Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
يمكن لسندات الإجارة أن تقدم أداة تمويلية قادرة على تعبئة الموارد من صغار المدخرين، كما يمكن النظر إليها على أنها أداة استثمارية، سريعة التحويل إلى نقد بسبب سهولة تداولها. الأمر الذي يجعلها صالحة لاستيعاب الفوائض النقدية للبنوك الإسلامية، والاستثمارات القصيرة الأجل للأموال التي هي قيد الانتظار.
وهي بنفس الوقت أداة تصلح لتمويل التنمية بكل قطاعاتها الرئيسية، سواء في ذلك مشروعات البنية التحتية، أم الخدمات العامة، من ماء، وكهرباء، ومواصلات سلكية أو لاسلكية، ونقل، وغيره، كما تصلح لتمويل المشاريع الإنتاجية الكبيرة.
لذلك نرى أن تعميق وتوسيع البحث العلمي حول سندات الإجارة والأعيان المؤجرة يمكن أن يؤديا دور كبيرا، في إعادة هيكلة تمويل التنمية، في البلدان الإسلامية، وإعادة تشكيل سوق المال، بشكل يجعل منها وسيلة فعالة لدعم التنمية السلعية وتنمية الإنتاج الحقيقي للسلع والخدمات.
ويتأتى على البنوك الإسلامية أن تدرس إمكان إصدار سندات إجارة وأعيان مؤجرة لتمويل كثير من المشروعات الإنمائية في البلدان الإسلامية. ولعله لن يكون بعيدا اليوم الذي نجد فيه شركات متخصصة، تتوسط في إصدار وترويج سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، بكل أنواع صورها. بالإضافة إلى إنشاء هيئات حكومية متخصصة في تعبئة الموارد المالية اللازمة للمشروعات التنموية على أساس سندات الإجارة.
وحتى يتسنى ذلك، نقترح أن تركز الأبحاث المستقبلية – في هذا المجال – على المسائل الإجرائية والقانونية اللازمة لإدخال أنواع من سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، في أسواق الاستثمار، في البلدان الإسلامية، وأن تكون للبنوك الإسلامية مبادرة في هذا المجال. وذلك خدمة للمستثمر المسلم، ولأهداف التنمية في الدول الإسلامية، مع مراعاة التوجه الربحي للبنك الإسلامي. كما يقترح دراسة المشكلات الضريبية، التي تنشأ عن تطبيق كل من الإجارة، وسندات الإجارة والأعيان المؤجرة في ظل الأنظمة الضريبية، الموجودة في البلدان الإسلامية. وذلك إضافة إلى بعض المسائل الفقهية الجانبية، التي أشرت إليها في طيات البحث.
يضاف إلى ذلك مسألة، تجنبها البحث الراهن، وهي الحصول على الأموال الجاهزة – بواسطة الإجارة – من خلال الإفادة من الموجودات الثابتة المملوكة للمتمول نفسه، سواء أكان حكومة، أم مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص. وهو ما يسمى بالبيع مع شرط الإجارة للبائع Sale and lease Back. والسبب في عدم بحثها هو أنها لا تعتمد على إنتاج عين، توضح في الدورة الاقتصادية، أو منفعة أو خدمة يبرمج إنتاجها، ويلتزم المنتج – من خلال سندات إجارة المنافع والخدمات – بتقديمها لحامل السند. بل إنها تقصد إلى إعادة تمويل Refinancing عين موجودة، بقصد استعمال الأموال الجاهزة لهدف آخر، قد يكون تنمويا، وقد لا يكون.
يضاف إلي تلك، أن مسألة البيع مع شرط الإجارة للبائع تتضمن جوانب شرعية تحتاج إلى اجتهاد جديد، ليس الباحث مؤهلا له. ولكن الموضوع جدير بالاهتمام الشرعي والمالي، نظرا لما يمكن أن يكون له من تطبيقات كثيرة في أسواق التمويل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1822
شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن محمد الحمادي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الصحابة - الإمارات ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: قبور - بدعها وما فيها من مخالفات
الخاتمة: هذا ما تيسر جمعه حول موضوعنا الشائك، والمترامي الأطراف، بعد يسر من الله وتوفيقه ولقد علمت - يا أخي في الله - من خلال ما قرأت كيف يتلاعب الشيطان بعقائد الناس فيرمي عليهم شبهة فيوقعهم في شباك الشبهات والشركيات، فيمرض قلوبهم بداء يصعب علاجه وذلك لأن أمراض القلوب أخطرها مرض الشهوة والشبهة، فأيهم أصاب القلب أعله، فأحلاهما مر.
ثم الذي ساعد على نشر مثل هذه البدع والمحدثات وجود من يدعي العلم والفضل حيث روج لها في كثير من كتبه ومجالسه، وجاء بشبهه يزعم أنها أدلة، وهي -والله- كبيت العنكبوت وإن أوهى البيوت لبيت العنكبوت، فلا تغتر -يا رعاك الله- بمثل هذه الخدع فقد نسفها وأبطلها علماء سخرهم الله لخدمة هذا الدين وحمايته. أخلصوا لله في الدعوة والنصح فأعانهم ووفقهم، وكاد لهم أرباب البدع والقبور ولكن الله أبطل كيدهم.
فعليك بأهل العقيدة الصحيحه الصافية من شوائب البدع والخرافات، أتباع السلف الصالح فهم يأخذون الدين من السنة الصحيحة المروية عن النبي -?- لا من القصص والخرافات والمنامات المكذوبات. ورحم الله محمد رشيد رضا يوم أن قال: "فمن أراد أن يتبع الهدى ويتقي جعل الدين تابعاً للهوى؛ فليقف عند النصوص الصحيحة ويتبع فيها سيرة السلف الصالح، ويعرض عن أقيسة بعض الخلف المروجة للبدع. وإذا زين لك الشيطان أنه يمكنك أن تكون أهدى وأكمل عملاً بالدين من الصحابة والتابعين فحاسب نفسك على الفرائض والفضائل المجمع عليها والصحيح التي يضعف الخلاف فيها وانظر أين مكانك فيها، فإن رأيت ولو بعين العجب والغرور أنك بلغت من أحدهم أو نصيفه من الكمال فيها، فعند ذلك تعذر في الزيادة عليها، وهيهات هيهات لا يدعي ذلك إلا جهول مفتون، أو من به مس من الجنون، وأن أكثر المتعذبين بالبدع، مقصرون في أداء الفرائض أو في المواظبة على السنن، ومنهم المصرون على الفواحش والمنكرات كإصرارهم على ما التزموا في المقابر من العبادات، كاتخاذها أعياداً تشد إليها الرحال ويجتمع لديها النساء والرجال والأطفال، ولاسيما في ليلتي العيدين وأول جمعة من رجب وتذبح عندها الذبائح، وتطبخ أنواع المآكل، فيأكلون ثم يشربون، ويبولون، ويغوطون ويلغون، ويصخبون ويقرأ لهم القرآن، من يستأجرون لذلك من العميان، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وإذا كان ما يأتون من القراءة والذكر هناك من البدع المنكرة، وكان بعض المباحات يعد هنالك من الأمور المكروهه أو المحرمة، فما القول في سائر أفعالهم الظاهرة والباطنة؟ ولقد كان بعض الصحابة وغيرهم من علماء السلف يتركون بعض السنة أحياناً حتى لا يظن العوام أنها مفروضة بالتزامها تأسياً بالرسول ? في ترك المواظبة على بعض الفضائل خشية أن تصير من الفرائض، فخلف من بعدهم خلف قصدوا في الفرائض، وتركوا السنة والشعائر، وواظبو على هذه البدع، حتى أنهم ليتركون لأجلها الأعياد والجمع لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." اهـ.
وهذه وصية ناصح لك مسلم محب للخير، فرحم الله قائلها رحمة واسعة، فعليك يا أخي المسلم بالاجتهاد في السنة وإن كانت قليلة، ودع البدعة، وإن كانت في نظرك عظيمة، لأن السنة عليها أجر وثواب، وأما البدعة فلا.
стр. 1823
وتذكر قول عبدالله بن مسعود ?: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". ورحم الله سفيان الثوري القائل: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية". وهذا كلام فيه حكمة بليغة، لأن صاحب المعصية كالذي يشرب الخمر مثلاً، إن وجهت له نصيحة ورغبته في التوبة، وأخفته من عاقبة المعصية، غاية ما يعترف به أنه مقصر ومذنب، ويطلب منك أن تدعو له بالهداية، وأما صاحب البدعة إن بينت له أنه على خطأ، فغنه يعاديك، ويقاتلك من أجل بدعته لأنه يعتقد أنه على دين وصراط مستقيم، لذا قد يظل على بدعته إلى أن يموت. فالدين - بارك الله فيك - يثبت بالدليل لا بالتشهي والرغبات والأهواء، ورحم الله من قال:
دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار
لا ترغبن عن الحديث ... فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر ... والشمس بازغة لها أنوار.
وأختم نصيحتي لأحبتي، بوصية عظيمة وأوصى بها محمد ? أصحابه في آخر أيامه فعن العرباض بن سارية ? قال: "صلى بنا رسول الله ? ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟. فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
هذا ما نصحت به، وأدعو الله - سبحانه - الهداية والثبات على الحق لكل مسلم موحد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب أبو عمر عبدالله بن محمد الجونم الحمادي
دولة الإمارات - الشارقة حرسها الله
وانتهت المراجعة: غرة رجب ١٤٢٠هـ الموافق: ١٠/ ١٠/١٩٩٩م
والحمد لله رب العالمين
стр. 1824
صبغ اللحية بالسواد بين المانعين والمجيزين عرض ونقد على منهج المحدثين
المؤلف/ المشرف: خليل بن عثمان الجبور السبيعي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار أطلس الخضراء - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٤هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: لباس وزينة - زينة الشعر
خلاصة البحث والرأي الراجح
يصعب على المرء وخصوصاً إذا كانت مسألة اختلف السلف والخلف فيها، وكل أدلى بحجة وبرهان – يعصب عليه – أن يختار أياً على الأخر وليس اختيار الرأي الأخر معناه ضعف الرأي الأول، لا .. بل قد يكون من باب صواب وأصوب، وقوي، وأقوى، وراجح، وأرجح.
وقد مر في هذا البحث:
الكلام على حديث جابر ? وفيه "جنبوه السواد" وهو عند مسلم وبينت أن هناك ثقتان ثبتان لم يذكرا هذه الزيادة وهما: أبو خيثمة زهير ابن معاوية، وروايته أخرجها مسلم وغيره، وبينت اتفاق سبعة من الرواة الثقات الأثبات على رواية زهير وأنه حفظها ولم يهم فيها.
وتصريح ثلاثة من الثقات الأثبات (شبابة، الحسن بن موسى، وأحمد بن عبدالملك) أن زهيراً سأل أبا الزبير، أقال جابر "وجنبوه السواد؟ " قال: لا.
مما يدل على ضبط زهير لروايته، دون ابن جريج الراوي للزيادة.
وذكرت أن عزره بن ثابت وهو ثقة، ثبت لم يرو هذه الزيادة عن أبي الزبير، وأن إسنادها صحيح.
وذكرت بعد ذلك الذين رووا الزيادة وهم: (أحمد القهستاني) من طريق أيوب، وبيان من أخرج روايته: وأنها رواية منكرة باطلة لا تصح فهي من رواية مجهول وصاحب مناكير).
ومن الذين رووا الزيادة: ليث بن أبي سليم وبينت أنه ضعيف جداً وأن مخالفته تعد منكرة كما صرح بذلك أئمة الحديث. وذكرت من أخرج هذه الزيادة.
وأثناء ذلك: بينت وهماً وقع للمباركفوري، والألباني وغيرهم. وأن ليثاً المذكور هو ابن سعد: رددت على ذلك من ثلاثة أوجه.
ومن الذين روو الزيادة: شريك القاضي عن الأجلح وبينت نكارتها. وكلام أهل العلم فيها.
وممن ذكر الزيادة: داود بن الزبرقان عن مطر الوراق وليث ابن أبي سليم عن أبي الزبير، وبينت أن هذا الطريق ضعيف جداً غير صالح؛ لحال المذكورين الثلاثة فهم ضعفاء جداً. بل داود: كذبه بعض أهل العلم ومن كان هذا حاله فلا تقبل روايته فضلاً عن مخالفته.
ثم رواية ابن جريج عن أبي الزبير وهو في صحيح مسلم وغيره، ولم أجد تصريحاً لابن جريج في روايته عن أبي الزبير، ولا أبا الزبير كذلك – مع أنهما من الطبقة الثالثة من المدلسين. وقد بين الحافظ ابن حجر حالهم.
وأعقب ذلك الروايات عن أبي الزبير وأنها على ثلاثة أقسام.
بعد ذلك: ذكرت قواعد مهمة في علم المصطلح لأئمة هذا الفن في بيان: الشاذ، والمنكر، وزيادة الثقة، وانفراد الراوي بنقولات عزيزة عن ابن رجب، وابن حجر، والنووي، والذهبي، وغيرهم.
ثم القول الفصل في أيهما أولى بالصواب أو أيهما أرجح؟
الذين ذكروا الزيادة، أو الذين لم يذكروها، بعد عرض للأدلة ومناقشتي لها تبين لي:
أنها مدرجة، ومع ذلك فهي شاذة لمخالفة ابن جريج ثقتان اثنان أحدهما: أخرج روايته مسلم في صحيحه، وبينت رد هذه الزيادة بخمسة أدلة علمية وهي – باختصار:
الأول: اتفاق ثلاثة من الثقات: أن زهيراً سأل أبا الزبير: أقال: "وجنبوه السواد؟ " قال: لا.
الثاني: اتفاق سبعة في روايتهم على أبي خيثمة بلفظ حديث مسلم، مما يدل على ضبطه، وحفظه دون ابن جريج. فالحمل متعين عليه.
الثالث: إذا لم نقل بالإدراج: فقد خالف ابن جريج ثقتان اثنان أحد هؤلاء أخرج روايته مسلم في صحيحه، فماذا يسمى المحدثون هذا؟.
الرابع: نقل عزيز جداً عن الإمام الحافظ أبو الحسن بن القطان وتضعيفه لهذا الحديث بهذه الزيادة من أجل ابن جريج وتدليسه، وكذا أبا الزبير، وأعقبته بكلام أئمة الجرح والتعديل في تدليس أبي الزبير.
стр. 1825
الخامس: وهو قرينة لرواية خيثمة وعزرة. حديث أسماء – ﵂ – ومن خرجه وأنه حسن لذاته.
فهذه خمسة أدلة: لرد هذه الزيادة.
وذكر إجابات عدة على فرض الثبوت – عن هذه الزيادة -.
وذكرت الحديث الثاني: حديث ابن عباس وصحته، والرد على ابن الجوزي في إدخاله في الموضوعات، وإجابات أهل العلم عنه. وأنه ليس صريحاً في الدلالة.
وسقت الأدلة على التحريم بعد ذلك (أربعة عشرة حديثاً) وهي ما بين موضوع وضعيف جداً ومنكر لا يصح بعضها أن يشد بعضاً. وذكرت خلاصتها.
ومن هم القائلون بالنهي من الصحابة فمن بعدهم حتى عصرنا الحاضر مع تخريج آثار الصحابة، وأن القائل بالنهي من الصحابة هو: أبو هريرة فقط. مع أن السند لا يصح إليه، وأما التابعون فبلغوا (خمسة) وهم قلة، ورأي أصحاب المذاهب الأربعة، وأن الجمهور على جوازه، وقلة منهم قال بالتحريم، وأن من مواطن الاتفاق: المجاهد، ومن صبغ للغش والخداع. فالأول: جائز. والثاني: محرم.
وما عدا هاتين الحالتين: هي التي وقع فيها الخلاف.
بعد ذلك سقت أدلة القائلين بالجواز، وأوجه استدلالهم وبلغت (عشر أحاديث) كلها صحيحة عدا (السابع والعاشر) وذكرت أن المانعين أجابوا بجوابين: النسخ، وقد رد هذا القول، والتقييد أو الخصوص.
وذكرت من قال بالجواز من الصحابة فبلغوا (عشرة) صح منها (سبعة).
وتوقفت في الحكم على أثر (عمر وعثمان – ﵄) لعدم اطلاعي على رجال إسنادهما.
وذكرت (ثلاثة وثلاثين) من التابعين فمن بعدهم إلى وقتنا الحاضر، فمن قال بالجواز. ومن ألف في جواز ذلك.
وبعد هذا العرض الموجز: الذي أدى إليه اجتهادي في هذه المسألة، بعد عرض أدلة الطرفين: أن الخضاب بالسواد جائز لا شيء فيه، وأن هذا ما دل عليه الدليل، وعضده أقوال الصحابة فمن بعدهم، غير أن الشيخ الكبير رأى – وهو مجرد رأي – أن لا يتصابى عملاً بقول ابن شهاب المتقدم، والقول بالتحريم صعب جداً. إذ التحريم أشد من التحليل، فالإباحة لا تحتاج إلى دليل في أمور المعاملات والعادات ونحوها، بخلاف التحريم.
ولا يقولن قائل: الخروج من الخلاف أو الأحوط هو المنع.
فهذه القاعدة ليست على إطلاقها، وليس كل من طلب العلم جاز له الفتوى بها والعمل، أو التلفظ، لا يقولها: إلا من أدرج السنة بين عينيه وأحاط بأقوال العلماء وأدلتهم، ومنزعهم في كل دليل.
والأحوط والواجب في دين الله: ألا يقول أحد هذا حرام إلا بدليل صريح صحيح، غير معارض، وإلا فأين نحن من قوله: ( .. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
سقت هذا الكلام لأن بعضاً من طلبة العلم: يسوقون القول الآنف الذكر، أو القاعدة على أنه دليل قطعي، قاطع للنزاع، دون ذكر الدليل من الكتاب أو السنة، أو أقوال الصحابة أو التابعين، في أي مسألة كانت.
أخي الكريم:
هذا ما خطه القلم، وكتبته اليد، وإني لأرجو الله أن ينفع به من نالته يده، وإني لأسأل الله أن يغفر ما زل به القلم، أو طغى به الفكر، إنه حسبي نعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 1826
صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين
المؤلف/ المشرف: ربيع بن هادي عمير المدخلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الفرقان - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١١هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: جهاد - الاستعانة بغير المسلمين
خاتمة البحث: وإنني ألفت النظر إلى ما يأتي:
١ - إن أدلة كثيرة من سيرة رسول الله ﷺ من معاهداته مواقفه وتصرفاته وتقريراته تدل دلالة واضحة على جواز الاستعانة بالكفار عند الحاجة أو الضرورة. فلا ينبغي لمسلم يطلع على هذه الأدلة الكثيرة من هدي رسول الله ﷺ وسيرته العطرة وعلى أقوال أئمة الهدى، ثم يتبنى بعد ذلك رأيا مضاداً لهذا الهدي ويلجأ إلى التأويلات التي لا يقرها شرع ولا عقل.
٢ - إنه يظهر من أقوال المانعين أمران:
أ- إنهم لم يطلعوا على أكثر الأدلة الواردة في هذا الموضوع في كتب السنة والسيرة النبوية.
ب- إن ما اطلعوا عليه من الأدلة لم يستقصوا طرقها. ولهذا نرى ابن المنذر يقول: "والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت" فنقول لابن المنذر مع إكبارنا له: إن هناك أدلة كثيرة على الجواز قد ثبتت، ونقول لمن يتعلق بقوله: إن الإمام ابن المنذر لو وقف على هذه الأدلة لما تجاوزها ولسلم لرسول الله ﷺ وأذعن له غاية التسليم والإذعان، ونقول لإخواننا المسلمين، وخاصة السلفيين منهم: نرجو منكم الانقياد لمنهج رسول الله ﷺ وسنته والتسليم له والاحتكام إليه. كما قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ونذكرهم بأنهم ليسوا أشد غيرة على الإسلام من رسول الله ﷺ ولا من أئمة الإسلام.
ونأمل من الشباب المسلم أن لا يفتح باب التأويلات المدمرة للسنة وللمنهج السلفي كما نأمل منهم الالتزام بقواعد وضوابط المنهج السلفي القائم على احترام سنة رسول الله ﷺ وتعظيمها وهيبتها وإجلالها.
وإن التأويلات والإمعان فيها يسقط هذه المكانة العظيمة لسنة رسول الله ﷺ ويفتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب للتلاعب بسنة رسول الله ﷺ ومنهجه.
وأخيراً ننصح المسلمين عموماً والشباب منهم بالأخص:
١ - بأن يعتصموا بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم وسائر شؤون حياتهم.
٢ - أن يسعوا جادين لتوحيد المسلمين على التوحيد والسنة والحق والعدل.
٣ - أن يخلصوا لله في عباداتهم وجهادهم وأعمالهم وعلومهم وسائر تصرفاتهم.
٤ - أن يعدوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله، ولتكون كلمة الله هي العليا وأن يتجه شباب هذا البلد الذي أحدقت به الأخطار إلى ميادين التدريب العسكري فيتدربوا على فنون الحرب والقتال لإعلاء كلمة الله، ولحماية عقيدتهم ودينهم وأعراضهم وبلادهم التي هي معقل الإسلام ومأرزه.
٥ - وأن يشيعوا فيما بينهم أسباب المحبة والأخوة والألفة، وأن يبتعدوا كل الابتعاد عن أسباب الخلاف والفرقة، فإن الفرقة والاختلاف أخطر سلاح وأفتكه بالأمة الإسلامية ووحدتها وأقوى عامل في ذهاب ريحها.
٦ - وأن يحسنوا الظن بعلماء السنة والتوحيد، فإن سوء الظن بهم خطير جداً، وعدم الثقة بهم واحترامهم يقود الشباب إلى أن يسلموا زمامهم لأهل البدع والضلال وإلى الضياع والجهل والهلاك المدمر في الدنيا والدين.
فإننا نلمس بوادر خطيرة من بعض الشباب فندعوهم بحرارة إلى تقوى الله ومراقبته والابتعاد عن الاندفاع العاطفي والاتجاه إلى حلقات العلماء ليتعلموا منهم العلم والأدب والتواضع ولين الجانب للمسلمين فيرحموا صغارهم ويوقروا كبارهم ويعرفوا لهم قدرهم ومنزلتهم ثم الاتجاه إلى ميادين الجهاد لصد عدوان المعتدين ودحر الطامعين وعدم الالتفات إلى المخذلين والمرجفين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز به أهل طاعتك ويذل به أهل معصيتك وتعلو به كلمتك، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1827
صكوك الإجارة – دراسة فقهية تأصيلية تطبيقية
المؤلف/ المشرف: حامد بن حسن بن محمد علي ميرة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الميمان – الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: إجارة
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمد الله على ما مَنَّ به علي من إتمام هذا البحث، فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان. والله ورسوله منه بريئان.
هذا وقد توصلت من خلال هذا البحث المتواضع إلى النتائج الآتية:
- عقد الإجارة الأصل فيه أنه مشروع على سبيل الجواز، وقد ثبتت مشروعيته بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع المعقول.
- الصكوك جمع صك، والصك عند أهل الاختصاص من القانونيين والاقتصاديين قريب من معناه اللغوي، حيث يطلق الصك عندهم على الوثيقة التي تتضمن إثباتاً لحق من الحقوق، أو الورقة التي تمثل حقاً من الحقوق، كما يطلق مصطلح الصك على الكتاب الذي تكتب فيه وقائع الدعوى وما يتعلق بها من الإقرارات وغيرها.
- توصل الباحث إلى تعريف صكوك الإجارة بأنها: (وثائق متساوية القيمة عند إصدارها ولا تقبل التجزئة، ويمكن تداولها بالطرق التجارية، تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان مؤجرة، أو ملكية منافع أو خدمات من عين معينة أو موصوفة في الذمة).
- يمكن تعريف الصكوك المالية الإسلامية بأنها: (وثائق متساوية القيمة عند إصدارها تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات، أو في موجودات مشروع معين أو نشاط استثماري خاص).
- هذا وقد تضمن تفصيل أحكام تأجير المستأجر للعين المستأجرة خمس مسائل هي:
المسألة الأولى: حكم إجارة العين المستأجرة لغير المؤجر قبل قبضها.
هذا وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على ثلاثة أقوال، الراجح منها القول بالجواز، وهو قول في مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية، وقول لبعض الشافعية، والراجح في مذهب الحنابلة، وقد استدلوا بأدلة منها:
١ - الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولا يوجد مانع شرعي من إجارة المستأجر للعين المؤجرة قبل قبضها.
٢ - لما كان المعقود عليه في الإجارة هو منفعة العين المستأجرة لا ذاتها، ترتب على ذلك فروق مهمة بين أحكام البيع والإجارة منها: أن قبض العين المستأجرة لا ينتقل به الضمان إلى المتسأجر؛ وعليه فلم يقف جواز التصرف في العين المستأجرة على القبض، بخلاف بيع العين قبل قبضها.
المسألة الثانية: حكم إجارة العين المستأجرة للمؤجر قبل قبضها.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين، الراجح منها القول بالجواز، وهو المذهب عند المالكية، والصحيح في مذهب الشافعية، والراجح في مذهب الحنابلة، وقد استدلوا بأدلة منها:
١ - الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولا يوجد مانع شرعي من إجارة العين المستأجرة للمؤجر قبل قبضها.
٢ - ولأن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد. كالبيع، إلا أنه يجب تقييد القول بالجواز بشرط ألا يكون ذلك حيلة على الربا – صورة العينة – مثال ذلك: أن يؤجر شخص عيناً لآخر لمدة عام بأجرة مقدارها ألف مقدارها ألف ريال مؤجلة إلى نهاية العام، ثم يستأجرها منه بثمانمائة حالة.
المسألة الثالثة: حكم إجارة العين المستأجرة لغير المؤجر بعد قبضها.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين. الراجح منها: القول بالجواز. وهو مروي عن بعض التابعين، وهو المذهب عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وقد استدلوا بجملة من الأدلة أهمها.
١ - لأن قبض العين قام مقام قبض المنافع، بدليل أنه يجوز التصرف فيها؛ فجاز العقد عليها، كبيع الثمرة على الشجرة.
٢ - لأن موجب عقد الإجارة ملك المنفعة، والتسلط على استيفائها بنفسه وبمن يقوم مقامه.
стр. 1828
المسألة الرابعة: حكم إجارة العين المستأجرة للمؤجر بعد قبضها.
اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة على قولين، الراجح منهما القول بالجواز، وهو قول عند الحنفية، والمذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، وقد استدلوا بأدلة أبرزها:
١ - أن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد كالبيع.
٢ - الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولا يوجد مانع شرعي من إجارة المستأجر للعين المؤجرة على مالكها.
٣ - منفعة العين المستأجرة مملوكة للمستأجر ملكاً تاماً بعقد الإجارة المستوفي لشروطه؛ وعليه فيجوز له التصرف في ملكه بنفسه، أو بتأجيره على غيره سواء على مالك العين، أو على غيره.
إلا أنه يجب تقييد القول بالجواز بشرط ألا يكون ذلك حيلة على الربا.
المسألة الخامسة: حكم تأجير المستأجر للعين بأكثر مما استأجرها به.
اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة على أربعة أقوال، الراجح منها القول بجواز أن يؤجر المستأجر العين المؤجرة بمثل ما استأجرها به وزيادة، وهو مروي عن بعض التابعين، وهو المذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، وقد استدلوا لجواز ذلك بجملة أدلة منها:
١ - المستأجر مالك للمنفعة بعقد صحيح؛ فجاز له التصرف في ملكه بنفسه وبغيره، بعوض وبغير عوض، بمثل ما استأجر به وبأقل أو أكثر، ولا يوجد مانع شرعي يمنع من ذلك.
٢ - لأنه عقد يجوز برأس المال، فجاز بنقص وزيادة.
٣ - أما جواز الإجارة فلا شك فيه؛ لأن الزيادة في عقد لا تعتبر فيه المساواة بين البلد والمبدل فلا تمنع صحة العقد.
٤ - المنافع كالأعيان الموجودة حكماً، فتصير مملوكة له بالعقد مسلمة إليه بتسليم الدار فكان بمنزلة من اشترى شيئاً وقبضه ثم باعه وربح فيه، فالربح يطيب له؛ لأنه ربح على ملك حلال له.
- اختلف الفقهاء في حكم إجارة العين الموصوفة في الذمة على قولين، الراجح منهما ما ذهب إليه الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة من القول بجواز إجارة العين الموصوفة في الذمة، وعدوها من باب السلم في المنافع؛ وعليه فإن جواز إجارة منافع الأعيان الموصوفة في الذمة منوط بتوفر شروط السلم فيها كما نص على ذلك الفقهاء، ومن أهم هذه الشروط:
١ - أن تكون العين المؤجرة مما ينضبط بالوصف.
٢ - وصف العين المؤجرة وصفاً مجلياً يدفع الجهالة والغرر.
٣ - تحديد موعد استيفاء العين المؤجرة.
٤ - تعجيل تسليم الأجرة.
إلا أنه ومع اتفاق الجمهور – في الجملة – على اشتراط تعجيل الأجرة في إجارة الأعيان الموصوفة في الذمة إلا أنهم قد اختلفوا في تفصيلات ذلك؛ بناء على خلافهم في تسليم رأس مال السلم في مجلس العقد.
فقد ذهب المالكية إلى جواز تأخير تسليم أجرة العين الموصوفة في الذمة إلى ثلاثة أيام وأن ذلك في حكم التسليم في مجلس العقد، وأما الشافعية فإنهم يشترطون الحلول والتقابض في مجلس العقد، وبمثل رأي الشافعية قال الحنابلة إلا أنهم قصروا اشتراط الحلول والتقابض في تسليم الأجرة في مجلس العقد فيما إذا عقدت الإجارة على منافع الأعيان الموصوفة في الذمة بلفظ السلم، وأما إذا عقدت بلفظ الإجارة فلا يشترط لصحتها تسليم الأجرة في مجلس العقد بل يجوز تأجيلها مطلقاً.
- فصل الباحث أحكام تصرفات المؤجر في العين المؤجرة على أربع مسائل هي:
المسألة الأولى: حكم بيع العين المؤجرة لغير المستأجر.
стр. 1829
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على ثلاثة أقوال، الراجح منها القول بأن بيع المؤجر للعين المستأجرة لغير المستأجر بيع صحيح، ولا تنفسخ الإجارة به، وليس للمستأجر خيار، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، إلا أنهم قد أثبتوا للمشتري خيار العيب – بين فسخ البيع وإمضائه – فيما إذا لم يعلم بأن العين مؤجرة؛ ليكون مالكاً للعين دون منفعتها حتى انقضاء مدة الإجارة، هذا وقد استدلوا لذلك بأدلة منها:
١ - الإجارة إنما ترد على منفعة العين دون رقبتها، والبيع إنما يرد – في الأصل – على رقبة العين؛ وعليه فلا يمنع كون المنفعة مستحقة بعقد الإجارة من بيع الرقبة لاختلاف مورد العقدين، ولا تعارض. ولا تنفسخ الإجارة ببيع العين المؤجرة كما لا ينفسخ النكاح ببيع الأمة المزوجة.
٢ - وأما الخيار للمشتري فلأن انشغال منفعة العين مدة بملك المستأجر عيب على المبيع، فكانت مثبتاً للخيار.
المسألة الثانية: حكم بيع العين المؤجرة للمستأجر.
اتفق العلماء في المذاهب الأربعة على صحة بيع العين المؤجرة لمستأجرها. وقد عللوا ذلك بتعليلات عدة، منها:
١ - إنما جاز بيع العين على مستأجرها لأن العين في يده ولا حائل دونها فصح بيعها، كما لو باع المغصوب من الغاصب، أو المرهون من المرتهن.
٢ - ولأن المستأجر ملك المنفعة بعقد الإجارة، ثم ملك العين بعقد البيع فصح ذلك، كمن ملك الثمرة بعقد، ثم ملك العين بعقد آخر.
المسألة الثالثة: حكم إجارة العين لغير المستأجر.
صورة ذلك فيما لو أراد المالك أن يؤجر العين المؤجرة مدة أخرى تعقب المدة الأولى على غير المستأجر؛ وعليه فقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين، الراجح منهما ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والحنابلة من صحة العقد الثاني، معللين ذلك بما يأتي:
١ - إن هذه المدة المستقبلة يجوز العقد عليها مع غيرها، فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس، كالتي تلي العقد مباشرة.
٢ - قياس الإجارة على السلم؛ وذلك لأن إجارة العين على غير المستأجر إنما يشترط فيها القدرة على التسليم عند وجوب التسليم لا حال العقد، فصحت كالسلم، فإن المسلم فيه لا يشترط وجوده، ولا القدرة عليه حال العقد.
المسألة الرابعة: حكم إجارة العين للمستأجر.
إذا أراد المالك إعادة تأجير العين المستأجرة على المستأجر مدة أخرى، فإنه لا يخلو، إما أن تكون مدة الإجارة الثانية تلي الأولى، أو لا:
- فإن كانت المدة الثانية لا تلي المدة الأولى فإنه يجري فيها ما يجري في المسألة الأولى من خلاف.
- وإن كانت مدة الإجارة الثانية تلي مدة العقد الأول فقد اختلف العلماء في حكمها على قولين، يترجح منهما القول بصحة العقد الثاني وجوازه، وهو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية، والصحيح في مذهب الشافعية، والحنابلة، وقد استدلوا للجواز بأدلة منها:
١ - إن ذلك جائز لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر، فصار كما لو أجره المدتين بعقد واحد.
٢ - كما أن إعادة التأجير تصح مع غير المستأجر، فتصح مع المستأجر من باب أولى، وذلك بناء على أدلة القول الراجح في المسألة السابقة.
خلاصة الحكم في هذه المسائل:
من خلال تتبع كلام الفقهاء في هذا الموضع، وباستصحاب ما سبق بيانه وترجيحه في المسائل الآنفة الذكر فإنه يظهر للباحث أن المستأجر إنما استحق منفعة العين المؤجرة – لا عينها ورقبتها – مدة الإجارة، وعليه فإنه يصح أن يتصرف المؤجر في رقبة العين المستأجرة أو منفعتها، مع المستأجر أو غيره أي تصرف من بيع، أو إجارة، أو هبة، أو وصية، أو رهن، وغيرها، مادامت هذه التصرفات لا تتعارض، أو تمنع المستأجر من استيفاء منفعة العين المعقود عليها مدة الإجارة.
• حكم إجارة المشاع.
стр. 1830
لا يخلو تأجير الجزء المشاع من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن يقوم بتأجيره على شريكه. وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على جواز إجارة المشاع في هذه الحالة.
الحالة الثانية: أن يؤجر ملكه المشاع على غير شريكه. وقد اختلف العلماء في حكم هذه الحالة على قولين، الراجح منها القول بتجويز إجارة المشاع، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن، والمالكية، والشافعية، وقول عند الحنابلة، مستدلين لصحة ما ذهبوا إليه بأدلة منها:
١ - أن المشاع يصح شراؤه فتصح إجارته.
٢ - أن المشاع منفعة، وتسليمه للمستأجر ممكن، إما بالتخلية بينه وبين الشقص المشاع، وإما بالقسمة؛ فاستيفاء المنفعة غير متعذر من المشاع لكونه معلوم بالنسبة كنصف وثلث فتمكن قسمته وحيازته في أي وقت، فيكون لا فرق بينه وبين غير المشاع.
٣ - إجارة المشاع عقد إجارة صحيح قد استكمل أركان الإجارة، واستجمع شروط صحتها، وانتفت عنه موانع انعقادها.
• أحكام نفقة العين المستأجرة:
١ - يظهر لمن أمعن النظر في كلام الفقهاء – ﵏ – اتفاقهم على إلزام المؤجر بإصلاح وتهيئة العين المؤجرة بكل ما يتمكن به المستأجر من استيفاء منفعة العين المعقود عليها.
٢ - كذلك من الأمور المقررة والتي هي محل اتفاق بين الفقهاء في هذا الباب أن المؤجر يلزمه كل ما جرى العرف واستقر عليه من الواجبات والحقوق.
٣ - يلزم المؤجر أن يقوم بجميع النفقات والخدمات التي نص عليها العقد، سواء أجرى بها العرف أم لم يجر.
٤ - وأما إذا حدث في العين المؤجرة خلل أو عيب يتطلب إصلاحاً وصيانة كانهدام بعض الدار، أو حاجة محركات السيارة إلى إصلاح، أو تلف إطارات السيارة، فهل يجبر المؤجر على إصلاحها؟
إذا كان الخلل، أو النقص كبيراً – كانهدام بعض غرف الدار المستأجرة – فلا يجبر المؤجر على إصلاحه باتفاق الفقهاء، وأما إن كان الإصلاح الذي تحتاج إليه العين يسيراً، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على قولين، الراجح منهما القول بأن المؤجر يجبر على إصلاحه، وهو قول عند المالكية، وقول عند الحنابلة ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. هذا وقد عللوا ما ذهبوا إليه، بأن المستأجر قد استحق منفعة العين المعقود عليها بصفة السلامة والصحة؛ والوفاء بالعقد واجب، وعليه فيجبر المؤجر على إصلاح هذا الخلل، وخاصة مع كونه يسيراً لا مضرة فيه على المؤجر.
• ضمان العين المستأجرة:
لا خلاف بين العلماء في كون يد المستأجر على العين المؤجرة يد أمانة؛ وعليه فضمان العين المستأجرة على مالكها – المؤجر – ما لم يتعد المستأجر أو يفرط، إلا أن الفقهاء قد اختلفوا فيما لو اشترط المؤجر في عقد الإجارة أن تكون العين المؤجرة مضمونة على المستأجر مطلقاً – حتى وإن لم يتعد أو يفرط – على قولين. أرجحهما القول بأن اشتراط ضمان العين المؤجرة على المستأجر شرط باطل لا يصح وهو قول الجماهير من الحنفية والمالكية والشافعية، والمذهب عن الحنابلة، وقد استدل الجمهور بجملة أدلة منها:
١ - اشتراط الضمان على المستأجر غير مشروع لأنه ينافي مقتضى العقد؛ وذلك لأن مقتضى عقد الإجارة أن يد المستأجر يد أمانة لا تضمن إلا بتعد أو تفريط. وحتى لو رضي المستأجر بهذا الشرط فإنه لا يلزمه لأنه خلاف الشرع؛ ولأن رضا المتعاقدين لا يجعل الحلال حراماً ولا الحرام حلالاً.
٢ - ما روي، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وعليه فلا يصح اشتراط الضمان على المستأجر لأن الإجارة بيع منافع، فلا يصح أن يجمع معها شرطاً، وهو الضمان على المستأجر.
стр. 1831
٣ - إن في اشتراط الضمان على المستأجر جهالة بالغة وغرراً، وذلك لدخول المستأجر على عقد في مخاطرة كبيرة قد يغنم فيها وقد يغرم، وقد يقتصر الأجرة على ما تم تسميته في العقد وقد تزيد زيادة كبيرة وأضعافاً مضاعفة عن المسمى في العقد، وقد تزيد زيادة يسيرة نتيجة ضمان العين المستأجرة.
• حكم اجتماع عقدين في عقد:
بعد تأمل الأحاديث الواردة في حكم اجتماع عقدين في عقد، وتتبع كلام أهل العلم حولها، وعرض خلافهم في تفسير بعض هذه النصوص؛ فقد ظهر للباحث ما يأتي:
الأصل في العقود الإباحة والحل حتى يثبت المحرم والحاظر، وعليه فإن مجرد اجتماع عقدين فأكثر في عقد واحد جائز؛ إذ لا دليل على تحريمه إلا إذا انضم إلى ذلك علة أخرى تؤدي إلى جعله محرماً، وإن أبرز هذه العلل والضوابط التي إن وجدت في العقود المجتمعة فإنها تؤدي بها إلى الحظر والتحريم ما يأتي:
١ - اجتماع العقود على وجه فيه غرر فاحش، وجهالة. وإن أبرز ما ينطبق عليه الضابط السابق ما نص عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من صورة مفادها أن يبيع السلعة بأحد ثمنين؛ أحدهما نقد، والآخر نسيئة، ثم يبرم المتعاقدان العقد على أن البيع قد لزم بأحد الثمنين، ثم يفترقان دون تعيينه.
٢ - اجتماع العقود على وجه يصيرها ذريعة، أو حيلة، أو تؤول إلى الربا. ويعد هذا الضابط أو القيد من الأهمية بمكان؛ وذلك لأن اجتماع العقود في عقد يكون في حالات ليست بالقليلة حيلة وقنطرة إلى الربا المحرم؛ فيكون ظاهر هذا العقد فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، وإن من أبرز ما ينطبق عليه هذا الضابط من الصور بيع العينة، واشتراط عقد معاوضة في عقد القرض، أو العكس.
٣ - اجتماع عقود متضادة. والمراد بالحظر هنا هو اجتماع عقود مختلفة في شروطها وأحكامها إذا ترتب على ذلك تضاد في الموجبات، والآثار، وهذا إنما يكون في حالة توارد عقدين – فأكثر – على محل واحد في وقت واحد وأحكامها مختلفة متضادة.
• اشتراط الإجارة في عقد البيع:
المراد به أن يشترط البائع على المشتري أن يؤجره العين المباعة، أو غيرها.
هذا وقد اختلف أهل العلم في حكم اشتراط ذلك على قولين، الراجح منهما ما ذهب إليه المالكية في المشهور من المذهب، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم من جواز اشتراط الإجارة في عقد البيع، وأن كلا العقدين صحيح مع لزوم الشرط.
• حكم التأجير المنتهي بالتمليك:
للتأجير المنتهي بالتمليك صور متنوعة، أهمها:
١ - التأجير المنتهي بالتمليك تلقائياً وبلا ثمن. والذي يظهر للباحث في تكييفها أنها عقد إجارة اقترن به عقد هبة معلق على تمام سداد أقساط الإجارة؛ وعليه فإن الراجح جواز هذه الصورة بالضوابط الآتية: أن يكون العقد الأول عقد إجارة حقيقي مستجمعاً لأركانه، وشروطه، وأن تترتب على عقد الإجارة جميع آثاره المقررة شرعاً للمؤجر والمستأجر، ومن أهم ما يجدر التأكيد عليه في هذا المقام أن تكون العين المؤجرة في ضمان المؤجر، وأن لا يقترن بالعقد شروط محرمة أو فاسدة، كاشتراط تأمين تجاري على العين المؤجرة أو غير ذلك.
٢ - التأجير المنتهي بالتمليك بثمن. وذلك بأن يستأجر أحدهما عيناً من الآخر بأجرة معلومة مقسطة على آجال محددة معلومة، في مدة معلومة، وينص المؤجر في العقد على أنه قد باع هذه العين المؤجرة من المستأجر بيعاً باتاً معلقاً على تمام سداد جميع أقساط الإجارة. والذي يظهر للباحث تحريم هذه الصورة بالكيفية الآنفة الذكر.
стр. 1832
٣ - التأجير المقترن بوعد التمليك. فإن كان الوعد ملزماً فإن حكمها كحكم الصورة السابقة؛ لأن هذا الوعد الملزم في حقيقته عقد، وإن سمي وعداً، فإن تغيير الاسم لا يغير من حقيقته شيئاً؛ لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
وأما إن كان الموعد غير ملزم فإن هذه الصورة جائزة لأنها عقد إجارة حقيقي، اقترن به وعد غير ملزم للطرفين؛ فإن تم البيع الموعود به كان بيعاً حقيقياً صحيحاً.
• حكم بيع العينة:
ذهب جماهير أهل العلم من السلف والخلف – وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة – إلى تحريم بيع العينة، واستدلوا لذلك بجملة من الأدلة.
• خصائص صكوك الإجارة:
لصكوك الإجارة خصائص كثيرة أهمها:
١ - صكوك الإجارة تتمتع بكثير من خصائص الأوراق المالية. ومن ذلك أن صكوك الإجارة لها قيمة اسمية محددة ومتساوية، كما أنها قابلة – إجمالاً – للتداول في الأسواق المالية بالطرق التجارية المتبعة، وكذلك عدم قابليتها للتجزئة في مواجهة المصدر.
٢ - صكوك الإجارة ورقة مالية خاضعة لأحكام الإجارة في الفقه الإسلامي، وضوابطها الشرعية. ويعد ما ذكر خاصية، وميزة في آن واحد، ومن جهتين؛ الأولى منهما، كون صكوك الإجارة ورقة مالية منضبطة بضوابط الشرع وملتزمة بحدود المولى جل وعز، وثانيهما، ابتناء هذه الصكوك على عقد من أهم العقود في الشريعة الإسلامية وهو عقد الإجارة.
٣ - المرونة والسعة. ومن أهم الجوانب التي تتجلى فيها مرونة صكوك الإجارة مرونتها من جهة مصدرها، والوساطة المالية التي تتضمنها، ومرونتها من جهة تعدد صورها.
٤ - خضوعها لعوامل السوق.
• صكوك ملكية الأصول المؤجرة:
يمكن أن تعرف بأنها: وثائق متساوية القيمة عند إصدارها، ولا تقبل التجزئة، ويمكن تداولها بالطرق التجارية، تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان مؤجرة، أو موعد باستئجارها؛ مما يخول ملاكها حقوق هذه الوثيقة، ويرتب عليهم مسؤولياتهم. والذي يظهر للباحث تكييفها بأنه عقد بيع لحصة شائعة، ويكون مصدر هذه الصكوك بائعاً لعين مؤجرة يملكها، والمكتتبون في هذه الصكوك هم المشترون لهذه العين، وما تمثله الصكوك هو السلعة المبيعة، وحصيلة الاكتتاب هي ثمن السلعة، وعليه فإن حملة الصكوك هم شركاء في ملكية العين المؤجرة على الشيوع شركة ملك, لهم غنمها, وعليهم غرمها.
• صكوك ملكية المنافع:
يمكن أن تعرف بأنها: وثائق متساوية القيمة عند إصدارها، ولا تقبل التجزئة، تمثل حصصاً شائعة في ملكية منافع أعيان معينة، أو موصوفة في الذمة؛ مما يخول ملاكها حقوق هذه الوثيقة، ويرتب عليهم مسؤولياتها. هذا ويندرج تحت هذا النوع من الصكوك قسمان رئيسان:
- القسم الأول: صكوك ملكية منافع الأعيان المعينة.
ويندرج تحت هذا القسم صور متعددة يمكن إجمال ما تؤول إليه في الأصل إلى صورتين:
- الصورة الأولى: أن يقسم مالك عين، منفعة هذه العين إلى أجزاء متماثلة، ويمثل كل جزء من أجزاء هذه المنفعة بصك يفصل فيه أحكام تمليك هذه المنفعة – كمدة الانتفاع، وطريقته، وقيمته، وغيرها من الشروط والأحكام – ثم يطرح هذه الصكوك للاكتتاب. والذي يظهر للباحث جواز هذه الصورة؛ وذلك لأنها في حقيقتها عقد إجارة، إلا أن جواز هذه الصورة مرتبط باستكمال هذا العقد لشروط الإجارة المقررة شرعاً، وانتفاء ما يبطله. ويكون مصدر الصكوك هو المؤجر، والمكتتبون في هذه الصكوك هم المستأجرون لهذه العين، وحصيلة الاكتتاب هي الأجرة – ثمن المنفعة – وعليه فإن حملة الصكوك يملكون منافع هذه الأعيان المؤجرة على الشيوع، لهم غنمها وعليهم غرمها.
стр. 1833
- الصورة الثانية: أن يقوم مستأجر – مالك لمنافع عين، أو أعيان معينة – بتقسيم المنافع التي ملكها بعقد الإجارة إلى صكوك متساوية القيمة، ثم يقوم بطرحها للاكتتاب العام، والذي يظهر للباحث جواز هذه الصورة وذلك لكونها في حقيقة الأمر عقد إجارة من مالك للمنفعة – المستأجر – وهو ما اصطلح على تسميته بالإجارة من الباطن.
- القسم الثاني: صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة في الذمة.
مثال ذلك: أن تقوم جهة بطرح صكوك تمثل ملكية الانتفاع بأعيان موصوفة في الذمة، وتتبين في هذه الصكوك تفاصيل هذه المنفعة، والعين محل الانتفاع وصفاً دقيقاً، ومدة الانتفاع – بداية ونهاية – وشروط هذا الانتفاع.
بعد تأمل هذه الصورة فإن الذي يظهر للباحث أن هذه الصورة من صور صكوك ملكية المنافع إنما هي في حقيقتها عقد إجارة عين موصوفة في الذمة، ويكون مصدر هذه الصكوك مؤجر – بائع منفعة – عين موصوفة في الذمة، والمكتتبون في الصكوك هم مستأجرون لمنافع هذه العين الموصوفة في الذمة، وحصيلة الاكتتاب هي الأجرة؛ وعليه فإن حملة الصكوك يملكون منافع هذه العيان الموصوفة في الذمة على الشيوع؛ لهم غنمها وعليهم غرمها، ولذلك فإنه يظهر جواز هذه الصورة شريطة استكمال شروط إجارة الموصوف في الذمة.
• صكوك ملكية الخدمات:
هي وثائق متساوية القيمة عند إصدارها، ولا تقبل التجزئة، تمثل حصصاً شائعة في ملكية خدمة – عمل – من جهة معينة أو موصوفة في الذمة. ولصكوك ملكية الخدمات نوعان:
- النوع الأول: صكوك ملكية خدمات جهة معينة، وصورتها: أن تقوم جهة بتمثيل خدماتها على شكل صكوك فيها وصف دقيق محكم منضبط لحصة شائعة مقدرة في خدماتها، ثم تطرحها للاكتتاب العام؛ فيكون المكتتب في صك من هذه الصكوك مالكاً لحصة مشاعة من خدمات هذه الجهة.
بعد تأمل الصورة السابقة فإن الذي يظهر للباحث أنها عقد إجارة، من قبيل إجارة الأشخاص – الأجير المشترك – ويكون مصدر هذه الصكوك هو الأجير المشترك – بائع منفعة أو خدمة (عمل) – والمكتتبون في الصكوك هم مستأجرون لهذه الخدمات، وحصيلة الاكتتاب هي الأجرة؛ وعليه فإن حملة الصكوك يملكون الخدمة المبينة في الصك بتفصيلاتها، وبالشروط المرفقة في العقد، إلا أن جواز هذه الصورة يشترط له أن توفر جميع شروط عقد الإجارة الواردة على عمل، من حيث تحديد نوع العمل، أو مدته، ومقدار الأجرة، ووقت دفعها، ونحو ذلك.
- النوع الثاني: صكوك ملكية خدمات جهة موصوفة في الذمة.
صورته: أن تقوم شركة بتحويل خدمات موصوفة وصفاً دقيقاً منضبطاً إلى صكوك متساوية القيمة، وتكون مستحقة الاستيفاء في مواعيد مستقبلية محددة، ثم تقوم بطرح هذه الصكوك للاكتتاب العام.
وبعد تأمل هذا النوع من أنواع صكوك ملكية الخدمات، فإن الذي يظهر للباحث أن تكييفها لا يخرج عن تكييف صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة في الذمة؛ وعليه فإن هذه الصورة من الصكوك إنما هي من قبيل إجارة منافع أعيان موصوفة في الذمة، وحكمها كحكمها.
• عقد إصدار صكوك الإجارة:
صكوك الإجارة بصورها المختلفة إنما هي صياغة معاصرة لعقد من العقود الشرعية المقررة في مدونات أهل العلم؛ وعليه فإنها تصدر على أساس عقد من هذه العقود، ويجب أن تتوفر فيها أركانه وشروطه وتنتفي عنها موانعه.
• الشروط في عقد إصدار صكوك الإجارة:
стр. 1834
المراد بالشروط في عقد إصدار صكوك الإجارة هي: الشروط التي يجب أن يتضمنها عقد إصدار الصكوك حتى يستوفي شروط الإيجاب الشرعي، والذي يترتب على تمام قبوله من الطرف الآخر صدور صكوك الإجارة على مقتضاه وأساسه، وهو ما تترتب عليه الآثار الشرعية للعقد؛ وعليه فإنه ومن الأهمية بمكان أن يراعى في عقد إصدار صكوك الإجارة مستوفياً لأركانه وشروطه، وأن لا يتضمن شرطاً ينافي مقتضاه، أو يخالف أحكامه، وأن تكون المعلومات المطلوبة شرعاً لتمام الأركان والشروط موضحة في عقد الإصدار، هذا ومن الأهمية بمكان أن ينص العاقدان على الشروط التي تتضمن منفعة مباحة للعاقدين، أو لأحدهما في عقد الإصدار؛ حتى يكون ذلك أبعد عن النزاع، ويتأكد أن ينص عقد الإصدار على أحكام تداول الصكوك محل العقد واستردادها وانتهائها، كما يحسن أن يكون في غرة عقد الإصدار بيان للمصطلحات والتعريفات الواردة في العقد؛ حتى تكون المرجع في تفسيرها، وهو ما ينفي ما قد ينشأ عن ذلك من خلاف.
• تداول صكوك الإجارة:
التداول مصطلح له مفهوم خاص فيها يتعلق بالأوراق المالية، ومفاده: هو نقل ملكية الورقة المالية من مالك لآخر بعقد من العقود الشرعية، عبر وسيلة من الوسائل التجارية المعتبرة.
أولاً: حكم تداول صكوك ملكية المنافع:
سبق تكييف هذه الصورة من صور صكوك الإجارة بأنها عقد بيع؛ وعليه فيجوز تداول هذا الصك منذ إصداره؛ وذلك لأن هذا النوع من الصكوك يمثل حصة شائعة في ملكية عين.
ثانياً: حكم تداول صكوك ملكية منافع الأعيان المعينة:
حكم تداول هذا النوع من الصكوك – بصورتيه على حد سواء – يختلف على حالين:
الحال الأولى: أن يقوم مصدر الصكوك ببيع منافع – تأجير – العين محل العقد على المكتتبين، ولم تكن مؤجرة على غيرهم قبل، ففي هذه الحال يجوز تداول هذا النوع من الصكوك منذ تمام الاكتتاب فيها؛ وذلك لأنه يعد إعادة تأجير من مالك للمنفعة.
الحال الثانية: أن يكون إصدار الصكوك بعد تأجير العين محل العقد، وتكون الصكوك بمثابة إعطاء المكتتب الحق في استيفاء أجرة العين المؤجرة طوال مدة الصك؛ ففي هذه الحال يمثل الصك قيمة الأجرة – وهي دين في ذمة المستأجر – وعليه فلا يصح تداولها إلا بضوابط التصرف في الديون.
ثالثاً: حكم تداول صكوك ملكية منافع الأعيان الموصوفة في الذمة:
اختلف المعاصرون في حكم تداول هذا النوع من الصكوك إلى قولين، الراجح منهما الجواز.
رابعاً: حكم تداول صكوك ملكية خدمات جهة معينة:
لا مانع شرعاً من تداول هذا النوع من الصكوك، وهو يأخذ حكم تداول صكوك ملكية منافع الأعيان المعينة، ولا فرق.
خامساً: حكم تداول صكوك ملكية خدمات جهة موصوفة في الذمة:
الحكم في تداول هذا النوع من صكوك الإجارة يجري فيه ما جرى من خلاف في حكم تداول صكوك ملكية منافع أعيان موصوفة في الذمة سواءً بسواء.
• استرداد صكوك الإجارة:
لما كان تداول الصك هو التصرف فيه – كبيعه – على غير مصدره، فإن الاسترداد هو التصرف فيه مع مصدره، ويتم ذلك بعد تمام الاكتتاب في الصكوك، وطرحها للتداول فقد يقوم مالك الصك بإعادته لمصدره إما بالقيمة السوقية للصك، أو بما يتفقان عليه، فهذه الصورة هي استرداد الصكوك.
هذا وإن استرداد مصدر الصكوك لها إنما هو عقد جديد بينه وبين حامل الصك، وتفصيل ذلك في صكوك الإجارة على النحو الآتي:
أولاً: استرداد صكوك ملكية الأصول المؤجرة جائز بالقيمة التي يتفق عليها الطرفان؛ وذلك لأن هذه الصورة في حقيقتها إنما هي بيع حصة مشاعة من مالكها؛ حامل الصك.
ثانياً: استرداد صكوك ملكية المنافع، وصكوك ملكية الخدمات:
стр. 1835
يجوز بما يتفق عليه الطرفان من أجرة، شريطة أن لا يكون ذلك حيلة على الربا، ويكيف ذلك فقهياً بأنه إعادة تأجير المستأجر للعين المؤجرة من مؤجرها، سواء أكان المؤجر مالكاً للعين أم مالكاً للمنفعة فقط.
• انتهاء صكوك الإجارة:
تأسيساً على ما سبق بيانه من كون صكوك الإجارة إنما هي ورقة مالية تمثل حصة مشاعة في ملك عين، أو منفعة شخص، أو عين معينة، أو موصوفة في الذمة، وأن كل صورة من صور صكوك الإجارة إنما هي في حقيقتها أحد العقود الشرعية المعروفة – كالبيع، وإجارة الأشخاص، وإجارة منافع أعيان معينة أو موصوفة في الذمة – فإن صكوك الإجارة تنتهي بانتهاء ما تمثله من عقود شرعية.
- قام الباحث بضرب أمثلة يمكن تطبيقها على أرض الواقع للتمويل بالإجارة.
• دراسة وتقويم لتجربة مملكة البحرين في تطبيقاتها لصكوك الإجارة:
أصدرت حكومة البحرين عشرة إصدارات من صكوك الإجارة كان آخرها في يوليو من العام الجاري ٢٠٠٤م، وقد بلغ مقدار ما تم طرحه من خلال هذه الإصدارات ما يربو على العشرة مليار دولار. وقد قام الباحث بدراسة وتقويم آخر هذه الإصدارات، وهو الإصدار العاشر والذي تم طرحه للاكتتاب بقيمة إجمالية مقدارها ٤٠ مليون دينار بحريني، ويبتدئ الإصدار من ٢٠/ يوليو ٢٠٠٤م ولمدة عشرة سنوات حتى ٢٠/ يوليو ٢٠١٤م بمعدل تأجير سنوي ثابت مقداره (٥.١٢٥%) تدفع كل ستة أشهر.
الحكم الشرعي لهذا الإصدار:
اختلف المعاصرون في حكم هذه الصيغة على قولين، الراجح منها القول بتحريمها ومنعها والحكم بإبطالها، وقد دل على ذلك جملة من الأدلة، ومجملها:
١ - إن صكوك الإجارة بالصيغة السابقة إنما هي ضرب من ضروب العينة المحرمة التي نص جمع من صحابة رسول الله ﷺ على تحريمها، وذهب جماهير أهل العلم إلى تحريمها ومنعها.
٢ - تعد صكوك الإجارة صورة من صور معاملة نص جماهير أهل العلم على تحريمها وإبطالها، والتشنيع على مرتكبها، وهي ما يسميها الحنفية بيع الوفاء، والمالكية بيع الثنيا، والشافعية بيع العهدة، والحنابلة بيع الأمانة، وتسمى بأسماء أخرى كبيع الرجاء.
٣ - صورية العقود، وكونها حيلة على الربا.
كذلك استدل القائلون بالتحريم بأن صكوك الإجارة البحرينية – محل الدراسة – إنما هي صيغة مركبة من جملة من العقود والوعود الصورية المفرغة من محتواها، والمقصود بها أداء وظيفة تمويلية محددة. ما هي إلا سندات القرض الربوية المحرمة.
стр. 1836
صناعة الصورة باليد مع بيان أحكام التصوير الفتوغرافي
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن خزيمة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: تصوير ونحت تماثيل
الخاتمة
بعد عرض موضوعات البحث ظهر لي ما يلي:
أولا: أن التصوير باليد وهو ما كانت اليد المباشرة فيه لعملية التصوير بنوعيه – أعني التصوير المسطح والتصوير المجسم – كلاهما حرام لوجود علة المضاهاة، وغيرها من العلل التي ذكرناها.
ثانيا: أن النقش باليد لا يعدو كونه رسما، بل هو أعم منه من جهة التحسين والتجميل، ولذا كانت عقوبته أشد.
ثالثا: أن النقش والرسم والتصوير كلها قد تكون مكروهة، وإن كان بعضها قد يكون أوسع من الآخر في بعض الأحيان.
رابعا: أن هناك وعيدا شديدا لمرتكبي حرمة التصوير، لورود الأدلة الواردة في حقهم.
خامسا: كثرة العلل الواردة في تحريم التصوير، فهي غير مقتصرة على المضاهاة في الخلق فقط كما يظن البعض.
سادسا: أن الرسم باليد أو النقش بها فيما ليس ممتهنا، الصحيح أنه محرم، وهو قول الجمهور من الفقهاء بخلاف من قال بكراهيته.
سابعا: أن الرسم باليد لما يعد ممتهنا هو كبيرة من كبائر الذنوب.
ثامنا: أن هناك فرقا بين الرسم لما يعد ممتهنا، واستعمال ما يعد ممتهنا، ففيه خلاف، والصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا بأس باستعمال التصاوير الممتهنة، وإن تجنبها الإنسان فهو أولى.
تاسعا: أن الصورة إذا كانت مقطوعة الرأس، فالصحيح أنه لا بأس بها.
عاشرا: أنه يحرم رسم، أو نقش الرأس فقط، لقوة الأدلة الدالة على التحريم.
أحد عشر: أن الرسم الكاريكاتوري أشد تحريما من الرسم العادي لأنه اشتمل على أمرين:
١ - مباشرة اليد في الرسم.
٢ - السخرية الحاصلة به من خلال الرسوم.
اثنا عشر: أن التصوير الفوتوغرافي لم يكن موجودا في العصور المتقدمة وإنما اكتشف في العصور المتأخرة.
ثلاثة عشر: أن الذين قالوا بإباحة هذا النوع من التصوير اشترطوا له شروطا خاصة بأن لا تشتمل الصورة على محرم أو يكون فيها استهزاء في الدين والأخلاق والقيم.
أربعة عشر: تبين لي رجحان تحريم التصوير بكل أشكاله وأنواعه إلا ما دعت إليه الضرورة أو الحاجة مع التأكيد على حرمة تصوير المرأة بكل حال إلا في حال الضرورة القصوى كمرض أو جناية أو إخلال بالأمن أو غير ذلك مما لا بد منه.
خمسة عشر: تبين لنا أن شيخنا – ﵀ – يرى جواز التصوير الفوتوغرافي ويقول أنه ليس تصويرا في واقع الأمر.
ستة عشر: تبين أن شيخنا – ﵀ – يقول إن التصوير الفوتوغرافي يأخذ حكم الغرض منه فإن كان الغرض محرما كان محرما وإن كان الغرض منه جائزا كان جائزا لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
سبعة عشر أن التصوير الفوتوغرافي لغير غرض شرعي لا يجوز كمن يصور للذكرى أو يحتفظ بالصورة وهذا ما يراه شيخنا وبهذا يعلم أن رأي الشيخ لا يختلف عن غيره في مآل الصورة وإن كان نفس الفعل يتساهل فيه الشيخ.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ..
стр. 1837
صوم الشيوخ المسنين
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز خليفة القصار
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: صيام - أعمال منوعة
الخاتمة
وفي ختام بحثي هذا تبين لنا بجلاء أن علمائنا رحمهم الله تعالى قد ورثوا لنا ثروة فقهية ضخمة تناولت شتى الموضوعات وتطرقت لجميع الأمور التي يحتاج إليها الإنسان في حياته وحتى بعد مماته، كما يتضح لنا أهمية موضوع صوم الشيوخ المسنين وإن الحاجة ماسة لبحثه مع إرداف البحث الفقهي بنظرة طبية شاملة، تلم الموضوع وتجعله متكاملا من الناحية الفقيهة والطبية. وإليك أيها القارئ الكريم أهم النتائج التي توصلت إليها:
١ـ الشيخ المسن هو الذي انتهى شبابه وطعن في السن بحيث يعجز عن الأداء بسبب الكبر فلا يرجى له عودة القوة
٢ـ اتفق الفقهاء على جواز الفطر للشيخ المسن إذا عجز عن الصيام عجزا مستمرا بحيث يلحقه بالصوم مشقة شديدة
٣ـ المشقة الشديدة التي تبيح للشيخ المسن الفطر ترجع إلى العادة وإلى طبيعة الشخص، ولذا يترك في تقديرها للشيخ المسن نفسه
ولا مانع من أن يحدد الطبيب المسلم الثقة إمكانية الصوم للشيخ المسن من عدمه عند دراسة حال جسم الشيخ المسن.
٤ـ تجب الفدية على الشيخ المسن إذا عجز عن الصيام عجزا مستمرا
٥ـ مقدار الفدية الواجبة هو مد من الطعام من جنس صدقة الفطر.
٦ـ الشيخ المسن العاجز عن الصيام إذا قدر عليه وقد أخرج الفدية فلا يلزمه القضاء وإن لم يخرج فعليه القضاء
٧ـ الصوم عن الشيخ المسن حال حياته لا يصح وأما بعد مماته فالمتجه هو عدم الصيام عنه لسقوط طلب الصيام عنه وإنما الواجب هو الفدية لا غير
هذا وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1838
ضمان المنافع دارسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني
المؤلف/ المشرف: إبراهيم فاضل الدبو
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار عمار - عمان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: ضمان وكفالة ورهن
الخاتمة ونتائج البحث
في ختام بحثي لموضوع ضمان المنافع الذي أرجو الله أن أكون قد وفقت في إيفائه حقه، أبين أهم النتائج التي توصلت إليها.
١ - إن الضمان يعني التزاماً ما بين اثنين يترتب على الملتزم حق مالي، وأسباب الضمان ثلاثة هي: ضمان عقد وضمان يد وضمان إتلاف. وأظهر ما تتمثل به يد الضمان هي يد الغاصب وإما تفضي إليه من الأيدي، ولهذا تناولنا الغصب بالبحث بالقدر الذي له صلة بموضوع الرسالة.
٢ - وتبين لنا من خلال البحث أن الفقهاء اختلفوا في تضمين الأجير المشترك أو عدم تضمينه، وقد اخترنا الرأي الذي ألزمه بالضمان سواء كان مفرطا في عمله أو غير مفرط مع الأخذ بعين الاعتبار بتلك الشروط التي اشترطها أصحاب هذا الرأي.
٣ - كما اتضح لنا أن للفقهاء رأيين في ضمان العارية، وقد أخذنا برأي القائلين بالضمان لقوة أدلتهم ولأن المصلحة تقضي بالضمان لخراب الذمم في العصر الحاضر.
٤ - وظهر لنا أيضاً أن فريقاً من الفقهاء اعتبر الإخلال بالوعد إذا ترتب عليه ضرر للطرف المقابل سببا موجبا لتضمين الضار، ولم يشترط هؤلاء العلماء رحمهم الله تعالى للتعويض عن الضرر أن يكون مقابل مال تالف، وقد أيدنا وجهة نظر هذا الفريق من العلماء لوجاهة أدلتهم ولما فيه من المصلحة للآخرين.
٥ - وبخصوص الضرر الأدبي فإن هناك من الفقهاء من ألزم الضار بتعويض المضرور عما لحق به من الضرر. ومن وجهة نظري أن ما أوجبته الشريعة الإسلامية من حدود وعقوبات تعزيرية وتعويضا عما أصاب المعتدي عليه من ضرر أدبي هي أولى بالأخذ من التعويض المالي لما فيه من ردع المعتدي وزجر للمجتمع.
٦ - وعند الكلام عن تضمين الغاصب قيمة العين المغصوبة سواء كانت مثلية أو قيمية اختلف الفقهاء في الوقت الذي تحدد فيه القيمة، وقد اخترنا الرأي الذي يلزم الغاصب أقصى القيم للعين المغصوبة من يوم الغصب إلى حين فقدانها في الأسواق، لما فيه من إنصاف للمغصوب منه. وإذا لم تعد للمثلى قيمة نظرا لاختلاف المكان أو الزمان كالماء الذي يغصب في مفازة أو صحراء، فإن الغاصب يلزم في هذه الحالة بدفع قيمة الماء في مكان غصبه وفي زمان الغصب أيضاً، منعا من إلحاق الضرر بالمالك.
٧ - وعند الكلام عن المغصوب إذا كان من العملة الورقية، ظهرت عدة اتجاهات بشأنها، حيث اعتبرها البعض من الفقهاء عروضا تجارية ومنهم من اعتبرها سندات بدين على جهة إصدارها ومنهم من ألحقها بالفلوس الكاسدة. وقد رجحنا الرأي الذي اعتبر العملة الورقية قائمة مقام الذهب والفضة، نظرا لتحقق الثمنية في هذه الأوراق ولأن تعامل الناس يجري بها في العصر الحاضر، كما أن الأخذ بهذا الرأي يبعدنا عن شبهة الربا والوقوع في المحظور الشرعي.
٨ - واتضح لنا من خلال البحث أن هناك اتجاهين في اعتبار المنفعة مالا أو عدم اعتبارها. وقد أخذا برأي القائلين بماليتها وهم الجمهور لرجحان أدلتهم ووجاهتها، ولأن إهدار المنافع وعدم القول بماليتها يعد ضياعا للحقوق ومجافاة لعمل الناس وأعرافهم.
٩ - وتبين لنا عند الكلام عن نقص العين المغصوبة بسبب هبوط الأسعار، أن الجمهور لم يعتبروا ذلك نقصا وألزموا المغصوب منه بقبول العين، وقد خالف أبو ثور وبعض أصحاب الشافعي وجهة نظر الجمهور هذه، حيث ألزموا الغاصب بتعويض المالك نقص قيمة العين المغصوبة. وقد أيدنا هذا الرأي، لأنه كما ذكرنا أن القيمة هي العيار المالي الحقيقي للسلعة، والقول بعدم اعتبارها، يلحق الضرر بصاحب العين المغصوبة، وذلك غير جائز.
стр. 1839
١٠ - واتضح لنا من عرض آراء العلماء في الربح الحاصل من المال المغصوب، أن هناك ثلاثة آراء في مصير الربح: أحدها، يقضي برده مع الأصل لصاحب المال، والثاني، يعتبر الربح للغاصب، والرأي الثالث، يلزم الغاصب بالتصدق بالربح، لأنه كسب غير طيب. وقد اخترنا الرأي الأول، لأنه يحقق العدالة من وجهة نظرنا، إذ الربح هو نماء مال يعود لشخص استلب منه ظلما، فينبغي أن لا يحرم من فوائد ملكه.
١١ - كما تبين لنا من خلال البحث اتفاق وجهة نظر الفقهاء في العين المغصوبة إذا كانت أرضا فاستغلها الغاصب، له زرعه وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، ويلزم بضمان نقصان الأرض وتسويتها. وفيما لو أراد تملك الزرع وتعويض صاحبه ما أنفقه عليه، اختلف الفقهاء في جواز ذلك. وقد أخذنا برأي المجوزين لأسباب ذكرناها في موضعها.
١٢ - كما ظهر لنا أثناء عرضنا لأراء الفقهاء رحمهم الله تعالى في مسألة تنازل الشخص عن حقوقه المجردة لقاء عوض، أنهم اتفقوا على عدم جواز بيع هذه الحقوق، واختلفوا في جواز التنازل عنها مقابل مال على عدة أقوال: رجحنا رأي المجيزين في الحقوق القوية، كحق المرأة في المصالحة عن حقها في المبيت مقابل مال، وأيدنا وجهة نظر الممانعين في الحقوق الضعيفة، مثل حق الشفعة.
أما بخصوص الحقوق المتعلقة بمال كحقوق الارتفاق، فقد أخذنا برأي من يجيز بيع هذه الحقوق والتنازل عنها لقاء عوض بأي طريق كان. كما أيدنا وجهة نظر من يجيز للموظف التنازل عن وظيفته مقابل عوض إذا كانت الوظيفة إحدى الجهات الدينية، أما الوظائف العامة، فلا.
١٣ - واتضح لنا من خلال كلامنا عن موقف الشريعة من بدل الخلو (السرقفلية) أن لهذه المعاملة عدة صور ولكل صورة رأي لفقهاء المسلمين فيها أخذنا برأي المجوزين في بعض منها،
واخترنا الرأي القائل بالحظر في البعض الآخر منها، وذلك توخيا لرفع الغبن والضرر عن الأطراف المتعاقدة من جهة لمحاربة الاستغلال والجشع من جهة أخرى.
١٤ - وعند بحثنا عن حقوق التأليف، وجدنا أن في الشريعة الإسلامية ما يجعل جهد المؤلف حقا خاصا به يحظر على غيره الإساءة إليه، وبالتالي يجوز له أخذ العوض مقابل تنازله عن هذا الحق.
١٥ - وأخيرا ظهر لنا عند الكلام عن موقف الفقه الإسلامي من حق براءة الاختراع أو الملكية الصناعية. أن هناك طريقتين لعملية شراء الاسم التجاري.
ذهب مع من يجيز إحدى هاتين الطريقتين، نظرا لعدم وجود محظور شرعي يدعونا للقول بتحريم هذه المعاملة. وأيدنا وجهة نظر من يمنع الصورة الثانية لانطوائها على غرر فاحش وضرر بالغ بالمستهلك، مما لا ينسجم مع قواعد الشريعة الإسلامية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 1840
ضوابط العقد في الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: عدنان خالد التركماني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة دار المطبوعات الحديثة ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤١٣هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: عقود مالية - الشروط والخيارات
الخاتمة
لقد تبين لنا من غضون ما قد بحثناه في ضوابط العقد في الفقه الإسلامي ثراء ذلك الفقه الثراء العجيب الذي لا ينضب فيه معين الخير الذي يقدم للناس الأحكام لما قد يستجد بينهم من أحداث.
ونحن في استعراضنا لأهم القواعد العامة في العقود في الفقه الإسلامي وجدنا سعة أفق هذه الضوابط وسعة الفقه الإسلامي وغناه في بيان أحكام العقود التي قد يحتاج إليها الناس في معاملاتهم وقد وضح لدينا أمر ذو أهمية كبرى في ميزان التشريع أن الفقه الإسلامي بمجموع اجتهاداته يكون لنا ثروة تشريعية هامة هي مصدر اعتزاز لذلك التراث الخالد الذي سكبت فيه أشرف عقول عملت جاهدة لبيان أحكام الله تعالى في معاملات وتصرفات الناس وبرزت في أثناء البحث لدينا نقطة لا تقل أهمية عن سابقتها وهي سبق التشريع الإسلامي لأحدث النظريات القانونية التي طالعتنا هذه الأيام معتزة بنفسها وبغناها وبتفوقها على الفقه الإسلامي حيث شده بها من شده من الذين لم يعرفوا الفقه ولم يدرسوه ولكنهم أناس مفتونون في كل جديد يأتينا من شرق أو غرب ولو كلفوا أنفسهم مشقة البحث في الفقه الإسلامي لوجدوا فيه سبق ذلك الفقه لأحدث النظريات الوضعية التي وفدت إلينا في الآونة الأخيرة حين غفلت الأمة عن إسلامها وأخذت بالقوانين الأجنبية تاركة الخير الأصيل الذي بين أيديها ولا أستطيع أن أضع تمثيلا لهؤلاء الضائعين من أمتنا إلا بأولئك الأطفال الذين يلعبون في مجاهل أفريقيا فيرمي بعضهم بعضا بالحجارة وهم لا يعرفون أن بين هذه الحجارة أحجارا من الماس ولو علموا بها لما زهدوا فيها.
ونقطة أخرى بدت لنا من خلال بحث ضوابط العقد أن الاعتماد على مذهب من المذاهب الفقهية لا يغني ولا يفي بحاجة الأمة المتجددة فما لم نجده في مذهب قد نجده في مذهب آخر لو اقتصرنا على مذهب واحد لضيقنا على أنفسنا الخناق وقد جعل الله تعالى شريعته السمحة فرجا على الناس وليس سبيلا للتضييق أو الإحراج.
وإن الاقتصار على مذهب واحد دون الأخذ من المذاهب الأخرى قد فتح المنفذ لأعداء الإسلام أن يدخلوا منه قوانينهم القائمة على تصوراتهم واعتقاداتهم الفاسدة وأن نظرة سريعة إلى الماضي القريب لنتخذ منه العبرة حتى لا نقع في الضيق مرة أخرى.
وذلك ما حدث في الدولة العثمانية التي أقامت مجلتها المعروفة من الاجتهاد الحنفي فقط.
ونتيجة لتشابك العلائق مع الدول الأخرى وخاصة التجارية منها حدثت أنماط من العقود لم تعرفها المجلة وبالتالي لم يعرفها أو لم يتسع لها الاجتهاد الحنفي مما اضطر حكام المسلمين آنذاك أن يأخذوا بتشريعات الدول الأجنبية.
وكان الأفضل لهم ولأمتهم أن يأخذوا من الاجتهادات الأخرى غير الاجتهاد الحنفي حيث يجدوا الغناء لما يطلبون.
وعلى سبيل المثال نذكر ناحيتين يتجلى لنا الأمر من خلالهما تماما.
المثال الأول: هو الشروط العقدية التي ضيق فيها فقهاء الحنفية على أنفسهم وقد وجدنا سعة الأفق في الاجتهاد الحنبلي.
المثال الثاني:
ضمان العهدتين الذي اتسع له الاجتهاد المالكي دون الاجتهادات الأخرى وإذا علمنا أن هذا النوع من الضمان يعمل به المسلمون فيما بينهم لا على أساس أنه مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى بل على أساس ما اقتبسوه من القوانين الوضعية عن طريق الشركات الأجنبية التي جاءتنا بمثل هذا النوع من الضمان. ولو اتسع الأفق لدينا لوجدنا أن نأخذ عن الإمام مالك قوله خيرا لنا من الأخذ من القوانين الوضعية وعندنا الغناء والخير الكثير.
المثال الثالث:
стр. 1841
عقد الاستصناع الذي تفرد باعتباره المذهب الحنفي وعليه العمل في جميع بلاد المسلمين حتى في المناطق التي يسودها غير المذهب الحنفي.
وليس هناك شيء أضر على الإنسان من زهده عما بيده ولو كان ذهبا والتلهف على ما في أيدي الغير ولو كان سكينا تغتال الدين والأنفس على حد سواء.
وقد رأينا خلال عرضنا لضوابط العقد في الفقه الإسلامي سعة هذا الفقه الذي لا يضيق الفقه عن استيعاب أحدث النظريات بل فيه منها ما هو أدق تصورا وأصدق معالجة في إعطاء الحوادث أحكامها.
وما علينا نحن الآن في هذا العصر إلا أن نعقد مجالس تضم كبار الفقهاء في العالم الإسلامي مع مجموعة من أصحاب الاختصاصات الأخرى كالاقتصاد والطب ممن عرفوا بالغيرة الدينية وصلاح السيرة وكمال الأخلاق ليكونوا خبراء في مجالس الفقهاء الذين يستنبطون من مصادر التشريع المختلفة أحكاما للحوادث الجديدة بدلا من المجهودات الفردية التي قد تخطئ وتصيب ويصبح إجماع هؤلاء العلماء ملزما لسائر المسلمين في شتى أقطارهم وبذلك نتخلص من فكرة الاقتباس والأخذ من القوانين الوضعية بحجة أن الفقه الإسلامي لا يوجد فيه حكمها وبذلك نسد الباب على هؤلاء المنهزمين نفسيا أمام بريق الحضارة الغربية ونخلص لأمتنا وديننا وتشريعنا وننال رضى ربنا بدلا من أن نبوء بغضبه من ترك تشريعنا والأخذ من غيرنا وبذلك نحقق الأصالة لأمتنا وتاريخنا بدلا من الظهور أمام الغير أننا أمة نعيش على فتات موائد الآخرين ونصبح تبعا لغيرنا بعد أن أراد الله لنا أن نكون إماما وقدوة للعالمين.
فيا للعجب من أمة يريد لها ربها الصدارة وتريد لنفسها العيش على الأعتاب والأبواب ذليلة خانعة.
ولقد قدمت في جهدي هذا المتواضع ما قد استطعت أن أفعله وسلكت طريقا لم أتعرض فيه لآراء ونظريات القوانين الوضعية رغبة مني في دفع اتهامات قد وجهت إلى بعض من سبقني حين تعرضوا لذكر الآراء القانونية بقصد مقارنتها وبيان فضل الشريعة السمحة على القوانين الوضعية، وفي مسلكي ومنهجي الذي سرت عليه لم أتعرض لشيء من الآراء القانونية بل اقتصرت في الرجوع على مصادر تراث الأمة الفقهي في مختلف مذاهبه التي أجمعت على قبولها الأمة الإسلامية لأدفع هذا النوع من التوهم عن هذه الدراسة الجديدة للفقه الإسلامي.
وقد حاولت جاهدا أن أذكر آراء الفقهاء الأربعة ولم أقتصر على مذهب واحد إلا في المسائل التي تفرد بها هذا المذهب من المذاهب الأخرى، ولم أذكر كلمة أن هذا قول الفقهاء وأعني به مذهبا واحدا بل حين أذكر هذه الكلمة إنما أريد بها فقهاء الأمة الأربعة – رحمهم الله تعالى -.
وإني لأرجو من الله تعالى في نهاية هذا البحث أن يكون عملي خالصا لوجهه وأن يكون ذخري وفي عداد حسناني يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وإني أعتذر عن أي خطأ صدر مني وأتمثل في ذلك قول الصديق رضي الله تعالى عنه حين قال: إن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1842
تحقيق الصنعة في بيان أحكام القرعة
المؤلف/ المشرف: صالح بن محمد المزيد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٣هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة
من خلال جمع ودراسة المادة المتعلقة بالقرعة: تبين لي أنها أقرب إلى كونها حكم شرعي يركن إليه عندما يتعذر تمييز الحق من كونها وسيلة غير ملزمة يراد بها ترضية المشتركين في الحق المبهم، أو المجهول، أو المنسي، وأنه يصار إليها عند فقد الأدلة والبيانات المرجحة، وغموض الأمر، وحصول الإشكال في تعيين الحقوق.
فبالقرعة يكون حال الناس عند التنازع أقر إلى الصلاح: لظهور أمارات العدل في استعمالها باعتبار أنها تجري في كل مشكل.، وهي حجة تفيد تعيين الحق ظاهراً: كالشهادة، والنكول ونحو ذلك مما لا يوقف معه على حقيقة الأمر، وقد ثبت أنه ﷺ أقرع في خمسة مواضع:
أقرع بين الأعبد حين أعتقهم سيدهم عند موته فأعتق اثنين وهما الثلث من حق الميت، وأرق أربعة: وهم حق الورثة .. ، وأقرع بين الزوجات عند سفره بإحداهن .. ، وفي البدء باليمين إذا أكره الخصمان عليهما .. ، وعند تساوي حق الخصمين فيما تنازعوا فيه ولا بينة لأي منهما ترجح كفته على صاحبه .. ، وعند تساوي شهود الخصمين، وأرشد ﷺ إلى الإسهام على من يؤذن بالناس عند المشاحة.،
والحنابلة أكثر المذاهب أخذاً بالقرعة يحكمونها في أمور كثيرة غير ما ذكر من قبل، ومن ذلك: القسم بين الشركاء في الوزن والقيمة وإذا استويا ... ، وبين الخصوم إذا ازدحموا عند الحاكم أيهم يتقدم .. ، وإذا اجتمع عراة ومعهم ثوب ليس لواحد منهم أقرع بينهم فمن قرع أخذه .. ، وإذا استوى اثنان في أهلية الإمامة وتشاحا أقرع بينهما.، وإذا دفن اثنان في قبر واحد واستويا في الصفات فإنه يقدم أحدهما إلى القبلة بالقرعة كما فعل معاذ بن جبل في امرأتيه .. ، وإذا اجتمع ميتان وبذل لهما كفنان، وكان أحد الكفنين أجود من الآخر، ولم يعين الباذل ما لكل منهما يقرع بينهما .. ،
ولو ادعى الوديعة اثنان فقال المودع: لا أعلم لمن هي منكما فإنه يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها. نص عليه أحمد .. ، ولو سبق اثنان إلى الجلوس بالإماكن المباحة: كالطرق الواسعة، ورحاب المساجد ونحوها لمعاش، أو غيره: يقدم أحدهما بالقرعة. وهذا هو المذهب .. ، ولو اجتمع اثنان بين نهر مباح، ولكل منهما أرض يحتاج إلى السقيا منه، وكانا متقابلين، ولم يمكن قسمة الماء بينهما: أقرع بينهما وقدم له القرعة .. ، وإذا مات عن زوجات، وقد طلق إحداهن طلاقاً يقطع الإرث، أو كان نكاح بعضهن فاسداً لا توارث فيه، وجهل عين المطلقة، وذات النكاح الفاسد: فإنها تعين بالقرعة والميراث للبواقي. نص عليه أحمد، والأولياء المستوون بالنكاح إذا تشاحوا: يقرع بينهم .. ،
ولو زوج وليان من اثنين، وجهل أسبق العقدين: يميز الأسبق بالقرعة فمن خرجت له القرعة فهي زوجته، ولا يحتاج إلى تجديد عقد. هذا ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية حنبل، وإسحاق بن منصور .. ، لو زوج إحدى بناته من رجل، ثم مات الأب، ثم تبعه الزوج، ولو يعلم أين الزوجة: يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة: فهي التي ترثه. نص عليه أحمد في رواية حنبل وغيره .. ، ولو ادعى اثنان العقد على امرأة، وأنه السابق، ولم يقر أحدهما للآخر ثم ماتا: يقرع بينهما ويكون لها ميراث من تقع القرعة عليه .. ،
стр. 1843
ولو أسلم على أكثر من أربع نسوة، ثم طلق الجميع ثلاثاً: فإنه يخرج منهن أربعاً بالقرعة، فيكن المختارات وله نكاح البواقي بعد عدة الأربع بناءاً على أن الطلاق اختيار، والقرعة ويحكم باختيارهن، وإن فسخ نكاح البواقي بغير طلاق، فيباح له نكاحهن بدون زوج وإصابة بعد انقطاع عدة البواقي .. ، وإذا دعاه اثنان إلى وليمة عرس واستويا في الصفات المرجحة: أقرع بينهما .. ، وإذا زفت إليه امرأتان معاً فإنه يقدم إحداهما بالقرعة .. ،
وإذا بلغ الطفل سبع سنين: فإنه يخير بين أبيه وأمه في الحضانة على ظاهر المذهب، فإن لم يختر واحداً منهما، أو اختارهما جميعاً: أقرع بينهما على المشهور، وكذلك لو استوى شخصان في حضانته قبل السابعة فإنه يقرع بينهما .. ، ولو استحق القود جماعة وتشاحوا في مباشرة الاستيفاء ففيه وجهان: أشهرهما أنه يقدم أحدهما بالقرعة .. ، وإذا تناضلا حزبان، واقتسموا الرجال بالاختيار واختلفوا في البادي من كل حزب: أقرع بينهم في قياس المذهب .. ،
وإذا تنازع الإمامة العظمى اثنان، وتكافئا في صفات الترجيح: قدم أحدهما بالقرعة وهو قياس المذهب كالأذان .. وإذا طلق واحدة مبهمة من زوجاته: منع من وطء الجميع حتى يميز المطلقة بالقرعة .. ، وإذا أعتق أمة من إمائه مبهمة: منع من وطء إمائه حتى يميز المعتقة بالقرعة .. ،، وإذا اشتبهت المطلقة ثلاثاً بزوجاته: منع من وطئهن جميعاً حتى تميز المطلقة بالقرعة .. ،
ولو أعطى الأمان لواحد من أهل حصن، ثم تداعوا ففي رواية للإمام أحمد: يخرج واحد منهم بالقرعة، ويرق الباقون، ولو قال لعبيده: أيكم جاءني بخبر كذا وكذا، فأتاه به اثنان معاً أعتق واحد منهما بالقرعة نص عليه أحمد كما في رواية ابن أبي موسى .. ، ولو قال أول امرأة تطلع علي فهي طالق، فطلع نسائه كلهن: يطلق واحدة منهن بالقرعة نص عليه الإمام أحمد في رواية مهنا.
كل هذه الوقائع إذا نزلت بالمسلم يحتاج إلى مخرج منها مبني على حكم شرعي، وهذا من لوازم التقوى، وإذا التمس ذلك فلم يجد نصاً بعينه يعالج مشكلته، فأيهما أبرأ للذمة: أن يعمل فكره، ويتبع هوى نفسه، أم يتحرى الحق، وما يقربه إلى مراد الشارع بأشبه الطرق المؤدية إلى سنة الرسول ﷺ .
لا شك أن الاقتداء بالهدي النبوي سواء كان الدليل ظاهراً بنص صريح، أو كان قياساً على نص، أو أخذ الحكم من مفهوم أدلة الكتاب والسنة، أو كان مندرجاً تحت قاعدة عامة من قواعد الشرع، هو الدين الذي يجب التمسك به، والعمل بمقتضاه.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
стр. 1844
تحقيق القول بالعمل بالحديث الضعيف
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز العثيم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - الخبر ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: العمل بالحديث الضعيف
الخاتمة
هكذا تم بمنه وفضله البحث في هذا الموضوع وأصبح الحق فيه واضحاً لكل ذي عينين منصف إذا تدبر ما جاء فيه، لأنه هو الطريق الذي من سلكه نجا. ولأننا لسنا بحاجة إلى العمل بمثل تلك الأحاديث لأن فيما صح من الأحاديث المتضمنة لذلك كفاية لكل واقف، عند حدود الكتاب والسنة.
ومن قال بأن الأخذ بالأحاديث الضعيفة ليس اختراع عبادة فعجب قولهم لأن من أمعن النظر بالأحاديث الضعيفة، وبما تدل عليه من الفضائل التي لم تكن مساوية في هذا الحكم لأصل آخر صحيح كما أسلفنا لوجد أن ما تدل عليه ما دامت بهذه الصفة اختراع عبادة لأنه لا معتمد له في العمل به إلا ذلك الحديث الضعيف كصيام السابع والعشرين من رجب وما ماثل ذلك.
فصيام ثابت لكن ما الذي دل على فضله في هذا اليوم؟ أليس هو الحديث الضعيف؟ أليس الصائم في هذا اليوم يرجو الثواب الذي ورد ذكره في هذا الحديث؟ ومع ذلك فإننا نجد بعض الأعلام من العلماء لا يقفون عند فضائل الأعمال عند الأخذ بالحديث الضعيف فقد يتجاوزونه إلى الأحكام مثال ذلك ما قاله البيهقي في حديث أبي هريرة ﵁ في سترة المصلي كما تقدم.
والسيوطي إذ قال فيما تقدم ويعمل به أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياط.
وما ورد في الأئمة في هذا الموضوع كالإمام أحمد وغيره ﵏ فمحمول على رواية الحديث الضعيف لا على العمل به أو على العمل به لكن يعنون به الحسن لغيره لا الضعيف القريب ضعفه إذا تفرد أو أنهم يفضلونه على القياس الفاسد كما تقدم بسطه.
وهناك فرق بين العمل بالحديث الضعيف وبين روايته وذلك إذا لم يشتد ضعفه وأما ما اشتد ضعفه فلا جدال فيه كما تقدم تفصيله في أبواب هذا البحث والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم بارك على عبده ورسوله محمد بن عبدالله وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
стр. 1845
تحقيق وقت ساعة الإجابة من يوم الجمعة
المؤلف/ المشرف: نزار محمد عرعور
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة المعارف - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: الجمعة - فضلها آدابها خصائصها
الخاتمة
وبعد ..
بعد هذا العرض الموجز، الجامع لأطراف الموضوع، أسأل الله أن أكون قد وفقت لإعطائه حقه. ليقف القارئ على خلاصة الموضوع دون أن يبذل أي جهد في تتبع هذه المسألة في مظانها من كتب الفقه والحديث ويستطيع القارئ أن يخرج بعد ذلك بالنتيجة الآتية:
١ - إن الأحاديث الصحيحة تدل على أن الساعة المنصوص عليها هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وهو أرجع الأقوال وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين.
٢ - كونها آخر ساعة من يوم الجمعة، لا يعارض الأحاديث التي تنص أنها بعد العصر دون تعيين لأمرين:
الأول: إن آخر ساعة من الجمعة تعتبر بعد العصر.
الثاني: حمل المطلق على المقيد – وهذا مقرر في الأصول -.
٣ - إن الأحاديث التي تنص على أن الساعة وقت الصلاة مرجوحة وهذا أقل ما يقال فيها.
٤ - إن بقية الأقوال - في وقتها – لا دليل عليها، أو استند قائلها إلى حديث ضعيف الإسناد، أو إلى اجتهاد من غير نقل، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
ونسأل الله أن يهدينا للعمل الصالح، وأن يتقبل منا أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1846
تذكرة الأنام في النهي عن القيام
المؤلف/ المشرف: محمد بن أحمد الحدائي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة ابن القيم ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: قيام للغير
خلاصة البحث
والذي يتلخص لي بعد دراسة الأحاديث وأقوال أهل العلم أن القياس ينقسم إلى قسمين:
الأول: القيام إليه كالقيام لتوديع شخص محبوب إليك أو القيام لاستقبال ضيف أو تهنئته أو إنزاله فهذا جائز ولا بأس به ومثله قيام الأنصار لسعد بن معاذ وقيام طلحة بن عبيدالله لكعب بن مالك لتهنئته وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
الثاني: القيام له وهو ينقسم إلى قسمين:
١ - القيام على جهة التعظيم، فهذا محرم ومنكر ومن الكبائر للحديث الصحيح المتقدم: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار" ولما فيه من التشبه بأهل الكبر والجبابرة وهذا الذي يفعل عند الملوك والرؤساء.
٢ - القيام على جهة البر والاحترام والإكرام فهذا هو المختلف فيه ولاشك أن خير الهدي هدي محمد ﷺ وهو عدم القيام وإذا كان عادة الناس إكرام القادم بالقيام له ولو ترك القيام له لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه أو عدم احترامه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له لأن ذلك أصلح لذات البين وأجمع للكلمة وسداً للمفسدة وإزالة للتباغض والشحناء. وأما القيام للمدرس فهذا لا يجوز لأن عادة المدرسين أنهم يحبون قيام التلاميذ لهم ويضربونهم إذا لم يقوموا لهم. فهذا يدخل في الوعيد الشديد الذي تقدم وينبغي أن يبين هذا للمدرس حتى لا يقع في الإثم. وأما القيام للوالدين فالذي يظهر لي أن هذا جائر ولا حرج فيه والله أعلم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1847
ترتيب الموضوعات الفقهية ومناسباته في المذاهب الأربعة
المؤلف/ المشرف: عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: جامعة أم القرى - مكة المكرمة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٨هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: فقه فروع عام موازن
خاتمة البحث
التحليل:
لا شك أن فقهاء الحنفية أسهبوا في ذكر المناسبات بين الأبواب، واعتنوا بها عناية كبيرة، وندر أن يخلو منها مؤلف وبخاصة كتب الشروح.
إن فقهاء الأحناف اتبعوا على الأرجح طريقة الإمام محمد بن الحسن الشيباني في ترتيب أبواب الفقه، والذي يؤيد هذا الاتجاه أمران:
الأول: ارتباط كتب المذهب الحنفي بكتاب محمد بن الحسن الشيباني. يقول الدكتور محمد إبراهيم علي "ارتبط المذهب الحنفي بكتب محمد بن الحسن ارتباطاً وثيقاً يمكن معه القول:
إن المذهب الحنفي هو كتب محمد بن الحسن ". " على أن المراد بظاهر الرواية. وبالأصول في قولهم: هذا ظاهر الرواية، وهو ظاهر المذهب، وهو موافق لرواية الأصول هو الكتب الستة المشهورة للإمام محمد: الجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير، والمبسوط، والزيادات ".
الثاني: أنه بالمقارنة بين التبويب الذي سلكه الأحناف في مدوناتهم الفقهية نجد تشابهاً كبيراً بينها وبين كتاب الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني، وهذا ليس غريباً إذا علمنا أن هذا الكتاب بالذات بلغ شأواً كبيراً في الفقه الحنفي حتى " إن حفظه كان شرطاً لتولي القضاء في عهد أبي يوسف، ومن ثم كان هذا الكتاب - الذي جمعه محمد بن الحسن رواية عن أبي يوسف - مع أبي يوسف في السفر والحضر ".
فمن ثم حاول الفقهاء الأحناف إيجاد مناسبات لهذا الترتيب فجاءت طبيعية ومعقولة أحياناً، ومتكلفة أحياناً أخرى. قريبة المأخذ حيناً، وبعيدته حيناً آخر.
ولعل هذا هو الذي حدا بالدكتور عبد الرزاق السنهوري (ت ١٣٩١هـ) وهو أحد كبار القانونيين في العصر الحديث إلى اتهام الفقه الإسلامي بعدم مراعاة فكرة معينة في التقديم والتأخير بين أبواب الفقه الإسلامي، وهو حينما يوجه هذه التهمة لا شك أن نظره كان واقعاً على المذهب الحنفي بخاصة، كما أنه يركز نقده على قسم العقود والترتيب بين موضوعاتها؛ لأن هذا القسم هو الذي يهم القانوني من الفقه الإسلامي.
" لم يضع فقهاء الشريعة الإسلامية تقسيماً للعقد في ذاته، بل تناولوا عقوداً أسموها عقداً عقداً، ولم يراعوا في ترتيبها فكرة معينة، أو صلة ظاهرة بين متقدم ومتأخر، ويكفي أن نورد على سبيل المثال كتاباً فقهياً يعتبر من أبرز كتب الفقه الإسلامي، وهو كتاب البدائع للكاساني في الفقه الحنفي، نراه قد تكلم في العقود على الترتيب الآتي:
(١) الإجازة. (٢) الاستصناع. (٣) البيع. (٤) الكفالة. (٥) الحوالة. (٦) الوكالة. (٧) الصلح. (٨) الشركة. (٩) المضاربة. (١٠) الهبة. (١١) الرهن. (١٢) المزارعة. (١٣) المعاملة. (١٤) (المساقاة). (١٥) الوديعة. (١٦) العارية. (١٧) القسمة. (١٨) الوصايا. (١٩) القرض.
وإذا وقفنا عند هذه العقود التي أوردها الكاساني كان علينا أن نجيب على سؤالين:
(السؤال الأول) كيف نرتب هذه العقود ترتيباً منطقياً نلتزمه في إيرادها عقداً بعد عقد؟
(السؤال الثاني) ألا يوجد في الفقه الإسلامي عقود أخرى غير هذه العقود؟
وبوجه عام هل عرف الفقه الإسلامي مبدأ حرية التعاقد فيجوز بإيجاب وقبول التعاقد على أي أمر لا يخالف النظام العام ولا الآداب ".
لا شك أن النقد هنا متجه إلى الجانب المعنوي الموضوعي، وهذا له أثره الكبير على الناحية الشكلية ترتيباً ومناسبات.
стр. 1848
والفقهاء المسلمون بعامة، والحنفية بخاصة لم يهملوا هذا الجانب من حسبانهم ابتداء وانتهاء، بل تأملوه ووضعوا في اعتبارهم معاني وأفكاراً ولكن بطرقهم الخاصة، وحسب وجهات نظرهم التي قد تكون ملائمة لعصورهم وأجيالهم، كما أن نظرتهم في الترتيب بين موضوعاته اتجهت إلى الفقه كلية، وليس إلى قسم دون قسم، يتضح هذا من المناسبات التي ذكرها الأحناف تفصيلاً عند كل موضوع, والتي يمكن تلخيصها وإجمالها في العناصر التالية:
أولاً: الترابط الموضوعي بين بعض الأبواب، مثل موضوعات العبادات وأبوابها، وأبواب الرضاع والطلاق بالنسبة لكتاب النكاح.
ثانياً: التماس علاقة معنوية بين الباب والآخر مثل التقابل كما ورد هذا في المناسبة بين كتاب المأذون، وكتاب الغصب، وبين الأخير وكتاب الشفعة.
أو وجود معنى مشترك بين الباب السابق واللاحق مثل المناسبة بين باب الطلاق وباب الإعتاق، وبين الأخير وكتاب الأيمان وكتاب اللقيط، وكتاب الآبق، وكتاب المفقود مع بعضها جميعاً.
أو حكم مشترك مثل الأيمان والحدود.
أو صفة مشتركة مثل كتاب الحدود وكتاب السير، وكالعلاقة بين كتاب المفقود، وكتاب الشركة.
أو بينها علاقة فيما يتصل بالحق: حق الله، أو حق العباد، أو ما اجتمعا فيه حق الله، أو حق العباد. فيتناسب الباب اللاحق في الذكر مع الباب السابق.
أو تأمل علاقة السببية والمسببية بينها كما هو الأمر بين كتاب الوكالة وكتاب الدعوى، وبين كتاب المكاتب وكتاب الولاء.
أو ملاحظة التدرج في الترقي من أدنى إلى أعلى من حيث قوة المعنى، مثل العلاقة بين كتاب الوديعة، والعارية، والهبة، والإجارة، أو العكس.
أو الاشتراك في عارض طارئ كالعلاقة بين كتاب الإِكراه، وكتاب الحجر.
أو معنى خارجي مستقل كما هو التعليل لإنهاء موضوعات الفقه وكتبه بكتاب الوصايا؛ " لأن آخر أحوال الآدمي في الدنيا الموت والوصية معاملة وقت الموت ".
إلى غير ذلك مما يمكن تتبعه استقراء ً.
لم يكن الترتيب بين أبواب الفقه وموضوعاته في المذاهب الثلاثة المالكية، والشافعية، والحنابلة ليحتاج إلى العناء والجهد الذي كلف فقهاء الحنفية لإيجاد المناسبات والعلاقات. فقد بدت الأبواب الفقهية منسجمة في الغالب تحت أقسامها، متلائمة معها في موضوعاتها، وما بدا منها غريباً في موضعه، شإذا في ترتيبه، فإنه ليس بالكثير، فمن ثم أوجدوا له العلة المناسبة وهذا ما لم يخل واحد منها، ولكن بنسبة محدودة. وهو خاص بوضع باب تحت قسم من الأقسام الرئيسية يبدو أنه غير منسجم ضمن موضوعاته.
وذلك كوضع المالكية باب المسابقة في نهاية باب العبادات، وباب اللعان ضمن أبواب النكاح، وباب الإقرار والاستلحاق ضمن كتاب البيوع، وباب العتق بعد قسم القضاء.
والشافعية في وضع كتاب الوديعة، وكتاب الصدقات بعد كتاب الفرائض والوصايا، وذكر هذين الكتابين بعد كتاب العبادات والمعاملات، ووضع كتاب السير تالياً لكتاب (الجنايات) وقسماً من أقسامه، وذكر كتاب العتق في نهاية الأقسام.
والحنابلة في وضع باب الهبة والعطية، وكتاب الوصايا والفرائض ضمن قسم المعاملات، وذكر كتاب الأطعمة, والذكاة، والصيد، والأيمان، والنذور في قسم الجنايات.
عدا الاختلاف في ترتيب الأقسام الرئيسية بين المذاهب، فقد وضع كل مذهب معنى وأسباباً لتقديم قسم على آخر.
كما يكون السبب أحياناً في ترتيب الأبواب اتباع الأئمة، أو واحد من كبار أصحابهم في ترتيب التأليف كما هو موجود في ترتيب بعض الأبواب عند الحنفية، والشافعية.
стр. 1849
والحل المقبول - ولا أدعي أنه المثالي - هو ذاك الذي يجمع بين الأصالة والجدة، يأخذ من القديم المعاني والمضامين، ويقتبس من الجديد الصياغة والتنظيم، فمن ثم يتحقق له عنصر الاستمرارية والبقاء، فيصبح مقبولاً مستساغاً من الأجيال الحاضرة والمستقبلة.
الحل المقترح:
يأخذ الحل الاتجاه في مسارين:
الأول: حل في اتجاه المسار التقليدي الموروث.
الثاني: حل في اتجاه التجديد في الصياغة والتنظيم.
الأول: الحل في اتجاه المسار التقليدي الموروث:
قبل طرحه وعرضه لابد من الوقوف على أسباب هذا التباين والاختلاف بين كتب المذاهب - وإن كان هذا يخضع لاتجاه أرباب كل مذهب، والجانب الفكري الملحوظ لدى مؤلفيهم - فإن للحصر الضيق المحدود لتقسيم الفقه الإسلامي إلى ثلاثة أقسام رئيسية أو أربعة تحت عناوين محدودة قد يكون من أهم الأسباب إن لم يكن أهمها مما أرغم الفقهاء أنفسهم إلى إيجاد بعض المناسبات المتكلفة، والمسوغات الضعيفة المنتحلة لإلحاقها بواحد من تلك الأقسام.
فإذا صح هذا فالحل كله أو أعظمه يعتمد على توسيع التقسيم، بل إيجاد تقسيمات جديدة مستقلة تضاف إلى تلك الأقسام الرئيسية، وحينها تنعدم الحاجة إلى تلك المناسبات فيأخذ كل باب موضعه، والقسم المناسب له؛ إذ يبدو كل شيء طبيعياً منسجماً مع زمرته.
أخذ المبادرة في هذا الاتجاه العلامة الفقيه محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي المالكي المتوفي سنة (٧٤١هـ) في كتابه المعروف (قوانين الأحكام الشرعية).
الفقه عنده ينقسم تقسيماً موضوعياً إلى قسمين:
العبادات والمعا ملات.
وضمن كل قسم عشرة كتب وهذه هي بداية التقسيم الأساسي، يحتوي كل كتاب على عشرة أبواب فانحصر الفقه عنده في عشرين كتاباً، ومائتي باب.
بهذا التقسيم الواسع الذي أعطاه فسحة في التنظيم استطاع أن يبتكر كتباً جديدة (وليست أبواباً) في التقسيم مكنته أن يضم كل موضوع إلى ما يجانسه، ويضع تحت عنوان كل (كتاب) الأبواب التي تنسجم معه، وبهذا خلص من تكلف وضع بعض الأبواب تحت كتب لا تتلاءم معها إلا بشيء من التكلف.
كان ابن جزي رحمه الله تعالى واعياً لهذه المشكلة في كتب الفقه الإسلامي فمن ثم حاول تفاديها بقدر المستطاع.
" ... وإنما حصرت الكتب والأبواب في هذا العدد لأنني ضممت كل شكل إلى شكله، وألحقت كل فرع إلى أصله، وربما جمعت في ترجمة واحدة ما يفرقه الناس في تراجم كثيرة، راعياً للمقاربة، والمشاكلة، ورغبة في الاختصار ".
فمنهج الترتيب والتبويب بين أبواب الفقه عند ابن جزي يقوم على أسس:
أولها: ضم كل شيء إلى شكله.
ثانيها: إلحاق كل فرع بأصله.
ثالثها: أن يجمع تحت العنوان الواحد (الكتاب) ما تفرقه الناس في تراجم كثيرة، وهذه هي المشكلة التي يتحدث عنها هذا البحث.
فلا عجب - وقد نهج ابن جزي هذا المنهج، واتجه هذا الاتجاه في الترتيب والتبويب - أن تستجد عنده عناوين جديدة، نتيجة ضم الأبواب المتجانسة من الموضوعات الفقهية لتمثل كتاباً مستقلاً مجموعاً من أبواب متقاربة ومتناسبة، ويستقيم له بذلك المنهج.
إذا ألقينا نظرة فاحصة على قائمة الموضوعات الفقهية في كتابه (القوانين) لحصر الجديد في التبويب نجد أول ما يصافح أنظارنا (القسم الأول في العبادات) وأبواب هذا القسم وموضوعاته هي تلك المألوفة في الكتب الفقهية في المذاهب الأربعة، بدءاً بباب الطهارة، وانتهاء بالجهاد.
أما الإضافة الجديدة في هذا القسم فهو أنه خص الكتاب الثامن لـ (الأيمان والنذور).
الكتاب التاسع: (في الأطعمة، والأشربة، والصيد، والذبائح).
والكتاب العاشر: (في الضحايا، والعقيقة، والختان).
стр. 1850
ضم هنا الموضوعات المتشابهة تحت كتاب واحد. فانتظمت ثلاثة كتب رئيسية متميزة عن بعضها البعض، منسجمة الموضوعات، تربط كل مجموعة منها علاقة فقهية واضحة بنظرة عابرة.
ألحق هذه الكتب الثلاثة بالقسم الأول (العبادات) - كما هو منهج المالكية - لأن معنى العبادة فيها واضح، وجانب التعبد فيها أبين وأبرز من أي معنى آخر.
في حين نرى موضوعات هذه الكتب مبعثرة أشتاتاً كلاً، أو بعضاً في مدونات المذاهب الأخرى، متنازعة بين الأقسام المختلفة.
وفي القسم الثاني من تقسيمه للفقه (المعاملات) وهو يتوسع في مدلول هذه الكلمة بما هو أوسع مما عند الأحناف؛ إذ أن هذه الكلمة تشمل عنده كل موضوعات الفقه ما عدا العبادات، نقف في هذا القسم على عناوين كتب جديدة لا نعهدها في المدونات الفقهية مجتمعة كما تصورها بن جزي، هي:
الكتاب الرابع (العقود المشاكلة للبيوع)، ويشرح مقصوده من هذه الكلمة (المشاكلة للبيوع) بقوله: " ووجه المشاكلة بينهما أنها تحتوي على متعاقدين بمنزلة المتبايعين، وعلى عوضين بمنزلة الثمن والمثمون ".
الكتاب السادس (في الأبواب المشاكلة للأقضية).
الكتاب الثامن (في الهبات والأحباس وما شاكلها).
وغالباً ما يأتي اللبس والتداخل في موضوعات هذه الأبواب، إذ تختلف فيها أنظار المؤلفين، ويتباين تبويبهم لها.
هذه العناوين الجديدة، بهذا الجمع والتمييز لم يتوافر بهذه الصورة الشاملة في المدونات الفقهية في مذهب من المذاهب المعروفة. فمن ثم لا يجد الباحث نفسه متطلعاً إلى البحث عن تعليل أو تبرير لوضع هذا الباب ضمن هذا القسم أو ذاك؛ لأنها أتت طبيعية متجانسة متناسبة فجاءت على الأصل، وما جاء على أصله لا يسأل عنه.
الثاني: الحل في اتجاه التجديد في الصياغة والتنظيم:
إن الفقهاء في العصر الحديث فتحوا أعينهم على مناهج جديدة في التأليف الفقهي، ونمط غير مألوف في كتب التراث هو (التنظير الفقهي) لموضوعات الفقه ومسائله؛ إذ تعتمد هذه الطريقة على الحصر الشامل لكليات الموضوع وجزئياته، أسبابه، وشروطه، وأركانه، وتقسيماته في تسلسل منطقي، تربط كافة أطرافه علاقة فقهية معينة يتوخاها الفقيه في دراسته.
وفي تحليل المعنى المقصود من (النظريات الفقهية) يقول الأستاذ مصطفي الزرقا:
" نريد من النظريات الفقهية الأساسية تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى، التي يؤلف كل منها نظاماً حقوقياً، موضوعياً، منبثاً في تجاليد الفقه الإسلامي، كانبثاث أقسام الجملة العصبية في نواحي الجسم الإنساني، وتحكم عناصر ذلك النظام في كل ما يتصل بموضوعه من شعب الأحكام.
وذلك كفكرة الملكية وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلية وأنواعها، ومراحلها، وعوارضها، وفكرة النيابة وأقسامها، وفكرة البطلان والفساد والتوقف، وفكرة التعليق والتقييد والإضافة في التصرف القولي، وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه، وفكرة العرف وسلطانه على أساسها صرح الفقه بكامله، ويصادف الإنسان أثر سلطانها في حلول جميع المسائل والحوادث الفقهية .... ".
وبعبارة أخرى مختصرة فالنظرية كما يذكر الدكتور محمد فوزي فيض الله في الاصطلاح الحقوقي المعاصر:
" مفهوم حقوقي عام، يؤلف نظاماً موضوعياً تندرج تحته جزئيات، تتوزع في فروع القانون المختلفة: كنظرية الالتزام، ونظرية الحق، ونظرية الملكية، ونظرية العقد ".
стр. 1851
ومما لا شك فيه أن التنظير لموضوعات الفقه الإسلامي بهذا المفهوم يمد الباحث والدارس بتصور واسع، وإدراك للعلاقة المشتركة في كافة الفروع الفقهية في عموم آفاقها وجوانبها، الأمر الذي يساعد على فهم الموضوع، أو النظرية في صورتها الشاملة، وليست أجزاء متفرقة منفصلة قد يستوعبها الدارس جزئية جزئية، ولكن يصعب عليه ربطها، أو إدراك العلاقة والصلة بينها، ولو أدرك هذا وتوصل له فإنما يدركه بعد فترة طويلة من الجهد والممارسة هذا إذا توجه إليها، وإلا فإنه لن يكون لها نصيب من اهتمامات التفكير عنده.
وإيماناً بجدوى هذه الطريقة المنهجية، طريقة التنظير لموضوعات الفقه الإسلامي عكف كبار الفقهاء في العصر الحديث على التأليف حسب مناهجه وطرقه، ووضعوا لبناته الأولى في منهج سوي، وإن عدد المتبنين لهذه الطريقة بين الفقهاء المعاصرين يزداد ويتضاعف عن إيمان وقناعة، ومما تجدر الإشادة به أنه بالإضافة إلى جهود الفقهاء المسلمين المعاصرين في هذا المجال تساندهم مجموعة كبيرة من القانونيين أصحاب الدراسات الشرعية المتينة - والاطلاع الفقهي الواسع، تدفعهم قناعة عميقة بعظمة الفقه الإسلامي وصلاحيته، بل وتميزه على القوانين الأخرى - أسهموا ويسهمون بقدر كبير في هذا المجال مقابلة بين هذه النظريات في الفقه الأجنبي والفقه الإسلامي.
وتزداد مؤلفات هؤلاء وأولئك يوماً بعد يوم، وتمتلىء بها رفوف المكتبات.
والمهم في كل هذا أن تبدأ المؤسسات الجامعية، والمراكز العلمية بالتركيز على هذه الطريقة في مراحل الدراسات العليا ليستوعبها الباحثون الجدد، وتنصهر في أفكارهم حتى يأتي نتاجهم صورة لما قد تبلور لديهم من طرق مستقيمة، ومناهج علمية تتلاءم وأسلوب العصر، وتواكب تقدمه الفكري، كما يكون الاهتمام بكتب التراث الفقهي والعناية به إخراجاً ودراسة اهتماماً متساوياً مع ذلك المنهج الحديث فيجتمع للفقيه المعاصر متانة القديم وأصالته، وروعة الحديث وملاءمته.
وفي ختام هذا العرض والدراسة لا بد من الاعتراف بالجهود المخلصة المبذولة لتيسير الفقه الإسلامي على مستوى الأفراد والجماعات، سواء بعمل الفهارس والكشافات، أو التقنين وإعادة الصياغة، أو التنظير، أو الترتيب، أو المعاجم الفقهية، أو الموسوعية، فكل هذه إسهامات تجلي الصدأ عن هذا التراث الهائل النفيس.
وإن من هذه الجهود الرائدة في هذا المجال مشروع (الموسوعة الفقهية) الذي تتبناه وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، إذ يجري العمل فيها بتصور علمي على مستوى الأعمال الموسوعية العالمية في العصر الحديث، عرضاً، وتنظيماً، وتوثيقاً، وما تقوم به أيضاً من عمل كشافات وفهارس تحليلية لمصادر الفقه الإسلامي.
وإن الشعور بالمشكلة، وتوجه النوايا الصادقة، وتضافر الجهود المخلصة الواعية كفيلة أن تحقق الكثير بما يعيد للفقه الإسلامي مكانته، وتكشف للأجيال أصالته لتحقيق الاستفادة منه.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
د. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
стр. 1852
تسليح الشجعان بحكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان
المؤلف/ المشرف: عقيل بن محمد المقطري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: ليلة النصف من شعبان
الخلاصة
مما تقدم يتبين لمن نظر بعين الإنصاف أن ما سقناه فيه الكفاية وفيه الإقناع لمن بقي في قلبه أدنى شك في عدم بدعية الاحتفال بهذه الليلة.
وإذا كانت الأحاديث الواردة في فضل هذه الليلة كلها إما موضوعة أو ضعيفة جداً إضافة إلى أن علماءنا ﵏ قد بينوا بدعية الاحتفال بهذه الليلة، وبينوا خطأ من فسر قول الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، بأنها ليلة النصف من شعبان، وبينوا أن هذه الليلة إنما هي ليلة القدر التي في العشر الأواخر من رمضان.
فمن هنا علم أن إحياء هذه الليلة يعد من العبادات والتي هي توقيفية يحتاج فاعلها إلى دليل يدل عليها، فلما لم يوجد حكمنا ببدعية الاحتفال بهذه الليلة، لأن النبي ﵊ لم يحتفل بها ولم يحتفل بها أصحابه، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وقد ثبت أن النبي ﵊ قال – كما في حديث عائشة المتفق عليه – (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذه الرواية علقها البخاري في صحيحه.
فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبصرنا والمسلمين بديننا، وأن، يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجعلنا من المتبعين لكتابه ولسنة رسوله ﵊، وأن يبغض إلينا البدع المحدثة في الدين، كما أسأله أن يجعل نفع هذه الرسالة في أوساط المسلمين عميماً، وأن يبصر بها أعينا عمياً، ويفتح بها قلوبا غلفاً، ويسمع بها آذان صماً.
وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم إنه سميع مجيب.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1853
تسليم المطلوبين بين الدول وأحكامه في الفقه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: زياد بن عابد المشوخي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: كنوز إشبيليا - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: علاقات عربية وإسلامية ودولية
الخاتمة
بعد حمد الله – – وشكره سبحانه على نعمه، أعرض أهم النتائج والتوصيات التي انتهى إليها البحث، ومن أبرزها:
١ - أن التسليم يختلف عن غيره من الإجراءات التي تتفق معه في النتيجة النهائية كالإبعاد.
٢ - أن اصطلاح التسليم المعاصر لم يذكره الفقهاء السابقون إنما ذكروا مسألة أخرى هي مسألة رد المسلم أو المسلمة.
٣ - أن الفقهاء قصدوا بالرد معنى يختلف عن معنى التسليم المعاصر.
٤ - يراد بالرد عند الفقهاء: التخلية بين المطلوب وطالبيه أو إرجاعه إليهم.
٥ - أن مصطلح المطلوب أعم من مصطلح المجرم والمتهم.
٦ - أن المحدث والمؤوي للمحدث في الإثم سواء.
٧ - دار الإسلام هي الدار التي تجري فيها الأحكام الإسلامية وتحكم بسلطان المسلمين وتكون المنعة والقوة فيها للمسلمين.
٨ - أن دار الحرب هي الدار التي تجري فيها الأحكام غير الإسلامية وتكون المنعة والقوة والأمن فيها للكفار، وبينها وبين المسلمين حالة حرب قائمة أو متوقعة، فإن لم تكن هناك حالة الحرب فهي دار كفر معاهدة.
٩ - أن دار الكفر المعاهدة لا تخضع خضوعا تاما للمسلمين ولا تجري فيها الأحكام الإسلامية، إلا أنها تكف عن قتال المسلمين وبينها وبين الدولة الإسلامية معاهدة.
١٠ - تتولى الدولة الإسلامية عمن في إقليمها من المسلمين والذميين.
١١ - لموضوع تسليم المطلوبين صلة بسيادة الدول؛ لأنه عمل من أعمال السيادة العامة كما هو مقرر قديما وحديثا.
١٢ - تكون السيادة في الدولة الإسلامية لله ، وهذه السيادة متمثلة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
١٣ - أن كون السيادة لشريعة الله لا يسلب الأمة الحق في التخريج على أصول الشريعة والاجتهاد في تطبيق أحكامها على النوازل.
١٤ - أن للسيادة مظهرين هما: المظهر الداخلي والمظهر الخارجي، وكلاهما مرتبط بالآخر.
١٥ - يعد قدوم المطلوب المسلم للإقامة في الدولة الإسلامية حقا من حقوقه، ويحق لولي الأمر رد طلب إقامته لظرف خاص تمر به الدولة الإسلامية كما دل على هذا صلح الحديبية.
١٦ - المطلوب المعاهد إن كان خارجا من دولة إسلامية إلى دولة إسلامية أخرى فإن إقامته لا تزال تعتبر عهد ذمة.
١٧ - المطلوب المعاهد إن كان خارجا من دولة معاهدة فإقامته في الدولة الإسلامية تعد عقد أمان مؤقت وله ما لأهل الذمة إجمالا.
١٨ - المطلوب الحربي لا يجوز له دخول دار الإسلام إلا بإذن أو أمان خاص فيصير حينئذ مستأمنا.
١٩ - يجب شرعا إعطاء الأمان لمن طلبه ليتعرف على الإسلام وفضائله.
٢٠ - يشترط لعقد الأمان تحقق المصلحة الدينية والدنيوية.
٢١ - بذل الأمان للمطلوبين ينبغي تقييده بموافقة السلطات المختصة لتدرس كل حالة بحسبها.
٢٢ - الأساس الذي تستند عليه الدولة الإسلامية لإجراء تسليم المطلوبين ونحوهم هو: إما المعاهدات أو المعاملة بالمثل وكلا الأساسين له شروطه وضوابطه وأحكامه.
٢٣ - لمبدأ المعاملة بالمثل بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى أساس شرعي في الكتاب والسنة وعمل الصحابة ﵃.
٢٤ - يصح الاستناد للعرف الدولي كأساس لتسليم المطلوبين إذا لم يخالف أحكام الشريعة الإسلامية؛ لخصوصية موضوع التسليم وارتباطه بسيادة الدولة الإسلامية.
٢٥ - تسليم المطلوبين في بعض الحالات يحقق الأهداف الشرعية منها: تحقيق العدالة، ورفع الظلم من خلال استعادة الحقوق، والقضاء على الجريمة أو الحد منها.
стр. 1854
٢٦ - تسليم المطلوبين بين الدول الإسلامية يشبه إلى حد كبير ما كان عليه العمل في العصور الماضية من كتابة القاضي إلى القاضي والذي انعقد الإجماع على مشروعيته.
٢٧ - إن مسألة كتابة القاضي إلى القاضي لها شروطها الخاصة، التي تختلف عن شروط تسليم المطلوبين.
٢٨ - ارتباط الدولة الإسلامية مع دولة إسلامية أخرى بمعاهدات أخرى بتسليم المطلوبين هو أمر مشروع تؤيده النصوص طالما أن كلا الدولتين تحكمان بالشريعة الإسلامية.
٢٩ - يجوز تسليم المطلوبين لدولة إسلامية دون معاهدات سابقة استنادا إلى المعاملة بالمثل أو عملا بمبدأ التعاون الأمني بين الدول الإسلامية.
٣٠ - إن لصلح الحديبية أهمية خاصة في دراسة مسألة تسليم المطلوبين.
٣١ - اختلف الفقهاء في مسألة رد الرجل المسلم إلى دولته الكافرة على أربعة أقوال، والراجح منها – والله أعلم – القول بعدم جواز شرط رد الرجل المسلم في المعاهدات؛ لما فيه من مراعاة عموم الأدلة التي أوجبت علو الإسلام وأهله وعزتهم.
٣٢ - هناك فروق بين مسألة الرد ومسألة التسليم منها: أن الرد هو علاقة بين الدولة الإسلامية والمردود، وصورة ذلك التخلية بين الطالب والمطلوب مع التعريض للمطلوب بسبل الخلاص، وأما التسليم فهو علاقة بين الدولتين، وصورته أخذ المطلوب للطالب مقيدا.
٣٣ - يحرم تسليم المطلوبين المسلمين ونحوهم إلى دولة محاربة، كما دل على هذا القرآن الكريم والسنة الشريفة وعمل الصحابة.
٣٤ - يخضع تسليم المطلوبين الحربيين إلى دولهم إلى ولي الأمر وما يراه لمصلحة المسلمين.
٣٥ - يحرم تسليم المطلوبين المسلمين ونحوهم لدولة معاهدة، كما دل على هذا القرآن الكريم والسنة الشريفة وعمل الصحابة.
٣٦ - يجوز تسليم المطلوبين المعاهدين إلى دولهم على أن يشترط عليهم هذا في عقد الأمان، إلا أنه يمنع من ردهم ارتكابهم جرائم في الدولة الإسلامية إذ ينبغي محاكمتهم عليها فيها (على تفصيل عند الفقهاء بحسب نوع الجريمة).
٣٧ - يجوز اشتراط المال في تسليم المطلوبين غير المسلمين إلى دولهم.
٣٨ - لا يجوز دفع المسلمين المال للكفار مقابل عدم تسليمهم المطلوبين المسلمين في حالة قوة المسلمين، ويجوز ذلك في حال الضرورة وحال ضعف المسلمين.
٣٩ - لا يجوز رد المسلمة أو الذمية المطلوبة إلى دولة غير إسلامية مهما كانت الأسباب وهذا محل اتفاق، إلا حال الضرورة.
٤٠ - من موانع رد المطلوب المسلم – عند بعض الفقهاء – كونه عبدا أو صبيا أو مجنونا أو خنثى، أو ليس له عشيرة تمنعه، وعدم حاجة الدولة الإسلامية للرد.
٤١ - أن هناك بدائل شرعية عن تسليم المطلوبين المسلمين ونحوهم يستغنى بها عن تسليمهم منها: التعويض، وإعادة الحقوق، ومحاكمة الشخص المطلوب في محاكم الدولة الإسلامية وغيرها.
التوصيات:
من الأمور التي أشير لأهميتها:
١ - تحتاج بعض بدائل التسليم لمزيد من الدراسة والبحث الشرعي.
٢ - لا تزال الجريمة السياسية بحاجة للمزيد من البحث والتأصيل لها من منظور شرعي.
٣ - ينبغي عدم الخلط بين المصطلحات الفقهية والمصطلحات المعاصرة؛ لأن لكل منها مدلولها الخاص، وإن التعرف أكثر على حقيقة وصورة المصطلح يساعد على بيان الفرق والوصول إلى الحكم.
٤ - استنباط الأحكام الفقهية من السيرة النبوية ينبغي أن لا ينفصل عن الأحداث التي اقترنت بها، وينبغي التأمل والنظر في أسباب الورود والروايات لما لها من أثر في توضيح الحكم.
٥ - ينبغي على الباحث الاتصاف بالحياد والموضوعية، وألا يتأثر بالظروف الخاصة التي يمر بها المسلمون، ولا يتساهل في الحكم أو يتشدد، بل يعول على الدليل الشرعي.
وفي الختام أسأل المولى أن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما جهلنا، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1855
تعريف أهل الإسلام بأن نقل العضو حرام
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن محمد ابن الصديق الغماري
المحقق/ المترجم: صفوت جودة أحمد
الناشر: مكتبة القاهرة - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: طب وصحة - الموت الدماغي وزراعة الأعضاء
خلاصة البحث
يتبين من خلال هذه الآراء أنه ليس هناك مانع من أن يتبرع إنسان حي بجزء من جسمه لشخص آخر، بحيث لا يؤثر ذلك على المتبرع، ولا يكون سبباً في تشويهه.
والإسلام يحث أتباعه على التعاون في سبيل الخير، وبحيث لا يتقاضى أي مبالغ نتيجة لهذا التبرع، كما أنه لا يجوز بيع الدم. وإنما يجوز التبرع به لأن بيع الآدمي الحر باطل شرعاً لكرامته، حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
وإنما يجوز التبرع إذا رأى طبيب عادل أن التبرع بالعضو أو الدم لا يؤثر على السليم.
كما يجوز نزع عضو من شخص حديث الوفاة ونقله إلى شخص آخر إذا كان قد أوصى بذلك أو رضي بذلك لأن المصلحة العامة مقدمة على كل شيء والحي أبقى من الميت كما يقولون.
وقد يقول شخص: إن المستشفيات تبيع الدم أو تبيع عضواً محفوظاً لديها لآخر وتأخذ الثمن على ذلك.
نقول: الذي يدفع المستشفى هو نظير أجر العاملين والحفظ في الثلاجات وشراء الكهرباء وما شاكل ذلك، فهي إذا تأخذ أجراً على ما تنفقه، لكن الذي يحرم هو أن يأخذ الشخص ثمناً لدمه أو لعضوه أو ما شاكل ذلك، وعند أخذ الأجر للمستشفى يراعى عدم المغالاة!
стр. 1856
تنبيه أهل العصر بما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
المؤلف/ المشرف: عقيل بن محمد المقطري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - صنعاء ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٠هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: صلاة - فجر
خاتمة: وبعد ما قرأت هذا البحث تبين لك مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر ونلخص هنا هذا البحث كما يلي:
١ - أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مشروع.
٢ - أن هذا الاضطجاع سنة وليس بواجب.
٣ - شذوذ رواية مالك عن الزهري في رواية الاضطجاع بعد الوتر وهم يروونها بعد ركعتي الفجر.
٤ - أنه كان للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضجعتان. الأولى بعد قيام الليل، والثانية بعد ركعتي الفجر، كما في حديث ابن عباس أو بعد الركعتين التي بعد قيام الليل كما في حديث عائشة لأنه كان يصليها أحياناً.
٥ - أن الأمر بالاضطجاع شاذ غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل هو من رواية عبدالواحد بن زياد عن الأعمش وفيها مقال.
٦ - أن الاضطجاع تابع لركعتي الفجر فإن صليت في البيت فيضطجع في البيت، وإن صليت في المسجد كانت فيه، وليست بدعة.
٧ - أن الاضطجاع يكون على الشق الأيمن، وإن لم يستطع فيومئ إيماء.
٨ - أن الكلام بعد ركعتي الفجر مباح، ولا دليل لمن منع ذلك.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتبه/ أبو عبدالرحمن عقيل بن محمد بن زيد اليمني الحجري المقطري.
стр. 1857
تنبيه الصحب إلى مشروعية تسوية الصف بالمنكب والكعب
المؤلف/ المشرف: علي بن عبدالعزيز موسى
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة السعيد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: صلاة - أعمال منوعة
الخلاصة والترجيح
• بعد سرد قولي العلماء في المسألة، وأدلة كل قوم، ووجه الاستشهاد منها، يتبين لك – أخي القارئ اللبيب – ما يلي:
١ - أدلة الفريقين واحدة، ولكن الخلاف من جهة الاستشهاد بها، ووجه الدلالة فيها.
٢ - الاتفاق بين الفريقين على أن تسوية الصفوف سنة، وإنما وقع الخلاف في الوجوب. ومن خلال استقراء الأدلة، والنظر في أقوال أهل العلم والتأمل فيها، تطمئن النفس إلى القول بوجوب تسوية الصفوف في الصلاة، وذلك لعدة أمور:
أ) ورود الأمر بذلك بعدة صيغ: "أقيموا صفوفكم"، و"أقيموا الصفوف"، و"سووا صفوفكم" وغيرها من صيغ الوجوب، مع عدم ورود ما يصرف هذا الأمر إلى الاستحباب، بل ما ورد يدل على القول بالوجوب، من اهتمام النبي – ﷺ – بذلك، واهتمام الخلفاء الراشدين – ﵃ – به، بل وأمرهم من يسوي الصفوف، وضرب بعضهم على ذلك، وإنكارهم على من ترك تسوية الصفوف، كل هذه قرائن تدعم القول بالوجوب.
ب) ورود الوعيد على من ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ووقوع الخلاف بينهم، وهذا لا يكون إلا على ترك واجب وفعل محرم.
جـ) ضعف وجه الاستدلال عند من قال بالاستحباب حيث صرف هذه الأوامر عن وجهها، ولذلك تعقبت أقوالهم كما سبق بيان بعض ذلك.
د) ما المانع من القول بالوجوب؟ وهو قول بعض جهابذة أهل العلم؟ وعلى رأسهم إمام المحدثين أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري – ﵀، ومن بعده أبو محمد بن حزم – الذي أطال – ﵀ – في سرد أدلة الوجوب والرد على من قال بالاستحباب كما مر بنا، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية – طيب الله ثراه – من المحققين، وكذا قول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – وفقها الله – وهو قول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – إذاً ليس هو بدعاً من القول، بل هناك من السلف من قال به، وتبعهم عليه بعض أهل العلم الثقات الأثبات في عصرنا، هذا فضلاً عن وضوح الأدلة وقوتها في إثبات الوجوب.
• وهذا الذي ذهبت إليه من ترجيح القول بالوجوب لا أدعي أنه الصواب المطلق، وإنما هو ما اطمأنت إليه النفس، وانشرح له الصدر، بعد النظر في أقوال العلماء في فقه الأدلة، مع احترامي وتقديري لمن قال بالاستحباب من علماء السلف والخلف، وأرجو الله تعالى أن أكون قد وفقت للصواب، هذا وإن أحسنت فإنما هو توفيق الله وفضله، وأسأله سبحانه المزيد من فضله، وما أخطأت فيه فمن نفسي، وأسأل الله أن يتقبل ما أحسنتُ فيه، وأن يجعله في صالح عملي، وأن يتجاوز عما أخطأت فيه إنه سبحانه أرحم الراحمين.
стр. 1858
تنبيهات على محظورات - كرة القدم بين المصالح والمفاسد
المؤلف/ المشرف: مشهور بن حسن آل سلمان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: ألعاب
ننبه أخيرا إلى أن "كرة القدم" لا ينبغي أن تتخذ وسيلة للدعوة إلى الله تعالى، كشأن من يجيز الكذب وهجر المسلمين، وإيذاءهم لمصلحة الدعوة – زعموا -!!؛ لأن الدين إن لم يقم بالجد، فمن الاستحالة بمكان أن يقوم باللعب، قال تعالى: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]. بل، وهل خلقنا الله – – من أجل الرياضة واللعب؟! أم إنه خلقنا عبثاً وباطلاً؟ سبحانه.
وقد تقدم معك أضرار لعبة كرة القدم وشرورها، وأنها سلبت الأمة أموالها وطاقتها، وفرقتها شيعاً وأحزاباً، فكل ناد وكل لاعب له مؤيدوه ومناصروه ومحبوه وشانئوه، وصدق الله العظيم ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
هذا؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1859
تنظيم النسل وموقف الشريعة الإسلامية منه
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن عبدالمحسن الطريقي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٠٣هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: تحديد النسل وتنظيمه
الخاتمة
بيان لأبرز نتائج هذا البحث
الإنسان ثروة من ثروات الأمم يكمن فيه سر قوتها وعظمتها ورفعة مجدها وعزتها.
والأمة التي أرادت الخير لنفسها تعمل على توجيه هذا الإنسان وتربيته تربية صالحة تمكنه من أخذ مكانه فيها – عاملا ومهندساً وطبيباً وجنديا ومربيا ومدرسا وداعية ... ليسهم في بنائها ويعمل على رفع شأنها ليجعل لها مكانتها بين الأمم الأخرى.
ولقد منحه الله عقلا يفكر ويدا تعمل فحقق الذي نراه ونشهده من تقدم علمي سخر له به أعماق الأرض وآفاق السماء.
ومع هذا ظهرت نظريات وأفكار من غير المسلمين – هي أبعد ما تكون عن الإيمان بالله – ترى أن الإنسان هو مصدر جوع الإنسانية مما يؤكد وجوب الأخذ بتحديد النسل خاصة بين الدول النامية والتي غالبيتها من المسلمين.
وبنوا تصوراتهم وتعليلاتهم الظاهرة على أسباب مادية متجاهلين حقيقة الإيمان بالله وأنه الرزاق ذو القوة المتين.
وبذلوا لتحقيق ذلك الأموال العظيمة والجهود الكبيرة وأوجدوا لذلك منظمات ومؤسسات دعموها بالأموال ومكنوها من مباشرة أعمالها في غالبية بلاد المسلمين.
وتمكنت من مخاطبة جمهور المسلمين والتعامل معهم في هذا الشأن. وسخرت لهم وسائل الإعلام المختلفة لتصل إلى من لا يستطيعون الوصول إليه لكي يتجاوب معهم .. وبالتالي يضعف شأن المسلمين وقوتهم والتي كانت وما تزال مصدر رعب وخوف لهؤلاء.
في الوقت الذي يدعون وينادون بتكثير نسل شعوبهم وتوفير إمكانيات نموه وزيادته ... وذلك لرغبتهم في الحصول على ثروة عظيمة هي "الإنسان" وانخدع بهذه الآراء بعض المسلمين فرأوا تحديد النسل خوفا من قلة الرزق وهذا بحد ذاته نذير خطر عظيم لدينهم وإيمانهم يتضاءل أمامه كل خطر اقتصادي وأزمة معيشية لما فيه من سوء الاعتقاد بشمولية "رب العالمين" للرازقية التي لا ينضب معينها ولا ينقطع مددها إلا لأجل حكمة إلهية أرادت قلة الرزق وانتشار المجاعة لمصلحة العباد والبلاد.
لهذا قامت الدعوة لتحديد النسل كعلاج لقلة الرزق على هدم الأساس الذي يقوم عليه ديننا وإيماننا مما يؤكد أهمية خطر هذا الجانب في حركة تحديد النسل.
وإذا انطلقت هذه الفكرة عند المسلم إلى حيز التنفيذ والعمل فمعنى ذلك أن الإيمان انحسر وتلاشى في النفس، وحل محله فكر مادي ملحد ينادي بأن ليس هناك رب لهذا الكون، وإنما هو الإنسان وحوله الكون وحده، فلابد من أن يعتمد على الوسائل المادية الظاهرة في قضاء حياته ... وهذا حصل بسبب تيار الأجواء السامة للمدنية الغربية إلى الرجل المسلم الذي يعلن إيمانه، ويعيش مع المسلمين وفي محيطهم، ولكنه لا يفكر تفكير المسلمين في مشكلات الحياة وقضايا الساعة، وإنما يتجاوب فكره مع فكر الماديين الملحدين في أمور الحياة.
لهذا نرى أن المخلصين من علماء هذه الأمة ومثقفيها أوضحوا أن حركة تحديد النسل إنما هي لخدمة أعداء الإسلام في كل مكان لإضعاف المسلمين وكسر شوكتهم.
وبهذا أصدرت الأحكام الشرعية التي تحرم تحديد النسل والدعوة إليه من مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر والمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ومجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة.
وأما وسائل الحد من النسل فقد خرجت من دراستها بالأمور الآتية:
١ - تحريم الإجهاض الاختياري منذ التقاء البويضة بالحيوان المنوي.
٢ - تحريم العقم الدائم.
٣ - الوسائل الأخرى المانعة للحمل جائزة بالشروط الآتية:
الشرط الأول: رضا الزوجين.
الشرط الثاني: انتفاء الضرر منها.
الشرط الثالث: مراعاة حق المجتمع وانتفاء التأثير الحكومي أو الإعلامي.
فلا يحق للزوجين أو أحدهما اتخاذ قرار في هذا الشأن إلا بعد الأخذ بهذه الشروط، والتي تحصر تنظيم النسل وتنظمه في أوجه شرعية داعية له كمرض الزوجة.
وبهذا نكون قد انهينا ما رمنا إنهاءه وأتممنا ما وفقنا لإتمامه وهو بحث: "تنظيم النسل وموقف الشريعة الإسلامية منه".
فأحمد العلي العظيم على نعمه التي لا تحصى وتوفيقه الذي لا ينسى، وأضرع إليه ﵎ أن يتجاوز عني إذا أخطأ رأيي وزل قلمي فما قصدت إلا الخير والإصلاح وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن سار على نهجه وحكم شرعه إلى يوم الدين.
стр. 1860
توسيع وقت رمي الجمرات ضرورة شرعية معاصرة
المؤلف/ المشرف: صلاح الدين عبدالحليم سلطان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: سلطان - الولايات المتحدة الأمريكية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: فقه
تصنيف فرعي: حج وعمرة - رمي الجمار
١ - هناك ضرورة شرعية لإعادة النظر في الفتاوى التي تختار من أقوال الفقهاء ما صح دليله لا يناسب الزحام الذي أدى قطعا إلى قتل الأبرياء بمدافعة إخوانهم وركلهم بأرجلهم لحساب فعل يمكن حمله على الأفضل ولا يجوز أن تضيع الفضائل الفرائض الخاصة برمي الجمرات فإن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة كما قال سيدنا أبو بكر الصديق والنافلة هي وقت الرمي والفريضة حفظ النفس.
٢ - عند الاجتهاد في توسيع وقت رمي الجمرات نكون قد أعملنا النصوص العامة والقواعد الشرعية والمصالح الضرورية والحقائق العقلية.
٣ - من مجموع النصوص الشرعية يتضح بخلاء أن منهجية النبي كانت تتجه بوضوح إلى توسيع وقت رمي الجمرات إلى ما قبل وقت الفضيلة مثل الإذن قبل طلوع شمس يوم العيد برمي جمرة العقبة الكبرى للضعفاء والنساء خشية الزحام عليهن والإذن لذوي السقاية ورعاة الإبل أن يرموا من الليل ونهى نهيا قاطعا عن الطرد والضرب ودفع الآخرين بقوة فإذا ظللنا نفتي بعدم جواز الرمي صباحا دفعا الناس إلى مخالفة هذه النصوص جميعا.
٤ - استقر لدى فقهاء الأمة أن هناك وقت فضيلة لرمي جمرة العقبة الكبرى من طلوع الشمس يوم العيد إلى الزوال وفي الجمرات من الزوال إلى المغرب لكنهم لم يمنعوا الرمي في غير هذه الأوقات لضرورة والآن ضرورة الزحام الشديد أوجب من كل الضرورات ذكروها خاصة إذا كان اليقين أن هناك ضحايا كل عام في منى خاصة بسبب الزحام ٥ - يبدو لي أن ضرورة الزحام وآثارها توجب توسعة الوقت من منتصف ليلة النحر إلى فجر اليوم التالي والجمرات من فجر كل يوم حتى قبل فجر اليوم التالي حتى غروب شمس الثالث عشر من ذي الحجة وذلك لما ثبت من أدلة توجب رفع الحرج ((ارم ولا حرج)) لمن رمى مساء بعد وقت الفضيلة وما ثبت عن النبي ﷺ أنه ما سئل عن شيء إلا قال: افعل ولا حرج وما صح عن طاووس وعطاء من جواز الرمي في آخر يوم بعد الفجر هذه شواهد قوية في صحة اختياري.
٦ - الذين نفوا جواز الرمي قبل الزوال للجمرات أعملوا نصوصا وأهملوا أخرى والقاعدة الشرعية ((إعمال النص أولى من إهماله)) والأولى جمع النصوص كلها في كل قضية والإفتاء بالعزائم والرخص بما لا يفوت حكما شرعيا ولا يزهق نفوسا محرمة.
٧ - فعل النبي دل على أنه وقت الفضيلة وإذنه لذوي الأعذار دل على الرخصة والتوسعة على الناس ونحن نفضل لذي العزائم حسن التأسي ولغيرهم حسن التوقي من المهالك والمخاطر ولا يدل مجرد فعل النبي ﷺ على الوجوب إلا بقرينة أخرى.
٨ - ادعاء أن الرمي عبادة نهارية مردود بالإذن للرعاة أن يرموا في الليل ولغيرهم أن يرموا مساء وهذا تكلف.
٩ - ادعاء أن الرمي تحية دخول منى والحجاج يمرون عليها صباح يوم العيد مردود لأن الحجاج يردون إلى يوم التروية أول قدومها أو لمن أقام بها؟
١٠ - الأولى أن يقاس رمي الجمرات على مناسك الحج حيث إن الإحرام من أول شوال إلى قبل فجر يوم العيد والوقوف بعرفة من فجر يوم التاسع أو الزوال إلى فجر يوم العيد وطواف الإفاضة يتسع وقته من فجر يوم العيد إلى آخر ذي الحجة وقيل إلى آخر العمر والسعي كذلك والحلق والذبح يصحان في كل أيام منى ليلا أو نهارا فلماذا نقصر الرمي فقط على أوقات رمى النبي مع أنه أحرم ووقف بعرفة وطاف في أوقات محددة وليست كل هذه الأوقات التي أجاز فيها الفقهاء ممارسة الشعائر.
следующие страницы →