← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري المؤلف/ المشرف: خالد بن عبدالله القريشي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية الخاتمة بعد أن منَّ الله ، بإكمال هذا البحث على الصورة التي تم بها، فإنه لا يسعني في ختامه إلا أن أتوجه بالشكر لخالقي ﷻ الذي يسر لي معايشة أصح كتاب بعد كتابه العزيز، وهو صحيح الإمام البخاري – رحمه الله تعالى – ومعايشة شروحه العظيمة لأئمة الدين وعلماء الأمة من سلفنا الصالح. كما أسأل الله ، أن يجعل العمل العلمي الذي أنجز خلال هذه المعايشة خالصاً لوجهه الكريم، ونافعاً للإسلام والمسلمين. هذا وقد تجلى في هذا البحث عدة أمور، ألخصها في الآتي: أهمية السنة النبوية لتأصيل علم الدعوة، وخاصة: صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم – رحمهما الله تعالى – وذلك لإجماع الأمة على صحة وقبول ما فيهما. وضوح منهج الرسول ﷺ ، في الدعوة إلى الله ، وتطبيقه له في حياته الدعوية التي استمرت ثلاثاً وعشرين سنة، مما يؤكد على أهمية التزام الدعاة إلى الله ، بمنهجه واقتفاء أثره، والسير على سبيله، يقول الله ﷻ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. وجود الحل والعلاج في سنة رسول الله ﷺ ، الصحيحة الثابتة عنه، لجميع القضايا التي قد يحدث فيها نزاع واختلاف بين الدعاة إلى الله . عمق فهم سلفنا الصالح لأحاديث رسول الله ﷺ ، ومبادرتهم إلى تطبيقها والعمل بها، والدعوة إليها، مما يؤكد على أهمية التمسك بهذا الفهم، والاقتداء بهذا المنهج، والسير على خطاه. أهمية ومكانة الداعية في حلقة العملية الدعوية، وأنه هو الشخص المؤثر في المجهود الدعوي، فعلى قدر فقهه وفهمه ووعيه وصفاته، كثيراً ما يرتبط نجاح الدعوة وفشلها، وأن عليه مسؤولية كبيرة في البيان والإيضاح للناس. كل مسلم: داعية إلى الله ، يُبلغ هذا الدين على قدر استطاعته وعلمه، ومن خلال ذلك ينبغي له أن يمر بمرحلة من الإعداد النفسي والروحي والبدني، التي من خلالها يزداد رسوخاً وتقدماً في تبليغ هذا الدين ونشره بين الناس، وكذلك هو مطالب بمجموعة من الصفات والأخلاق، التي بها ينجح في دعوته ويؤثر في المدعوين. أهمية ومكانة المدعو في حلقة العملية الدعوية، وأنه قطبها ومحورها الذي ترتكز عليه، وهو هدفها وغايتها، وأن عليه مسؤولية كبيرة في البحث عن الحق وطلبه، والعمل به متى ما استبان له. المدعوون هم: جميع الخلق من الجن والإنس، في كل زمان ومكان، وأنهم أصناف كثيرة، ولهم سمات، وأحوال وظروف مختلفة، وهم في قبول هذا الدين ما بين سريع الاستجابة والتأثر بالدعوة، والعمل بها، وبين المعرض عنها، الذي يكيد للدعوة وصاحبها. إن موضوعات الدعوة كثيرة جداً، وعند اختيار الداعية لواحد منها يجب عليه مراعاة الآتي: أ – أن تُرتب في الأهمية والأولية بحسب ما جاء الشارع من ترتيب لها. ب – مراعاة القواعد الدعوية، والسمات والخصائص التي تُميز هذا الدين عن غيره. ١٠ - إن وسائل الدعوة إلى الله ، كثيرة جداً، وأنه يجوز للداعية إلى الله ، استخدام كل وسيلة بشرط أن لا يرد مانع شرعي من استخدامها. ١١ - إن أساليب الدعوة إلى الله ، كثيرة جداً، فلذا ينبغي للداعية إلى الله ، عند اختيار بعض هذه الأساليب أن تكون مما لم يرد مانع شرعي من استخدامها، وأن يكون حكيماً في اختيار الأسلوب المناسب للمدعوين، كما ينبغي له التنويع بين هذه الأساليب وطرحها. التوصيات:

стр. 422

أوصي نفسي وإخواني العاملين في مجال الدعوة إلى الله ، بالتمسك بكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وذلك على فهم سلفنا الصالح من خير القرون، ومن تبعهم بإحسان من الأئمة أعلام الدين. الالتزام برد التنازع فيما يقع من خلاف إلى كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، كما أمر الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. أوصي بتدريس هذا الموضوع في كليات الدعوة، والأقسام العلمية ذات التخصصات الشرعية، وذلك إما أن يكون على شكل مادة مستقلة بعنوان: (فقه الدعوة في صحيحي الإمامين: البخاري ومسلم). أو من خلال بعض المواد الشرعية المناسبة. وأخيراً فإن هذا البحث ما كان فيه من صواب فمن الله ، وحده وهو المحمود عليه، وما فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ﷻ ، المسؤول أن يتقبل الصالحات، وأن يغفر الزلات والهفوات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 423

قبل الكارثة نذير .. ونفير المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن مصطفى كامل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المنتدى الإسلامي - لندن ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢١هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: نصيحة وموعظة خاتمة وبعد: لعل القارئ يكون قد أدرك معنا أهم جوانب القضية، ووعى معالم المؤامرة المحكمة ضد المسجد الأقصى. ولعله يكون قد ألمَّ بخلفياتها وملابساتها ودوافعها. ولعله يكون قد أحس بخطورة الأمر، وفداحة المصيبة إذا جرت الأمور حسبما يخطط له اليهود ويساعد عليه النصارى. ولعلي ـ أيها المسلم ـ أكون قد أوصلت إليك نيابة عن المسجد الأقصى رسالة تقول لك: "هل ستشارك في المؤامرة بإصرارك على الصمت والسكوت .. ؟! ". إن أرض فلسطين ـ في الوجدان الإسلامي ـ لم تُشرَّف إلا لأن فيها بيت المقدس، وبيت المقدس يستمد الشرف من المسجد الأقصى الموجود فيه .. بينما (أرض إسرائيل) ليست لها قيمة عند اليهود إلا بـ (أورشليم) القدس، ولا قيمة للقدس عندهم إلا بالهيكل .. فهل أدركت خطورة هذه المفارقة؟! إن تكريمنا وتعظيمنا وحرصنا على حفظ المسجد الأقصى، صادف حرصاً وإصراراً من اليهود على إلغائه وإفنائه. وحرص الفريقين ينبع من العقيدة. ولهذا، فإن أحداً من الناس لن يستطيع فهم حقيقة المعركة إلا المسلم، وإن أحداً من الناس لن يستطيع مواجهة العقيدة بالعقيدة إلا المسلم، وإن أحداً من الناس لا يستطيع العمل بنفس طويل لإنقاذ المسجد الأقصى إلا رجال مسلمون صادقون. إن المسجد الأقصى وبيت المقدس أمانة تسلمتها أمة الإسلام منذ أُسرى برسولها ? إليه من المسجد الحرام. ولقد حفظ المسلمون هذه الأمانة في عهودهم المتوالية، حتى جاء عصرنا فضاع بيت المقدس ... وها هو الخطر يلاحقنا بمصيبة أعظم. ولئن خلُص اليهود إلى المسجد الأقصى وأتموا مؤامرتهم بين ظهراني جيل من المسلمين يبلغ ربع سكان العالم، فوالله إنه لعار لا يمحوه الزمان ولا يغسله الماء. وعلى الرغم من أنه لا يوجد مانع قدري من وقوع تلك الكارثة، إلا أننا نرجوا الله ألاَّ نكون محلاً لهذا العار، وندعوه سبحانه أن نكون أهلاً لحفظ الأمانة، بل إننا نأمل أن يكون من بركات المسجد الأقصى أن تبدأ عودة الروح الحقيقية إلى هذه الأمة من تلبيتها لندائه المتردد الأصداء: (حي على الفلاح .. حي على الفلاح) فتهزم رايات صهيون عند ساحاته، كما صُدّت موجات الصليبيين عند أعتابه، ودحرت جحافل التتار قرب أبوابه، إن المتأمل في أحوال الدنيا في السنوات الأخيرة، يدرك للوهلة الأولى أن الله ـ تعالى ـ يهيء الدنيا لعودة جديدة للإسلام. وما تلك الصحوة ـ التي لم يدبر لها أحد من الناس ـ في أرجاء العالم الإسلامي إلا من بشريات هذا الفجر الجديد. ومن سنن الله ـ تعالى ـ أن تكون العاقبة للمتقين ولو بعد حين، ولكن عندما يبتعد المتقون عن التقوى تأتي سنة أخرى من سنن الله، قال ـ تعالى ـ:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُنَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ? [المائدة: ٥٤]. وقال :) وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ?. [محمد: ٣٨]. إن التمكين لدين الله قادمٌ قادم .. بنا أو بغيرنا:) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ?. [التوبة: ٣٣]. ولكن هذا التمكين، كيف يبدأ؟ .. لا ندري .. ومتى سيبدأ؟ .. لا ندري، ولكنا ندري فقط أن من واجبنا أن نعمل من أجله، وخصوصاً أن إرهاصاته قد بدت لكل ذي عينين.

стр. 424

ولعلي هنا أستعير كلمات مضيئة لأحد رواد الجيل وهو الأستاذ محمد قطب في كتابة (واقعنا المعاصر) حيث تحدث ـ حفظه الله ـ عن الصحوة الإسلامية، وكيف أنها بدأت تلفت الأنظار بشدة في مبدئها عندما وقع الصدام بين الفدائيين المسلمين وعصابات اليهود في حرب ١٩٤٨م، ثم تناول في آخر الكتاب حديثاً شيقاً عن الروافد التي تمد هذه الصحوة بالحياة والقوة والتمكين, وتساءل كما يتساءل كل مسلم ـ عن السبيل إلى هذا التمكين، ثم قال: "ولا نعلم بطبيعة الحال كيف يكون التمكين، فذلك غيب .. ولكننا نستشف من أحاديث الرسول ? بعض الملامح لهذا التمكين". فاليهود اليوم هم المسيطرون في الأرض، وهم الذين يرسمون سياسة العالم، وهم الذين يخططون ضد الإسلام والمسلمين، وبصفة خاصة في المنطقة المحيطة بإسرائيل، ويقول رسول الله ?: "لا تقوم الساعة حتى يُقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله". واليهود يعرفون هذا الحديث ويؤمنون به، فقد ورد في أخره: "إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود"، وهم يغرسون اليوم شجر الغرقد حول بيوتهم في فلسطين. فنستطيع أن نستشف من ذلك قيام معركة حاسمة بين المسلمين واليهود، يستظل المسلمون فيها براية لا إله إلا الله، لا بالعروبة ولا بالقومية، ولا بالتراب الوطني، وينتصر المسلمون فيها نصراً حاسماً بتقدير الله ويكون هذا من أحداث التاريخ التي تغير التاريخ. وأعود فأُذكِّر بحقيقة مهمة وهي: إن جهاد الأعداء .. كل الأعداء، لا يتوقف على تحول الغيب إلى شهادة، ولكنه تكليف شرعي، وواجب ديني لا يحل لمسلم أن يتخلف عنه إذا قامت شروطه ووجدت مبرراته. وأختم هذه الخاتمة مردداً النداء الذي كان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن بازـ ﵀ قد وجهه إلى كل المسلمين عندما قال: "يا معشر المسلمين من العرب وغيرهم في كل مكان .. بادروا إلى قتال أعداء الله من اليهود، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، بادروا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين والمجاهدين الصابرين، وأخلصوا النية لله، واصبروا وصابروا واتقوا الله تفوزوا بالنصر المؤزر أو شرف الشهادة في سبيل الحق ودحر الباطل". الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ* فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتْبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ?. [آل عمران: ١٧٣ـ١٧٥]. أيها المسلمون، هل من إعذار إلى الله ـ تعالى ـ بقول أو عمل لوقف قطار المؤامرة ....... ......... قبل أن يُهدم الأقصى؟ اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 425

كيف نعيد للمسجد مكانته ؟ المؤلف/ المشرف: محمد أحمد لوح المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الخضيري - المدينة المنورة ̈بدون سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: مساجد - دورها لقد تناولت في هذه الدراسة أهم الأسس التي أحسب أن إقامتها يعيد إلى المسجد دوره المفتقد في كثير من الأقطار الإسلامية، وإعادة أثر المسجد أمر بالغ الأهمية يلزم كل مسلم مؤمن أن يسعى قدر ما أوتي من جهد لأجل العمل على تحقيقها، وبعث النشاط العلمي والدعوي والتربوي والاجتماعي للمسجد، وبإحياء أثر المسجد يمكن تحقيق الأمور التالية: ١ - إعادة المكانة اللائقة بالمسجد وأهله فيحترم ويقدر حق قدره في المجتمع المسلم. ٢ - انتشار العلم بين جميع طبقات الشعب. ٣ - إعادة البعيدين عن التدين بسبب الجهل إلى دائرة الالتزام بتعاليم الشرع الحنيف. ٤ - إزالة ما يعاني منه المسلمون من الفرقة والتشتت بسبب سوء الفهم وعدم التفقه في التدين. ٥ - إزالة الفجوة أو الجفوة القائمة بين طلبة العلوم الإسلامية وبين ما يسمى بالتعليم المدني أو العلماني؛ لأنهم جميعا إذا جلسوا في المسجد بين أيدي علماء ربانيين، وتعلموا دينهم من مصادر موثوقة عرفوا أن العلوم الكونية التي فيها مصالح حقيقة لا يمكن أن تتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية بحال. ٦ - تعليم المسلمين حقوقهم وواجباتهم فيشاع العلم بالحقوق والواجبات بين فئات الشعب؛ فالعامل والموظف والرئيس والمرؤوس والزوج والزوجة كلٌ على علم بما له وما عليه، وبذلك يتم القضاء على كثير من المنازعات والخلافات الاجتماعية الدائرة في دنيا الناس. ٧ - القضاء على الانحرافات الخلقية لدى الشباب، والأخذ بأيديهم إلى سلوك الطرق الشرعية في وضع الشهوات في محلها، وكذلك القضاء على الانحرافات الفكرية كاعتناق المذاهب الهدامة والسبل البدعية، أو الجنوح عن وسطية المنهج وتوازن الاتجاه. ٨ - تغيير ما بالأنفس والقلوب من الأمراض كالمعاصي والبدع وسوء الأخلاق، إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة، والإيمان الصحيح الذي يستحق به بقاء النعمة، والتمكين والاستخلاف في الأرض. وأخيرا هناك بعض الاقتراحات أرى أن أختم بها هذه الرسالة عسى الله أن ينفع بها من يشاء من عباده، وذلك إنما هو من باب التأكيد للأهمية، وإلا فقد سبقت ضمن الدراسة: ١ - على المسلمين أينما كانوا أن يهتموا بربط المساجد بالمؤسسات التعليمية، والدوائر الحكومية، والأسواق، ومواقف سيارات الأجرة للمسافرين، وفي القرى والمناطق التي ينزل بها المسافرون، وأن ينسقوا بين مواعيد العمل والدراسة وبين مواقيت الصلاة، حتى تكون المساجد مرتبطة بالحياة وحركتها، وحتى يتيسر للمسلم - أينما كان وتحت أي ظرف - أداء الفرائض في المسجد دون عناء أو مشقة. ٢ - على الحكومات الإسلامية والمؤسسات الدعوية الاهتمام بإعداد الأئمة، حيث يتوقف الجزء الأكبر من رسالة المسجد على كفاءتهم وقدرتهم على تأدية المهمة المناطة على عواتقهم بصدق وإخلاص. ٣ - عدم المغالاة في تشييد المساجد تشييدا يقصد به المباهاة؛ لأن ذلك منهي عنه وهو من عمل أهل الكتاب. ٤ - عدم التشدد في ادعاء حفظ المساجد من العبث والتلوث إلى حد المنع مما كان مشروعا في عهد النبي ﷺ ومن ذلك منع الصبيان من دخول المساجد. ٥ - العناية بخطبة الجمعة ومخاطبة الناس بما يعرفونه من الألسن، وترك الجمود والتعصب المذهبي المؤدي إلى تفويت مصالح الدعوة إلى الله. هذا آخر ما سمح به الوقت وتيسر جمعه، نسأل الله أن ينفع به المسلمين في مغارب الأرض ومشارقها، ويكتب الأجر والمثوبة لكاتبه ولكل من أعانه ويتوب عنه وعنهم وعن كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، وينصر دينه، ويخذل أعداءه من الكفرة والملحدين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين واختم اللهم بالصالحات أعمالنا. كان الفراغ من إعداد أصل المحاضرة في ٧ ربيع الأول ١٤١٤هـ الموافق ٧/ ٨/ ١٩٩٣م ومن الزيادات الموعود بها في ٧ ربيع الأول ١٤١٨هـ الموافق ١٠/ ٧/ ١٩٩٧م. والله تعالى الموفق.

стр. 426

مبادئ علم أصول الدعوة دراسة تأصيلية المؤلف/ المشرف: محمد يسري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: دعوة - فقه أحكام وضوابط وتصورات الخاتمة: الحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على النبي المجتبي، والرسول المصطفى، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فقد انتهى هذا البحث الموجز إلى جملة نتائج يمكن تحديدها في النقاط التالية: ١ - علم أول الدعوة علم أصيل قام على قواعد وأسس محكمة، تلقاه السلف الأوائل عن رسول الله ﷺ ، وعنهم أخذ من بعدهم، رواية وتلقيناً، ثم تصنيفاً وتدويناً. ٢ - تعتبر كتابات الزهد والمواعظ، وأبواب الرقاق في الصحاح والسنن، النواة الأولى لهذا العلم المبارك، وقد برز ابن الجوزي في هذا الميدان ببعض كتبه الوعظية إضافة إلى كتابه (القصاص والمذكرين) الذي تضمن قواعد الدعوة، تأصيلاً وتطبيقاً، ثم تتابعت المصنفات من الأئمة الأعلام. ٣ - اشتدت في العصر الحديث الحاجة لاستخراج الأصول العلمية والعملية، والقواعد الشرعية في الدعوة والإصلاح، وتشعبت روافد هذا العلم، وتعددت علاقاته، واتسع نطاقه، فعني أهل الدعوة بتأصيل علمها نظرياً، وإيجاد أشكال جديدة لممارسته عملياً، وأعدت مداخل للعلم، وصنفت كتب في مناهج علماء السلف في الدعوة إلى الله، فاكتملت أركان علم أصول الدعوة بحمد الله. ٤ - انتهى البحث إلى تعريف اصطلاحي مقترح لعلم أصول الدعوة وهو: علم بقواعد وأحكام وأسباب وآداب يتوصل بها إلى تبليغ الإسلام للبشر عامة، وتعليم وتربية المستجيبين كافة، وتحقيق التمكين لهذا الدين خاصة. ٥ - موضوع علم أصول الدعوة يدور حول بيان الإسلام وأركانه وعقيدته وأخلاقه وتشريعاته، ومعرفة ما يجب في ذلك من القواعد والضوابط والأولويات والمآلات، كما يعالج مشكلات الدعوة، وما يستجد بساحتها من نوازل، وما يستعان به من الوسائل والأساليب لتحقيق أهدافها، والتغلب على معوقاتها. كما لا يغفل الداعي تكويناً وتربية وإعداداً. ٦ - تعددت أسماء هذا العلم المبارك، وما ذاك إلا لشرفه وعلو قدره، فربما أطلق عليه (علم الدعوة)، وربما دعي (فقه الدعوة)، أو قيل (مناهج الدعوة) وهي مصطلحات متقاربة في معناها. ٧ - ينبني حكم تعلم هذا العلم على حكم ممارسة الدعوة، وهي لا تخرج عن كونها فرض عين، أو فرض كفاية، فيتعين على كل داعية أن يعرف ما يصح به تدينه وما لا يسعه أن يجهله في العقيدة والعبادات والمعاملات، مع إلمام عام بهدي النبي ﷺ في الدعوة، ويجب على طائفة من الدعاة الفقهاء أن يطولوا الباع في علوم الاجتهاد؛ ليتمكنوا من القيام بواجب الإفتاء في النوازل والمهمات المستجدة في ساحة الدعوة إلى الله. ٨ - فضائل هذا العلم كثيرة فهو سبب لزيادة أجر الدعاة، وعصمة لهم من الاختلاف والافتراق، وسبيل لتحقيق البصيرة بأساليب الدعوة ووسائلها، ومعرفة الواجب باختلاف الظروف والأحوال؛ والدعاة المتفقهون بعلم أصول الدعوة في الطليعة من كل خير ينال الدعاة، فهم أحسن الدعاة قولاً وأصلحهم في المسلمين عملاً. ٩ - لعلم أصول الدعوة روافد ومصادر علمية عديدة منها: علم الإيمان وأصوله، وعلم الأخلاق والسلوك، وعلم الفقه وقواعده وأصوله، وعلم السيرة والتاريخ، وتراجم الدعاة وتجاربهم، إضافة إلى العلوم العصرية المنضبطة بضوابط الشرع وقيوده. ١٠ - علاقة أصول الدعوة بغيره من العلوم علاقة دقيقة، فهو أعم من الفقة والسيرة –مثلاً- من جهة، وأخص من جهة أخرى، فدائرة العالم بالفقه أعم وأوسع من جهة درايته بتخصصه، واتساع فهمه، واشتغاله بعلوم الوسائل والآلات، أما دائرة درايته واشتغاله بتاريخ وواقع الدعوات، وأساليب التأثير والتربية، ووسائل التعبير وفنون الاتصال، ونحو ذلك فهي أخص، فبين علم (أصول الدعوة) والعلوم الشرعية عموم وخصوص وجهي. ١١ - ثمرة علم أصول الدعوة إجمالاً هي استفاضة الدعوة والبلاغ، وإقامة سلطان الشريعة، والتحاكم إليها، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجهها الصحيح، وإقامة السنة وقمع البدعة، وعن ذلك يتحقق النصر والتمكين في الدنيا، والفوز بالجنة والنعيم في الأخرى، ومن وراء ذلك كله مرضاة الله تعالى. ١٢ - مسائل هذا العلم متعددة ومتنوعة؛ فهي تدور حول مبادئ هذا العلم ومقدماته، وأركان الدعوة وأصولها ومنطلقاتها، والداعي إلى الله وصفاته وواجباته، وتاريخ الدعوة ومنهجها، وأنواع الدعوة وأساليبها ووسائلها، وإدارة الدعوة وطرائقها.

стр. 427

مختصر دعوة أهل البدع المؤلف/ المشرف: خالد بن أحمد الزهراني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن الجوزي- الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: معاملة المخالف وأهل البدع وبعد: فقد تبين – بفضل الله تعالى ومنه – مما سبق من المباحث فضل الدعوة إلى الله تعالى، وأنها من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى؛ بل إنها أفضل مقامات العبد، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين ﵈. وتبين كذلك أن الدعوة إلى الله تعالى ليست مقتصرة على غير المسلمين فقط؛ بل إنها تعم كذلك عصاة المسلمين الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم، ويدخل فيهم من باب الأولى المخالفون لأهل السنة والجماعة الذين انحرفوا عن المنهج الحق؛ منهج أهل السنة والجماعة .. وتبين كذلك خطر البدعة وتأثيرها على المسلمين، وأنها أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها، بمعنى أن صاحبها يعتقد أنه على دين صحيح؛ فكيف إذاً يتوب منه؟! وتبين كذلك أن توبة المخالفين مقبولة إن أخلصوا فيها لله رب العالمين، فإنه لا يحول بينهم وبين التوبة أحد، والله تعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب إليه وأناب. ومن كل ذلك تتبين أهمية دعوة المخالفين حتى يرجعوا إلى جادة الصواب، إلى منهج أهل السنة والجماعة، المنهج الحق الذي أمر باتباعه جميع المسلمين، ذلك أن أهل السنة هم أرحم الناس بالناس، ومن رحمتهم بالمخالفين أن يدعوهم حتى يتمسكوا بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؛ لعلهم أن ينجوا بين يدي الله ويكونوا من الفائزين بجنات النعيم. فعلى الداعية إلى الله تعالى أن يجعل هذا الأمر – وهو دعوة المخالفين لأهل السنة والجماعة – من جملة اهتماماته، وأن يسخر لسانه وقلمه وجهده وكل ما يستطيع في دعوة من يستطيع دعوته منهم، بالأسلوب الحسن، والحكمة النافعة، وأن لا يألوا جهداً في استخدام شتى الوسائل في دعوتهم – التي ذكرت في البحث والتي لم تذكر – وأن يكون على بصيرة مما يدعو إليه، حتى تكون دعوته ناجحة بإذن الله تعالى. وعليه أن يكون قريباً من أهل العلم؛ يستنير بعلومهم، ويسترشد بكلامهم، ويسألهم عما يشكل عليه في دعوته للمخالفين، ويستشيرهم فيما يواجهه من مشكلات وعقبات، وقد ذكرت في هذا البحث بعض فتاويهم وتوجيهاتهم في دعوة المخالفين ونصحهم وإرشادهم والتعامل معهم.

стр. 428

ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية المؤلف/ المشرف: عدنان النحوي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الإصلاح - الدمام ̈بدون سنة الطبع: بدون تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: شورى وديمقراطية الخلاصة في ختام هذا البحث نحب أن نورد موجزاً وملخصاً يجمع أهم القضايا، في نقاط محددة، تهدف للتثبيت والتذكرة. ١ـ إن فهمنا للشورى وتصورنا لها، وسياغتها وممارستها يجب أن تنبع كلها من منهاج الله قرآناً وسنة، ومن فهم الواقع الذي نعيشه فهماً نابعاً عن منهاج الله. يعنينا في ذلك سيرة الرسول e ومماسة الخلفاء الراشدين والصحابة ﵃ أجمعين. على أن تكون العودة إلى منهاج الله عودة متكاملة متناسقة، لا تتجزأ إلى آيات من هنا وهناك، أو أجزاء من آية أو حديث أو صورة مجزوءة لممارسة وتطبيق. ٢ـ إن الشورى المؤمنة أساس في طبيعة هذا الدين، في طبيعة الإيمان، وطبيعة الممارسة الإيمانية في شتى الميادين والظروف والمستويات، إنها حاجة الفرد المؤمن، والأسرة المؤمنة، والجماعة المؤمنة والأمة المؤمنة. إنها لا تقتصر على ميدان الحكم والدولة، وإن كان هذا ميداناً من أوسع ميادينها، ولكنها تمتد امتداد الحياة والممارسة والتطبيق. ٣ـ إن الشورى المؤمنة، كما يفصلها منهاج الله، لها خصائصها، الإيمانية المميزة لها، والتي تحدد أهدافها، ونهجها وأسلوبها، ووسائلها في تفصيل رباني معجز، صالح لكل زمان ولكل جيل، ولكل واقع. ٤ـ إن هدف الشورى المؤمنة هو: تحري الحق والخير والتقوى في الممارسة الإيمانية، أو تحري ما هو أقرب إلى ذلك وأدنى، من خلال جهد بشري، له خصائصه الإيمانية والعلمية والتطبيقية في هذا المجال أو ذاك. إنّ اتباع الحق أو ما هو أقرب إليه واجب المؤمن لا مجال للتفلت منه. وتحري الحق أو ما هو أقرب للتقوى والأمانة والعدالة، يحتاج إلى رد الأمور كلها إلى منهاج الله رداً أميناً، رداً يقوم على الإيمان والعلم والقدرة والاختصاص. وهذا الرد يحتاج إلى علم منهاج الله وعلم بالواقع والقضية وخبرة في الممارسة والتطبيق. ومن خلال هذاالرد إلى منهاج الله ينشأ الدليل الذي يدعم رأياً أو عدة آراء. فكل موقف أو رأي لا يتفق مع منهاج الله فهو رأي مستبعد مرفوض مهما حمل من زخارف الرايات والشعارات. والقول بالبيّنة والدليل لا يعني بالضرورة وجود النص المطابق لهذه الحادثة أو تلك، ولكنه يعني وجود النص الذي يرتبط بهذه الحادثة أو تلك ارتباطاً يعين على سلامة الممارسة، وأمانة الاستنتاج، وصدق الرؤية. وقصة معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه رسو ل الله e إلىاليمن فسأله رسول الله e فأجاب معاذ ﵁ بأنه يحكم بالكتاب فإن لم يجد فبالسنة فإن لم يجد يجتهد برأيه ولا يألو. فهذا الاجتهاد واضح أنه يقوم على القرآن والسنة وفهم الواقع والقضية فتحري الحق أو ما هو أقرب إليه يدور كله حول وجود هذا الميزان الثابت العادل الذي يتسع لكل قضايا الإنسان والعصور والأجيال. إنه هذا الجهد البشري في هذه الممارسة يمثل صورة من صور الابتلاء الذي يمتحن الإيمان ويمحص القلوب، ويختبر العلم والقدرات. ٥ـ من خلال هذه الممارسة في الشورى، وهذا الابتلاء والتمحيص قد تنشأ عدة آراء مؤمنة صادقة لا رأي واحد. وذلك نتيجة للتفاوت في المواهب والقدرات، والاختلاف في الفهم والتقدير. إنها طبيعة الاختلاف القائمة في سنة الحياة، وممارسة الإنسان. إنه أمر طبيعي.

стр. 429

فإذا اتضح الدليل الأقوى والحجة الأبين في رؤية الحقيقة والعدالة فإنه واجب الاتباع يمضيه المسئول سواء كانت معه الأكثرية أو الأقلية، وما دام هذا الأمر في نطاق مسئوليته وأمانته. ونطاق المسئولية والأمانة محددة في إطارها العام في منهاج الله. ولكن الصياغة التنفيذية تحدد تفاصيل هذه المسئولية والأمانة لكل مستوى من المستويات. وتظل هذه السياغة جهداً بشرياً قابلاً للنمو والنضج مع مداومة الممارسة واستمرار الجهد ولا يمضي المسئول رأياً دارت حوله الشورى إذا لم يحمل معه الحجة والبيّنة وإذا لم يتم رده إلى منهاج الله رداً يستوعب الشروط الإيمانيةكلها. ولكم كان الخلفاء الراشدون يلجأون إلى الله دعاءً وابتهالاً، وصلاةً واستخارةً، وكم كانوا يجهدون فكراً وتدبراً، ودراسة وتمحيصاً حتى يتلمسوا وجه الحق هنا أو هناك والله يهدي عباده المؤمنين وهم يجهدون ويجاهدون، ويدرسون ويتدبرون، ويدعون ويبتهلون، ويعبدون ويستخيرون. ٦ـ إن الشورى المؤمنة، وهي تمتد في حياة الأمة المؤمنة، تصبح مدرسة تصقل المواهب، وتنمي الزاد، موهبة الإيمان وزاد التقوى. إن الشورى في ممارستها الحقيقية مدرسة عظيمة في حياة الفرد وحياة الأمة. ٧ـ ومن ناحية أخرى فإن الشورى المؤمنة تحتاج إلى رعاية وتدريب، ومراقبة وتوجيه، أثناء الممارسة الإيمانية وبذلك تكون هي مصدر تدريب وإعداد من ناحية، وتحتاج إلى تدريب وإعداد من ناحية أخرى. إن كثيراً من قواعد الإيمان تحتاج إلى هذه الرعاية من مدرسة الإسلام حتى تصدق النفوس عليها. ٨ـ عند ممارسة الشورى في أي مستوى، أو أي مجال، فإننا لا نمارس قاعدة إيمانية واحدة ولكننا نمارس الإيمان بقواعده المترابطة المتناسقة. إننا نمارس صدق الأخوة، وخالص النصح، وطيب الكلمة، والابتعاد عن الغرور والكبر والغلو والتفريط، ونمارس السمع والطاعة، ونمارس قواعد كثيرة أخرى يستدعيها الموقف المعين من كظم للغيظ أحياناً، ومن سماحة ولين، أو قوة وشدة، أو رحمة ورأفة، أو أمر بمعروف ونهي عن منكر ... وهكذا فإن ممارسة الشورى هي ممارسة واسعة للإيمان. ولذلك تحتاج إلى إعداد وتدريب، ومراقبة وتوجيه، حتى تجمع ممارسة الشورى هذه القواعد الإيمانية الممتدة في موازنة أمينة، ونهج نظيف، ووضوح مشرق. إنها تكون بذلك قاعدة من قواعد مدرسة الإسلام، وجامعة القرآن، وساحة الإيمان. ٩ـ تمتد ساحة الشورى حتى تشمل الأمة المؤمنة أو معظمها، وتضيق حتى تشمل أفراداً. ويحدد ذلك عدة أمور أهمها: الواقع البشري، القضية المطروحة، ظروف الأمة المؤمنة وحالاتها الطارئة، الطاقة البشرية المتخصصة والمؤسسسات الإيمانية المتخصصة، والتنظيم الإداري، ومستويات المسئولية والأمانة، كل ذلك من خلال منهاج الله وعلى أساس هديه ونوره، والطاقة الإيمانية العاملة في الأمة. ولكن الشورى لا تسقط عن الأمة المؤمنة أبداً مهما ضاقت بها الظروف أو اشتدت بها المحن. ومن هنا تكون مسئولية الجهد البشري المؤمن أن يتجاوب مع كل ظروفه ليلبي داعي الشورى المؤمنة وفقاً لقواعد منهاج الله فلا تتعطل أبداً، ولا تتعطل المواهب. ١٠ـ الشورى جهد ودراسة ومعاناة. إنها أمانة. إنها من أخطر صور الأمانة. إنها لا تخرج نتيجة استرخاء وراحة، وإمعة ولا مبالاة. إنها مسئولية في الدنيا والآخرة. إنها توجب أن لا يخرج الرأي إلا مستكملاً لعناصرة الإيمانية، حتى لا تتحول إلى فتنة وفساد، وفرقة وشقاق. ١١ـ للشورى أهلها ورجالها يتميزون بخصائص إيمانية توّفي الجهد والمسئولية والأمانة. وهذا يستدعي في المجتمع المؤمن أن يعرف المؤمن حدوده فلا هو يتجاوزها بطغيانه وكبره، ولا هو يقصر عنها بلهوه واسترخائه.

стр. 430

١٢ـ إن ممارسة الشورى في أي مرحلة أو عصر أو مستوى تحتاج إلىصياغة تنفيذية تحقق من خلال ممارستها أهداف الشورى ووسائلها، وأساليبها، ومنطلقها، وتظل هذه الصياغة التنفيذية نامية قوية، في أمة نامية قوية، تنمو وتنبغ كما تنمو الأمة وتنبغ، وتقوى وتسود كما تقوى الأمة وتسود. وتمضي في نموها، ونبوغها وقوتها، وسيادتها، تحافظ على جميع خصائص الإيمان، وأسس الشورى الإيمانية، وقواعد الممارسة الإيماينة، سواء في الصياغة أو الممارسة. ١٣ـ حين نقول: إن الشورى الإيمانية تقوم أولاً وقبل كل شيء على قواعد المنهاج الرباني، فإن المنهاج الرباني يمثل النهج العام والتخطيط الكامل، لكل عصر، أو قوم، أو جيل ومع هذا النهج العام والتخطيط الكامل يجب أن يكون للدعوة والأمة نهجاً مرحلياً وتخطيطاً واقعياً، وينبع من النهج العام والتخطيط العام، ينبع من منهاج الله ويناسب الواقع الذي تعيشه الدعوة أو الأمة. وهذا النهج المرحلي يجب أن يكون لكل ميدان، وكل ساحة، وكل اختصاص، وكل ممارسة، وكل وجه من أوجه النشاط. ولقد رأينا ذلك في سيرة الرسول e والخلفاء الراشدين. وهذا النهج المرحلي بخصائصه الإيمانية يكون قاعدة من قواعد الشورى المؤمنة، وضرورة من ضروراتها. ١٤ـ إن الاختصاص العلمي ضروري وواجب في حياة الأمة الإسلامية أو الدعوة الإسلامية. ويجب أن يمتد التخصص العلمي إلى جميع آفاق النشاط البشري من اقتصاد، واجتماع، وسياسة، وشئون عسكرية، وطب، وهندسة، وجيولوجيا, وعلوم الفضاء، إلىكل فرع، وكل اتجاه. إن هذا التخصص العلمي الممتد، القائم على أساس العلم بمنهاج الله، والعلم بالواقع، يجب أن ينتظم في حياة الأمة في مؤسسات تقوم على ممارسة الشورى وممارسة النهج والتخطيط، وممارسة نمو الجهد البشري الذي يرعاه الإيمان ويغذيه منهاج الله. ١٥ـ وبذلك لا تصبح الآراء في ميدان الشورى، آراء ارتجال، أو جهل أو ظن، أو هوى. إنها آراء تنطلق من جهد ومعاناة، وبحث ودراسة، وعلم وخبرة يقوم كله علىالإيمان ويحوطه منهاج الله. ١٦ـ وكذلك تصبح الشورى تضم صلاحيات ومسئوليات، حقوقاً وواجبات، حدوداً وميادين، تضم هذا كله بصورة متوازنة لأنها كلها مرتبطة بميزان ثابت، غير متفلتة من منهاج الله، محتفظة بكل خصائص الممارسة الإيمانية. يعرف كل فرد في الأمة أو الدعوة وسعه، وطاقته، وحدوده واختصاصه، ومنزلته ومكانه. وهو يعرف كذلك منازل الآخرين ومكانهم، وحدودهم واختصاصهم، ووسعهم وطاقتهم. وبذلك تتم الممارسة الإيمانية على موازنة عادلة أمينة، بقدر ما تحمل معها من عدالة الإيمان, وأمانة العلم، وصدق التجربة. والأمة التي لا يعرف أفرادها حدودهم ولا حدود غيرهم، والأمة التي لا يتدرب أبناؤها علىمعرفة منازلهم ومنازل غيرهم، الأمة التي تفقد هذه الخصائص، أولى بها أن تضيع مواهبها، وتموت كفاءاتها، وتتمزق قدراتها، في أجواء: الكبر والغرور، التحاسد والتناجش، التباغض والعداء، الظن والافتراء، الكذب والاعتداء، التناحر والتطاحن، الفتنة بعد الفتنة، الظلام بعد الظلام، يصنعونه بأنفسهم، ويُغذيه الشيطان... حتى تهدر الطاقات في حمى صراع مجنون، أو تيه ضياع وفتون. ١٧ـ إن للشورى أهلها ورجالها الذين يتميزون بخصائص إيمانية حقيقية لا تقوم على أي أساس جاهلي، إقليمي، عائلي، قومي... ولا على أساس هوى ومصالح، ولا على أساس ظنون وتخمين. إن خصائص أهل الشورى الإيمانية يجب أن تكون قوية بارزة، ظاهرة معلومة، حتى تستطيع بخصائصها الذاتية أولاً أن تطرد كل أساس جاهلي أو هوى ومصالح، أوظن وتخمين. والخصائص الإيمانية لأهل الرأي والمشورة تدور كلها حول ثلاث قضايا أساسية:

стр. 431

• الإيمان على ظواهره البيّنة المعلومة للناس، إيماناً يمثل ممارسة وجهداً وبذلاً. • العلم بمنهاج الله، والوعي بالواقع الذي يجري، علماً يبرز من خلال الممارسة والتطبيق. • الموهبة الذاتية والوسع والطاقة. موهبة صقلتها التجربة حتى برزت، ووسعاً تزود بالممارسة والتقوى والعلم حتى اتضح وبان. وأي ميزة أخرى فإنها يجب أن تنبع من هذه الميزات. ١٨ـ ومع ذلك فإن أهل الرأي قد يمتدون حتى يشملون الأمة كلها، في أمر جامع... وقد يضيق أهل الرأي حتى يكونوا رجلاً أو رجلين، أوعدة رجال... ولقد رأينا كيف كان الرسول e يستشير أبا بكر، أو عمر، أو كليهما، وحيناً يستشير السعدين، وحيناً يحصر الشورى بالمهاجرين، وحيناً بالأنصار، وحيناً آخر بالأمة كلها في أمر جامع. واليوم تحدد هذه الصورة على ضوء الصياغة الإيمانية النابعة من منهاج الله، والملبية لحاجات الواقع البشري المتجدد. وأهم ما يبرز في عصرنا الحالي مما يناسب هذا الموضوع هو قيام المؤسسات الإيمانية المتخصصة، التي تستطيق أن توفر الجهد والبذل والمعاناة، لتقدم الرأي الناضح المدروس مستكملاً لشروطه الإيمانية. ١٩ـ وكذلك فإن "الرأي العام" عنصر من عناصر التأثير في أجواء القرن العشرين بما يحمل من طاقات الدعاية والإعلام. وهو عنصر يؤثر في أجواء الشورى، وأجواء الشورى تؤثر فيه. فلا بد للأمة المؤمنة أن يكون لها رأياً عاماً مؤمناً، يتمتع بخصائص الأيمان، حتى تنهار كل جهود المنافقين، والمرائين، والأعداء والمفترين، والمفسدين. تنهار كل جهودهم أمام حصون الرأي العام المؤمن الذي له عقيدته وإيمانه، وله ميزانه، وله حدوده وله روابطه ووشائجه، وله شيوخه ووجوهه، كل ذلك علىأساس إيماني، رباني، قرآني. إنه "رأي عام" لا يبنى بلحظة، ولكن تبنيه الممارسة الإيمانية الشاملة، الممارسة الإيمانية الجامعة، زمناً غير يسير، يحمل التجربة الصادقة التي تتجمع بعد تمحيصها وردها إلى منهاج الله، لتصبح زاداً للعالمين، وسلاحاً للمجاهدين. فلا تضيع تجربة، ولا تطوى خبرة، لا تضيع ولا تطوى في أجواء الضياع والحيرة والظنون والشكوك، والقيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. ٢٠ـ إن أي صياغة إيمانية للشورى يجب أن تواكب الدعوة مع بدايتها وأن تستوفي منذ اللحظة الأولى جميع الخصائص الإيمانية، بقدر ما تحتاجه تلك المرحلة أو اللحظة. ثم تمضي الممارسة الأيماينة لتنمو وتمتد من خلال الجهد البشري النامي في ظلال الإيمان، وعلى أسس المنهاج الرباني. تنمو الممارسة الإيمانية وتنمو كل ميادينها، وتنمو الصياغة الإيمانية للشورى أيضاً، نمواً يلبي كل حاجات الواقع المؤمن، وأجواء الإيمان. ٢١ـ إن الصياغة الإيمانية للشورى، يجب أن توفر خصائص الشورى الإيمانية من جميع جوانبها، وأن تستكمل قواعد الشورى الإيمانية، على نسق إيماني، ونهج إيماني، وأهداف إيمانية. إن الصياغة يجب أن توضح المنطلق، والنهج والسبيل، والهدف والغاية، توضيحاً يحمل الاطمئنان إلى صدق ذلك كله، وإلى التزامه الإيماني البين، وإلى صدوره عن منهاج الله قرآناً وسنة. إن الصياغة يجب أن لا تدع مجالاً لريب، أو فرجة لشك، أو احتمالاً لزيغ، بالنسبة إلىالالتزام الإيماني. ٢٢ـ لقد عرضت سورة الشورى معظم الخصائص الإيمانية للشورى، عرضاً مستوفياً للمرحلة التي كانت تمر بها الدعوة في مكة المكرمة، حين لم تكن هنالك دولة الإسلام، ولم يكن قد نهض له سلطان. وهذا العرض في تلك المرحلة يوحي لنا بأهمية الشورى، وعظمة منزلتها، في الدعوة الإسلامية في الإيمان نفسه، في السلوك والنهج، في التربية والإعداد، في حياة الفرد أو الجماعة والأمة.

стр. 432

منهج ابن تيمية في الدعوة المؤلف/ المشرف: عبدالله بن رشيد الحوشاني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار إشبيليا ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٧هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: ابن تيمية - ترجمة كاملة أو دراسة منهجية الخاتمة الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وأشكره على أن وفقني على إتمام هذا الجهد العلمي المبارك إن شاء الله، والذي أتاح لي أن أعيش في سويداء المكتبة التيمية لمدة خمس سنوات، وقد تمكنت من قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية بعضها قراءة دقيقة، وبعضها قراءة استطلاع ونظر. وكنت حريصاً على تدوين كل ما أجده يخدم الدعوة في أي جانب من جوانبها حتى ولو لم يكن داخلاً في موضوع الرسالة، فتكّون لدي والحمد لله ثروة نصية من مؤلفات ابن تيمية في عدد من المواضيع سوف أعمل جهدي على أن تكون بين يدي القارئ إن شاء الله تعالى. وكان من أعظم ثمرات هذا الوقت في المكتبة التيمية أنني خرجت بتصور كبير ينشرح له الصدر عن منهج السلف في الدعوة إلى الله تعالى وما يلزم للداعية في الجوانب العلمية والعملية. وهذه الرسالة التي بين يديك تكشف لك هذا المنهج بجوانبه النظرية والعملية. وأرى من المناسب أن أضع بين يديك بعض ثمرات هذه الرسالة: أولاً: الباب الأول: فيه كثير من جوانب المنهج النظري العلمي للدعوة إلى الله تعالى عند ابن تيمية ومما جاء فيه: ١ـ التأكيد على اللغة العربية وأنها مهمة بين المسلمين لفهم الكتاب والسنة، وتبين لنا أن من أبرز أسباب الاختلاف بين علماء المسلمين وطوائفهم غير المشبوهة هو عدم فهم لغة القرآن ولغة الرسول e ولغة الصحابة رضوان الله عليهم، وقد رسم منهجاً للاستدلال وفهم الأدلة. ٢ـ الاستدلال يكون بالأدلة النقلية والعقلية والدليل العقلي هو دليل شرعي والذي يقابل الدليل الشرعي هو الدليل البدعي. ٣ـ فهم الأدلة يكون وفق لغة من صدر منه الدليل. ونستطيع تحديد لغته بالرجوع إلى اللفظ في كل موطن ذكره وننظر لأي شيء كان يستعمله، ونحدد دلالته في لغة المتكلم به، فإذا ورد هذا اللفظ من قوله علمنا مراده به. ٤ـ ويكون فهم لفظ المتكلم في عصره الذي عاش فيه لأن الألفاظ والمصطلحات قد أضيف إليها معاني لم تكن عند السلف، أو تبدلت معانيها عما كان عليه السلف، فلما جاء الخلف لتقرير الحقائق العقدية وغيرها فهموا المصطلحات على ضوء ما عندهم من المعاني، ظانين أن السلف كانوا يستعملون المصطلح لهذا المعنى، وهذا سبب أن كل من ضل عن منهج السلف كان يظن أنه على منهجهم لأنهم استعملوا نفس مصطلحاتهم. ٥ـ ونتج لنا أهمية العناية بالمصطلحات والألفاظ وتحديد معانيها، لأنه استطاع أقوام أن يدلسوا على المسلمين باستعمال ألفاظ إسلامية لمعاني فلسفية، وكثيراً ما كانوا يستعملون الألفاظ والمصطلحات الإسلامية ذات المعاني المشتركة والدلالة المجملة. فإذا كانوا عند من لا يدرك المعاني الإسلامية ويمكن أن يقبل منهم أظهروا له ما يريدون من المعاني المخالفة لما تدل عليه هذه المصطلحات عند المسلمين. ٦ـ وتقرر أنه لا يحل نزاع الأمة إلا كتاب منزل يحتكم الجميع إليه لأنه هو المهيمن، والعقول لا يمكن أن تفصل النزاع لأنَّ لكلِّ عقلاً، وليس هناك عقل معصوم من عقول سائر الناس يمكن اللجوء إليه لِفَضّ الخلاف. فلا بد للدعاة إذا أرادوا أن ينهوا نزاع الأمة ونزاع جماعتها أن يكون ميزانهم الكتاب والسنة. ٧ـ ومن المميزات البارزة في هذه الدعوة: الشمول لأنواع العلوم والمعارف، ولجوانب الفكر كلها، وكذلك الشمول لأنواع المدعوين من المسلمين وغير المسلمين، حاكمين، ومحكومين، فجاءت دعوته تجربة رائدة ذات خبرات ميدانية واسعة، مما جلعها عظيمة النفع للدعوات الإصلاحية.

стр. 433

وهذا الشمول جعلنا نجد له نظريات وآراء في أغلب ميادين الحياة. فصار ليس غريباً أن تجد كل حركة إصلاحية ما تبغيه من ابن تيمية فتقبس منه قبسة أو قبسات تسترشد بها في مسيرتها. ٨ـ التميز وحسم القضايا والوضوح في الأهداف والمقاصد. وإعلان موقفه من كل المخالفات التي في المجتمع الإسلامي، أو في الدولة سواء في مصر، أو الشام. ومعالجة تلك الأدواء بعد أن تتبع أسباب حدوثها، كل هذا وغيره جعل دعوته تسلم من الغموض والتذبذب، ومن ثم صارت أمام الناس في عصره وبعده إلى يومنا هذا واضحة المعالم مضيئة الأركان والجوانب، من كان له قلب سليم قبِلها، ومن له قلب مشرب بالبدع والأهواء أو النفاق خاصمها ونابذها العداء. ٩ـ المرأة جزء من هذا المجتمع الذي يلزم دعوته والعناية به، بل إصلاحها له أهيمة قصوى في إصلاح المجتمع، فتحصّل في هذه الرسالة قواعد منهجية، ونظريات واقعية، ودراسات نفسية للمرأة، ينتظم من خلالها إرساء خطة عملية قويمة لإصلاح المرأة، وأعظم بداية لهذا الإصلاح أن يكون منذ الصغر في فترة القوة التقليدية غير المستبصرة. وأكّد على أن إصلاح المرأة لا يتم بمعزل عن إصلاح الرجل، بل إن عمليتي الإصلاح تسيران معاً نظراً لوجود الارتباط العاطفي والقلبي، والاجتماعي بين هاتين الفئتين المكملتين لبعض. ١٠ـ قدم دراسة عظيمة القدر عن الأسباب والمسببات، مما يعطي أهمية كبيرة لمعرفة الداعية للمؤثرات وما ينتج عنها، فيكون لديه البصيرة في وقاية الأمة ومجتمعاتها من الأدواء والفتن، ويجنبها مخاطر الانزلاقات المفسدة، والمهلكة. ١١ـ مما أبرز دعوة ابن تيمية وجعلها قوية التأثير تلك النظرة الواقعية للإنسان والمجتمع والحياة كلها، يضاف إلى هذا سعة الأفق في التعامل مع النصوص الشرعية وربطها بالواقع، والحرص على جلب المصالح ودرء المفاسد، ووضع منهجاً يتم به التعامل مع هذا الإنسان لإصلاحه فجاء هذا المنهج مؤسساً على وعي، ومعرفة واسعة بطبيعة النفس البشرية وما يكتنفها ويؤثر في تصرفاتها من داخلها وخارجها. ١٢ـ ابن تيمية من العلماء القلائل الذين اهتموا بمسألة الفروق الفردية بين الناس، فكان ﵀ مدركاً لها، وقد أسس تعامله مع الناس على ضوء اعتبار هذه الفروق الفردية وهذا منهج من مناهج السلف ﵏ تولاه ابن تيمية بالدراسة، والإيضاح، وأبرزه إلى واقع الدعوة بسلوك عملي. ١٣ـ نظراً لمعرفة ابن تيمية بالطبيعة البشرية، وإدراكه للفروق الفردية، وتوزع القدرات بين الناس، فإنه خرج بنظرية دعا إليها الدعاة والعلماء وعموم الأمة وهي: تقسيط الدعوة بين أفراد الأمة. فكل فرد أو جماعة من الأمة يحمل من واجب الدعوة حملاً على حسب قدراته، وإمكاناته، وما أودعه الله فيه من مواهب، ويصبح ما التزمه مما يحسنه في جانب الدعوة في حقه ألزم وأوجب، ولا بد أن يكون كل من حمل واجباً من الواجبات مقدراً أن هذا ليس هو كل الواجب فيشعر بحاجته إلى إخوانه الآخرين، وبهذا تتكامل الأمة، ومن مجموع هذه الواجبات المقسّطة بين هؤلاء يتكون مجموع متكامل للدعوة. ١٤ـ قرر الاهتمام بالبدائل لأن النفوس إذا منعت من شيء لا تبقى فارغة لأنها خلقت لتعمل لا لتترك، فإذا لم يُقدم لها البديل النافع فإنها قد تشتغل بضده، وقد تعمل بأسوأ مما منعت منه. ١٥ـ قدم نظرية للدعاة عندما يريدون مخاطبة المدعوين، فعليهم أن يراعوا أصول الحسنات وأصول السيئات، فعند الأمر بفعل الحسنات يأمر بالأصول التي فعل واحد منها يترتب عليه فعل كثير من الفروع، وأثناء ذلك يقدمونها بالتدريج فلا يهجموا على قلبه بالتكاليف، والأوامر، والمطالب.

стр. 434

١٦ـ المدعو يعيش في ظرف مكاني، وظرف زماني، وهذان الظرفان يختلفان بما يحيطهما ويوجد فيهما. والداعية لا بد أن يكون على علم بالمكان الذي يدعو فيه، ويقدر الزمان الذي يعيش فيه، فلكل زمان دولة ورجال، ولكل ماكان إمكاناته وأحواله. وبناءً على هذا فإن ما يصلح في مكان، قد لا يصلح في آخر، وما يناسب في زمان قد لا يناسب زماناً آخر. وهذا يحتم النظرة الواقعية التي يتم بها مراعاة ظروف الزمان والمكان، حتى تسير الدعوة سيراً سليماً يتم به تحقيق المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. ثانياً: الباب الثاني: أوضحت الرسالة منهج ابن تيمية في الدعوة إلى العقيدة والعبادة، وأنه ركز في دعوته على الأصول ومن أبرزها العقيدة، والعبادة، والأخلاق. وكان هناك العديد من المبررات لقوة توجه ابن تيمية في دعوته إلى هذه الأصول، حيث تأثيرها في تفكير الإنسان، وتصرفاته، ورفضه، وقبوله، وسلوكياته مع الآخرين، فالمحافظة عليها في نسق علمي وعملي سليم يؤدي إلى انضباط متكامل في حياة الفرد والجماعة. كما أن هذه الأصول بينها ترابط في التأثر والتأثير في بعضها البعض، فإصلاح أحدها يشكل إصلاحاً كلياً أو جزئياً للآخر. واستطاع ابن تيمية أن يبرز قواعد منهجية منبثقة من نصوص الكتاب والسنة في شبكة العلاقات بين الدعاة المصلحين وبين فئات الأمة المسلمة وبين أهل الذمة المقيمين في كنف الدولة الإسلامية، وقدم في ذلك منهجاً نظرياً، وتطبيقاً عملياً لهذا المنهج من خلال مسيرته الدعوية. وهذا كله مبثوث ومفرق في العديد من كتبه، وقد عملت هذه الرسالة على تجميع هذا الشتات وتقديمه بطريقة تخدم القارئ وتختصر المسافات الزمنية التي يحتاجها للجولة على تلك الكتب. ومما تناولته هذه الرسالة في مجال منهج التعامل الأخلاقي: أـ مع العلماء والشيوخ. ب ـ مع العامة. ج ـ مع ولاة أمور المسلمين. د ـ مع أصحاب البدع والمنكرات. هـ ـ مع غير المسلمين. وقد سبق ذلك مقدمة هي عبارة عن قواعد ونظريات منهجية، الأخذ بها يكلل الجهود بالنجاح في أقل فترة زمنية، إضافة إلى أنها تكشف للمصلح عن معان دقيقة في تركيبة النفوس البشرية، وتلقي الأضواء عليها لتكشف عن أبوابها ونوافذها للدخول إليها منها. ومن القضايا المنهجية التي أبرزتها هذه الرسالة قواعد ونظريات التعامل مع علماء الأمة الذين هم أصحاب القدرة العلمية وهم من خلفاء الرسول e وهم من ولاة أمر المسلمين، وهم المكونون لاتجاه الأمة العقدي، والفكري، والمؤثرون عليه. فمنزلتهم ومكانتهم في الأمة ومصيرها ذات شأن كبير، فلا بد أن يكون للدعوة منهج للتعامل معهم بما يليق بهذه المكانة، ويحقق المنافع للمسلمين، ويبعد المضار. وجاء هذا المنهج الذي حدده ابن تيمية معتمداً على معرفته بالمسارب النفسية مع اعتبار عدد من المؤثرات الداخلية في كل منهم، والخارجية في المجتمع، وحساب دقيق لكل هذه المؤثرات، يضاف إلى هذا رصيد التجربة الميدانية التي عمقت لديه بعض النظريات كما كشفت له حقائق لم تكن مسلمة لديه من ذي قبل. وكل هذه الجوانب جعلت منهج ابن تيمية في التعامل مع العلماء فريداً يتسم بالإيجابية، والمرونة، والصراحة، والوضوح، ويكلل ذلك العدل، والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه. وتناول الحكام أو الولاة بشكل عام بالدراسة فقدم نظريات نادرة تستند على علم بطبائعهم، وأحوالهم النفسية، والدوافع وبواعثها. كما أنه ذكر المواقف التي تصدر منهم وضدهم وقدم آراء فيها، واضعاً تحت المجهر بدايات هذه الأمور وما تؤول إليه. وبعد ذلك قدم منهجاً للتعامل مع هذه الفئات من أجل تحقيق الخير لهم وللمسلمين، ومن أجل تحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.

стр. 435

وقدم آراءه في الموقف الأسلم فيما يصدر من هذه الفئات من المخالفات والتجاوزات علىأحكام الشريعة، وأبدى تجارب الدعاة السابقين من أهل الغيرة على الدين من الذين أدت بهم غيرتهم إلى الصدام مع السلطة، وأنها لم تحقق النتائج التي أرادوها، فزاد الظلم وقتل كثير من الأخيار. وكان ابن تيمية يركز على الطلاب النابهين الذين يرى عليهم مخايل النبوغ والجد والعزيمة والإرادة، فكان يحرص على هؤلاء ويلازمهم ملازمة يتأكد بها أنه أعطاهم ما يعصمهم من الانفلات عن منهج السلف، ونظراً لمعرفته التامة بأن الفروق الفردية أمر واقع بين الناس، وأنه يلزم مراعاته في منهج الدعوة أثناء التنظير والتنفيذ، فإنه قسم تلاميذه إلى قسمين: الأول: تلاميذ عامون: وهؤلاء الذي يحضرون دروسه العامة. الثاني: تلاميذ خاصون: وهؤلاء يحضرون الدروس العامة وكان يخصهم بدروس خاصة في منزله يقول فيها ما لا يقوله عند من لا يثق بقدرتهم على الفهم من عموم التلاميذ. ويطالب هؤلاء ما لا يطالب به الصنف الأول. والتلاميذ الخاصون هم الذين حملوا أفكاره وآراءه العلمية والعملية ونشروها في تلاميذهم وفي العديد من البلدان التي عاشوا فيها. وعامة المسلمين لا يستجيبون إلا لمن أثر فيهم بسلوكه وأقواله في فعله، وفعله في قوله، وإذا كان فيهم فهو أب شفيق، وأخ رفيق، وصديق حميم، إذا جاءت الضراء فإذا هو في مقدمتهم يكافح وينافح، وإذا جاءت السراء فإذا هو أخرهم يؤثرهم بها، ويترفع عنها. دوماً معهم صاحب يد عليا تعطي ولا تأخذ. وإذا أراد نقلهم من سلوكهم المألوف وطبعهم المعروف، تحيّن الوقت المناسب وقدم لهم ما يحبون من أجل أن يصل إلىما لا يحبون، ومزج لهم مع المرة الحلوة حتى تذهب مرارتها، يراعي فيهم ما كوَّنهم الله عليه من الفروق الفردية، والقدرات العقلية والبدنية فيعطي كلاً ما يناسبه. ويراعي عدم إعطائهم ما لا تقدر عليه عقولهم من الحق حتى لا يكون لهم فتنة فيكذبوا الله ورسوله. وأصحاب البدع والمنكرات في نظره مرضى مستحقون للعلاج، ويلزم السير معهم في مسالك متعددة لإشعارهم أنهم مرضى، وأنهم محتاجون للعلاج، وهو يختلف من شخص إلىشخص، فما يصلح لهذا قد لا يصلح لذاك، ويجب النظر في المصالح والمفاسد ومراعاة الظروف والواقع الذي يكتنف الداعية والمدعو، فإذا كان الهجر للمتبدع وصاحب المنكر من أنواع العلاج الشرعي فإن فعله لا بد فيه من النظر إلى قدرة الداعية على تحقيقه من دون أضرار تزيد على المصالح، وكذلك النظر إلى المهجور ومدى انتفاعه بهذا العلاج، فإن كان شره يزيد بالهجر فما أصبح علاجاً فيلزم تركه. وغير المسلمين من أهل الذمة في داخل الدولة الإسلامية، أو الذين لا ذمة لهم، هؤلاء من أمة الدعوة الذين يلزم إيصالها إليهم بطرق يزيل ما لديهم من شبهات، كمناظرتهم، ومجادلتهم حتى يتبين لهم أن الإسلام هو الحق. وقد وضع ابن تيمية لدعوة غير المسلمين منهجين: الأول: منهج يُدعى به من كان من أهل الكتاب. الثاني: منهج يُدعى به من ليس لهم كتاب من المشركين وسائر الكافرين. وإذا كان هؤلاء الكفار لهم وجود ودول، فإن الداعية يكون له احتكاك بهؤلاء، فما هو الشيء الذي يلزم أن يفعله، والمنهج الذي يسير عليه في التعامل معهم؟ هذا ما كشفته هذه الرسالة وجمعت شتاته لتضعه بين يدي القارئ. ثالثاً: الباب الثالث: الأساليب والوسائل:

стр. 436

استعمل ابن تيمية أساليب كثيرة ليوصل دعوته من خلالها إلى المدعوين، واتخاذ هذه أمر لازم، فإن أي أمر من الأمور هو عبارة عن فكر أو منهج يحتاج في تنفيذه إلى وسيلة أو عدد من الوسائل والأساليب، واتخاذ الوسائل في الدعوة هو من الأسباب التي أمر الشرع بالأخذ بها، وتعطيل الأسباب أن تكون أسباباً قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع. والوسائل والأساليب التي اتخذها ابن تيمية في دعوته كثيرة وقد تناولت الرسالة بعضها: أـ الأساليب: ١ـ القدوة: أبرزت آراء ابن تيمية في أهميه هذا الأسلوب، وأهمية ما ركب عليه ابن آدم من التأثر في المجتمع الذي يعيش فيه ويخالطه، واعتمد في ذلك على أدلة نقلية وعقلية وحسية. والصورة المشاهدة تؤثر في الإنسان أكثر من تأثير الكلمة، وهذا ما جعل الإسلام يؤكد في حصر القدوة في النبي e، والنبي e حصرها في اثنين من أمته وهما: أبو بكر، وعمر ﵄. ونظراً لهذه الاستجابة السريعة في التأثر فإن ابن تيمية يؤكد على ضرورة إبعاد المدعوين عن الاختلاط بغير المسلمين، أو أصحاب البدع والمنكرات. ٢ـ الجدل والحوار والمناظرة: والحديث في هذا الأسلوب تناولته الرسالة ببيان: المنهج العلمي، وهو عبارة عن عدد من المسائل في قواعد وآداب الجدل والمناظرة، والمنهج العلمي التطبيقي الذي سار عليه ابن تيمية في جدله مع الخصوم وغيرهم، وكان ابن تيمية في هذا كما كان في الذي قبله قدوة باهرة، وآية من الله ظاهرة، وحجة على الخصوم قاهره، كشف الله به أسرارهم، وهتك به أستارهم، وأبان به ما كانوا يبيتون. والجدل في المنظور التيمي لا يدعى به، إنما هو مما يدفع به صيال من يصول على الدعوة والدعاة بالأهواء والشبهات. ٣ـ الفتاوى: تشكل جزءاً كبيراً من مجال الإصلاح سواء منها المشافهة أو المكتوبة، والمكتوب منها انتشر في الجهات انتشار الضوء في الظلام، فأقضّت مضاجع أصحاب البدع والأهواء. خصوصاً أنه استطاع أن يجذب الناس إليه بحسن خلقه معهم وغزارة علمه حتى جعلوه صاحب معضلاتهم ورجل حاجاتهم. وأدت هذه الفتاوى دوراً في الإصلاح، والقضاء علىالبدع. وهذا يؤكد على الدعوات الإصلاحية إعداد مفتين مؤهلين. ب ـ الوسائل: ١ـ الاتصال الشخصي: أوضحت الرسالة الجهود التيمية في الاتصال بشتى فئات المجتمع ومستوياته من أجل أغراض الدعوة والإصلاح، ومن أجل مصالح المسلمين العديدة. وقد اتصل بغير المسلمين من أهل الذمة وغيرهم يدعوهم إلى الإسلام ويرد على أسئلتهم ويفنّد حججهم. ٢ـ الرسائل الشخصية والمؤلفات: وهي سجل لأفكار الدعوة تنتقل إلى أماكن عديدة، فتنقل الدعوة معها عبر قرون متطاولة لتخلد آثار الدعوة في أجيال كثيرين. وهذا التراث التيمي من الكتب والرسائل قام بدور فعّال في تعديل مسار الأمة خصوصاً العلماء، وآتى ثمرات عظيمة أقضّت مضاجع الخصوم حتى استعدوا السلطة عليه بأنه يشكل خطراً على عقائد الناس وآرائهم. ٣ـ الخطابة: من الوسائل التي أوصل بها ابن تيمية صوت الدعوة إلى كل من خاطبهم من علماء وحكام وطلبة علم وعامة. وكانت خطب ابن تيمية تتميز بصدق اللهجة والعاطفة التفاعلية مع الأحداث، وعمق الاستدلال. وهي من وسائل الاتصال المباشر بالمدعوين. ٤ـ الرحلات: لم يغفل ابن تيمية وهو في دمشق ـ عن مصر قلعة الإسلام، خصوصاً وهي تعاني من انتشار بدع الجهمية والصوفية وليس لها من يعارضها ويبين لها ما فيها من باطل. وإقامة الداعية في أي مكان تخضع لعاملين: الأول: قدرته على إظهار شعائر دينه، وأمانه على الضرورات الخمس. الثاني: انتفاع الناس به، وحاجتهم إليه، فإذا كان في مكان أهله محتاجون مع تقبلهم منه فإنه لا يتركهم بحثاً عن غيرهم.

стр. 437

وإذا وجد الداعية نفسه غير مفيد في مكان فإنه ينتقل إلى مكان يفيد منه. وابن تيمية رأى حاجة مصر إلى ما عنده من العلم والهدى أكثر من حاجة الشام فآثر مصر بنفسه علىالشام رغم خطورة هذه الرحلة. وقد حقق ﵀ في رحلاته هذه كثيراً مما كان يتمناه. ٥ـ الجهاد: قام ابن تيمية بأنواع الجهاد كله العلمي والعملي. وكان من أهداف دعوته تهيئة الأمة للجهاد وإيصالها إلى مستوى الثقة بالله ونصره للمؤمنين، وقد تحقق له ذلك، فكان النصر المبين على التتار في موقعة "شقحب" التي يعد بحق ابن تيمية قلبها النابض وشريانها المتدفق. ومن ثمرات جهاده القضاء على أهل الجرد وكسروان وتخليص المسلمين من شرهم وغدرهم. وقد وجد الناس ـ من الحاكم إلى أقل واحد منهم ـ في ابن تيمية حقيقة المؤمن الذي يقول ويفعل، حينما حول النظريات الجهادية إلى واقع وكان هو في مقدمته. ولم تقم قائمة التتار بعد ابن تيمية، فأمنت مصر والشام من الداخل حينما قضى على أصحاب البدع المغلظة من الروافض وغيرهم، وأمنت من الخارج باندحار القوة التترية. ٦ـ الاتصال الجماهيري الواسع: لتعريفهم بالداعي والدعوة وإقناعهم بالتزام مضامينها وهو من الركائز العملية المنهجية التي اختص بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد مارس هذا من خلال العديد من الوسائل ذات الأهمية منها: ـ المساجد: فقد كان يلقي فيها الخطب والدروس وكان يناظر بعض المبتدعة فيها منكراً عليهم ما يفعلونه من بدع يضللون بها الناس. ـ المدارس: فقد تولى التدريس في بعض المدارس في دمشق ومصر. وإذا لم يتولاه بنفسه فإنه كان حريصاً على أن يولي من يثق بكافاءته وسلامة فكره. ـ السجون: وخصوصاً في مصر حيث حوّل السجون التي دخلها في مصر إلى قلاع للدعوة، فلما دخل سجون مصر وجد السجناء في ضياع وقت ولعب ولهو، فجدّ معهم حتى حوّلهم إلى تلاميذ له، وكثير منهم يرفض الخروج من السجن ويرغب البقاء فيه مع ابن تيمية لما وجد من العلم والعمل والخير الواسع. بل إنَّ بعضهم كان يخرج ثم يعود إلى السجن يطلب أن يبقى فيه لأنه فقد الفوائد التي لم يجدها إلا عنده. ـ المجامع العامة: في وقت اجتماع الناس في شأن من الشئون، يهتم معهم بشأنهم، بل يجعل شأنهم شأناً له إذا كان فيه نفع للأمة، كما حدث في لقاءاته مع الجيوش الشامية، والمصرية، ومع قادتها. وبعد: فإن هذا من القضايا البارزة التي تضمنتها الرسالة، ومن العسير جداً أن نختصر هذا الحجم الكبير من صفحات الرسالة بهذه الورقات القليلة في الخاتمة، وكلي أمل أن يكون هذا الجهد العلمي مؤدياً لحقيقة ما كان عليه ابن تيمية، وأن يكون نافعاً لجميع الأمة الإسلامية المباركة في الحاضر والمستقبل. رجاء أن ينفعني الله به في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ويشرفني أن أتقدم ببعض المقترحات والتوصيات أرى أهميتها ونفعها. المقترحات والتوصيات: ١ـ منهج السلف الصالح في الدعوة في جانبي الفكر والعمل يحتاج منا إلى تحديد أطره وإبرازه من أجل تقديمه للأمة بصورة ميسرة يستطيع الإفادة منه الدعاة بشتى ألوان تخصصاتهم العلمية. ومن خلال هذه الرسالة تحققت أن أموراً مهمة في منهج السلف في الدعوة في جانبيه تخفى على كثير من الدعاة إما على وجه التفصيل وإما على وجه الإجمال. وبما أنه قد صدر من جامعاتنا في المملكة بعض الرسائل العلمية، وأيضاً بعض علمائنا له اهتمام في الكتابة في النواحي المنهجية في الدعوة فإنني أتقدم بالإقتراح الآتي: تكون لجنة علمية يتم اختيارها ممن سبق الإشارة إلى إنجازهم العلمي وتهيأ لهم الظروف من أجل الاجتماع لإعداد مؤلف بمسمى "منهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله تعالى".

стр. 438

٢ـ لقد عثرت أثناء مسيرتي البحثية في التراث التيمي على كنوز ثمينة من النظريات والآراء والدراسات التي تدخل في اختصاص كثير من كليات جامعة الإمام وأمثالها من الجامعات، فياحبذا أن تولي هذه الكليات العناية بالفكر التيمي فتوجه الرسائل والبحوث الطلابية إلى تراث ابن تيمية لتستخرج كل فئة منه ما يخصها، ولو كان هذه لسعدت المكتبة الإسلامية بثروة علمية تسهم في الإصلاح. ٣ـ في كلية الدعوة والإعلام يكلف الطلاب في كل فصل دراسي بأنواع من البحوث في جوانب كثيرة، وهذه البحوث لها منزلة في مقررات الكلية المنهجية ولها اهتمام لدى الطلاب. ولذا أقترح أن يربط كثير من هذه البحوث بتراث السلف الصالح ليخرجوا لنا آراءهم ونظرياتهم، وتشخيصاتهم وعلاجاتهم في كل قضايا الأمة وشؤونها وخصوصاً ما يتعلق بالنواحي المنهجية الدعوية. ٤ـ إلى علماء المسلمين الذين ينضوون تحت جماعات إسلامية أو يعملوا بشكل فردي أتوجة إليهم بالتوصية الآتية: أن يكرسوا جهودهم ويضعوا في خططهم التربوية ربط المسلمين بتراث السلف الصالح خصوصاً: العقيدة، والعبادة، ومنهج الدعوة، وهو تراث أصيل يعتمد على الكتاب والسنة وفق فهم الصحابة الأجلاء، وهو أيضاً واسع الأرجاء، غني بالمضامين الحيوية اللصيقة بحياة الأمة العلمية والعملية، وهو تراث يجمع الشمول، والعمق، والمرونة. وإنني لأجزم أن هذا العمل من أكبر ما ترشَّد به الصحوة الإسلامية المباركة في عالمنا الإسلامي الواسع. ولعلي وسائرالذين قدموا في الجوانب العلمية والعملية جهداً من تراث سلفنا الصالح، سهلنا تلك المهمة على علمائنا الفضلاء وقيادات الدعوة والإصلاح في كل مجتمع مسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 439

منهج الدعوة النبوية في المرحلة المكية المؤلف/ المشرف: علي بن علي جابر الحربي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: الزهراء للإعلام العربي - مصر ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٦هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: العهد المكي وقد توصلت من خلال البحث إلى النتائج الآتية: ١ - إن طريق الدعوة ليست مفروشة بالورود فالوصول بهذه الدعوة إلى غايتها لصعب بل في غاية من الصعوبة إنها البأساء والضراء والزلزال؛ إنها تعرض للأذى، إنها الغربة في العقيدة، إنها السجن أو الإخراج أو القتل بشتى أنواعه، فالغرض الوحيد في مخطط القوى المجابهة للدعوة هو القضاء عليها وعلى أصحابها في مهدها. فإذا طال الزمن وبطأ النصر، كانت أشد وأقصى، مع التعرض لفتنة الرغبات والشهوات وفتنة البعد عن الأهل والأحباء، ولكن الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة لا يتم إلا بالمعاناة العملية. فالحق لا يقوم بنفسه بل لا بد من قائمين به، ولا بد من تضحيات في سبيل إقامته ولكن ليس ذلك سدودا أمام السالك عن بلوغ الغاية بل سلوك في الطريق الطبيعي للدعوة إلى الله – فقد مشط الكثير بأمشاط الحديد وأحرقوا بالنار في الأخاديد ولكن العقيدة استعلت في نفوسهم على العذاب وعلى كل رغائب الحياة. ٢ - ينبغي للداعية أن يلفت العقول والفطر إلى الكون وما يحيط بالإنسان من كل الجوانب يعرض آيات القدرة القادرة التي لا يعجزها شيء في السموات ولا في الأرض، في الخلق في الموت، في الحياة، في إحداث الأحداث وتدبير الأمر ... تلك هي منافذ الفطرة التي تلجئها إلى البحث عن الخالق والتوجه إليه. فقد أخذ القرآن الكريم الإنسان من مواطن اهتمامه في الكون ونعم الله عليه، ونقله منها إلى الخالق المنعم، فأكسبه بذلك الاقتناع بمنطق العقل والشعور ليخامر إيمانه النفس فكرا وعاطفة، وأن يعرض الداعية، نماذج مناسبة عن أخبار قوم هدوا فمكن الله لهم في الأرض، وأقوام ضلوا فساءت حالهم وخربت ديارهم ووقع عليهم العذاب والنكال يضرب بهم المثل ويدعو الناس إلى العبرة. ٣ - إثارة الوجدان بالثواب والعقاب، فالإنسان مجبول على حب ما ينفعه وبغض ما يكرهه لما فيه من غريزة حب الذات، فمخاطبة العقول وحدها لا تثير وجدانا، ولا تغذى أرواحا، فالنفس محتاجة إلى الغذاء الروحي كحاجة الجسد إلى الغذاء المادي ثم التوازن بينهما. ٤ - الدخول إلى النفوس لترسيخ عقيدة التوحيد النقية الواضحة التي جاء بها النبي ﷺ ، كل بحسب المؤثرات، فالداعية المسلم ينبغي أن يعرف من أين يبدأ؟ وإلى أين ينتهي؟ فالبدء بالأصل قبل الفرع وبالقاعدة قبل البناء وبالتخلية قبل التحلية وكما يقال: المربي هو الذي يبدأ بتعليم صغار العلم قبل كباره. ٥ - استعمال أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، يا حصين كم تعبد من آله؟ قال: سبعة في الأرض وواحد في السماء. قال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء. فإذا هلك الناس من تدعو؟ قال الذي في السماء. قال فيستجيب لك وحده وتشرك معه غيره. يا حصين أسلم تسلم ..... عرض وأخذ وعطاء وإقناع. (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١٠٨) سورة يوسف، ومع هذا فليس في العقيدة مساومة ولا حلول نصفية فلا يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق .. ولو جازت المساومة لجازت في أحرج الظروف المكية. فالشدة في موضعها لا تتنافى مع أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، بل هي من الحكمة (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أموت دونه ما تركته)

стр. 440

٦ - تقسيم مراحل الدعوة وتنظيمها من حيث السرية والجهرية، بدأ الاتصال الفردي مع مراعاة الأقرب فالأقرب في السر والجهر على السواء. ثم التكوين ويبدأ من دار الأرقم. وينتهي بالمرحلة المكية وكلها تكوين وإعداد. أما التنظيم السري الحركي فما انفك عن الدعوة حتى في المرحلة الجهرية. إلى بيعة العقبة الكبرى إلى المجتمع الإسلامي في المدينة كالتورية في الغزوات وكالحرب خدعة وكتاب النبي ﷺ لعبدالله بن جحش وكان حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول ﷺ . ٧ - لا عمل إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بقيادة، ولا قيادة إلا بتنظيم فالخير لا يكون فلتة عارضة، إنما ينبعث عن دوافع ويتجه إلى هدف يتعاون عليه الأفراد المرتبطون في الله- فتقوم الجماعة المسلمة ذات الهدف الواحد، بأعباء الدعوة إلى الله فالنوايا الطيبة لا تكفي، بل لا بد من أن تتمثل في حركة تكون بناء ضخما في صميم الحياة. ٨ - الصبر والاستمرار في الدعوة في حق من لم يستجب وعدم استعجال النتائج وإن طال الزمن، فالمثابرة على الدعوة والاستعانة على وعثاء الطريق بطول الصبر وحسن التأسي برسول الله – ﷺ وصدق الاعتماد على الله- سبحانه- هو طريق النجاح، إن الدم الذي يراق هو غذاء الدعوة ومحاولة الإفلات من هذه السنة العامة لا يتاح لأحد ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٠) سورة يوسف، فلا بد من توفيق الله تعالى. وكفى بالداعية المسلم المخلص أن يكون الله – معه وهاديه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩) سورة العنكبوت، ثم لا بد للدعوة من سند يهيئه الله – سبحانه- كدفاع أبي طالب والساعين في نقض الصحيفة، والنجاشي في الحبشة حتى وإن كانوا لا يدينون بالدعوة مصداقا لقوله ﵊ (وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر). واستعجال النتائج قبل أوانها لا يتناسب مع طبيعة الدعوة إلى الله فكم لبث نوح في قومه، وكم كم .. غيره من الأنبياء والمصلحين (والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) وقد حدث هذا بالفعل، كما هو معروف في تاريخ الإسلام، ونرجو الله أن يعود هذا عن قريب. إن على الدعاة أن يؤدوا واجبهم، وهو أن يختاروا الله- وأن يؤثروا العقيدة على الحياة وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية، ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان أو إلى غيرها مما يعلمه ويراه. إنهم أجراء عند الله- أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير فذلك شأن صاحب الأمر، لا شأن الأجير. ٩ - استخدام الوسائل لنشر الدعوة كالتنظيم الدقيق، العمل المتواصل، الاتصال الفردي والجماعي، تكليف من أسلم بتبليغ من لم يسلم، مع استخدام وسائل الإقناع وجمع الناس ودعوتهم كما فعل رسول ﷺ ، حين صعد على الصفا والذهاب إلى أماكن تجمع الناس ودعوتهم والخروج إلى البلدان لتبليغ الدعوة كما فعل الرسول ﷺ في عكاظ وغيرها، كل هذا حسب ما تنظمه القيادة على ضوء المنهج النبوي

стр. 441

١٠ - إبعاد الأتباع عن ساحة المواجهة إلى حينها، فسلاحها الصبر والصبر وحده، وقد ضاق البعض فاستنجد بدعوة القيادة فكان الجواب الصارم حديث خباب وفي ليلة العقبة الكبرى طلب الأنصار الميل على أهل منى بأسيافهم فكان الجواب من القيادة الحكيمة (لم نؤمر بهذا) فلما حان الأوان فعلت الأفاعيل، وكتب التاريخ بالفتوحات الإسلامية في شتى بقاع المعمورة فكم لها من مآثر وبطولات ومحامد، ومكارم في كل ناحية من نواحي الحياة الإنسانية. ١١ - إن الدعوة التي جاء بها محمد ﷺ ، أنقذت البشرية من بحر الشقاء إلى ساحل السعادة، ومن عبادة الأحجار والعبيد إلى عبادة الله وحده، ومن حمأة الرذيلة إلى قمة الفضيلة، إنها دعوة خالدة صالحة لكل زمان ومكان. ١٢ - إن الهدف من الدعوة تأسيس القاعدة الصلبة للجماعة التي ستقوم بأعباء تلك الدعوة إلى الناس والتي تتمثل في: الله غايتهم، والرسول قدوتهم، والقرآن دستورهم، والجهاد في سبيل الله أغلى أمانيهم. ثم المحافظة على هذه القاعدة وتكميلها وتمحيصها. وهناك هدف عام هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ١٣ - إن قوة الباطل وطغيان الموجة الجاهلية لا تفيد معها موعظة ترق لها القلوب ثم تترك يجرفها التيار الضخم، ومواجهة الناس بالحق والقيام على أمره من أهم الخصال التي تحيا بها الدعاة إلى الله - سبحانه- وفي مقدمتهم الأنبياء. إذن فلا بد من احتضان الفرد وتربيته وإعداده إعدادا خاصا وملاحقته حتى يصلب عوده، وإلا فهو كالنبتة الصغيرة في مهب الأعاصير، ومرة أخرى أؤكد أنه لا بد أن يعمل الدعاة ضد التيار، ولو قال الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ ، الأرض مليئة بالشرك والأخطار ولا نستطيع القيام بشيء لما قامت الدعوة. ١٤ - الداعية إذا لم ينجح في بلده عليه أن يتحول إلى بلد آخر كما فعل الرسول ﷺ ، ومن الأفضل له أن يدرس تلك المنطقة التي يريد الخروج إليها، دراسة عامة ليعرف المنافذ التي يمكنه الدخول منها قبل الدخول في نشر الدعوة وأن يكون قدوة يطبق تعاليم الإسلام على نفسه ومن يحيط به ثم يدعو الناس إليها. ١٥ - إن واقع الإسلام المعاصر يعاني من مرارة عودته إلى الغربة، معاناة شديدة مصداقا لقوله ﷺ ، (بدأ الإسلام غريباُ وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء). فقد لحق المسلمين النقص والإخلال، اللهم إلا أفراداً قلة، هم المصلحون لما أفسد الناس، فهذه العودة لا ترتبط بزمان ولا مكان معين، وإنما تعود كلما انتقل زمام الحكم من أيدي المسلمين إلى غيرهم إذ يحصل الفساد في الأرض نتيجة ذلك. إن واقع المسلمين يقرر بأن غربة النبي ﵊، وأسرة ياسر وبلال وغيرهم من خريجي دار الأرقم، قد عادت للذين قالوا ويقولون ربنا الله لا قيصر، والحاكمية لله لا للبشر. إن تعذيب أولئك الغرباء الأوائل وتشريدهم قد عاد على المصلحين في كل زمان ومكان، عاد عليهم بالسجون والمشانق والتشريد والتقتيل بشتى أنواعه، فما هي أداة التحويل التي نحول بها المجتمع إلى المنهج الإسلامي وما هو الخلاص؟ ١٦ - إنه لا أداة لذلك إلا بتربية جيل جديد على المنهج الذي تربت وأعدت عليه الجماعة الأولى في العهد المكي، والذي ينبغي أن تكون عليه كل أجيال المسلمين على مدى التاريخ. والمهم عندنا أمور ثلاثة رئيسية: الأول: أن نعلم من أين نبدأ، ثم ما هو المطلوب منا بعد نقطة البدء وما هي وسيلتنا لأداء المطلوب منا.

стр. 442

الثاني: أن نعلم أن الجماعة الأولى التي رباها وأعدها الرسول صلوات الله وسلامه عليه- في العهد المكي-على عينه، وحقق فيها منهج التربية والإعداد بكاملها هي القدوة الدائمة لنا بعد شخص الرسول – ﷺ وأن صورتها الواقعية هي المرجع الدائم لنا في المنهج والإعداد بعد كتاب الله – وسنة رسوله – ﷺ . وأن هذه الجماعة ستظل لأجيال المسلمين بل لأجيال البشرية كلها هي النور الذي يستضيئون به ويحاولون أن ينسجوا على منواله. فإن استطاع المسلمون أن يعيدوا سيرتها في أنفسهم في أي جيل من أجيالهم فهو الخير لهم ولكل البشرية وإن لم يستطيعوا فلن تذهب محاولتهم هباء لأنهم سيكونون في أثناء المحاولة قد ارتفعوا بأنفسهم إلى أقصى طاقاتهم فيكون الخير. الثالث: أن نعلم أنه لا طريق لنا إلا ذلك الطريق الذي سلكته الجماعة الأولى في خروجها من جاهليتها حتى استوى بها إلى قمة الإسلام الشامخة. إن وجهة المسلمين إن أرادوا أن يعودوا إلى الحياة مرة أخرى وينفضوا عنهم ذلك الهوان المخزي الذي يعيشون فيه ينبغي أن تكون هي تلك الجماعة الأولى وعلى رأسها رسول الله ﷺ قبل أن تكون هي موسكو، أو لندن، أو واشنطن أو بكين .. ولا بأس بعد أن يتجهوا إلى تلك الجماعة لينسجوا على منوالها ويحاولوا الاقتداء بها أن يستفيدوا مما يجدونه صالحا للاستفادة به في تلك البلدان. وإذا تعجلنا النظر إلى مجتمع المدينة المنورة أول مجتمع إسلامي نجده قام على تلك القاعدة نفسها وإنما توسعت آفاتها حسب الزمان والمكان وملاءمة الظروف، فاندمجت جماعة الأنصار في المدينة فأصبحت جيلا واحداً وأمة واحدة تحمل شهادة خالدة تتلى في الليل والنهار ويتعبد بها على يد الرسول والمربي ﷺ ، لم ينالوا تلك الشهادة عفوا صفوا، بل ببذل الغالي والنفيس ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ ..... ﴾ (١١٠) سورة آل عمران، هذه الجماعة التي تربت على هدي القرآن الكريم وعلى يد الرسول ﷺ هي التي كتبت التاريخ بأحرف من نور. ١٧ - إن هذا الدين لم يصل إلينا عفوا صفوا، وإنما وصل إلينا كما عرفت بعد التضحيات بالأوطان، بالأموال، بالدماء، بالأشلاء، بالمهج التي بذلها الجيل الأول، رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ ، لهذا يجب على المسلمين أن يتمسكوا بهذا الدين، وأن يعضوا عليه بالنواجذ لأنه نزل من عند الله الخالق العليم بمصالح عباده ومضارهم، الحكيم في تدبير أمورهم وفيه سعادتهم في الدارين.

стр. 443

١٨ إن الإسلام لم ينتشر بالسيف كما يقول بعض ذوي الأغراض وإنما انتشر عن طريق الدعوة بالبرهان والإقناع والموعظة الحسنة حتى خالطت بشاشته الإيمان وحلاوته قلوب أولئك السابقين المعذبين في مكة، ثم سرى سريان الماء في العود، وسريان النور في الظلام، حتى تجاوز هؤلاء واخترق البادية حتى وصل طيبة الطيبة، وكان إسلام المسلمون في غاية من الكتمان خوفاً من سلطة الشرك والمشركين، لأن زمان السلطة والقوة ليس في أيدي المسلمين حينها. فهل تجد في التاريخ الإسلامي أن الإسلام سل سيفه على بلال وعمار وخباب وغيرهم؟ فالواقع يقرر أن سيوف الشرك كانت هي القائمة على رؤوس المسلمين، ولكنها هانت أمام قوة الإيمان، بل إن بعضهم كان يستعذب العذاب والموت في سبيل نشر الإسلام. وهل تجد في التاريخ أن الرسول ﷺ ، كان يتصدى للوافدين في مواسم الحج هو وأصحابه بالسيوف أم بالدعوة إلى الله سبحانه وبأسلوبها الجذاب وهل كان يرميهم بالحجارة أو يرمونه؟ وهل تجد في التاريخ أن الأوس والخزرج سلت في وجههم سيوف الإسلام حتى دخلوا فيه مكرهين، أم حدا بهم الإيمان إلى أن بايعوا متزاحمين ومتنافسين، على نصره حتى الفوز بإحدى الحسنيين؟ ومعلوم أن القتال لم يشرع إلا في المدينة على مراحله المعروفة، وقد كان محرما، ثم مأذوناً به ثم مأموراً به لمن بدأ بالقتال، ثم مأموراً به في مواجهة جميع المشركين وذلك لإزاحة العقبات التي تقف في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه أما إذا لم تكن صعوبة في الطريق فلا داعي لاستعمال السيف. ١٩ - إن الجماعة المسلمة ذات الشمول في المنهج والوضوح في الهدف بادئة من إعداد الفرد، منتهية بإقامة الحكم لله وحده ثم الانطلاق في الأرض لإعلاء دين الله، هي الجديرة بالولاء والنصرة. ٢٠ - الدعوة للجماعات الإسلامية العاملة في الميدان للتعاون في الأمور المتفق عليها، وأن يعذر كل منها الأخرى فيما اختلف فيه من الفروع والمناهج والأفكار وكف الحملات الكلامية ضد بعضها البعض، كيلا تبلبل أفكار العامة إذ ليس ذلك من صالح الدعوة إلى الله بل في صالح أعداء الإسلام والمسلمين والله الموفق للصواب. وإني وأنا أختم هذا البحث المتواضع لا أستطيع أن أقول إني قد أتيت بجديد أو بلغت مرتبة من الكمال فكم من باحث طويل الباع يكتب بحثا اليوم ثم يراجعه غدا فإذا هو يقول: لو أنني قدمت هذا لكان أحسن ولو أخرت هذا لكان يستحسن ولو أضفت ذلك لكان أكمل ولو حذفت ذلك لكان أجمل. فغاية القول أني بذلت كل ما في وسعي حسب ظروفي وحسبي أني حاولت إخراج الموضوع على هذه الصورة فإن أصبت فبتوفيق الله وله الحمد والمنة وإن قصرت أو أخطأت فذلك طبيعة البشر وأستغفر الله وعزائي أن الكمال لله وحده وأن فوق كل ذي علم عليما. والحمد لهل رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

стр. 444

موقف عثمان بن معمر من دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب "بحوث علمية محكمة " المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف المحقق/ المترجم: بدون الناشر: الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: نقد وتوجيه خاتمة: ونختم هذا البحث بجملة من النتائج الآتية: ١ - أن معالجة النوازل لا تحتاج إلى مجرد العلم والتنظير فحسب، بل تحتاج إلى رسوخ وبصيرة ويقين، كما تحتاج إلى فهم للواقعة، بحيث تستصحب تلك الأدلة والمسائل أثناء تنزيلها على الوقائع، وإلا فقد يقع الذهول عن تلك المعلومات وقت النوازل والأزمات. ٢ - تميز هؤلاء العلماء بتحقيق لمقاصد الشريعة ومراعاة لقواعد المصالح والمفاسد. ٣ - أن سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام أولئك العلماء، فالأجوبة الواردة في الدرر السنية – مثلاً – قد لا يتحقق فهمها بطريقة صحيحة، حتى ينظر إلى الظروف والملابسات التي حررت فيها تلك الأجوبة. ٤ - لما كانت هذه الجهود تجاه نوازل حادثة ومستجدات عارضة، لذا غلب عليها الرد والمنافحة وإزالة الاشتباه، ولكي تتحقق النظرة الشمولية لتراث هؤلاء العلماء، ويمكن استيعابها، فلابد من النظر إلى جهودهم الأخرى في مقام تقرير العقيدة وبيانها. ٥ - ظهر من خلال تلك الجهود ما عليه هؤلاء العلماء من دراية بالحق، ورحمة بالخلق، فقد بينوا الحق بأدلته، ونصروا دين الله تعالى، وأجابوا عن شبهات المخالفين، كما أنهم نصحوا لأئمة المسلمين، وعامتهم، وأشفقوا على الراعي والرعية.

стр. 445

نحو إحياء دور المسجد / من أجل مسجد فاعل المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن عبدالله اللعبون المحقق/ المترجم: بدون الناشر: ابن لعبون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٦هـ تصنيف رئيس: دعوة ودعاة تصنيف فرعي: مساجد - دورها الخاتمة: كثير من بيوت الله قد اهتمت ببعض ما ذكر ولم يتسنى لها القيام بجميعه، وما لا يمكن أن يقام في هذا المسجد يمكن أن يقام في ذاك، وطرح هذه الاقتراحات يدفع بإذن الله إلى بدأ النشاط أو إضافة نشاط جديد، وستظهر المثبطات المختلفة أثناء العمل: أولا: في ذات القائمين على إحياء دور المسجد، من فتور العزم وتردد واستبطاء للنتائج، مع انخفاض في مستوى تقديم الدروس وطرح البرامج الأخرى. ثانيا: من جماعة المسجد، والتي تتمثل في قلة المشاركة؛ فالمجلة لا تصدر إلا كل شهرين أو أكثر، وعدم الإقبال المتوقع على المسابقات، وتناقص عدد المسجلين في حلقات التحفيظ، وتلفت أثناء الدرس فلا ترى إلا القليل من الحضور، وهكذا في بقية النشاطات، وهذا أمر يكاد أن يكون عاما وليس غريبا كما هو ملاحظ في كثير من المساجد، ومع ذلك فبالاستعانة بالله ثم بإخلاص النية والعمل الجاد، مع قليل من الصبر والجهد، تظهر نتائج الجهود الخيرة وتقطف الثمرات، وإن تأخر الحصاد فيكفي أن العمل لله وفي مرضاته والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 446

رقائق وزهد وترغيب وترهيب

стр. 447

الابتلاء وأثره في حياة المؤمنين كما جاء في القرآن المؤلف/ المشرف: عبدالله ميرغني صالح المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الاعتصام ̈بدون سنة الطبع: بدون تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: ابتلاء ومحنة وصبر وشكر الخاتمة: وبما أنني قد انتهيت من دراسة: (الابتلاء وأثره في حياة المؤمنين كما جاء في القرآن الكريم) فإنه يحق لي أن أبدي فيما يلي النتائج المهمة المستفادة من هذا البحث: لقد جعلت هذه الرسالة مكونة من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة. فالمقدمة: تكلمت فيها بإيجاز عن موضوع الرسالة، والدوافع التي حفزتني على اختياره، والخطة التي سرت عليها في بحثه ودراسته. وأما التمهيد فقد جاء في أربعة مباحث: ذكرت في المبحث الأول: تعريف البلاء والابتلاء والفتنة. وحيث إن هناك أكثر من تعريف فقد ذكرت أبرزها، وكنت أشرح التعريف إذا كان يحتاج إلى شرح وبيان وضرب أمثلة عليه. وإذا دعت الحاجة لذكر أكثر من تعريف ذكرت ذلك، وأجريت موازنة بينها، واستخلصت النتيجة. وفي المبحث الثاني: بينت أن ابتلاء المؤمنين سنة ربانية جارية، ومهدت لذلك بمقدمة، تكلمت فيها عن الابتلاء وسنة الله تعالى في الحياة عامة وفي الناس كافة. ثم سلكت مسلكين في معالجة هذا الموضوع، فتكلمت أولا عن سنة الله تعالى في ابتلاء الأنبياء، وأثبت بالنصوص القرآنية أن سنة الله قد جرت بأن يكون لهم أعداء - هم شياطين الإنس والجن - يمكرون بهم، ويكيدون لهم، ويتربصون بهم الدوائر؛ وذلك ليتم الابتلاء، وينفذ القدر، وتتحقق الحكمة، ويمضي كل فيما هو ميسر له، وينال كل جزاءه العادل في يوم الفصل. ثم تحدثت عن سنة الله تعالى في ابتلاء المؤمنين - أتباع الأنبياء - ببعض ضروب الخوف من الأعداء، وبعض المصائب المعتادة في المعاش، كالجوع ونقص الثمار. وفي خلال ذلك وضحت التوجيهات الإلهية للجماعة المسلمة التي تحمل الدعوة وتنهض بتكاليفها، والتي تحاول تحقيق منهج الله تعالى في الأرض ثم في ثنايا ذلك كله تطرقت لأثر البلاء في تربية النفوس. كما بينت بعض جوانب الحكمة في ابتلاء المؤمنين. أما المبحث الثالث: فقد وضحت فيه أن الطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره، وأن زاده التقوى والصبر. وبينت أن الجنة سلعة غالية، ولا بد لها من ثمن، وقد دفعه الأنبياء والذين آمنوا معهم منذ فجر البشرية، فلا بد أن يدفعه المؤمنين - من بعدهم - ليكونوا أهلا لدخول الجنة. فلا يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان: (آمنت) فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان! إنما هي التجربة الواقعية والامتحان العملي، إنما هو الجهاد في سبيل الله وملاقاة البلاء والابتلاء. ثم الصبر على تكاليف الجهاد ومعاناة البلاء. ثم الصبر على تكاليف الدعوة إلى الله تعالى، التكاليف المستمرة المتنوعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان، كالصبر على معاناة الاستقامة على أفق الإيمان، والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك، والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات، والصبر على أشياء كثيرة في الطريق المحفوف بالمكاره، طريق الجنة التي لا تنال بكلمات اللسان ولا بالأماني التي لا تثبت عند البلاء والمحن والشدائد.

стр. 448

ثم تحدثت في المبحث الرابع: عن تحذير الله تعالى للمؤمنين من فتنة متاع الحياة الدنيا وزينتها. فبينت أولاً: أن الله زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث؛ وذلك لحفظ الحياة ونموها واطرادها، ولتكون الشهوات موضوع ابتلاء واختبار وامتحان للناس؛ ليعلم الله تعالى من يطيعه ممن يعصيه؛ ولهذا وجه الله سبحانه المؤمنين إلى ضبط نفوسهم عن الاسترسال في هذه الشهوات المحببة الزينة، وعن الركون إليها، والانهماك فيها؛ حتى لا ينحرفوا عن الصراط المستقيم. ثانيا: تكلمت عن تحذير الله تعالى للمؤمنين من فتنة آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وأزواجهم وعشيرتهم وأموالهم والتجارة التي يخشون كسادها والمساكن المريحة. فوضحت أن هذه الزينة والمطامع واللذائذ، وتلك الوشائج قد تقعد الناس - خوفا وبخلا - عن الاستجابة لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، ولعلها قد تنأى بهم عن حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله؛ ولهذا نبه الله المؤمنين ليكونوا في حذر ويقظة تامة من فتنة متاع الحياة الدنيا وزينتها. ثم أخبرهم بأنه من تلهى بالدنيا، وشغلته عن أداء فراض الله، فقد باء بغضب من ربه، وهو في الآخرة من الخاسرين. ثالثا: تحدثت عن الابتلاء بالمال، وفصلت القول فيه، وضربت أمثلة عليه، وذكرت من ضمنها قصة ثعلبة، واستخلصت منها دروسا وعبرا. وفي خلالها تطرقت للابتلاء بالشر والخير، ووضحت أن الابتلاء بالخير هو أشد وطأة من الابتلاء بالشر. ثم أشرت إلى أن اليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر، والصلة بالله في الحالين هي وحدها الضمان. وأما الباب الأول: فقد خصصته لدراسة ابتلاء الأولين. فعرضت فيه نماذج من ابتلائهم، وذلك بعد أن قسمته إلى خمسة فصول: تناولت بالدراسة في الفصل الأول: الابتلاء بالطاعة. وقسمت هذا الفصل إلى خمسة مباحث: تكلمت في المبحث الأول: عن ابتلاء آدم ﵇ فوضحت أن الله تعالى أسكن آدم وزوجة الجنة، وأباح لهما كل شيء فيها إلا شجرة واحدة. ولكن إبليس ما أن علم بتلك الشجرة المحرمة، حتى طفق يكيد لهما، حتى أنزلهما من طاعة الله إلى معصيته، فأمرهما الله بالهبوط من الجنة على الأرض محل البلاء ودار التكليف. ثم تناولت بالدراسة في المبحث الثاني: ابتلاء إبراهيم ﵇ بتكاليف خاصة. فأشرت إلى أن الله ابتلاه بكلمات، فوفى بها؛ طاعة لله . فكان جزاؤه أن جعله الله إماما للناس. ثم تكلمت عن ابتلائه بذبح ابنه، فوضحت أنه عرض الأمر على إسماعيل ﵇ فلبى طائعا. ولما شرعا ﵉ في أداء هذا التكليف، كان الابتلاء قد وصل غايته، واجتاز الخليل وابنه الامتحان. ومن ثم فداه الله بذبح عظيم.

стр. 449

وأما المبحث الثالث: فقد عرضت فيه صورا من ابتلاء بني إسرائيل بالطاعة. فتكلمت - أولاً - عن فتنة قوم موسى بالعجل. وبينت أنه لشدة البلاء بذلك الصنم، خالف غالبية القوم أمر نبيهم هارون ﵇ وهموا بقتله، وأصروا على عبادة الوثن، ولما رجع إليهم موسى ﵇ لم يقرهم على عبادة الصنم. فسقط في أيديهم. ثم تابوا إلى بارئهم، وقتلوا أنفسهم كما بين لهم موسى ﵇. ثم تحدثت عن قصة بقرة بني إسرائيل؛ فوضحت أن الله تعالى كلفهم بذبح بقرة، ولكنهم كما صورتهم الآيات القرآنية الخاصة بهذه القصة، كانوا يتسمون بالتعنت وعدم الالتزام بالطاعة. ثم تكلمت عن ابتلاء بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة؛ فبينت أن الله تعالى أمرهم بدخولها وكتب عليهم القتال، ولكنهم تخلوا عن الجهاد وأصروا على مخالفة أمر الله، آنذاك حرمها الله عليهم مدة أربعين سنة. ثم لما انتهت تلك المدة، أذن لهم بدخولها، وأمرهم بأن يدخلوا الباب سجدا وأن يقولوا: حطة. ولكن الظالمين منهم خالفوا أوامر الله فأنزل عليهم عذاباً من السماء. ثم تحدثت عن قصة أصحاب السبت، فوضحت أن الله تعالى جعل لبني إسرائيل يوم السبت عيدا للعبادة، ثم ابتلاهم بوجود الحيتان في ذلك اليوم دون سواه. فتجاوز فريق منهم حدود الله واعتدوا في السبت، هناك تصدى لهم فريق آخر فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، ولكنهم أصروا على معصيتهم، آنذاك حل العذاب الأليم بالظالمين. ثم تناولت بالدراسة في المبحث الرابع: ابتلاء قوم طالوت. فبينت أنهم لما خرجوا معه للجهاد في سبيل الله، نهاهم عن شرب الماء من نهر الأردن، فلم يلتزموا له بالطاعة ولما رأوا كثرة جنود جالوت تخاذل أكثرهم ولم يبق فيهم إلا فئة قليلة، خاض بها طالوت المعركة فتلقت النصر من رب العالمين، واستحقت العز والتمكين. وأما المبحث الخامس: فقد تحدثت فيه عن ابتلاء يونس ﵇ فبينت أنه لم يصبر على إيذاء قومه وإعراضهم. فخرج من بين أظهرهم بغير إذن صريح له من الله تعالى. ولذلك ابتلاه الله بالحبس في بطن الحوت. فلما أقر بأنه كان من الظالمين لأنفسهم بمخالفة أوامر الله، نجاه تعالى من الغم، وشفاه من سقمه، ثم بعثه مرة أخرى إلى قومه. وأما الفصل الثاني: فقد تكلمت فيه عن الابتلاء في مرحلة الإعداد للدعوة وبينت ذلك في مبحثين: تناولت بالدراسة في المبحث الأول: ابتلاء يوسف ﵇ فحصرت الابتلاءات التي عاناها في ثلاثة عناصر كما يلي: أ- يوسف وكيد إخوته له. ب- امرأة العزيز تراود يوسف عن نفسه. ج- يوسف في غياهب السجن. ثم تكلمت في المبحث الثاني: عن ابتلاء موسى ﵇؛ فبينت أنه ولد حين كان فرعون عاليا في الأرض، يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم. ولكن الله رعاه وحماه ورباه في قصر فرعون. ولما بلغ أشده واستوى، ابتلاه الله بقتل رجل من قوم فرعون، فأتمر به الملأ ليقتلوه، ولما علم بذلك خرج إلى مدين. وهناك هيأ الله له مأوى في بيت الشيخ الصالح، ولما بلغ سن النبوة واستعد للدعوة، عاد رسولا من رب العالمين؛ ليعالجه بالقول اللين والبرهان المبين. وأما الفصل الثالث: فقد خصصته لدراسة الابتلاء بالإعراض والأذى من المكذبين بالدعوة. وقسمته إلى أربعة مباحث: تحدثت في المبحث الأول: عن ابتلاء نوح ﵇ فبينت أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى التوحيد، وينذرهم لقاء يوم الدين، فاتهموه بالسفه والضلال وكثرة الجدل، ووصموه بالجنون، وهددوه بالرجم. وقابلوه بالسخرية والتهكم. فما زاده ذلك إلا إيمانا وتسليما، وصبرا وثباتا.

стр. 450

ثم تكلمت في المبحث الثاني: عن ابتلاء إبراهيم ﵇ فبينت أنه دعا أباه وقومه إلى التوحيد. فقابل آزر دعوته بالتكذيب، وهدده بالرجم والهجران. وكذبه قومه، وأعرضوا عنه. فكسر أصنامهم؛ ليبرهن لهم أنها لا تضر ولا تنفع، ولكن القوم غضبوا عليه وألقوه في النار. ولما وجده الله صابرا مخلصا له الدين، نجاه من كيدهم أجمعين. ثم تحدثت في المبحث الثالث: عن ابتلاء موسى ﵇ فوضحت أنه لما بلغ رسالته إلى فرعون، كذبه واتهمه بالسحر والجنون، وأخذ يهدده بالرجم ويتوعده بالسجن. ثم عقد حلقة للسحرة يتحداه بها. ثم ائتمر فرعون وملؤه بموسى وقومه لإيذائهم. واقترح فرعون قتل موسى ﵇ فتصدى للمتآمرين رجل مؤمن من آل فرعون، فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر. فقاوموه وهموا بقتله. فنجاه الله من مكرهم. ولما تمادى فرعون وجنوده في الكفر والضلال، أغرقهم الله في اليمِّ ونجّى موسى وأصحابه من كيدهم. ثم تكلمت في المبحث الرابع: عن ابتلاء عيسى ﵇ فبينت أنه دعا بني إسرائيل إلى التوحيد. فكذبوه وأعرضوا عنه، واتهموه بالسحر، وتفننوا في إيذائه، حتى إنهم حرضوا عليه الحاكم الروماني، ثم اتفقوا على قتله وصلبه. فلما وجده الله صابرا على المكروه، نجاه من سيئات ما مكروا. وأما الفصل الرابع: فقد تناولت فيه بالدراسة الابتلاء بالنعم. وقسمته إلى مبحثين. فعرضت في المبحث الأول: نماذج من ابتلاء بني إسرائيل بالنعم. ولخصت ذلك تحت العناصر الآتية: أ- نعمة تفضيلهم على عالمي زمانهم. ب- نعمة إيتاء موسى التوراة لهدايتهم. ج- نعمة بعثهم من بعد موتهم. د- نعمة شمول الله إياهم بفضله ورحمته برغم نقضهم للميثاق. هـ- نعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم. ونعمة إغاثتهم بالماء بعد أن اشتد بهم العطش. ثم تحدثت في المبحث الثاني: عن ابتلاء أصحاب الجنة الذي ورد ذكرهم في سورة القلم. فوضحت أنهم كانوا في غفلة عن ذكر الله تعالى حيث حاولوا أن يستأثروا بثمار جنتهم دون المساكين. فلما وجدهم الله يمكرون، مكر بهم، وابتلاهم بإحراق جنتهم. وأما الفصل الخامس: فقد خصصته لدراسة ابتلاء قوة العقيدة. وقسمته إلى ثلاثة مباحث: تحدثت في المبحث الأول: عن ابتلاء أيوب ﵇ فبينت أنه تعرض للفتنة في نفسه وأهله وماله. فصبر على الضر والابتلاء. ولما وجده الله تعالى راسخ العقيدة، رحمه وكشف ما به من ضر، وأحسن إليه، ثم خلد ذكره في القرآن الكريم. وأما المبحث الثاني: فقد تكلمت فيه عن ابتلاء سحرة فرعون، فوضحت أنهم لما آمنوا بالله العظيم، لم يبالوا بتهديد فرعون، ولما وجدهم ثابتين على إيمانهم قتلهم جميعا وصلبهم، فماتوا شهداء أبراراً ﵃. ثم تحدثت في المبحث الثالث: عن حادث أصحاب الأخدود؛ فبينت أن الطغاة المتجبرين قتلوا المؤمنين والمؤمنات حرقا بالنار. فاستعلى المؤمنون بإيمانهم، واحتملوا العذاب، من أجل انتصار عقيدتهم، ولإيثارهم رضوان الله ﵎ على متع الحياة الفانية. وأما الباب الثاني: فقد عقدته لدراسة الابتلاء في حياة الرسول ﷺ ، وقسمت هذا الباب إلى فصلين: عرضت في الفصل الأول: صورا من الابتلاء في حياة النبي ﷺ في مكة المكرمة وقسمت هذا الفصل إلى تمهيد ومبحثين: أما التمهيد: فقد أشرت فيه إلى بعض ما لاقاه ﷺ من الابتلاء منذ مولده إلى أن بعثه الله رسولا للعالمين. ثم عرضت في المبحث الأول: صوراً عنيفة لمواقف الكافرين من النبي ﷺ ودعوته. وقسمت هذا المبحث إلى قسمين: فأبرزت في القسم الأول: نماذج لبعض الأشخاص في المناوأة والتكذيب.

стр. 451

ثم عرضت في القسم الثاني: صوراً أخرى من مواقف الجاحدين في المكابرة والإعراض. وأما المبحث الثاني: فقد تحدثت فيه عن الابتلاء بالتحدي والأذى من المكذبين بالدعوة. فتكلمت أولا: عن تحديات متصلة بشخص الرسول ﷺ . وثانيا: أشرت إلى تحديات متصلة بالقرآن الكريم خاصة. ثم ذكرت نماذج أخرى مما تلقاه النبي ﷺ من الأذى. وأما الفصل الثاني: فقد أبرزت فيه صورا من الابتلاء في حياة الرسول ﷺ في المدينة المنورة. وقسمت هذا الفصل إلى مبحثين: عرضت في المبحث الأول: صوراً من ابتلاء الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات. واقتصرت في ذلك على ابتلاء المؤمنين في غزوتي أحد والخندق. فبينت أنه لما انتصر المسلمون يوم أحد، خرج الرماة على أمر رسول الله ﷺ فترتب على ذلك أن كرَّ المشركون على المسلمين وقتلوا منهم سبعين صحابياً، وأوذي الرسول ﷺ وأثخن أصحابه بالجراح. ثم تحدثت عن ابتلاء المؤمنين في غزوة الخندق، فوضحت أن الله تعالى ابتلى المؤمنين هنالك بشدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، والمحاصرة والنزال والقتال. فكان الابتلاء كاملا وشديدا، حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وزلزلوا زلزالا شديدا. وأما المبحث الثاني: فقد عرضت فيه نماذج من ابتلاء المؤمنين بمكر المنافقين، ووضحت ذلك تحت العناوين الآتية: أ- حديث الإفك وقصته. ب- تعرض المنافقين لنساء المسلمين بالأذى. ج- زعيم المنافقين يدعو إلى مواقف كيدية للمسلمين. وأما الخاتمة: فقد ذكرت فيها النتائج التي توصلت إليها في هذه الرسالة، ولخصت القضايا التي عالجتها في هذا البحث. وهذا ما فتح الله به عليّ، ويسّر لي تحريره وتدقيق مسائله في موضوع (الابتلاء وأثره في حياة المؤمنين) وإني لأرجو أن أكون قد وفقت فيما أردت من تجلية هذا الموضوع، وتسليط الأضواء على ما فيه من دروس وعبر ومعالم في طريق الدعاة إلى الله تعالى. والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.

стр. 452

التأثر بالقرآن والعمل به أسبابه ومظاهره المؤلف/ المشرف: بدر بن ناصر البدر المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مدار الوطن – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٨هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: قرآن - فضائله وخصائصه وآداب أهله الخاتمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فأوجز ما ظهر لي من النتائج بعد كتابة هذا البحث فيما يلي: - أنزل الله تعالى كتابه القرآن الكريم لثلاثة مقاصد، تلاوته والتعبد به، فهم آياته وتدبره، العمل به والسمع والطاعة له. - حثنا ربنا على تدبر كتابه وتفهم آياته ورغب في ذلك، مبينا آثاره الحميدة على أهله، وفي المقابل حذر من الإعراض عن كتابه وآثار الصدود عنه. - المروي عن سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى في الحث على التأثر بالقرآن والعمل به كثير، وكانوا بذلك قدوة لغيرهم، تأسياً بالنبي ﷺ خير المتأثرين بالقرآن. - الواجب على أهل القرآن التواصي على العمل به والتعاون على ذلك، ومحض النصيحة من أجله، ودعوة الناس إلى هذا الخير المبارك. - الإخلاص في القول والعمل لله أحد شرطي القبول، من ذلك التأثر بالقرآن والعمل به، ولن ينتفع قارئ القرآن وسامعه به حتى يخلص نيته لله تعالى، ولذلك علامات وأمارات بينها سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى. - جاء التحذير في الكتاب والسنة من الرياء والسمعة وطلب الشهرة في التأثر بالقرآن والعمل به، وبين أهل العلم صفات أولئك، وآثار أحوالهم السيئة في الدنيا والآخرة. - أبان تعالى الصنف الذي ينتفع بالقرآن ويتأثر به، وهو المؤمن الذي استكمل شروط التأثر به، وابتعد عن الموانع والصوارف التي تحول بينه وبين ذلك، ومن فقد شرطاً من هذه الشروط أو حصل له مانع كان انتفاعه بالقرآن أقل نصيباً وأنقص حظاً. - شروط التأثر بالقرآن وعوامل ذلك كثيرة، جاء بيانها في الكتاب والسنة والحث على تحقيقها واستيفائها، وفي سير سلفنا الصالح بيانها وتطبيقها قولاً وعملاً. - ومن شروط التأثر بالقرآن: الإيمان بالله تعالى وتعظيمه ومحبته، وحياة القلب وطهارته وحضوره، وحسن الاستماع والإنصات له، وأن يعلم العبد أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، وتحسين الصوت حال القراءة وترتيلها، والعلم بتفسير القرآن ومعرفة معانيه، ومراعاة الأدب مع القرآن كالوضوء واستقبال القبلة والاستعاذة قبل التلاوة، والصدق في طلب فهمه والتأثر به. - هناك موانع وصوارف تحول بين قارئ القرآن وسامعه وبين التأثر والانتفاع به، كالعجلة في تلاوته طلباً لختمه، وقصر الهمة على تحقيق القراءة وتجويد التلاوة دون التدبر والعمل. - من الموانع أيضاً ارتكاب الذنوب والمعاصي وإلفها ومحبتها، وأيضا إتباع الهوى والاستجابة له، فلذلك أثر واضح في الحرمان من فهم القرآن والتأثر به. - إن فضل السلف على الخلف عظيم، وبخاصة أصحاب نبينا ﷺ ورضي عنهم أجمعين، فقد كانوا أعمق هذه الأمة علماً, وأقومها هدياً, وأقلها تكلفاً, وأسلمها منهجاً، على نور من كتاب الله تعالى وهدي من سنة رسول الله ﷺ ، محذرين من البدع وأهلها. - من تلك البدع التي نهى عنها السلف وحذروا منها ما يكون عند تلاوة القرآن وسماعه من التكلف والتقعر في إخراج حروفه وتحقيقها وتطبيق التجويد، ومن ذلك الصعق, والغشي, ورفع الأصوات, والصراخ عند تلاوته أو سماعه، والقيام بحركات وتصرفات منكرة لم ترد في كتاب ولا سنة ولا مروي عن أئمة السلف وعلمائهم.

стр. 453

- ما وقع لبعض السلف من الصعق والغشي عند تلاوة القرآن أو سماعه قليل نادر، ويحتاج إلى مراجعة إسناده إليهم والتحقق من صحته، فإن ثبت فهو محمول على ضعف القلب وعدم احتماله، والقدوة في هذا وغيره نبينا محمد ﷺ . - للتأثر بالقرآن صفات ومظاهر مباركة، وأحوال وآثار مرضية ترى على أهله، من الخشوع ورقة القلب ودمع العين، والانقياد والاتباع والسمع والطاعة، وصلاح الظاهر والباطن وغير ذلك. - جاء في القرآن والسنة بيان تلك المظاهر والأحوال، وفي هدي النبي ﷺ وسيرته امتثال ذلك وتطبيقه والتزامه، ثم سيرة أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان رحم الله الجميع. - من أدلة محبة العبد للقرآن الكريم وصدقه في ذلك سرعة استجابته وانقياده له، وتنفيذ أوامره والقيام بحقوقه، والحذر من مخالفته والإعراض عنه. - بالعمل بالقرآن وأتباعه يكون الشرف الأعلى والذكر المبارك لأهله في الدنيا والآخرة، وبخلاف ذلك يعد هاجراً له وإن آمن به وقرأه وحفظه. - من مظاهر التأثر بالقرآن حسن الاستدلال به واستنباط الأحكام منه والتوفيق لذلك، وهو دليل على ارتباطه الوثيق به, ونظره الدائم في آياته, وتفهم مدلولاتها وهداياتها، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. - أفضل دعاء لله تعالى وسؤاله إنما يكون بكلامه (القرآن الكريم) ففيه أجمع الدعاء وأنفعه وأكثره بركة، وهو دليل واضح على تعلق الداعي بربه وتوسله إليه بكلامه. - القرآن الكريم شفاء للمؤمنين من الأمراض والأدواء الحسية والمعنوية، شفاء من فتن الشبهات وفتن الشهوات، شفاء من الحيرة والشك، شفاء من أمراض القلوب والأبدان. - القرآن بعمومه شفاء بإذن الله تعالى، لكن دلت السنة على خاصية بعض سوره وآياته بذلك، كسورة الفاتحة والمعوذتين، وآية الكرسي، وشواهد نفعه قديماً وحديثاً كثيرة. - من النصح لكتاب الله تعالى تعليم تلاوته والعناية بتحفيظه وتدريس أحكامه وفقه آياته والدعوة إلى العمل به وأتباعه، وخير من يقوم بهذه المهمة الشريفة ويؤدي هذا الواجب العظيم أهله المتأثرون العاملون به. - رسالة القرآن عالمية، ليست مقصورة على قوم أو زمن أو مكان، وهذا من مميزاتها وخصائصها، وهذا يوجب أداءها والقيام بها وتبليغها للعالمين، والبشرية في هذا الزمن أحوج ما تكون إلى نور القرآن وهدايته. - من توفيق الله لعبده تأثره بالقرآن الكريم والعمل به وانتفاعه به، وهذا من فضل الله عليه وإحسانه إليه، فلولا فضل الله وهدايته ما حصل له هذا. - يجني المتأثرون بالقرآن العاملون به ثماراً عظيمة وحسنات كثيرة وآثاراً مباركة في الدنيا والآخرة، من ذلك: زيادة الإيمان، ونيل الرحمة من الله ، وحصول البركة لقارئه وسامعه، والهداية والتوفيق لمن اتبعه في الدنيا والآخرة. - اختلف السلف في أيهما أفضل، القراءة عن ظهر قلب أم القراءة من المصحف، والأقرب أن معيار التفضيل في هذه المسألة هو التأثر والخشوع والانتفاع بالقرآن حال تلاوته. - حصول الأمن المطلق في الدنيا والآخرة متوقف بعد فضل الله تعالى وإحسانه على أمور، منها العمل بالقرآن وأتباعه والسير على نهجه والتمسك به والتحاكم إليه في صغير الأمور وكبيرها. - خلق الله تعالى الجن للغاية التي من أجلها خلق الإنس وهي عبادته وتوحيده، وكلفهم الإيمان بكتبه ورسله، والقيام بطاعته والبعد عن معصيته والحذر من مخالفته. - كان للجن مواقف ولقاءات مع رسول الله ﷺ استمعوا منه القرآن فآمنوا وصدقوا ثم انطلقوا دعاة خير إلى قومهم.

стр. 454

العذاب الأدنى – حقيقته – أنواعه – أسبابه المؤلف/ المشرف: محمد عبدالله بن صالح المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة دار المنهاج – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: دراسات إسلامية الخاتمة: فقد تبين من خلال هذا البحث حقيقة العذاب الأدنى، وأنه واقع في الأمم السابقة، ومتوعد به العصاة من هذه الأمة، وأن أنواع هذا العذاب كثيرة؛ منها ما يكون في الحياة الدنيا، ومنها ما يكون في القبر، وأن هذا النكال متنوع، فتارة يكون زلزالاً مدمراً، وتارة يأتي على هيئة ريح عاتية، وتارة ثالثة يكون مرضاً عضالاً، وتارة رابعة يكون خسفاً ومسخاً ... إلى آخر صور هذا العذاب. كما تبين لنا أن أسبابه متعددة، يأتي على رأسها الكفر بالله، والشرك، وترك الصلاة، ثم اللواط، والزنا، والإحداث في الدين، والنميمة ... إلى آخر هذه الأسباب المذكورة في ثنايا البحث. ومن خلال استعراض هذه الأسباب اتضح أنه كلما كان السبب خاصاً كان العذاب والنكال خاصاً، وكلما كان السبب عاماً كانت العقوبة عامة، وما ربك بظلام للعبيد. وظهر لنا أن هذا العذاب المتوعد به ليس خبراً ماضياً، بل هو حق على حقيقة، وهو وعيد متحتم الوقوع، أقسم النبي ﷺ على بعض صوره أنها ستقع قبل يوم القيامة إذا توافرت أسبابها، وبين في صور أخرى أنها مقبلة لا محالة، فويل لمن أدركها! وينبغي لطلبة العلم الشرعي الإحاطة بأسباب هذا العذاب، ومعرفة أنواعه، وتحذير الأمة من الوقوع في أسبابه؛ لئلا تستجلب غضب الله ومقته، وعلى أئمة المساجد وأرباب المنابر ورجال الإعلام توعية الأمة بنحو ذلك، وإرشادهم إلى ما يحقق لهم السلامة من مغبة هذه الأهوال العظام والمخاطر الجسام، أليست إسرائيل ومن معها يبنون استراتيجياتهم العسكرية والسياسية على أوهام وخرافات تضمنها الكتاب المحرف المعتمد لديهم؟ وهو كله أوهام وأساطير، أفلا يكون أرباب الرسالة الخالدة والوحي المحفوظ أولى بالاستفادة من هذه الإرشادات النبوية والأخبار الإلهية؟!

стр. 455

الغرباء الأولون المؤلف/ المشرف: سلمان بن فهد العودة المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٠هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: عزلة وخلطة وغربة خاتمة: وفي ختام هذه الجولة الممتعة مع سيرة المصطفى ﷺ وسنته نخلص إلى النتائج التالية: ١ - الحديث الوارد في الغربة صحيح بل متواتر عن أكثر من عشرين طريق. ٢ - معرفة أسباب غربة الإسلام الأولى. ٣ - معرفة المظاهر والصور التي تمثلت فيها هذه الغربة من الإيذاء والحصار والقلة وغيرها. ٤ - وتبين كيف استطاع رسول الله ﷺ والمؤمنون معه أن يجاهدوا بهذا الدين (جهاد الدعوة بالقرآن، ثم جهاد السيف والسنان) حتى كتب الله لهم النصر والتمكين، وفتح لهم البلاد، فدانت الجزيرة للإسلام قبل موت النبي ﵊، وأكمل الله الدين، وأتم النعمة على المؤمنين وبذلك زالت غربة الإسلام في بلاد العرب، وصار له وجوده القائم المتميز. ٥ - كما تم التعرف على الأسباب والعوامل والوسائل التي أفاد منها المسلمون في إعزاز الدين ودفع الغربة عنه وعن أهله. وهي دروس للمسلم في كل زمان ومكان، خاصة المسلم المتبع لرسول الله ﷺ ، السائر على هديه، السالك منهج أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين والسلف المهتدين. وسيمر في رسالة (صفات الغرباء وواجباتهم في هذا العصر) حديث عن واجب أهل السنة والجماعة في نشر الدعوة وحماية الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 456

القلب ووظائفه في الكتاب والسنة المؤلف/ المشرف: سلمان زيد سلمان اليماني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن القيم - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٤هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: أعمال القلوب الخاتمة أما بعد حمد الله الذي هو فاتحة كل كتاب، والصلاة على رسله التي هي خاتمة كل خطاب، نشكره جلّت عظمته أن حبانا بنعمه، وأغدق علينا من فضله. كل صنعة يخترعها العبد، لا بد أن تحوي دليلاً يوضح كيفية العناية بهذه الآلة، وطرق وقايتها، وأسباب إتلافها، وكذلك الإنسان، هو صنعة الخالق جلّت عظمته، أعطاه ينبوع الإسلام الأول، يُقلب في ثناياه ما شاء، وسيجد في كل آية من الكتاب المفصل، ما يشفي صدره، ويعالج قلبه، ويجعله يسيطر بروحه على بدنه، ويسمو بنفسه فوق حسه. وكان الهدف الأسمى من هذا البحث، معرفة هذه اللطيفة الربانية، المرتبطة ارتباطاً معنوياً باللحم الصنوبري الشكل المودوع في الجانب الأيسر من الصدر، ولها به تعلق وثيق، ولا أقصد بالمعرفة الكشف التام، إنما لمسات منيرة أوضحها الذكر الحكيم والسنة المطهرة، واقتبستها منهما، مع الاستدلال والاستئناس بأقوال الأكابر من العلماء، على مختلف الطبقات والأشربة، مع التحفظ عن المجاز ومشتقاته. أوضحت بقدر الإمكان معاني القلب ومترادفاته، والتوضيح يُظهر الفوارق. فالفؤاد اشترك مع القلب في الصغو والتقليب، وانفرد بالفراغ والرؤيا والتثبيت وغيرها، فهو جزء من القلب اختص ببعض الأحوال، من معرفة وخواطر تتقارب مع اللب حيناً وتغايره أحياناً، كما أن العقل نور يقذف في القلب، يستعد به لإدراك الأشياء، وليس عيناً قائمة بذاتها، إنما التعقل عمل من أعمال القلب المؤمن الحي، وبالتتبع وجدنا أن الصدر استقل ببعض الأحوال، فهو يضيق أحياناً وينشرح أُخرى، وهو أول مقامات القلب وموضع نور الإسلام، والقلب مقرّه ومكمنه. وبالنسبة للفطرة: توصلت إلى أنها أعم من أن تكون في قلب أو صدر، فهي تهيئة النفس لقبول الحق، وميثاق أقدم من الرسل والرسالات، ولكنها تتعرض إلى الاجتيال بالشبهة أو الشهوة، ولا حادي لها سوى الإسلام، به ترتقي إلى حقيقة التوحيد، ومع الإيمان تصور وقفة بين الحظ الأدنى والأعلى، وعلى قدره يكون النور في القلب، وبقدر عظم النور يحترق الاجتيال، وفيه تم التفريق بين الإسلام والإيمان إذا افترقا، وذكرنا بعضاً من أنوار لا إله إلاَّ الله بقدر ما صرح به الوحي. وبتتبع أحوال القلب الحي حالة بعد أُخرى استقصاءً، بقدر ما يسر الله بين الكتاب والسنة وأقوال العلماء، مع المحافظة على لغة الذكر الحكيم، تبيّن لنا من النصوص أن أول ما يطالب به العبد بعد سلامة القلب الخشوع، حتى يترقى في الثواب ويسلم من العقاب. وبيّنا معاني ورود الحالة في كتاب الله وأقوال العلماء فيها، ثم أثر تلك الحالة على الجوارح وعلى المجتمع سلباً وإيجاباً، ومقدار دوام الحالة في الأمة، وما ينتج عن ذلك، وكيف يتم الانتقال في درجات الإحسان، ومن هو المحظوظ بهذه المكانة من الأمة، وحين ترد الحالة في اللغة تحتمل المدح والذم، فصلت لمن تكون تلك الأحوال كشدة القلوب مثلاً، مرغوبة في وقت ومرفوضة في وقت آخر، وأن من الأحوال ملكات في استطاعة العبد أن ينميها، حتى يطمئن قلبه إلى ذكر الله فيزول ما فيه من القلق والوحشة، ومن التتبع تبيّن أن أعلى حالات القلب الحي، ومنتهى الكمال، وأقصى ما تتحمله طاقة القلب، الغين عليه، وهي من مراتب النبوة التي اختص بها المفضَّل بالشفاعة ?.

стр. 457

وتبيّن لنا أن لله ﵎ أفعالاً في قلوب عباده، يعطيها لمستحقها إذا بلغ مرحلة من مراحل القلب، سواء كانت المرحلة رقياً أو دركاً. فالطهارة والتزين والتثبيت والهداية، من خلق الله أو إنشائه في القلوب المترقية، وللدرك أحوال أُخرى، ولا تتفق القلوب على المودة والألفة إلاَّ بالمحبة الخاصة التي وعد الله أهل التقوى أن يؤتيهم كفلين منها. والإنسان وإن كان يولد بقلب سليم على الفطرة، إلاَّ أنه قابل للانحراف، لا عاصم له من وساوس الجن والأنس، إلاَّ بالتمسك بما يحييه ويرتقي به في مراتب الإيمان. وهو محل الميل والإرادة، فإذا مال إلى الهدى فهذه إرادة الرحمن، وإن مال إلى الضلال فبغية الشيطان، والقلب المريض اتضح لنا أنه لا يخلو من أحوال: كالغل والغلظة والغيظ والإباء، وكلها مراحل كبر أو نفاق أو كفر لا يخرجان عن الملة، وفصّلت القول مستشهداً بقول السلف في هذه الأحوال، متى تكون مرضاً من أمراض القلوب، ومتى تخرج من الملة، وكيفية معالجة هذه الأمراض، مع توضيح لأثر الذنوب على القلوب، مستدلاً على ذلك بنصوص الوحي الكريم. وحتى أوضح أخر مراحل موت القلب، فصّلت تعريف الموت وأنواعه وأوجه وروده في القرآن الحكيم، مع ذكر الآيات التي تدل إشارة إلى موته، فلا بد من الحيطة، إذ كثير من المشركين أزيحت الغشاوة عن قلبه فآمن، وهذا يعني بالضرورة: أنهم لم يبلغوا المرحلة النهائية من مراحل موت القلب، وتبيّن لنا أن هناك صفات وحالات، تمر على القلب المتهالك في المرض، فتقوده إلى الموت التام، كاللهو والغمر والإنكار والاشمئزاز والإكنان وما تابعهم من صفات، حتى يشرب القلب حب المعاصي، فتقوده إلى الطبع ثم الختم عليه، وكل ذلك راجع إلى ما كسب العبد من الخطايا والرزايا. وتحدثت عن مقر العقل والفرق بينه وبين الفكر والنظر، وبيّنت أن التعقل عمل من أعمال القلب، وليس هناك عين بذاتها في الإنسان تسمى العقل، مستأنساً بأقوال العلماء في شرح الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، فقادنا هذا إلى أن موضع التمييز والاختيار وإلزام الحجة هو القلب، وحتى يتم التوضيح أكثر عرّفت الفهم ومراتب الناس بالنسبة لتعقل وتعريف العاقل، كل ذلك يقودنا إلى مراتب المعرفة عند الإنسان، سواء كانت معرفة مباشرة أو غير مباشرة للقلب، وظهر لنا أن زيادة أعمال الخير فَتْح من الله ﵎، تدل على ترقي الفهم الذي يقود إلى التعقل، ولا يتم ذلك إلاَّ بزيادة الإيمان، أو بخصوصية المشرع للصفوة الطاهرة، برجحان القوة العملية الإرادية أو القوة العملية النظرية. والمهم أن يكون العلم بتدبر وانتفاع وتصديق وطاعة، حتى يؤدي ذلك إلى تعظيم الله. أما العلم القاصر على الاستمتاع الدنيوي فقط، فهو درك يهوي بصاحبه. وتحدثت عن وسائل المعرفة غير المباشرة للقلب، كالسمع والبصر ووظائف كل منهم، بقدر ما يحتاج إليه البحث مع بيان أهميتها بالنسبة للإنسان. أما المعرفة المباشرة فهي الرؤى والأحلام، وظهر أنه بقدر الإيمان وبرقيه تزداد المعرفة عن طريق الرؤى، وكذلك الخاطر والإلهام والتحديث، وتقييد كل معرفة بقيود شرعية موافقة لمرضاة الله، مع توضيح مراتب كل معرفة، وما يترتب على ذلك من مخاطبات ومكاشفات، وإسناد ذلك كله على أقوال السلف الطاهر، ثم الفراسة بصفتها نوع من أنواع المعرفة، وختمت أبواب المعرفة بكلام الله لأنبيائه بصفته أعلى أنواع المعارف وأشرفها, وأرقاها، مع تفصيل مستند من الوحي. وأتمنى على الله ﵎، أن يتبع هذه البحث ببحوث متممة تسانده وتوضحه أكثر وأجلى لتتم الاستفادة منه على ما ينبغي، ومن ذلك التوضيح التام لكل حالة تكرر ذكرها في الكتاب والسنة بتفصيل، كالتقوى والطمأنينة والسكينة، وكذلك المعرفة: فهي أنواع، كل نوع تتكون منه رسالة علمية يستفيد منها المسلمون، كالرؤى، فقد كان اهتمام الرسول ? بها كثيراً، فلا بد من وضع قواعد لها مستقاة من الشرع، وكذلك التحديث والإلهام وفراسة المؤمن. ومن المواضيع التي يحتاجها هذا البحث، معرفة النفس أحوالاً وتفصيلاً، لا دراسة عامة كما هو مشاهد، بل حَوَت من الأحوال والصفات أكثر من ثمانين حالة ما بين حياة ومرض وموت، ومدى ارتباط الحالات بالقلب، مع التركيز على التفريق بين أمراض النفوس وأمراض القلوب. فدراسة فردية يمكن أن تلم بالموضوع أمر من الصعوبة بمكان، فأشد الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في فضل نفسه، وأثبت الناس عقلاً أشدّهم اتهاماً لنفسه. نسأل الله جلّت عظمته أن يلهمنا الصواب في القول والعمل. ومما نختم به، قول الحبيب المصطفى ?: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 458

فقه الابتلاء المؤلف/ المشرف: محمد أبو صعيليك المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار البيارق - الأردن ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٠هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: ابتلاء ومحنة وصبر وشكر وبعد هذه الجولة الطويلة التي تعرفنا على سنة من سنن الله تعالى في حياة البشر، وفي طريق الدعوات منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تلك هي سنة الابتلاء، تلك السنة التي جعلها الله تعالى في حياة البشر لتمحيص الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولتعرف بها أحقية الدعوات، وصدق توجهاتها، وصدق نوايا أصحابها، تلك السنة التي ما سلم منها داعية، ولا نجا منها مصلح، ولا تخلفت في حياة نبي، ولا غابت من حياة صادق، تلك السنة التي تخصصت في إظهار حسن معادن الرجال، وصدق طوايا النفس، تلك السنة التي ما برحت مسير الصادقين لحظة، فأظهرت فضلهم، وأنارت طريقهم، وأومأت إلى مواطن الخير في نفوسهم، تلك السنة التي تعجز الصحائف عن تعداد مفردات الخير فيها. وقد وقفنا في هذا البحث عند معنى الابتلاء في اللغة والاصطلاح، وثم عرضنا لحكمة الابتلاء، ثم عرضنا لفوائد الابتلاء التي يستفيدها الإنسان في حياته سواء كان فردا بمفرده أو في جماعته، وهي فوائد جليلة عظيمة أشار إليها أهل العلم عليهم رحمة الله تعالى واقتبسوها من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله ﷺ . ثم عرضنا لأنواع الابتلاء وهما اثنتان، ثم عرضنا للشدائد في حياة المسلم، وهي شدائد تحتاج إلى مزيد استعانة بالله تعالى، وحسن توكل عليه، وكثرة إقبال عليه سبحانه. ثم عرضنا لما يجب على المسلم نحو الشدائد الخمس من لزوم اللجوء إلى الله، والتحلي بأعلى درجات الصبر ولزوم اتباع الحذر من حياته الدنيا، وليكن منهم العفو عمن كان سببا في وقوع إحدى تلك الشدائد والمحن به، ثم لزوم التحلي بتربية صادقة للنفس. ثم عرضنا لأساليب الكفار في تعذيب المؤمنين، وهي أساليب قديمة حديثة، تتشابه في الدافع إليها، وقد رأينا خلال البحث منها الأذى في النفس بصورة من تشويه صورة الداعية، والاستهزاء بالمؤمنين، والتشكيك في شخصية المؤمن، واتهامه بالكذب والسفه والضلال والفساد، واتهامه بالسحر والكهانة والشعر، واتهامه بالنفعية وحب الزعامة، واتهامه بالعمالة لدولة أجنبية، والعمل على إيصال اليأس والقنوط إلى نفسه، ومنها الأذى في المال، بمحاربة المؤمن في رزقه ومصادرة أمواله وممتلكاته، ومحاصرته ومنعه من الاكتساب، ومنها منافعها، وتعذيبه بالنار وتعذيبه بالخنق، وإلقاء الأذى والقاذورات عليه إلى غير ذلك من صور الابتلاء في البدن. كما عرضنا لصور الممارسات القاسية المشينة التي استعملها الكفار مع المؤمنين في العصر الحديث، وخاصة في روسيا أيام الشيوعيين، وفي الصين وتركيا وغيرها، ثم الأذى في النفس والمال والبدن معا ومن صوره: السجن والمطاردة والتهجير من الأوطان، ومنه أذى المؤمن في دينه، بمساومته على مواقفه، ومحاربته في مشاعره، وفتح الأبواب للأفكار المنحرفة. ثم عرضنا لصور الابتلاء بالسراء من إقبال الدنيا والتنافس عليها، ونشوة النصر. ثم عرضنا لما يعين على الابتلاء من عون الله تعالى بالذكر والدعاء والعبادة بصورها كالصلاة والصوم، ومن وجود التقوى التي تحمل الإنسان على القيام بالواجبات، وترك المحرمات، ومن المعينات كذلك الإرادة القوية التي تمنع صاحبها من الضعف أمام خصوم دينه، وأعداء فكرته، ومنها الاعتبار بأحوال البشر، ثم عرضنا للابتلاء بين المحنة والمنحة، فرأينا أنه في ظاهره محنة لكنه في باطنه نعمة ومنحة كبيرة لا يعلم مقدارها إلا من أكرمه الله تعالى بالثبات على أمره في مثل تلك الأحوال.

стр. 459

ثم عرضنا لكون الابتلاء طريق للتمكين لعباد الله تعالى من المؤمنين، ولأن الصابر المبتلى يمكن له في الأرض، وهي سنة من سنن الله تعالى في حياة الناس. ثم عرضنا لنماذج ابتلاء المؤمنين في مختلف العصور: فبدأنا بذكر ابتلاء أولي العزم من الرسل وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وبذكر ما أصابهم من أقوامهم من الأذى والإعراض، ويكف قلب الله تعالى لهم الحالة حتى أصبحت المحن هذه منحاً جليلة ومنناً عظيمة في حياة أولئك الرسل ﵈، وقد عرضنا لصور الابتلاء التي ألمت بهؤلاء الأنبياء ﵈. كما عرضنا معهم لابتلاء سيدنا يوسف ﵇، وكيف أن الله تعالى قد أخرجه من تلك المحن الشديدة والابتلاءات الصعبة صابرا كريما، ما لانت له قناة، ولا تغير له ﵇ موقف. ثم عرضنا للابتلاءات التي تعرض لها أذى قومه له وحربهم إياه، وتكذيبهم لدعوته، وقتلهم لأصحابه، وتأليبهم الكفار في الجزيرة عليه، إلى ابتلائه بأهل النفاق وما فعلوه معه ﷺ بالمدينة، فتأ في عضده، وإضعافا لقوته، وإعانة لأعدائه، وتثبيطا لأصحابه، وما تعرض له ﷺ ، من أذى اليهود، فقد حاكوا له المؤامرات، فحاولوا قتله، وأعانوا عليه أعدائه، ونكثوا معه العهود، وخانوا المواثيق، وما تركوا بابا من الأذى إلا أتوه منه، لكن الله تعالى أعانه عليهم، وسلطه عليهم، فأخرجهم من المدينة ثم من خيبر. كما عرضنا لما أصابه من البلاء في نفسه من موت بناته وهن شابات، وموت أبنائه الذكور صغارا. ثم عرضنا لما أصاب أصحاب النبي ﷺ ، من الابتلاءات وما نزل بهم من الملمات، وما وقع بهم من البليات، فذكرنا نماذج لأولئك الصحب الكرام الذين ابتلوا، وما فعل بهم الكفار من صنوف الأذى وأنواع التعذيب، بلا ذنب ولا جريمة إلا كونهم يقولون: ربنا الله، فذكرنا ابتلاء أبي بكر وعمر وعبدالله بن مسعود، وأبي ذر الغفاري، وخباب بن الأرت، وابن فهيرة، وعثمان وطلحة بن عبيدالله، ومصعب بن عمير، وعياش بن أبي ربيعة، وسعيد بن زيد، وسعد بن عبادة ﵃، وما أصاب النساء الصحابيات من الأذى فذكرنا ما أصاب أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وأسماء بنت أبي بكر، وأم عبيس وزنيرة وجارية بني مؤمل ﵅ جميعا، وما أصاب زينب بنت رسول الله ﷺ ، وما أصاب أم عمار بنت خياط، رضي الله عن الجميع. ثم عرضنا لنماذج من ابتلاء العلماء الصادقين والدعاة العاملين، فذكرنا ابتلاءات: عبدالله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبدالله من الصحابة ﵃، وابتلاءات: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وأبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والنسائي، وابن حزم الظاهري، وعبد الغني المقدسي، وأبي شامة المقدسي، والعز بن عبدالسلام، وأحمد بن تيمية، وابن قيم الجوزية، ومحمد بن عبدالوهاب، والصنعاني، والشيخ السادات، والجبرتي، ومحمد عليش، ومحمد عبده، وسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ﵏ جميعا. وهذه النماذج التي اخترت وذكرت في هذا الكتاب دالة على الأمور التالية: ١ - شمول المحنة لأهل الخير والفضل والصلاح والدين في مختلف العصور وشتى البقاع. ٢ - المحنة مستمرة في مختلف الأجيال كالأنبياء، والصحابة، والتابعين من بعدهم. ٣ - المحنة سنة من سنن الله تعالى في حياة البشر، ولا تتخلف هذه السنة في حياة الناس. ٤ - المحنة علامة صحة ودليل صواب، وليس العكس. ٥ - المحنة تقضي أن يعرف الإنسان قدر نفسه فيعمد إلى الإعداد الروحي لها ولا يتكل على جهد نفسه، وعلى ما يظنه عند نفسه من قوة وتحمل. ٦ - للمحنة فوائد عظيمة وآثار جليلة على النفس والجماعة لا يجوز للمرء بحال أن يغفل عنها أو أن ينساها. ٧ - المحنة تقتضي أن يعرف الإنسان أحكام الرخص الشرعية عند العلماء من جواز الكذب إذا تعلق بكلامه أذى لغيره، وجواز التورية والتعريض، ومن معرفة أحكام التيمم والوصية، والرضى بالقضاء، وحسن الإقبال على الله تعالى وغير ذلك من أحكام. ٨ - المحنة عامة شاملة تشمل الذكر والأنثى والوجيه وغيره، والعبد والسيد، والعربي، والأعجمي، والقديم والمعاصر، وهكذا. ٩ - لا يتمنى المؤمن البلاء ولا لقاء العدو لكن يستعين بالله تعالى إذا وقع به شيء من ذلك أو ألمت به ملمة من تلك الملمات. هذا ما أردت أن أقوله في هذا الباب، ومن الله تعالى أرجو القبول والسداد وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم إنه نعم المولى ونعم النصير. والحمد لله رب العالمين.

стр. 460

محبة الرسول بين الاتباع والابتداع المؤلف/ المشرف: عبدالرؤف محمد عثمان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الضياء - جدة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٢هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: محبة الرسول الخاتمة بعد معالجتي لهذا الموضوع توصلت إلى النتائج التالية: • محبة الرسول ﷺ هي ميل قلب المسلم إلى رسول الله ﷺ ، ميلاً يتحقق فيه إيثاره على كل من سواه من البشر. • أن المحبة أمرٌ زائدٌ على الاتباع، إذ هي بمنزلة الباعث والدافع إلى هذا الاتباع. • أن المحبة ركنٌ أساسي من أركان الإيمان لا يصح الإيمان بدونه. • أن التعبير الحقيقي عن محبة الرسول ﷺ يتمثل في صدق الاتباع له، والاقتداء به وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه ومحبة ما يحبه وبغض ما يبغضه. • أن بين المحبة والاتباع علاقة مطّردة إذ لا يوجد أحدهما بدون وجود الآخر فمن حقق الاتباع وبذل الوسع في معرفة هدي النبي ﷺ فقد صدق في المحبة. • أن بين المحبة والغلو بوناً شاسعاً، فالمحبة أمرٌ شرعي والغلو مذمومٌ ومنهي عنه شرعاً، ولا يمكن اتفاقهما. • أن من غلا في الرسل ﷺ فهو متشبه بالنصارى في غلوهم في عيسى ﵇. • أن بداية الغلو في هذه الأمة كانت لدى الشيعة وعنهم انتقل إلى الصوفية. • كان الحلاج أول صوفي اشتهر عنه الغلو في الرسول ﷺ منطلقاً من مذهبه في حلول الإله في الإنسان، وهو في هذا يشبه النصارى في غلوهم في عيسى ﵇. • كان مقتل الحلاج تحولاً كبيراً في من أتى بعده من الصوفية عامةً وغلاتهم خاصةً، وتمثل ذلك في: - استتارهم بمذهبهم، ومحاولة إخفاء حقيقته عن عامة المسلمين. - اتخاذ الغلو في الرسول ﷺ ذريعةً إلى نشر العقائد الهدامة في صفوف الأمة بدعوة محبة الرسول ﷺ . • كان ابن عربي من أكبر السائرين على درب الحلاج في محاولة الخروج على الإسلام. • يعد ابن عربي صاحب مذهب وحدة الوجود في المحيط الصوفي، إذ بذل في سبيل نشره ودعوة الناس إليه كل ما في وسعه. • أن ابن عربي قد غلا في الرسول ﷺ ورفعه إلى مرتبة الألوهية بمذهبه في الحقيقة المحمدية المساوية للحقيقة الإلهية. • إن غلو ابن عربي ومثله الحلاج وغيرهما من غلاة الصوفية لم يكن نتيجة حبٍ للرسول ﷺ ، بل كان زندقةً وإلحاداً وكيداً لهذا الدين. • كان للغلو في الرسول ﷺ أكبر الأثر في إفساد العقيدة والعبادة لدى أكثر الصوفية، وتمثل ذلك في ضلال معتقدهم في الله ورسوله. • إن الغلو في الرسول ﷺ محرّم شرعاً لما يفضي بصاحبه إلى الخروج من الدين. • من اعتقد مقالة غلاة الصوفية كالقول بالحقيقة المحمدية، وأن الرسول مخلوقٌ من نور، وأنه كان موجوداً بحقيقته قبل خلق السموات والأرض، وأن الكون خلق من نوره، أو أنه روح الله المنفوخ في آدم إلى غير ذلك من مقالات الغلاة. من اعتقد بمثل هذا فقد كفر بعد قيام الحجة عليه. • إن من آثار الغلو ظهور البدع الاعتقادية والعملية. • إن البدعة أمرٌ مذموم شرعاً بلا استثناء إذ كلها ضلالة. • إن القول بتقسيم البدعة إلى حسنةٍ وسيئة قولٌ غير مستقيم شرعاً. • اتخذ كثيرٌ من الصوفية اختلاف العلماء في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ذريعة إلى ترويج بدعهم تحت ستار اسم البدعة الحسنة. • إن الصوفية وبالأخص غلاتهم من أكثر الناس ابتداعاً وخروجاً على السنة. • استغل كثيرٌ من الصوفية دعوى المحبة في إظهار كثيرٍ من البدع، مثل الحضرات والموالد والتوسل البدعي والشركي وصيغ الصلوات المبتدعة. • أن للابتداع آثاراً سيئة على المبتدعة، وتمثل ذلك في حرمانهم من الهدى وقضاء أعمارهم في التيه والضلال، ثم ما ينتظرهم من أليم العقاب، إذا لم يتوبوا ويرجعوا إلى حظيرة السنة والجماعة. • كما كان الغلو سبباً من أسباب الانحراف بالمحبة عن وضعها الشرعي، فإن الجفاء والتقصير في محبة الرسول ﷺ يعتبر مرضاً خطيراً يجب معالجته عند بعض المسلمين. • إن التوسط في أمر المحبة لن يكون إلا بصدق الاتباع لرسول الله ﷺ قولاً وعملاً تأدباً بآدابه وتخلقاً بأخلاقه ﷺ .
следующие страницы →