← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فالوسائل التقليدية لم تعد تكفي، ولعل من المفيد في هذا المجال أن أؤكد أهمية البدء ببرنامج إذاعي يبث مواده على مستوى أمريكا كلها، وكذلك العمل على إيجاد قناة تلفزيونية إسلامية تكون من مهماتها تقديم الإسلام لغير المسلمين بصورة حقيقية مشرقة تعكس صورة الإسلام الصادقة، وترد عنه شبهات الأعداء وكذلك تثقيف المسلمين بدينهم، وتذكيرهم بواجبهم تجاه دينهم والدعوة إليه، ومن الممكن دعوة أغنياء المسلمين في العالم الإسلامي للإنفاق على هذا المشروع لاحتياجه إلى دعم مالي كبير، وليس من الصعب إقناعهم بجدوى هذا المشروع لأنه جد هام في تخفيف حدة العداء للإسلام والمسلمين الآخذ بالانتشار في العالم أجمع نتيجة الظروف الحالية المعروفة. ٩ - التواصل مع المنظمات غير الإسلامية ذات الاهتمامات المشتركة: فقد رأينا كيف شارك نبينا ﵊ في حلف الفضول وقال فيما بعد بأنه لو دعي إلى مثله في الإسلام لأجاب. فالمسلمون في أمريكا عليهم أن يمدوا الجسور مع من يشاركهم ولو جزءاً من همومهم واهتماماتهم مثل الاهتمام بالقيم الروحية والدينية، ونشر الفضيلة والعدل، والسلام المبني على حفظ حقوق الآخرين، والمحافظ على الأسرة كخلية هامة للمجتمع السليم، ومنع الإجهاض، وعدم الاعتراف بالزواج المثلي، ومحاربة كل أنواع الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وتعاطي المخدرات والكحول، والعلاقات الجنسية غير المشروعة. إن إيجابية المسلمين في علاقاتهم مع غيرهم يمكن غير المسلمين من فهم ديننا بطريقة عملية، ويمكننا من مد جسور التفاهم معهم. إذ سيعلم أن ما نقوم به إنما هو من تعاليم ديننا الحنيف الذي يقول كتابه الكريم: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩]. ١٠ - إيجاد صيغة علمية للتعاون بين المسجد والمدرسة الإسلامية المجاورة: فلا ينبغي الفصل بينهما، لأن كلّاً منهما يكمل الآخر. فآباء الطلاب إنما هم رواد للمسجد بطبيعة الحال، ووجود صلة طيبة لأولادهم بالمسجد سيزيد من علاقتهم به. والطلاب أنفسهم - وخلال وجودهم في المدرسة - لابد أن يمارسوا بعض الشعائر الإسلامية - وبخاصة الصلاة - في المسجد، وبهذا تتعلق قلوبهم ببيت الله مع مرور الوقت، ويتعلمون كذلك آداب دخول المسجد، والمكث فيه. ولعل من الخير أن تكون للإمام صلة مميزة أيضاً بالمدرسة الإسلامية، إذ يمكن أن يكون المستشار الشرعي لإدارتها، كما أن بإمكانه أن يتولى مهمة الإشراف التربوي على مواد القرآن الكريم والدراسات الإسلامية واللغة العربية إن كانت لديه المقدرة على هذا، وأسعفه وقته في القيام بهذه المهمة الجليلة والهامة، وبهذا تصبح سياسة المركز الإسلامي واحدة سواء بالنسبة للكبار أو الصغار، فالإمام بهذه المشاركة يضفي الروح الإسلامية على الجميع، ويجعل من ربط الإسلام بالحياة قضية يومية معاشة. ١١ - مشروعية المشاركة بالعمل السياسي بضوابطه الشرعية: فبعد دراسة متأنية لهذا الموضوع رأيت أنه لا مانع شرعاً من هذه المشاركة باعتبارها من باب السياسة الشرعية، بتحقيق أكمل المصلحتين، ودفع أعظم المفسدتين، أو ارتكاب أخف الضررين. لكن هذه المشاركة مقيدة بالضوابط الشرعية التي بينتها، فمنها ما يتعلق بالمنظمات الإسلامية الرئيسية في أمريكا، وأخرى بالمنظمات الإسلامية المتخصصة بالعمل السياسي، وأخيراً ما يتعلق بالمراكز الإسلامية.

стр. 387

لابد من الاعتراف بأن لهذا العمل مخاطره ومزالقة الكثيرة، لذا فلابد من إعداد الكوادر المسلمة المتخصصة بالسياسة، المتحصنة بتقوى الله وبوعيها الإسلامي، والفاهمة لأهداف المسلمين من مشاركتهم في هذا العمل. وقد يكون هذا الاقتراح صعب المنال في الوقت الحالي، ولكن لابد من العمل على تحقيقه من الآن لتكون خطواتنا علمية ومدروسة. وقد أمرنا نبينا ﵊ أن نتقن العمل فقال فيما روته عائشة ﵂: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) ولاشك بأن وضع الخطط طويلة الأمد هو من إتقان العمل. ١٢ - تقديم أنشطة ملتزمة تجذب أكبر عدد من المسلمين لاشتمالها على جانب ترويحي: فمن المعلوم أن المغريات الصادة عن سبيل الله في هذه البلاد كثيرة جداً، فلابد من ابتكار أنشطة ثقافية ترويحية تجذب أكبر عدد من أفراد الجالية المسلمة، وبخاصة الشباب الذين تستهويهم الأنشطة الرياضية وما شابهها من أنشطة تشتمل على الترويح عن النفس. إن الإسلام دين واقعي يتلاءم مع الفكرة البشرية، لذا فقد أباح الترويح البريء عن النفس، ولكن نظراً للتفنن الأخذ بالنمو في هذا المجال والذي لا يراعي خلقاً ولا ديناً، فقد بينت الضوابط الشرعية لهذا النشاط الهام، ومن المؤمل أن يتنبه المسلمون لهذه الضوابط فيأخذوا بها إرضاء لربهم، والتزاماً بدينهم الذي يريد بهم اليسر لا العسر كما بين سبحانه في كتابه الكريم فقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. ١٣ - ضرورة الاهتمام بإعداد الأئمة الأكفاء: اقترحت أن يتولى المسلمون في أمريكا إعداد الأئمة في داخلها، وهذا يحقق لنا عدة أهداف هامة منها: - تلبية حاجات المساجد والمراكز الإسلامية من الأئمة. - معرفة الأئمة بواقع البيئة الأمريكية، وواقع المسلمين فيها. - إتقان الأئمة للغة الإنجليزية. - إمكانية التواصل مع وسائل الإعلام. ١٤ - ضرورة ذكر ما يتعلق بالأئمة (الأمور الأساسية) في دساتير المراكز الإسلامية: ولعل من أهم هذه الأمور ما يلي: - كونه عضواً مصوتاً في اللجنة التنفيذية. إذ لا يعقل أن لا يشارك الإمام في اتخاذ القرارات وربما كان أعلم عضو في هذه اللجنة، ورأيه له أهمية كبيرة فيما يتعلق بالمركز في جوانب كثيرة، وربما كان لهذه القرارات انعكاس على مهامه. - إشرافه على اللجنة الثقافية أو التربوية، وكذلك لجنة الدعوة. وعندما لا يمكنه وقته من ذلك فيكفي أن يكون مستشاراً في هذه اللجان. لأن لرأيه أهمية في توجيه هذه الأنشطة بما يتلاءم مع شرع الله سبحانه. - أن ينص في الدستور على أن الإمام هو المرجع الشرعي لجميع ما يمارس من أنشطة في المركز أو المدرسة الإسلامية التابعة له. وبهذا نضمن سلامة التوجه بما ينسجم مع الهدف الذي أنشأ المركز أو المدرسة من أجله. ١٥ - التعامل مع الإمام بالاحترام المطلوب: فالإمام هو حامل ميراث النبوة، ومن غير المقبول ولا المعقول أن يعامل وكأنه موظف عادي يُقضى في شأنه وهو شاهد بدون استشارة ولا احترام. فحاله في كثير من الأحوال في مراكزنا الإسلامية كحال بني تيم الذين وصف الشاعر حالهم بقوله: ويقضي الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستشهدون وهم شهود كما أن واجب الإمام في الوقت نفسه أن يترفع عن السفاسف، وينأى بنفسه من الانحياز لطرف أو جماعة أو تنظيم معين، فهو إمام للجالية كلها، وهو قدوة للكبير والصغير فيجدر به أن يكون مرجعاً للجميع لا طرفاً يحابي طرفاً على حساب آخر: قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

стр. 388

المسجد وأثره في المجتمع الإسلامي المؤلف/ المشرف: علي عبدالحليم محمود المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار المعارف - مصر ̈بدون سنة الطبع: بدون تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: مساجد - دورها خاتمة: في الختام أحب أن أؤكد أن المسجد جزء هام بل من أهم مكونات المجتمع المسلم، ولا يستطيع هذا المجتمع المسلم أن يؤدي وظيفته في الحياة والأحياء إلا بالمساجد. وإذا أصبح المسجد على نحو ما تصورنا أو على نحو أمثل منه وأحسن فإن المتوقع بل الأكيد أن تكون حال المجتمع المسلم كله على النحو الأحسن وعلى الصورة الأمثل. وإذا كانت الأمة الإسلامية تشكو الآن من انحراف الشباب فيها عن جادة الإسلام فإن عودة هؤلاء الشباب إلى الجادة وتربيتهم على الأخلاق الإسلامية السوية إنما يبدأ في المسجد. وإذا كان للأمة الإسلامية مشكلات تعترضها من أي نوع كانت هذه المشكلات فإن أسلوب التغلب على هذه المشكلات إنما يبدأ في المسجد. وإذا كانت الأمة الإسلامية تحس بأنها مقصرة في نشر الدين الإسلامي والتبشير به في البشرية كلها، فإن تلافي هذا التقصير، وإن الانطلاق الحقيقي بدعوة الإسلام إلى العالم كله إنما يبدأ من المسجد. وحسبي وأنا أختم هذا البحث أن أذكر بأن أول عمل وأهم عمل قام به رسول الله ﷺ في المدينة بعد أن انتقل إليها وأسس فيها أول دولة إسلامية عرفتها البشرية هو أنه بنى المسجد، ومنه كان الانطلاق. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 389

المسجد ونشاطه الاجتماعي على مدار التاريخ المؤلف/ المشرف: عبدالله قاسم الوشلي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٠هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: مساجد - دورها الخاتمة: وبعد، فهذا آخر ما يسر الله لي كتابته عن المسجد ونشاطه الاجتماعي وأرجو أن أكون قد وفقت في الكتابة، وجمعت فيه ما تحصل به الفائدة وأكون قد دللت على الطريق الأقوم الذي يجب أن يكون عليه المسجد في هذا العصر الذي كادت رسالة المسجد فيه أن تنسى، ونشاطه أن يدرس، فلعل في هذا المكتوب تذكيرا وتنبيهاً، وفي الموضوعات المطروحة بالبحث بياناً وتفصيلا، وفي العرض لما كان عليه المسجد قديما من النشاط والحيوية دليلا وحده، وفي النماذج من مساجد النشاط على مدار التاريخ قدوة، وفيما تعرضنا له من الآثار الناتجة عن الإهمال في هذا الصدد عبرة وعظة وتذكيرا، وفي المقارنة بين الماضي والحاضر تصحيحاً وتشميرا للجد والاجتهاد، وفيما اقترحنا من أسلوب الإحياء والإخلاص والعودة بالمسجد إلى سالف مجده بداية تؤخذ بعين الاعتبار فتجد من الاهتمام من قبل الدارس ما ينبغي أن تأخذه فتهذب وتشذب وينقص ويزيد بما يخدم الفكرة وينمي المقترح ويجعله صالحا للتنفيذ في الواقع والحياة، إذ أني لا أقول بلغت فيها النضج ولا وصلت بها النهاية، وإنما هي بداية ومحاولة بحاجة إلى المخلصين من أصحاب الظن الحسن والقلب السليم أن يسلكوا بها المسلك الصحيح القويم ويسعوا لتكون محلا للتنفيذ. أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يكتب الأجر والمثوبة لكل من أسهم وشجع في ذلك، وأرجو من القارئ أن يحسن الظن فيما يجد من خطأ أو هفوة فهي ليست مقصودة ولا متعمد فيها، إذ أنها إما أن تكون سهوا أو غفلة أو اجتهادا فالإصابة مع الاجتهاد محمودة، والخطأ فيه مغفور. وأسأل من ربي غفران الخطأ وهو الكريم المتفضل يعطي الكثير على القليل ويعفو عن الكثير بالنية المخلصة الصادقة، كما أني أرجوه أن يكتبني من عباده المخلصين وهو على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 390

المنهاج النبوي في دعوة الشباب المؤلف/ المشرف: سليمان بن قاسم العيد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار العاصمة - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٥هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: دعوة - وسائلها وطرق التأثير الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد إمام المرسلين وسيد الدعاة. وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فقد عشت مدة هذا البحث مع منهاج النبي e في دعوته للشباب حيث كان عارفاً بخصائص النفوس وحاجاتها، مهتماً بالعلم، باذلاً له، مرغباً فيه .. ومجتهداً في ترسيخ الإيمان في قلوب الشباب متبعاً في ذلك أنجح الوسائل، وأفضل الأساليب مع حرصه ﵊ على ترجمة ذلك الإيمان إلى سلوك عملي متمثلاً بالعمل الصالح، والآداب الفاضلة ومن تمام دعوته e للشباب تربيتهم على الدعوة نفسها، لتخريج جيل يحمل رسالته من بعده. وفي ذلك كله ما كانت الحكمة تغيب عنه في أسلوب أو وسيلة، فكان يعطف على الشباب في مواقف العطف، ويشتد عليهم في مواقف الشدة، ويوجههم إلى الخير، ويرغبهم فيه، وينفرهم من الشر، ويحذرهم منه. سالكاً في ذلك سبيل الموعظة الحسنة أو الوصية الجامعة، أو الإشارة العابرة. ومن خلال معايشتي لذلك المنهاج خرجت بنتائج أهمها: • هناك خصائص وحاجات أساسية لمرحلة الشباب من الضروري معرفتها ومراعاتها في الدعوة ضماناً لنجاحها. • كان النبي e يعامل الشباب معاملة خاصة نظراً لما فيهم من خصائص وحاجات تختلف عن غيرهم. • كان النبي e وخلفاؤه الراشدون يثقون بالشباب ويستشيرونهم ويولونهم المهمات الصعبة. • أن معظم أصحاب النبي e الذي آمنوا به وعزروه ونصروه كانوا شباباً، وبالأخص فإن المبرزين منهم في العلم والجهاد من الشباب. • قدرة الشباب على القيام بمسؤوليات كبيرة كإمارة البلدان وقيادة الجيوش وإدارة الأعمال وغيرها. • أن تقدم الأمم وحضارتها مرهون باهتمامها بشبابها واستفادتها منهم. • أن لدى الشباب من القدرة على التغيير في المجتمعات ما ليس لغيرهم. هذه أهم النتائج، وأجد في نفسي بعض التوصيات لجهات مختلفة أحب أن أوصي بها ومنها: • على الحكومات الإسلامية إعادة النظر في شبابها، والاهتمام بهم فهم زينة حاضرها وعدة مستقبلها. • وعلى الإدارات العامة والخاصة إشراك الشباب في المجالس الاستشارية كما كان عمر بن الخطاب ﵁ يستشير الشباب طلباً لحدة عقولهم. وقد قالت العرب: عليكم بمشاورة الشباب، فإنهم ينتجون رأياً لم ينله طول القدِم. • وعلىالدعاة عموماً دراسة خصائص مراحل نمو الإنسان، لمعرفة أنسب الوسائل وأفضل الأساليب في الدعوة. وخاصة مرحلة الشباب فهي الشريحة العظمى من المجتمع وهي البيئة الخصبة للدعوة. • وعلى أولياء الأمور والقائمين علىالشباب، مراعاة هذه الفترة مراعاة خاصة، وتحري الحكمة في التعامل معهم، واتباع أفضل الأساليب في تقويم أخطائهم. والنظر إلى حماسهم في العبادة أو الدعوة وتوجيهه الوجهة الصحيحة التي تضمن استمرارهم وسلامتهم. • كما على المسؤولين أن يثقوا بالشباب، بتوليتهم بعض الأمور المهمة لما فيهم من صفاء في الأذهان وحماس للتنفيذ وقبل للتوجيه والإرشاد، ورغبة في التجديد والإبداع. هذه بإيجاز شديد أهم النتائج والتوصيات. نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 391

الموقف المعاصر من المنهج السلفي في البلاد العربية (دراسة نقدية) المؤلف/ المشرف: مفرح بن سليمان العوسي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الفضيلة - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٣هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية الخاتمة أحمد الله وأشكره وأثني عليه الخير كله، فله الحمد سبحانه على ما يسّر وأعان على إتمام هذا البحث، الذي درستُ فيه الموقف المعاصر من المنهج السلفي في البلاد العربية، ولم يبق عليَّ في خاتمته إلا الوفاء بحق أمرين هامين هما: استخلاص أبرز نتائجه، ورصد بعض التوصيات والمقترحات ذات العلاقة بموضوعه. أولاً: أبرز نتائج البحث: لقد توصلتُ من خلال دراستي للموقف المعاصر من المنهج السلفي في البلاد العربية إلى نتائج كثيرة، أبرزها ما يلي:١ـ أن الموقف المعاصر من المنهج السلفي في البلاد العربية ينقسم إلى قسمين: ـ موقف عقلاني. ـ وموقف تغريببي. وأصحاب الموقف العقلاني في ذلك صنفان هما: ـ اتجاه عقلاني يرتكز على تراث الفرق المختلفة. ـ واتجاه عقلاني يدعو إلى التحديث في الفكر الإسلامي المعاصر. كما أن أصحاب الموقف التغريببي في ذلك صنفان أيضاً: ـ اتجاه تغريببي علماني. ـ واتجاه تغريببي ماركسي. ٢ـ أن موقف الاتجاه العقلاني المرتكز على تراث الفرق المختلفة من المنهج السلفي يتمثل ـ بوجه عام ـ في ادعائه ما يلي: أـ أن "السلفية" مذهب جديد مبتدع في الدين، والتمذهب بها بدعة، فهي لا تعني إلا مرحلة زمنية وصفها الرسول ? بالخيرية، وأنه ليس في الإسلام طائفة متميزة تُسمى بالسلفية. ب ـ أن الالتزام في العصر الحاضر بالمنهج السلفي الذي سار عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين أمرٌ لا موجب له، لأن هذا المنهج إنما هو موقف اجتهادي منهم ولا يلزم غيرهم الأخذ به. ج ـ أن السلف أهل السنة والجماعة يتنكرون للعقل ويغضون من شأنه وينحون به جانباً، ويُنكرون استخدام القياس، ويحكمون بالضعف أو الوضع على كل ما ورد في فضل العقل من أحاديث. د ـ أن إثبات الصفات على ظاهرها كما وردت في النصوص الشرعية يقتضي التشبيه والتجسيم، ولذا فإن سلف الأمة وأئمتها سلكوا حيالها أحد المسلكين التاليين: أحدهما: تفويض معانيها وكيفياتها واعتبارها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. الثاني: تأويل نصوصها وحملها على المعاني المجازية. ومن هنا فإنهم أوَّلوا ـ في زعم أصحاب هذا الاتجاه ـ صفة العلو إلى علو الشأن والمكانة، وعلو القهر والغلبة، وعلو العظمة والعزة. وأوَّلوا صفة الاستواء إلى استئثار المُلْك، واستواء الحكم والإقبال والقصد ونحو ذلك. وأوَّلوا صفة النزول إلى نزول أمره سبحانه وقدرته، أو إقباله ﷻ على عباده. هـ أنه لم يقل أحد من السلف أن الله تكلم بحرف وصوت، وأن الإمام أحمد يرى أن القرآن في اللوح المحفوظ وفي لسان جبريل ﵇ وفي لسان محمد ? وألسنة التالين وقلوبهم وألواحهم حادث محدث ضرورة، وأما القديم فهو المعنى القائم بالله وهو الكلام النفسي. وـ أن أحاديث الآحاد ليس حجة في مسائل الاعتقاد، وأن من احتج بها من علماء السلف في تلك المسائل فقد جانب الصواب. زـ أن السلف يرون جواز شد الرحال لزيارة قبر النبي ?، لورود الأحاديث الكثيرة الدالة على مشروعية زيارة القبور وعلى أن زيارة قبره ? فضيلة وسنة، ولإجماع العلماء على استحباب هذه الزيارة. ح ـ أن السلف أهل السنة والجماعة يرون طبقاً للأدلة الشرعية جواز نداء النبي ? بعد موته والتوسل به لتفريج الكربات، وكذا التوسل بمن عُرفوا بالصلاح والاستقامة في حياتهم وبعد مماتهم، وأنه لم يقل أحد بتحريم ذلك إلا ابن تيمية.

стр. 392

ط ـ أن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب مذهب وهابي مبتدع في الدين، تقف أفكاره وأصوله عند الشيخ محمد بن عبدالوهاب ولا ترقى إلى علماء السلف السابقين، وأن من أهدافها الدعوة إلى القومية العربية، وإقامة دولة عربية مستقلة عن دولة الأتراك، وأنها ظلت دعوة ودولة في شبه الجزيرة العربية ولم تنتشر في غيرها من بلاد المسلمين بسبب فكرها المحافظ وأساليبها البدوية العنيفة، وأنها دعوة بادية بسطاء لم تنل ما ناله غيرها من أهل البلاد الأخرى من التحضر والتمدن، وأن أصحابها لا يحترمون النبي ?، بل يبغضونه ويمقتون مادحيه والمصلين عليه. ٣ـ أن موقف اتجاه التحديث في الفكر الإسلامي المعاصر من المنهج السلفي يتمثل ـ بوجه عام ـ في ادعائه ما يلي: أـ أن سنة رسول الله ? تنقسم إلى سنة تشريعية يلزم العمل بها، وسنة غير تشريعية لا يلزم العمل بها، وأنه يدخل في القسم الثاني مسائل باب (المعاملات) في الفقه الإسلامي، لأنه من أمور دنيانا التي نحن أعلم بها، كما يدخل فيه تصرفات الرسول ? في القضاء والإمامة. ب ـ أن قضايا الاعتقاد مسائل فكرية، وأن الفكر يتغير بتغير الزمان والمكان، فالعقيدة إذن متجددة متغيرة وعلى المسلمين أن يختاروا ما يناسبهم من المناهج بحسب الظروف والملابسات التي يعيشونها. ج ـ أنه لا بد ـ لتجديد الإسلام وتحقيق النهضة المنشودة في وقتنا الحاضر ـ أن نتجاوز منهج متأخري العلماء في الأخذ بالأسلم والأحوط والأضبط، وألا نتواصى بالمحافظة بل بالانفلات والانطلاق بكل حرية. د ـ أن الفقهاء المسلمين منغلقون ضيقو الأفق، وأن الحياة العامة وشؤون الاقتصاد والسياسة تدور من حولهم وهم لا يشعرون، وأنهم أغفلوا حق طاعة ولاة الأمر في كتبهم ومصنفاتهم، واحتكروا الدين واتخذوه سراً من الأسرار حجبوه عن الناس، وأصبحوا بذلك وسطاء بين العباد وربهم، وسلطة مركزية تستبد بأمر الاجتهاد. هـ أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، وأنه لا يمكن تطبيق الشريعة على المستجدات والظروف والأحوال المختلفة المتباينة إلا بتأسيس معقولية الأحكام الشرعية، وذلك: باتخاذ تحقيق المصالح أساساً للتشريع، وبجعل دوران الحكم الشرعي مع الحكمة والمصلحة لا مع العلة، وبربط الأحكام الشرعية بأسباب نزولها. وـ أن "أهلية الاجتهاد" شيء نسبي إضافي، وجملة مرنة ليس لها ضوابط ولا شرائط، وأما تلك الشروط والضوابط التي اعتمدها علماء الإسلام فما هي إلا قيود وضعها مناطقة الإغريق ثم اقتبسها الفقهاء عنهم. وأنه ينبغي فتح باب الاجتهاد الحر لجمهور المسلمين بما فيهم العوام، لأنه ليس في الإسلام كنيسة أو سلطة رسمية تحتكر النظر في المسائل الشرعية والإفتاء فيها. زـ أن (الإجماع) حق لجميع أفراد الشعب المسلم، وأنهم استعملوه في عصور الإسلام الأولى، ثم باشر هذا الحق نيابة عنهم الفقهاء في عصور الجهل والانحطاط، وأنه لا بد في هذا العصر من إعادة الحق إليهم عن طريق التصويت على الأحكام الشرعية، فما صَوَّت له جمهور المسلمين وسوادهم الأعظم أصبح حكماً لازماً ينزل عليه كل المسلمين. ح ـ أنه لابد من التدرج في تطبيق الشريعة في المجتمع الإسلامي المعاصر، إذ لا يمكن تطبيقها تطبيقاً كاملاً في هذا المجتمع ـ ولا سيما إقامة الحدود الشرعية ـ إلا بعد تهيئته من جميع النواحي: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية. ولذا فإن الشريعة لم تطبق تطبيقاً كاملاً في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي بما فيها المرحلة الأولى منه في عصر النبي ?.

стр. 393

ط ـ أن العقوبات المقررة في الشرع ليست مقصودة بأعيانها بل بغاياتها، وهي الردع عن ارتكاب الجريمة، فكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها، ولذا فإنه لا رجم في الإسلام ولا قطع ولا جلد ولا حد إلا بعد معاودة الجريمة وتكرارها والإصرار عليها. ي ـ أنه لا رجم في الإسلام، لأن ما شاع وذاع من قول بالرجم يعتمد على طائفة من أحاديث لم ترتفع عن درجة الحسن، ولأن هذه الأحاديث مخالفة مخالفةً صريحة للقرآن فلا يُعتد بها، ولأنه لو كان عقاب المحصنة من الحرائر الرجم حتى الموت كان أحرى أن يُنص عليه تعييناً لهوله. ك ـ أن الفقه الإسلامي فقه تقليدي مؤسس على علم محدود بطبائع الأشياء وحقائق الكون وقوانين الاجتماع، وأن كتب الفقه تفتقر إلى الأحكام التي ترشد المسلم إلى ما يجب عليه اتباعه في أمور التجارة والفن والسياسة. ل ـ أن أصول الفقه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، وأنه نظرٌ مجرد، كله مبالغة في التشعيب والتعقيد بغير طائل، ومقولات نظرية عقيمة لا تلد فقهاً البتة، بل تُولِّد جدلاً لا يتناهى. ٤ـ اشتراك الاتجاهين العلماني والماركسي ـ في موقفهما من المنهج السلفي ـ في جوانب عديدة، أهمها: أ) الخلط في مفهوم "السلفية"، بحيث يُدخل هؤلاء تحته كل من انتمى إلى الإسلام، سواء كان انتماؤه صحيحاً أم خاطئاً. ب) التعامل مع الاتجاه السلفي بطريقة قائمة على مواقف مسبقة، وليست علمية حيادية ـ وإن ادَّعوا ذلك ـ بحيث يتم تناوله بطريقة تحريفية تتعمد تشويه هذا الاتجاه والتنفير منه ووصمة بالتطرف والرجعية، والعقم والعجز عن الوعي بالعصر ... إلخ. ج) التعامل معه باعتباره مشكلة كبيرة وخطراً داهماً يتهدد المجتمعات المدنية، وأنه يجب التصدي له ـ بكل السبل ـ للقضاء عليه أو للحد من خطره وضرره على الأقل. ٥ـ أن موقف الاتجاه التغريببي العلماني من المنهج السلفي يتمثل ـ بوجه عام ـ في ادعائه ما يلي: أـ أن أصحاب المنهج السلفي يحصرون (العلم) في الشرع وينكرون ما عداه من العلوم، كما ينكرون السببية، وأنهم يرون اشتمال القرآن على كل علم، وتضاداً وتعارضاً بين العلم الحديث ومتطلبات الإيمان وروحانية الإسلام، كما يرون هذا العلم علماً غير يقيني وعديم النفع غير مستحق للطلب والتحصيل، ولذا فهم يرفضونه ويدينونه. ب ـ أن المنهج السلفي منهج انتقائي، فأصحابه ينتقون في طريقة عرضهم للتراث الإسلامي ما يُناسب توجهاتهم وأفكارهم، ويحجبون كل ما يتعارض معها، ويقدمون ذلك بوصفه الممثل لهذا التراث. ج ـ أن أصحاب الاتجاه السلفي إنما يُركزون في منهجهم في الأخذ بالإسلام وتمثله وتطبيقه على منطوق النص لا روحه، وعلى الشكليات والقشور دون الجوهر واللباب، فيركزون على الزي ومنع الاختلاط وتطبيق الحدود وأداء الشعائر، ويُغفلون التفكير في إيجاد حل للمشكلات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها مجتمعاتهم. د ـ أن الاقتداء بالسلف الصالح والالتزام بمنهجهم: مناف للأصالة واغتراب زماني وقفز فوق الزمن، لانقطاع الخيط الذي يصلنا بزمن السلف الصالح، ولأن منهجهم لم يُطبق إلا في فترة زمنية محدودة هي فترة صدر الإسلام.

стр. 394

هـ أن المنهج السلفي من شأنه الثبات ـ المناقض للتطور ـ وأن التمسك به وتطبيقه في حياة المسلمين المعاصرة يؤدي إلى الجمود والتحجر، ذلك أن من مقررات السلف التشبث بمبادئ الإسلام ونصوصه وشريعته، وهذه الشريعة ثابتة، بينما الحياة البشرية متغيرة متطورة، فإذا أُريد تطبيق الشريعة على الحياة، فإما أن تتغير الشريعة تبعاً لتغير مجال تطبيقها فينتقض الحكم بثباتها وتكون متطورة مسايرة للزمن في تحولاته ـ وهذا ما يرفضه السلفيون ـ، وإما أن تجمد الحياة عند صورة واحدة وتُرفض صورها المستجدة التي حدثت بعد اكتمال نزول التشريع. وـ أن الإسلام دين وعقيدة وليس حكماً وسيفاً، وأن هناك فرقاً كبيراً بين الإسلام الدين والإسلام الدولة، وأن انتقاد الثاني لا يعني الكفر بالأول ولا الخروج عليه، وأنه لا ضرر في فصل الدين عن الدولة في الإسلام، بل فيه تحقيق لصالح الدين وصالح السياسة معاً. زـ أنه لا يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر: لأن تطبيقها يؤدي إلى قيام دولة دينية، وهذه تقود إلى الحكم بالحق الإلهي الذي لا يتم إلا من خلال رجال الدين، ولافتقاد البرامج العملية اللازمة لتحكيمها، ولأن تطبيقها يهدد أمن الوطن ووحدته بإثارة الفتنة الطائفية. ٦ـ أن موقف الاتجاه التغريبي الماركسي من المنهج السلفي يتمثل ـ بوجه عام ـ في ادعائه ما يلي: أـ أن المنهج السلفي منهج رجعي ماضوي، يقدس الماضي ويحن إليه، ويجعله مقياساً للحاضر، ويقتضي الانطلاق منه وحده، بل البقاء فيه وحده، لعدم قابليته التحرك خطوة واحدة إلى الحاضر، ولذا فالالتزام بهذا المنهج يؤدي إلى العقم والجمود والتأخر والتخلف الحضاري، والعجز عن مواكبة التغيرات وتقديم حلول ناجعة للمشكلات الآنية. ب ـ أن المنهج السلفي منهج أسطوري لا تاريخي، متعال عن الواقع، عاجز عن إدراكه، مغرق في التجريد والمثالية. ج ـ أن السلفية تتسم بالجور في نظرتها للتراث العربي الإسلامي وتعاملها معه، فهي تسعى إلى إلغاء حركة التاريخ بفرض نسق تاريخي معين على التاريخ كله، وتقوم بإغفال أو تهميش قسم كبير من هذا التراث مما لا يوافق توجهها. د ـ أن الخطاب السلفي خطاب غالٍ ينعت (السلف) بأنه (سلف صالح) من دون تمييز بين من كان منهم صالحاً ومن كان طالحاً، ويرفع النبي ? إلى مرتبة الألوهية، والصحابة ﵃ إلى منزلة الأنبياء، وكلهم كانوا بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. هـ أن الإسلام في تشريعاته الاقتصادية ـ كتحريم الربا والاحتكار وفر ض الزكاة ـ يُقرّ التمايز الطبقي، ولا يحل مشكلة الفقر، كما لا يحقق العدالة للفقراء وينصفهم من قوى الاضطهاد الاجتماعي، بل يحيل ذلك إلى يوم القيامة. وـ أن دوافع حركة الفتح الإسلامي كانت مادية أكثر منها دينية، وأن التسامح الديني الذي اتبعه الفاتحون كانت له قاعدة مادية، وهي محاولة التقليل من عدد المسيحيين الذي يدخلون في الإسلام، لكي لا تقل موارد ضريبة (الجزية) التي فُرضت على غير المسلمين. ٧ـ وبدراسة الدعاوى السابقة ـ التي تمثل الموقف المعاصر من المنهج السلفي في البلاد العربيةـ، وبمناقشتها وتحليلها، خلصت هذه الدراسة إلى نتائج كثيرة يتمثل أبرزها ـ باقتضاب ـ فيما يلي: أولاً: أن "السلفية" ليست مذهباً جديداً مبتدعاً في الدين، وليست مرحلة زمنية بل هي اصطلاح جامع يُطلق للدلالة على منهج السلف الصالح في تلقي الإسلام وفهمه والعمل به، وللدلالة على التمسك بهذا المنهج والعض عليه بالنواجذ إيماناً وتصديقاً واتباعاً، وللدلالة أيضاً على الملتزمين به قديماً وحديثاً.

стр. 395

ثانياً: أن الالتزام بالمنهج السلفي واجب على كل مسلم ومسلمة، لأنه منهج الإسلام نفسه وصراط الله المستقيم وحبله المتين الذي أمرنا الله باتباعه، وسبيل الرشاد الموصل إلى دار الجنان، وليس موقفاً اجتهادياً من السلف الصالح تجوز مخالفته. ثالثاً: أن إثبات الصفات لله تعالى على ظاهرها كما وردت في النصوص الشرعية لا يقتضي التشبيه والتجسيم، لأن لله صفات تخصه وتليق به، وللمخلوقين صفات تخصهم وتليق بهم، ولا يلزم من الاشتراك في المعنى الكلي الموجود في الأذهان بين صفات الله وصفات خلقه الاشتراك بينها في الحقيقة والكنه والكيفية، وقد أثبت الله لنفسه الصفات ونفى عن نفسه المماثلة والمشابهة للمخلوقات. رابعاً: إجماع السلف على الإيمان بأن الله تعالى فوق سماواته، مستو على عرشه عال على جميع مخلوقاته، بائن منها بالكيفية التي يعلمها سبحانه وعلى ما يليق بجلاله، وأن له العلو المطلق من كل وجه. وإجماعهم على إثبات صفة استواء الله على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته سبحانه، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل، شأنهم فيها كشأنهم في سائر صفاته جل وعلا. وإجماعهم كذلك على أنه سبحانه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين. خامساً: أن مذهب السلف في كلام الله هو أن كلامه سبحانه غير مخلوق، وأنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء ومتى شاء، وأن الكلام صفة له قائمة بذاته، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته بحرف وصوت يُسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وأن القرآن جميعه حروفه وألفاظه ومعانيه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، تكلّم به وأسمعه جبريل فنزل به على نبينا محمد ?. سادساً: إجماع السلف على العمل بخبر الآحاد، والاحتجاج به في العقائد والأحكام. سابعاً: أن السلف يرون عدم جواز شد الرحال لأجل زيارة القبور، لا قبر النبي ? ولا قبر غيره من الأولياء والصالحين وغيرهم، وأما من ذهب إلى المسجد النبوي الشريف فإنه يُسن له حينئذ أن يزور قبر المصطفى ?. ثامناً: أن التوسل عند السلف قسمان: مشروع، وممنوع. أما المشروع فهو ما قام عليه الدليل من الشرع، كالتوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، والتوسل إلى الله بعمل صالح قام به الداعي، والتوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح. وأما الممنوع فهو ما لم يقم عليه الدليل من الشرع، كالتوسل إلى الله تعالى بذات المتوسل به وشخصه، والتوسل إلى الله تعالى بحق أحد الخلائق أو جاهه أو حرمته، والإقسام على الله تعالى بالمتوسل به. تاسعاً: أنه ليس للشيخ محمد بن عبدالوهاب مذهب خاص به، فهو في العقيدة على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي كان عليه علماء نجد من قبله ومن بعده، وأتباع دعوته يسيرون على مذهب السلف ويدعون إلى التمسك به، وأن هذه الدعوة تهدف إلى تصحيح العقيدة الإسلامية وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات، والعودة بالإسلام إلى ما كان عليه من صفاء ونقاء في صدره الأول، وأنها لاقت قبولاً حسناً في العالم الإسلامي، وانتشرت فيه انتشاراً واسعاً، فعرفها الخاص والعام. عاشراً: أن كل ما أُقر عليه رسول الله ? من قول أو فعل أو تقرير قبل وفاته ثم لم يُنسخ هو شرع ودين يُتَعبَّد الله به، ولكن هذا الدين والتشريع يختلف حكمه، فإما أن يكون فرضَ عين، أو فرضَ كفاية، أو واجباً، أو سنةً مؤكدة، أو مندوباً، أو مباحاً. وكل من عمل شيئاً من ذلك بنية التقرب إلى الله يثاب على فعله.

стр. 396

حادي عشر: أن علماء المسلمين منذ زمن السلف الصالح كانوا يؤثرون الأخذ بالأسلم والأحوط والأضبط، والتزام الرفق في الأمور كلها. ثاني عشر: وجود فرق واضح بين مصطلحي (تغير الفتوى) و (وتغير الأحكام)، فإن تغير الأحكام نسخ، وهذا قد انقطع بانقطاع الوحي، أما تغير الفتوى فهو: انتقال المجتهد من حكم إلى حكم آخر لتغير صورة المسألة، أو ضعف مدرك الحكم الأول أو زواله أو ظهور مصلحة شرعية، أو سداً لذريعة فساد، أو رفع حرج، مستصحباً في ذلك الأصول الشرعية والعلل المرعية والمصالح الموافقة لمراد الله ورسوله. ثالث عشر: أنه لا يجوز قصر الأحكام الشرعية على حوادث نزولها المتعَيِّنة، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن قصر الأحكام الشرعية على أسباب نزولها إجراء عقلاني تعسفي ليس للداعين إليه دليل ومستند شرعي، ولأن من لوازمه إبطال حكم النصوص الشرعية وفتح الباب واسعاً للأهواء والشهوات في تحديد ما يؤخذ وما يُرد من أحكام الشرع. رابع عشر: أن الشريعة الإسلامية طبقت تطبيقاً كاملاً في تاريخ الإسلام، ولا سيما في صدره الأول، وأنه يجب على المجتمع الإسلامي أن يطبق شرع الله في كل مناحي الحياة تطبيقاً كاملاً في حال القدرة على ذلك. خامس عشر: أن العقوبات المقررة في الشرع مقصودة بأعيانها وغاياتها معاً، وليس كل ما أدَّى مُؤداها يكون بمثابتها. سادس عشر: إجماع علماء السلف على رجم الزاني المحصن. سابع عشر: اشتمال كتب الفقه الإسلامي على الأحكام التي تُرشد المسلم إلى ما يجب عليه اتباعه في أمور التجارة والسياسة وغيرهما من المجالات. ثامن عشر: أن العلم عند السلف ـ على الرغم من أنه ينصرف عند إطلاق لفظه إلى العلم الشرعي ـ يتسع ليشمل جميع أنواع المعارف الإنسانية، كالرياضيات والطب والكيمياء والفيزياء والفلك والمنطق واللغة والأدب وغيرها، وأنهم لا يرفضون العلم الحديث، بل ينظرون إلى العلوم الكسبية نظرة معيارية أخلاقية، ومن ثم يقسمونها إلى قسمين: علم محمود، وعلم مذموم. فالمحمود: هو المنضبط بهدي الوحي الإلهي نهجاً وغاية، المحقق للمصالح المعتبرة شرعاً، الدافع للضرر عن الناس. والمذموم: هو الذي لا يحقق مصلحة معتبرة أو مباحة شرعاً، بل يقوم على الضرر والأذى وجلب الشرور والمفاسد. تاسع عشر: أن الانتقاء في المنهج السلفي ليس انتقاءً تحكمياً، يمارسه المنتقي من أجل إثبات وجهة نظر يعتمدها أو يبرر به رغبة ذاتية لديه، فيأخذ من التراث ما يوافق هذه الرغبة ويهمل ما سواه، بل هو انتقاء قائم على دراسة التراث في تاريخيته ثم نقده وتصفيته، اعتماداً على الوحي الإلهي بمقرراته وأحكامه الحاملة أعلى درجات الحق والموضوعية والصدق. عشرون: أن السلفيين يركزون في نهجهم في الأخذ بالإسلام وتمثله وتطبيقه على منطوق النص وروحه معاً، وعلى المظاهر والجوهر واللباب معاً. واحد وعشرون: أن الاقتداء بالسلف والالتزام بمنهجهم في فهم الإسلام وتمثله والعمل به نصاً وروحاً هو عين الأصالة التي يشرف بها كل مسلم، وأن المنهج السلفي ـ بوصفه منهج الإسلام نفسه ـ منهج قائم مطبق ومتصل منذ فجر تاريخ الإسلام وحتى يومنا هذا. اثنان وعشرون: أن ثبات المنهج السلفي في دين الإسلام إنما يعني الثبات على أمرين رئيسين هما: ـ حقائق الإسلام الخبرية وأصوله الإيمانية. ـ وأحكامه التشريعية. وأن ثباته على هذين الأمرين لا يعني تثبيت الحياة الملتزمة به في صورة واحدة لا تتغير، كما يتوهم خصوم السلفية من العلمانيين وغيرهم.

стр. 397

ثلاث وعشرون: أن الدين ـ كما يرى السلف ـ هو النظام العام والقانون الشامل لأمور الحياة كلها ومناهج السلوك للإنسان التي أوحى بها الله إلى نبيه محمد ? وأمره بتبليغها إلى الناس كافة، مع ما يترتب على التقيد بها أو عدمه من ثواب وعقاب. وأن الدين مرتبط بالدولة في الإسلام ارتباط القاعدة بالبناء، فالدين أساس الدولة وموجهها، فلا يمكن تصور دوله إسلامية بلا دين، كما لا يمكن تصور الدين الإسلامي فارغاً من توجيه المجتمع وسياسة الدولة، لأنه حينئذ لا يكون إسلاماً. أربع وعشرون: أن الحكومة الدينية بصورتها الكهنوتية الكنسية لا وجود لها في الإسلام على الإطلاق، لأن الله سَوَّى بين الناس جميعاً من ناحية الحقوق والواجبات، ولم يجعل للتفاضل ميزاناً إلا تقواه سبحانه. خمس وعشرون: أن "السلفية" نفي للمحاذير التي ارتبطت بوصف الماضوية، نتيجة ما حدث لحركة الارتداد الفكري نحو اليونان في أوائل عصر النهضة، وهي في حقيقتها دعوة إلى الماضي وتَطلّع إلى المستقبل في آن واحد، وعلماء السلف وإن كانوا يصرحون بتشددهم في التمسك بثوابت الإسلام، فهم في الوقت نفسه يحملون راية الانفتاح الحضاري، ويشجعون على الانتفاع بالعلوم الطبيعية والرياضية، بغض النظر عن عقائد أصحابها أو توجهاتهم الفكرية. ست وعشرون: أن التقدم في الإسلام إنما هو تقدم أخلاقي، ومضيٌ في تحقيق الرسالة التي أناطها الله بهذه الأمة، مع الأخذ بأسباب العمران المادي في نواحي الحياة كلها. سبع وعشرون: أن المنهج السلفي يقف في تعامله مع الواقع موقفاً إيجابياً، ليس في مجالات العقيدة والعبادة فحسب، بل وفي المجال الاجتماعي سياسياً واقتصادياً ونحوه. وأن هناك فارقاً أساسياً كبيراً بين صلة المنهج الإسلامي بالواقع، ونظرة الاتجاهات المادية له، فنظرة هذه الاتجاهات تجعل الواقع هو الأساس الذي تتشكل منه الثقافة بتصوراتها وقيمها وأحكامها، وأما في الإسلام فإن الواقع مجالُ تَنزّل أحكام التشريع الإسلامي، لتبقى تغيراته محققة لمصلحة الإنسان والمجتمع. ثمان وعشرون: أن الموقف الحقيقي للسلف من التراث يتمثل في العناصر التالية ذات الصبغة المنهجية: ١ـ الانفتاح المنضبط على التراث. ٢ـ السلفية بوصفها مرجعية معيارية. ٣ـ الشمولية. ٤ـ التاريخية. ٥ـ الانتقاء الموضوعي. تسع وعشرون: أن تشريعات الإسلام الاقتصادية تسعى إلى القضاء على التمايز الطبقي بين الناس، وإلى تحقيق العدالة بينهم، ومعالجة مشكلة الفقر والفاقة بصورة فريدة تعجز عن مضاهاتها فيها جميع الأنظمة والنظريات الاقتصادية الوضعية، رأسمالية كانت أم اشتراكية شيوعية. ثانياً: التوصيات والمقترحات: ١ـ أوصي نفسي وإخواني المسلمين بتقوى الله في السر والعلن، والإخلاص له في القول والعمل، واتباع منهج السلف ﵏ والالتزام به في مختلف المجالات، وفي شتى دروب الحياة، فإنه بقدر اتباع هذا المنهج والالتزام به يكون الابتعاد عن الانحراف والضلال. ٢ـ الحذر من خطر الدعاوى والشبهات الكثيرة المثارة حول المنهج السلفي وأهله، ولا سيما أنها تصدر من شخصيات وفئات لها ثقلها وعظيم أثرها في البلاد الإسلامية. ٣ـ الحذر من الانسياق خلف المفتونين بالغرب وحضارته المادية من أبناء المسلمين، والعمل على انتقاء النافع من مكتشفات الحضارة الغربية ومخترعاتها، مما نحن بحاجة ماسة إليه ويتفق مع عقيدتنا ومبادئنا وأحكام ديننا، ونبذ كل ما سوى ذلك. ٤ـ أقترح على المؤسسات التعليمية ومراكز البحوث العلمية والعلماء والباحثين أمرين. أحدهما: العمل على جمع تراث السلف وآثارهم العلمية في مختلف المجالات وتحقيقها ونشرها، فذلك من أقوى الأسباب الداعية إلى فهم المنهج السلفي وإبرازه وإيضاحه، وقطع الطريق على الخصوم المُلَبِّسين. والثاني: العمل على إنصاف السلفيين ـ قدماء ومحدثين ـ والذب عنهم، وإبراز جهودهم الكبيرة التي بذلوها خدمة للإسلام والمسلمين، وغيرة على محارم هذا الدين. والله أسأل أن يصلح أمر آخر هذه الأمة كما أصلح أمر أولها، وأن يهب لنا من لدنه رحمة وعلماً ورشداً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 398

جماعة أنصار السنة المحمدية نشأتها-أهدافها-منهجها-جهودها المؤلف/ المشرف: أحمد محمد الطاهر المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الفضيلة - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: حركات وأحزاب إسلامية قبل بيان نتائج هذا البحث أشير على ما لاقيته فيه من صعوبات تمثلت في الآتي: ١. قلة المراجع والمصادر المتعلقة بهذا الموضوع. ٢. عدم تيسير السفر إلى مصر لجمع معلومات من المركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية، وذلك لأسباب خارجة عن إرادتي. ٣. عدم وجود معلومات وافية عن الجماعة في مصر والسودان. ٤. صعوبة الحصول على الأعداد الكاملة لمجلة الهدي النبوي في بداية البحث، وتعتبر مرجعا رئيسيا للبحث. ٥. قلة تأليف علماء جماعة أنصار السنة في السودان. ٦. صعوبة توثيق بعض المعلومات المتلقاة من اللقاءات الشخصية والأشرطة المسجلة والزيارات الميدانية. ومع ذلك –والفضل لله -أتممت هذه الرسالة، وبتوفيق الله تعالى طوفت في دراستي موضوع جماعة أنصار السنة المحمدية وجودها في نشر عقيدة السلف وانتهيت إلى نتائج أهمها: ١. أن جماعة أنصار السنة المحمدية تعد مظهرا من مظاهر تجديد الدين الذي هو سنة الله تعالى، ظهرت في القطر المصري الذي يعيش كغيره من البلاد الإسلامية واقعا كثر في الابتعاد عن الدين بتفشي مظاهر الشرك والبدعة والخرافة، لعوامل تسلط الاستعمار وتقليد الغرب وحصول كثير من التحولات في حياة الناس من النواحي السياسية والاجتماعية. ٢. أن مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية (الشيخ محمد حامد الفقي) شخصية قوية، تحرك بقوة يدعو إلى التوحيد وينشر السنة حتى أثمرت دعوته وصار لها آثار واسعة. ٣. أن آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإيجابية في الجزيرة العربية كانت عاملا من عوامل وجود جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر. ٤. أن أصول وأهداف دعوة جماعة أنصار السنة المحمدية مستمدة من منهج الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة. ٥. تنوع جماعة أنصار السنة المحمدية منهجها في الدعوة إلى الله، فبعد أن كانت تركز على الخطاب الشفاهي انتقلت إلى التأليف والكتابة في الصحف ودخول وسائل الإعلام، ثم الكمبيوتر والإنترنت. ٦. اختلاف نوع النشاط بين جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر والسودان تأليفا وعملا ميدانيا عائد إلى كثرة العلماء في مصر ووفرة الدعاة واقتحامهم للمجالات الدعوية في السودان. ٧. ضعف التواصل بين جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر وجماعات أنصار السنة في غيرها من البلدان وبين الجماعات السلفية مؤخرا، ولذلك بسبب عوامل خارجية عن إرادتها. ٨. أن جماعة أنصار السنة المحمدية لا يمنعها مخالفتها في الرأي لجماعات أخرى دعوية من أن يكون لها صلات وعلاقات والارتباطات معها. ٩. أن لأعلام جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر جهودا مقدرة في نشر عقيدة السلف، ونشر السنة النبوية، ومحاربة التبشير النصراني والبدعة والخرافة. ١٠. أن أغلب أعلام جماعة أنصار السنة المحمدية في السودان الذين لهم جهود كبيرة في بيان منهج السلف معاصرون. ١١. أن ضعف الجانب الإعلامي لدى جماعة أنصار السنة المحمدية كان حائلا دون إبراز جهودهم في نشر عقيدة السلف. ١٢. أن مجلات جماعة أنصار السنة في مصر والسودان قد حققت مطلبا كان يفتقر إليه المجتمع المسلم، وذلك بتميزها والتزامها بمنهج الكتاب والسنة. ١٣. أن ما استدرك على جماعة أنصار السنة المحمدية أمور تتعلق ببعض القضايا التكميلية غير الجوهرية أو التقصير فيما حقه الإبراز والعناية ولا تعد شيئا بالنسبة لجهودهم العظيمة البناءة. ١٤. أن بعض ما استدرك على جماعة أنصار السنة المحمدية هو أخطاء أفراد منهم لا تعتبر ممثلة لمنهجهم. ١٥. أن المدرسة العقلية آثارا سلبية على بعض شيوخ جماعة أنصار السنة المحمدية مما يعتبر من قبيل التأثر الخاص. ١٦. أن روح التجرد ونصرة الحق وعدم التعصب للمشايخ والزعماء سمة يتسم بها علماء ودعاة أنصار السنة. ١٧. أن عدم تقبل دعوة جماعة أنصار السنة وإثارة الشبهات حولهم عائد إلى انتشار الفكر الصوفي عدو السلفية اللدود. ١٨. أن كثيرا من الشبهات المثارة حول دعوة جماعة أنصار السنة ليست جديدة فهي ما أثر على منهج السلف، لأن عقيدة الجماعة هي عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصور أهل السنة والجماعة. ١٩. أن منهج جماعة أنصار السنة في الإصلاح يبدأ بإصلاح الفرد والأسرة والمجتمع وهو منهج المصطفى ﷺ في الدعوة وبه صلاح الدول. ٢٠. أن لجماعة أنصار السنة المحمدية أثارا واضحة في المجتمع من تصحيح مسار العقيدة والأخلاق والمعاملات والنواحي الاجتماعية والسياسية. ٢١. أن جماعة أنصار السنة تركز في دعوتها على جميع جوانب الدين، مع أخذها بالأولويات منهجا لها. هذه أبرز الجوانب التي لمستها من خلال معالجة جزئيات هذا الموضوع، والله أسأل الإخلاص في القول والعمل وأن يجعل خير أيامنا خواتيمها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 399

خطبة الجمعة أهميتها، تأثيرها، واقعها كيفية النهوض بها المؤلف/ المشرف: محمد عبداللطيف الرفاعي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: جروس برس - لبنان ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٥هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: الجمعة - الخطبة الخاتمة: الجهاد في سبيل الله أحب من الأهل والمال والوطن والعشيرة والمسكن والتجارة، وخلاف ذلك ضلال وفسوق عن أمر الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة:٢٤]، وفي الآية دليل على أنه إذا تعارضت مصلحة من مصالح الدين مع مهمات الدنيا وجب ترجيح جانب الدين على الدنيا ليبقى الدين سليما، وهذا موقف تزل فيه الأقدام. الجهاد دعوة وقتال مقدمة على القتال، وركناها تفقه في الدين وإعلام بهذا الدين. الدعوة: إعداد للدعاة وتبليغ للرسالة وإعلام بالإسلام قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة:١٢٢]. والإعداد: دراسة، وتصميم، وتخطيط وتنفيذ، ومراقبة وتقويم مستمر. والعدة هنا: علم، ومال، وقوة، ورجال. ولقد عرفنا أهمية الإعلام ووسائله وأساليبه وأدواته، وعرفنا عوامل ضعف وازدهار الخطابة عامة والخطابة الدينية خاصة. وكذلك عرفنا واقع خطبة الجمعة وبعض أسباب الضعف والفشل في تحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية. وعرفنا كذلك عوامل نهوض وانتفاع توظيف لها في تحقيق البناء والتوعية الإسلامية. وعلى ضوء تلك الدراسات المتواضعة أقترح مشروعا أتوجه به إلى أهل الذكر، إلى أولي العلم واليسار والغنى، إلى ذوي النفوذ والشأن، إلى أبناء التجارب والخبرة والاختصاص، إلى أصحاب المؤسسات والمعاهد الإسلامية في طرابلس والأقضية التابعة لها، مع التذكير بوجوب التنفيذ والتقويم المستمر، والسهر على استمرارية العمل في التوعية والتوجيه والإرشاد ومراقبة حركة المسجد والتحسس من أحوال المسلمين والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر ١ - ٣]، وها هي أهم بنود المشروع المقترح للنهوض بخطبة الجمعة، هذه الوسيلة الأهم والأبرز في وسائل الدعوة والإعلام بالإسلام: أولا: العودة بالمسجد إلى عهده الأول مقر قيادة ومحطة إعلام بالدين، ومركز تربية اجتماعية عقدية. وإعادة توظيفه في صنع الإنسان المسلم المتكامل في كل ناحية من نواحي شخصيته وبشكل متوازن حتى لا تطغى ناحية على أخرى. إعادة توظيف المسجد في تربية جيل قرآني يحمل الدعوة كما حملها جيل الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم. وللعودة هذه شروط أهمها:

стр. 400

١ - استرجاع العلماء لدورهم في الإمامة والتوعية والتوجيه والبناء وقيادة الجماهير الشابة في صراعها ضد الباطل والطغيان. واستعادة الخطيب حقه في الإيواء، وهو إحاطته بالقوة واليسر المادي والتربية العملية والعصبة أولي القوة حتى يتفرغ للوظيفة والعطاء المثمر، فيدعو في قوة مدعمة باليقين، في قوة لا تزلزلها الأهواء، ولا تغير فيها قوى الخصوم، ولا يقف دونها حب الدنيا وزخرف الشهوات، وحتى تتغير النظرة إلى وظائف الإمامة، الأمر الذي يجعل العلماء يؤثرونها على الوظائف الأخرى، ويؤثرونها على الهجرة إلى حيث المرتبات أسخى والوضع الاجتماعي في نظر الناس خير مردا وخير أملا، وبهذا يصبح بالإمكان إعفاء المرتزقة من الخدمات المسجدية، وإبعاد المشبوهين ومنع القاصرين من المخاطرة في دين الله لأن هؤلاء يسيئون من حيث يريدون الإحسان ويفسدون من حيث يريدون الإصلاح. ويصبح كذلك بالإمكان اعتماد الكفاءات العملية والخلقية إلى جانب الممارسة والمران والوضع الاجتماعي. ويكون ميسورا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. ٢ - توسيع بعض المساجد إذا أمكن بدلا من بناء مساجد جديدة ومتقاربة يضار بعضها بعضا. ٣ - تدريب العاملين في مجال الدعوة والخطابة والإعلام الديني، ورفع مستوى تأهيلهم المهني والتزام الأساليب العلمية والوسائل الحديثة. ٤ - إحداث وتشجيع معاهد وبرامج بحيث تقدم للمسجد خطيبا فيه مقومات الخطيب الناجح، واعتماد دورات توعية وتبصير للدعاة ومنهم خطباء المساجد. ٥ - دراسة أحوال المسلمين الاجتماعية والسكانية والمعيشية والثقافية والإنسانية. ٦ - مراقبة المساجد، ومنع طرح الأمور الخلافية والحيلولة دون اتباع المتشابهات والخوض في أمور لا تنفع المسلم لا في عاجله ولا في عاقبة أمره. وتشكل لهذا الغرض لجان مختصة تحظى بإشراف ومؤازرة العلماء وأولي الأمر وعامة المسلمين. ثانياً: مؤازرة خطباء المساجد وترشيد مسيرة الإعلام بالإسلام ويكون ذلك على الشكل التالي: ١ - إحداث منتديات خطبة الجمعة والمساجد على غرار منتديات وسائل الإعلام. وذلك بغية دراسة ومناقشة الأفكار والمفاهيم الإسلامية مع أئمة المساجد ونشر ثقافة إسلامية نقية صافية، وتلاوة القرآن تلاوات كاملة، والحذر من اتخاذ القرآن مهجورا أو التركيز على بعضه دون بعضه الآخر. ٢ - تأليف مرشد أو دليل خاص بالخطباء المسلمين يحتوي على المعلومات والتوجيهات التي تهم الخطيب. ٣ - تأليف كتاب نموذجي يحتوي على مجموعة من الخطب التي تغطي كافة الموضوعات الإسلامية الأساسية ليستهدي بها المبتدئون على أن تقوم بإعداد هذا الكتاب نخبة من العلماء المتمرسين في هذا المجال إعدادا لغويا فكريا يتناسب مع العصر. وإنه لمن المفيد أن يقوم بعض الخطباء البارعين بإلقاء هذه الخطب إلقاء نموذجيا وتسجيل الإلقاء على أشرطة توضع في خدمة المتدربين على الخطابة. وليحذر واضعو هذا الكتاب أن تكون الغاية إظهار سعة في العلم وطول باع في ضروب المعرفة والفنون. فليتقوا الله في عملهم هذا وليقولوا قولا سديدا يصلح الله أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما. ٤ - إعداد مطبوعات دورية تحتوي على خطب تعالج بعض مستجدات العصر وتوزيعها على خطباء المساجد وأئمتها والعاملين في ميدان الدعوة إلى الله. وليراع في هذه الخطب حسن الاستشهاد بالكتاب والسنة كما يراعي التفنن في الاستدلال. ثالثا: الالتزام بمبادئ وأصول الدعوة والإعلام بالإسلام وذلك بما يلي: ١ - الشمولية: وتعني توجيه خطبة الجمعة إلى كافة الطبقات ومواجهة جميع المشكلات، مع طرح الحلول الإسلامية المناسبة لها.

стр. 401

٢ - التزام الصدق والواقعية بأن يكون العمل بالدين واقعيا حيا في المجتمع الإسلامي. وذلك باتباع القول العمل مع مراعاة واقع المسلمين والأخذ بأيديهم إلى الأفضل. ٣ - التصدي للغزو الفكري، والتيارات الهدامة، والشبهات التي أوجدها أعداء الإسلام تضليلا للرأي العام الإسلامي، وتفريغا للشريعة من أصولها وخصائصها وصفائها، وتشويها لصورة الإسلام وثقافته وحضارته وللبارزين من الشخصيات الإسلامية. ٤ - العمل على تصحيح المفاهيم وإيجاد ثقافة إسلامية أصيلة. ٥ - صيانة المفاهيم والحقائق الدينية من التحريف ومن إخضاعها للتصورات العصرية والمصطلحات السياسية والاقتصادية التي نشأت في أجواء خاصة وبيئات مختلفة. ولها خلفيات وعوامل تاريخية، هي خاضعة دائما للتغيير وللفشل المتواصل. رابعا: الوقاية والنقد الذاتي وذلك التزاما بما يلي: ١ - إنشاء تليفزيون إسلامي ولو متنقلا. وذلك في محاولة إنقاذ أطفال المسلمين من خطر الإعلام المتلفز الذي يحرق بيوت المسلمين. ٢ - التزام الدعاة وأئمة وخطباء المساجد بمكارم الأخلاق وحسن المظهر وإقران القول بالعمل. ٣ - إقامة صندوق استفتاء في كل مسجد وذلك لجمع آراء المصلين بالخطبة وموضعها حتى يتم تحسين الوضع من خلال النقد الذاتي. خامسا: التخطيط والمال: ١ - لا بد أن يكون التنظيم والتخطيط قبل مباشرة العمل حتى لا يضيع الوقت وحتى لا تذهب الطاقات هدرا ... ٢ - المال عصب الحياة وشريان العمل، ولا بد في مشروع النهوض بخطبة الجمعة من دراسات وتقدير للأموال اللازمة والتوعية بالمشروع والتحذير من عدم توظيف خطبة الجمعة وما حدث ويحدث من جراء ذلك من أخطار. على أن يقوم بذلك لجان تتكون من أهل الخبرة والشهرة والإخلاص في كل حي أو قرية. ويساهم أغنياء تلك الأحياء والقرى في التمويل ولا مانع من التوجه إلى خارج المنطقة، إلى من هنالك من المسلمين. وفي تأمين المال يجب احترام شروط ثلاثة: ١ - أن يقدم المال قربة عند الله وعند رسول الله ﷺ . ٢ - أن لا يقبل من أحد مال يقدمه مغرما ومنة يمن بها على الدعوة أو العاملين ويتربص بالمسلمين الدوائر. ٣ - أن لا يقبل خطيب المسجد بقيد سوى ما تقتضيها شريعة الله وسنة رسول الله ﷺ .

стр. 402

دائرة الفتنة وسبل الخروج منها المؤلف/ المشرف: عمر بن عبدالله كامل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بيسان - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٢هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: فتن معاصرة الخاتمة: وبعد هذه الجولة المتنوعة التي طفنا من خلالها في معنى الثقافة والمجتمع والحضارة، وتأملنا أثناء جولتنا في واقعنا الثقافي، وما يسوده من تيارات فكرية معاصرة، واختلافات بين الاتجاهات، وقطعية بين التيارات الثقافية والمجتمعات. ووقفت في هذه الجولة عند محطات عدة مهمة منها: العلمانية والدين. ومنها: ضرورة توضيح المصطلحات وتحديد المفاهيم. وأوضحت كثيراً من القضايا المهمة التي تتعلق بنظام الحكم والخلافة، ومفهوم الراعي والإمام والنزاع حول القوة. كما حذرت وأنذرت من بوادر الفتنة التي ترفع رأسها من خلال غياب الوعي الثقافي، والفكر الإسلامي المعتدل، وافتعال المعارك الوهمية وظهور العلمانية، وغياب مدلول المصطلحات والمفاهيم مثل (الشرك، والتكفير). ومن تلك البوادر المخيفة والفتن المحدقة: المشكلات الاجتماعية التي تنذر بالكوارث وانهيار القيم. ثم بينت السبيل وأوضحت الطريق للخروج من دائرة الفتنة، بالتأكيد على احترام الرأي الآخر، والتزام أدب الاختلاف في الحوار. ووضعت المعالم الكبرى في سبيل الإصلاح، وذلك بالإصلاح الديني عن طريق إصلاح المناهج التعليمية، والتحذير من ظاهرة الغلو والتطرف، ثم الإصلاح الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والقضائي، ودعوت في كل ذلك إلى سبيل العلاج، وطريق الخروج من دائرة الفتنة، التي أسأل الله سبحانه أن يجنبها أمتنا، وأن يأخذ بيدها للوصول إلى بر الأمان والسلامة، وما أردت في ما كتبت إلا النصح والإصلاح: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله)

стр. 403

داعية وليس نبياً - قراءة نقدية لمذهب الشيخ محمد بن عبدالوهاب في التكفير المؤلف/ المشرف: حسن بن فرحان المالكي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الرازي - عمان ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: ردود ومناظرات الخاتمة: أختصرها فيما يلي: ١ - أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ شيخ فقيه حنبلي نجله ونحترمه ونقدر له حرصه على التوحيد الخاص، ونشكر له جهوده التي كان من ثمرتها توحيد هذا الوطن الكبير، ونشكر له الدعوة لتنقية التوحيد مما لحقه من شوائب عند كثير من العوام، وأن هذا لا يعني أن الشيخ أصاب في مسائل التكفير. ٢ - أن الشيخ محمد – مع خطئه في التكفير – بريء من كثير من التهم الموجهة إليه كادعاء النبوة أو تنقص النبي ﷺ أو أنه يريد زعامة لنفسه ... وهو مصيب في الجملة باستثناء الغلو في التكفير وما تبعها من استباحة الدماء المعصومة. ٣ - أن التكفير هو المنهج السائد والأساس عند الشيخ محمد ويختلف عن هذا المنهج في فتاوى معدودة لظروف سياسية أو أنها رجوع أو قد تكون عامة تحتمل التكفير والإيهام بالتبرؤ من التكفير. ٤ - أن التكفير في منهج الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀، ثابت في مؤلفاته ورسائله، وفيما ينقله المعارضون عنه، وفيما دونه المؤرخون عن تلك المرحلة. ٥ - أن الوهابية الرسمية اليوم ليسوا على منهج الشيخ في التكفير، وبقي على منهجه جماعات التكفير المعاصرة، وبعض السلفيات المحلية التي خارج السلطة. ٦ - أن من الأمور التي يجعل منها الشيخ محمد شركاً أكبر ما هو مباح عند كثير من أئمة الحنابلة كأحمد بن حنبل وإبراهيم بن الحربي وغيرهما. ٧ - البراءة من تكفير المسلمين وتخطئة ذلك يجب أن يكون واضحاً صريحاً دون طلب من أحد، لما له من آثار سيئة على الفرد والمجتمع. ٨ - أوصي بفتح المجال لدراسة الفكر الوهابي بوصفه إنتاجاً بشرياً قابلاً للخطأ والصواب، كسائر الإنتاجات المذهبية والفكرية، وأن يتم فسح الكتب التي تنحو منحى المراجعة لفكر الشيخ، أسوة بالكتب التي تناقش تيارات ومذاهب أخرى، وأسوة بالكتب التي تغلو في الشيخ. ٩ - يجب مع هذا كله أن تتآلف القلوب حتى مع وجود النقد والحدة العلمية، فاختلاف الرأي لا ينبغي أن يفسد أساس الأخوة الإسلامية. ١٠ - أن جميع أبناء هذا الوطن لا يجوز أن يتحدث عنهم إلا من يمثلهم، ولن تمثلهم طائفة ولا مذهب، لحقيقة وجود التنوع والاختلاف، فلذلك يجب على الدولة – وهو من باب العدل – ألا تقصر الخطاب الداخلي على فئة دون فئة، وألا يكون الخطاب الديني الرسمي مستفزاً للمذاهب الإسلامية الموجودة داخل الوطن وخارجه، أما الخطاب غير الرسمي فمن الصعب السيطرة عليه، والعدل الذي يجب على كل دولة أن يكون لكل مذهب دروسه وكتبه ومنابره ومساجده ودراساته ومدارسه العلمية، دون أن يعتدي أحد على أحد، فمن حرض منهم على عنف أو تكفير للطرف الآخر فيجب إتاحة الفرصة للطرف الآخر أن يرد ويدفع عن نفسه ظلم المكفرين، هذا على أقل تقدير، وهذا لا يعني ترك المحاورة بالتي هي أحسن، ولا المناظرة الأخوية ولا النقد العلمي المسئول. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان

стр. 404

دعوة أهل البدع المؤلف/ المشرف: خالد بن أحمد الزهراني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٧هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: دعوة - وسائلها وطرق التأثير وبعد: فقد تبين ـ بفضل الله تعالى ومنه ـ مما سبق من المباحث فضل الدعوة إلى الله تعالى ,وأنها من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى , بل إنها أفضل مقامات العبد , وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين ﵈. وتبين كذلك أن الدعوة إلى الله ليست مقتصرة على غير المسلمين فقط , بل أنها تعم كذلك عصاة المسلمين الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم ,ويدخل فيهم من باب الأولى المخالفون لأهل السنة والجماعة الذين انحرفوا عن المنهج الحق , منهج أهل السنة والجماعة .. وتبين كذلك خطر البدعة وتأثيرها على المسلمين ,وأنها أحب إلى إبليس من المعصية , ولأن المعصية يتاب منها , والبدعة لا يتاب منها , بمعنى أن صاحبها يعتقد أنه على دين صحيح , فكيف إذا يتوب منه؟! وتبين كذلك أن توبة المخالفين مقبولة إن أخلصوا فيها لله رب العالمين, فإنه لا يحول بينهم وبين التوبة أحد , والله تعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب إليه وأناب. ومن كل ذلك تتبين أهمية دعوة المخالفين حتى يرجعوا إلى جادة الصواب, إلى منهج أهل السنة والجماعة , المنهج الحق الذي أمر باتباعه جميع المسلمين , ذلك أن أهل السنة هم أرحم الناس , ومن رحمتهم بالمخالفين أن يدعوهم حتى يتمسكوا بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه , لعلهم أن ينجوا بين يدي الله ويكونوا من الفائزين بجنات النعيم. على الداعية إلى الله تعالى أن يجعل هذا الأمر ـ وهو دعوة المخالفين لأهل السنة والجماعة ـ من جملة اهتماماته , وأن يسخر لسانه وقلمه وجهده وكل ما يستطيع في دعوة من يستطيع دعوته منهم , بالأسلوب الحسن , والحكمة النافعة , وأن لا يألوا جهدا في استخدام شتى الوسائل في دعوتهم ـ التي ذكرت في البحث والتي لم تذكر ـ وأن يكون على بصيرة مما يدعو إليه , حتى تكون دعوته ناجحة بإذن الله تعالى. وعليه أن يكون قريبا من أهل العلم , يستنير بعلومهم , ويسترشد بكلامهم , ويسألهم عما يشكل عليه في دعوته للمخالفين , ويستشيرهم فيما يواجهه من مشكلات وعقبات , وقد ذكر في هذا البحث بعض فتاويهم وتوجيهاتهم في دعوة المخالفين ونصحهم وإرشادهم والتعامل معهم. فنسأل الله تعالى أن يهدي كل مخالف للتمسك بمنهج أهل السنة , وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه , ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه , وأن يوفقنا للدعوة في سبيله , على منهج نبيه محمد ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ... وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 405

دعوة التقريب بين الأديان المؤلف/ المشرف: أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي المحقق/ المترجم: بدون دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٢هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: تقارب بين الأديان أولاً: النتائج. ١ - دين الله واحدٌ من لدن آدم إلى محمدٍ ﷺ ، وهو الإسلام بمعناه العام، الذي هو الاستسلام لله بالطاعة، وإفراده بالعبادة، والخلوص من الشرك. وهذا هو المعنى الوحيد الصحيح لـ (وحدة الأديان). أما الشرائع الإلهية فمتعددة. ٢ - أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد رغبوا عن ملة إبراهيم، وفرقوا الدين الحق الذي جاءت به أنبياؤهم، وحرفوا كتب الله المنزلة عليهم؛ بالزيادة والنقصان، والتحريف اللفظي والمعنوي. فاليهودية تقوم على (توراة عزرا)، و (تلمود الحاخامات). والنصرانية تقوم على (الأناجيل المحرفة)، و (رسائل بولس) الذي أدخل عليها التثليث، وتأليه المسيح، وبنوته، وسائر البدع العقدية والعملية، وأبطل الشريعة، وقد آلوا جميعاً إلى جملة من الأوضاع الشركية، والرسوم البدعية، والأخلاق الذميمة. ٣ - أن الإسلام بمعناه الخاص، هو ما بعث الله به محمداً ﷺ من الهدي ودين الحق، وأنزل به كتابه وكلامه؛ (القرآن)، مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمناً عليه. فنسخ الله بالإسلام جميع الأديان السابقة، وختم بنبيه النبوات، وأرسله للناس كافة، فلا يقبل الله ديناً سواه، ولا يتعبد لله بعبادةٍ سوى ما شرع على لسان نبيه الخاتم ﷺ . ٤ - أن من آمن من أهل الكتاب بمحمدٍ ﷺ واتبعه، أتاه الله أجره مرتين، ومن أصر على دينه فهو كافر مشرك ضال فاسق، محكوم عليه باللعن والغضب، والخلود بالنار. ولا يحل لأهل الإسلام موادة أهل الكتاب واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، ولا التشبه بهم في شيء مما يختصون به، من العقائد والعبادات والعادات. ويتعين على أهل الإسلام، - عند القدرة- جعل الدين كله لله بدعوتهم إلى الإسلام، أو بذلهم الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، أو قتالهم، إظهاراً لدين الله، وتمييزاً لأوليائه من أعدائه. ومع ذلك فلا يجوز إكراههم على اعتناق الإسلام، وتحرم أذية ذميهم ومعاهدهم ومستأمنهم. ولا يجوز ظلمهم وخفر ذمتهم، ويجب الوفاء بعهدهم وعقدهم، واستعمال العدل معهم. ويشرع الإحسان إليهم بالقول والعمل؛ من هدية وعطية وزيادة وعيادة ونحوها، لا سيما إذا قارنها نية تأليف قلوبهم على الإسلام. ويحل طعامهم المذكى، ونساؤهم المحصنات. وسر ذلك: التفريق بين قاعدة حفظ الدين وتميز المسلمين، المقتضية تحريم موالاتهم وموادتهم والتشبه بهم، وقاعدة العدل والإحسان، المقتضية جواز برهم، وحفظ حقوقهم، ومنع ظلمهم. ومن لم يدرك الفرق وقع في الغلط من إحدى الجهتين. ٥ - كان النصارى أقرب مودة للذين آمنوا، فاعتنق كثير منهم الإسلام. وكان اليهود أشد عداوة للذين آمنوا، فاستكبروا عن قبول الإسلام، وجحدوا نبوة محمد ﷺ ، وكادوا له المكائد. واستنكفت الزعامات الدينية والسياسية لأهل الكتاب عن توقيع البشارات الواضحة المذكورة في كتبهم بمبعث محمد ﷺ عليه، ضناً بملكهم ورياستهم. وأكل كثير من الأحبار أموال الناس بالباطل، وصدوا عن سبيل الله.

стр. 406

٦ - اتسم تاريخ العلاقات الإسلامية- الكتابية، وخاصة مع النصارى، لكون الملك في أيديهم، بالعداء، والجهاد المستمر، الذي كان فتحاً مبيناً في القرون الفاضلة الأولى، وسجالاً في العصور الوسيطة، وانحساراً في العصور الحديثة، مع بعض الشذوذات التي لا تلغي القاعدة. وكان النصر والتمكين متناسباً تناسباً طردياً مع التزام المسلمين بدينهم، وأخذهم بأسباب القوة المعنوية والمادية، عبر مراحل تاريخية متمايزة، دون أن تشهد على الإطلاق أي لونٍ من (الوفاق الديني)، أو (التقارب العقدي). إن هي إلا المفاوضات، والعهود، والصلح المؤقت. وستظل هذه السمة باقية، والجهاد باقٍ إلى قيام الساعة، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة. ٧ - خلا التاريخ اليهودي من وجود بذور لفكرة التقريب بين الأديان، لما طبع عليه اليهود من الكبر وازدراء الآخرين، واعتقادهم أنهم شعب الله المختار. ولكنهم دعوا إلى هذه الفكرة من خلال الحركة الماسونية، المتفرعة من الشجرة اليهودية الخبيثة، بهدف حلحلة الروابط الدينية الأخرى، وهدم الأديان سوى اليهودية. وقد ظل التراث النصراني ينضح بالحقد والتشويه والتضليل، لا الموضوعية، فضلاً عن المقاربة، تجاه الإسلام حتى قيام الحملات الصليبية المتتابعة منذ ٤٩٠هـ- ١٠٩٦م، حيث قارنه أسلوب المجادلة العقلية وإثارة الشبهات، ثم التنصير. وإثر سقوط القسطنطينية عام ٨٥٧هـ، ١٤٥٣م، نشأت محاولات لفهم الإسلام بعيداً عن الموروث الكنسي المضلّل. وتخلل ذلك ظهور كتابات متفرقة تصوِّب التدين بجميع صوره، وتدعوا إلى التقارب مع الإسلام، بلغت ذروتها على يد فلاديمير سولوفيوف (١٨٥٣هـ-١٩٠٠م)، ولويس ماسينيون (١٨٨٣ - ١٩٦٢م)، الذي حاول أن يقيم جسراً بين الإسلام والنصرانية، من خلال التصوف الحلولي، عبر على متنه دعاة التقريب فيما بعد. وفي حواشي التاريخ الإسلامي نبتت نوابت شاذة، خارجة عن الإسلام سوغت وحدة الأديان، تمثلت في غلاة الصوفية أرباب القول بوحدة الوجود، والفرق الباطنية السرية كإخوان الصفا، ثم تسللت إلى الفرق الباطنية اللاحقة، كالبهائية، حتى تحمل فكرة التقريب بين الأديان آخر القرن الثالث عشر الهجري، مؤسس العصرانية الحديثة جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤ - ١٣١٥هـ)، وتلميذه محمد عبده التركماني (١٢٦٦ - ١٣٢٣هـ)، بمعاونة نفر من النصارى الإنجليز، الرافضة. ٨ - خرجت دعوة التقريب بين الأديان من حيز الكمون إلى الاستعلان، ومن نطاق الفكرة إلى التنفيذ، في الربع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري، من خلال مؤتمرات إسلامية- نصرانية متفرقة. ثم أطلق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (١٩٦٢ - ١٩٦٥م) الفكرة من مقالها، وفتح الباب للنصارى على مصراعيه للتقارب مع المسلمين وغيرهم، بالتخلي عن عقيدتهم العتيدة (لا خلاص خارج الكنيسة)، وإعلان أن (الخلاص) يمكن أن يشمل سواهم، وخاصة المسلمين. ودعا إلى التقارب مع المسلمين واليهود، ونسيان الماضي، والتفاهم، والتعاون. ٩ - تتدرج حقيقة التقريب بين الأديان في العصر الحديث عبر ثلاثة مستويات: أ- التقريب دون التوفيق أو التفليق، بأن يبقى لكل دين خصائصه العقدية والتعبدية المميزة، لكن مع اعتقاد إيمان الآخرين، واحترام عقائدهم وشعائرهم، والدعوة للتعرف عليهم، وإبراز أوجه التشابه والاتفاق، وإقصاء أوجه الاختلاف والافتراق، وتحاشي البحث في مسائل الاعتقاد، والاعتذار عن أخطاء الماضي، والتعاون على تحقيق القيم المشتركة، وإشاعة المحبة والمودة والمجاملات الدينية. وهذا الاتجاه هو السائد، وتمثله قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني.

стр. 407

ب- وحدة الأديان: باعتقاد صواب جميع صور التدين، وانتمائها إلى حقيقة واحدة، وإن تنوعت مظاهر العبادة. فهذه المرتبة تستلزم المرتبة السابقة، وتزيد عليها الدعوة إلى التخفيف من الخصائص العقدية والتشريعية، في سبيل الانضواء تحت وحدة صغرى كالإبراهيمية، أو كبرى كالإنسانية. ويمثل هذا الاتجاه محاولات المفكر الفرنسي روجيه جارودي. ج- توحيد الأديان: بجعل الدين واحداً، إما بالالتقاطية التي تستمد عناصر الدين الجديد من مصادر شتى، كما هو الحال في (المونية)، أو بالسعي لاجتذاب الآخرين نحو عقيدة معينة لأحد الأديان، كمحاولات جماعة (كريسلام)، الرامية إلى التوحد حول (تأليه المسيح). ولا ريب أن الصورة الوحيدة الصحيحة لتوحيد الأديان، أن يتحد جميع أتباع الديان والملل والنحل على الدين الحق الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، دين الإسلام، الذي لا يقبل الله ديناً سواه. ١٠ - مصطلح (الحوار)، قد يراد به (حوار التقريب) بين الأديان، وقد يراد به (حوار التعايش) بين أتباع الأديان، لتحقيق مصالح مشتركة من أمور المعايش. فهو بالمعنى الأول مذموم مطلقاً، وبالمعنى الثاني يخضع للسياسة الشرعية للأمة. ١١ - نشأت دعوة التقريب بين الأديان في العصر الحديث، وترعرعت في حجر النصارى الغربيين، على اختلاف طوائفهم. وانطلقت المبادرات الأولى من المرجعيتين الكبيرتين لنصارى العالم: الكنيسة الكاثوليكية، ومجلس الكنائس العالمي، وذلك لبواعث شتى: تنصيرية، وعالمية، وسياسية، ولصد المد الإسلامي أمام العالم المفتوح في أعقاب الحربين العالميتين. وأسس كل منهما دائرة مستقلة للحوار مع غير النصارى. وقد دار في أروقة الفاتيكان، واجتماعات الجمعية العمومية لمجلس الكنائس العالمي جدلٌ عميق، حول معضلة الجمع بين الحوار والبشارة، انعكس على فاعلية واتجاه حركة التقريب. ويمكن تمييز مراحل ثلاث في موقف النصارى من حوار التقريب: أ- مرحلة تجربة الحوار: وقد سادت منذ نهاية المجمع الفاتيكاني الثاني حتى أواخر السبعينات الميلادية، وكانت متأثرة بقرارات المجمع التقاربية، وشخصية البابا بولس السادس، وسيادة الاتجاه الاشتمالي الاحتوائي في مجلس الكنائس العالمي. وامتازت بعقد العديد من المؤتمرات العالمية والإقليمية، وإعداد الدراسات. ب- مرحلة تقويم الحوار: وقد امتدت من أواخر السبعينات إلى أواسط الثمانينات الميلادية، وانحسرت فيها مؤتمرات الحوار بشكل ملحوظ. ج- مرحلة البشارة من خلال الحوار: وقد أعقبت المرحلة السابقة، بعد أن تغلب التيار المحافظ في الكنيسة الكاثوليكية، والتيار الحصري الضيق في مجلس الكنائس العالمي، الداعيان إلى تدعيم التنصير، واستغلال الحوار للأغراض التنصيرية. وقد واكب ذلك تسنم البابا يوحنا بولس الثاني سدة البابوية، وقيامه بنشاط دؤوب في تعزيز مكانة الكنيسة في شتى أرجاء العالم، مع الحفاظ على شعار الحوار إعلامياً. ١٢ - تأخرت دعوة التقريب بين الأديان لدى النصارى العرب، من أتباع الكنائس الشرقية، والاتحادية الغربية، إلى ما بعد انتهاء الحرب اللبنانية، باستثناء شواهد قليلة، وظلت مفتقدة بالنسبة لأكبر طائفة نصرانية في البلاد العربية، القبط. وركزت محاولات النصارى العرب، لبواعث أمنية واجتماعية، على قضيتين: هما: • محاولة إثبات أن النصارى المذمومين في القرآن، فرقة منقرضة، وأن أحكام الكفر لا تطالهم، ومحاولة فلسفة عقيدة التثليث والبنوة بما يرفع عنها وصمتها. • حوار التعايش، وتحقيق مكاسب اجتماعية، وحريات دينية، والقيام بدور الوسيط في الحوار الإسلامي- النصراني مع الغرب، تعويضاً عن الفراغ الناجم عن تراجع القومية العربية.

стр. 408

١٣ - تتناقض فكرة التقريب بين الأديان مع اليهودية الأرثذوكسية بشقيها: التقليدي العنصري، والأصولي السياسي في إسرائيل. وتتقبلها اليهودية الإصلاحية في دول الشتات، لبواعث مصلحية بحتة: اجتماعية، وسياسية، كما في الولايات المتحدة الأمريكية. ١٤ - نشأت محاولات محلية واسعة، في العديد من مناطق العالم التي تقطنها جماعات دينية متنوعة، للتقريب بينها، وإشاعة المبادئ الفكرية التي نادت بها دعوة التقريب بين الأديان، إما لتخفيف حدة التوتر والعنف الطائفي، كما في لبنان، والسودان، والفلبين، أو لتحقيق مكاسب تنصيرية كما في شبه القارة الهندية (الهند، باكستان، بنجلاديش، بالإضافة إلى سيريلانكا)، وأرخبيل الملايو (ماليزيا وأندونيسيا)، أو لاستيعاب المهاجرين الجدد من المسلمين، ودمجهم في المجتمعات النصرانية المضيفة، كما في أوربا وأمريكا. وتشرف على هذه المحاولات المحلية جهات حكومية وأهلية ودينية. ١٥ - استجاب لدعوة التقريب بين الأديان نفر من المسلمين ذوي الثقافة العصرانية، المتحررين من ضوابط العقيدة الإسلامية، فضاهئوا النصارى، ومالئوهم وداهنوهم، وأقروا لهم- غالباً- بوصف الإيمان، ورددوا أصداء قرارت المجمع الفاتيكاني الثاني. وقد أعوزهم ذلك إلى اعتساف الأدلة، وتأويل الثوابت العقدية، وليّ أعناق النصوص، إما لبواعث انهزامية أمام الاتجاهات الفكرية الحديثة، أو لبواعث قومية وطنية مراعاة للنصارى العرب، أو بدعوى مواجهة الإلحاد، أو حتى لمجابهة إسرائيل. ١٦ - برزت محاولات فردية متميزة في العصر الحديث، لتعزيز فكرة التقريب بين الأديان والدعوة إليها، جمعت بين الجانب النظري، والنشاط العملي، منها: أ- محاولات المفكر الفرنسي روجيه جارودي، الذي زعم الانتساب إلى الإسلام، ثم نادى بتاريخية الشريعة الإسلامية وما تقوم عليه من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وهاجم علماء الإسلام، ودعا المسلمين إلى الانخراط أولاً في (الإبراهيمية) مع اليهود والنصارى، ثم إلى (الإنسانية) ثانياً، مع سائر ملل الملاحدة والوثنيين، وابتدع قراءة شاذة للتاريخ الإسلامي وتقويم أعلامه، ومشروعاً مستقبلياً للتحلل من الإسلام عقيدة وشريعة. وبذل في سبيل ذلك جهوداً فكرية وعملية. ب- محاولات الأب الأسباني، المنصر في جماعة الآباء البيض، آميليو غاليندو، مؤسس مجموعة كريسلام، الذي يسعى لجعل الإيمان بألوهية المسيح محوراً لالتقاء الأديان. ج- محاولات المتنبئ الكذاب المليونير الكوري صن مون، الداعي إلى انخراط الأديان تحت دعوته، والذي ينفق نفقاتٍ باهظة إلى عقد المؤتمرات العالمية لتوحيد الأديان. د- محاولات الشيخ أحمد كفتارو العلنية للتقارب مع النصرانية خاصة، والملل الأخرى عامة، تحت مسمى (الروحانية)، والقيام بالرحلات، والكتابات في هذا السبيل. ١٧ - دلت النصوص الشرعية القاطعة على بطلان (دعوة التقريب بين الأديان)، لأن دين الله واحد هو الإسلام الذي ابتعث الله به محمداً ﷺ ، وما سواه إما باطل أو منسوخ. فمن رام التقريب بينه وبين غيره، فقد رغب عن ملة إبراهيم، وابتغى ديناً غير دين الإسلام، وطعن في صدق محمدٍ ﷺ وعموم رسالته، وأنكر هيمنة القرآن على الكتب السابقة، ونسخه لأحكامها، وخالف إجماع المسلمين، واتبع غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين، ووالى أعداء الدين، واتبع أهواءهم، وسقط في الفتنة عن بعض ما أنزل الله، وداهن في دين الله، ولبّس الحق بالباطل، ووقع في الصد عن سبيل الله. وكلها لوازم لا محيد لدعاة التقريب عنها. وفسادها معلومٌ من الدين بضرورة. وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم، وبطلان الفرع يعود على الأصل بالإبطال.

стр. 409

١٨ - دل الواقع العملي المشاهد، خلال فورة دعوة التقريب بين الأديان في العقود الأربعة المنصرمة على ظهور بعض النتائج والآثار الملموسة، الناجمة عن تجربة التقريب، كالتسوية بين كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، القرآن، والكتب المحرفة المنسوبة إلى أنبياء الله، التي بأيدي اليهود والنصارى اليوم، ووصفها جميعاً بـ (مقدسة) و (سماوية) و (كلام الله). وكذلك التسوية بين بيوت الذكر والرحمة؛ المساجد، وبيوت العذاب والشرك، من معابد اليهود والنصارى والمشركين، ومشاركتهم في صلواتهم، واحتفالاتهم الدينية والفكرية، وإقامة المؤسسات البحثية المشتركة بين الأديان، بغرض تنقية المناهج الدراسية، والوسائل الإعلامية من النقد المتبادل، ورفع الأحكام العقدية والشرعية في شأن أهل الكتاب، واستلال اعترافات صريحة وضمينة من نظرائهم المسلمين على صحة دينهم وكتبهم، وإعادة عرض الإسلام بصورة مشوهة خداج، كالتصوف الباطني. ومع ذلك كله، لم يحد النصارى قيد أنملة عن معتقداتهم، فلم ينتهوا عن قولهم (ثلاثة)، ولا عن غلوهم في الدين، وأصروا على إنكار نبوة محمدٍ ﷺ ، وعلى المضي في تضليل الخلق بما يسمونه (التبشير)، مستغلين الفاقة المعيشية، والصحية، والأمنية، لكثير من شعوب العالم الثالث -وغالبيتهم مسلمون- ولتحقيق مكاسب جديدة، ومواطئ أقدام لمنصريهم، وإقامة كنائسهم، تحت شعار التقارب والحوار والتسامح. وفي الوقت ذاته لا يكفون عن موالاة بعضهم بعضاً وموالاة اليهود والمشركين على الظلم والعدوان ضد المسلمين، وإحياء مطامعهم القديمة في القدس. وكل هذه الآثار والنتائج الواقعية، ثمار فجة لدعوة التقريب، شواهدها ماثلة لا يمكن إنكارها. ١٩ - إن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ، وتبطل صدق القرآن، ونسخه لجميع ما قبله من الكتب. وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان. وبناءًا على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعاً، محرمةٌ قطعاً، بجميع أدلة التشريع في الإسلام، من قرآنٍ وسنةٍ وإجماع .. وتأسيساً على ما تقدم: فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، الدعوة إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيع عليها وتسليكها بين المسلمين، فضلاً عن الاستجابة لها، والدخول في مؤتمراتها وندواتها، والانتماء إلى محافلها) (١). ٢٠ - إن المنهج الشرعي في مخاطبة أهل الكتاب هو دعوتهم إلى سبيل الله المتضمن: أ- تحقيق توحيد العبادة، ونبذ الشرك بجميع صوره. وهذا هو المراد بـ: (كلمة سواء). ب- ترك الغلو في الدين، والقول على الله بغير الحق، من التثليث، وتأليه المسيح، ودعوى بنوة المسيح وعزير لله تعالى، وتعظيم الصور والتماثيل ... إلخ. ج- الإيمان بنبوة محمد ﷺ وأتباعه. د- الإيمان بالقرآن، ونسخه لما سبقه من الكتب. أما أسلوب هذه الدعوة فيقوم على ثلاثة أوصاف: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، كما جاءت مبينة في القرآن، وفي هدي رسول الله ﷺ . وأما وسائل ذلك فمتعددة، وأشرفها الوسائل النبوية التي دلت عليها سيرته العطرة، كغشيانهم في محافلهم ومناسباتهم، لدعوتهم دعوةً صريحةً مباشرة إلى الإسلام، واستدعائهم إلى دار الإسلام لهذا الغرض، ومكاتبة زعمائهم الدينيين وغيرهم، واستقبال وفودهم استقبالاً حسناً لدعوتهم ومحاجتهم، وجهادهم بالسيف حتى يقبلوا الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. وفي عمل الأمة الإسلامية عبر القرون، وطريقة السلف الصالح، ترجمة لهذه المقاصد الإيمانية، والوسائل الشرعية، وبيان لسبيل المؤمنين، والصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين.

стр. 410

دعوة النبي ﷺ في مرحلة الاستخفاء في العهد المكي المؤلف/ المشرف: علي بن أحمد الأحمد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار التوحيد – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣١هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: العهد المكي الخاتمة: بنهاية هذا المبحث، تكون الدراسة قد أجابت بحمد الله تعالى عن التساؤلات التي أثيرت في نطاق موضوع استخفاء النبي ﷺ بالدعوة إلى الله في العهد المكي، وانتهت إلى ما سنجمله في النتائج الآتية: نتائج الدراسة: ١ - استخفاء النبي الكريم ﷺ بالدعوة هو مرحلة من مراحل الدعوة، وهي ثابتة من خلال النصوص والأخبار على نحو ما ذكر، واستمرت ثلاث سنوات، طويت بعدها مرحلة الاستخفاء، وابتدأت مرحلة الجهر بالدعوة. ٢ - لم يكن استخفاء النبي ﷺ بالدعوة استخفاء مطلقاً؛ بل كان استخفاء له سماته العامة والخاصة، ومتميزاً بالحكمة والبصيرة، وهو ما تم الحديث حوله في طيات هذه الدراسة. ٣ - كان الاستخفاء بالدعوة يقوم على الدعوة الفردية بوسيلة القدوة الحسنة والقول المباشر الذي كان يتسم بأسلوب النصح، وتم الاقتصار على ذلك بناء على ما اقتضته طبيعة الاستخفاء. ٤ - أن الاستخفاء بالدعوة - بكامل تفاصيلها التي جاءت في الدراسة - مرحلة من مراحل الدعوة إلى الله، انتهت بقوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾؛ ولهذا فإن الاستنان بدعوته في العصر الحاضر مناط بمرحلة (الدعوة الجهرية)؛ إذ هي الأصل، وهو ما استقر عليه التشريع الإلهي، هذا من جهة؛ من جهة أخرى العلة التي لأجلها كان (الاستخفاء بالدعوة) قائماً في العهد النبوي نجدها منتفية في العصر الحاضر في الجملة؛ باعتبار انتشار الإسلام اليوم وظهور مبادئه علناً على مرأى ومسمع من العالم، خاصة في ظل وسائل الاتصال المتقدمة التي تصل بالدعوة إلى كل مكان؛ دون تبعات أو خوف من وأد الدعوة كما كان في بداية الدعوة. ٥ - إذا توفرت ظروف مقاربة للظروف التي مر بها النبي ﷺ في تلك المرحلة - وهذا محتمل في البلاد التي تتخذ سياسة (المجتمعات غير الدعوية) بأشكالها وأطيافها، وهو ما حدث في الماضي كما تقدم، وسيحدث أيضا في آخر الزمان وهو ما جاءت الإشارة إليه في حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريبا ... ) - فالاستخفاء بالدعوة في ضوء مسلك الرسول ﷺ المشار إليه بالضوابط التي سبق بيانها يكون حينئذ مشروعاً؛ بهدف مسايرة حال التضييق والتنكيل الذي قد تلقاه الدعوة وأتباعها، مما يجعلها في أمان من الصدام؛ لتتمكن الدعوة من البقاء حتى يتهيأ لها الانتقال من حال الضعف إلى حال القوة في الجانب الديني؛ كما فعل ﷺ ، ولله عاقبة الأمور.

стр. 411

رسالة المسجد في الإسلام المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن محمد اللميلم المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٧هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: مساجد - دورها خاتمة: والآن وقد ألقينا نظرة فاحصة على المسجد في الإسلام ودوره العلمي والسياسي منذ أسس النبي ﷺ مسجده في المدينة المنورة إلى يومنا هذا، ورأينا كيف كان المسجد ولا يزال عبر القرون والأجيال مصدر إشعاع علمي وثقافي، وكيف كانت له مع مرور الشهور والأعوام رسالته الخالدة في خدمة العلم والدين. كما أن مهمته لم تنحصر في اتخاذه مكانا للعبادة؛ بل إنه كان ولا يزال يعتبر معقلا من معاقل الهداية والإرشاد، ومركزا من مراكز التعليم والتوجيه لما ينفع الناس في الدنيا والآخرة، ومدرسة لتقويم سلوك الإنسان وتقوية إرادته، ودفعه إلى الاستقامة والخير، ترعرعت محافل العلماء بين عمده ومحاريبه، وتخرجت قوافل القادة والزعماء من ميادين أفنيته. كان المسجد هو أول المنشآت التي عني بإقامتها المسلمون، يمارسون فيه عبادة خالقهم، ويوجهون فيه حياتهم في كل اتجاه، كما يعتبر المسجد هو فاتحة التاريخ الحضاري للمسلمين، وأول الثمار لتمكين الله لهم في الأرض، فمن المسجد انطلقت جحافل المسلمين، مكبرة مهللة لافتتاح أقطار واسعة شاسعة وإدخالها في حوزة الإسلام، وفي المسجد تتجلى المساواة بأجلى مظاهرها، فأية مساواة أفضل من تلك المساواة التي تحققها الصلاة؟ ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ [سورة البقرة:١٣٨]، وأية وسيلة لتعليم المسلم خلق التواضع كتلك الوسيلة؟ هذا المظهر من المساواة الذي يتمثل في الصلاة لا فرق بين غني وفقير، وكبير وصغير، وعبد وحر، هذا المظهر الذي يقضي على جميع الفوارق وقف أمامه العديد من الأجانب والمستشرقين مشدوهين، ومن بين هؤلاء "رينان الفيلسوف الفرنسي" الذي يقول: "إنني لم أدخل مسجدا من مساجد المسلمين من غير أن أهتز خاشعا وأن أشعر بشيء من الحسرة على أنني لم أكن مسلما". ويقول سير توماس أرنولد أيضا عن الصلاة في المسجد: "هذا الفرض المنظم من عبادة الله، هو من أعظم الأمارات المميزة للمسلمين عن غيرهم في حياتهم الدينية، فكثيرا ما لاحظ السائحون وغيرهم في بلاد الشرق ما لكيفية أدائه من التأثير في النفوس". وتأسياً بالنبي ﷺ الذي كان يجلس في المسجد لتعليم الناس أمور دينهم ودنياهم، فقد ارتبط المسجد بتاريخ التربية الإسلامية، وأصبح المنارة التي تشع في المجتمع الإسلامي بنور العلم والمعرفة، وإذا عرفنا أن المسجد في عصور الإسلام الزاهرة كان مركزا للتوجيه الفكري والأخلاقي والأدبي والاجتماعي. وإذا كان المسجد يتخذ مكانا للتعبد، ومعهدا للتعليم ودارا للقضاء وساحة لتجمع الجيوش وتعيين القواد، وتسليم الألوية، وتوجيه المجاهدين، وموضعا لاستقبال السفراء، وميدانا للتدريب الحربي، إذا عرفنا ذلك كله أدركنا الرسالة العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي يضطلع بها المسجد في المجتمع الإسلامي على مر العصور.

стр. 412

ولو طالعنا صفحات التاريخ الإسلامي البشري لوجدنا أن الأعمال الكبرى التي تمت فيه قد بدأت الدعوة إليها في أغلب الأحيان من المسجد ففي المسجد صدرت كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك والحكام وفيه كتب كتاب الوحي كتاب الله بين يدي رسول الله ﷺ وفيه كانت توضع الخطط وترسم المناهج ويعين الولاة وأمراء الجيوش، كما كانت تتقبل فيه البيعة من الناس ومنه يعلن الخليفة سياسته للمسلمين، بل أكثر من هذا نرى أن المسجد قد استخدم لأغراض أخرى غير ما ذكر، حيث خصص جزءاً منه مستشفى يعالج فيه المصابون، كما حصل في غزوة الأحزاب وكما حصل في جامع أحمد بن طولون في مصر حينما خصص جزء منها بيمارستاناً يعالج فيه المرضى بالإضافة إلى صيدلية يصرف منها العلاج. كما كان يتخذ مجالا للتعليم والتقويم الاجتماعي. وعلى الإجمال فإن رسالة المسجد تستمد رسالتها وجوهرها من رسالة سيد الأنام محمد ﷺ ، ورسالته ﵊ كانت رسالة شاملة تهدف إلى إصلاح العبد فيما بينه وبين ربه، وإصلاحه فيما بينه وبين نفسه، كما كانت تهدف إلى إصلاح طبقات المجتمع والرفع من شأنها، والدفع بها في ميدان العمل الصالح البناء ليصبح المجتمع الإسلامي مجتمعا مثاليا، حتى يتحقق فيه وينطبق عليه ما أراده الله لهذه الأمة من أن تكون خير أمة أخرجت للناس، يقول الله ﵎ ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [سورة آل عمران:١١٠]؛ ففي المسجد يشعر المؤمن بكرامته التي كرمه الله بها، وأنه متساو في الحقوق والواجبات مع جميع من يجلسون معه، سواء كانوا حكاما أو محكومين، أغنياء أو فقراء، جهالا أو علماء فهم واحد من كل ولا ميزة لأي واحد إلا بالتقوى يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات:١٣]، ويقول ﵊: ((لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)). ومن المسجد أيضا تنطلق الدعوة إلى الله صارخة هادفة موضحة مبينة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال:٢٤]، نعم لقد أدى المسجد في الإسلام دورا خطيرا في التوجيه والإرشاد والدعوة وإصلاح البشر وتربيتهم، وتقوية الشعور الديني، وتدريب المصلين من المؤمنين على الأعمال الجماعية التي يدعو إليها الإسلام، والحفاظ على الوحدة الإسلامية حقيقة ومظهرا، وما صلاة الجماعة التي تعقد خمس مرات في اليوم والليلة في المسجد ويحضرها كل من وجبت عليه في الحي إلا دليلا حيا على ذلك.

стр. 413

وعلى المسلم أن لا يعيش لنفسه، وإنما يجب عليه أن يتعاون مع إخوانه فيما يخدم الصالح العام للأمة الإسلامية، إذ يقول ﵎: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة:٢]، وليس من شك في أن المسجد هو الأساس لكل نهضة وإصلاح، في إطار الأمة الإسلامية التي أشرقت على الدنيا من خلال المسجد، شمس هداية ونور معرفة، ورائد حضارة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، وهي مؤهلة اليوم وفي كل يوم إذا ما عرفت كيف تعيد إلى هذا المنطلق قوته وتأثيره في البعث والتجديد والقيادة الصحيحة للبشرية قاطبة، بعد أن أوردتها الحضارة الغريبة موارد الدمار والهلاك والضياع، وإن نظرة واحدة فاحصة إلى مراحل الدعوة الإسلامية تاريخيا تبين بما لا يقبل الشك والجدل أهمية دور المسجد ورسالته العظمى في بناء الأمة بناء قويا سليما يضطلع عن جدارة واستحقاق بأعباء المسيرة وإيصالها إلى الهدف المنشود، وهو سعادة الدارين، فلقد كان بناء المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة أول أعمال الرسول ﷺ بعد وصوله مهاجرا إليها لأن المسجد هو بيت الله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن:١٨]، وهو بيت المسلمين أيضا. هو بيت الله؛ إذ لا يذكر فيه معه أحد ولا ينسب إلا له . وهو بيت المسلمين؛ لأنه مستقرهم وحرمهم ومأمنهم وطمأنينتهم، ففيه وحدة صفتهم ورأيهم ومشورتهم، وفيه اجتماعهم، والمسجد ليس حجارة ترفع وأعمدة تشاد وتعلو، أو زينة تملأ الجدران، بل قلوبا متعاطفة عامرة بالإيمان وعقولا نيرة تنعم بالعلم والمعرفة، وأرواحا تصقل وتهذب، وجنودا يعبّأون لرسالة الحق. من كل هذا: نريد عودة المسجد بصورته الأصلية المشرقة، ورسالته السامية النظيفة، ودوره الصحيح السليم، كي تتفاعل معه حياتنا علما وفهما وتطبيقا، فنستعيد مركزنا القيادي في الوجود البشري، والواقع الحضاري الإنساني، وبغير المسجد علما وتعلما وتأثرا لن نصل إلى ما نريد لأن المسجد من حيث الرسالة هو الإسلام، والإسلام وحده هو باب الحياة الفاضلة. إذا فمن واجب المسلمين أن يعيدوا إلى المسجد وظيفته ومهابته وحيويته حتى يصبح مصدر إشعاع يرشد فيعلم ويهدي فيقوم ويحض على المكرمات ويعلم الناس كيف يعملون لدنياهم كأنهم يعيشون أبداً ويعملون لآخرتهم كأنهم يموتون غدا. فرسالة المسجد إذا ضخمة متشعبة الجهات، متنوعة الأهداف، فيها الخير كل الخير للدين والخلق والثقافة، وسلامة الأبدان، وتقويم ما اعوج من شئون المجتمع إذا أحسن أداؤها. لهذا نرى أنه من الواجب علينا أن نستجيب لهذه الأصوات التي تنبعث من هذه المساجد كل يوم خمس مرات، تدعو الناس إلى الصلاة، ثم تدعوهم بعد ذلك إلى الفلاح، ولن يكون هناك فلاح بمعناه الحقيقي لأمة محمد ﷺ إلا إذا أعادت للمساجد رسالتها العظيمة في خدمة العلم والدين، فتصبح المساجد معابد يذكر فيها اسم الله، وتقام بين جنباتها شعائر الدين واللغة العربية وفي وجوب العودة إلى ما كانت عليه المساجد في العهود السابقة يقول البعض في هذا أثناء حديثه في مؤتمر رسالة المسجد.

стр. 414

أيها الأخوان عودوا بالمساجد إلى ما كانت عليه في عهود أسلافكم الأمجاد، أعيدوا إليها الحياة العلمية. وضعوا لها المناهج الدراسية، وأعدوا لها المدرسين والوعاظ والمحاضرين، ولا يعني ذلك أن تنقل إليها الدراسة التي بالمدارس والمعاهد الثقافية، ولا أن تكون بديلا عنها وعن الجامعات، فلكل طريقه في الحياة العلمية والعملية، ولا أن تبخس حظها من ذلك أو تهضمه حقوقها، إن للدراسة بها روحانية توثق الصلة بين العلم والعمل، فاجعلوها مصدر بلاغ وبيان، ومبعث حياة للقلوب ونور للبصائر، وتهذيب للنفوس والأخلاق، يكتب الله لكم القوة والنصر، ويتم عليكم نعمته. ترى هل في استطاعة مسلمي اليوم أن يعيدوا إلى المسجد رسالته ومكانته العلمية التي فقدها منذ قرون أم ليس في استطاعتهم ذلك؟ الإجابة في نظري على هذا التساؤل سهلة وميسرة؛ فإذا تمكن المسلمون من إعداد نماذج طيبة من الدعاة الحقيقيين المخلصين الذين يحملون كفاءة علمية وفكرية وروحية وخلقية دعاة إلى الله بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى ثم حملوا هذه الأمانة بكل صدق وإخلاص نبراسهم في هذا تحقيق قول الله تعالى فيهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران:١١٠]، إذا تحقق هذا كله فإنه سيتبدل خوفهم أمنا، وضعفهم قوة، وهزائمهم نصرا، وسيعود المسلمون كما كانوا من قبل، ليكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليهم شهيدا. وقبل هذا كله فإن المسلمين إن أخلصوا دينهم لله، واجتمعت كلمتهم على الحق، وترسموا خطى النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وعاشوا في ضوء هدايته، فإن باستطاعتهم أن يعيدوا إلى المسجد عظمته وبهاءه التي تمتع بها قرونا عديدة. وليس مؤتمر رسالة المسجد الذي عقد في مكة المكرمة في عام ١٣٩٥هـ، والقرارات والتوصيات التي اتخذها المؤتمرون إلا بادرة خير أريد بها إعادة المجد والعزة للمسجد في عصوره الأولى التي فقدها ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الروم: ٤ - ٥]. هذه دراسة أقدمها للقارئ الكريم أرجو أن أكون قد وفقت في عرض بعض الحقائق عن الأدوار التي اضطلع بها المسجد في عصور الإسلام المتتالية، في جوانب متعددة، سواء العلمي منها أو السياسي أو الاجتماعي بالإضافة إلى الديني. ولا يعني هذا أنني أدعي الوصول إلى الكمال في هذا البحث، وإنما أعتقد أنه ما زال بحاجة ماسة إلى معالجة ولكن هذه لبنة أضيفها إلى لبنات تحدث عنها من سبقني في هذا الموضوع. تلك الدراسة ما هي إلا مجرد نافذة أفتحها لمن يريد أن يطرق هذا الموضوع ويحاول فتح نوافذ جديدة يصل من خلالها إلى كثير من الحقائق التي لم يكشف عنها بعد. والله أسأل مخلصا له الدين، أن يجعل عملنا خالصا لوجهه، وأن يمن علينا بالتوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.

стр. 415

صدى حركة الجامعة الإسلامية في المغرب العربي ١٨٧٦ - ١٩٨١م المؤلف/ المشرف: التليلي العجيلي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الجنوب - تونس ̈الأولى سنة الطبع: ٢٠٠٥م تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: مغرب عربي الخاتمة: كانت الإمبراطورية العثمانية – في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين – ضحية خطرين فادحين: ففي الوقت الذي أدت فيه التحولات الاقتصادية والسياسية التي عرفتها بعض الدول الأوربية على إثر الثورة الصناعية إلى موجات استعمارية ذهبت ضحيتها أغلب الإيالات العثمانية في السابق، فإن السياسة العثمانية نفسها، في الجزء الأروبي من الإمبراطورية، إضافة إلى تحريض القوى الاستعمارية لشعوب الجزء المذكور كان وراء تأجج النزعة القومية فيه، وتعدد الحركات الانفصالية التي آلت – في النهاية – إلى فقدان الدولة العثمانية لنفوذها على عدة ولايات وقوميات, خرجت تماما عن سلطتها في الجزء الأوروبي من رقعتها. لقد دفعت خطورة تلك التورات على مستوى موازين القوى والعلاقات الدولية السلطات العثمانية – حماية لنفسها، ودرءا للأخطار والتحديات الاستعمارية المحدثة بها – إلى استغلال نفوذها الديني على العالم الإسلامي, وتجنيده من حولها. فكانت سياسة الجامعة الإسلامية التي جعلت من الآستانة (مكة ثانية) غدت قبلة جميع المضطهدين والمهاجرين من جميع أنحاء العالم الإسلامي، فاستقطبت –بذلك- عاصمة الخلافة أغلب الوطنيين والفاعلين على المستوى الفكري والسياسي من عناصر النخبة في البلاد الإسلامية، ولفتت إليها أنظار المسلمين, ولفتهم حولها، ملوحة بتحريك أولئك الذين سقطوا منهم ضحية الاستعمار الغربي ضد مستعمريهم، وإعانتهم على التخلص منهم, واستعادة حرياتهم واستقلالهم، وهي وعود مغرية، وشعارات محفزة زادت من نفوذ الخلافة وسلطتها الروحية والسياسية كقطب, ليس فقط موحد للمسلمين وجامع لكلمتهم، ولكن بالخصوص كَمَرْكز مسؤول عن شؤونهم ومؤتمن عن مصيرهم، لأن حمايتهم والذود عنهم يعد من أبرز مقتضيات الاستخلاف. ورغم أن كل ذلك لا يعدو أن يكون إلا قولا لعجز الدولة العثمانية عن حماية نفسها فضلا عن حمايتها لغيرها، فإن تلك المعاني روجت لها – على أوسع نطاق – وسائل الدعاية العثمانية، وزادها انتشارا وذيوعا بين المسلمين ما ترسب في أذهانهم –نظريا- عن مؤسسة الخلافة ومستلزماتها، فأزدادوا –دون أن يدركوا حقيقة الأوضاع – تمسكا وولاء لها، وتعويلا عليها في تخليص بلدانهم من الاحتلال الأجنبي، فلا غاربة أن ينخرط العديد من الوطنيين في تيار الجامعة الإسلامية خدمة لقضايا بلدانهم، وتعويلا عليه في إعانتهم على تحررهم الوطني: ففي الوقت الذي راهنت فيها الدولة العثمانية على ايديولجية الجامعة الإسلامية كخيار استراتيجي لتوحيد المسلمين حولها والاستفادة من وزنهم في حماية نفسها ودفع الأخطار المهددة لها، فإن الوطنيين علقوا من جانبهم الآمال على الإيديولجية المذكورة، معولين على توظيفها في خدمة قضاياهم، فعملوا على جر الدولة العثمانية إلى الاهتمام بها، وحملها على مساعدتهم على التحرر والانعتاق.

стр. 416

ودون الخوض في مسألة من استفاد الأكثر من الآخر، فإن مما لاشك فيه أن تحركات الوطنيين المغاربة ونضالاتهم في إطار الجامعة الإسلامية لم يكن فقط وبالدرجة الأولى خدمة لمصالح الدولة العثمانية وقضاياها تبعا (لوطنيتهم العثمانية)، وإنما كانت في إطار خدمة قضايا بلدانهم في إطار استراتيجية قوامها المراهنة على معاني الأخوة والتضامن الإسلامي الذي يحتم نجدة المسلمين لبعضهم في تصور – رغم عدم واقعيته – يجعلهم متماسكين، متآلفين ومدعوين إلى المسارعة بنصرة بعضهم بعضا، وهي كلها معاني جاءت الجامعة الإسلامية لتجسيدها، واعتبرت أحداث طرابلس الغرب والبلقان أفضل فرصة لتطبيقها، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان حيوية وجدوى مؤسسة الخلافة، ودورها في ترسيخ تلك المعاني، خصوصا وأن ظروف التحديات والخطوب التي تأكدت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أوجدت لدى المسلمين قابلية لاستيعاب تلك الأطروحات والتعويل على نجاعتها في خدمة الإسلام والمسلمين، بدعوى ما حققته رابطة الملة والدين – في الماضي – من أمجاد وبطولات بالإمكان – دون تقدير منهم للتحولات في الظروف وموازين القوى – تحقيق مثلها في واقع معاصر لا علاقة له البتة بواقع أسلافهم.

стр. 417

لقد جاءت تصفية الوجود الإسلامي بالأندلس على إثر حركة الاسترداد، إضافة إلى التوغلات الإسبانية في سواحل شمال إفريقيا والاستيلاء على عدة ثغور هناك لتعيد إلى الذاكرة الجماعية الحملات الصليبية, والهجمات المسيحية, على العالم الإسلامي, والتي جاء تدخل العثمانيين في كل من الجزائر وتونس في القرن السادس عشر ليضع لها حدا نهائيا، ويخلص مسلمي البلدين من خطر عجزوا على دحره بمفردهم، الأمر الذي جعل ما استهدف له المسلمون في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وراء شعورهم بالاضطهاد والاستعداء عليهم، وتنامي إحساسهم بالتآمر الغربي جراء تشتتهم وتشرذمهم، وهو مناخ نفسي هيأهم للتقارب والتآزر، وأوجد لديهم قابلية قصوى للتوحد والالتفاف حول الخلافة العثمانية رمز تلك الوحدة وذلك التآزر، خصوصا وأن الأوضاع المذكورة أعادت – بالنسبة إلى مسلمي المغرب العربي – تحديات وأخطار القرن السادس عشر، فلم يجدوا – آنذاك – غير العثمانيين الذين هبوا – كما أسلفنا – لنجدتهم وتخليصهم من الوجود الإسباني، وهي (منة) جاء الاستعمار الفرنسي وسياسته القائمة أساسا على ضرب معالم سيادتهم ورموز هويتهم, فضلا عن إضراره بموارد حياتهم, والمس بمواقعهم الاجتماعية, ليزيد من تمجيد المغاربة للفترة العثمانية في تاريخ بلدانهم، ويساهم في تدعيم ولائهم لهم، والتعويل عليهم مرة أخرى – كما كان الشأن في القرن السادس عشر – في نجدتهم وإعانتهم على التخلص من الاستعمار الجاثم على أوطانهم، فانخرطوا في حركة الجامعة الإسلامية التي كانوا من أبرز رموزها والمروجين لها، والمساهمين – بالتالي – في كسر الجمود والركود الذي يمزق العالم الإسلامي في تاريخه الحديث، وإخراجه من السكونية التي غرق فيها بإيجاد حركية فكرية وثقافية وسياسية رجت النفوس الخاملة، وهزت الهمم المحتقنة، وحررت الطاقة الكامنة والمكبوتة، ووفرت لها أرضية ومجالات للتعبير عما يختلج بداخلها، فَمَثَّل كل ذلك بداية تلمس معالم نهضة حضارية، وحرص على إيجاد موقع قدم يحفظ وجود الذات، ويثبت الكيان، ويخرج المسلمين من موقع المستضعف وخانة المفعول به إلى صف المبادر والفاعل على مستوى الأحداث والتوازنات الدولية، وبذلك نتبين أن الولاء للعثمانيين يجد مبرراته بالأساس في الأوضاع الدقيقة، والظروف الحرجة التي حاقت بالعالم الإسلامي منذ الفترة الوسيطة من تاريخه، والتي لعبوا فيها دورا بارزا ومحددا في الدفاع عن (بيضة الإسلام)، وهي امتيازات أهلتهم (العثمانيون) للظهور – على مسرح الأحداث – كقوة ضاربة أوكلت لها – بعد نهاية العباسين – مسؤولية الدفاع عن المسلمين ومهمة حمايتهم، الأمر الذي خولهم لتولي منصب الخلافة وتقلد الزعامة الروحية للعالم الإسلامي. لقد كان ذلك الولاء التاريخي، إضافة إلى مستجدات نهاية القرن التاسع عشر, وبدايات القرن العشرين, وراء إلتفاف مسلمي المغرب الغربي حول مركز الخلافة، وتدعم ولائهم له، وهو ولاء لا يمكن البتة اعتباره مندرجا في إطار حرص الوطنيين على استعادة استقلال بلدانهم في ظل الدولة العثمانية – كما كان الشأن في الفترة الحديثة -، وإنما يهدف بالأساس إلى الاستفادة من نفوذ مركز الخلافة وثقله الديني والسياسي في إعانتهم على تحرير بلدانهم.

стр. 418

إن ما يؤكد أهمية الدولة العثمانية في أذهان المسلمين، وقيمة مؤسسة الخلافة في المنظور الإسلامي أن ولاء المسلمين لها لم يكن له أبدا علاقة بضعفها أو قوتها، حتى أن ولاء المغاربة مثلا للدولة العثمانية لم ينقطع بانتهاء الحرب العالمية الأولى، ووجودها في صف المنهزمين، بل إن اندحارها وانكسارها مع حلفائها زاد في انشغال المغاربة بمصير مركز خلافتهم وتلهفهم على تتبع الأحداث والتطورات المتعلقة به، ولا أدل على صدى الأحداث التركية وانعكاساتها المباشرة على الرأي العام المغاربي, من الرجة التي اهتزت لها نفوس المغاربة وخفقت لها قلوبهم من جراء الاحتلال اليوناني – في مارس ١٩٢٠ – لعاصمة الخلافة. لقد كانت تلك التطورات وراء ردود فعل شعبية في كل من طرابلس الغرب, وخصوصا في تونس أي تظاهر الطلبة الزيتونيون أمام مقر الإقامة العامة احتجاجا على احتلال جيوش الحلفاء لعاصمة الخلافة، كما تتبعت الصحافة سير المعارك على التراب التركي، بحيث لم تنفرج الأوضاع إلا بورود أنباء انتصارات مصطفى كمال على الجيش اليوناني، فانتظمت الاحتفالات وأبرق التونسيون للكماليين، كما انبرى الشعراء مخلدين تلك الانتصارات المدوية، كما عرفت الجزائر نفس الأجواء الاحتفالية، وتتبع أهالي المغرب الأقصى أصداء الزحف التركي وتحرير البلاد. إن أهمية الخلافة وقدسيتها – بقطع النظر عن مدى جدوى وفاعلية المؤسسة المذكورة – كان وراء ليس فقط لهفة المسلمين عامة وأهل المغرب العربي خاصة عن مصيرها على إثر اقتحام جيوش الحلفاء للتراب التركي، وإنما بالخصوص سببا لقبولهم بفصل الكماليين بين السلطتين الدينية والدنيوية بجعل الخليفة صاحب منصب ديني وشخصية روحية فقط، مقابل جعل السلطة السياسية من مشمولات الوزراء، ورغم أن الفصل المذكور مخالف تماما للمفهوم التقليدي لمؤسسة الخلافة، فإنه قوبل – في تونس مثلا – بالاستحسان، وتكونت، سنة ١٩٢٢ – (لجنة الخلافة) برئاسة أحمد توفيق المدني أبرقت إلى الخليفة عبد المجيد!، كما أيد الأمير خالد وبعض الأوساط الدينية الجزائرية ذلك الفصل!. ورغم إقرارنا بأن قبول المسلمين آنذاك بما ذكر يجد مبرراته في انتصارات الكماليين التي أوجدت لهم – لدى الرأي العام الإسلامي – عذرهم فقبل (تجاوزاتهم) وغض عنها الطرف، فإن السبب الرئيسي في ذلك القبول يعود – في نظرنا – إلى عدم مس الكماليين – إلى حد سنة ١٩٢٣ – بمؤسسة الخلافة لحساسيتها بالنسبة إلى المسلمين، وخطورة المس بها، والدليل هو أنه لما تجرؤوا (الكماليون) – في مارس ١٩٢٤ – على إلغائها وطرد الخليفة، صعق المسلمون، واستنكروا التجاوز الخطير الذي لم يعد كل ما أنجزه مصطفى كامل – الذي لقبوه بالغازي – كافيا ولا مبررا للسكوت عنه، وبذلك استهدف الكماليون إلى جملة تشنيع واسعة النطاق، وانبري الشعراء يهاجمون من كانوا – بالأمس القريب – يمدحونهم، كما انقلب عليهم العديدون ممن ناصروهم وساندوهم حتى نهاية سنة ١٩٢٣. إن إجلال المسلمين وتقديسهم لمنصب الخلافة، ورفضهم المطلق لزوال مؤسسة ارتبطت بوجودهم، وامتزجت بتاريخهم وحضارتهم جعل التونسيين مثلا يتمسكون ببيعة الخليفة عبد المجيد حتى وهو مبعد في سويسرا!!، بل أن الأيمة استمروا في الجوامع – حتى مطلع الثلاثينات – يخطبون باسم الخليفة العثماني، بل إن الإصرار على ضرورة وجود خليفة كان وراء تهافت العديد من (المترشحين) على الفوز بالمنصب المذكور الذي انعقدت من أجل إحيائه العديد من المؤتمرات في ظرفية بدأت فيها بعض البلدان الإسلامية تعرف بوادر تيارات ثقافية وسياسية ليبرالية وعلمانية!!. إن كل تلك التطورات والتحولات تحملنا على التساؤل عما إذا كان إلغاء الخلافة قد شكل قطيعة جذرية على مستوى الفكر السياسي في تاريخ العالم الإسلامي بأن حَرَرَهُ من كابوس مؤسسة ضاغطة حالت دون تطوره خصوصا في ظرفية لم تعد فها الثقافة الإسلامية التقليدية هي السائدة، الأمر الذي كان وراء بداية انزياح المعالم الفكرية والثقافية المميزة لفترة تاريخية سادت فيها مفاهيم (أممية) جسدتها في المنظور الإسلامي التقليدي مصطلحات (الأمة) والجامعات الإسلامية، وأشرت – بالتالي – لبداية مرحلة جديدة من النضال السياسي، قوامها الأحزاب والتنظيمات الوطنية، وتكريس القطرية في مفهومها الإقليمي الضيق، الأمر الذي جعل حركات التحرر تعول – في كسبها للمعركة – ليس فقط على الالتصاق بالجماهير الشعبية توسيعا لقاعدتها، وإنما كذلك على دعم ومساندة القوى الحرة المناهضة للاستعمار، والمنافحة عن حق الشعوب في التحرر والانعتاق.

стр. 419

صناعة الخطبة الإسلامية (بحوث في مؤتمرات دعوية وعلمية) المؤلف/ المشرف: عمر بن سليمان الأشقر المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار النفائس - الأردن ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٧هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: خطابة ومحاضرات صناعة الخطبة الإسلامية معد لبيان المنهجية لصناعة الخطبة الإسلامية، وهذا البحث الذي قدم لمؤتمر متقدم من مؤتمرات كلية الشريعة بالجامعة الأردنية تناولت فيه ثلاث نقاط: الأولى: تحديد موضوع الخطبة، وما يتعلق به. والثاني: تحضير هذا الموضوع. والثالث: إلقاء الخطبة.

стр. 420

تبصير المسلمين لغيرهم بالإسلام: أحكامه وضوابطه وآدابه (معاملة غير المسلمين في الإسلام) المؤلف/ المشرف: وهبة الزحيلي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية - الأردن ̈بدون سنة الطبع: ١٩٨٩م تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: معاملة غير المسلمين الخاتمة ١٢٣ - نحن في عصر تصطرع فيه الآراء والمذاهب الفكرية والسياسية والاقتصادية والفلسفات والتيارات المتعددة، العلمانية والمادية الملحدة وغيرها. وفي جوار ذلك تنتشر في العالم الأديان السماوية من يهودية ونصرانية وإسلام، وغير السماوية من بوذية وبرهمية ووثنية ونحوها. والعالم يعيش في جو من حمّى المادية الطاغية والعنصرية والقومية والنزعات العرقية، ويعاني من داء الترفع والتكبر والاستعلاء الدولي. ويكاد يكون هناك ظاهرة من التحزب والتجمع بين الدولتين العظميين ضد الإسلام، والاستهانة بمقدساته، وما تزال عقلية الاستعمار الأوربي والأمريكي بشكليه القديم والحديث هي المهيمنة في علاقات الدول الكبرى بالعالم الإِسلامي الذي يعاني من أوضاع الضعف السياسي والاقتصادي والعسكري الشيء الكثير وربما كان الإِعلام والتسلط الصهيوني هو داء الأمم المعاصرة. ١٢٤ - وفي هذا الجو المحموم لابد من محاولة إنقاذ وإسهام، إما بتغيير المناهج والعقائد المضادة والمعارضة لمفهوم رسالة القرآن العظيم، وإما بوضع المعوقات على الأقل لصد السيل العارم للاتجاه غير الديني، وإيقاف التيار الجارف المعارض للمفاهيم الإسلامية؛ لأننا نحن المسلمين نشعر بأن علينا واجباً مقدساً نحو العالم يتمثل بالقيام بحركة تصحيح وجهاد ونشر دعوة الله في الأرض، وإلا كنا آثمين جميعاً. ١٢٥ - والوسيلة لذلك إما جهود فردية أو جماعية أو دولية، وأداء الجهد الفردي هي نشاط كل مسلم، حيثما كان في العالم، فعليه واجب التبليغ والتبصير والدعوة إلى الله تعالى. والجهد الجماعي يتجلى في ضرورة التكتل عن طريق الجمعيات والمؤسسات والأوقاف الإِسلامية لبعث وفود الدعاة إلى أنحاء العالم. والواجب الأكبر والأهم هو واجب كل دولة إسلامية بقدر إمكاناتها أن تساهم في إرسال البعوث والدعاة إلى الله إلى بلاد الدنيا؛ لأن الدولة أقدر على هذا العمل من الفرد قطعاً، فقد فرضت الدولة هيمنتها في العصر الحديث على كل نشاط فردي وجماعي في إقليمها، وعليها طبعاً وبداهة تكوين الدعاة على المستوى المطلوب، وعلى النحو الذي ذكرت ضوابطه وآدابه وأصلت له أصوله، وأبنت مصدره وغايته. ١٢٦ - وأخيراً لا ننسى الدور المهم الحيوي الذي يمكن أن تقوم به المرأة المسلمة، زوجة الداعية، والأخت المسلمة، والبنت المسلمة في الدعوة إلى ربها داخل الدولة وخارجها بين بنات جنسها النساء وبين الأسر، فلها تأثيرها الذي لا ينكر. ١٢٧ - ولابد من وجود دورات تدريبية متكررة للدعاة، وإيجاد معاهد دعوة في كل دولة، وإقامة مراكز ثقافية إسلامية في أنحاء العالم، ودعم رسالة المساجد أينما كانت، وتوفير الدولة الدعم المادي والمعنوي والثقافي للدعاة، حتى لا يكونوا ضحية المكر والخداع والتعصب والأحقاد، ثم الطرد والإِبعاد. ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾. ولعل أفضل ما ينبغي التذكير به في ختام البحث هو قول الله ﵎: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾. ويتزود الداعية بطاقات ومهارات وافرة، فيتعمق في معرفة القرآن والسنة وعلوم الشريعة، ويطلع على المعارف الحديثة ما أمكنه، ويتمكن من لغة القوم الذين يخاطبهم، ويكون خبيراً بأسلوب الدعوة والتوجيه، ويتحلى بالخلق الكريم، ويكون حسن الهندام جميل الهيئة، حكيماً، سليم الفكرة حسن الأداء، متنزها ً عن فحش القول والكلام، مترفعاً عن الأمثلة والتشبيهات الوضعية، يحسن اختيار الموضوع، ويبتعد عن إثارة الشبهات بتبسيط العقيدة وتيسير الأخذ بأحكام الشريعة، وهو في الجملة إمام وقائد، وقدوة ومثل أعلى، فيلتزم بما يدعو إليه، ويحرص على هداية الناس، ويظهر حبه لغيره، ويشعرهم بأن سعادته في سعادة الآخرين. وشعاره آيات ثلاث: الأولى - قول الله ﵎: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً﴾. والثانية - قول الله : ﴿كنتم خير أمة ٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله﴾. والثالثة - قول الله سبحانه: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا ًمن دون الله، فإن تولوا، فقولوا اشهد وا بأنا مسلمون﴾.

стр. 421

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري المؤلف/ المشرف: خالد بن عبدالله القريشي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية الخاتمة بعد أن منَّ الله ، بإكمال هذا البحث على الصورة التي تم بها، فإنه لا يسعني في ختامه إلا أن أتوجه بالشكر لخالقي ﷻ الذي يسر لي معايشة أصح كتاب بعد كتابه العزيز، وهو صحيح الإمام البخاري – رحمه الله تعالى – ومعايشة شروحه العظيمة لأئمة الدين وعلماء الأمة من سلفنا الصالح. كما أسأل الله ، أن يجعل العمل العلمي الذي أنجز خلال هذه المعايشة خالصاً لوجهه الكريم، ونافعاً للإسلام والمسلمين. هذا وقد تجلى في هذا البحث عدة أمور، ألخصها في الآتي: أهمية السنة النبوية لتأصيل علم الدعوة، وخاصة: صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم – رحمهما الله تعالى – وذلك لإجماع الأمة على صحة وقبول ما فيهما. وضوح منهج الرسول ﷺ ، في الدعوة إلى الله ، وتطبيقه له في حياته الدعوية التي استمرت ثلاثاً وعشرين سنة، مما يؤكد على أهمية التزام الدعاة إلى الله ، بمنهجه واقتفاء أثره، والسير على سبيله، يقول الله ﷻ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. وجود الحل والعلاج في سنة رسول الله ﷺ ، الصحيحة الثابتة عنه، لجميع القضايا التي قد يحدث فيها نزاع واختلاف بين الدعاة إلى الله . عمق فهم سلفنا الصالح لأحاديث رسول الله ﷺ ، ومبادرتهم إلى تطبيقها والعمل بها، والدعوة إليها، مما يؤكد على أهمية التمسك بهذا الفهم، والاقتداء بهذا المنهج، والسير على خطاه. أهمية ومكانة الداعية في حلقة العملية الدعوية، وأنه هو الشخص المؤثر في المجهود الدعوي، فعلى قدر فقهه وفهمه ووعيه وصفاته، كثيراً ما يرتبط نجاح الدعوة وفشلها، وأن عليه مسؤولية كبيرة في البيان والإيضاح للناس. كل مسلم: داعية إلى الله ، يُبلغ هذا الدين على قدر استطاعته وعلمه، ومن خلال ذلك ينبغي له أن يمر بمرحلة من الإعداد النفسي والروحي والبدني، التي من خلالها يزداد رسوخاً وتقدماً في تبليغ هذا الدين ونشره بين الناس، وكذلك هو مطالب بمجموعة من الصفات والأخلاق، التي بها ينجح في دعوته ويؤثر في المدعوين. أهمية ومكانة المدعو في حلقة العملية الدعوية، وأنه قطبها ومحورها الذي ترتكز عليه، وهو هدفها وغايتها، وأن عليه مسؤولية كبيرة في البحث عن الحق وطلبه، والعمل به متى ما استبان له. المدعوون هم: جميع الخلق من الجن والإنس، في كل زمان ومكان، وأنهم أصناف كثيرة، ولهم سمات، وأحوال وظروف مختلفة، وهم في قبول هذا الدين ما بين سريع الاستجابة والتأثر بالدعوة، والعمل بها، وبين المعرض عنها، الذي يكيد للدعوة وصاحبها. إن موضوعات الدعوة كثيرة جداً، وعند اختيار الداعية لواحد منها يجب عليه مراعاة الآتي: أ – أن تُرتب في الأهمية والأولية بحسب ما جاء الشارع من ترتيب لها. ب – مراعاة القواعد الدعوية، والسمات والخصائص التي تُميز هذا الدين عن غيره. ١٠ - إن وسائل الدعوة إلى الله ، كثيرة جداً، وأنه يجوز للداعية إلى الله ، استخدام كل وسيلة بشرط أن لا يرد مانع شرعي من استخدامها. ١١ - إن أساليب الدعوة إلى الله ، كثيرة جداً، فلذا ينبغي للداعية إلى الله ، عند اختيار بعض هذه الأساليب أن تكون مما لم يرد مانع شرعي من استخدامها، وأن يكون حكيماً في اختيار الأسلوب المناسب للمدعوين، كما ينبغي له التنويع بين هذه الأساليب وطرحها. التوصيات:

стр. 422

أوصي نفسي وإخواني العاملين في مجال الدعوة إلى الله ، بالتمسك بكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وذلك على فهم سلفنا الصالح من خير القرون، ومن تبعهم بإحسان من الأئمة أعلام الدين. الالتزام برد التنازع فيما يقع من خلاف إلى كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، كما أمر الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. أوصي بتدريس هذا الموضوع في كليات الدعوة، والأقسام العلمية ذات التخصصات الشرعية، وذلك إما أن يكون على شكل مادة مستقلة بعنوان: (فقه الدعوة في صحيحي الإمامين: البخاري ومسلم). أو من خلال بعض المواد الشرعية المناسبة. وأخيراً فإن هذا البحث ما كان فيه من صواب فمن الله ، وحده وهو المحمود عليه، وما فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ﷻ ، المسؤول أن يتقبل الصالحات، وأن يغفر الزلات والهفوات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 423

قبل الكارثة نذير .. ونفير المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن مصطفى كامل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المنتدى الإسلامي - لندن ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢١هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: نصيحة وموعظة خاتمة وبعد: لعل القارئ يكون قد أدرك معنا أهم جوانب القضية، ووعى معالم المؤامرة المحكمة ضد المسجد الأقصى. ولعله يكون قد ألمَّ بخلفياتها وملابساتها ودوافعها. ولعله يكون قد أحس بخطورة الأمر، وفداحة المصيبة إذا جرت الأمور حسبما يخطط له اليهود ويساعد عليه النصارى. ولعلي ـ أيها المسلم ـ أكون قد أوصلت إليك نيابة عن المسجد الأقصى رسالة تقول لك: "هل ستشارك في المؤامرة بإصرارك على الصمت والسكوت .. ؟! ". إن أرض فلسطين ـ في الوجدان الإسلامي ـ لم تُشرَّف إلا لأن فيها بيت المقدس، وبيت المقدس يستمد الشرف من المسجد الأقصى الموجود فيه .. بينما (أرض إسرائيل) ليست لها قيمة عند اليهود إلا بـ (أورشليم) القدس، ولا قيمة للقدس عندهم إلا بالهيكل .. فهل أدركت خطورة هذه المفارقة؟! إن تكريمنا وتعظيمنا وحرصنا على حفظ المسجد الأقصى، صادف حرصاً وإصراراً من اليهود على إلغائه وإفنائه. وحرص الفريقين ينبع من العقيدة. ولهذا، فإن أحداً من الناس لن يستطيع فهم حقيقة المعركة إلا المسلم، وإن أحداً من الناس لن يستطيع مواجهة العقيدة بالعقيدة إلا المسلم، وإن أحداً من الناس لا يستطيع العمل بنفس طويل لإنقاذ المسجد الأقصى إلا رجال مسلمون صادقون. إن المسجد الأقصى وبيت المقدس أمانة تسلمتها أمة الإسلام منذ أُسرى برسولها ? إليه من المسجد الحرام. ولقد حفظ المسلمون هذه الأمانة في عهودهم المتوالية، حتى جاء عصرنا فضاع بيت المقدس ... وها هو الخطر يلاحقنا بمصيبة أعظم. ولئن خلُص اليهود إلى المسجد الأقصى وأتموا مؤامرتهم بين ظهراني جيل من المسلمين يبلغ ربع سكان العالم، فوالله إنه لعار لا يمحوه الزمان ولا يغسله الماء. وعلى الرغم من أنه لا يوجد مانع قدري من وقوع تلك الكارثة، إلا أننا نرجوا الله ألاَّ نكون محلاً لهذا العار، وندعوه سبحانه أن نكون أهلاً لحفظ الأمانة، بل إننا نأمل أن يكون من بركات المسجد الأقصى أن تبدأ عودة الروح الحقيقية إلى هذه الأمة من تلبيتها لندائه المتردد الأصداء: (حي على الفلاح .. حي على الفلاح) فتهزم رايات صهيون عند ساحاته، كما صُدّت موجات الصليبيين عند أعتابه، ودحرت جحافل التتار قرب أبوابه، إن المتأمل في أحوال الدنيا في السنوات الأخيرة، يدرك للوهلة الأولى أن الله ـ تعالى ـ يهيء الدنيا لعودة جديدة للإسلام. وما تلك الصحوة ـ التي لم يدبر لها أحد من الناس ـ في أرجاء العالم الإسلامي إلا من بشريات هذا الفجر الجديد. ومن سنن الله ـ تعالى ـ أن تكون العاقبة للمتقين ولو بعد حين، ولكن عندما يبتعد المتقون عن التقوى تأتي سنة أخرى من سنن الله، قال ـ تعالى ـ:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُنَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ? [المائدة: ٥٤]. وقال :) وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ?. [محمد: ٣٨]. إن التمكين لدين الله قادمٌ قادم .. بنا أو بغيرنا:) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ?. [التوبة: ٣٣]. ولكن هذا التمكين، كيف يبدأ؟ .. لا ندري .. ومتى سيبدأ؟ .. لا ندري، ولكنا ندري فقط أن من واجبنا أن نعمل من أجله، وخصوصاً أن إرهاصاته قد بدت لكل ذي عينين.

стр. 424

ولعلي هنا أستعير كلمات مضيئة لأحد رواد الجيل وهو الأستاذ محمد قطب في كتابة (واقعنا المعاصر) حيث تحدث ـ حفظه الله ـ عن الصحوة الإسلامية، وكيف أنها بدأت تلفت الأنظار بشدة في مبدئها عندما وقع الصدام بين الفدائيين المسلمين وعصابات اليهود في حرب ١٩٤٨م، ثم تناول في آخر الكتاب حديثاً شيقاً عن الروافد التي تمد هذه الصحوة بالحياة والقوة والتمكين, وتساءل كما يتساءل كل مسلم ـ عن السبيل إلى هذا التمكين، ثم قال: "ولا نعلم بطبيعة الحال كيف يكون التمكين، فذلك غيب .. ولكننا نستشف من أحاديث الرسول ? بعض الملامح لهذا التمكين". فاليهود اليوم هم المسيطرون في الأرض، وهم الذين يرسمون سياسة العالم، وهم الذين يخططون ضد الإسلام والمسلمين، وبصفة خاصة في المنطقة المحيطة بإسرائيل، ويقول رسول الله ?: "لا تقوم الساعة حتى يُقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله". واليهود يعرفون هذا الحديث ويؤمنون به، فقد ورد في أخره: "إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود"، وهم يغرسون اليوم شجر الغرقد حول بيوتهم في فلسطين. فنستطيع أن نستشف من ذلك قيام معركة حاسمة بين المسلمين واليهود، يستظل المسلمون فيها براية لا إله إلا الله، لا بالعروبة ولا بالقومية، ولا بالتراب الوطني، وينتصر المسلمون فيها نصراً حاسماً بتقدير الله ويكون هذا من أحداث التاريخ التي تغير التاريخ. وأعود فأُذكِّر بحقيقة مهمة وهي: إن جهاد الأعداء .. كل الأعداء، لا يتوقف على تحول الغيب إلى شهادة، ولكنه تكليف شرعي، وواجب ديني لا يحل لمسلم أن يتخلف عنه إذا قامت شروطه ووجدت مبرراته. وأختم هذه الخاتمة مردداً النداء الذي كان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن بازـ ﵀ قد وجهه إلى كل المسلمين عندما قال: "يا معشر المسلمين من العرب وغيرهم في كل مكان .. بادروا إلى قتال أعداء الله من اليهود، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، بادروا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين والمجاهدين الصابرين، وأخلصوا النية لله، واصبروا وصابروا واتقوا الله تفوزوا بالنصر المؤزر أو شرف الشهادة في سبيل الحق ودحر الباطل". الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ* فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتْبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ?. [آل عمران: ١٧٣ـ١٧٥]. أيها المسلمون، هل من إعذار إلى الله ـ تعالى ـ بقول أو عمل لوقف قطار المؤامرة ....... ......... قبل أن يُهدم الأقصى؟ اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 425

كيف نعيد للمسجد مكانته ؟ المؤلف/ المشرف: محمد أحمد لوح المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الخضيري - المدينة المنورة ̈بدون سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: مساجد - دورها لقد تناولت في هذه الدراسة أهم الأسس التي أحسب أن إقامتها يعيد إلى المسجد دوره المفتقد في كثير من الأقطار الإسلامية، وإعادة أثر المسجد أمر بالغ الأهمية يلزم كل مسلم مؤمن أن يسعى قدر ما أوتي من جهد لأجل العمل على تحقيقها، وبعث النشاط العلمي والدعوي والتربوي والاجتماعي للمسجد، وبإحياء أثر المسجد يمكن تحقيق الأمور التالية: ١ - إعادة المكانة اللائقة بالمسجد وأهله فيحترم ويقدر حق قدره في المجتمع المسلم. ٢ - انتشار العلم بين جميع طبقات الشعب. ٣ - إعادة البعيدين عن التدين بسبب الجهل إلى دائرة الالتزام بتعاليم الشرع الحنيف. ٤ - إزالة ما يعاني منه المسلمون من الفرقة والتشتت بسبب سوء الفهم وعدم التفقه في التدين. ٥ - إزالة الفجوة أو الجفوة القائمة بين طلبة العلوم الإسلامية وبين ما يسمى بالتعليم المدني أو العلماني؛ لأنهم جميعا إذا جلسوا في المسجد بين أيدي علماء ربانيين، وتعلموا دينهم من مصادر موثوقة عرفوا أن العلوم الكونية التي فيها مصالح حقيقة لا يمكن أن تتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية بحال. ٦ - تعليم المسلمين حقوقهم وواجباتهم فيشاع العلم بالحقوق والواجبات بين فئات الشعب؛ فالعامل والموظف والرئيس والمرؤوس والزوج والزوجة كلٌ على علم بما له وما عليه، وبذلك يتم القضاء على كثير من المنازعات والخلافات الاجتماعية الدائرة في دنيا الناس. ٧ - القضاء على الانحرافات الخلقية لدى الشباب، والأخذ بأيديهم إلى سلوك الطرق الشرعية في وضع الشهوات في محلها، وكذلك القضاء على الانحرافات الفكرية كاعتناق المذاهب الهدامة والسبل البدعية، أو الجنوح عن وسطية المنهج وتوازن الاتجاه. ٨ - تغيير ما بالأنفس والقلوب من الأمراض كالمعاصي والبدع وسوء الأخلاق، إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة، والإيمان الصحيح الذي يستحق به بقاء النعمة، والتمكين والاستخلاف في الأرض. وأخيرا هناك بعض الاقتراحات أرى أن أختم بها هذه الرسالة عسى الله أن ينفع بها من يشاء من عباده، وذلك إنما هو من باب التأكيد للأهمية، وإلا فقد سبقت ضمن الدراسة: ١ - على المسلمين أينما كانوا أن يهتموا بربط المساجد بالمؤسسات التعليمية، والدوائر الحكومية، والأسواق، ومواقف سيارات الأجرة للمسافرين، وفي القرى والمناطق التي ينزل بها المسافرون، وأن ينسقوا بين مواعيد العمل والدراسة وبين مواقيت الصلاة، حتى تكون المساجد مرتبطة بالحياة وحركتها، وحتى يتيسر للمسلم - أينما كان وتحت أي ظرف - أداء الفرائض في المسجد دون عناء أو مشقة. ٢ - على الحكومات الإسلامية والمؤسسات الدعوية الاهتمام بإعداد الأئمة، حيث يتوقف الجزء الأكبر من رسالة المسجد على كفاءتهم وقدرتهم على تأدية المهمة المناطة على عواتقهم بصدق وإخلاص. ٣ - عدم المغالاة في تشييد المساجد تشييدا يقصد به المباهاة؛ لأن ذلك منهي عنه وهو من عمل أهل الكتاب. ٤ - عدم التشدد في ادعاء حفظ المساجد من العبث والتلوث إلى حد المنع مما كان مشروعا في عهد النبي ﷺ ومن ذلك منع الصبيان من دخول المساجد. ٥ - العناية بخطبة الجمعة ومخاطبة الناس بما يعرفونه من الألسن، وترك الجمود والتعصب المذهبي المؤدي إلى تفويت مصالح الدعوة إلى الله. هذا آخر ما سمح به الوقت وتيسر جمعه، نسأل الله أن ينفع به المسلمين في مغارب الأرض ومشارقها، ويكتب الأجر والمثوبة لكاتبه ولكل من أعانه ويتوب عنه وعنهم وعن كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، وينصر دينه، ويخذل أعداءه من الكفرة والملحدين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين واختم اللهم بالصالحات أعمالنا. كان الفراغ من إعداد أصل المحاضرة في ٧ ربيع الأول ١٤١٤هـ الموافق ٧/ ٨/ ١٩٩٣م ومن الزيادات الموعود بها في ٧ ربيع الأول ١٤١٨هـ الموافق ١٠/ ٧/ ١٩٩٧م. والله تعالى الموفق.
следующие страницы →