاشتراكي اللذين يراعيان المصالح الدنيوية فقط مع جنوح الأول نحو خدمة أصحاب رؤوس الأموال على حساب العاملين والكادحين، وجنوح الثاني نحو إزهاق أصحاب رؤوس الأموال والمناداة بحقوق العاملين مع فشلها في ميدان الواقع في تحقيق ذلك، وبهذا تبين أن هذه الأنظمة لا تصلح للقيام بالمصالح العامة لأنها بشرية منحازة إلى فئة معينة ولا تراعي المصالح العامة كما يراعيها النظام الإسلامي في توازن دقيق ومراعاة للفطرة في إطار تحقيق العدل والخير.
٢ - أن الزكاة كمورد مالي تقوم الدولة بجمعه يعد من أهم الموارد المالية الدورية، وقد جمع بين قواعد الضريبة التي فتن بها الدارسون وهي العدالة حيث تحققت في تقدير النصاب وتفاوت نسبة الزكاة وفقا للجهد المبذول في المال، وأخذ الوسط من المال ومنع الإعفاءات منها، كما أنها تحقق اليقين والملاءمة والاقتصاد، بل وتتميز بصفات لا توجد في أية فريضة مالية في النظم الوضعية مثل كونها عبادة روحية، وتؤدى عن طيب خاطر وحسن العلاقة بين المصدق وصاحب المال، والمسئولية الدينية في التهرب منها.
٣ - تؤخذ العشور من المسلم بنفس طريقة الزكاة وتؤخذ من الذمي ضعف نسبة المسلم مع ضرورة إعفائه من العشور حتى يبلغ المال نصابا، أما الحربي فيعامل بالمثل.
٤ - من موارد الدولة في النظام الإسلامي الأملاك العامة مثل الأرض التي تحجزها الدولة لمصلحة عامة أو الأرض المأخوذة من المشركين أو الموارد الطبيعية من باطن الأرض أو إيراد المشروعات التي يلزم قيام الدولة بها لمصلحة عامة.
٥ - أن الفكر الإسلامي ثرى في أسس تقدير الفريضة المالية على الأراضي ونلحظ ذلك في أسس تقدير الخراج حيث روعي مدى جودة الأرض، واختلاف أنواع الحبوب والثمار، ومدى الجهد المبذول في السقي والقرب من العمران.
٦ - تعد الأرض المفتوحة عنوة من الموارد المالية للدولة حيث إن للإمام الحق في التصرف فيها إن شاء قسمها بين القائمين أو حبسها لصالح المحكومين.
٧ - أن الخراج والفيء والغنيمة والجزية سوف تعود موردا للدولة متى عادت إسلامية لأنها سوف تعيد فريضة الجهاد في سبيل الله ومن لوازم ذلك حدوث انتصارات وغيرها، وعند النصر تكون الأراضي الخراجية والغنائم في الأموال وتفرض الجزية على أهل الذمة، ومن ألحق بهم.
٨ - أن المصلحة العامة الآن تقتضي قيام الدولة بإخراج المعادن الظاهرة والباطنة، مثل النفط والحديد والرصاص والنحاس والملح وغيرها، لأن لكل أحد قيد حقا، ويستحيل تحقق ذلك إلا بأن تأخذ الدولة هذه المعادن ثم تنفق العائد منها على مصالح المسلمين، وقد تعطي حق إخراج المعدن لشركة خاصة مع بقاء ملكية المعدن للمسلمين وليس لشركة بعينها.
٩ - من موارد الدولة الإسلامية: الوظائف المالية والتبرعات وتركة من لا وارث له، ومال المرتد والأوقاف الخيرية.
١٠ - أن هناك عوامل مترابطة في النظام الإسلامي تؤدي حتما مع تطبيقها إلى وفرة الإيرادات العامة في الدولة الإسلامية مع التنبيه على أن الإسلام دين دعوة لا جباية.
стр. 1815
١١ - تعد الضرائب من أهم الموارد في جميع دول العالم الآن ومنها ضرائب على الأشخاص أو على الأموال، ومنها ضرائب واحدة وأخرى متعددة، ومنها ضرائب نسبية وأخرى تصاعدية، وتفرض الضريبة شخصية أي تراعي ظروف الممول الشخصية أو عينية بدون مراعاة ذلك، كما أنها تفرض بصورة مباشرة في المال أو غير مباشرة أي تختفي في السلع، وتفرض على رأس المال أو الدخل أو الإنفاق، وهو نظام ضريبي معقد يقوم على تسلط الدولة على أموال الأشخاص.
١٢ - يعد من موارد الدولة النظم الوضعية أيضا: الرسوم ومقابل التحسين والقروض العامة والإصدار النقدي والهدايا والهبات واليانصيب، وأن هذه النظم لا تتورع عن اعتماد مورد مالي مع ظهور وجه الضرر فيه مثل القروض والإصدار النقدي واليانصيب.
١٣ - أن النفقات العامة في الدولة الإسلامية تعنى بتحقيق التكافل الاجتماعي، ثم نفقات الجهاد في سبيل الله، وتحقيق الأمن الداخلي وتحقيق العدالة، ونفقات التربية والتعليم، وتحقيق التنمية الاقتصادية، ثم نفقات الجهاز الإداري في الدولة، كما أن هناك إدارتان في الإنفاق هي الإدارة المركزية والإدارية المحلية، وقد بدا مدى اعتدال النفقات العامة مع التزام بأحكام الإسلام.
١٤ - أن الأنظمة الوضعية لا تعطي نفقات الضمان الاجتماعي ما تستحقه، بل إن بعضها يرى ضرورة ترك المحتاجين حتى يهلكوا جميعا، كما أن هناك تزايدا مستمرا في النفقات العامة في النظم الوضعية.
١٥ - أنه بمقارنة الميزانية العامة في النظام الإسلامي مع النظم الوضعية تبين أن الإسلام قد حدد الأصول العامة للميزانية مثل مبدأ السنوية والتخصيص وأن الأنظمة الوضعية تطور ميزانياتها لتصل إلى ما أسسه الإسلام في ذلك.
١٦ - أن هناك آيات وأحاديث توجب حقوقا في المال غير الزكاة ويمكن أن يستدل بها على شرعية فرض وظائف مالية ووجه ذلك أنه لما كان حقا واجب الأداء، فمن امتنع عنه ألزمه الإمام به، وهذا هو التوظيف، ويؤكد شرعية التوظيف القواعد الفقهية التي تؤكد على رفع الضرر، وكذلك القياس على وجوب البذل للمضطر.
١٧ - أنه بعرض ما يشير إلى التوظيف عند الفقهاء سواء مباشرة أم بطريقة غير مباشرة تبين أن هذه القضية لم تأخذ حظها من البحث عند الفقهاء، ومع هذا فقد اجتهدوا لزمانهم وتحدثوا عن وجه المصلحة في فرض الوظائف وشروطها وكيفيتها بما يعد مدخلا جيدا للموضوع.
١٨ - أن هناك شروطا للتوظيف اشترطها الفقهاء وهي شروط تصح لزمانهم، أما في زماننا فقد وجد عليه ما يجعل من المصلحة عدم الأخذ ببعض هذه الشروط مثل شرط خلو بيت المال أو عدالة الإمام أو عدم إمكان الاستقراض، وقد صنفت شروط التوظيف إلى شروط في أصل فرض الوظائف وشروط في طريقة التوظيف. وأخرى في معرفة الوظائف.
١٩ - أن في تطبيق النظام الإسلامي في عصرنا يمكن الاستغناء عن كثير من الوظائف المالية حيث تكثر التبرعات، ويحافظ الأفراد على المال العام، ويكون المسئولون قدوة في المال العام، تشتد الرقابة عليهم بما يوفر كثيرا من الأموال، وهي نفس الأسباب التي أدت إلى الاستغناء عن التوظيف في صدر الإسلام.
٢٠ - أن من دواعي التوظيف نرى أن الإسلام يرعى مصالح المحكومين في دينهم ودنياهم فيوظف لتحقيق التكافل الاجتماعي ودفع الأعداء وفداء الأسرى، ومواجهة الكوارث، وإنتاج السلع الضرورية، ودفع رواتب الأعمال العامة، ومن أجل الدعوة إلى الله، أو حماية السلع المحلية أو القيام بمشروعات عامة، وقد بدا لنا دقة النظام المالي الإسلامي، في التفريق بين المشروعات التي يستفيد منها جموع المسلمين، فيدفع الجميع الوظيفة، والمشروعات التي يفيد منها قوم دون غيرهم فيتحملون الإنفاق عليها ويوظف عليهم دون غيرهم.
стр. 1816
٢١ - أن التوظيف ينبغي أن يكون على الأشخاص حتى لا تكون كجزية الرؤوس وتفرض على جميع أنواع المال حتى يتحقق التوازن وتقل نسبة الوظيفة المالية، كما يجب إعفاء حد النصاب الشرعي بما يوفر العيش الكريم لكل فرد مما يؤكد ضرورة مراعاة المصلحة الفردية، والجماعية في آن واحد، وأن الاختيار الصحيح في التوظيف أن يكون بنفس طريقة الزكاة لا الضرائب بمعنى أن تكون الوظائف مباشرة ونسبية وليست غير مباشرة أو تصاعدية ويجوز للدولة أن تفرض الوظائف عينية من العينيات ونقدا من النقود وبهما إذا شاءت على أن يكون ذلك في إطار تحقيق الرفق بالناس في تحصيل الوظائف المالية.
٢٢ - انه لا يجوز أن تفرض وظيفة مالية بصفة مستمرة ودائمة لأن ذلك يخالف علة فرضها وهو وجود الحاجة العامة، فإن ارتفعت بالموارد العادية، أو انتهاء نفس الحاجة فينبغي إنهاء هذه الوظائف.
٢٣ - إذا كان يصح للحكومة المصرية في وضعها الحالي فرض ضرائب مالية على رعاياها فإنه لا يجوز أن تفرضها بصورة غير مباشرة لأنها ظلم فادح على محدودي الدخل الذين يتحملون عبئها الأكبر كما لا يجوز فرضها بصورة تصاعدية لأنه ظلم للأغنياء، ويؤدي إلى تهريبهم لارتفاع سعرها أو نقل عبئها على الآخرين بما يؤكد أن الضرائب ترسو أخيرا على ذوي الدخل المحدود فهم يدفعون الضريبة المباشرة عند اقتطاعها من الدخل، ويدفعون الضرائب غير المباشرة عند إنفاق دخلهم.
٢٤ - من أنواع الظلم الفادح في النظام الضريبي المصري ضريبة التركات التي تدل على استغلال سيء النفوذ، وتقطيع للأرحام، وأخذ المال بغير حق.
٢٥ - أن مما يعد صحيحا في القانون الضريبي المصري إعفاء بعض المشروعات التي تفيد الصالح العام كاستصلاح الأراضي والمزارع ومشروعات تربية المواشي. وكذا إعفاء الأجانب بشرط المعاملة بالمثل، لكن الإعفاء لأعباء المعيشة مع صحته إلا أنه قليل بالإضافة إلى متطلبات العيش بما يدل بوضوح على أن الحكومة المصرية تجبى الضرائب من أناس يعتبرون فقراء بالمفهوم الشرعي وكان الواجب أن تعطيهم لا أن تأخذ منهم.
٢٦ - أن حرمة المال الخاص ثابتة شرعاً، ولا يجوز فرض أية وظائف مالية إلا بحق وإلا عد من يفعل ذلك من أصحاب المكوس الجائرة.
٢٧ - أن للمال الخاص حرمته، ولا يجوز انتهاكها أو أخذ شيء منها إلا بحق ثابت معروف وإلا عد ذلك من باب فرض المكوس الجائرة التي وردت النصوص بحرمتها وتأثيم فاعلها.
٢٨ - أنه يصح للدولة شرعاً فرض وظائف مالية كسد حاجة عامة شرعية بشروط مخصوصة، وكيفية معينة، وعدم مراعاة شيء من ذلك يعد انتهاكاً لحرمة الأملاك الخاصة أو تعسفاً في استعمال الحق.
стр. 1817
سلم الأماني في إجابة من يقول بالحجاب بقول الألباني: جواب عن حكم حجاب أجيب به عمن جرى في وجوههن ماء الشباب
المؤلف/ المشرف: عقيل بن أحمد العقيلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الخضيري- المدينة النبوية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: حجاب وتبرج
الخاتمة:
وبعد: فقد توصلت في هذا البحث إلى:
١ - أن الحجاب هو الذي دعت إليه الشريعة والفطرة.
٢ - الإجماع على أن للمرأة أن تستر وجهها وهي محرمة عن نظر الرجال، مع أن الجمهور على وجوب كشفه للإحرام والواجب لا يترك إلا لواجب.
٣ - الخبر المروي في أن المرأة عورة بالإجماع.
٤ - أن التأويل معول هدم للنصوص الواضحة.
٥ - القول الذي عليه الجمهور هو الحجاب في مناسبته كما نوه به الشيخ ابن باز وغيره.
٦ - أن القول بجواز كشف المرأة وجهها أمام الأجانب ليس قولاً للجمهور فضلاً عما فوقه كما تبين من مذهب أحمد ومالك والشافعي، وجاء القول بوجوبه في غير كتاب من كتب الحنفية. وأما بالنسبة لأحمد فالأمر ظاهر، وأما بالنسبة لمالك فإن المرأة لا تكشف وجهها إلا عند الضرورة، كما قال ابن القطان. وكما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حين استعراضه لهذه المسألة. وأما الشافعية فعامة كتبهم على رجحان القول بوجوب الحجاب.
٧ - أن الحجاب الذي أمر الله به فرض بالإجماع، فلا التفات إلى من لم يتلفت لهذا.
٨ - ليس مع من نفى فرضيته دليل يوجب نسخ الفرضية.
٩ - قد أجيب على أدلة المخالف سلفاً وخلفاً.
١٠ - الاحتجاج بالعادة لنفي وجوب الحجاب لا يعول عليه مع وجود نصوص شرعية جلية في الموضوع نقلت الناس من عادة الكشف إلى عادة الحجاب.
١١ - استقرت القاعدة على أنه إذا تعارض حاظر ومبيح جعل الحاظر متأخراً كما في عمدة القاري وغيره.
١٢ - يتوجه إلى أدلة المخالف شبهة الاحتجاج بالشبه.
١٣ - الأمر بالحجاب أمر وسط بين الإفراط والتفريط على حد قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ فللمرأة الكشف عند الحاجة والضرورة وفي مناسبات الخطبة أو كونها من القواعد.
١٤ - ليست الأعمال التي تستدعي حركة مانعة من الحجاب.
١٥ - أن المراد بـ ﴿ما ظهر منها﴾، ما ظهر عفواً من غير قصد عند حركة ومزاولة عمل لا حرج على المرأة فيه.
١٦ - أن الأدلة الآمرة بالحجاب أقوى وأظهر من أدلة المخالف.
١٧ - أن الألباني ﵀ يقول بمشروعية الحجاب واستحبابه خلافاً للمتنطعين الذين لا يقولون باستحبابه فضلاً عن وجوبه وذلك منهم ورعاً من مخالفة الدين إذ القول بوجوبه أو استحبابه يؤدي عندهم إلى أن الشارع أقر الكاشفات على محرم أو مكروه!! فهم كما قيل:
رام نفعاً فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقاً
١٨ - المثال الأعلى في أسلوب الأمر بالحجاب في قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على يجوبهن﴾ وقوله: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ في مراعاة مشاعر المأمورات بالحجاب.
١٩ - فهم أمهات المؤمنين ومن سار على منهجهن من السلف والخلف هو الأسلم لتمكن أمهات المؤمنين من فهم القرآن واللغة سيما وأن الشأن شأنهن ومن على أثرهن.
٢٠ - القول بعدم الحجاب مزاحمة لأمهات المؤمنين على منهجهن في هذا الفهم طال الزمان أم قصر.
٢١ - دعوى الخصوصية بالحجاب دعوى لا تقوم على رجلين وأبعد من أن تتوكأ على عودين.
٢٢ - الألباني ﵀ يقول بفريضة الجلباب على المرأة أمام الأجنبي داخل بيتها أو خارجه فهل الذين يقولون بقول الألباني يلتزمون بهذه الفريضة أم أنهم يأخذون بترك الحجاب ويخالفونه في هذه الفرضية؟
٢٣ - الذي يظهر لي من تحريرات شيخنا أنه يفسر فرضية الحجاب بفرضية الجلباب.
٢٤ - كان الحجاب هو اللازم في العالم الإسلامي ثم انحسر في فئات منه.
٢٥ - ليس الحجاب بتشريع من البشر وإنما هو من رب البشر.
٢٦ - الحجاب هو الستر عن رؤية الأبصار، كما قال الشاعر:
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... أن السماء ترجى حين تحتجب
٢٧ - إن الذي يأذن للنساء في كشف وجوههن أمام الأجانب ويحمل الجنسين إثم ما يترتب على ذلك هو كما قيل:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك وإياك أن تبتل بالماء
أو كمن يشمس قديده في طريق يمكن أن تمر معه السباع من غير ستر أو حفظ.
٢٨ - الحجاب هو سنة المؤمنين منذ فرضيته إلى يومنا هذا.
٢٩ - لم يقصر السلف في بيان حكمه وكيفيته.
٣٠ - بمعرفة الأصل عند النساء قبل الحجاب يتبين حكم الحجاب.
٣١ - الأسلم عدم إثارة الخلاف في هذا الموضوع.
٣٢ - من أراد إثارته فعليه أن ينظر إلى المكاسب التي تجتني من إثارته وما يحلقها من تبعات.
٣٣ - إذا صح لدى القارئ ولو دليل واحد من هذا البحث المؤيد لوجوب الحجاب فهو كاف في قيام الحجة.
٣٤ - أن الجمال في الوجه أظهر منه في غيره إن لم يتوحد الجمال فيه، بخلاف ما قد يفهم من قول المخالف إن الجمال الذي يتوجه إليه الأمر بالحجاب هو جمال شعر الرأس استناداً إلى: (كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها)!!
٣٥ - أن الهلكة في تتبع الرخص.
٣٦ - أن هذا البحث يفتح آفاق الموضوع لمن أراد أن يكتب فيه كتابة أمكن.
стр. 1818
سندات الإجارة والأعيان المؤجرة
المؤلف/ المشرف: منذر قحف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: البنك الإسلامي للتنمية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: إجارة
الخاتمة والنتائج
درسنا في هذه الورقة إمكان استخدام عقد الإجارة بتعريفه، وشروطه، وأنواعه، المعروفة في الشريعة الإسلامية، أساسا لإصدار أدوات مالية قابلة للتداول. مما يعتبر أصلا رئيسيا من أصول إقامة سوق إسلامية مالية.
وقد أسمينا هذه الأدوات المالية سندات الإجارة والأعيان المؤجرة مراعاة للتشابه فيما بينها وبين سندات القرض، من حيث الأغراض التي تحققها، والمنافع التي يحصل عليها حامل السند. وكذلك من حيث استقرار العائد، والعلم المسبق به، وإن كانت تختلف عنها، اختلافا كبيرا، من حيث ما يمثله السند من أعيان، أو خدمات، أو منافع موصوفة (بالنسبة لسندات الإجارة)، أو ديون (بالنسبة لسندات القرض).
وقد استعرضنا الأنواع المتعددة لسندات الإجارة والأعيان المؤجرة، فلاحظنا أنها يمكن أن تصدر لتكون ممثلة لأعيان، معمرة، مرتبطة بعقود إجارة، وأن شروط عقود الإجارة هذه يمكن أن تختلف، من إصدار لآخر، مما يتيح الفرصة لوجود حالات مختلفة لكل من صور سندات الأعيان المؤجرة. ورأينا أيضا أن سندات الإجارة يمكن أن تصدر لتمثل خدمات موصوفة في الذمة، تستحق في زمن مستقبل. كما يمكن أن تمثل منافع أعيان، وهي منافع موصوفة في الذمة أيضا، ومعلقة على زمن مستقبل.
ودرسنا خصائص سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، من حيث تداولها في السوق، بسعر تحدده عوامل العرض والطلب، ومن حيث عوامل الأمان، والعائد، والسيولة. وكذلك خصائصها، من حيث المرونة في الإصدار، والتداول، والتنوع، وتلبية الحاجات التمويلية المتعددة. ولاحظنا أن المعوقات التطبيقية لإدخال سندات الإجارة والأعيان المؤجرة في التداول، في الأسواق القائمة في البلدان الإسلامية للأوراق المالية، ليست على درجة تجعلها صعبة التجاوز. كما أنه لا توجد معوقات شرعية، تحول دون وجود سندات إجارة، أو دون قيام بعض البنوك الإسلامية، بطرح سندات إجارة، وبيعها للمدخرين.
ولقد استنتجنا، من مقارنة سندات الإجارة والأعيان المؤجرة مع غيرها من الأوراق المالية، أن معظم صور هذه السندات تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار، والثبات في العائد، وبدرجة عالية أيضاً من العلم المسبق، بمقدار هذا العائد، بتاريخ شراء السند. كما أنها جميعا ترتبط – ارتباطا مباشرا – بالأعيان والمنافع والخدمات، أي بدورة الإنتاج، والتوزيع للسلع الاقتصادية. وذلك على الرغم من أن بعض أنواع سندات الإجارة، لديه من المرونة، ما يجعله مصدراً لتمويل الاحتياجات النقدية الآنية، مما يجعلها صالحة لتمويل رأس المال العامل في المشروعات التي تصدرها.
إن جميع هذه الخصائص تجعل من سندات الإجارة والأعيان المؤجرة أدوات مالية متفوقة المزايا، وبخاصة، أنها يمكن أن تصدر – في معظم الأحيان – على أساس علاقة مباشرة بين مستعمل العين المعمرة، وحاملي السندات، دون الحاجة إلى وجود شخصية قانونية (أو معنوية)، يندرج تحت ظلها حاملوا السندات، كما هو الشأن في الأسهم، ورأس مال المضاربة، والوحدات الاستثمارية في مختلف أنواع صناديق الاستثمار. فسندات الإجارة – في هذا – تشبه سندات القرض، من حيث العلاقة المباشرة بين صاحب السند والمتمول بحصيلته. وهذا مما يقلل الكلفة الإدارية للسند بحيث يصبح إيراد حامل السند هو نفس ما يدفعه المتمول دون أن يقتطع منه حصة لإدارة وتكاليف الشخصية المعنوية الوسيطة [ومن الواضح أن ذلك لا يمنع الإفادة من خدمات الترويج والتعهد بالتسويق Underwriting عند الإصدار].
стр. 1819
كل ذلك يؤهل سندات الإجارة لتكون أداة تمويلية إسلامية تقع في موضع متوسط بين الأسهم – وما تتضمنه من مخاطرة – من جهة، وسندات القرض – وما تتضمنه من مرونة وضمان – من جهة أخرى، وذلك دون أن تقع في وهدة الربا الذي حرمه رب العباد.
ومن جهة أخرى، فإن اعتماد سندات الإجارة والأعيان المؤجرة كأداة لتمويل كثير من المشروعات الحكومية، سواء أكانت إنمائية، أم عادية، يضيف عنصرا آخر ينبغي أن يشار إليه. ذلك أن الربط المباشر بين المشروع الحكومي، وبين المدخرين الأفراد، يعتبر بمثابة إعطاء فرصة أخرى لجمهور الناس للتصويت على المشروع الحكومي. فإن نجحت الحكومة في اجتذاب أصحاب المدخرات لتمويل مشروعها، فإن ذلك يعتبر موافقة منهم على المشروع، وإذا لم يُقبل الناس على الاستثمار في المشروع المقترح تمويله، فإن ذلك يدل على عدم قناعتهم بجدواه الاقتصادية، أو بعدم قدرة المشروع على المنافسة مع البدائل الأخرى المتاحة لاستعمال المدخرات.
لماذا لم تستعمل سندات الإجارة والأعيان المؤجرة حتى الآن؟
رغم المزايا الكثيرة التي تتمتع بها سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، فإنه لم تقم الحكومات الإسلامية، أو غيرها، باستخدامها كأداة لتعبئة الموارد المالية اللازمة لمشروعاتها التنموية المختلفة، كما لم تقم البنوك الإسلامية باللجوء إليها، سواء في تجهيز السيولة النقدية اللازمة، أم في تمويل الاحتياجات المالية الكبرى، وبخاصة ذات الأجل الطويل. فلماذا لم تمارس الحكومات والبنوك عمليات التمويل عن طريق إصدار سندات إجارة؟
إن الإجابة على هذا السؤال تتضمن نقاطا عديدة نذكر أهمها فيما يلي:
١ - على الرغم من أن عقد الإجارة عقد قديم جدا، فقد ذكر في القرآن الكريم على عهد موسى، ﷺ ، فإن الإفادة من هذا العقد في العمليات التمويلية المنظمة، على مستوى الأسواق المالية، أمر حديث جدا، لدرجة أن دراسته لم تدخل الكتب المدرسية في التمويل إلا في السنوات الأخيرة فقط. وما زالت الإجارة التمويلية في أوائل طريقها، فهي تعتبر من الممارسات النامية في عالم التمويل المعاصر.
٢ - إن عملية تحويل مجموعة من الموجودات إلى سندات Securitization هي أيضا عملية حديثة جداً. ففيما عدا الأسهم وسندات القرض المعروفة منذ زمن طويل في الغرب، والتي هي في الواقع عملية تجميع مدخرات للقيام بمشروع، وليست تحويل موجودات إلى سندات، فإن عملية التحويل إلى سندات Securitization لم يتم تنظيمها رسميا من قبل هيئة تبادل الأوراق المالية في أمريكا SEC إلا في عام ١٩٩٢. لذلك يمكن القول، إن فكرة سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، التي تستند إلى قضيتي الاستخدام المنظم للإجارة كوسيلة تمويلية، وتحويل الموجودات إلى سندات، هي مسألة حديثة تقترح للجهات المالية كأداة تمويلية جديدة.
٣ - إن الفكر التمويلي الغربي، الذي يجد أمامه سعة كبيرة في مختلف أنواع سندات القرض الربوي، لا يوجد لديه الدافع القوي، أو الحافز الحاد، لابتكار أفكار تمويلية لا تستند إلى المديونية. ذلك لأن الأدوات المالية المستندة إلى المديونية قابلة للتداول عنده على أساس قيمتها الحالية، عند انتقالها من يد لأخرى.
٤ - إن بعض القوانين الغربية تقيد تحويل الموجودات إلى سندات.
стр. 1820
فالقانون البريطاني مثلاً يمنع إصدار سندات قابلة للتداول، إذا كانت تمثل أصلا ثابتا واحدا. ولعل هذا المنع ما أعاق التفكير في سندات للإجارة وللأعيان المؤجرة، وبخاصة أنه يقل في الدول الرأسمالية الغربية احتياج الحكومة إلى تمويل مشروعات كبيرة بالإجارة، لأسباب متعددة، من أهمها ضخامة دور القطاع الخاص، وقدرته على تبني المشروعات الاستثمارية الكبيرة، ودرجة النمو الاقتصادي التي وصلتها هذه البلدان، وعراقة السوق التمويلية، وقدرتها على تعبئة الموارد المالية بكميات كبيرة، من خلال الأدوات الربوية وغيرها.
ولقد وجدت حاجة في بعض هذه البلدان، كبريطانيا مثلا، إلى تمويل بعض الموجودات الثابتة، عن طريق إصدار سندات، ولكن القيود القانونية اضطرت المنظرين والممارسين الماليين، معا، إلى اللجوء إلى أفكار أخرى، تتجنب إصدار سندات متداولة، تمثل أصلا واحدا. فظهرت في بريطانيا سندات داخل العقارات Property Income Certificates، وهي سندات تمويل مجرد ترتبط بدخل عمارة معينة، ولكنها لا تمثل – بحال من الأحوال – أي حق ملكية في العمارة.
وتعمل هذه السندات من خلال وسيط مالي، وشركة مديرة للعقار. وقد ساعد على التفكير بهذا الأسلوب، كون العقار موزعا إلى وحدات استعمالية صغيرة، على شكل مكاتب تجارية، لابد لها من إدارة مباشرة، تهتم بشؤون عقود الإجارة الكثيرة مع الساكنين، وتتابع شؤون العمارة المتنوعة. في حين أن سندات الأعيان المؤجرة المقترحة في هذه الورقة تمثل عقد إجارة أحد مع مستأجر واحد، ولا تحتاج – بالضرورة – إلى وسيط مالي، ولا إلى شركة مديرة.
٥ - الاعتبارات الضريبية المعقدة، التي تتعلق بالتمويل بالإجارة في الأنظمة الضريبية الغربية. وهذه الاعتبارات هي من أهم أسباب إعاقة استخدام الإجارة في العمليات التمويلية. ولا شك أن تحويل التمويل بالإجارة إلى سندات، في ظل الأنظمة الضريبية السائدة، في معظم الدول الغربية، يضيف تساؤلات ضريبية جديدة، مما يزيد في تعقيد التحليل الضريبي لسندات الإجارة في الغرب.
٦ - تحريم الربا في الشريعة الإسلامية يجعل الحاجة كبيرة – في الفكر الاقتصادي والمالي الإسلامي – إلى التفكير في وسائل تمويلية، ترتبط ارتباطا محوريا بالتداول السلعي. الأمر الذي أدى إلى البحث عن وسائل للتمويل تعتمد على تملك السلع، والمنافع، وعلى انتقال الملكية من يد إلى يد، وربط العملية التمويلية دائماً بحق الملك وبانتقاله.
يضاف إلى ذلك أن حرمة انتقال الدين، من يد إلى يد، بغير قيمته الأسمية – وهذا نفسه من مقتضيات تحريم الربا – دفع المنظرين والممارسين المسلمين، في عالم المال والاقتصاد، إلى التفكير في أدوات مالية، تقوم على تملك الأعيان، والمنافع، والخدمات، حتى يمكن لهذه الأدوات أن تتداول في السوق دون الوقوع في الممنوعات الشرعية.
٧ - إن انشغال المفكرين الاقتصاديين المسلمين المعاصرين بالمضاربة والمرابحة، كأساسين للوسائل التمويلية الإسلامية، لم يترك لهم مجالا كثيرا للتفكير المنظم بالإجارة كوسيلة تمويلية إسلامية. ومن باب أولى، فقد قلل ذلك من النظر في تحويل الإجارة إلى سندات وبخاصة أن بعضهم يراها مفضولة بالمضاربة.
ومع ذلك فقد ذكر بعضهم شهادات الإجارة، وإن لم يعرفها بشكل يقترب من تعريفنا لها، كما لم يتعرض أحد من الكتاب المسلمين إلى أنواع سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، وصورها كما تم في هذا البحث. على أن عددا من الكتاب قد تعرض لإمكان استعمال الإجارة في تعبئة الموارد المالية لتمويل بعض أنواع المشروعات الحكومية والخاصة.
آفاق المستقبل متقرحات لأبحاث جديدة:
стр. 1821
يمكن لسندات الإجارة أن تقدم أداة تمويلية قادرة على تعبئة الموارد من صغار المدخرين، كما يمكن النظر إليها على أنها أداة استثمارية، سريعة التحويل إلى نقد بسبب سهولة تداولها. الأمر الذي يجعلها صالحة لاستيعاب الفوائض النقدية للبنوك الإسلامية، والاستثمارات القصيرة الأجل للأموال التي هي قيد الانتظار.
وهي بنفس الوقت أداة تصلح لتمويل التنمية بكل قطاعاتها الرئيسية، سواء في ذلك مشروعات البنية التحتية، أم الخدمات العامة، من ماء، وكهرباء، ومواصلات سلكية أو لاسلكية، ونقل، وغيره، كما تصلح لتمويل المشاريع الإنتاجية الكبيرة.
لذلك نرى أن تعميق وتوسيع البحث العلمي حول سندات الإجارة والأعيان المؤجرة يمكن أن يؤديا دور كبيرا، في إعادة هيكلة تمويل التنمية، في البلدان الإسلامية، وإعادة تشكيل سوق المال، بشكل يجعل منها وسيلة فعالة لدعم التنمية السلعية وتنمية الإنتاج الحقيقي للسلع والخدمات.
ويتأتى على البنوك الإسلامية أن تدرس إمكان إصدار سندات إجارة وأعيان مؤجرة لتمويل كثير من المشروعات الإنمائية في البلدان الإسلامية. ولعله لن يكون بعيدا اليوم الذي نجد فيه شركات متخصصة، تتوسط في إصدار وترويج سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، بكل أنواع صورها. بالإضافة إلى إنشاء هيئات حكومية متخصصة في تعبئة الموارد المالية اللازمة للمشروعات التنموية على أساس سندات الإجارة.
وحتى يتسنى ذلك، نقترح أن تركز الأبحاث المستقبلية – في هذا المجال – على المسائل الإجرائية والقانونية اللازمة لإدخال أنواع من سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، في أسواق الاستثمار، في البلدان الإسلامية، وأن تكون للبنوك الإسلامية مبادرة في هذا المجال. وذلك خدمة للمستثمر المسلم، ولأهداف التنمية في الدول الإسلامية، مع مراعاة التوجه الربحي للبنك الإسلامي. كما يقترح دراسة المشكلات الضريبية، التي تنشأ عن تطبيق كل من الإجارة، وسندات الإجارة والأعيان المؤجرة في ظل الأنظمة الضريبية، الموجودة في البلدان الإسلامية. وذلك إضافة إلى بعض المسائل الفقهية الجانبية، التي أشرت إليها في طيات البحث.
يضاف إلى ذلك مسألة، تجنبها البحث الراهن، وهي الحصول على الأموال الجاهزة – بواسطة الإجارة – من خلال الإفادة من الموجودات الثابتة المملوكة للمتمول نفسه، سواء أكان حكومة، أم مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص. وهو ما يسمى بالبيع مع شرط الإجارة للبائع Sale and lease Back. والسبب في عدم بحثها هو أنها لا تعتمد على إنتاج عين، توضح في الدورة الاقتصادية، أو منفعة أو خدمة يبرمج إنتاجها، ويلتزم المنتج – من خلال سندات إجارة المنافع والخدمات – بتقديمها لحامل السند. بل إنها تقصد إلى إعادة تمويل Refinancing عين موجودة، بقصد استعمال الأموال الجاهزة لهدف آخر، قد يكون تنمويا، وقد لا يكون.
يضاف إلي تلك، أن مسألة البيع مع شرط الإجارة للبائع تتضمن جوانب شرعية تحتاج إلى اجتهاد جديد، ليس الباحث مؤهلا له. ولكن الموضوع جدير بالاهتمام الشرعي والمالي، نظرا لما يمكن أن يكون له من تطبيقات كثيرة في أسواق التمويل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1822
شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن محمد الحمادي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الصحابة - الإمارات ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: قبور - بدعها وما فيها من مخالفات
الخاتمة: هذا ما تيسر جمعه حول موضوعنا الشائك، والمترامي الأطراف، بعد يسر من الله وتوفيقه ولقد علمت - يا أخي في الله - من خلال ما قرأت كيف يتلاعب الشيطان بعقائد الناس فيرمي عليهم شبهة فيوقعهم في شباك الشبهات والشركيات، فيمرض قلوبهم بداء يصعب علاجه وذلك لأن أمراض القلوب أخطرها مرض الشهوة والشبهة، فأيهم أصاب القلب أعله، فأحلاهما مر.
ثم الذي ساعد على نشر مثل هذه البدع والمحدثات وجود من يدعي العلم والفضل حيث روج لها في كثير من كتبه ومجالسه، وجاء بشبهه يزعم أنها أدلة، وهي -والله- كبيت العنكبوت وإن أوهى البيوت لبيت العنكبوت، فلا تغتر -يا رعاك الله- بمثل هذه الخدع فقد نسفها وأبطلها علماء سخرهم الله لخدمة هذا الدين وحمايته. أخلصوا لله في الدعوة والنصح فأعانهم ووفقهم، وكاد لهم أرباب البدع والقبور ولكن الله أبطل كيدهم.
فعليك بأهل العقيدة الصحيحه الصافية من شوائب البدع والخرافات، أتباع السلف الصالح فهم يأخذون الدين من السنة الصحيحة المروية عن النبي -?- لا من القصص والخرافات والمنامات المكذوبات. ورحم الله محمد رشيد رضا يوم أن قال: "فمن أراد أن يتبع الهدى ويتقي جعل الدين تابعاً للهوى؛ فليقف عند النصوص الصحيحة ويتبع فيها سيرة السلف الصالح، ويعرض عن أقيسة بعض الخلف المروجة للبدع. وإذا زين لك الشيطان أنه يمكنك أن تكون أهدى وأكمل عملاً بالدين من الصحابة والتابعين فحاسب نفسك على الفرائض والفضائل المجمع عليها والصحيح التي يضعف الخلاف فيها وانظر أين مكانك فيها، فإن رأيت ولو بعين العجب والغرور أنك بلغت من أحدهم أو نصيفه من الكمال فيها، فعند ذلك تعذر في الزيادة عليها، وهيهات هيهات لا يدعي ذلك إلا جهول مفتون، أو من به مس من الجنون، وأن أكثر المتعذبين بالبدع، مقصرون في أداء الفرائض أو في المواظبة على السنن، ومنهم المصرون على الفواحش والمنكرات كإصرارهم على ما التزموا في المقابر من العبادات، كاتخاذها أعياداً تشد إليها الرحال ويجتمع لديها النساء والرجال والأطفال، ولاسيما في ليلتي العيدين وأول جمعة من رجب وتذبح عندها الذبائح، وتطبخ أنواع المآكل، فيأكلون ثم يشربون، ويبولون، ويغوطون ويلغون، ويصخبون ويقرأ لهم القرآن، من يستأجرون لذلك من العميان، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وإذا كان ما يأتون من القراءة والذكر هناك من البدع المنكرة، وكان بعض المباحات يعد هنالك من الأمور المكروهه أو المحرمة، فما القول في سائر أفعالهم الظاهرة والباطنة؟ ولقد كان بعض الصحابة وغيرهم من علماء السلف يتركون بعض السنة أحياناً حتى لا يظن العوام أنها مفروضة بالتزامها تأسياً بالرسول ? في ترك المواظبة على بعض الفضائل خشية أن تصير من الفرائض، فخلف من بعدهم خلف قصدوا في الفرائض، وتركوا السنة والشعائر، وواظبو على هذه البدع، حتى أنهم ليتركون لأجلها الأعياد والجمع لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." اهـ.
وهذه وصية ناصح لك مسلم محب للخير، فرحم الله قائلها رحمة واسعة، فعليك يا أخي المسلم بالاجتهاد في السنة وإن كانت قليلة، ودع البدعة، وإن كانت في نظرك عظيمة، لأن السنة عليها أجر وثواب، وأما البدعة فلا.
стр. 1823
وتذكر قول عبدالله بن مسعود ?: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". ورحم الله سفيان الثوري القائل: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية". وهذا كلام فيه حكمة بليغة، لأن صاحب المعصية كالذي يشرب الخمر مثلاً، إن وجهت له نصيحة ورغبته في التوبة، وأخفته من عاقبة المعصية، غاية ما يعترف به أنه مقصر ومذنب، ويطلب منك أن تدعو له بالهداية، وأما صاحب البدعة إن بينت له أنه على خطأ، فغنه يعاديك، ويقاتلك من أجل بدعته لأنه يعتقد أنه على دين وصراط مستقيم، لذا قد يظل على بدعته إلى أن يموت. فالدين - بارك الله فيك - يثبت بالدليل لا بالتشهي والرغبات والأهواء، ورحم الله من قال:
دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار
لا ترغبن عن الحديث ... فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر ... والشمس بازغة لها أنوار.
وأختم نصيحتي لأحبتي، بوصية عظيمة وأوصى بها محمد ? أصحابه في آخر أيامه فعن العرباض بن سارية ? قال: "صلى بنا رسول الله ? ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟. فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
هذا ما نصحت به، وأدعو الله - سبحانه - الهداية والثبات على الحق لكل مسلم موحد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب أبو عمر عبدالله بن محمد الجونم الحمادي
دولة الإمارات - الشارقة حرسها الله
وانتهت المراجعة: غرة رجب ١٤٢٠هـ الموافق: ١٠/ ١٠/١٩٩٩م
والحمد لله رب العالمين
стр. 1824
صبغ اللحية بالسواد بين المانعين والمجيزين عرض ونقد على منهج المحدثين
المؤلف/ المشرف: خليل بن عثمان الجبور السبيعي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار أطلس الخضراء - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٤هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: لباس وزينة - زينة الشعر
خلاصة البحث والرأي الراجح
يصعب على المرء وخصوصاً إذا كانت مسألة اختلف السلف والخلف فيها، وكل أدلى بحجة وبرهان – يعصب عليه – أن يختار أياً على الأخر وليس اختيار الرأي الأخر معناه ضعف الرأي الأول، لا .. بل قد يكون من باب صواب وأصوب، وقوي، وأقوى، وراجح، وأرجح.
وقد مر في هذا البحث:
الكلام على حديث جابر ? وفيه "جنبوه السواد" وهو عند مسلم وبينت أن هناك ثقتان ثبتان لم يذكرا هذه الزيادة وهما: أبو خيثمة زهير ابن معاوية، وروايته أخرجها مسلم وغيره، وبينت اتفاق سبعة من الرواة الثقات الأثبات على رواية زهير وأنه حفظها ولم يهم فيها.
وتصريح ثلاثة من الثقات الأثبات (شبابة، الحسن بن موسى، وأحمد بن عبدالملك) أن زهيراً سأل أبا الزبير، أقال جابر "وجنبوه السواد؟ " قال: لا.
مما يدل على ضبط زهير لروايته، دون ابن جريج الراوي للزيادة.
وذكرت أن عزره بن ثابت وهو ثقة، ثبت لم يرو هذه الزيادة عن أبي الزبير، وأن إسنادها صحيح.
وذكرت بعد ذلك الذين رووا الزيادة وهم: (أحمد القهستاني) من طريق أيوب، وبيان من أخرج روايته: وأنها رواية منكرة باطلة لا تصح فهي من رواية مجهول وصاحب مناكير).
ومن الذين رووا الزيادة: ليث بن أبي سليم وبينت أنه ضعيف جداً وأن مخالفته تعد منكرة كما صرح بذلك أئمة الحديث. وذكرت من أخرج هذه الزيادة.
وأثناء ذلك: بينت وهماً وقع للمباركفوري، والألباني وغيرهم. وأن ليثاً المذكور هو ابن سعد: رددت على ذلك من ثلاثة أوجه.
ومن الذين روو الزيادة: شريك القاضي عن الأجلح وبينت نكارتها. وكلام أهل العلم فيها.
وممن ذكر الزيادة: داود بن الزبرقان عن مطر الوراق وليث ابن أبي سليم عن أبي الزبير، وبينت أن هذا الطريق ضعيف جداً غير صالح؛ لحال المذكورين الثلاثة فهم ضعفاء جداً. بل داود: كذبه بعض أهل العلم ومن كان هذا حاله فلا تقبل روايته فضلاً عن مخالفته.
ثم رواية ابن جريج عن أبي الزبير وهو في صحيح مسلم وغيره، ولم أجد تصريحاً لابن جريج في روايته عن أبي الزبير، ولا أبا الزبير كذلك – مع أنهما من الطبقة الثالثة من المدلسين. وقد بين الحافظ ابن حجر حالهم.
وأعقب ذلك الروايات عن أبي الزبير وأنها على ثلاثة أقسام.
بعد ذلك: ذكرت قواعد مهمة في علم المصطلح لأئمة هذا الفن في بيان: الشاذ، والمنكر، وزيادة الثقة، وانفراد الراوي بنقولات عزيزة عن ابن رجب، وابن حجر، والنووي، والذهبي، وغيرهم.
ثم القول الفصل في أيهما أولى بالصواب أو أيهما أرجح؟
الذين ذكروا الزيادة، أو الذين لم يذكروها، بعد عرض للأدلة ومناقشتي لها تبين لي:
أنها مدرجة، ومع ذلك فهي شاذة لمخالفة ابن جريج ثقتان اثنان أحدهما: أخرج روايته مسلم في صحيحه، وبينت رد هذه الزيادة بخمسة أدلة علمية وهي – باختصار:
الأول: اتفاق ثلاثة من الثقات: أن زهيراً سأل أبا الزبير: أقال: "وجنبوه السواد؟ " قال: لا.
الثاني: اتفاق سبعة في روايتهم على أبي خيثمة بلفظ حديث مسلم، مما يدل على ضبطه، وحفظه دون ابن جريج. فالحمل متعين عليه.
الثالث: إذا لم نقل بالإدراج: فقد خالف ابن جريج ثقتان اثنان أحد هؤلاء أخرج روايته مسلم في صحيحه، فماذا يسمى المحدثون هذا؟.
الرابع: نقل عزيز جداً عن الإمام الحافظ أبو الحسن بن القطان وتضعيفه لهذا الحديث بهذه الزيادة من أجل ابن جريج وتدليسه، وكذا أبا الزبير، وأعقبته بكلام أئمة الجرح والتعديل في تدليس أبي الزبير.
стр. 1825
الخامس: وهو قرينة لرواية خيثمة وعزرة. حديث أسماء – ﵂ – ومن خرجه وأنه حسن لذاته.
فهذه خمسة أدلة: لرد هذه الزيادة.
وذكر إجابات عدة على فرض الثبوت – عن هذه الزيادة -.
وذكرت الحديث الثاني: حديث ابن عباس وصحته، والرد على ابن الجوزي في إدخاله في الموضوعات، وإجابات أهل العلم عنه. وأنه ليس صريحاً في الدلالة.
وسقت الأدلة على التحريم بعد ذلك (أربعة عشرة حديثاً) وهي ما بين موضوع وضعيف جداً ومنكر لا يصح بعضها أن يشد بعضاً. وذكرت خلاصتها.
ومن هم القائلون بالنهي من الصحابة فمن بعدهم حتى عصرنا الحاضر مع تخريج آثار الصحابة، وأن القائل بالنهي من الصحابة هو: أبو هريرة فقط. مع أن السند لا يصح إليه، وأما التابعون فبلغوا (خمسة) وهم قلة، ورأي أصحاب المذاهب الأربعة، وأن الجمهور على جوازه، وقلة منهم قال بالتحريم، وأن من مواطن الاتفاق: المجاهد، ومن صبغ للغش والخداع. فالأول: جائز. والثاني: محرم.
وما عدا هاتين الحالتين: هي التي وقع فيها الخلاف.
بعد ذلك سقت أدلة القائلين بالجواز، وأوجه استدلالهم وبلغت (عشر أحاديث) كلها صحيحة عدا (السابع والعاشر) وذكرت أن المانعين أجابوا بجوابين: النسخ، وقد رد هذا القول، والتقييد أو الخصوص.
وذكرت من قال بالجواز من الصحابة فبلغوا (عشرة) صح منها (سبعة).
وتوقفت في الحكم على أثر (عمر وعثمان – ﵄) لعدم اطلاعي على رجال إسنادهما.
وذكرت (ثلاثة وثلاثين) من التابعين فمن بعدهم إلى وقتنا الحاضر، فمن قال بالجواز. ومن ألف في جواز ذلك.
وبعد هذا العرض الموجز: الذي أدى إليه اجتهادي في هذه المسألة، بعد عرض أدلة الطرفين: أن الخضاب بالسواد جائز لا شيء فيه، وأن هذا ما دل عليه الدليل، وعضده أقوال الصحابة فمن بعدهم، غير أن الشيخ الكبير رأى – وهو مجرد رأي – أن لا يتصابى عملاً بقول ابن شهاب المتقدم، والقول بالتحريم صعب جداً. إذ التحريم أشد من التحليل، فالإباحة لا تحتاج إلى دليل في أمور المعاملات والعادات ونحوها، بخلاف التحريم.
ولا يقولن قائل: الخروج من الخلاف أو الأحوط هو المنع.
فهذه القاعدة ليست على إطلاقها، وليس كل من طلب العلم جاز له الفتوى بها والعمل، أو التلفظ، لا يقولها: إلا من أدرج السنة بين عينيه وأحاط بأقوال العلماء وأدلتهم، ومنزعهم في كل دليل.
والأحوط والواجب في دين الله: ألا يقول أحد هذا حرام إلا بدليل صريح صحيح، غير معارض، وإلا فأين نحن من قوله: ( .. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
سقت هذا الكلام لأن بعضاً من طلبة العلم: يسوقون القول الآنف الذكر، أو القاعدة على أنه دليل قطعي، قاطع للنزاع، دون ذكر الدليل من الكتاب أو السنة، أو أقوال الصحابة أو التابعين، في أي مسألة كانت.
أخي الكريم:
هذا ما خطه القلم، وكتبته اليد، وإني لأرجو الله أن ينفع به من نالته يده، وإني لأسأل الله أن يغفر ما زل به القلم، أو طغى به الفكر، إنه حسبي نعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
следующие страницы →