Полный текст (2 012 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وفي ذلك حديث سهل بن سعد الساعدي وحديث أنس ﵄ وكلاهما في الحفر وما دار فيه ففيهما من العبر والدروس الشي الكثير منها:
١ - أنهم باعوا أنفسهم لله وحرصوا على كل خير يقربهم إليه وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه هو القدوة في ذلك.
٢ - مباشرة الرسول ﷺ الحفر بنفسه تحريضا للمسلمين على العمل ليتأسوا به في ذلك وحتى يبتعدوا عن الاتكالية وما يعقبها من تبعات.
٣ - فيهما إشارة إلى تحقير عيش الدنيا مهما بلغ لما يعرض له من التكدير وسرعة الفناء (والآخرة خير وأبقى) (وللآخرة خير لك من الأولى)
٤ - ترديده ﷺ بعض الكلمات إجابة لأصحابه لما كانوا يقولونه أثناء الحفر وذلك مما ينشط حيث إن الإنسان إذا اشتغل في عمل جسماني شاق فالسكوت يشق عليه ويتعب بسرعة أكثر مما لو كان يتكلم حيث ينسيه الكلام التعب وهذا مجرب.
٥ - ملاطفته لأصحابه ﵃ وهو الموصوف بقول ربه تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) حيث كان أصحابه يرتجزون أثناء الحفر برجل من المسلمين يقال له جعيل فسماه الرسول ﷺ عمرا فكانوا يقولون:
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا بعمرو قال ﷺ : عمرا وإذا مروا بظهر قال ﷺ ظهرا
١١ - من المعجزات التي حصلت في هذه الغزوة:
الكدية والطعام المبارك فيؤخذ منه:
١ - طاعتهم ﵃ لرسول الله ﷺ ومحافظتهم على ذلك بدليل أنهم لما صادفوا تلك البقعة لم يتصرفوا حسب أرائهم بل رجعوا إلى النبي ﷺ في ذلك ونتيجة لتلك الطاعة أعانهم الله على تلك العقبات فأنجزوا ذلك العمل في وقت وجيز.
٢ - حبهم الشديد لله ولرسوله وشفقتهم على بعضهم (رحماء بينهم) ذلك أنه حينما رأى جابر ما يعانيه المصطفى ﷺ من الجوع استأذن وعاد أدراجه إلى بيته ليجهز ما يستطيع عليه من طعام يدعو إليه رسول الله ﷺ وثلة من أصحابه وفعلا وجد عناقا وصاعا من شعير فذبح العناق وطحنت زوجته صاع الشعير وجهزوه ودعا جابر ﵁ إلى رسول الله ﷺ وجاء به ومن معه ضيفا على تلك المأدبة المتواضعة.
٣ - تكثير الطعام الذي خجل جابر من قلته فأكل الجميع وشبعوا وذلك بفضل الله على نبيه وإظهاره على يديه تلك المعجزات الباهرة.
٤ - تواضعه ﵊ لربه ولأصحابه حيث كان يغرف بنفسه اللحم ويكسر لهم الخبز حتى صدروا عنه
٥ - الإهداء للجيران من الطعام سنة وخاصة في أوقات المجاعة وقد أوصى رسول الله ﷺ بذلك كما في حديث أبي ذر حيث قال: إن خليلي أوصاني " إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف ".
١٢ - أهمية الصلاة:
وفيه حديث عمر ﵁: (يا رسول الله ما كدت أن أصلي) .. الخ. وفيه من الفوائد:
١ - جواز اليمين من غير استحلاف إذا اقتضت مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم.
٢ - استحباب قضاء الفوائت في جماعة وبه قال أكثر أهل العلم إلا الليث مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت.
٣ - استدل به على عدم مشروعية الأذان للفائتة.
١٣ - كثرة جند الله:
وفيه حديث ابن عباس ﵄ (نصرت بالصبا) وفيه:
١ - تفضيل بعض المخلوقات على بعض.
٢ - إخبار المرء عن نفسه بما فضله الله به على سبيل التحدث بالنعمة وبيان المنزلة لا على الفخر.
٣ - الإخبار عن الأمم الماضية وكيفية هلاكها.
стр. 352
٤ - الصبا هي أفضل الرياح التي تهب حيث أنها بفضل الله مبشرة بالخير ويستفيد منها الزرع بخلاف غيرها من الرياح فمثلا الرياح الشمالية إذا هبت تميت المزروعات غالبا وهذا ما جربه الفلاحون.
وقد ذكر ذلك الحافظ وعليه فالرياح هي:
أ- شرقية وهي الصبا وهي مباركة بدليل الحديث حيث أرسلها الله عذابا لأعدائه وخيريتها مجربة لدى المزارعين.
ب- غربية وهي الدبور وقد أرسلت على عاد فأهلكتهم.
ج- جنوبية وهي التي تهب من جهة الجنوب وهي الدرجة الثانية بعد الصبا من حيث خيريتها.
د- شمالية وهي إذا هبت بإذن الله جاءت بالزمهرير – البرد القارس – وتؤثر على الزرع وتتغير منها الأجسام.
١٤ - الجاسوس في الإسلام:
١ - جواز استعمال التجسس في الإسلام
٢ - منقبة للزبير ﵁ وقوة قلبه وصحة يقينه.
٣ - جواز سفر الرجل وحده وأن النهي عن سفر الإنسان وحده إنما هو حيث لا تدعو الضرورة إلى ذلك
أما في مثل هذه المهمات فهو جائز لأن فيه مصلحة للمسلمين وقد يحدث للإنسان حاجة للسفر ولا يجد من يرافقه فهل يا ترى يترك أمرا هاما لأنه لم يجد مرافقين والأمر بذلك إنما هو للاستحباب.
قال الحافظ: وقد وقع في كتب المغازي بعث كل من حذيفة ونعيم بن مسعود وغيرهما. أما حديث الزبير حينما أرسله الرسول ﷺ إلى قريظة وهو عن عبد الله بن الزبير عن أبيه ...
ففيه كما قال الحافظ: صحة سماع الصغير وأنه لا يتوقف على أربع أو خمس لأن ابن الزبير كان يومئذ ابن سنتين وشهرا أو ثلاث وشهرا بحسب الاختلاف في وقت مولده وفي تاريخ الخندق.
١٥ - أهمية الدعاء: وفيه حديث عبد الله ابن أبي أوفى " اللهم منزل الكتاب " ومن الفوائد ما ذكره الحافظ: أن فيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث: إنزال الكتاب – إجراء السحاب – هزيمة الأحزاب وفيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار.
ووصية المقاتلين بما فيه صلاح أمرهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه وسؤال الله تعالى بصفاته الحسنى وبنعمه السابغة ومراعاة نشاط النفوس لفعل الطاعة والحث على سلوك الأدب وغير ذلك.
وفيه حديث علي ﵁ (لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ ... ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ... ) الحديث.
قال الحافظ: وفيه الدعاء عليهم بأن يملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا وليس فيه الدعاء عليهم بالهزيمة لكن يؤخذ من لفظ الزلزلة لأن في إحراق بيوتهم غاية التزلزل لنفوسهم.
وقال: وفيه جواز الدعاء على المشركين بمثل ذلك.
كما تضمن كذلك دعاء صدر من النبي ﷺ على من يستحقه وهو من مات مشركا منهم وفيه شدة حرص النبي ﷺ على أداء الصلوات وخاصة صلاة العصر والتي قال ﷺ في تاركها من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله.
وأخيرا يتبين من مجريات الأمور والأحداث في هذه الغزوات وغيرها من الغزوات أن النصر في المعارك لا يكون بكثرة العدد ووفرة السلاح وإنما يكون بقوة الروح المعنوية لدى الجيش.
وقد كان الجيش الإسلامي في هذه المعارك يمثل العقيدة النقية والإيمان الصادق والفرح بالاستشهاد والرغبة في ثواب الله وجنته.
كما يمثل الفرحة من الانعتاق من الضلال والفرقة والفساد بينما كان جيش المشركين يمثل فساد العقيدة وتفسخ الأخلاق وتفكك الروابط الاجتماعية والانغماس في الملذات.
والعصبية العمياء للتقاليد البالية والآباء الماضين والآلهة المزيفة انظر إلى ما كان يفعله الجيشان قبل بدء القتال.
فقد حرص المشركون قبل بدء معركة بدر مثلا على أن يقوموا ثلاثة أيام يشربون فيها الخمور وتغني لهم القيان وتضرب لهم الدفوف وتشعل عندهم النيران لتسمع العرب بما فعلوا فتهابهم.
وكانوا يظنون ذلك سبيلا إلى النصر بينما كان المسلمون قبل بدء أي معركة يتجهون إلى الله بقلوبهم يسألونه النصر ويرجونه الشهادة ويشمون روائح الجنة ويخر الرسول ﷺ ساجدا مبتهلا يسأل ربه أن ينصر عباده المؤمنين وقد ابتهل كثيرا في هذه الغزوة ودعا الله حتى نصره وكانت النتيجة أن انتصر الأتقياء الخاشعون وانهزم اللاهون العابثون.
والذي يقارن بين أرقام المسلمين في أي معركة وبين أرقام المشركين يجد دائما أن المشركين أكثر من المسلمين أضعافا مضاعفة ومع ذلك فقد كان النصر حليف المسلمين رغم ذلك كله.
والحمد لله رب العالمين
стр. 353
مرويات غزوة بني المصطلق (المريسيع)
المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن إبراهيم قريبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: حديث
تصنيف فرعي: غزوة بني المصطلق
الخاتمة: تناول هذا البحث (مرويات غزوة بني المصطلق) جمعا وتحقيقا ودراسة ويقع في مقدمة وأربعة أبواب.
أما المقدمة: فقد اشتملت على أسباب اختياري لموضوع رسالتي في السيرة النبوية، ثم سبب تخصيصي غزوة بني المصطلق بالذات بهذه الدراسة، وقد أشرت في هذه المقدمة إلى أهمية علم التاريخ، وضرورة العناية بالسيرة النبوية خاصة، كما حللت أهم المصادر التي استقيت منها في هذا الموضوع.
وأما الباب الأول: فقد تناول نسب بني المصطلق وصلتهم النسبية بقبائل المدينة المنورة، محققا الخلاف الوارد في نسبهم، ومشيرا إلى أرجح الأقوال في نظري، مدعما ذلك بما أورده أهل هذا الفن من حجج وتعليلات، مع الإشارة إلى حجج المخالفين ومناقشتها بإيجاز غير مخل كما بحثت في تحقيق مواقعهم وديارهم التي كانوا يسكنونها وقد عانيت في ذلك عناء كبيرا، ولكنني بحمد الله وصلت إلى تحديد أماكنهم، وضبطها، مستعينا بالمراجع العلمية في هذا الباب قديمها وحديثها، وانتهيت إلى نتيجة مرضية في ذلك حيث تم لي تحديدها بالأميال والكيلومترات، وانحصرت ديارهم فيما بين مر الظهران والأبواء. وهذا التحديد والتفصيل لم أر من قام به قبلي. وبعد ذلك تحدثت عن موقفهم من الدعوة الإسلامية، وتأخر إسلامهم بسبب تأثرهم بموقف قريش، فقد كانوا من الأحابيش الموالين لقريش وقد تكتلوا معهم في موقعة أحد ضد المسلمين. فكانوا ينتظرون ما تصنعه قريش مع رسول الله ﷺ ، وقد كانت لهم تحركات ضد المسلمين بينتها بجلاء في هذا الباب، كما تحدثت عن موقف المسلمين من هذه التحركات وبينت أيضا وجوب إنذار الكافرين أو عدم إنذارهم ناقلا في ذلك أقوال العلماء ومرجحا ما ظهر لي أنه الراجح بالدليل، كما رجحت أن بني المصطلق كانت قد بلغتهم الدعوة الإسلامية وأن عندهم الإنذار المسبق وبهذا يسقط الاعتراض الوارد على المشركين أن رسول الله ﷺ أخذهم على غرة. وأشرت في هذا الباب إلى سبب هذه الغزوة محددا تاريخا مع وصف ما دار فيها من أحداث خطيرة، وما انتهت إليه من نتائج عظيمة ونصر للإسلام والمسلمين، مبينا موقف بني المصطلق بعد الغزوة كما رجحت وجود سعد بن معاذ في هذه الغزوة على القائلين بخلاف ذلك.
стр. 354
أما الباب الثاني: فقد تركز الحديث فيه عن دور المنافقين في بدء الدعوة الإسلامية بوجه عام وعن دورهم في هذا الغزوة بصفة خاصة. وقد حاولت أن أضع صورة وافية للدسائس الخبيثة والمكايد المتنوعة التي كان يقوم بها حزب النفاق من أجل عرقلة انتشار الدعوة الإسلامية، مبينا ظهور نشأة النفاق وأسبابه ومواقف المنافقين في الغزوات التي سبقت هذه الغزوة مع الإشارة إلى خطورة النفاق وأضراره الجسيمة على الإسلام والمسلمين. وقد حظي موقفهم في غزوة المريسيع بحديث واسع بينت فيه كل ما قاموا به من أعمال عدوانية وتخذيل في صفوف المسلمين، واستغلالهم الفرص التي يبثون فيها شبههم وأفكارهم السيئة ومن ذلك إثارتهم للعصبية الجاهلية في هذه الغزوة ورفعهم للشعارات القبلية وما صاحب ذلك من فتن كادت تعصف ريحها بكثير من المسلمين وأشرت إلى حكمة الرسول ﷺ في معالجة هذه السموم التي ينفثها المنافقون مع حلمه في عدم مؤاخذة القائمين بذلك وأسوأ عمل قام به المنافقون على الإطلاق في هذه الغزوة هو اختلاقهم لحادثة الإفك التي كان لها أثرها السيئ في نفوس المسلمين ووقعها الأليم في ساحة النبوة الطاهرة وقد استغرق الحديث عن هذه الحادثة وقتا طويلا لتشعب رواياتها وكثيرة أحداثها وقد تكلمت على جميع الجوانب المتصلة بها من تخريج الروايات وتحقيقها مع الكلام على الأحكام الفقهية المستنبطة منها، وهو أمر لم أر أحدا من المؤرخين قام به في مكان واحد بهذه الصورة التي انتهيت إليها.
أما الباب الثالث: فقد كان بحثي فيه عن تخريج حديث الإفك، وعن الانتقاد والرد على الزهري في تلفيقه الحديث عن مشايخه الأربعة دون أن يفرد حديث كل واحد منهم على حدة، وبينت أن هذا جائز لا مانع منه لأن الكل ثقات وقد بينت أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم الآخر ثم حققت القول في الذي تولى كبر الإفك وأنه عبدالله بن أبي بن سلول، كما بينت ما حصل للصحابة من مواقف متباينة في هذه الحادثة. فكان منهم من نفاها من أصلها وصرح بأن هذا بهتان وكذب، وذلك مثل أسامة بن زيد وبريرة وأبي أيوب الأنصاري وزوجه ومنهم من نفاها كذلك ولكنه أشار تلويحا على رسول ﷺ بأمر مشكوك فيه فأراد راحة رسول ﷺ مما لحقه من هم وغم وذلك هو علي بن أبي طالب ﵁ يردد قول أهل النفاق دون وعي وإدراك لما يقصده المنافقون وذلك مثل حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ﵃، وقد بينت ذلك في محله بيانا شافيا، كما بينت في هذا الباب النزاع الحاصل بين الأوس والخزرج، في شأن عبدالله بن أبي بن سلول، الذي هو أساس هذه الفتنة ورأسها، وبينت أيضا الانتقاد الوارد على البخاري في سماع مسروق من أم رومان ورجحت القول بسماعه منها مع ذكر وجهة المخالفين والرد عليها بأدلة مبسوطة في محلها.
وآخر أبواب الرسالة هو الباب الرابع. وقد أفردته للحديث عن الأحكام الفقهية الواردة في هذه الغزوة. وهذا هو الفصل الأول منه، وعن العبر والحكم المستنبطة من هذه الغزوة وهذا هو الفصل الثاني من هذا الباب فأما الأحكام الفقهية فقد بلغت عشر أحكام تحدثت عن كل حكم منها بإيجاز واختصار غير مخل ومشيرا إلى الخلاف مستدلا للأقوال مرجحا الراجح بالدليل. ولم أطل في ذلك لأن البحث ليس فقهيا بالمعنى الدقيق، وإنما عرضت لذلك حسب ما اقتضته نصوص الروايات الدالة على بعض الأحكام الفقهية. وأما العبر فإنها كثيرة وقد تكلمت على خمس عبر منها مأخوذة من هذه الغزوة.
وأما الجديد في هذا الموضوع فيمكن إيجازه فيما يلي:
стр. 355
١ - إن هذه الغزوة لم يفردها أحد بالتأليف قديما ولا حديثا وإنما تذكر ضمنا مع غيرها شأن المؤلفين في التاريخ عامة أو في السيرة النبوية خاصة وأحسن من تكلم فيها من المعاصرين محمد أحمد باشميل ضمن الأحداث الواقعة قبل غزوة الأحزاب، لكنه غير متقيد بتحقيق أو تدقيق ولم يستوعب الموضوع من جميع جوانبه.
٢ - تحديد مساكن هذه القبيلة وضبطها بالأميال والكيلومترات.
٣ - ذكر نبذة في نسبهم وصلتهم بقبائل المدينة المنورة.
٤ - عقد مبحث في وجوب إنذار العدو أو عدم إنذاره بينت فيه مذاهب العلماء وأيدت القول الراجح بالدليل.
٥ - تفصيل الكلام على حديث الإفك بكل جوانبه المتعلقة به، وهذا يعتبر جديدا وأحسن من تكلم على حديث الإفك ابن القيم في الزاد، ولكن ليس بهذا الاستقصاء الذي قمت به.
٦ - عقد مبحث حول جواز استرقاق العرب أو عدمه، لأن له صلة بموضوعي بينت فيه أقوال العلماء ونصصت على القول الراجح بدليله وهذا جديد بالنسبة لهذه الغزوة.
٧ - عقدت فصلا للأحكام المستنبطة من هذه الغزوة وخاصة حديث الإفك وهذا وإن لم يكن جديدا بالمعنى الحقيقي، إلا أنه يوجد فيه بعض الأحكام أشار إليها بعض المؤرخين إشارة خاطفة وذلك مثل متى شرع التيمم؟ وصحة جعل العتق صداقا وغير ذلك.
٨ - منهجي في هذا البحث هو: أنني أورد الحديث ثم أترجم لرجاله، وإن كان هناك حديث آخر يؤيده أو يعارضه أورده أيضا، ثم أحكم بعد ذلك على الحديث بما تقتضيه تلك الدراسة صحة أو ضعفا بعد المناقشة والفحص. وإذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فقد أترجم لرجاله من باب التعريف بهم لا للنقد فيهم، وأحيانا أقتصر على المتن أو جزء منه مجردا عن الإسناد وذلك لاتفاق العلماء على توثيق رجالهما، وعلى أن كتابيهما أصح الكتب بعد كتاب الله . وهذا المنهج لم يسبقني أحد إليه في دراسة هذه الغزوة، وهو محاولة لتطبيق مناهج المحدثين في دراسة السيرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 356
مرويات غزوة حنين وحصار الطائف
المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن إبراهيم قريبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: حديث
تصنيف فرعي: غزوة حنين
بعد تلك الرحلة العلمية الممتعة في دراسة غزوة حنين وتحقيق مروياتها وترتيب أبوابها وفصولها ومباحثها ووضع كل جزئية علمية بإزاء ما يشاكلها ويلائمها، وبعد الفراغ من ذلك التطواف الحقيق في غضون المصادر العلمية لرصد كل ما يمت بصلة إلى هذه الغزوة بعد تمحيصه وتحقيقه.
بعد ذلك كله أريد أن أنوه إلى أبرز النتائج العلمية التي يحسن ذكرها ولا يجمل بالباحث إهمالها، وما من شك أن أي باحث يمارس عملا علميا معينا تمر به نتائج كثيرة وقضايا متعددة تستحق الإشادة والبيان. ولكني أجتزئ بذكر أبرز نتائج هذه المعركة مشيرا إلى بعض ما توصلت إليه بإيجاز من خلال معايشتي لهذا الموضوع العلمي الخطير. وفي البداية أود أن أقرر أن هذا البحث بهذه الصورة التي انتهيت إليها في دراسة هذه الغزوة لم يسبق له نظير في حدود علمي لم أطرفاها وجمع شتاتها وحقق مروياتها ونظم معلوماتها على هذا النسق العلمي الذي أعانني الله على إنجازه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذه المعركة وما تبعها من أحداث تشكل في سلسلة غزوات الرسول ﷺ ، خطورة بالغة، وأهمية قصوى فقد كان ينتظر نتائجها الفريقان: المؤمنون والمشركون، وقد أدرك حماة الوثنية العربية أن نجاح المسلمين في غزواتهم السابقة وآخرها فتح مكة يعني الإجهاز عليهم والقضاء على معاقل العبادة الوثنية من أصنام وأوثان، ومن هنا رصدوا تحركات المسلمين نحوهم وجمعوا قواهم المادية والمعنوية وقرروا في أنفسهم أن هذه هي آخر تجربة يخوضها الإسلام مع الشرك، وفي الصورة المقابلة كان المسلمون قد اغتبطوا بانتصاراتهم المتلاحقة وكانوا على يقظة تامة بما يبيته المشركون من هوازن وثقيف وسائر القبائل الأخرى الباقية على شركها وضلالها، وعلم المسلمون بعزم المشركين المجاورين لمكة على القتال والنضال فأعدوا العدة وخرج الرسول ﷺ ومعه تلك الأعداد الغفيرة التي لم يسبق لها مثيل في الكثرة، وكان في هذه الكثرة بعض المغموزين في إسلامهم من الأعراب والطلقاء وذوي الريب في حقيقة الإسلام، ودارت المعركة الخطيرة التي لا تقل خطورة عن معركة بدر الكبرى، فقد كانت معركة بدر الكبرى أول تجربة عسكرية للمسلمين مع المشركين كما كانت معركة حنين آخر تجربة عسكرية مع الوثنيين. فالأولى أرهبتهم وكسرت من حدتهم وجعلت للمسلمين هيبة في قلوب أعدائهم. ومعركة حنين استفرغت قواهم واستنفدت سهامهم وأذلت جمعهم، فلم يجدوا بدا من الدخول في دين الله.
ولذلك لا يبالغ الباحث إذا قال إن معركة حنين هي خاتمة المطاف في مواجهة تحديات الوثنية العربية وتكون هذه النتيجة العظيمة أبرز نتائج هذه المعركة، ولا يعكر على ذلك إندحار المسلمين في بداية الغزوة فقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن ذلك كان تربية من الله لجنده وحزبه لكي لا يغفلوا عن مصدر انتصارهم ولا ينخدعوا بكثرتهم، والعبرة في الانتصارات الحربية إنما هي بالخاتمة التي تنتهي إليها المعارك الإنسانية، والنهاية كانت كما قال الله ، ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ (٢٦) سورة التوبة، إنها نهاية العذاب للكافرين ونهاية النصر للمؤمنين.
ومن مظاهر تعذيب الكافرين هدم أوثانهم وتحطيم معبوداتهم وأسرهم وغنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم وقتل العديد منهم، كما فصلت ذلك في أماكنه من البحث.
стр. 357
ومما ينبغي ملاحظته في هذه الغزوة أن الجيش الإسلامي لم يخل بعض أفراده من رواسب الوثنية لحداثة عهدهم بالجاهلية، فقد حن بعضهم لجاهليته حيث طلب من الرسول ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط، وهذا الصنف من الناس من جملة الجيش الذي خرج لحرب المشركين، كما كان في الجيش الإسلامي أيضا الطلقاء والأعراب الجفاة وبعض المغموزين في إسلامهم، وقد سمح لهم الرسول ﷺ ، جميعا أن يخرجوا معه مجاهدين.
والنتيجة التي يخلص منها الباحث إذا تأمل هذا الموقف أنه لا مانع أن يكون في جيوش المسلمين بعض ضعفاء الإيمان مع وجوب العمل على تقوية إيمانهم وتعليمهم بحكمة وصبر، فإن الرسول ﷺ ، واجه جفاء الأعراب وسؤال السائلين له أن يجعل لهم ذات أنواط وبعض الأخبار التي كانت تنقل إليه من بعض المغموزين، واجه كل ذلك بحلم وصبر وحكمة عظيمة، يجب الاقتداء به ﷺ ، فيها، كما أنه ﷺ تحمل بخلقه العظيم وشجاعته النادرة بعض النيات الخبيثة التي كانت تحاول اغتياله كما يتضح ذلك في موقفه من شيبة بن عثمان وما آل إليه أمر شيبة حيث صار جنديا من جنود الإسلام وعد فيمن ثبت يوم حنين مع رسول الله ﷺ ، بعد أن كان الهدف من خروجه إلى غزوة حنين أن يجد من رسول ﷺ ، غرة فيقتله ثأرا بأبيه كما حدث هو عن نفسه. وقد اتهم ﷺ ، وحاشاه من ذلك بعدم العدالة وصبر على ذلك القول الجائر وأعدل يا محمد فإنك لم تعدل" وقال لقائله: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل" وهو في ذلك يقتدى بمن سبقه من الأنبياء الذين صبروا على الأذى فقد قال في هذا الموقف "رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" وقد امتثل ﷺ قول الله ﵎ له ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٩٠) سورة الأنعام، ولقد واجه الرسول ﷺ كل تلك المواقف الحرجة بما حباه الله به من حكمة وشجاعة وصبر وخلق عظيم، فحري بالدعاة إلى الله أن يتمثلوا هذه المواقف ويأخذوا منها القدوة الحسنة لهم في حياتهم العملية، وهذا من الدروس العظيمة التي تقدمها لنا سيرته العطرة المليئة بمثل هذه النماذج العالية في حسم المواقف وعلاج أمراض القلوب ومواجهة النفسيات المختلفة. ولا أدل على ذلك من الأسلوب الذي قسم به ﷺ غنائم هذه الغزوة فقد منح أولئك المتطلعين إلى حطام الدنيا وأعطاهم عطايا عظيمة جعلتهم يطلقون عبارات الشكر والثناء ويعترفون صراحة أن هذا العطاء الهائل لا يكون إلا من نبي لا يخشى الفقر، وهم على علم بأن كل بشر عادي ولو كان أكرم الناس يخشى الفقر، وقد صرح بعضهم بأن محمدا ﷺ يعطيه وإنه لأبغض الناس إليه فما يزال يعطيه حتى يصير أحب الناس إليه، وهذه هي النتيجة التي كان يتوخاها ﷺ من قسم الغنائم على أولئك المغموزين ووكل أهل الإيمان واليقين إلى إيمانهم وثباتهم على الحق كما مر تفصيل ذلك في محله غير أن هذا التقسيم في الأظهر خاص بتلك الغزوة فليس لأحد غير رسول الله ﷺ أن يحرم الجيش الإسلامي المقاتل الغنائم التي غنموها ويعطيها لغيرهم والمسألة خلافية، ولكن هذا هو المذهب الأمثل الذي توصلت إليه في ذلك. ولقد انهال على المدينة المنورة بعد هذه الغزوة الوفود من عرب الجزيرة معلنين إسلامهم، ومن تلك الوفود وفد هوازن ووفد ثقيف وكان ذلك من نتائج هذه المعركة الفاصلة بين الكفر والإيمان، ومن المعلوم أن العرب كانوا ينتظرون نتائج فتح مكة، فلما خضعت قريش للإسلام وهم قوم الرسول ﷺ وسكان بيت الله الحرام ومصدر التشريع للعرب جميعاً كان ذلك مؤذنا بزوال الشرك وتمكن التوحيد في أرض الجزيرة، والذين لم يخضعوا بعد وغرتهم قوتهم وجموعهم هم قبائل هوازن وثقيف كما سبق، فلما دارت الدائرة عليهم للمسلمين لم يبق أمام العرب جميعا قوة تذكر لمقاومة الإسلام والمسلمين فما بقى أمام الجاهليين إلا أن يفدوا على عاصمة الإسلام المدينة المنورة ليعلنوا إسلامهم أو ليتفاوضوا مع الرسول ﷺ في ذلك، وتعد سنة الوفود نتيجة طبيعية لهذه الغزوة وقد تعنت وفد ثقيف في شروطهم
стр. 358
مرويات قنوت الفجر
المؤلف/ المشرف: طلال الطرابيلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة عباد الرحمن - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: حديث
تصنيف فرعي: قنوت
خاتمة هي "حاصل القول في المسألة": وبعد استعراض أدلة الفريقين، وأقوال أهل العلم في المسألة نلخص فيها بإذن الله تعالى إلى ما يلي:
١ - أن القنوت في الفجر ليس ببدعة.
٢ - أنه لم يأت في شيء من الأحاديث ما يدل على استمرارية القنوت، إلا ما روي عن أنس: مازال النبي ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وقد أعل كما تقدم.
٣ - جميع أحاديث الباب قاضية بأنه ﷺ كان يفعله عندما ينزل بالمسلمين نازلة.
٤ - كان ﷺ إذا قنت في نازلة ربما قنت في جميع الصلوات، وربما اقتصر على بعضها.
٥ - دلت الروايات على أن النبي ﷺ لم يقنت لنازلة إلا في جماعة فريضة.
٦ - كان قنوته ﷺ قبل الركوع، وبعده إلا أن أكثر الروايات على أنه بعد الركوع.
٧ - يشرع فيه تقديم الثناءات والمحامد على الله بين يدي دعائه.
٨ - يقتصر في دعاء القنوت على ما يناسب سببه، وبلا حد لطوله وقصره.
٩ - أنه ترفع فيه الأيدي، ويجهر به، ويؤمن عليه.
١٠ - يستحب للمأموم فيه متابعة الإمام عليه وإن كان لا يراه. ١١ - يجوز فيه تسمية المعين المدعو له، وكذا أيضاً المدعو عليه إلا باللعن.
١٢ - أن من ترك القنوت ليس عليه أن يسجد للسهو. ١٣ - لا يشرع مسح الوجه أو الصدر باليدين بعد الفراغ من الدعاء. ١٤ - أن يجهر به في الصلاة السرية كما يجهر به في الجهرية على السواء بلا فرق بينهما. والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتبه طلال بن محمد الطرابيلي. مصر – دمياط.
стр. 359
دعوة ودعاة
стр. 360
أساليب الدعوة الإسلامية المعاصرة
المؤلف/ المشرف: حمد بن ناصر العمار
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار إشبيليا ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: دعوة - وسائلها وطرق التأثير
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، والشكر له سبحانه على توفيقه لي بأن ذلّل لي جميع العقبات، حيث منّ عليّ فأتيت على جميع مفردات خطة البحث التي رسمتها للكتابة فيه.
ونعم الله عليّ عظيمة كثيرة، فأسأله سبحانه أن يوفقني إلى شكرها، والعمل بمقتضاها ?ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (.
فمن نعم الله سبحانه:
أـ نعمة الإيجاد.
ب ـ نعمة الإمداد.
ج ـ نعمة الهداية.
فالله سبحانه تفضّل عليّ بنعمة الإيجاد والإمداد، وأرجو أن أكون ممّن تُفضِّل عليه بنعمة الهداية بقسميها، وأن يثبتني على طريق الاستقامة إلى أن ألقى الله سبحانه.
وإنّ من المناسب هنا أن أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث وهي كما يلي:
١ـ أنّ حياة الأمة ـ الحياة الحقيقية ـ في قيامها بواجب الدعوة إلى الإسلام.
٢ـ أنّ نجاح الدعوة الإسلامية يكون غلباً إذا أُخذ بالأساليب الدعوية المعاصرة للمدعو.
٣ـ أنّ أساليب الدعوة الإسلامية ليست قضيَّة يجب الوقوف عندها، ويمتنع الأخذ بغيرها، بينما هي من المجالات المتاحة للداعية، يختار منها ويبتكر ما يناسب مدعوّه، بشرط عدم اصطدامها بقاعدة شرعيّة ثابتة.
٤ـ أنّ من أهمّ الأساليب الدعويّة المعاصرة ما يلي:
أـ إثبات القضايا الرئيسة مثل وجود الله، وإثبات نبوّة نبيّنا محمد e، وإثبات صحة رسالة الإسلام.
ب ـ العناية بالبناء قبل الهدم مع المدعو، فإنّ حرص الداعية على هدم الباطل الذي يقيم عليه المدعو لربّما كان حائلاً تجاه قبول البناء والحقّ.
ج ـ ضرورة لفت نظر المدعو إلى قدرة الله سبحانه في بعض المخلوقات مثل خلق الإنسان وخاصة الجنين، وخلق الحيوان، وخلق النبات، وبعض مظاهر الكون، لما في ذلك من أثر إيجابي في نفسيّة المدعو.
د ـ ضرورة أن يكون النقد للباطل متكاملاً، فلا يعنى بظاهر الباطل دون جذره وأصله، فمثلاً حينما تُنقد الحضارة الغربيّة ينبغي أن تُنقد في قيمها وأفكارها، وأن تنقد في أخلاقها ورسالتها للناس.
هـ الموضوعيّة في عرض الدعوة، فينبغي ذكر الحقّ وماله من مزايا وفضل، وذكر الباطل، وماله وما عليه، ثم تعقد موازنه فيما بين الأمرين حتى يتبيّن بروز الحق وتفوّقه، وخذلان الباطل وسفالته، مثل:
الموازنة بين الدين الإسلامي الصحيح، والأديان التي يتبناها اليهود والنصارى في وقتنا الراهن والمعاصر، وما للأمرين من حسنات وسيئات، ومثل الموازنة بين بعض الأنظمة الاقتصادية المعاصرة مثل نظام الاقتصاد الشيوعي ونظام الاقتصاد الرأسمالي وموازنتها بنظام الاقتصاد الإسلامي، وكيف أنّ كلاً من النظامين السابقين لهما إيجابيات، لكن عليهما سلبيات كبيرة وكثيرة علت إيجابياتهما، بينما جمع نظام الاقتصاد الإسلامي أفضل ما عند الطرفين، وتجنّب سلبياتهما ومثالبهما، ومثل الموازنة بين التفاضل بين بني الإنسان، ففي المذاهب الوضعيّة يفضّل الإنسان بجنسه، أو بدمه، أو عرقه، أو لونه، أو مركزه، أو شرفه، أو ماله... إلخ. بينما جعل الإسلام معيار التفاضل تحقّق أكبر قدر من تقوى الله ومراقبته.
٥ـ ينبغي تنبّه الداعية إلى ضرورة استعمال لغة العصر في المنهج:
من حيث مراعاة سنة التدرّج، وأنّ هذه المسألة لم تنته في جميع صورها، فينبغي أن يبدأ مع المدعو إلى الإسلام حديثاً بالرفق، وأن يدعي إلى الأصول أولاً وأن تُرَتّب له الأولويات، وغيرها يأتي بالتّبع، كما ينبغي على الداعية الفقيه الابتعاد عن توجّه بعض الدعاة اليوم من تبنّي:
стр. 361
المناداة بأخذ الإسلام جملة أو تركه جملة، فلربّما شقَّ على هذا المدعو الجديد الانصياع ـ في أوّل إسلامه، أو أوّل استقامته ـ إلى أوامر الإسلام كلّها، أو ترك نواهي الإسلام كلّها.
ومن حيث مراعاة المصطلحات الحديثة، الأيديولوجيّة منها، والاجتماعية، والسياسيّة وغيرها.
ومن حيث مخاطبة المدعو بما يعرف، ومن خلال ما يفكر فيه، وما يحبّ، وما يكره، ومن خلال مستوى بيئته التي يعيش فيها، فإنّ ذلك أدعى إلى استجابته واستمالته، حتى يكون فهمه أسرع.
كما ينبغي استعمال لغة العصر في مداخل الدعوة:
من حيث العناية بالجوانب التي فيها جاذبيّة أكثر من خلال جودة الإخراج الفني لأعمال الدعوة، والعناية بالإطار العام والخارجي لها، فإنّ الحق بنفسه جذّاب، وعليه مسحة من جمال لكن لربّما أثّر الداعية بأسلوبه السيئ على جاذبيّة الحقّ الذي يحمله، أو على جمال الحق الذي يحمله فكان حاجزاً بدل أن يكون سراجاً مضيئاً.
ومن حيث العناية بالهموم العامّة للأمّة وللمدعو، والمشكلات التي يعانيها، ومحاولة تذليلها ما أمكن، فإنّ ذلك هو السبيل المناسب للتأثير في المدعو واستمالته إلى الداعية.
٦ـ أنّ حال الداعية في دعوته، كحال المزارع في زراعته، فإنّ المزارع يقوم ببعض الأعمال الإجرائيّة والاحتياطيّة قبل الزراعة، وفي أثنائها، وبعدها حتى تكون زراعته صالحة، ومنها:
أنّه يختار الأرض الصالحة للإنبات، ومن ثمّ يقوم بتسويتها وتعديلها... وبعد ذلك لا يلقي البذر، ولا يغرس فسيلة إلاّ في الأوقات الصالحة للغرس، ثم بعد ذلك يتعاهد هذه البذرة والفسيلة بالرعاية والسقاية، وبإذن الله تمرّ هذه النبتة بمراحلها الزراعيّة المعروفة، فإذا ماخرجت الشجرة قام المزارع بحمايتها من آفات البيئة ومشكلاتها، ولذا يقوم برشّها بالمبيدات...إلخ، إلى أن تنتج هذه الشجرة تلك الثمرة فيأكل الناس.
والداعية لا يكون همّه أن يلقي بكلمته، فلربّما كان لهذه الكلمة الملقاة أثراً مستقبلياً، ولربّما كانت هباءً كحبّة البذر إذا ما ألقاها المزارع في أرض فلاة، ولم يتعاهدها، وربّما ساقتها الرياح إلى أرض صمّاء لا تصلح لزراعة، وربّما لم ينزل عليها المطر، ولذا تكون نهايتها قريبة وسريعة.
إنّ الداعية الناجح هو من يحرص على دعوة الناس عموماً، وعلى اختيار العيّنة المناسبة لغرس الدعوة المركّزة من خلالها، فالناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة، فبعد اختيار عيّنة المدعو من سائر الناس، تقدّم الدعوة له من خلال عامل الهدم والبناء، هدم الباطل الذي يحمله، وإقامة بناء خير جديد صالح له، وليس هناك نصٌ صحيح صريح يوجب تقدّم أحد هذين الأسلوبين على الآخر، لكن يرتكب ألطفهما بحال المدعو، من خلال عامل الترهيب والترغيب، ومن خلال لفت نظره إلى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان السويّ، كيف خلق، ولماذا يسير؟.
إنّ الداعية ينبغي عليه أن يقرأ في صفحات وجه المدعو، وعلى محيّاه مدى استجابته من عدمها، ومدى قربه من بعده، وعلى ضوء هذا يحدّد مستواه، ويتقدّم أو يتراجع، ويحاسب طريقته التي يسير فيها.
٧ـ إنّ على الداعية أن يدين الله باتخاذ أفضل الأساليب في حقّ المدعو، التي تناسبه، وأن ينوّعها، وأن يجتهد في الدعوة والرعاية والنماء والتربية، وأن لا يتشدّد في ضرورة استجابة المدعو للحق، فإنّ استجابة جميع المدعوين للداعية لم تتحقّق للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم المعصومون، والمبلغون عن الله تعالى، فإن هداية التوفيق والإلهام خاصّة بالله سبحانه، وما على الداعية إلاّ الاجتهاد في حدود هداية الدلالة والإرشاد، وعلى الداعية أن لا يضجر في عدم الاستجابة له في أوّل وهلة، أو في المرّة الثانية، بل عليه أن يدعو، وأن يكرر الدعوة، وأن يختار لها الأساليب المعينة لقبولها، وأن يبتعد عن الأسباب المانعة لقبول دعوته ما أمكن، ويفوّض أمره إلى الله تعالى.
هذه أهمّ النتائج التي توصّلت إليها في هذا البحث، والله أسأل أن ينفعنا بما علّمنا، وأن يزيدنا علماً، وأن يعيننا على القيام بحقّه فيما كلّفنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 362
أعلام التصحيح والاعتقاد - مناهجهم وآراؤهم
المؤلف/ المشرف: خالد بن محمد البديوي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: مناهج دعوية وجماعات - انتماء للجماعات
أولا: أهم النتائج:
لعل أبرز النتائج التي نستخلصها من البحث ما يلي:
١. أن الإمامي مصطلح يراد به من اعتقد بوجود أئمة اثني عشر منصوص عليهم من الله وأنهم معصومون واعتقد بأن محمد بن الحسن هو المهدي وأنه قد ولد ثم غاب، وقد يختلفون في تفاصيل القول في هذه العقائد الأساسية مثل اختلافهم في تفاصيل العصمة، ويلحق بهؤلاء من سيقول بأن ثمة أئمة اثني عشر منصوص عليهم ولكنهم أئمة علم وديانة وليس سياسة وهو قول الموسى بالإمامة الروحية – وإن كان أخف من غيره بكثير-.
وأما بقية العقائد فإنها لا تشكل المعنى الأساسي للإمامية، وهم قد يختلفون في إثباتها مثل اختلافهم في إثبات الرجعة، والقول بتحريف القرآن ونحوها.
٢. أن الإمامية المعاصرين منهم غلاة، وهؤلاء درجات في الغلو، ومنهم طائفة تسعى إلى مدافعة الغلو في أبواب التوحيد مثل نسبة العلم بالغيب لغير الله والقول بتصرف الأئمة بالكون " الولاية التكوينية " وصرف العبادة لغير الله من دعاء أو استغاثة وهو يختلفون في درجات ما ينكرون كل بحسب ما ظهر له.
٣. التحولات المحمودة التي سبق الحديث عنها تشمل من تحول إلى خارج مذهب الإمامية وذلك بأن ترك القول بالإمامة والعصمة، قد يكون جمع مع ذلك ترك انحرافات أخرى في أبواب التوحيد والقرآن والصحابة وغيرها بحسب ما ظهر لكل متحول، وأما التحول الآخر: هو التحول المحمود داخل المذهب بمعنى أنه لم يترك القول بالإمامة، ولكنه مثل الشركيات في باب الربوبية وفي باب العبادة، ومثل القول بتحريف القرآن وتكفير الصحابة ونحوها.
٤. أن المذهب الإمامي لم يظهر من أول وهلة بصورته الحالية , بل تكامل شيئا، وكان تسلسل تطوره – بحسب ما ظهر لي – على النحو التالي:
• المرحلة الأولى: مرحلة تفضيل علي على سائر الصحابة وآخر هذه المرحلة شهدت انتشار فكرة الطعن في الشيخين – من غير براءة – وهذه المرحلة كانت إلى نهاية القرن الأول.
• المرحلة الثانية: وهي مرحلة البراءة من الشيخين بحيث أصبح هو قول عامة شيعة الكوفة، وهو ما تجلى بشكل واضح سنة ١٢٢هـ في حادثة خروج زيد بن علي ﵀.
• المرحلة الثالثة: وهي مرحلة النص والعصمة ومع أن هذه الفكرة كانت قد ظهرت قبيل نهاية القرن الأول إلا أنها لم يكتب لها إلا في زمن الإمام الصادق ما بين ١٢٢هـ وسنة وفاته ١٤٨هـ.
المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي شهدت تحديد الأئمة بعدد اثني عشر، وهذه المرحلة بدأت مع موت الإمام الحادي عشر " الحسن بن العسكري" ﵀ بلا ولد سنة ٢٦٠هـ مما اضطر المنظرون للقول بالإمامة لختم النظرية وادعاء الغيبة.
٥. أبرز من وقفت عليهم من الذين تحولوا عن المذهب الإمامي – في القرن الأخير -:
أ- آية الله العظمى السيد أبو الفضل البرقعي.
ب- الناقد المثقف أحمد الكسروي.
ت- السيد محمد الياسري.
ث- آية الله العظمى إسماعيل آل إسحاق (علامة خوئيني).
ج- الأستاذ أحمد الكاتب
٦. وأبرز من وقفت عليه من الذين كانت لهم تحولات محمودة داخل مذهب الإمامية – في القرن الأخير-:
أ- آية الله العظمى المجاهد محمد الخالصي.
ب- الدكتور السيد موسى الموسى.
ت- آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله.
وهؤلاء جميعا يختلفون في مستوى التحول والتصحيح الذي طرحوه، بحسب ما بان لكل واحد منهم، كما أن لبعضهم حسنات كبيرة مثل الجهاد ضد الكفار والأفكار الإلحادية، وجميعهم يشتركون في مقدار ليس بالهين في مجاهدة بعض البدع والخرافات.
وأهم ما أجمعوا على دفعه عن الدين الإسلامي الصحيح:
стр. 363
أ- القول بأن الأئمة يتصرفون بالكون، حيث عدوه من الانحراف عن التوحيد.
ب- نسبة العلم بالغيب لغير الله سواء للأئمة أو غيرهم.
ت- النهي عن توجيه العبادة لغير الله تعالى ,كالسجود والاستغاثة وطلب الحاجات، واتخاذ الوسطاء من أجل طلب الغفران وغيره.
ث- إنكار القول بتحريف القرآن, والرد على من قال بذلك من غلاة الإمامية.
ج- إنكار القول بتكفير الصحابة.
ح- ذم الخرافات والأساطير
٧ - أن النقد الداخلي في كل مذهب قد يكون حركة تكاملية، بحيث يكمل الناقد الثاني طريق الأول فيجب أن تعزز عملية النقد الموضوعي ولو كانت جزئية , لأن هذا يصيب في صالح الوحدة على المنهج الواحد الصحيح في النهاية وهذا يمثل عملية تقريب صحيحة وجيدة على مدى بعيد وهذا ما يجب أن يدركه بعض الأطراف من أهل السنة الذين لا يرتضون أن يعززوا أي مصحح ما لم ينتقل إلى الحق المطلق وبدون أي شائبة.
ثانيا: أهم التوصيات:
١ - أن دراسة التحولات المحمودة والمذمومة بموضوعية أمر مهم للغاية والقرآن مليء بكثير من الإشارات لمثل هذه الدراسة. ومن هذه الموضوعية أن لا تدرس هذه التحولات على سبيل التكثر والانتصار بهم على الخصم لأن هذا مما يعزز روح الطائفية حتى عند أهل الحق فضلا عن المخالف لهم بل الصحيح أن تدرس كلماتهم وآراؤهم بموضوعية تامة بحيث يستفاد من نقدهم من أجل الوصول إلى وحدة إسلامية على منهج واحد موافق للقرآن والسنة الصحيحة.
٢ - يعد الاستقراء الواقعي لتطورات المذهب والفرق ومنها فرقة الإمامية من الأمور المهمة جدا من أجل بناء تعامل وأحكام عادلة ومنصفة على أفرادها بدلا من الأحكام العامة.
٣ - دعم المتحولين يجب أن يكون عملية متوازنة بحيث لا يترك جانب التنمية على الأخطاء لديه ولا يهمل جانب التصحيح الذي يعد من الجهاد الذي يجب دعمه بكل الوسائل وهذا ما يدفعنا إلى السؤال: كيف يحصل هذا التوازن؟
للإجابة على هذا ينبغي أن نسلك عدة خطوات:
أولا: إشاعة روح الإنصاف في الأحكام لدى العلماء أو ما نسميه بنفس المحدثين في مراتب الجرح والتعديل.
ثانيا: أن يعلم الناس تفاوت الناس في الخير والشر حتى يستطيع العلماء تجاوز مرحلة " عدم القدرة على إبداء أي تعزيز للمتحول جزئيا" خوفا من أن يفهم الناس التزكية المطلقة ولا مناص من هذه الخطوة لاسيما وأن كثير من الناس باتوا يسمعون ويرون كل شيء في ظل الإعلام المفتوح وقد ألف الناس السماع مع أصناف متعددة فإما أن يتواكب علماء الفرق الإسلامية ودعاتها مع المرحلة التي يعيشها الناس – وليس مع طلابهم ومريديهم- أو أنهم سيجدون أنفسهم معزولين فكريا عن الناس.
ثالثا: ضرورة فتح الصلات بين أعلام أهل السنة وبين أمثال هؤلاء المصححين بكل الأساليب التي تقرب القلوب قبل كل شيء من أجل فتح مناخ غير متشنج للحوار للوصول إلى دعم حركة التصحيح في كل الفرق الإسلامية.
رابعا: أن السكوت عن هذه التحولات هو أبعد المواقف المطلوبة شرعا, لأن التحولات إن كانت خيرا للأمة فالسكوت لم ينصروها ويعززوها وإن كانت باطلا فهم لم يبطلوها ويردوها وإن كان فيها خير وشر فهم لم يصنعوا شيئا تجاه خيرها أو شرها. كما أن النقد المجحف وغير المنصف يخالف قوله تعالى (اعدلوا هو أقرب للتقوى) [المائدة:٨].
خامسا: ضرورة تجديد الخطاب السني وطرح الأسلوب التعميمي بحيث ينتهج المسلك الذي " يستهدي ولا يستعدي " لا سيما وأن الشدة والغلظة لن تجدي مع كون المخالفين لأهل السنة ملايين المسلمين بل الغلظة والحالة هذه لا توجد إلا صورة إعلامية قبيحة في الذهنية العالمية تجاه أهل السنة ولا يستفيد منها الحانقون على أهل السنة في صد الناس عنهم.
ولنا في رسول الله ﷺ أعظم القدوة حيث ترك قتل بعض من ثبت لديه نفاقه مع أن أصل قتل من ثبت نفاقه مشروع إلا أنه ترك ذلك من أجل أن يكون قتلهم رسالة إعلامية تصد الناس عن الدخول في الإسلام فقال رسول الله – ﷺ – لمن أشار عليه بقتل بعض المنافقين: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " متفق عليه.
قال الإمام الشاطبي: " النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة .. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه صعب المذاق محمود الغب [يعني: العاقبة والمآل] جار على مقاصد الشريعة
هذا ما تيسر جمعه في هذا البحث فما أصبت فيه فمن الله وما أخطأت فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان وأسأل الله تعالى أن يرحمنا وأن يغفر لنا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.
اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والحمد لله رب العالمين.
стр. 364
إمامة المسجد فضلها وأثرها في الدعوة
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن محمد العبلاني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الراية - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: مساجد - أحكام وفضائل
الخاتمة: وفي نهاية المطاف اتضحت لنا أهمية الإمامة ودورها في الدعوة إلى الله، وإن مما يساعد على القيام برسالة المسجد على الوجه الصحيح اختيار الإمام المناسب في علمه ودينه وخلقه، ولقد خلصت من هذه الدراسة المختصرة لإمام المسجد ودوره في الدعوة إلى نتائج أهمها ما يلي:
أولا: إن إمامة المسجد لها فضل عظيم مع الإتمام وأنها أفضل من الأذان، ولكن عند تقصير الإمام فيها فإن عليه إثم عظيم ووزر كبير قد وردت الأحاديث الصحيحة ببيان ذلك فينبغي للإمام أن يحذر من هذا فإن كان أهلا للإمامة فليستعن بالله وليؤدها على الوجه الصحيح وإن كان ليس من أهلها فما عليه إلا أن يفسح المجال لغيره من القادرين على التوجيه والنصح والإرشاد ولا يكن همه تلك المكافأة التي يأخذها في نهاية كل شهر فإن الأمر جد خطير.
ثانيا: إن إمام المسجد - وخاصة الجامع - له دوره الكبير في الدعوة إلى الله وهداية الحيارى وإصلاح الفاسدين، ولن يتكلل جهده بالنجاح إلا إذا سلك الطريق الأقوم، وكان داعية بحاله قبل لسانه يؤيد منهجه بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أن إمامة المسجد أمر لا يؤخذ إلا بحقه فهنالك صفات لا بد أن يتحلى بها الإمام، وآداب لا بد أن تتوفر فيه ليستطيع من خلالها تأدية دوره، فإن فقدت هذه الصفات والآداب فيه فغيره بها أجدر. ثالثا: أن على إمام المسجد واجبات كثيرة منها ما يتعلق بصلاة من خلفه ومنها ما يتعلق بتوجيه من حوله، فينبغي عليه أن يحذر من التقصير في شيء من هذا فيكون ممن ضيعوا الأمانات التي ائتمنوا عليها وسيسألهم الله عنها يوم القيامة. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، إماما ومربياً ومعلما، ومرشدا، فعلى الإمام أن يدرس سيرته ﵊ ويستفيد منها.
رابعا: أن خطبة الجمعة مجال عظيم الفائدة في دعوة الناس وتوجيههم نحو تعاليم الإسلام الصحيحة إذا كلف بها الداعية المخلص لدينه وأمته، وأما إذا تركت بأيدي أناس لا يحسنون الخطابة ولا يهتمون بها بل جعلوها مصدر رزق لهم؛ فإن هذا سيكون من الأمور التي تسهم في جهل المسلمين وحجب النور عنهم.
فعلى ولاة الأمر في بلاد المسلمين أن يولوا هذا الأمر عناية تامة وأن لا يعين أحد خطيبا إلا إذا كان أهلا لذلك. هذا آخر ما تيسر لي كتابته والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد.
стр. 365
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المؤلف/ المشرف: خالد بن عثمان السبت
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المنتدى الإسلامي - لندن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الخاتمة
يمكن أن نستخلص أهم النتائج التي توصلنا إليها من خلال هذا البحث بالأمور الآتية:
١ - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعد من أشرف الأعمال والقائمين به هم صفوة الأمة، وهم أصحاب الغربة الكاملة.
٢ - أن الأمر بالمعروف يشمل جميع الصور الداخلة تحته، سواء كان ذلك عن طريق التعليم، أو التوعية، أو التربية على الإسلام، أو غير ذلك من الصور التي لا تحصى.
٣ - أن النهي عن المنكر يشمل جميع الطرق المشروعة في إزالته، سواء قبل وقوعه أو في أثنائه، كما أنه يدخل في جميع ما نهى الله عنه ورسوله – ﷺ .
٤ - أن بين الحسبة من جهة كونها منصباً ووظيفة وبين القضاء موافقة وعموماً وخصوصاً من وجه كما أن بين المنصوب للاحتساب وبين المتطوع تسعة فروق سبق ذكرها.
٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُعد ضرورة لابد منها لصلاح المجتمعات واستقامتها، فهو يحفظ الضرورات الخمس من جانب الوجود والعدم.
٦ - هناك حكم عظيمة وفوائد جمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منها ما يعود على الآمر والناهي، ومنها ما يعود على المأمور المنهي، ومنها ما يعود على سائر الأمة.
٧ - أن الأصل في مشروعيته هو أمر الله وأمر رسوله – ﷺ – ولا يحتاج إلى تشريع أحد ولا التفضل بوضعه.
٨ - كان هذا المطلب واجباً على الأمم السابقة، كما أنه واجب على هذه الأمة إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقد يسقط الوجوب في بعض الأحوال، ولهذا ضوابط معروفة.
٩ - المنكر أعم من المعصية، فكل معصية منكر دون العكس.
١٠ - من الاحتساب ما يحتمل التأجيل ومنه ما لا يحتمل.
١١ - لهذا العمل أركان أربعة هي: المحتسب، والمحتسب عليه، والعمل الذي هو الاحتساب، والمحتسب فيه.
١٢ - هناك ستة شروط للمحتسب لابد من توافرها وهي: التكليف، والإسلام، والإخلاص، والمتابعة، والعلم، والقدرة.
١٣ - هناك شروط لا تعتبر في المحتسب وهي: العدالة، وإذن السلطان، والذكورة، والحرية.
١٤ - هناك آداب يجب توافرها في المحتسب وهي: الرفق، والبدء بالنفس، والمساواة بين القرابة وغيرهم، والبدء بالأهم، والصبر على الأذى، والحلم، والبدء بالأرفق، ومراعاة المصالح، ودفع المفاسد.
١٥ - هنا آداب يستحب توافرها في المحتسب وهي: العمل على إيجاد بديل عن المنكر، وتقليل العلاقات مع الناس إن كانت المصلحة في ذلك، والإسرار بالنصح.
١٦ - الناس أقسام تجاه القيام بهذا العمل أو عدمه، فمنهم من لا يلتفت إليه، ومنهم من يقوم به، وهم على درجات مختلفة.
١٧ - أن المحتسب عليهم لهم شروط، وهم أنواع مختلفة.
١٨ - أن المحتسب فيه له ضوابط وشروط محددة لابد من توافرها.
١٩ - لا يصح أن يقال: لا إنكار في مسائل الخلاف، وإنما يقال: مسائل الاجتهاد مع مراعاة بعض الضوابط التي سبق ذكرها.
٢٠ - أن الاحتساب له خطوات يسير فيها، كما أن له مراتب لابد من مراعاتها.
٢١ - الإنكار بالقلب يقتضي مفارقة المنكر وأهله.
٢٢ - الاحتساب لا يسقط إذا لم يُرج الانتفاع من جرائه.
٢٣ - في حال تفشي المنكرات ينبغي القيام بهذا الواجب حسب الاستطاعة كما أمر الله.
وختاماً أحمد الله تعالى على التيسير، وأسأله المزيد من فضله .. وأن يبارك بهذا الجهد وينفع به من كتبه ومن نظر فيه، إنه جواد كريم.
ثم إن ما في هذا البحث من صواب فهو منْ منِّ الله وتفضله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 366
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن أحمد المسعود
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الوطن - الرياض ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الخاتمة: الحمد لله الذي جعل أمة محمد خير أمة أخرجت للناس بسبب أمرها المعروف ونهيها عن المنكر. وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له. القائل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [سورة آل عمران:١١٠]، والصلاة والسلام على خير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر محمد بن عبدالله والقائل: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) ﷺ وآله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد: فلقد عرفت من خلال هذا البحث أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الموضوعات الجديرة بالبحث والدراسة والتأليف حيث إنني تعبت كثيرا وكثيرا للحصول على مراجع متخصصة في هذا البحث تصلح لأن تكون مرجعا يغني الباحث ويريه اللهم إلا النزر القليل. لذا فإنه من الضروري أن يعني علماء الإسلام بهذا الموضوع ويدرسوه ويكتبوا فيه في جميع جوانبه. كما أنني عرفت من خلال البحث أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على كل مسلم مستطيع على ما فصلناه في موضعه لمفهوم الاستطاعة. وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الوسائل، إن لم يكن هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على المنكرات وفي الوقت نفسه فإنه لا سعادة ولا فلاح للناس في أمور دينهم ودنياهم إلا بقيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لذا كان لزاما على كل المسلمين، أفرادا وجماعات رؤساء ومرؤوسين، أن يسهموا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الأمة إن لم تفعل فإنها بهذا تكون قد عرضت نفسها لعذاب الله تعالى. عرضت نفسها للكوارث والأزمات في جميع جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وأن أمنها سيبدله الله خوفا، وغناها فقرا، وشبعها جوعا، واستقرارها واجتماعها تفرقا وتشريدا، وأدلة ذلك موجودة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كما بينا ذلك في موضعه، وأما إذا قامت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها ستسعد في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ... وتأمن من عذاب الله تعالى في الدارين الدنيا والآخرة.
ولا شك أن ولاة الأمر في أي بلد يتحملون الجانب الأكبر من المسئولية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهم الذين يستطيعون أن يرفعوا من شأنه، ويمنحوا الصلاحيات للقائمين به، ويشجعوا كل من ساهم فيه. وهم الذي يستطيعون توفير جميع الإمكانات التي تسهم في إنجاحه .. وفي الوقت نفسه هم الذين يستطيعون أن يحدوا منه ويقلصوا من صلاحيات الآمرين ويمنعوا المساهمين فيه. بل وهم الذين يستطيعون أن يحطموا القائمين به والمساهمين فيه ويبخلوا في الإمكانات حتى تنشل حركتهم ... وكان عليهم أن يعرفوا جيدا أن عزهم وأمنهم واستقرارهم واستمرارهم في مسئولياتهم يكمن في مناصرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا ما تخلوا عنه فهذا إيذانا وإعلانا بزوالهم، والله المستعان.
стр. 367
الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى
المؤلف/ المشرف: سعيد بن علي القحطاني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: دعوة - فقه أحكام وضوابط وتصورات
الخاتمة
الحمد لله الذي أعانني على إتمام هذه الرسالة على هذه الصّورة، فالفضل والمنّة له أولاً وآخراً، ?ولَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (، ?الحَمْدُ لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ (.
بعد هذه الرّحلة المباركة ـ إن شاء الله تعالىـ التي طُفت في خلالها بمفهوم الحكمة الصّحيح في الدعوة إلى الله تعالى وأنواعها، ودرجاتها، وأركانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، التي أعزّ الله بها الإسلام وأهله، وأذلّ بها الكفر والعصيان والنّفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين، أقول:
هذا ما منّ الله به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصّل إليه الفهم المتواضع، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن فيه خطأ أو نقص فتلك سنة الله في بني الإنسان، فالكمال لله وحده، والنفص والقصور واختلاف وجاهت النظر من صفات الجنس البشري، ولا أدعي الكمال، وحسبي أني قد حاولت التّسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت بتوفيق الله ـ تعالىـ، وأسأل الله أن ينفعني بذلك، وينفع به جميع المسلمين، فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
أما أهم النتائج التي أعانني الله ويسّر لي التوصل إليها في هذا البحث فمنها ما يلي:
١ـ إن الحكمة في الدّعوة إلى الله لا تقتصر علىالكلام اللّيّن والتّرغيب والرّفق والحلم والعفو الصّفح، بل تشمل جميع الأمور التي عُملت بإتقان وإحكام، وذلك بأن تنزل في منازلها الائقة بها، فيوضع القول الحكيم والتّعليم والتّربية في مواضعها، والموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، ومجادلة الظّالم المعاند، والمستكبر في موضعها، والزّجر والغلظة والقوّة في مواضعها، وكلّ ذلك بإحكام وإتقان، ومراعاة لأحوال المدعوين، والواقع والأزمان والأماكن، في مختلف العصور والبلدان، مع إحسان القصد والرّغبة فيما عند الكريم المنان.
٢ـ إنّ الدّاعية الحكيم هو الذي يدرس ويعرف أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية والاقتصادية، والاجتماعية، والعلميّة، ويعرف مراكز الضّلال ومواطن الانحراف، وعاداتهم ولغتهم ولهجاتهم، والإحاطة بمشكلاتهم، ومستواهم الجدلي، ونزعاتهم الخلقية، والشُّبه التي تعلق بأذهانهم، ثم ينزل الناس منازلهم ويدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم، ويُعْطِي الدّواء على حسب الداء.
٣ـ إن النبي e هو القدوة الحسنة للدُّعاة الحكماء، فقد كان يُلازم الحكمة في جميع أموره، وخاصة في دعوته إلى الله ، وهذا من فضل الله عليه وعلى أتباعه، فقد أرسل جبريل ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم أفرغ في صدره طستاً من ذهب ممتلئٍ حكمةً وإيماناً، وأقبل الناس، ودخلوا في دين الله أفواجاً بفضل الله ثم بحكمة هذا النبي الكريم، وما من خلق كريم ولا سلوك حكيم إلا كان له منه أوفر الحظّ والنصيب.
٤ـ إنّ أحسن الطّرق في دعوة الناس ومخاطبتهم ومجادلتهم طريقة القرآن الكريم، وطريقة النبي e، وسوق النصّ القرآني والحديث النبوي في ألصق الأمور مساساً بها من أعظم الحكم التي من أوتيها فقد أوتِيَ خيراً كثيراً.
стр. 368
٥ـ إن الحكمة تجعل الدّاعي إلى الله يُقدّر الأمور ويعطيها ما تستحقه، فلا يزهد في الدنيا والناس في حاجة إلى النّشاط والجدّ والعمل، ولا يدعو إلى الانقطاع والانعزال عن الناس، والمسلمين في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم وأعراضهم، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء وهم في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة، فالحكمة تجعل الداعية ينظر ببصيرة المؤمن، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، وتنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم وأمنهم.
٦ـ إن البصيرة في الدعوة إلى الله هي أعلى درجات الحكمة والعلم، وهذه الخاصيّة اختصّ بها النبي e، ثم أصحابه، والمخلصين من أتباعه، وهي أعلى درجات العلماء، وحقيقتها الدّعوة إلى الله على علم ويقين وبُرهان عقلي وشرعي، وترتكز البصيرة في الدعوة إلى الله على ثلاثة أمور:
(أ) أن يكون الدّاعية على بصيرة، وذلك بأن يكون عالماً بالحكم الشّرعيّ فيما يدعو إليه.
(ب) وأن يكون على بصيرة في حال المدعو حتى يُقدّم له ما يُناسبه.
(ج) وأن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة.
٧ـ إن العلم النافع المقرون بالعمل الصّالح، والحلم والأناة من أعظم الأسس التي تقوم عليها الحكمة في الدعوة إلىالله ـ تعالىـ، ولهذا فقد يكون المرء عالماً أو حليماً، ولا يكون حكيماً حتى يجمع هذه الأسس الثلاثة.
٨ـ إن العلم والحِلْم والأناة لها أسباب تُؤدي وتوصل إليها، وأسباب تعين على التمسك بها، والمحافظة عليها.
٩ـ إنّ العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل الصالح، وقد كان علم الصّحابة مقروناً بالعمل والإخلاص والمتابعة، ولهذا كانت أقوالهم وأفعالهم وسائر تصرفاتهم ـ في دعوتهم إلى الله وأمورهم ـ تزخر بالحكمة.
١٠ـ إن العجلة وعدم التّثبت والتأني والتبصر أو التباطؤ والتّقاعس، كل ذلك يؤدي إلى كثير من الأضرار والمفاسد، والداعية أولى الناس بالابتعاد عن ذلك كله، فمقتضى الحكمة أن يعطي كل شيء حقّه، ولا يعجّله عن وقته، ولا يؤخّره عنه، فالأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدّم عنها ولا تتأخر.
١١ـ إن الحلم من أعظم ركائز الحكمة ومبانيها العظام، وقد كان خلقاً من أخلاق النبوة والرّسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى الله، والصّالحين في أخلاقهم كافة، وعلى رأسهم محمد e وأتباعه.
١٢ـ إن الأناة عند الداعية تسمح له بأن يحكم أموره، فلا يُقدم على أي عمل إلا بعد النظر والتأمل ووضوح الغاية الحميدة التي سيجنيها، ولا يَتعجّل بالكلام قبل أن يُديره على عقله، ولا بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه وبنى عليه فتواه.
فالداعية بحاجة ماسّة إلى الأناة، لما يحصل بذلك من الفوائد الكثيرة، والكفّ عن شرور عظيمة، وهذا يجعل الداعية بإذن الله ـ تعالىـ في سلامة عن الزلل.
١٣ـ إنّ الدّاعية لا يكون حكيماً في أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته وأفكاره وموافقاً للصّواب في جميع أموره إلا بتوفيق الله ـ تعالىـ له، ثم بسلوك طرق الحكمة، وذلك بالتزام السّلوك الحكيم، والسّياسة الحكيمة مع مراعاة التسديد والمقاربة والأساليب الحكيمة، وفقه أركان الدعوة، وأن يكون عاملاً بما يدعوا إليه مخلصاً متخذًا في ذلك محمداً e قدوةً وإماماً.
стр. 369
١٤ـ إنّ الخبرات والتّجارب والمران من أعظم ما يُعين الدّاعية على التزام الحكمة واكتسابها، فهو بتجاربه بالسّفر ومعاشرة الجماهير سيكون له الأثر الكبير في نجاح دعوته، وابتعاده عن الوقوع في الخطأ في منهجه ودعوته إلى الله، لأنه إذا وقع في خطأ مرة لا يقع فيه أخرى، فيستفيد من تجاربه وخبراته.
١٥ـ إن تحرّي أوقات الفراغ والنّشاط والحاجة عند المدعوين وتخولهم بالموعظة والتّعليم من أعظم ما يُعين الدّاعية على استجلاب الناس وجذب قلوبهم إلى دعوته.
١٦ـ إن المصالح إذا تعارضت أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدئ بالأهمّ، فيدفعَ أحد المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
١٧ـ إنّ لتأليف القلوب بالمال والعفو والصّفح والرّفق واللّين والإحسان بالقول أو الفعل أعظم الأثر في نفوس المدعوين.
١٨ـ إنّ من أعظم الأساليب البالغة في منتهى الحكمة عدم مواجهة الدّاعية أحداً بعينه عندما يُريد أن يؤدّبه أو يُعاتبه أو يزجره ما دام يجد في الموعظة العامة كفاية، وذلك إذا كان المدعو المقصود بين جمهور المخاطبين أو يبلغه ذلك، كأن يقول الدّاعية: ما بال أقوام، أو ما بال أناس، أو ما بال رجال يفعلون كذا، أو يتركون كذا.
١٩ـ إنّ الدّاعية لا يكون حكيماً في دعوته إلا بفقهه لركائز الدعوة، وذلك: بمعرفة ما يدعو إليه، وما هي الصفات والأخلاق والآداب التي ينبغي أن يلتزم بها الداعية، ومعرفة المدعوين وأصنافهم، والوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها.
٢٠ـ إنّ الدّعوة بالمواقف الحكيمة المشرّفة، لها الأثر البالغ في قلوب المدعوين، لأنها تدفعهم إلى التّفكر والتأمل، ثم تكون نقطة التحوّل في نظام حياتهم بإذن الله تعالى.
٢١ـ إن اطلاع الداعية على مواقف النبي e الحكيمة في عفوه وصفحه، ورفقه وحلمه وأناته، وشجاعته، وجوده وكرمه، وإصلاحه، من أعظم ما يُفيد الدّاعية في حياته، وخاصّة في دعوته إلى الله ـ تعالىـ.
٢٢ـ إنّ للصحابة وأتباعهم ومن سار على نهجهم مواقف حكيمة في دعوتهم إلى الله ـ تعالىـ، تدلّ على صدقهم ورغبتهم فيما عند الله ـ تعالىـ، وتبيّن مدى جهودهم، وتغذّي وتربيّ من اطلع عليها من الدعاة إلى الله ـ تعالىـ.
٢٣ـ إن من أعظم الحكمة في دعوة الملحِدِين أن تقدّم لهم الأدلّة الفطرية على وجود الله ـ تعالىـ وربوبيته، والبراهين العقليّة القطعيّة بمسالكها التفصيليّة، والأدلّة الحسيّة المشاهدة، ثم يختم ذلك بالأدلة الشّرعيّة.
٢٤ـ إنّ من الحكمة في دعوة الوثنيين بالحكمة القولية أن يُقدِّم لهم الدّاعية الحُجَجَ والبراهين العقليّة على إثبات ألوهية الله ـ تعالى ـ، وأنّ الكمال المطلق له من كل الوجوه، وما عُبِدَ من دونه ضعيف من كل وجه، وأن التّوحيد الخالص دعوة جميع الرّسل عليهم الصلاة والسلام والغلوّ في الصّالحين سبب كفر بني آدم، والشّفاعة لا تنفع إلا بإذن الله للشّافع ورضاه عن الشّافع والمشفوع له، وأن البعث ثابت بالأدلة العقليّة والنقليّة القطعيّة، وأن الله الذي سخّر جميع ما في هذا الكون الفسيح لعباده فهو في الحقيقة المستحقّ للعبادة وحده.
٢٥ـ إنّ دعوة اليهود بالحكمة القولية إلى الله ـ تعالى ـ ترتكز على إثبات نسخ الإسلام لجميع الشّرائع، وإظهار وإثبات وقوع التّحريف في التوراة، واعتراف المنصفين من علمائهم، وإثبات رسالة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.
стр. 370
٢٦ـ إنّ دعوة النّصارى بالحكمة القوليّة إلى الإسلام تَقومُ على إبطال عقيدة التّثليث، وإثباتِ وحدانية الله ـ تعالىـ، وتقديم الأدلّة العقليّة والبراهين القطعيّة على إثبات بشرية عيسى e، وأنه عبد الله ورسوله، ثم تقديم البراهين على إبطال قضيّة الصّلب والقتل، وإثبات وقوع النّسخ والتّحريف في الأناجيل، وتتويج ذلك بالاعترافات الصادقة من المنصفين من علماء النّصارى.
٢٧ـ إنّ من حكمة القول مع أهل الكتاب وغيرهم من الكُفّار أن تُقدَّم لهم الأدلّة والبراهين القطعيّة على صدق رسالة النبي محمد e، وذلك ببيان معجزات القرآن الكريم التي عجز عنها جميع الجنّ والإنس، ومعجزات النبي e الحسيّة المشاهدة، ثم تتويج ذلك بالأدلّة القطعيّة على عموم رسالة الإسلام في كل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعة.
٢٨ـ إنّ من مُقتضى العقول السليمة والحكمة السّديدة أن لا يُخاطب المسلم ـ في توجيهه وإرشاده وحثِّه على الالتزام بدينه ـ كما يخاطب الملحد، أو الوثني، أو الكتابي، أو غيرهم من الكفّار.
٢٩ـ إن من الدّعوة إلى الله بالحكمة أن يبدأ الدّاعية بالمهم، ثم الذي يليه، وأن يجعل للمدعو من الدروس ما يسهل عليه حفظها وفهمها، والتفكرّ التام فيها، وأن يُعلّم العوامّ ما يحتاجون إليه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم تناسب مستواهم مع مراعة التنويع في الأسلوب والتشويق.
٣٠ـ إن مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر، فالقابل للحق يُدعى بالحكمة، فيبيَّن له الحق بدليله: علماً وعملاً واعتقاداً، فيقبله ويعمل به وهذا هو القسم الأول من المسلمين، والقابل للحق الذي عنده شهوات تصده عن اتباع الحق يُدعى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، ويُغَذَّى بالحكمة التصويرية: من القصص الحكيم، وضرب الأمثال، ولفت القلوب والأنظار إلى الصور المعنوية وآثارها، والآثار المحسوسة. وهذا هو القسم الثاني من المسلمين وهم العصاة.
والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.
والظالم الذي عاند وجحد ولم يقبل الحق بل وقف في طريقه، فهذا يُدعى بالقوة إن أمكن.
فهذه مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر، ويلاحظ أن مرتبة الحكمة ملازمة لجميع المراتب الأخرى، وذلك لأن الحكمة في الحقيقة هي وضع الشيء في موضعه والإصابة في الأفعال والأقوال والاعتقادات إصابة محكمة متقنة.
٣١ـ إن استخدام القوة الفعلية في الدعوة إلى الله ـ تعالىـ من أعظم الحكم عند الحاجة إليها، وهي تكون بقوة الكلام، والتأديب، وبالضرب، وبالجهاد في سبيل الله تعالى.
ومفهوم القوة الحكيمة في الدعوة إلى الله تعالى ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حكمة القوَّة مع جميع الكفَّار: من الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار، فهؤلاء إذا لم ينفع فيهم جدالهم بالتي هي أحسن، ولم يستفيدوا من حكمة القول: العقلية والحسية، والنقلية، والبراهين والمعجزات، وأعرضوا وكذبوا، فحينئذ يكون آخر الطب الكي: وهو استخدام القوة بالجهاد في سبيل الله ـ تعالىـ: بالسيف، والسنان، والحجة، والبيان، وبجميع ما يستطيع المسلمون من قوة، بشرط مراعاة الشروط والضوابط الشرعية، مع الإعداد المعنوي والحسي للجهاد، والعمل بأسباب النصر على الأعداء.
القسم الثاني: حكمة القوَّة مع عصاة المسلمين، فهؤلاء، إذا لم ينفع فيهم الوعظ، والترغيب، والترهيب، والقصص الحكيم، وضرب الأمثال، ولم يؤثر فيهم ما يُلقى إليهم من الحكمة التصويرية، ولفت أنظارهم إلى الصور المعنوية والآثار المحسوسة، فحينئذٍ يكون من الحكمة في دعوتهم إلى الله استخدام القوَّة: بالكلمة القوية مع الفعل الحكيم، وبالتهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة، وبالتعزير، والهجر لله ـ تعالىـ، وإقامة الحدود الشرعية بالشروط والضوابط التي دل عليها الكتاب والسنة.
стр. 371
الحكمة والموعظة الحسنة وأثرهما في الدعوة إلى الله في ضوء الكتاب والسنة
المؤلف/ المشرف: أحمد بن نافع بن سليمان المورعي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الأندلس الخضراء - جدة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: دعوة - فقه أحكام وضوابط وتصورات
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، ذي الشأن عظيم البرهان، شديد السلطان، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، رب السموات السبع ورب الأرضين السبع ورب العرش العظيم، قديم الإحسان، دائم النعم، كثير الجود، واسع العطاء.
الحمد لله المحمود على كل حال في السراء والضراء، فالحمد لله أولاً وآخراً كما يحب ويرضى.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبتوفيقه تنصلح الأحوال، وبإعانته تكتمل الأمور وتستقيم.
اللهم كما وفقت لابتداء البحث فقد تم فضلك وإنعامك عليّ بإتمامه.
اللهم لك الحمد في الابتداء والانتهاء، حمداً كثيراً كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
أسألك ربي أن تجعل عملي خالصاً لوجهك الكريم، وأن تتقبله مني، وأسألك ربي أن تتجاوز عن الخطأ فيه، وأن ترشدني إلى الصواب، وأستغفرك ربي وأتوب إليك إنك غفور رحيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى ويسر لليسرى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام الهدى والرحمة المهداة وقدوة الداعين إلى الله.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أئمة الهدى ومصابيح الظلام، الذين ترسموا منهج رسولهم e في الدعوة إلىالله بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما بعد:
فإن مقام الدعوة إلى الله من أفضل المقامات وأشرف الغايات وأسمى المكانات، لا ينال هذا المقام إلا من اصطفاه الله واختاره، والله أعلم بمن يصطفيه ويختاره.
وقد رسم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المنهج الأكمل والطريق الأوحد والسبيل الأقوم للدعوة إلى الله على بصيرة.
وقد قمت في هذه الرسالة بوضع النقاط على حروف هذا المنهج وإيضاحها وضرب الأمثلة والنماذج عليها من الكتاب والسنة، وأرجو أن أكون قد أديت الغرض ووفيت بالمقصود.
وإن هذا الجهد المتواضع يحتاج من العلماء العاملين والأساتذة المربين والدعاة المصلحين تتبعاً أكثر فأكثر، حتى يفصل المنهج تفصيلاً دقيقاً محكماً محرراً.
وقد أبان البحث عن ما يلي:
١ـ أبان فضل الدعوة إلى الله وحكم تبليغها وفضل الدعاة إلى الله وبيان مكانتهم والمدعوين وأصنافهم.
٢ـ بين المراد من الحكمة وتتبع أقوال العلماء والجمع بينها.
٣ـ كشف عن مواطن الحكمة، وذكر منها عشرة مواطن، وضرب لكل موطن النماذج والأمثلة المبيّنة له من الكتاب والسنة.
٤ـ بين المراد من الموعظة، وذكر الفرق بينها وبين الحكمة.
٥ـ أوضح عن مواطن الموعظة الحسنة، وذكر منها سبعة مواطن، وضرب لكل موطن النماذج والأمثلة المبينة له من الكتاب والسنة.
٦ـ كثرة النماذج والأمثلة على كل موطن من مواطن الحكمة والموعظة والجدل ليزداد المعنى وضوحاً وجلاءً عن حقيقته، وتقريباً للمعنى من القارئ ترجمه له في واقع عملي.
٧ـ جمع البحث مادة علمية وفيرة من الكتب الأصيلة والمصادر المعتمدة على اختلاف مناهجها، وصاغها في أسلوب سهل وأفكار مترابطة وعرضها عرضاً حسناً.
٨ـ قام بدراسة المنهج الذي قرره القرآن في الدعوة إلى الله دراسة تحليلية فأتى بكثير من الأمثلة الرائعة والنماذج الفائقة والقدوات الحسنة المؤثرة من كتاب الله وسنة رسول الله e.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل هذا المنهج نبراساً ومناراً لي ولإخواني الدعاة إلى الله حتى تؤتي الدعوة ثمارها على الوجه المطلوب.
٩ـ أبان أنه ينبغي للدعاة إلى الله أن يستغلوا أجهزة ووسائل الإعلام المعاصرة بجميع أنواعها وأشكالها في الدعوة إلى الله، بعد أن بين أثر تلك الوسائل والأجهزة في تغيير الأفكار والمعتقدات.
وفي الختام أسأل الله الحكيم الكريم رب العرش العظيم أن يوفق المسلمين إلى تطبيق منهج القرآن الكريم في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
وأن يحسنوا استخدام أجهزة الإعلام الحديثة في توسيع دائرة الوعي الإسلامي، وهذا لا يتم إلا بإيجاد المادة البديلة لما هو موجود، حتى يستفاد منها على الوجه المطلوب، وأن يعنوا بتربية أبنائهم على استخدام هذا المنهج في الدعوة إلى الله عقيدة وشريعة وغاية.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، واعف عن زلاتنا وتقصيرنا.
الله أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك علىنبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام علىالمرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 372
السلفية وأعلامها في موريتانيا (شنقيط)
المؤلف/ المشرف: الطيب بن عمر بن الحسين
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: تراجم العلماء والدعاة
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من أكمل الله به الرسالات وبعد ..
فبفضل الله تعالى ونعمه، قد أنهيت هذا الكتاب، بعد أن عشت ثلاث سنوات في البحث في عقيدة السلف، والأعلام الذين تمسَّكوا بها في القطر الموريتاني، على مدى تاريخ الإسلام في المنطقة.
ويعلم الله أني بذلت في هذا البحث قصارى جهدي، وغاية وسعي، وآمل أن أكون قد وُفِّقت في إبراز العقيدة السلفية، وأعلامها في بلاد موريتانيا بالصورة اللائقة، وأن أكون قد حققت هدف البحث في الوصول إلى الفائدة العلمية المنشودة.
وفي الخاتمة –نسأل الله حسنها- أود أن أضع بين يدي القارئ أهم ما توصَّلت إليه من نتائج، وما تمخَّض عنه البحث من توصيات ومقترحات ..
أهم نتائج البحث:
١ - إنَّ الإسلام دخل في موريتانيا ما بين عامي ٦٣ - ٦٤هـ خلافاً لما ذهب إليه كثيرٌ من الباحثين، من أنه لم يدخل في تلك البلاد إلا بعد نهاية القرن الأول للهجرة، ودعمت ما ذهبت إليه بكلام العارفين بالتاريخ وبعض الوقائع التي تؤكد ذلك.
٢ - أن العقيدة السلفية قامت في المنطقة منذ دخول الإسلام فيها، وتعزَّزت وتوطدت على يد المرابطين طيلة فترة حكمهم.
٣ - إن مكان رباط عبدالله بن ياسين الجزولي –الذي عضد عقيدة السلف ومنهجهم- يقع في إحدى جزر التيدرة شمال رأس تيمريس على بعد ثلاثين كيلو متر من مدينة نواكشوط العاصمة الحالية للدولة الموريتانية، ورددت على القائلين بأن مكانه في جزيرة صغيرة بمنحنى النيجر.
٤ - إن سبب إحراق المرابطين لكتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي يعود بالدَّرجة الأولى إلى ما تضمنه الكتاب من الفكر الصوفي الفلسفي، وليس للخلاف المذهبي في الفقه دخل في هذه القضية.
٥ - إن العقيدة الأشعرية دخلت إلى بلاد المغرب قبل ظهور دعوة ابن تومرت ولكن وجودها ظل قليلاً منحصراً في أفراد من العلماء، ولم تدخل في مناهج التعليم، وتنتشر في الساحة العامة إلا في عهد الموحدين.
٦ - إن دعوة ابن تومرت قامت على الزيف، والخداع، والابتداع، وسفك الدماء، وأن المهدية ما هي إلا قناع مزيف، تقنَّع به محمد بن تومرت تمهيداً للخروج على دولة المرابطين السلفية، وليعظم اعتقاد الناس فيه وتزداد طاعتهم له.
٧ - إن العقيدة السلفية اغتيلت في المنطقة –ظلماً وعدواناً- على يد ابن تومرت، وأتباعه الذين سماهم بالموحدين، وأن اتهام محمد بن تومرت للمرابطين بالتجسيم والكفر، اتهامٌ لأهل السنة والجماعة عامةً؛ لأن سببه إثبات صفات الجلال والكمال لله ، على الوجه اللائق به تعالى، ورفض التأويل الكلامي، ونبذ علم الكلام وأهله.
٨ - إن العقيدة السلفية عادت إلى البلاد بعد عهد المرابطين في القرن الحادي عشر، على يد الإمام نصر الدين، ومكثت في القطر متسلسلة إلى الآن.
٩ - إن فرنسا وقبائل بني حسان، تعاونا على القضاء على الحركة السلفية الإصلاحية التي قادها الإمام ناصر الدين، ونجحا في ذلك.
١٠ - إن العقيدة السلفية تعزَّزت في البلاد بظهور [باب] بن الشيخ سيدي داعيةً سلفياً، فأصبح لها بعد ذلك وجودٌ قويٌ في الساحة العلمية وأتباع ومؤلفات إلى يومنا هذا.
١١ - إن العقيدة الإسلامية في القطر الموريتاني لم تكن ذات مسار واحدٍ وإنما ظل يتنازعها مذهبا السلف والأشاعرة على مرِّ العصور.
١٢ - إن العقيدة السلفية الآن في القطر الموريتاني في ازدياد ملموسٍ يتمثل في عددٍ من المدارس والمعاهد السلفية، بالإضافة إلى عددٍ كبيرٍ من الدعاة السلفيين في مناطق مختلفةٍ من البلاد.
стр. 373
التوصيات والمقترحات:
١ - نظراً لأن الكثير من الناس –حتى من طلبة العلم والباحثين- يظنون أن جميع الموريتانيين أشاعرة، وليس لمذهب السلف وجودٌ فيهم، فإنني أوصي طلاب العلم، والباحثين بتناول موضوع السلفية في موريتانيا في البحوث، والمحاضرات، والندوات، حتى يتم تصحيح هذا المفهوم الذي يخطئ الكثير فيه.
٢ - إن الدعاة السلفيين في موريتانيا يحتاجون إلى مد يد العون لهم في مجابهة المبتدعة، والتيارات المعادية للإسلام، لذا فإنني أوصي القائمين على أمر المؤسسات السلفية، وخاصةً في المملكة العربية السعودية بتشجيعهم ودعمهم ومؤازرتهم، حتى يتمكنوا من السير في الدعوة السلفية بنجاح.
٣ - إن المخطوطات الموريتانية وخاصةً مؤلفات السلفيين ما زالت تنتظر من ينفض عنها الغبار، ويخرجها من الظلمات إلى النور، والبعض منها بحاجةٍ إلى التصنيف، والتبويب، والتحقيق.
لذا فإنني أوصي المسؤولين عن الدراسات العليا في جامعات المملكة العربية السعودية، والجامعات الإسلامية كلها، بالعناية بهذا التراث ضمن عنايتها بالتراث الإسلامي عامةً.
٤ - تقديراً للجهد الذي قام به المعهد الموريتاني للبحث العلمي –رغم ضعف وسائله- فإنني أقترح على المؤسسات الإسلامية والعربية دعم هذا المعهد ومؤازرته لكي يتمكن من أداء مهمته في البحث عن المخطوطات وجمعها وحفظها وفهرستها، حتى يستطيع طلاب العلم والباحثون أن يستفيدوا من هذه المصنفات.
٥ - بناءً على أن المحاضر أثبتت جديتها ونجاحها في نشر الإسلام والثقافة العربية، وفي تخريج العلماء الأجلاء، على مدى قرون عديدة، فإن من الضروري المحافظة عليها، وتنقية مناهجها من كل ما يُخالف منهج السلف وعقيدتهم وتطوير نظامها ومناهجها، بما يتلاءم ومقتضيات العصر.
وفي هذا الصدد أقترح على كتابة الدولة للتعليم الأصلي ومحو الأمية في الحكومة الموريتانية أن تقوم بمبادرة فعَّالة بإدخال إصلاحات في مناهج المحاضر ونظامها، وتشجيعها، ودعمها المتواصل، حتى يستمر وجودها على المستوى اللائق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 374
السلفية وقضايا العصر
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن زيد الزنيدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مركز الدراسات والإعلام - دار إشبيليا ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: سلفية - دراسات شاملة أو منوعة
خاتمة: في ختام البحث عن قضايا السلفية في هذا العصر وعن بعض قضايا العصر التي ذكرت منها ثلاثا في مجال المعرفة وثلاثا في مجال الوجود، والموقف السلفي إزاءها، أؤكد باختصار شديد أن السلفية، وإن اتفقت في بعض الرؤى مع غيرها من التيارات الفكرية إسلامية أو غير إسلامية، إلا أنها تختلف عنها برؤى أخرى تميزها - مجتمعة - بصفتها منهجية خاصة. ولكن هذا التميز ليس خاصا بالرؤى غير المشتركة في النظر في قضايا الوجود أو المعرفة ونحوها، ولكنه يعود إلى أعمق من ذلك إلى المنطلق الذي تنطلق منه، وتقوم عليه السلفية:
• فالسلفية تنطلق من قاعدة إن النصوص حاكمة لا مجال للتحايل عليها، والارتفاع بمستوى الفكر إلى مساءلتها وحملها على مقتضيات عصرية، ولو بهدف نصرة الإسلام، أو إقناع الناس به.
• ولا تنظر إلى المعاني الإسلامية عقدية أو خلقية كتراث مجيد يفتخر به ويسترشد بدلالاته العامة في ضوء المبادئ والنتائج التي انتهت إليها الإنسانية في المجال العلمي والإنساني. إنها بالعكس تنظر إلى تلك المعاني بصفتها حقائق مطلقة، تحمل الصدق والعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] وتؤصل الإنسانية في أعمق حقائقها وينبغي أن يعدل العصر رؤاه ونظرياته على أساسها.
• ليس هناك مجال للذوق أمام ما يسمى بالتراث، إن الموقف لدى السلفية حاسم وبدهي: هناك الوحي (تعاليم القرآن الكريم والسنة المطهرة) ومعه الفهم الأعلى له الذي تلقاه الصحابة من رسولهم ﷺ ثم من تبعهم منهم، وما سواه يحاكم إليه أيا كان مجاله، وأيا كان قائله أو فاعله.
• العبودية لله هي مرتكز النظر لدى السلفية؛ على ضوئها - من خلال النصوص - يقوم التصور للإنسان وحقيقته ومقامه وحقوقه وواجباته وعلاقاته بالوجود كله.
• والسلفية في عامة مواقفها - خاصة في القضايا الرئيسة - تمتاز بالحسم الواضح، وليس ذلك كما تصور البعض؛ لأنها لم تروض نفسها على المضادات الفكرية - الفلسفية - أو لأنها تغفل الواقع بأبعاده المتشابكة، وإنما لأنها ترتكز على الوحي الذي يمتاز بالوضوح والحسم دون تردد يراعي مشاعر الواقع المنحرف ويترضاه.
стр. 375
التآلف بين الفرق الإسلامية
المؤلف/ المشرف: محمد حمزة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار قتيبة - دمشق ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٥هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: وحدة إسلامية - أعمال شاملة ومنوعة
خاتمة المطاف: الإسلام ديانة التوحيد، فمعبود المسلمين واحد، وجوهر الإسلام واحد، والديانة واحدة، والملة واحدة، والأمة واحدة، قال الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء:٩٢]، إذن فلماذا هذا التفرق والاختلاف في أمهات الأمور، وخصوصاً في العقائد. والقرآن الكريم يعلنها بآيات بينات واضحات محكمات هن أم الكتاب بلسان عربي مبين: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [سورة النساء:١٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر:٤٩]، فالآيتان تفصحان عن أركان الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى.
وبعد هذا البيان الواضح المحكم الذي تنزيله تأويله هل يسوغ لأحد أن يدعو تجزئة أو فرقة؟!
فيم التفرق والإسلام دينكم ... وأنتمُ يا عباد الله إخوانا.
وإذا ما رجعنا إلى الجولة التي جعلناها بين الفرق الإسلامية نجد أن أكثر الفرق المتطرفة قد اندثرت. ولم يبق منها أثر إلا في ثنايا التاريخ. وإن كان قد بقي منها بعض الأفكار في عقول الرجعية من الناس السذج البسطاء. فقد ولت الأزارقة والنجدات، والبيهسية، والصفرية والصالحية وغيرهم من الخوارج، ولم يبق منهم إلا الإباضية، الذين ينتمون إلى عبدالله بن إباض. وعند الكلام عليه وعلى أتباعه لم نجد عندهم أي تطرف. وقد حافظوا على تعاليم الإسلام الحقة؛ بل إنهم يكرهون من ينسبهم إلى الخوارج.
والمذاهب البائدة من الشيعة كثيرة مثل السبئية والكيسانية والمغيرية. ولم يبق منهم إلا الإمامية. والزيدية، والإسماعيلية، والعلوية والدروز. وأما المعتزلة فقد اندثرت فرقتهم كمذهب قائم بذاته. فإذا خلصت النيات، وصفت القلوب، وحكم العقل يمكن الجمع بين أكثر هذه المذاهب الإسلامية إن لم نقل بين جميعها. فالثقافات عمت سائر الأرجاء، وقد بزغ الصبح لكل ذي عينين. فنحن الآن أحوج إلى التآلف والتآزر من أي وقت مضى. لاسيما وقد تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. فبتفرقنا أصبحنا غثاء كغثاء السيل.
كان التعصب المذهبي سائدا في الصدر الأول من المجتهدين وأصحاب الحديث حتى كان يلعن بعضهم بعضا. ولكن بعد أن نضجت البحوث الفقهية وجادت القرائح سلمت المذاهب، قال أحمد بن حنبل: ما زلنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا [ترتيب المدارك ١/ ٩٥] فزال الخلاف وكنا نجد الجدال المستمر حتى بين أصحاب المذاهب من أهل السنة. فامتنع بعضهم أن يصلي خلف إمام من غير مذهب. ولكن هذا الجدال خفت حدته في هذا العصر وينبغي أن تزول التفرقة إلى الأبد. فلكل إمام وجهة نظر وفي المجتمع مشكلات ومشكلات لا يمكن أن تحل على أصول مذهب واحد كمشاكل الحلف بالطلاق، وتعليق الطلاق، والطلاق الثلاث دفعة واحدة، وطلاق الغضبان. فقد جنحت المحاكم إلى جليها ولو على رأي ابن تيمية وإذا ما رجعنا إلى الوراء قليلا نجد أن الإمام أبا حنيفة النعمان السني كان تلميذا للإمام زيد بن علي زين العابدين إمام الزيدية من الشيعة، كما كان أيضا تلميذا للإمام جعفر الصادق. وقد مرت المناقشة بين الإمامين على القياس عند ترجمة الإمام جعفر. والإمام زيد الشيعي كان تلميذا لواصل بن عطاء المعتزلي مؤسس مذهب الاعتزال وكان ملازما له. وكان الإمام مالك تلميذا للإمام جعفر الصادق أيضا وقد كان واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تلميذان عند الحسن البصري وقد سئل الحسن البصري عن عمرو بن عبيد فقال لسائله: لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به، وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له. ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن منه، ولا باطنا أشبه بظاهر منه. فينبغي أن نرجع ونعود إلى شرعنا وعزنا ومجدنا.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه. وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه يا رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بهديهم إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.
стр. 376
التعامل مع الآخر شواهد تاريخية من الحضارة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن محمد المزيني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني - الرياض ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: تعامل مع الناس
الخاتمة
كان من أهداف هذه الدراسة: إبراز تميز حضارتنا الإسلامية بتكامل رقيها المادي والمعنوي لشمولها على الرقي في ميادين الحياة المادية، إضافة إلى تميزها في النزعة الإنسانية، وهو أمر يؤكد أنها حضارة ذات طابع إنساني لكونها قاصدة سعادة الإنسان وبناء شخصيته عن طريق تكريمه ومن ذلك التعريف بحقيقة تشريع هذه الحضارة في مجال تعامل المسلمين مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى.
فالإسلام بما اشتمل عليه من مبادئ سامية تجاه بني الإنسان قد سجل سبقه الأديان البشرية كافة والقوانين الوضعية بحيث لم تعرف تنظيماته أي صورة التعصب المذموم الذي يؤدي بالناس إلى الشحناء والبغضاء والفرقة ويؤصلهم إلى حالة من التمزق الممقوت في المجتمع الإنساني فعاش غير المسلمين تحت لوائه في ظلال من العدالة والسماحة والبر والإنصاف، ذلك أننا إذا رجعنا لمصدري التشريع، القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بشأن نظر الإسلام لغير المسلمين لا يمكن أن نخرج بغير حقيقة أن الإسلام أكد على مشروعية معاملة هؤلاء معاملة عادلة ومتسامحة في مختلف جوانب هذا التعامل وأنماطه.
ثم إن هذا الخلق السامي الذي رسخته المبادئ الإسلامية في تعاملها مع الشعوب غير الإسلامية وطبق واقعها عبر حضارة المسلمين كان سببا في التعريف بالإسلام ووسيلة سامية لعرضه والتعريف بمادئه السمحة، بل والدعوة إليه بطريق غير مباشر، وهذا ما حققه عدد غير قليل من المستشرقين وهم يدلون بشهاداتهم حيث سجل المؤرخون شهاداتهم بأن ديننا الإسلامي إنما انتشر طواعية دون إكراه فرغم ما حدث من معارك ضارية في فتوح كثير من البلاد ودخول المسلمين منتصرين إلا أنهم لم يكرهوا أحدا في اعتناق الدين دون قناعته واختياره وبقوا على ذلك حتى دخل الناس في الإسلام طواعية فحملوا الدين في قلوبهم قبل أن يحملوا السيف دفاعا عنه، بل اتخذوا لغة القرآن العربية لغتهم.
لقد تمتع غير المسلمين بقسط وافر من الحرية داخل مجتمعات المسلمين عبر العصور لقاء تأديتهم الجزية وارتبطت قضاياهم في أمورهم المدنية والجنائية برؤسائهم الروحيين، وأقاموا في مزارعهم ومنازلهم الريفية، وتمسكوا بتقاليدهم الثقافية وحافظوا على لغاتهم الأصلية، وفي المدن تقلدوا مناصب مهمة في دوائر المال والكتابة والمهن الحرة وبلغوا إثراء واسعا في ذلك.
لقد فتح المسلمين صدورهم لغير المسلمين يهودا ونصارى ومجوسا وصابئة وأتاحوا للعناصر المتميزة من هؤلاء وأولئك احتلال مواقعهم الاجتماعية والوظيفية في إطار من مبدأ تكافؤ الفرص لم تعرفه أمة من الأمم عبر تاريخ البشرية كله.
ثم إنه ربما يناسب هنا أن من تمام هذا التعامل هو حرص حكام المسلمين على استمرار هذا التعامل بما ينبغي أن يكون وأنه حينما تبدو بعض بوادر التعصب أو الجمود الفكري الذي يبعد عن روح هذا التعامل الذي أسسه الإسلام وسار عليه رسول الله ـ عليه أفضل الصلاة والتسليم ـ ومن بعده خلفاؤه الراشدون، ومن تبعهم بإحسان من ولاة أمر المسلمين إلى يومنا هذا، هؤلاء يجدون القوة والضبط مع وقفة للعلماء والفقهاء ضد ذلك والدراسة استشهدت في عديد من هذه الشواهد.
ليس هذا التعامل فقط مع من هم داخل حدود الدولة الإسلامية، بل تميز المسلمين بتعاملهم مع ذلك الآخر باعتباره جماعة، ودولة وكيان منفصل عن الدولة الإسلامية من تعاهد وتسالم وترابط على مختلف الأصعدة وفي مختلف العصور وهو ما يمكن أن يندرج ضمن مفهوم العلاقات الدولية.
стр. 377
وربما تبينت الدراسة بهذا العرض صفحة من صفحات التعامل المثالي مع غير المسلمين من أهل الأديان الأخرى، وأن هذا التعامل حقيقة ثابتة، شهدت بها نصوص الوحي، من الكتاب والسنة وشهد بها التاريخ الناصع منذ عهد النبي ﷺ ومن بعده عهد الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عنهم ـ ومن بعدهم من الأمويين والعباسيين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين وغيرهم، في شتى أقطار الإسلام، وشهد بهذا الواقع الماثل في كثير من بلاد العالم الإسلامي، حيث تتجاور فيه الجوامع والكنائس، وتسمع صيحات الأذان ودقات النواقيس، وتعيش الأقليات غير المسلمة ناعمة بالأمان والاستقرار والحرية في ممارسة حقوقها الدينية والدنيوية، على حين تعيش الأقليات الإسلامية في كثير من دول آسيا وإفريقيا وأوربا، مضطهدين، لا يسمح لهم أن يقيموا دينا، أو يملكوا دنيا.
وبهذا يسن الإسلام أعدل القوانين في التعامل مع الآخر ولم يكن هذا أمرا نظريا لم يطبق على أرض الواقع، كما هي عليه أغلب المواثيق الدولية التي تنادي بحقوق الإنسان، ولكن دونما نصيب من التطبيق، بل كان واقعا شهد بتطبيقه الجميع من مسلمين وغيرهم عبر العصور.
ومما يناسب ذكره هنا أن هناك من أثار مجموعة من الشبهات التي ظن أنه بتصيدها ثم بترويجها سيطمس الحقائق، ويغيب الوقائع قصدا لتشويه واقع هذا التعامل ضمن قصد تشويه تاريخ الإسلام وإنجازات المسلمين والتشكيك ومتحججين بأحداث وتصرفات جانبية، حسبوها على تاريخ هذا المنهج كما قصر إدراكهم عن فهم مقاصد كثير من النصوص الواردة بشأن هذا الآخر.
ومما تخلص إليه هذه الدراسة هو ضرورة فهم الشرع الشريف، بأصليه القرآن والسنة، وأن لا يفهما بعيدا عن التطبيق الفعلي لنصوصهما، وسيرة نبينا الكريم ﷺ ، بتطبيقه العملي للشرع الحنيف، وسيرة خلفائه الراشدين وصحابته الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ ومن تبع منهجهم من ولاة أمر المسلمين عبر العصور.
ثم يناسب أن أشير هنا، ضمن خاتمة الدراسة إلى أن هناك من يستغل فكرة التسامح هادفا إلى تمييع الدين ومحاولة حل عراه وإطفاء حرارة الإيمان بدعوى التسامح أو التعايش أو التحاور، أو غير ذلك من المصطلحات المستجدة دون إدراك لمفاهيمها.
نعم نحن دعاة تسامح لأن ديننا نفسه يأمر به، ويدعونا إليه ويربينا عليه. ولكن ليس معنى التسامح أن نتنازل عن ديننا إرضاء لأحد كائنا من كان ولكن ليس من التسامح في شيء. إنما هو إعراض عن الدين أو كفر به، إيثارا للمخلوق على الخالق، وللهوى على الحق. ونحن لا نلزم غيرنا بترك دينه، حتى يطالبنا بترك ديننا.
ليس من التسامح أن يطلب من المسلم (تجميد أو تجاهل) أحكام دينه، وشريعة ربه وتعطيل حدوده، وإهدار منهجه للحياة من أجل أن يكون مثالا لتطبيق هذا المبدأ.
ثم إن حضارتنا الإسلامية بما ارتكزت عليه من مبادئ سامية، قابلة لمواصلة السر بثقة واطمئنان لثبوت الثوابت، التي ترتكز عليها هذه الحضارة، بمعنى صلاحيتها لكل زمان ومكان، فإنسانية الإسلام ثابتة، وسماحته مستقرة، وعدالته راسخة، إذا فهي حضارة التوازن والشمول والعطاء، وصدق الله تعالى حينما بين الغاية من إرسال نبينا ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ فقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ سورة الأنبياء آية ١٠٧]
ختاما، أرجو أن أكون قد وفقت في تناول موضوع مهم يسلط الضوء على جانب مشرق من الجوانب المضيئة في حضارتنا الإسلامية وأن تكون هذه الدراسة نواة لأطروحات أشمل وأنفع.
والله ولي التوفيق وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 378
العزلة والخلطة
المؤلف/ المشرف: سلمان بن فهد العودة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٣هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: عزلة وخلطة وغربة
الخاتمة: الحمد لله على كل حال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أما بعد؛ فمن خلال هذا البحث لابد أن يكون القارئ وصل معنا إلى النتائج التالية:
١ - الأحكام الشرعية منها ما يختلف باختلاف الأحوال والأسباب كالجهاد, والعزلة والخلطة وغيرها.
٢ - ورد في مدح الخلطة أحاديث، وورد في مدح العزلة أحاديث، ولابد من التوفيق بين هذه وتلك.
٣ - الإسلام دين الجماعة، والاجتماع على الحق أصل عظيم في الشريعة، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، ومخالطة الناس بغرض دعوتهم هو الأمر الذي كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٤ - الأحاديث الواردة في مدح العزلة مطلقاً تحمل على أحد معنيين:
الأول: أن يكون خاصاً بأفراد معينين تكون العزلة في حقهم أولى؛ لأن مخالطتهم للناس تضر بدينهم ودنياهم وتضر بغيرهم أيضاً.
الثاني: أن يكون هذا خاصاً في زمان الفتن التي أخبر عنها النبي ﷺ ، وأمر باعتزالها.
٥ - وهناك حالات تشرع فيها العزلة؛ منها:
أ- عند فساد الزمان.
ب- عند الفتنة التي تحدث بين المسلمين من القتال ونحوه. ج- اعتزال السلطان عند فساده وانحرافه. هذا فيما يتعلق بموضوع العزلة والخلطة، وتفصيل هذه المسائل والاستدلال لها موجود في ثنايا الرسالة.
أما موضوع التقية – وهو الجزء الأخير من هذه الرسالة – فشرحت فيه معنى التقية لغة وشرعاً وبينت حكمها من الجهة الشرعية وشروطها وأنواعها وهي:
الأول: المداراة.
الثاني: الكتمان والاستسرار.
الثالث: إظهار الموافقة للمشركين على دينهم، وله شروط معروفة.
وختمت بتمييز تقاة أهل السنة عن تقية أهل البدع، وأهم الفروق التي رصدت هي:
١ - هي عند أهل السنة استثناء مؤقت مخالف للأصل، أما عند الشيعة فواجب مفروض حتى يقوم القائم من آل البيت!
٢ - ينتهي العمل بها عند أهل السنة بمجرد زوال السبب الداعي إليها، أما عند الشيعة فواجب جماعي مستمر لا ينتهي العمل به حتى يخرج مهديهم الذي لا يخرج أبداً.
٣ - تقية أهل السنة هي مع الكفار في الغالب، وقد تكون مع الفساق والظلمة، أما تقية الشيعة فهي أصلاً مع المسلمين المخالفين لهم من أهل السنة.
٤ - أن التقاة عند أهل السنة حالة ممقوتة يلجأ إليها المسلم دون رضى واطمئنان إليها، أما عند الشيعة فقد أصبحت خلة ممدوحة محمودة مرضية، جاء في مدحها من النصوص عن أئمتهم الكثير الكثير.
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الجهد وأن يجعله من العمل الصالح المقرب إليه، وأن يكفينا شر أنفسنا، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، والحمد لله رب العالمين
стр. 379
العلاقة بين الفقه والدعوة
المؤلف/ المشرف: مفيد خالد عيد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: دعوة - فقه أحكام وضوابط وتصورات
نبذة مختصرة عن عملي في بحث الماجستير
العلاقة بين الفقه والدعوة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد...
أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى جميع أساتذتي في كلية الدعوة بالمدينة المنورة، على كل ما بذلوه من علم وجهد ونصيحة لي ولزملائي في مرحلة الماجستير، وأخص بالذكر فضيلة الشيخ/ الدكتور علي بن سعيد الغامدي ـ المشرف على البحث ـ لاعتنائه بمتابعة هذا البحث من مهده ولتوجيهاته الكريمة، كما أشكر فضيلة الشيخ/ الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، وفضيلة الشيخ/ الدكتور عبدالله الزايد لتفضلهما بالمشاركة في مناقشة هذا البحث، وأسأل الله أن تبقى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية نبراساً للدين والعلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها... آمين.
جعلت البحث من مقدمة وتمهيد وأربعة فصول، ثم ختمته بخاتمة لبيان النتائج التي توصلت إليها، وفهارس تسهل البحث فيه.
قدمت للبحث بذكر أسباب اختياره وأهميته في إبراز التفاعل الفقهي الدعوي في العمل الإسلامي، وقمت بتحديد مشكلة البحث وحدود الدراسة، وانتهجت الدراسة التأصيلية التحليلية كمنهج للبحث، ثم استعرضت الدراسات السابقة في العلاقة بين الفقه والدعوة.
وتمهيداً للبحث قمت بتعريف الفقه والدعوة لغة واصطلاحاً، والتعريف بالفقيه الداعية وعلاماته عند السلف، وبينت أهمية الدعوة وضرورتها للأمة، لتتمكن من تحقيق الريادة والسيادة الشرعية على الأمم، وأهميتها البالغة في تحقيق أهداف الرسالة، وإصلاح العقائد والسلوك والأخلاق، وبث الفضيلة ومكافحة الرذيلة، وضرورة التفقه في الدين، لتحقيق صواب العمل ومشروعيته، إذ صحة العمل أحد شرطي قبوله بجانب الإخلاص، ثم بينت صلة الدعوة بالعلوم الشرعية الأخرى، وأنها الجانب التطبيقي والمنهج العلمي لِبَث العلوم الشرعية في الأمة، فتصحح العقائد، وتُنْفِذ شرائع الله في جميع مجالات الحياة، وعلى المستويات كافة، كما بينت قوة الوشائج والروابط بين الفقه والدعوة، واستحالة الفصل بينهما في أي مرحلة من مراحل الدعوة أو أي جانب من جوانبها، فسلف هذه الأمة لم يعرفوا فقهاً لا دعوة فيه، أو دعوة لا فقه لها، بل تحركوا بفقههم على كافة الأصعدة تحركاً دعوياً.
ثم تكلمت في الفصل الأول عن مجالات تأثر الفقيه بالدعوة، فجعلته في ثلاثة مباحث، بينت في المبحث الأول أثر المشرب الدعوي على فهم النصوص، وأن المشرب الدعوي الذي ينشأ عليه الفقيه له بالغ الأهمية في إدراكه الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة، فكما أن المشرب الدعوي القويم يشكل حاجزاً مانعاً من الزلل في الفهم، ودافعاً قوياً لحمل النصوص على مراد الشارع، فإن المشرب الدعوي السلبي قد يجعل الفقيه عاجزاً عن حمل النصوص على وجهها الصحيح ردحاً من الزمن، بل ربما الدهر كله، مع سعة علمه ورجاحة عقله.
стр. 380
واستشهدت لأثر المشرب الدعوي على فهم النصوص بأحوال ثلاثة من الأئمة: الإمام أبي الحسن الأشعري، الذي نشأ في أحضان الاعتزال، ثم تبرأ منه ـ بعد أن أقام عليه أربعين سنةـ وتحول إلىإثبات الصفات العقلية السبعة، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وتأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك، ثم تحول إلى منهج السلف في إثبات جميع صفات الباري من غير تأويل أو تعطيل أو تشبيه أو تكييف أو تحريف، كما أثبت ذلك في كتابه الإبانة عن أصول الديانة، إلا أن أتباعه تشبثوا في كل مرحلة من مراحل دعوته بنسبة مقالاتهم إلى أبي الحسن الأشعري مع رجوعه عما ينسبونه له، وتحوله إلى منهج السلف في هذا الباب، ثم الإمام الحافظ عبدالغني المقدسي، الذي نشأ على منهج السلف، فكان المشرب الدعوي القويم حاجزاً مانعاً له من الزلات، ودافعاً قوياً لحمل النصوص علىمراد الشارع، وسبباً لقدرته على مقاومة المخالف للمنهج القوي، وثباته وصموده أمام الاضطهاد والبلاء بالغير، ثم الإمام محمد بن علي الشوكاني، الذي نشأ على المذهب الزيدي، ثم انقلب على الزيدية، إلا إنه لم يشأ أن يسخطهم كل السخط، فاستدل بأدلتهم، ورد أقوالهم متسعيناً بمنهجهم، بما جعله يتنزل في الحجة تنزلاً خالف فيه منهج أهل السنة، كما يستشعر القارئ البصمات الزيدية في طيات فقهه، وما سبب ذلك إلا المشرب الدعوي الزيدي الذي نشأ عليه الإمام الشوكاني.
وفي المبحث الثاني بينت عمق أثر الممارسة الدعوية على الفقيه في علمه وتقواه وورعه وحسن أخلاقه وتواضعه وثقته بربه وغيرته على دينه ومهاراته في أداء رسالته، إذ الدعوة مدرسة للداعية والمدعو، وتزيد الفقيه فضلاً إلى فضله.
وفي المبحث الثالث تحدثت عن تأثر الفقيه بدعوة غيره، ومدى حساسيته وشفافيته لنداء ربه، ودعوة غيره لامتثال أوامر الله ونواهيه، فالفقه والعلم سبب للوقوف عند حدود الله، لا لتعديها، فإذا نُهي الفقيه عن منكر لم يستنكف أن ينزجر عنه، وإذا أُمِرَ بمعروف لم يتعال أن يرجع إليه. كما أنه بالمقابل يدرك خطورة الدعوة الفاسدة وضررها على الأمة أكثر من غيره، فيتصدى لها ـ بقدر خطورتها وفسادهاـ ليحفظ للأمة دينها وعقيدتها، بخلاف غيره الذي ربما لا يدرك أي فساد أو خطر من تلك الدعوة.
стр. 381
وفي الفصل الثاني تكلمت عن آثار التفقه على الداعية، وجعلته في ثلاثة مباحث، تحدثت في المبحث الأول عن قدرة الداعية على استيعاب المدعو بالتفقه في الدين، وعرّفت الاستيعاب لغة، ثم بينت أن المراد منه في البحث القدرة على أسر قلوب المدعوين واجتذابهم إلى الدعوة على اختلاف عقولهم وأمزجتهم وثقافاتهم ومشاربهم وطبقاتهم الاجتماعية، وبينت أهمية الاستيعاب في الدعوة، وأن نجاح الداعية مرتبط بقدرته على الإيغال في نفوس المدعوين، ومعرفة الوسيلة الأمثل لسَوْقهم إلى تطبيق شرع الله في حياتهم، وأن هذا يحتاج إلىعلم راسخ ومهارة شخصية وخبرة وتجربة، وأن القدرة على الاستيعاب تختلف من داعية إلى آخر، إلا أن كل داعية لا بد أن يتمتع بحد أدنى من القدرة على استيعاب المدعوين، وإلا كان مُنَفراً عن دين الله، فمهما كان حال المدعو من قوة أو سلطان أو ضعف أو فقر أو غنى أو صحة أو مرض أو كفر أو معصية أو إيمان يستطيع الداعية بفقهه ومهارته أن يستوعبه في دعوته، وأن يصل إلى أعماق نفسه، واستشهدت لذلك بقدرة سعيد بن المسيب على استيعاب الحجاج بن يوسف الثقفي مع قوته وجبروته، عندما أخذ يسابق الإمام في الركوع والسجود، ثم بينت حاجة الدعوة الملحة إلى تفقه الدعاة القائمين عليها، خشية أن يلحقوا بها الأضرار من حيث لا يشعرون، وعظم أثر التفقه على قدرات الداعية في تأدية مهمته على الوجه الذي يرضي الله تعالى، إذ به يستوعب المدعوين في الإسلام، ويبشرهم ولا ينفرهم، ويجمعهم ويؤلف بينهم ولا يفرقهم، وينصرهم ولا يخذلهم، ويُكْرِمهم ولا يحتقرهم، فيحقق لهم خيري الدنيا والآخرة.
وفي المبحث الثاني تحدثت عن وقاية الداعية العثرات والزلات بالتفقه في الدين، فلا يتخبط في دين الله بالتقول على الله ورسوله بغير علم، أو بالغلو في الدين والتشدد فيه، بما يخالف شرع الله، ولا يخذل أي دعوة ـ لها وجهة شرعية مقبولةـ وإن كانت لا تروق له، وبينت حاجة الأمة إلى تكامل الجهود الدعوية، بحيث يُكَمِّل كل داعية جهود أخيه، ولا يكون حجر عثرة في طريق دعوته بسبب تنافس أو تحزُّب أو تحاسد أو تباغض، لأن ذلك يسبب تساقط الجهود الدعوية، وإضعاف أثرها في الأمة، والدعاة العاملون في الساحة لم يستوعبوا بعد حجم الأمة الهائل بالنسبة لقلة أعدادهم، فليس من الحكمة ولا من مصلحة الدعوة أن يزيد الداعيةُ الدعوةَ ضعفاً وخوراً بإبطال دعوة الآخرين، والتي لها وجهة شرعية مقبولة.
وفي المبحث الثالث تحدثت عن التخطيط والاستمرارية والثبات كثمرة من ثمرات التفقه في الدين، الذي يمكِّن الدعوة من تحقيق أهدافها ومقاصدها في هداية الناس إلى طريق الحق والرشاد، كما تتمكن من الاتساع والانتشار والصمود أمام المحن والشدائد.
وفي الفصل الثالث تحدثت عن تبادل الدعم بين الدعوة والفقه، والحاجة المساة إلى تضافر الجهود الدعوية والفقهية لتحقيق أهداف كل منهما، فلا يمكن أن تؤتي جهود العاملين في الحقلين ثمارها بمعزل أحدهما عن الآخر.
стр. 382
وجعلت الفصل الثالث أربعة مباحث، ففي المبحث الأول تكلمت عن دور الممارسة الدعوية في تنمية الفقه الإسلامي، وأهمية الدعوة البالغة في تنمية الفقه الإسلامي كمًّا وكيفاً، لا بتكاثر مسائله تكاثراً نظرياً محضاً، بل بانتشار الفقه المنهجي القادر على حل مشاكل المسلمين ومخاطبتهم بلغة عصرهم وواقع حياتهم، وزيادة من يطبقه في الأمة لكل ما يعرض لهم من أمور دينهم ودنياهم، وتحكيمه في كل المجالات وعلى المستويات كافة، والتنمية الفقهية بممارسة العمل الدعوي تنمية مستمرة باستمراره، تُنَقِّح الفقه وتصحح مساره بحيث يتفاعل مع الواقع، وتتطالبه ببيان شرع الله في كل ما يستجد في حياة المسلمين، وعدم الوقوف على ما انتهى إليه السابقون.
وفي المبحث الثاني تحدثت عن دور الدعوة في حماية الفقه الإسلامي، وأنها وحدها القادرة على حماية شرع الله من التعطيل والإهمال، كما تحرسه من العابثين بنصوصه ومفاهيمه ومناهجه القويمة، ولا يكون ذلك إلا على أيدي دعاة مخلصين أَكْفَاء باعوا أنفسهم لله واشتروا الآخرة، واستشهدت لذلك بصمود الإمام أحمد ﵀ أمام محنة خلق القرآن، حيث استطاع أن يحفظ للأمة عقيدتها بصموده وثباته، وما كان الإمام أحمد ليتراجع، أو يستخدم التقية مع المعتزلة، لأنه إمام متبوع، وإلا لضل الناس وفسد اعتقادهم، فتحمل ﵀ الضرر الخاص في سبيل تحقيق المصلحة العامة العظمى، وما كان من سبيل إلى حماية الحق ونشره إلا بالخضوع للبلاء والامتحان في بدنه، كما استشهدت أيضاً بدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وثباته على منهج السلف في الأصول والفروع، وحرصه الشديد على الدعوة إلى هذا المنهج دون التخلي عنه تحت أيّة ضغوط، فحماية الفقه ليست بحماية مسائله فحسب، ولكن بحماية المنهج القويم في فهم النصوص على طريقة سلف الأمة، من العدول عنه إلى غيره أو محاربته أو الجمود على مناهج المتأخرين المخالفة لمنهجهم، وهكذا كان موقف ابن تيمية عندما أُمر بالعدول عن منهجه الاجتهادي، الذي كان يرى أنه على طريقة السلف، فلم يرده عن منهجه تهديد أو حبس.
وفي المبحث الثالث تحدثت عن دور الدعوة في تحقق الرسالة الأصلية للفقه الإسلامي، فمقاصد الشريعة الإسلامية لا يمكن تحقيقها بحال من الأحوال إلا بالدعوة إلى الله ـ تعالى ـ، فالعبودية لله وحده وتهذيب السلوك والأخلاق والرحمة والتراحم والعدل وتحقيق مصالح العباد مبادئ سامية رفيعة، استطاعت الدعوة وحدها تحويلها إلى واقع عملي ملموس في حياة الناس.
وفي المبحث الرابع تحدثت عن ثمرة الدعم الفقهي للدعوة الإسلامية، إذ أن الفقه يمكن الدعوة من تحقيق مقاصدها وأهدافها، كما أنها تستمد قوتها وثباتها واستمرارها من فقه القائمين عليها، فالدعوة الواعية المتحصنة بالفقه قادرة على تحقيق مرضاة الله ـ تعالىـ، وعلى التصدي للمتربصين بالإسلام، والمشككين في مصداقيته.
وفي الفصل الرابع تكلمت عن الفقيه الداعية، وجعلته في ثلاثة مباحث، تحدثت في المبحث الأول عن صفات الفقيه الداعية, وأن الله قد جمع له صفات أهل الفقه وأهل الدعوة، فآتاه الله مع العلم شرف تَحَمُّل مسئولية نشره وتبليغه، فصفاته التي لا يكتسبها بقراءة الكتب وحفظ معانيها لغة واصطلاحاً فحسب، بل بدعوة الناس ومخالطتهم والصبر على أذاهم، وتدريب النفس على اكتسابها، فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلم.
стр. 383
وفي المبحث الثاني تحدثت عن أثر الفقية الداعية في الأمة، ومدى حاجة الأمة الماسة إلى ممارسة الفقهاء للعمل الدعوي، إذ هم العارفون بصحيح الأعمال من سقيمها، فتقع المسئولية العظمى عليهم في بيان شريعة الإسلام للناس، بل سَوقهم إليها وحثهم حثاً دؤوباً على الامتثال لأحكامها، مع التخطيط للعمل الدعوي، ومتابعة النتائج وتقويمها، واستشهدت لذلك بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ﵀ التي غيرت مجرى التاريخ، وأثرت تأثيراً بالغاً في شبه جزيرة العرب وخارجها، فأصبحت جزيرة العرب ـ بفضل دعوته المباركةـ تنعم بالأمن والسلام والحرية والوحدة والازدهار العلمي والفقهي وسيادة منهج السلف وعقيدتهم، فالفقيه الداعية يصحح للمسلمين عقيدتهم ويقضي لهم على الخرافات والأوهام، وينشر فيهم العلم والفقه، ويضبط لهم نصوص الشرع ويحققها، ويرفع عن أعينهم غشاوة الجهل والتقليد الأعمى، كما يوحِّد كلمتهم ويبث فيهم روح المحبة والأخوة والوئام، ويحقق لهم الأمن والاستقرار بنشر الفضيلة ومكافحة الرذيلة، ويصلح لهم حُكَّامَهُم ورؤساءَهم، ويجدد لهم فقه دينهم ليكونوا قادرين على حل مشاكل عصرهم، ويبث فيهم دعائم الجهاد ويغرسها في نفوسهم.
وفي المبحث الثالث ذكرت مواقف للفقهاء الدعاة من سلف الأمة الصالح، كاستبسال أبي بكر الصديق ﵁ في حماية الدعوة من مهدها بماله ونفسه وكل ما يملك، وحرصه الشديد على سلامتها وسلامة رسول الله e، ومنهج مصعب بن عمير ﵁ في دعوة أهل المدينة (مثل أسيد بن حضير وسعد بن معاذ) ﵄) عندما أرسله رسول الله e إليهم كأول رسول في الإسلام لدعوة أهلها، وموقف الحسن البصري ﵀ من عمر بن هبيرة في طاعته لأوامر يزيد بن عبد الملك المخالفة لشرع الله، وموقف المنذر بن سعيد البلوطي ﵀ من الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد عندما توسع في بناء وزخرفة قصوره، وموقف العز بن عبد السلام سلطان العلماء ﵀ من السلطان أيوب كامل عندما خرج على الناس في زينته، والأمراء تقبل الأرض بين يديه، فعاتبه وأنبه على السكوت على المنكرات والخمور في مصر.
ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها نتائج البحث وخلاصة ما توصلت إليه، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، بتحقيق سلامة الاعتقاد والتوحيد الخالص، واتباع منهج السلف في فهم نصوص الكتاب والسنة وتطبيق أحكامهما، والاعتزاز بهما، والصبر علىأداء أمانتهما.
ثم وضعت للبحث فهارس تسهل البحث فيه، وألحقته بقائمة المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في البحث، والحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 384
المراكز الإسلامية في أمريكا الشمالية نشأتها - أنشطتها والأحكام الفقهية المتعلقة بها
المؤلف/ المشرف: محمد موفق الغلاييني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار عمار - الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: دعوة - فقه أحكام وضوابط وتصورات
الخاتمة:
لعلي بعد هذا التجوال عبر الأبواب الثلاثة استطعت الإلمام بواقع الوجود الإسلامي في القارة الأمريكية، ومن ثم استجلاء معالم الأنشطة الممارسة في المساجد والمراكز الإسلامية، وتقويمها من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، وما يجدر بالعاملين فيها أن يقوموا به لأداء الأمانة، فما وكل إليهم إنما هو تكليف لا تشريف. وأخيراً بيان واقع الأئمة في هذه الديار، والمسؤوليات المتنوعة والكثيرة المناطة بهم.
ولعل من تتميم الفائدة أن ألخص النتائج العامة التي توصلت إليها ومن ثم أذكر التوصيات التي أرى ضرورة مراعاتها بصورة عاجلة كيما ننهض بمساجدنا، ومراكزنا الإسلامية بما يرضي الله سبحانه، ويعود بالنفع على المسلمين خاصة وعلى جميع القاطنين في هذه القارة بصورة عامة.
النتائج العامة للكتاب:
١ - النمو الكمي للمسلمين لا يتناسب مع النمو الكيفي:
هناك نمو كمي مطرد في عدد المراكز والمدارس الإسلامية، وكذلك في عدد المسلمين أنفسهم في هذه القارة - كما سبق أن ذكرت في الباب الأول - وهذا مؤشر خير، ولكن هذا النمو الكمي لا يرافقه - مع الأسف - نمو كيفي بصورة مطردة. وهذا يؤكد لنا ضرورة العناية بالتعليم والتوجيه والتربية في مراكزنا بصورة أكبر، فالمسجد لا يعمر بالجدران فحسب، ولكن بالمصلين والركوع السجود، وبحلق العلم والذكر والتربية. قال تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وأتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨].
فالعناية بالكيف والمضمون يجب أن يكون عنوان المرحلة القادمة للمسلمين في هذه الديار، فنحن بحاجة ماسة إلى زيادة التربية والثقافة الإسلامية في مراكزنا كمّاً ونوعاً بما يعين على تخريج أجيال مسلمة توقن بالإسلام وتلتزم بأحكامه أكثر من حاجتنا إلى زيادة عدد المراكز الإسلامية.
٢ - عدم وجود مرجعية شرعية واحدة متفق عليها بين المسلمين في أمريكا:
فرغم وجود عدد لا بأس به من الجماعات والمنظمات الإسلامية فإنه لا توجد هيئة واحدة متفق عليها كمرجع للمسلمين جميعاً. وبذا انطبق علينا قول الشاعر:
لكل جماعة فينا إمام ... ولكن الجميع بلا إمام
نعم يوجد تنسيق بين بعض هذه المنظمات، ولكن لا يوجد تنسيق عام بينها جميعاً. وهذا من الأسباب الرئيسية لضعف الكيان الإسلامي في هذه القارة.
والحل واضح، وهو قوله سبحانه: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وفي قوله عز من قائل: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦].
إن مرد هذا التباعد إنما هو أمراض النفوس الناشئة من التحزب والتعصب، وحب الرئاسة والزعامة فنجد الأتباع أو كثير منهم يتعصبون لجماعتهم، والزعماء يسعون للحفاظ على رئاستهم، ولذلك تذهب فرص التوحيد والتعاون سدى.
لذا فإن على المنتمين لهذه الجماعات والمنظمات رؤساء ومرؤوسين أن يتقوا الله في أنفسهم وفي المسلمين الذين لا يشكلون في هذا المجتمع سوى أقلية مستضعفة.
٢ - اختلاف درجة الالتزام بين المراكز الإسلامية.
стр. 385
فبعضها أكثر التزاماً من الأخرى، ولعل الملتزمة أقل عدداً من غير الملتزمة، وعدم الالتزام قد يظهر في صور مختلفة، فقد يكون نابعاً من فهم خاطئ لمهمة المركز الإسلامي، أو من تبني وجهة نظر جماعة أو منظمة معينة. وهذه الأوضاع المختلفة تحتاج إلى دراسة أخرى تركز اهتمامها على هذا الجانب لمعرفة الأسباب، وطرق العلاج.
والذي أقترحه في هذا المجال أن يضاعف أهل العلم - سواء المقيمين أو الزائرين - من جهودهم ليبينوا للمسلمين أن المركز إنما يسمى: (إسلامياً) لكونه يتبنى هذا الدين: الإسلام، فالإسلام ليس مجرد اسم أو لافتة ترفع، وإنما هو عقيدة ومبدأ ومنهج حياة. أما إذا أصر القائمون على هذه المراكز أن لا يلتزموا بأحكام الإسلام فإن عليهم أن يختاروا اسماً آخر لا علاقة له بالإسلام، لأن اسم الإسلام - مع الأسف - قد يستغل للتأثير عاطفياً على بعض المسلمين البسطاء الذين لا معرفة لهم بحقائق الأمور.
٤ - ضعف التوازن في ممارسة الأنشطة المختلفة:
هذا الأمر يكاد أن يكون ظاهرة في مراكزنا الإسلامية. ففي الوقت الذي ترى فيه الأنشطة الاجتماعية والترويحية رائجة منتعشة، نجد الأنشطة الفكرية والتربوية لا تحظى بالاهتمام نفسه، ولعل السبب الرئيسي لهذا كامن في عدم التطوير في وسائل هذه الأنشطة، فالطرق التقليدية من محاضرة وندوة وما إليهما لم تعد قادرة على جذب جمهور عريض، وهذا يستدعي إعادة التفكير في طرق جديدة نعرض من خلالها ما نريد قوله ولكن بطرق حديثة مبتكرة.
٥ - دور المسجد في حل الخلافات الزوجية دور حيوي وهام:
فالمسجد هو موئل المسلمين في جميع قضاياهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية. والزوجان عندما يقع بينهما خلاف ولا يستطيعان الوصول إلى حل مناسب، فإن المسجد يقوم بدور هام وفعال، فهو يقوم بدور المستشار الشرعي أو الاجتماعي أحياناً، ودور القاضي الشرعي في أحيان أخرى إذا رضي الزوجان به حَكماً نهائياً. وهذا يريح الطرفين من التحاكم لغير شريعة الله، وبالتالي يريحهما من عناء التقاضي أمام المحكمة ودفع التكاليف الباهظة التي تزيد الخلاف تعقيداً وسوءاً.
٦ - ضرورة تطوير الخدمات الاجتماعية المقدمة لحل المشكلات الزوجية:
تناط مهمة حل الخلافات الزوجية بالإمام في أغلب الأحيان، ونظراً للأمور الكثيرة التي توكل إليه فإنه يصبح عاجزاً عن ملاحقة جميع ما يعرض عليه، ولذا فلابد من وجود بعض المتبرعين - وبخاصة من عندهم اختصاص في مجال الخدمات الاجتماعية ولديهم قدر من الخليفة الشرعية - لمساعدة الإمام في هذا المجال. أو من الممكن التوسع في تجربة مكتب الخدمات الاجتماعية التابع لـ: ICNA والذي أعطيت لمحة عنه فيما سبق ليمارس في ولايات أخرى.
٧ - إمكانية الصرف من أموال الزكاة في سبيل نشر الدعوة:
فقد رجَّحت هذا الرأي الفقهي بسبب وجاهته شرعاً، وحاجة المسلمين الملحة في أمريكا لدعم جهود الدعوة الإسلامية، إذ لا توجد أوقاف للمسلمين في أمريكا لينفق منها على هذا المجال، وما تقوم به مؤسسة الوقف التابعة لمنظمة المجتمع الإسلامي في أمريكا الشمالية لا يفي بالمطلوب، بل إن جهودها في هذا المضمار آخذة بالتضاؤل لأسباب شتى لا مجال لذكرها.
٨ - أهمية استخدام وسائل الإعلام الحديثة في مجال الدعوة:
стр. 386
فالوسائل التقليدية لم تعد تكفي، ولعل من المفيد في هذا المجال أن أؤكد أهمية البدء ببرنامج إذاعي يبث مواده على مستوى أمريكا كلها، وكذلك العمل على إيجاد قناة تلفزيونية إسلامية تكون من مهماتها تقديم الإسلام لغير المسلمين بصورة حقيقية مشرقة تعكس صورة الإسلام الصادقة، وترد عنه شبهات الأعداء وكذلك تثقيف المسلمين بدينهم، وتذكيرهم بواجبهم تجاه دينهم والدعوة إليه، ومن الممكن دعوة أغنياء المسلمين في العالم الإسلامي للإنفاق على هذا المشروع لاحتياجه إلى دعم مالي كبير، وليس من الصعب إقناعهم بجدوى هذا المشروع لأنه جد هام في تخفيف حدة العداء للإسلام والمسلمين الآخذ بالانتشار في العالم أجمع نتيجة الظروف الحالية المعروفة.
٩ - التواصل مع المنظمات غير الإسلامية ذات الاهتمامات المشتركة:
فقد رأينا كيف شارك نبينا ﵊ في حلف الفضول وقال فيما بعد بأنه لو دعي إلى مثله في الإسلام لأجاب. فالمسلمون في أمريكا عليهم أن يمدوا الجسور مع من يشاركهم ولو جزءاً من همومهم واهتماماتهم مثل الاهتمام بالقيم الروحية والدينية، ونشر الفضيلة والعدل، والسلام المبني على حفظ حقوق الآخرين، والمحافظ على الأسرة كخلية هامة للمجتمع السليم، ومنع الإجهاض، وعدم الاعتراف بالزواج المثلي، ومحاربة كل أنواع الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وتعاطي المخدرات والكحول، والعلاقات الجنسية غير المشروعة.
إن إيجابية المسلمين في علاقاتهم مع غيرهم يمكن غير المسلمين من فهم ديننا بطريقة عملية، ويمكننا من مد جسور التفاهم معهم. إذ سيعلم أن ما نقوم به إنما هو من تعاليم ديننا الحنيف الذي يقول كتابه الكريم: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩].
١٠ - إيجاد صيغة علمية للتعاون بين المسجد والمدرسة الإسلامية المجاورة:
فلا ينبغي الفصل بينهما، لأن كلّاً منهما يكمل الآخر. فآباء الطلاب إنما هم رواد للمسجد بطبيعة الحال، ووجود صلة طيبة لأولادهم بالمسجد سيزيد من علاقتهم به. والطلاب أنفسهم - وخلال وجودهم في المدرسة - لابد أن يمارسوا بعض الشعائر الإسلامية - وبخاصة الصلاة - في المسجد، وبهذا تتعلق قلوبهم ببيت الله مع مرور الوقت، ويتعلمون كذلك آداب دخول المسجد، والمكث فيه. ولعل من الخير أن تكون للإمام صلة مميزة أيضاً بالمدرسة الإسلامية، إذ يمكن أن يكون المستشار الشرعي لإدارتها، كما أن بإمكانه أن يتولى مهمة الإشراف التربوي على مواد القرآن الكريم والدراسات الإسلامية واللغة العربية إن كانت لديه المقدرة على هذا، وأسعفه وقته في القيام بهذه المهمة الجليلة والهامة، وبهذا تصبح سياسة المركز الإسلامي واحدة سواء بالنسبة للكبار أو الصغار، فالإمام بهذه المشاركة يضفي الروح الإسلامية على الجميع، ويجعل من ربط الإسلام بالحياة قضية يومية معاشة.
١١ - مشروعية المشاركة بالعمل السياسي بضوابطه الشرعية:
فبعد دراسة متأنية لهذا الموضوع رأيت أنه لا مانع شرعاً من هذه المشاركة باعتبارها من باب السياسة الشرعية، بتحقيق أكمل المصلحتين، ودفع أعظم المفسدتين، أو ارتكاب أخف الضررين. لكن هذه المشاركة مقيدة بالضوابط الشرعية التي بينتها، فمنها ما يتعلق بالمنظمات الإسلامية الرئيسية في أمريكا، وأخرى بالمنظمات الإسلامية المتخصصة بالعمل السياسي، وأخيراً ما يتعلق بالمراكز الإسلامية.
стр. 387
لابد من الاعتراف بأن لهذا العمل مخاطره ومزالقة الكثيرة، لذا فلابد من إعداد الكوادر المسلمة المتخصصة بالسياسة، المتحصنة بتقوى الله وبوعيها الإسلامي، والفاهمة لأهداف المسلمين من مشاركتهم في هذا العمل. وقد يكون هذا الاقتراح صعب المنال في الوقت الحالي، ولكن لابد من العمل على تحقيقه من الآن لتكون خطواتنا علمية ومدروسة. وقد أمرنا نبينا ﵊ أن نتقن العمل فقال فيما روته عائشة ﵂: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) ولاشك بأن وضع الخطط طويلة الأمد هو من إتقان العمل.
١٢ - تقديم أنشطة ملتزمة تجذب أكبر عدد من المسلمين لاشتمالها على جانب ترويحي:
فمن المعلوم أن المغريات الصادة عن سبيل الله في هذه البلاد كثيرة جداً، فلابد من ابتكار أنشطة ثقافية ترويحية تجذب أكبر عدد من أفراد الجالية المسلمة، وبخاصة الشباب الذين تستهويهم الأنشطة الرياضية وما شابهها من أنشطة تشتمل على الترويح عن النفس.
إن الإسلام دين واقعي يتلاءم مع الفكرة البشرية، لذا فقد أباح الترويح البريء عن النفس، ولكن نظراً للتفنن الأخذ بالنمو في هذا المجال والذي لا يراعي خلقاً ولا ديناً، فقد بينت الضوابط الشرعية لهذا النشاط الهام، ومن المؤمل أن يتنبه المسلمون لهذه الضوابط فيأخذوا بها إرضاء لربهم، والتزاماً بدينهم الذي يريد بهم اليسر لا العسر كما بين سبحانه في كتابه الكريم فقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥].
١٣ - ضرورة الاهتمام بإعداد الأئمة الأكفاء:
اقترحت أن يتولى المسلمون في أمريكا إعداد الأئمة في داخلها، وهذا يحقق لنا عدة أهداف هامة منها:
- تلبية حاجات المساجد والمراكز الإسلامية من الأئمة.
- معرفة الأئمة بواقع البيئة الأمريكية، وواقع المسلمين فيها.
- إتقان الأئمة للغة الإنجليزية.
- إمكانية التواصل مع وسائل الإعلام.
١٤ - ضرورة ذكر ما يتعلق بالأئمة (الأمور الأساسية) في دساتير المراكز الإسلامية:
ولعل من أهم هذه الأمور ما يلي:
- كونه عضواً مصوتاً في اللجنة التنفيذية. إذ لا يعقل أن لا يشارك الإمام في اتخاذ القرارات وربما كان أعلم عضو في هذه اللجنة، ورأيه له أهمية كبيرة فيما يتعلق بالمركز في جوانب كثيرة، وربما كان لهذه القرارات انعكاس على مهامه.
- إشرافه على اللجنة الثقافية أو التربوية، وكذلك لجنة الدعوة. وعندما لا يمكنه وقته من ذلك فيكفي أن يكون مستشاراً في هذه اللجان. لأن لرأيه أهمية في توجيه هذه الأنشطة بما يتلاءم مع شرع الله سبحانه.
- أن ينص في الدستور على أن الإمام هو المرجع الشرعي لجميع ما يمارس من أنشطة في المركز أو المدرسة الإسلامية التابعة له. وبهذا نضمن سلامة التوجه بما ينسجم مع الهدف الذي أنشأ المركز أو المدرسة من أجله.
١٥ - التعامل مع الإمام بالاحترام المطلوب:
فالإمام هو حامل ميراث النبوة، ومن غير المقبول ولا المعقول أن يعامل وكأنه موظف عادي يُقضى في شأنه وهو شاهد بدون استشارة ولا احترام. فحاله في كثير من الأحوال في مراكزنا الإسلامية كحال بني تيم الذين وصف الشاعر حالهم بقوله:
ويقضي الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستشهدون وهم شهود
كما أن واجب الإمام في الوقت نفسه أن يترفع عن السفاسف، وينأى بنفسه من الانحياز لطرف أو جماعة أو تنظيم معين، فهو إمام للجالية كلها، وهو قدوة للكبير والصغير فيجدر به أن يكون مرجعاً للجميع لا طرفاً يحابي طرفاً على حساب آخر:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
стр. 388
المسجد وأثره في المجتمع الإسلامي
المؤلف/ المشرف: علي عبدالحليم محمود
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المعارف - مصر ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: مساجد - دورها
خاتمة: في الختام أحب أن أؤكد أن المسجد جزء هام بل من أهم مكونات المجتمع المسلم، ولا يستطيع هذا المجتمع المسلم أن يؤدي وظيفته في الحياة والأحياء إلا بالمساجد. وإذا أصبح المسجد على نحو ما تصورنا أو على نحو أمثل منه وأحسن فإن المتوقع بل الأكيد أن تكون حال المجتمع المسلم كله على النحو الأحسن وعلى الصورة الأمثل. وإذا كانت الأمة الإسلامية تشكو الآن من انحراف الشباب فيها عن جادة الإسلام فإن عودة هؤلاء الشباب إلى الجادة وتربيتهم على الأخلاق الإسلامية السوية إنما يبدأ في المسجد. وإذا كان للأمة الإسلامية مشكلات تعترضها من أي نوع كانت هذه المشكلات فإن أسلوب التغلب على هذه المشكلات إنما يبدأ في المسجد. وإذا كانت الأمة الإسلامية تحس بأنها مقصرة في نشر الدين الإسلامي والتبشير به في البشرية كلها، فإن تلافي هذا التقصير، وإن الانطلاق الحقيقي بدعوة الإسلام إلى العالم كله إنما يبدأ من المسجد.
وحسبي وأنا أختم هذا البحث أن أذكر بأن أول عمل وأهم عمل قام به رسول الله ﷺ في المدينة بعد أن انتقل إليها وأسس فيها أول دولة إسلامية عرفتها البشرية هو أنه بنى المسجد، ومنه كان الانطلاق. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 389
المسجد ونشاطه الاجتماعي على مدار التاريخ
المؤلف/ المشرف: عبدالله قاسم الوشلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٠هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: مساجد - دورها
الخاتمة: وبعد، فهذا آخر ما يسر الله لي كتابته عن المسجد ونشاطه الاجتماعي وأرجو أن أكون قد وفقت في الكتابة، وجمعت فيه ما تحصل به الفائدة وأكون قد دللت على الطريق الأقوم الذي يجب أن يكون عليه المسجد في هذا العصر الذي كادت رسالة المسجد فيه أن تنسى، ونشاطه أن يدرس، فلعل في هذا المكتوب تذكيرا وتنبيهاً، وفي الموضوعات المطروحة بالبحث بياناً وتفصيلا، وفي العرض لما كان عليه المسجد قديما من النشاط والحيوية دليلا وحده، وفي النماذج من مساجد النشاط على مدار التاريخ قدوة، وفيما تعرضنا له من الآثار الناتجة عن الإهمال في هذا الصدد عبرة وعظة وتذكيرا، وفي المقارنة بين الماضي والحاضر تصحيحاً وتشميرا للجد والاجتهاد، وفيما اقترحنا من أسلوب الإحياء والإخلاص والعودة بالمسجد إلى سالف مجده بداية تؤخذ بعين الاعتبار فتجد من الاهتمام من قبل الدارس ما ينبغي أن تأخذه فتهذب وتشذب وينقص ويزيد بما يخدم الفكرة وينمي المقترح ويجعله صالحا للتنفيذ في الواقع والحياة، إذ أني لا أقول بلغت فيها النضج ولا وصلت بها النهاية، وإنما هي بداية ومحاولة بحاجة إلى المخلصين من أصحاب الظن الحسن والقلب السليم أن يسلكوا بها المسلك الصحيح القويم ويسعوا لتكون محلا للتنفيذ.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يكتب الأجر والمثوبة لكل من أسهم وشجع في ذلك، وأرجو من القارئ أن يحسن الظن فيما يجد من خطأ أو هفوة فهي ليست مقصودة ولا متعمد فيها، إذ أنها إما أن تكون سهوا أو غفلة أو اجتهادا فالإصابة مع الاجتهاد محمودة، والخطأ فيه مغفور. وأسأل من ربي غفران الخطأ وهو الكريم المتفضل يعطي الكثير على القليل ويعفو عن الكثير بالنية المخلصة الصادقة، كما أني أرجوه أن يكتبني من عباده المخلصين وهو على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 390
المنهاج النبوي في دعوة الشباب
المؤلف/ المشرف: سليمان بن قاسم العيد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار العاصمة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: دعوة ودعاة
تصنيف فرعي: دعوة - وسائلها وطرق التأثير
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد إمام المرسلين وسيد الدعاة. وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فقد عشت مدة هذا البحث مع منهاج النبي e في دعوته للشباب حيث كان عارفاً بخصائص النفوس وحاجاتها، مهتماً بالعلم، باذلاً له، مرغباً فيه .. ومجتهداً في ترسيخ الإيمان في قلوب الشباب متبعاً في ذلك أنجح الوسائل، وأفضل الأساليب مع حرصه ﵊ على ترجمة ذلك الإيمان إلى سلوك عملي متمثلاً بالعمل الصالح، والآداب الفاضلة ومن تمام دعوته e للشباب تربيتهم على الدعوة نفسها، لتخريج جيل يحمل رسالته من بعده.
وفي ذلك كله ما كانت الحكمة تغيب عنه في أسلوب أو وسيلة، فكان يعطف على الشباب في مواقف العطف، ويشتد عليهم في مواقف الشدة، ويوجههم إلى الخير، ويرغبهم فيه، وينفرهم من الشر، ويحذرهم منه. سالكاً في ذلك سبيل الموعظة الحسنة أو الوصية الجامعة، أو الإشارة العابرة.
ومن خلال معايشتي لذلك المنهاج خرجت بنتائج أهمها:
• هناك خصائص وحاجات أساسية لمرحلة الشباب من الضروري معرفتها ومراعاتها في الدعوة ضماناً لنجاحها.
• كان النبي e يعامل الشباب معاملة خاصة نظراً لما فيهم من خصائص وحاجات تختلف عن غيرهم.
• كان النبي e وخلفاؤه الراشدون يثقون بالشباب ويستشيرونهم ويولونهم المهمات الصعبة.
• أن معظم أصحاب النبي e الذي آمنوا به وعزروه ونصروه كانوا شباباً، وبالأخص فإن المبرزين منهم في العلم والجهاد من الشباب.
• قدرة الشباب على القيام بمسؤوليات كبيرة كإمارة البلدان وقيادة الجيوش وإدارة الأعمال وغيرها.
• أن تقدم الأمم وحضارتها مرهون باهتمامها بشبابها واستفادتها منهم.
• أن لدى الشباب من القدرة على التغيير في المجتمعات ما ليس لغيرهم.
هذه أهم النتائج، وأجد في نفسي بعض التوصيات لجهات مختلفة أحب أن أوصي بها ومنها:
• على الحكومات الإسلامية إعادة النظر في شبابها، والاهتمام بهم فهم زينة حاضرها وعدة مستقبلها.
• وعلى الإدارات العامة والخاصة إشراك الشباب في المجالس الاستشارية كما كان عمر بن الخطاب ﵁ يستشير الشباب طلباً لحدة عقولهم.
وقد قالت العرب: عليكم بمشاورة الشباب، فإنهم ينتجون رأياً لم ينله طول القدِم.
• وعلىالدعاة عموماً دراسة خصائص مراحل نمو الإنسان، لمعرفة أنسب الوسائل وأفضل الأساليب في الدعوة. وخاصة مرحلة الشباب فهي الشريحة العظمى من المجتمع وهي البيئة الخصبة للدعوة.
• وعلى أولياء الأمور والقائمين علىالشباب، مراعاة هذه الفترة مراعاة خاصة، وتحري الحكمة في التعامل معهم، واتباع أفضل الأساليب في تقويم أخطائهم. والنظر إلى حماسهم في العبادة أو الدعوة وتوجيهه الوجهة الصحيحة التي تضمن استمرارهم وسلامتهم.
• كما على المسؤولين أن يثقوا بالشباب، بتوليتهم بعض الأمور المهمة لما فيهم من صفاء في الأذهان وحماس للتنفيذ وقبل للتوجيه والإرشاد، ورغبة في التجديد والإبداع.
هذه بإيجاز شديد أهم النتائج والتوصيات. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →