← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

القلب ووظائفه في الكتاب والسنة المؤلف/ المشرف: سلمان زيد سلمان اليماني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن القيم - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٤هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: أعمال القلوب الخاتمة أما بعد حمد الله الذي هو فاتحة كل كتاب، والصلاة على رسله التي هي خاتمة كل خطاب، نشكره جلّت عظمته أن حبانا بنعمه، وأغدق علينا من فضله. كل صنعة يخترعها العبد، لا بد أن تحوي دليلاً يوضح كيفية العناية بهذه الآلة، وطرق وقايتها، وأسباب إتلافها، وكذلك الإنسان، هو صنعة الخالق جلّت عظمته، أعطاه ينبوع الإسلام الأول، يُقلب في ثناياه ما شاء، وسيجد في كل آية من الكتاب المفصل، ما يشفي صدره، ويعالج قلبه، ويجعله يسيطر بروحه على بدنه، ويسمو بنفسه فوق حسه. وكان الهدف الأسمى من هذا البحث، معرفة هذه اللطيفة الربانية، المرتبطة ارتباطاً معنوياً باللحم الصنوبري الشكل المودوع في الجانب الأيسر من الصدر، ولها به تعلق وثيق، ولا أقصد بالمعرفة الكشف التام، إنما لمسات منيرة أوضحها الذكر الحكيم والسنة المطهرة، واقتبستها منهما، مع الاستدلال والاستئناس بأقوال الأكابر من العلماء، على مختلف الطبقات والأشربة، مع التحفظ عن المجاز ومشتقاته. أوضحت بقدر الإمكان معاني القلب ومترادفاته، والتوضيح يُظهر الفوارق. فالفؤاد اشترك مع القلب في الصغو والتقليب، وانفرد بالفراغ والرؤيا والتثبيت وغيرها، فهو جزء من القلب اختص ببعض الأحوال، من معرفة وخواطر تتقارب مع اللب حيناً وتغايره أحياناً، كما أن العقل نور يقذف في القلب، يستعد به لإدراك الأشياء، وليس عيناً قائمة بذاتها، إنما التعقل عمل من أعمال القلب المؤمن الحي، وبالتتبع وجدنا أن الصدر استقل ببعض الأحوال، فهو يضيق أحياناً وينشرح أُخرى، وهو أول مقامات القلب وموضع نور الإسلام، والقلب مقرّه ومكمنه. وبالنسبة للفطرة: توصلت إلى أنها أعم من أن تكون في قلب أو صدر، فهي تهيئة النفس لقبول الحق، وميثاق أقدم من الرسل والرسالات، ولكنها تتعرض إلى الاجتيال بالشبهة أو الشهوة، ولا حادي لها سوى الإسلام، به ترتقي إلى حقيقة التوحيد، ومع الإيمان تصور وقفة بين الحظ الأدنى والأعلى، وعلى قدره يكون النور في القلب، وبقدر عظم النور يحترق الاجتيال، وفيه تم التفريق بين الإسلام والإيمان إذا افترقا، وذكرنا بعضاً من أنوار لا إله إلاَّ الله بقدر ما صرح به الوحي. وبتتبع أحوال القلب الحي حالة بعد أُخرى استقصاءً، بقدر ما يسر الله بين الكتاب والسنة وأقوال العلماء، مع المحافظة على لغة الذكر الحكيم، تبيّن لنا من النصوص أن أول ما يطالب به العبد بعد سلامة القلب الخشوع، حتى يترقى في الثواب ويسلم من العقاب. وبيّنا معاني ورود الحالة في كتاب الله وأقوال العلماء فيها، ثم أثر تلك الحالة على الجوارح وعلى المجتمع سلباً وإيجاباً، ومقدار دوام الحالة في الأمة، وما ينتج عن ذلك، وكيف يتم الانتقال في درجات الإحسان، ومن هو المحظوظ بهذه المكانة من الأمة، وحين ترد الحالة في اللغة تحتمل المدح والذم، فصلت لمن تكون تلك الأحوال كشدة القلوب مثلاً، مرغوبة في وقت ومرفوضة في وقت آخر، وأن من الأحوال ملكات في استطاعة العبد أن ينميها، حتى يطمئن قلبه إلى ذكر الله فيزول ما فيه من القلق والوحشة، ومن التتبع تبيّن أن أعلى حالات القلب الحي، ومنتهى الكمال، وأقصى ما تتحمله طاقة القلب، الغين عليه، وهي من مراتب النبوة التي اختص بها المفضَّل بالشفاعة ?.

стр. 457

وتبيّن لنا أن لله ﵎ أفعالاً في قلوب عباده، يعطيها لمستحقها إذا بلغ مرحلة من مراحل القلب، سواء كانت المرحلة رقياً أو دركاً. فالطهارة والتزين والتثبيت والهداية، من خلق الله أو إنشائه في القلوب المترقية، وللدرك أحوال أُخرى، ولا تتفق القلوب على المودة والألفة إلاَّ بالمحبة الخاصة التي وعد الله أهل التقوى أن يؤتيهم كفلين منها. والإنسان وإن كان يولد بقلب سليم على الفطرة، إلاَّ أنه قابل للانحراف، لا عاصم له من وساوس الجن والأنس، إلاَّ بالتمسك بما يحييه ويرتقي به في مراتب الإيمان. وهو محل الميل والإرادة، فإذا مال إلى الهدى فهذه إرادة الرحمن، وإن مال إلى الضلال فبغية الشيطان، والقلب المريض اتضح لنا أنه لا يخلو من أحوال: كالغل والغلظة والغيظ والإباء، وكلها مراحل كبر أو نفاق أو كفر لا يخرجان عن الملة، وفصّلت القول مستشهداً بقول السلف في هذه الأحوال، متى تكون مرضاً من أمراض القلوب، ومتى تخرج من الملة، وكيفية معالجة هذه الأمراض، مع توضيح لأثر الذنوب على القلوب، مستدلاً على ذلك بنصوص الوحي الكريم. وحتى أوضح أخر مراحل موت القلب، فصّلت تعريف الموت وأنواعه وأوجه وروده في القرآن الحكيم، مع ذكر الآيات التي تدل إشارة إلى موته، فلا بد من الحيطة، إذ كثير من المشركين أزيحت الغشاوة عن قلبه فآمن، وهذا يعني بالضرورة: أنهم لم يبلغوا المرحلة النهائية من مراحل موت القلب، وتبيّن لنا أن هناك صفات وحالات، تمر على القلب المتهالك في المرض، فتقوده إلى الموت التام، كاللهو والغمر والإنكار والاشمئزاز والإكنان وما تابعهم من صفات، حتى يشرب القلب حب المعاصي، فتقوده إلى الطبع ثم الختم عليه، وكل ذلك راجع إلى ما كسب العبد من الخطايا والرزايا. وتحدثت عن مقر العقل والفرق بينه وبين الفكر والنظر، وبيّنت أن التعقل عمل من أعمال القلب، وليس هناك عين بذاتها في الإنسان تسمى العقل، مستأنساً بأقوال العلماء في شرح الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، فقادنا هذا إلى أن موضع التمييز والاختيار وإلزام الحجة هو القلب، وحتى يتم التوضيح أكثر عرّفت الفهم ومراتب الناس بالنسبة لتعقل وتعريف العاقل، كل ذلك يقودنا إلى مراتب المعرفة عند الإنسان، سواء كانت معرفة مباشرة أو غير مباشرة للقلب، وظهر لنا أن زيادة أعمال الخير فَتْح من الله ﵎، تدل على ترقي الفهم الذي يقود إلى التعقل، ولا يتم ذلك إلاَّ بزيادة الإيمان، أو بخصوصية المشرع للصفوة الطاهرة، برجحان القوة العملية الإرادية أو القوة العملية النظرية. والمهم أن يكون العلم بتدبر وانتفاع وتصديق وطاعة، حتى يؤدي ذلك إلى تعظيم الله. أما العلم القاصر على الاستمتاع الدنيوي فقط، فهو درك يهوي بصاحبه. وتحدثت عن وسائل المعرفة غير المباشرة للقلب، كالسمع والبصر ووظائف كل منهم، بقدر ما يحتاج إليه البحث مع بيان أهميتها بالنسبة للإنسان. أما المعرفة المباشرة فهي الرؤى والأحلام، وظهر أنه بقدر الإيمان وبرقيه تزداد المعرفة عن طريق الرؤى، وكذلك الخاطر والإلهام والتحديث، وتقييد كل معرفة بقيود شرعية موافقة لمرضاة الله، مع توضيح مراتب كل معرفة، وما يترتب على ذلك من مخاطبات ومكاشفات، وإسناد ذلك كله على أقوال السلف الطاهر، ثم الفراسة بصفتها نوع من أنواع المعرفة، وختمت أبواب المعرفة بكلام الله لأنبيائه بصفته أعلى أنواع المعارف وأشرفها, وأرقاها، مع تفصيل مستند من الوحي. وأتمنى على الله ﵎، أن يتبع هذه البحث ببحوث متممة تسانده وتوضحه أكثر وأجلى لتتم الاستفادة منه على ما ينبغي، ومن ذلك التوضيح التام لكل حالة تكرر ذكرها في الكتاب والسنة بتفصيل، كالتقوى والطمأنينة والسكينة، وكذلك المعرفة: فهي أنواع، كل نوع تتكون منه رسالة علمية يستفيد منها المسلمون، كالرؤى، فقد كان اهتمام الرسول ? بها كثيراً، فلا بد من وضع قواعد لها مستقاة من الشرع، وكذلك التحديث والإلهام وفراسة المؤمن. ومن المواضيع التي يحتاجها هذا البحث، معرفة النفس أحوالاً وتفصيلاً، لا دراسة عامة كما هو مشاهد، بل حَوَت من الأحوال والصفات أكثر من ثمانين حالة ما بين حياة ومرض وموت، ومدى ارتباط الحالات بالقلب، مع التركيز على التفريق بين أمراض النفوس وأمراض القلوب. فدراسة فردية يمكن أن تلم بالموضوع أمر من الصعوبة بمكان، فأشد الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في فضل نفسه، وأثبت الناس عقلاً أشدّهم اتهاماً لنفسه. نسأل الله جلّت عظمته أن يلهمنا الصواب في القول والعمل. ومما نختم به، قول الحبيب المصطفى ?: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 458

فقه الابتلاء المؤلف/ المشرف: محمد أبو صعيليك المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار البيارق - الأردن ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٠هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: ابتلاء ومحنة وصبر وشكر وبعد هذه الجولة الطويلة التي تعرفنا على سنة من سنن الله تعالى في حياة البشر، وفي طريق الدعوات منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تلك هي سنة الابتلاء، تلك السنة التي جعلها الله تعالى في حياة البشر لتمحيص الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولتعرف بها أحقية الدعوات، وصدق توجهاتها، وصدق نوايا أصحابها، تلك السنة التي ما سلم منها داعية، ولا نجا منها مصلح، ولا تخلفت في حياة نبي، ولا غابت من حياة صادق، تلك السنة التي تخصصت في إظهار حسن معادن الرجال، وصدق طوايا النفس، تلك السنة التي ما برحت مسير الصادقين لحظة، فأظهرت فضلهم، وأنارت طريقهم، وأومأت إلى مواطن الخير في نفوسهم، تلك السنة التي تعجز الصحائف عن تعداد مفردات الخير فيها. وقد وقفنا في هذا البحث عند معنى الابتلاء في اللغة والاصطلاح، وثم عرضنا لحكمة الابتلاء، ثم عرضنا لفوائد الابتلاء التي يستفيدها الإنسان في حياته سواء كان فردا بمفرده أو في جماعته، وهي فوائد جليلة عظيمة أشار إليها أهل العلم عليهم رحمة الله تعالى واقتبسوها من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله ﷺ . ثم عرضنا لأنواع الابتلاء وهما اثنتان، ثم عرضنا للشدائد في حياة المسلم، وهي شدائد تحتاج إلى مزيد استعانة بالله تعالى، وحسن توكل عليه، وكثرة إقبال عليه سبحانه. ثم عرضنا لما يجب على المسلم نحو الشدائد الخمس من لزوم اللجوء إلى الله، والتحلي بأعلى درجات الصبر ولزوم اتباع الحذر من حياته الدنيا، وليكن منهم العفو عمن كان سببا في وقوع إحدى تلك الشدائد والمحن به، ثم لزوم التحلي بتربية صادقة للنفس. ثم عرضنا لأساليب الكفار في تعذيب المؤمنين، وهي أساليب قديمة حديثة، تتشابه في الدافع إليها، وقد رأينا خلال البحث منها الأذى في النفس بصورة من تشويه صورة الداعية، والاستهزاء بالمؤمنين، والتشكيك في شخصية المؤمن، واتهامه بالكذب والسفه والضلال والفساد، واتهامه بالسحر والكهانة والشعر، واتهامه بالنفعية وحب الزعامة، واتهامه بالعمالة لدولة أجنبية، والعمل على إيصال اليأس والقنوط إلى نفسه، ومنها الأذى في المال، بمحاربة المؤمن في رزقه ومصادرة أمواله وممتلكاته، ومحاصرته ومنعه من الاكتساب، ومنها منافعها، وتعذيبه بالنار وتعذيبه بالخنق، وإلقاء الأذى والقاذورات عليه إلى غير ذلك من صور الابتلاء في البدن. كما عرضنا لصور الممارسات القاسية المشينة التي استعملها الكفار مع المؤمنين في العصر الحديث، وخاصة في روسيا أيام الشيوعيين، وفي الصين وتركيا وغيرها، ثم الأذى في النفس والمال والبدن معا ومن صوره: السجن والمطاردة والتهجير من الأوطان، ومنه أذى المؤمن في دينه، بمساومته على مواقفه، ومحاربته في مشاعره، وفتح الأبواب للأفكار المنحرفة. ثم عرضنا لصور الابتلاء بالسراء من إقبال الدنيا والتنافس عليها، ونشوة النصر. ثم عرضنا لما يعين على الابتلاء من عون الله تعالى بالذكر والدعاء والعبادة بصورها كالصلاة والصوم، ومن وجود التقوى التي تحمل الإنسان على القيام بالواجبات، وترك المحرمات، ومن المعينات كذلك الإرادة القوية التي تمنع صاحبها من الضعف أمام خصوم دينه، وأعداء فكرته، ومنها الاعتبار بأحوال البشر، ثم عرضنا للابتلاء بين المحنة والمنحة، فرأينا أنه في ظاهره محنة لكنه في باطنه نعمة ومنحة كبيرة لا يعلم مقدارها إلا من أكرمه الله تعالى بالثبات على أمره في مثل تلك الأحوال.

стр. 459

ثم عرضنا لكون الابتلاء طريق للتمكين لعباد الله تعالى من المؤمنين، ولأن الصابر المبتلى يمكن له في الأرض، وهي سنة من سنن الله تعالى في حياة الناس. ثم عرضنا لنماذج ابتلاء المؤمنين في مختلف العصور: فبدأنا بذكر ابتلاء أولي العزم من الرسل وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وبذكر ما أصابهم من أقوامهم من الأذى والإعراض، ويكف قلب الله تعالى لهم الحالة حتى أصبحت المحن هذه منحاً جليلة ومنناً عظيمة في حياة أولئك الرسل ﵈، وقد عرضنا لصور الابتلاء التي ألمت بهؤلاء الأنبياء ﵈. كما عرضنا معهم لابتلاء سيدنا يوسف ﵇، وكيف أن الله تعالى قد أخرجه من تلك المحن الشديدة والابتلاءات الصعبة صابرا كريما، ما لانت له قناة، ولا تغير له ﵇ موقف. ثم عرضنا للابتلاءات التي تعرض لها أذى قومه له وحربهم إياه، وتكذيبهم لدعوته، وقتلهم لأصحابه، وتأليبهم الكفار في الجزيرة عليه، إلى ابتلائه بأهل النفاق وما فعلوه معه ﷺ بالمدينة، فتأ في عضده، وإضعافا لقوته، وإعانة لأعدائه، وتثبيطا لأصحابه، وما تعرض له ﷺ ، من أذى اليهود، فقد حاكوا له المؤامرات، فحاولوا قتله، وأعانوا عليه أعدائه، ونكثوا معه العهود، وخانوا المواثيق، وما تركوا بابا من الأذى إلا أتوه منه، لكن الله تعالى أعانه عليهم، وسلطه عليهم، فأخرجهم من المدينة ثم من خيبر. كما عرضنا لما أصابه من البلاء في نفسه من موت بناته وهن شابات، وموت أبنائه الذكور صغارا. ثم عرضنا لما أصاب أصحاب النبي ﷺ ، من الابتلاءات وما نزل بهم من الملمات، وما وقع بهم من البليات، فذكرنا نماذج لأولئك الصحب الكرام الذين ابتلوا، وما فعل بهم الكفار من صنوف الأذى وأنواع التعذيب، بلا ذنب ولا جريمة إلا كونهم يقولون: ربنا الله، فذكرنا ابتلاء أبي بكر وعمر وعبدالله بن مسعود، وأبي ذر الغفاري، وخباب بن الأرت، وابن فهيرة، وعثمان وطلحة بن عبيدالله، ومصعب بن عمير، وعياش بن أبي ربيعة، وسعيد بن زيد، وسعد بن عبادة ﵃، وما أصاب النساء الصحابيات من الأذى فذكرنا ما أصاب أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وأسماء بنت أبي بكر، وأم عبيس وزنيرة وجارية بني مؤمل ﵅ جميعا، وما أصاب زينب بنت رسول الله ﷺ ، وما أصاب أم عمار بنت خياط، رضي الله عن الجميع. ثم عرضنا لنماذج من ابتلاء العلماء الصادقين والدعاة العاملين، فذكرنا ابتلاءات: عبدالله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبدالله من الصحابة ﵃، وابتلاءات: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وأبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والنسائي، وابن حزم الظاهري، وعبد الغني المقدسي، وأبي شامة المقدسي، والعز بن عبدالسلام، وأحمد بن تيمية، وابن قيم الجوزية، ومحمد بن عبدالوهاب، والصنعاني، والشيخ السادات، والجبرتي، ومحمد عليش، ومحمد عبده، وسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ﵏ جميعا. وهذه النماذج التي اخترت وذكرت في هذا الكتاب دالة على الأمور التالية: ١ - شمول المحنة لأهل الخير والفضل والصلاح والدين في مختلف العصور وشتى البقاع. ٢ - المحنة مستمرة في مختلف الأجيال كالأنبياء، والصحابة، والتابعين من بعدهم. ٣ - المحنة سنة من سنن الله تعالى في حياة البشر، ولا تتخلف هذه السنة في حياة الناس. ٤ - المحنة علامة صحة ودليل صواب، وليس العكس. ٥ - المحنة تقضي أن يعرف الإنسان قدر نفسه فيعمد إلى الإعداد الروحي لها ولا يتكل على جهد نفسه، وعلى ما يظنه عند نفسه من قوة وتحمل. ٦ - للمحنة فوائد عظيمة وآثار جليلة على النفس والجماعة لا يجوز للمرء بحال أن يغفل عنها أو أن ينساها. ٧ - المحنة تقتضي أن يعرف الإنسان أحكام الرخص الشرعية عند العلماء من جواز الكذب إذا تعلق بكلامه أذى لغيره، وجواز التورية والتعريض، ومن معرفة أحكام التيمم والوصية، والرضى بالقضاء، وحسن الإقبال على الله تعالى وغير ذلك من أحكام. ٨ - المحنة عامة شاملة تشمل الذكر والأنثى والوجيه وغيره، والعبد والسيد، والعربي، والأعجمي، والقديم والمعاصر، وهكذا. ٩ - لا يتمنى المؤمن البلاء ولا لقاء العدو لكن يستعين بالله تعالى إذا وقع به شيء من ذلك أو ألمت به ملمة من تلك الملمات. هذا ما أردت أن أقوله في هذا الباب، ومن الله تعالى أرجو القبول والسداد وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم إنه نعم المولى ونعم النصير. والحمد لله رب العالمين.

стр. 460

محبة الرسول بين الاتباع والابتداع المؤلف/ المشرف: عبدالرؤف محمد عثمان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الضياء - جدة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٢هـ تصنيف رئيس: رقائق وزهد وترغيب وترهيب تصنيف فرعي: محبة الرسول الخاتمة بعد معالجتي لهذا الموضوع توصلت إلى النتائج التالية: • محبة الرسول ﷺ هي ميل قلب المسلم إلى رسول الله ﷺ ، ميلاً يتحقق فيه إيثاره على كل من سواه من البشر. • أن المحبة أمرٌ زائدٌ على الاتباع، إذ هي بمنزلة الباعث والدافع إلى هذا الاتباع. • أن المحبة ركنٌ أساسي من أركان الإيمان لا يصح الإيمان بدونه. • أن التعبير الحقيقي عن محبة الرسول ﷺ يتمثل في صدق الاتباع له، والاقتداء به وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه ومحبة ما يحبه وبغض ما يبغضه. • أن بين المحبة والاتباع علاقة مطّردة إذ لا يوجد أحدهما بدون وجود الآخر فمن حقق الاتباع وبذل الوسع في معرفة هدي النبي ﷺ فقد صدق في المحبة. • أن بين المحبة والغلو بوناً شاسعاً، فالمحبة أمرٌ شرعي والغلو مذمومٌ ومنهي عنه شرعاً، ولا يمكن اتفاقهما. • أن من غلا في الرسل ﷺ فهو متشبه بالنصارى في غلوهم في عيسى ﵇. • أن بداية الغلو في هذه الأمة كانت لدى الشيعة وعنهم انتقل إلى الصوفية. • كان الحلاج أول صوفي اشتهر عنه الغلو في الرسول ﷺ منطلقاً من مذهبه في حلول الإله في الإنسان، وهو في هذا يشبه النصارى في غلوهم في عيسى ﵇. • كان مقتل الحلاج تحولاً كبيراً في من أتى بعده من الصوفية عامةً وغلاتهم خاصةً، وتمثل ذلك في: - استتارهم بمذهبهم، ومحاولة إخفاء حقيقته عن عامة المسلمين. - اتخاذ الغلو في الرسول ﷺ ذريعةً إلى نشر العقائد الهدامة في صفوف الأمة بدعوة محبة الرسول ﷺ . • كان ابن عربي من أكبر السائرين على درب الحلاج في محاولة الخروج على الإسلام. • يعد ابن عربي صاحب مذهب وحدة الوجود في المحيط الصوفي، إذ بذل في سبيل نشره ودعوة الناس إليه كل ما في وسعه. • أن ابن عربي قد غلا في الرسول ﷺ ورفعه إلى مرتبة الألوهية بمذهبه في الحقيقة المحمدية المساوية للحقيقة الإلهية. • إن غلو ابن عربي ومثله الحلاج وغيرهما من غلاة الصوفية لم يكن نتيجة حبٍ للرسول ﷺ ، بل كان زندقةً وإلحاداً وكيداً لهذا الدين. • كان للغلو في الرسول ﷺ أكبر الأثر في إفساد العقيدة والعبادة لدى أكثر الصوفية، وتمثل ذلك في ضلال معتقدهم في الله ورسوله. • إن الغلو في الرسول ﷺ محرّم شرعاً لما يفضي بصاحبه إلى الخروج من الدين. • من اعتقد مقالة غلاة الصوفية كالقول بالحقيقة المحمدية، وأن الرسول مخلوقٌ من نور، وأنه كان موجوداً بحقيقته قبل خلق السموات والأرض، وأن الكون خلق من نوره، أو أنه روح الله المنفوخ في آدم إلى غير ذلك من مقالات الغلاة. من اعتقد بمثل هذا فقد كفر بعد قيام الحجة عليه. • إن من آثار الغلو ظهور البدع الاعتقادية والعملية. • إن البدعة أمرٌ مذموم شرعاً بلا استثناء إذ كلها ضلالة. • إن القول بتقسيم البدعة إلى حسنةٍ وسيئة قولٌ غير مستقيم شرعاً. • اتخذ كثيرٌ من الصوفية اختلاف العلماء في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ذريعة إلى ترويج بدعهم تحت ستار اسم البدعة الحسنة. • إن الصوفية وبالأخص غلاتهم من أكثر الناس ابتداعاً وخروجاً على السنة. • استغل كثيرٌ من الصوفية دعوى المحبة في إظهار كثيرٍ من البدع، مثل الحضرات والموالد والتوسل البدعي والشركي وصيغ الصلوات المبتدعة. • أن للابتداع آثاراً سيئة على المبتدعة، وتمثل ذلك في حرمانهم من الهدى وقضاء أعمارهم في التيه والضلال، ثم ما ينتظرهم من أليم العقاب، إذا لم يتوبوا ويرجعوا إلى حظيرة السنة والجماعة. • كما كان الغلو سبباً من أسباب الانحراف بالمحبة عن وضعها الشرعي، فإن الجفاء والتقصير في محبة الرسول ﷺ يعتبر مرضاً خطيراً يجب معالجته عند بعض المسلمين. • إن التوسط في أمر المحبة لن يكون إلا بصدق الاتباع لرسول الله ﷺ قولاً وعملاً تأدباً بآدابه وتخلقاً بأخلاقه ﷺ .

стр. 461

سياسة شرعية

стр. 462

أهل الحل والعقد صفاتهم ووظائفهم المؤلف/ المشرف: عبدالله بن إبراهيم الطريقي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الفضيلة - الرياض ̈الثانية سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: أهل الحل والعقد الخاتمة: الحق – والحق أقول – بعد هذه السياحة العلمية المضنية في موضوع "أهل الحل والعقد" أنه بقدر ما كان شائقاً ماتعاً، ومؤنساً، مستطاباً، فقد كان كذلك شاقا وشائكاً. ولكنني لم ولن أندم على هذه السياحة لما وجدت فيها من الفوائد الكثيرة والجليلة والتي من أهمها: اكتشاف ما لهذه الهيئة من المكانة الاجتماعية السامقة، ثم ما يترتب عليها من وظائف كبيرة عامة، ومتى "صلحت هذه الفئة من الأمة صلح حالها وحال حكامها، وإذا فسدت فسدا، ولذلك كان مقتضى الإصلاح الإسلامي أن يكون أهل الحل والعقد في الإسلام من أهل العلم الاستقلالي بشريعة الأمة، ومصالحها السياسية والاجتماعية والقضائية والإدارية والمالية، ومن أهل العدالة والرأي والحكمة". ذلك ما أردت الإشارة إليه بين يدي هذه الخاتمة. أما ما أختم به هذا الموضوع وبإيجاز شديد؛ فهو أمران: أحدهما: أهم نتائج البحث. والثاني التوصيات. أولاً: أهم نتائج البحث: لقد ظهر من خلال البحث أن من القضايا المطروحة ما هو يقيني قطعي، ومنها ما هو مظنون. فأما اليقيني فقد برز في أمور كثيرة منها: ١ - مشروعية التشاور في أمر المسلمين. ٢ - النصيحة للمسلمين عامة ولأولي الأمر خاصة، والاهتمام بأمورهم. ٣ - أنه لا بد أن يتصدى لأمور المسلمين العامة فئة من الناس تتميز بسمات وصفات معينة من أجل عقد تلك الأمور وحلها. وذلك من فروض الكفايات، وإذا لم تقم فعلى الأمة جميعاً تقع المسؤولية والتبعة. ٤ - وفي مقدمة هؤلاء أهل العلم العاملون، فإن لهم مكان الصدارة وبهم تقتدي الأمة، وعليهم تستند. ٥ - ومن صفات هؤلاء الذين يتولون عقد الأمور وحلها: الإسلام، والتكليف، والعدالة، والعلم الضروري، والشوكة، والذكورة. ٦ - وعليهم وظائف كبيرة من أبرزها: اختيار من يصلح للإمامة ومبايعته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للأمة كافة. وفي حال خلو الزمان من الإمام فإن عليهم مسؤوليات مضاعفة وضخمة، حتى يقوموا ببيعة إمام. ٧ - وفي حال إجماعهم على شيء فتجب طاعتهم، ولا يحل الخروج عنهم أو عليهم. تلك من أبرز القطعيات في هذا الموضوع. أما المظنون فهو كثير هنا، ولكنه – قد بدأ خلال البحث – ذا صور ووجوه مختلفة. فمنه ما هو ظاهر الرجحان، ومنه ما هو محتمل، ومنه ما هو ضعيف أو شاذ. ومن أمثلة الأول "ظاهر الرجحان": ١ - مفهوم أهل الحل والعقد وأنه يشمل ثلاث فئات، العلماء، والأمراء، والوجهاء. وأما الاقتصار على واحدة منها أو اثنتين فهو مرجوح. ٢ - اعتبار صفة الاجتهاد – ولو أدناه – في بعض أهل الحل والعقد للحاجة الشديدة إليه. ٣ - اشتراط صفات الرأي والحكمة والخبرة فيهم. ٤ - أن مسؤوليتهم مستمرة في حال وجود الإمام وعدمه. ٥ - وهذه المسؤولية ذات شمولية في كل ما هو من شؤون المسلمين العامة "الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والأمنية، ونحو ذلك". ٦ - وفي حال اختيار الإمام ومبايعته فلا بد من اتفاق جمهورهم من ذوي الشوكة، ولا يكتفي بأفراد محدودين، ولاسيما إذا كانوا ذوي كثرة. ٧ - وفي حال اختلافهم مع الإمام القائم، فإذا كانوا مجمعين على الرأي وجب اتباعهم مطلقاً. وإن اختلفوا فينظر في الإمام أهو مجتهد أم لا؟ فإن كان مجتهداً فيطاع هو، وإن كان غير ذلك فيطاع جمهور أهل الحل والعقد المؤيدون بالعلماء. ومن أمثلة الثاني "وهو المحتمل": ١ - اشتراط المواطنة في عضو أهل الحل والعقد أو عدم اشتراطها. ٢ - هل للإمام أن يعين أهل الحل والعقد؟ أيعينون بطريق الانتخاب؟ أو أنهم يتعينون من خلال واقعهم؟

стр. 463

٣ - وهل تكون شوراهم ملزمة للإمام أو غير ملزمة، وهل يجب الأخذ برأي الأغلبية أو برأي الإمام؟ ٤ - وهل يشارك رجال العلم والدعوة في المجالس البرلمانية في الدولة العلمانية أو لا؟ على أنه قد بدا خلال البحث تفصيلات مفيدة في مثل تلك المسائل. ومن أمثلة الثالث "وهو الضعيف أو الشاذ": ١ - جواز مشاركة الذمي لأهل الحل والعقد. ٢ - جواز مشاركة المرأة لهم أيضاً. ٣ - اشتراط صفة الاجتهاد في كل واحد منهم. ٤ - اعتبار شروط أهل الحل والعقد اجتهادية صرفة قابلة للتغير والتبديل. ٥ - عدم اشتراط العلم مطلقاً، والاكتفاء بشرط الإسلام والخبرة والرأي. ٦ - تحديد العدد من أهل الحل والعقد الذين تنعقد بهم البيعة: بالواحد والاثنين والثلاثة ونحوها. ٧ - القول بأن نظام "أهل الحل والعقد" برمته غير واضح المعالم، وأنه مجرد اصطلاح شكلي لا يحقق الغرض المطلوب. ٨ - والقول بأن وظائف أهل الحل والعقد تنحصر في اختيار الإمام ومبايعته ثانيا: التوصيات: إذا كان أهل الحل والعقد يمثلون النخبة الطيبة من علماء الأمة وعقلائها فإني ملي أن يتقدم بالتوصيات إليهم وهم أصحاب الخبرة والدراية بواقع أمتي، بل هم أصحاب العلم بالشريعة. ولكنني – وقد بحثت هذا الموضوع – أستأذن مثل هؤلاء الأفاضل كما استأذن القارئ الكريم بإبداء هذه المرئيات التي أراها نافعة ومفيدة: ١ - يعلم الدعاة والعلماء وذوو الغيرة في أنحاء العالم الإسلامي أن صلاح الأمة منوط بهم بعد الله. ولذلك فإن عليهم أن يدركوا حقيقة المسؤولية وجسامتها، وأن يكونوا عند حسن ظن الأمة بهم، وأن يتقوا الله تعالى في الناس، فلا يتركوهم تتخطفهم الأهواء ودعاة الضلالة. ٢ - والدعاة – وهم يقومون بوظيفة الرسل وهي الدعوة – مطالبون بأن تكون دعوتهم قائمة على منهج الرسول ﷺ وأتباعه من الصحابة والتابعين ومن سار على دربهم. وبهذا المنهج تلتقي الدعوات كلها، وتتقارب أهدافها، كما تلتقي القلوب على الحق. ولعل من أهم الوسائل المساعدة هنا الاهتمام بالعلم الشرعي، والالتفاف حول رجالات العلم العاملين. إنه رجاء موجه إلى كل الحركات والجماعات والجمعيات الدعوية – نأمل أن يتحقق. ٣ - وبجانب ذلك الرجاء فهنا تحذير لا بد منه وهو أن يحذر الدعاة الأفاضل في كل مكان من الاغترار بأنفسهم والاستغناء عن أهل العلم، أو اعتبار أنفسهم هم أهل الحل والعقد في بلادهم مع عدم تأييدهم للعلماء وتأييد العلماء لهم. ٤ - كما ينبغي الحذر من الاغترار بالغوغائية أو ما يسمى بالتأييد الجماهيري غير المنضبط، الذي يتأثر بالدعايات والمظاهر، دون اقتناع علمي وعقلي، الأمر الذي قد يزج بالدعاة والمصلحين في المضايق، بل في الطرق المسدودة. ٥ - ومن الحكمة أن تراعى الظروف المحيطة "المحلية والخارجية" سواء أكانت ظروفاً سياسية أم فكرية أو اجتماعية أم غيرها، والتي بناء عليها يستطيع أهل الحقل والعقد في كل بلد أن يقوموا بوظائفهم على الوجه المقبول. ولابد أن الظروف والملابسات تختلف من مكان إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى. إذ بعض البلاد المسلمة مازالت محافظة على أصل الإسلام وجوهرة ورعايته في الجملة، وبعضها يأخذ بأنظمة وقوانين مزدوجة منها الإسلامية، ومنها القانونية البحتة. وبعضها قد فسح المجال للدعوة والتربية وربما أيدت، وفي المقابل يوجد دول تنتمي إلى الإسلام وهي تحارب الدعاة ورجال الإصلاح، بل تعلن حربها على شريعة الله بشكل سافر.

стр. 464

٦ - ولعل من أهم الوسائل التي بها يتمكن أهل العلم والرأي في الأقطار الإسلامية كافة، عقد المؤتمرات واللقاءات لبحث أمور المسلمين العامة فيما يحقق الخير للمسلمين. وهنا ينبغي الاستفادة من بعض المؤسسات القائمة التي تعني بأمور المسلمين العامة مثل: رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، والمجامع الفقهية الموجودة في بعض البلدان المسلمة. ونظراً لأن هذه المؤسسات كثيرة جداً وهي موجودة في أقطار مسلمة وغير مسلمة، لذلك فإنني أتمنى لو أن إحدى هذه المؤسسات الكبرى كالرابطة مثلاً، أو منظمة المؤتمر الإسلامي، أو أحد المجالس الإسلامية الموجودة في الغرب تنظم لقاء عاما يجمع هذه المؤسسات كلها للمشاورة في أمر الدعوة الخاصة وفي مصالح المسلمين عامة. على أنه ينبغي أخذ الحذر من المؤسسات المشبوهة التي تنتمي إلى طوائف ضالة منحرفة، أو تمول من قبلها أو من قبل الدول والقوى المعادية للإسلام. ٧ - وبالنسبة للمشاركة الفعلية في المجالس الشورية والبرلمانية في البلدان المسلمة من قبل أهل العلم والدعوة فإن ذلك يخضع – في نظري – لظروف كل دولة، وعلى أولئك أن يوازنوا بين المصالح والمفاسد بمعايير شرعية دقيقة. ونظراً لأن هذه المسألة "الدخول في المجالس البرلمانية في الدول العلمانية" لا زالت محل النظر. فإنني أتمنى على المجامع الفقهية الموقرة أن تدرسها بعناية وتصدر فيها ما تراه متفقاً مع السياسة الشرعية، ولو بوضع أصول عامة. كما أتمنى أن تدرس ما أشبهها من النوازل في هذا المجال مثل: الانتخاب، والترشيح، والأخذ بمبدأ الأغلبية، ووجود الأحزاب السياسية ونحو ذلك. ٨ - وأخيراً فلا تفوتنا هذه الوصية إلى العامة، وذلك بأن يعرفوا حق هذه الهيئة ومنزلتها، ويرجعوا إليها في كل شؤونهم العامة، ويسمعوا ويطيعوا لها كما ينبغي أن يكونوا أعضاء قوية وسواعد متينة لها تشد أزرها وتنهض بعزيمتها وتدافع عنها. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 465

أهل الحل والعقد في نظام الحكم الإسلامي - بحث مقارن المؤلف/ المشرف: بلال صفي الدين المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار النوادر – سوريا ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: سياسة شرعية - أعمال شاملة ومنوعة نتائج البحث: يمكن تلخيص أهم النتائج التي وصل إليها البحث من خلال ما يأتي: ١ - إن أول من عبر بمصطلح: أهل الحل والعقد، هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀. ٢ - بعد الإطلاع على جهود العلماء والباحثين في تعريف هذا المصطلح، أرى تعريفه بما يأتي: أهل الحل والعقد: هم جماعة مخصوصة من وجوه الناس، يمثلونهم في رعاية أمورهم العامة. ويمكن تفصيل هذا التعريف بالقول: أهل الحل والعقد: هم الجماعة المخصوصة، الذين تختارهم الأمة من وجوهها المطاعين، ذوي العدالة والعلم والأمر العام، وبخاصة العلماء المشهورين ورؤساء الناس، وتتبعهم فيما ينوبون فيه عنها، من إقامة مقصود الإمامة، ورعاية أمور الأمة ومصالحها العامة، وأهمها: اختيار رئيس الدولة. ٣ - إن أهل الشورى هم أهل العلم، سواء أكانوا وجوهاً بين الناس أم لم يكونوا؛ وإن أهل الحل والعقد هم وجوه الناس، سواء أكانوا من العلماء أم لم يكونوا. ٤ - إن مصطلح أهل الاختيار: مفهوم مرادف لكلمة: أهل الحل والعقد، وإن مصطلح أهل الشوكة، أو أهل القوة والنفود: يطلق على من كان ذا نفوذ وعصبية، وفقد شرطاً من شروط المشروعية الواجب توافرها في أهل الحل والعقد. ٥ - إن أهل الحل والعقد، أو وجوه الناس، الوارد ذكرهم في نطاق: نظام الحكم الإسلامي، هم فئة مستقلة عن أهل الحل والعقد، أو المجتهدين، الوارد ذكرهم في علم أصول الفقه. ٦ - كان لأهل الحل والعقد في زمن النبي ﷺ ، أثرهم الواضح في نصرة الإسلام، ونشر دعوته، ومن الأمثلة عليه: بيعة العقبة الثانية، وغزوة بدر، كما كان الأهل الحل والعقد وجود واضح في زمن الخلافة الراشدة، وبخاصة في بيعة الخلفاء، وفي زمن الخلافة الأموية الأموية والعباسية، وبخاصة في موضوع: العهد. ٧ - إن أول ظهور واضح لأهل الحل والعقد في الإسلام، كان في انتخاب أهل العقبة الثانية نقباءهم الاثني عشر. ٨ - تجب إقامة جماعة أهل الحل والعقد على من كان قادراً عليها؛ لأن إقامة الوظائف المنوط بأهل الحل والعقد تجب شرعاً، و (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). ٩ - يجب على رئيس الدولة أخذ موافقة أهل الحل والعقد على كل ما ينشئ إلزاماً جديداً على الرعية، إذا لم يمنح الرئيس جواز الإلزام بهذا الأمر في عقد البيعة، ويجب على العامة الالتزام بقرار أهل الحل والعقد؛ لكونهم من أولي الأمر المنصوص على وجوب طاعتهم. ١٠ - إن الشروط الواجب توافرها في أهل الحل والعقد هي: الوجاهة أو الشوكة، والعدالة، والعلم بأمور الإمامة، ولا يشترط فيهم بلوغ مرتبة الاجتهاد، ولا تشترط فيهم الذكورة، ويجوز إدخال ممثلين عن غير المسلمين ضمن جماعة أهل الحل والعقد، بشروط. ١١ - إن أهم عناصر أهل الحل والعقد هم العلماء، ورؤوس الناس، وقادة القوى المسلحة؛ لتبعية الناس لهم، ولوجاهتهم بين العامة، أما المناصب الإدارية فلا تخول أصحابها الدخول في جماعة أهل الحل والعقد إذا لم تكن لهم وجاهة بين العامة. ١٢ - إن طريقة تمييز أهل الحل والعقد هي الانتخاب من قبل العامة، المكلفين العدول، ولا تشترط الذكورة، ويحق لغير المسلمين انتخاب ممثلين عنهم بشروط، ولا يجوز إلزام العامة بممثلين يعينهم رئيس الدولة أو غيره ممن لم تنتخبهم العامة. ١٣ - يختص أهل الحل والعقد ببيعة رئيس الدولة، وبعزله عند الحاجة، وبإقرار الالتزامات التي تمس مصالح العامة، ولهم الرقابة على تصرفات رئيس الدولة، للتأ: د من مراعاة مضمون عقد البيعة، وتنفيذاً لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحقيقاً لمصلحة الأمة. ١٤ - إن مناط انعقاد الإمامة هو بيعة أهل الحل والعقد، الذي تقوم بهم القدرة، ويستقر ببيعتهم الأمر، وليس العهد الخلي عن موافقة هذه الجماعة بعاقد للإمامة. ١٥ - إن عدم الاتفاق على أن الهوية الإسلامية هي مصدر التشريع، ومعيار حسن أداء جهاز الحكم، يؤدي إلى الإخلال بصدق تمثيل أهل الحل والعقد للعامة، وإلى عدم أداء أهل الحل والعقد لوظائفهم على الوجه الذي يحقق المصلحة.

стр. 466

أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية والرد على الطوائف الضالة فيه المؤلف/ المشرف: علي بن نفيع العلياني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٥هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: جهاد الخاتمة لقد تم هذا البحث المتواضع بعون من الله وتوفيقه وأسأل الله سبحانه أن يتجاوز عن الزلل والتقصير وأن ينفع بالمكتوب. ويمكن تلخيص أهم نتائج البحث فيما يأتي: ١ـ إن الله سبحانه أرسل خاتم رسله ﵊ بأكمل وأشمل وأتم رسالة سماوية وكلفه بالدعوة إلى الله وشرع له وسائل الدعوة وطرقها فقام بأمر ربه خير قيام فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة. ٢ـ إن الواجب على الدعاة إلى الله اتباع الرسول e في نهجه والاهتداء بنور الوحي وقد بين e غاية البيان وسائل الدعوة المشروعة وطرقها فليس في الإسلام "إن الغاية تبرر الوسيلة" كما هو في الأنظمة الوضعية بل لا بد أن تكون الوسيلة مشروعة والغاية مشروعة. ٣ـ إن الرسول e مارس الدعوة بنوعيها السري والعلني تبعاً للمصلحة الشرعية. ٤ـ إن الرسول e كان يدعو إلى العقيدة أولاً ويوليها كل اهتمام لأنه بدون تصحيح العقيدة وتثبيتها في النفوس لا تستقيم الأعمال. ٥ـ إن التربية على العقيدة تحتاج إلى فترة طويلة حتى ترسخ في النفس وتتكيف بها في واقع الحياة. ٦ـ إن أقوى سلاح تتسلح به الدعوة في حال ضعفها هو الاتصال بالله وتكثيف العبادة والصبر والثبات علىالحق. ٧ـ إن الابتلاء سنة ربانية في طريق الدعوة إلى الله تعالى. ٨ـ إن النجاح في الابتلاء وسيلة للنجاح في الدعوة إلى الله تعالى. ٩ـ إن التنازل عن شيء من العقيدة تشويه للمنهج لا يقره الإسلام "ودوا لو تدهن فيدهنون". ١٠ـ في حال ضعف المسلمين وغلبة الكفر لا يحل ترك الدعوة إلى الله وإعداد النفوس المؤمنة التي تتكاتف على حمل الحق ونشره بين الناس حسب الاستطاعة. ١١ـ إن انتفاش الباطل وهيمنته وتعذيبه للمؤمنين وفتنتهم عن دينهم يكون عند فقد الجهاد والقوة الرادعة لقوى الشر والطغيان وأوضح مثال على ذلك العهد المكي في عصر الرسول e وهذا العصر الحاضر. ١٢ـ إن الجهاد القتالي مرحلة حتمية من مراحل الدعوة إلى الله وهو الذي ينشرها ويوسع قطرها ويكثر اتباعها ويعز شأنها وسيرة الرسول e في العهد المدني أكبر دليل على ذلك. ١٣ـ إن الجهاد الإسلامي مراحل يسلم بعضها إلى بعض آخرها قتال الكفار كافة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ويخضعوا لحكم الإسلام على خلاف بين العلماء فيمن تقبل منهم الجزية. ١٤ـ إن الله ختم الدين بالدين الإسلامي وجعل الجهاد منه في الذروة كما تقدم في الحديث "وذروة سنامه الجهاد". ١٥ـ إن جهاد المرتدين عن الإسلام أولى من جهاد الكفار الأصليين إذا أمكن ذلك كما فعل أصحاب رسول الله e ورضي عنهم. ١٦ـ إن الزنادقة والمنافقين الذين يتكرر نفاقهم وزندقتهم بعد إقامة الحجة عليهم يجاهدون دائماً وأبداً حتى يقضى عليهم ولا تقبل توبتهم في الظاهر في أصح قولي العلماء. ١٧ـ إن الجهل بالكتاب والسنة من أكبر أسباب تقبل المسلمين للغزو الفكري الداعي إلى هدم الجهاد وتحريف معناه. ١٨ـ إن أي دعوة تدعو إلى ترك الجهاد أو الإضعاف من شأنه إنما هي دعوة إلى هدم الإسلام لأنه لا قيام للمسلمين بغير جهاد. ١٩ـ إذا تقرر أنه لا قيام للمسلمين بدون الجهاد فإنه يجب على المسلمين إعداد العدة لكي يجاهدوا الكفار وإن من أقوى عدد الجهاد النفوس المؤمنة المهتدية بنور الوحي. ٢٠ـ إن الكفار يخافون أشد الخوف من عقيدة الجهاد ومن أجل ذلك يحاربونها بأساليب شيطانية كثيرة من أهمها: أـ تبني الحركات الزائفة التي لا تعير الجهاد كبير اهتمام كفرق التصوف والروافض ونحو ذلك.

стр. 467

ب ـ إيجاد حركات محسوبة على الإسلام وهي منه براء تدعو إلى إلغاء الجهاد كالقاديانية والبهائية. ج ـ الدعوة إلى التعايش السلمي لكي تظل دول الكفر آمنة مطمئنة لا يقض مضاجعها جهاد ولا جزية. د ـ نشر الثقافة الماسونية والعلمانية التي لا تجعل للدين تأثيراً في مجرى الحياة. هـ رفع رايات جاهلية تجتمع تحتها الشعوب المستغفلة بدل راية لا إله إلا الله. كراية القومية والوطنية وعدم الانحياز .. ودول العالم الثالث .. والوحدة الآسيوية والأفريقية .. ونحو ذلك. وـ شغل شباب المسلمين بالشهوات والدعوة إلىتبرج النساء والتعليم المختلط والبرامج الهابطة والصحافة الرخيصة والرياضة المنحرفة التي تصرف الشباب عن معالي الأمور إلى سفاسفها. ٢١ـ إن ما ينشره تلاميذ الاستشراق والاستعمار من أن الجهاد في الإسلام هو للدفاع فقط بدعة منكرة مخالفة لإجماع علماء المسلمين قاطبة قبل هذا العصر. ٢٢ـ إن ما يرفع من شعارات في هذا العصر كالقومية والوطنية والإنسانية وزمالة الأديان والسلام العالمي كلها ظلمات بعضها فوق بعض مصدرها غير إسلامي وأهدافها خبيثة تقضي على عقيدة الجهاد. ٢٣ـ إن تلاميذ الاستشراق والاستعمار عقدوا الخناصر على إماتة الروح الجهادية في الأمة الإسلامية فحرفوا عقيدة الحب في الله والبغض في الله وحرفوا معنى الجزية وحكم الرق والأسرى وكثيراً من أحكام الجهاد. ٢٤ـ إن الانبهار الذي أصاب بعض مسلمي هذا العصر بما عند الكفار من تقدم علمي وصناعي جعلهم يلوون أعناق النصوص الشرعية لكي توافق ما توصل إليه العالم ـ المتقدم صناعياً المتخلف عقائدياً وسلوكياً ـ من أراء ونظريات لكي يكسبوا الإسلام مدحاً وثناء من الكفار وهذا الصنيع ينم عن سذاجة كبيرة وجهل بالمصدر المعصوم وبخس لحقه أو ينم عن هزيمة. ٢٥ـ إن فرقة المرجئة قد أثرت في إماتة الروح الجهادية في الأمة الإسلامية تأثيراً بالغاً وذلك لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان ويرونه لا ينقص بالمعاصي ولا يزيد بالطاعة فيستوي عندهم إيمان من يموت في ساحات الوغى وإيمان من يموت في أحضان المومسات! وأن الإرجاء قد تسرب إلى فكر هذه الأمة في صور شتى. ٢٦ـ إن أهل التصوف بعقائدهم الزائغة وسلوكهم المشين وانحرافهم في عقيدة التوكل والرضا بالأقدار واعتزالهم الحياة وركونهم إلى الزوايا والمغارات قد طعنوا الجهاد الإسلامي طعنات في الصميم وللقارئ الكريم أن يتصور مدى الخسارة الجسيمة التي تصيب المسلمين لو أن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وسائر الصحابة تركوا الجهاد وانعزلوا في ناحية من نواحي المدينة وجلسوا يغنون ويتراقصون حتى وإن كان رقصهم شوقاً إلى الله!!! ٢٧ـ إن الجهمية الجبرية التي تجعل الكافر مجبوراً علىكفره لا اختيار له قد ساعدت أيضاً في إماته الروح الجهادية فكيف يجاهد من لا ذنب له على زعمهم! وكذلك الرافضة الجعفرية قد عطلوا جهاد الابتداء والطلب في انتظار إمامهم المعصوم المختفي في السرداب!! ٢٨ـ إن القاديانية والبهائية حركتان مرتدتان تربطهما أوثق العلاقات بالاستعمار الغربي والمحافل الماسونية وقد وجهتا سهامهما لعقيدة الجهاد لتفادي خطره. ٢٩ـ أنه لا فلاح ولا نجاح لهذه الأمة إلا بالرجوع إلىكتاب الله وسنة رسوله e وهدي السلف الصالح واستمداد العقائد والأحكام ومنهاج الحياة بكاملها من المصدر المعصوم ونبذ المناهج البشرية المنحرفة وصلى الله وسلم علىمحمد وعلى آله وصحبه.

стр. 468

إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة المؤلف/ المشرف: صديق حسن خان القنوجي المحقق/ المترجم: مجموعة من الأساتذة بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١١هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: إمامة عظمى وخلافة واستخلاف في حكم الاتصال بالسلاطين اعلم أن كثيراً من القاصرين يعتقد أن من طلب ما يقوم بما يغنيه ومن يعول، ودخل في الأسباب التي يتحصل منها ذلك، خارج عن طريق الصالحين، مخالف لهدي المرسلين، مباين لمسلك الزاهدين، وهو وهم عظيم وجهل كبير، فإنه قد طلب ذلك سيد الأنبياء ﷺ ، وسأل ربه الغنى كما في الصحيحين وغيرهما أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) (١) والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وامتن الله سبحانه عليه بالغنى، فقال: (ووجدك عائلاً فأغنى) (٢) وثبت في الصحيحين وغيرهما أنه دعا لخادمه أنس بالغنى، وثبت في الصحيح أنه قال: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع) (٣) وقال: (حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة) (٤) وهو حديث صحيح. وثبت في الصحيح أنه ﷺ قال لعمر ﵁: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك) (٥). وثبت في أحاديث صحيحة النهي عن المسألة إلا للسلطان، ومن ذلك ما حكاه الله سبحانه عن موسى ﵇ أنه قال: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) (٦) وما حكاه الله سبحانه أن يوسف ﵇ قال لعزيز مصر: (اجعلني على خزائن الأرض) (٧)، وقال أيوب ﵇ لما رأى جراداً من ذهب تسقط عنده فجعل يلتقطها فقال الله له: ألم أغنك عن هذا؟ فقال: بلى، ولكن لا غنى لي عن بركتك، كما في الحديث الثابت في الصحيح، وقال عيسى ﵇ فيما حكاه الله عنه: (وارزقنا وأنت خير الرازقين) (٨) ومن ذلك سؤال حسنة الدنيا كما في قوله : (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) (٩) وقوله : (وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب) (١٠).

стр. 469

والحاصل أن طلب الرزق كائن من غالب العباد؛ الأنبياء والعلماء والزاهدين، بل لو قال قائل: إنهم كلهم طالبون لرزق الله لم يكن بعيداً، فإنهم يسألون من الله الأمطار وصلاح الثمار والبركة في الأرزاق، وهذا هو من طلب الرزق وهو كائن من جميع بني آدم، والمتورع منهم يقيد سؤاله بأن يكون ذلك من وجه حلال. والدعاء هو من جملة السعي في تحصيل الرزق وكذلك جميع الأسباب المحصلة له على اختلاف أنواعها وتباين طرقها، ومن أنكر هذا فقد أنكر ما هو معلوم لكل فرد من أفراد بني آدم، انظر ما كان عليه الصحابة ﵃ في أيام النبوة فإن كل واحد منهم يتعلق بسبب من أسباب الرزق كائناً ما كان، ومن عجز عن ذلك قبل ما يصل إليه، كأهل الصفة فإن وقوفهم فيها هو من طلب الرزق، وهكذا بعد أيام النبوة فإن الخلفاء الراشدين يجعلون لأنفسهم نصيباً من بيت المال يقوم بما يحتاجون إليه لأنفسهم ولمن يعولون على وجه العدل وعلى طريقة الزهد وهم أزهد العباد في الدنيا وفي الاشتغال بها، كذلك من كان منهم بعد انقضاء خلافة النبوة التي يقول فيها الصادق المصدوق: (الخلافة بعدي ثلاثون عاماً، ثم يكون ملكاً عضوضاً) (١) فإن هذه المدة انقضت بخلافة الحسن السِّبط ﵁ ثم كانت من بعده ملكاً عضوضاً وفيها- أعني المدة التي بعد انقضاء مدة الخلافة- القيام بحفظ بيضة الإسلام وجهاد الكفار وفتح ما لم يكن قد فتح من الأقطار، وكان الصحابة ﵃ يقصدون من بيده أمر المسلمين ويطلبون منه مالهم فيه حق من بيوت الأموال التي بيده، وذلك هو من طلب الرزق ويقبلون منه ما يعطيهم من غير كشف عن حقيقة الحال، وهكذا من بعدهم من التابعين. وكان هذا حال خير القرون ثم الذين يلونهم كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. وكان من أهل هذين القرنين من يلي للقائمين بالأمر الأعمال من قضاء وإمارة على بعض البلاد وإمارة على جيش ولا ينكر هذا منكر ولا يخالف فيه مخالف، وهذا هو نوع من أنواع طلب الرزق وإن كان العمل قربة كالقاضي وأمير جيش الجهاد فإنه لا ينافي ما هو فيه من القربة أخذ ما يحتاج إليه من بيت مال المسلمين، وما زال عمل المسلمين على هذا منذ قامت الملة الإسلامية إلى الآن مع كل ملك من الملوك، فجماعة يلون لهم القضاء، وجماعة يلون لهم الإفتاء، وجماعة يلون لهم على البلاد التي إليهم، وجماعة يلون لهم إمارة الجيش، وجماعة يدرسون في المدائن الموضوعة لذلك وغالب جراياهم من بيت المال، فإن قلت: قد يكون في الملوك من هو ظالم جائر، قلت: نعم، ولكن هذا المتصل بهم لم يتصل بهم ليعينهم على ظلمهم وجورهم بل ليقضي بين الناس بحكم الله أو يفتي بحكم الله أو يقبض من الرعايا ما أوجبه الله أو يجاهد من يحق جهاده أو يعادي من يحق عداوته، فإن كان الأمر هكذا فلو كان الملك قد بلغ من الظلم إلى أعلى درجاته لم يكن على هؤلاء من ظلمه شيء، بل إذا كان لأحدهم مدخل في تخفيف الظلم ولو أقل قليل وأحقر حقير كان مع ما هو فيه من المنصب مأجوراً أبلغ أجر لأنه قد صار مع منصبه في حكم من يطلب الحق ويكره الباطل ويسعى بما تبلغ إليه طاقته في دفعه، ولم يعنه على ظلمه ولا سعى في تقرير ما هو عليه أو تحسينه أو إيراد الشبه في تجويزه، فإن أدخل نفسه في شيء من هذه الأمور فهو في عداد الظلمة وفريق الجورة ومن جملة الخونة، وليس كلامنا فيمن كان هكذا إنما كان كلامنا في من قام بما وكل إليه من الأمر الديني غير مشتغل بما هم فيه إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تخفيف ظلم أو تخويف من عاقبته أو وعظ فاعله بما يندفع منه بعض شره.

стр. 470

وكيف يظن بحامل علم أو بذي علم أن يداخل الظلمة فيما هو ظلم، وقد تبرأ الله سبحانه إلى عباده من الظلم فقال: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (١) وقال: (وما ربك بظلام للعبيد) (٢)، وقال: (ولا يظلم ربك أحداً) (٣) وقال: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً) (٤) وقال: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (٥) وقال: (وما الله يريد ظلماً للعباد) (٦) وقال: (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) (٧)، وغير ذلك من الآيات القرآنية. وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً لا تظالموا) (٨) وقال رسول الله ﷺ كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته) (٩) ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (الظلم ظلمات يوم القيامة) (١٠) وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث جابر. وفي الصحيح من حديث أبي هريرة (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) (١١) وفي لفظ: (لا يظلمه ولا يخذله). والأحاديث الواردة في تحريم الظلم وذم فاعله وما يستحقه من العقوبة كثيرة جداً وقد أجمع المسلمون على تحريمه ولم يخالف في ذلك مخالف وأجمع العقلاء على أنه من أعظم ما تستقبحه العقول، ثم قد بين رسول الله ﷺ لنا في مداخله الظلمة ما هو القول الفصل والحكم العدل، فقال في حديث صحيح -أخرجه الترمذي في موضعين من سننه- وأوضح ذلك أتم إيضاح وبينه أكمل بيان: (من غشي أبوابهم وصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه ولا هو وارد علي الحوض يوم القيامة، ومن لم يغشهم ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وهو وارد علي الحوض يوم القيامة) (١٢) وقد ثبت في الصحيح في ذكر أئمة الجور ومداخلتهم، فقال ﷺ : (ولكن من رضي وتابع) فنقرر لك بهذا أن المداخل لهم إذا لم يصدقهم في كذبهم ولا أعانهم على ظلمهم ولا رضي ولا تابع فهو من رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ منه، فكانت هذه مرتبة عالية وفضيلة جليلة فكيف إذا جمع بين عدم وقوع ذلك منه والسعي في التخفيف أو في الموعظة الحسنة.

стр. 471

ولا يخفى على ذي عقل أنه لو امتنع أهل العلم والفضل والدين من مداخلة الملوك لتعطلت الشريعة المطهرة لعدم وجود من يقوم بها، وتبدلت تلك المملكة الإسلامية بالمملكة الجاهلية في الأحكام الشرعية من ديانة ومعاملة، وعم الجهل وطم وخولفت أحكام الكتاب والسنة جهاراً لا سيما من الملك وخاصته وأتباعه وحصل لهم الغرض الموافق لهم وخبطوا في دين الإسلام كيف شاؤوا، وخالفوه مخالفة ظاهرة، واستبيحت الأموال واستحلت الفروج، وعطلت المساجد والمدارس وانتهكت الحرم، وذهبت شعائر الإسلام، ولا سيما الملوك الذين لا يفعلون ذلك إلا مخافة على ملكهم أن يسلب وعلى دولتهم أن تذهب وعلى أموالهم أن تنهب وعلى حرمتهم أن تنتهك وعلى عزهم أن يذل ووجدوا عظيم السبيل إلى التخلص عن أكثر الأحكام الإسلامية قائلين: جهلنا، لم نجد من يعلمنا، لم نلق من يبصرنا، فرّ عنا العارفون بالدين وهرب منا العلماء العاملون. وفي الحقيقة أنهم معدون ذلك فرصة انتهزوها وشدة أطلقت عن أعناقهم وعزيمة إسلامية ذهبت عنهم، ومع هذا فلم يختصوا بهذه الوسيلة التي فرحوا بها والذريعة التي انقطعت عنهم، بل الشيطان الرجيم أشد فرحاً بذلك وأعظم سروراً منهم، فإنه قد خلي بينه وبين السواد الأعظم، يتلاعب بهم كيف شاء ويستعبدهم كيف أراد، وهذه فرصة ما ظفر من أهل الإسلام بمثلها ولا كان في حسابه أن يسعفه دهره بأقل منها. وسبب هذا البلاء العظيم والخطب الوخيم والرزء للإسلام وأهله الذي لا يقادر قدره ولا يتهيأ مدى الدهر مثله صنفان من الناس: الصنف الأول: جماعة زهدوا بغير علم وعبدوا بغير فهم وتورعوا بغير إدراك للمصالح الشرعية والشعائر الدينية وما يفضي إلى تعطل الأحكام وذهاب غالب دين الإسلام، فتصدروا للمواعظ والإرشاد للعباد، وبالغوا في ذلك ومقصدهم حسن وصورة فعلهم جميلة، ولكنهم لما لم يكن لهم من العلم ما يوردون به الأشياء مواردها ويصدرونها مصادرها جعلوا لقصورهم أهل المناصب الدينية التي لا يتم أمرها ولا ينفذ حكمها إلا بسلطان الأرض وملك البلاد من جملة أنواع الظلم وجعلوا صاحبها من جملة أعوان الظلمة وسمع ذلك منهم عامة رعاع يغشون مجالس مثلهم من القصاص مع خلو هؤلاء السامعين عن الورع، وتعطلهم عن علم الشرع، فأخذوا تلك المواعظ على ظاهرها وقبلوها حق قبولها، بخلوِّ أذهانهم عن وازع الشرع والعقل والورع، فطار بين هذين النوعين من الجهل ما يملأ الخافقين ولأمر ما كان كثير من السلف يمنعون الذين كانوا يقصون على الناس ويتصدرون لوعظهم وتذكيرهم لما هم عليه من جهل الشريعة، ولما يرتكبونه من إيراد الأحاديث المكذوبة والقصص الباطلة وكان عليهم أن يقصروا عن ذلك ويكلوا ذلك إلى علماء الكتاب والسنة الذين يدعون الناس إلى حق هو معلوم لديهم، وشرع هو صحيح عندهم.

стр. 472

والصنف الثاني: جماعة لهم شغلة بالعلم وأهلية له، وأرادوا أن يكون لهم من المناصب التي قد صارت بيد غيرهم ما ينتفعون به في دنياهم، فأعوزهم ذلك وعجزوا عنه، فأظهروا الرغبة عنه وأنهم تركوه اختياراً ورغبة وتنزهاً عنه وضربت ألسنتهم بسب أهل المناصب الدينية وثلب أعراضهم والتنقص بهم، وأظهروا أنهم إنما تركوا ذلك لأن فيه مداخلة للملوك وأخذ بعض من بيوت الأموال وأن أهل المناصب قد صاروا أعواناً للظلمة ومن الآكلين للسحت ولا حامل لهم على ذلك إلا مجرد الحسد والبغي والتحسر على أن يكونوا مثلهم، فوضعوا أنفسهم موضع التعفف عن ذلك والتورع عنه بنيات فاسدة كاسدة مع ما في ذلك من الدخول في خصلة من خصال النفاق والوقوع في معرة بلية الرياء، والولع بالغيبة المحرمة لغير سبب وبغير حق، وأدخلوا أنفسهم في هذه المصائب والمثالب والمعاصي والمخازي والجرائم والمآثم على علم منهم بتحريمها، وكما قال القائل: يدعوا وكل دعائه ........... ما للفريسة ما تقع عجل بها ياذا العلى .......... إن الفؤاد قد انصدع وقد عرفنا من هذا الجنس جماعات وانتهت أحوالهم إلى بليات، وعرفنا منهم من ظفر بعد استكثاره من هذه البليات بمنصب من المناصب فكان أشر أهل ذلك المنصب، وبلغ في التكالب على الحطام والتهافت على الحرام إلى أبلغ غاية. ومنهم من جالس بعد مزيد التعفف وكثرة التأفف ملكاً أو قريب ملك أو صاحب ملك، فصار يطريهم بما يستحل بعضه فضلاً عن كله من له أدنى وازع من دين، بل أدنى زاجر من عقل، بل عرفنا من صار منهم نماماً وضعه من يتصل به لنقل أخبار الناس إليه ففعل، ولكن لم يقتصر على نقل ما سمع بل جاوز ذلك إلى التزيد عليه بالزور والبهت حتى يجعل ذلك الذي وضعه للنقل عدواً عظيماً لمن لا ذنب له، ولا قال بعض ما كذب به عنه فضلاً عن كله. والجملة ما جربنا واحداً من هذا الصنف إلا وكشفت الأيام عن باطن يخالف ما كان يظهره وقول وفعل ينافي ما كان يشتغل به أيام تعطله، فليأخذ المتحري لدينه حذره منهم، ولا يركن إليهم في شيء من الأعمال الدينية كائن من كان. فإن قلت: إذا ظهروا ظهوراً بيناً أن بعض المداخلين يعينه على ظلمه بيده أو لسانه أو يسوغ له ذلك، أو يظهر من الثناء عليه ما لا يجوز إطلاقه على مثله؟ قلت: من كان هكذا فهو من جنس الظلمة وليس من الجنس الذي قدمنا ذكرهم من المداخلين لهم، والظلم كما يكون باليد يكون باللسان وبالقلم وقد يكون ذلك أشد، وكلامنا فيمن يتصل بهم غير معين لهم على ما لا يحل ولا مشارك لهم بيد ولا لسان، بل يكون جل مقصده بالاتصال بهم الاستعانة بقوتهم على أحكام الله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحسب الحال وبما تبلغ إليه الطاقة، مثلاً إذا كان العالم ينكر ما يراه من المنكرات على الرعايا ولا يقدر على ذلك إلا إذا كان له يد من السلطان يستعين بها على ذلك، فهذا خير كبير وأجر عظيم، وكذلك إذا كان لا يقدر على فصل الخصومات وإرشاد الناس إلى الطاعات إلا باليد من السلطان فذلك مسوغ صحيح أيضاً، وهكذا إذا كان لا يقدر على تخفيف بعض ما يفعله وزراء السلطان وأمراؤه وأهل خاصته من الظلم إلا باتصاله بالسلطان، فهو أيضاً مسوغ صحيح، وهكذا إذا كان السلطان يصغي في الموعظة منهم في بعض الأحوال وينزجر عن فعل المنكرات، أو يخفف ذلك شيئاً ما، فهذا مسوغ صحيح.

стр. 473

واعلم أن أحوال السلاطين كما قال بعض السلف لهم طاعات كثيرة ومعاصي كبيرة، وصدق هذا القائل فمن طاعتهم تأمين السبل وتأمين الضعفاء من الأقوياء والحيلولة بينهم وبين ما يريدون من ظلمهم، وجهاد أهل الكفر والبغي والمتجارين على نهب الضعفاء وهتك حرمهم وتخويفهم ومغالبتهم على ما تحت أيدهم من أملاكهم، وإقامة الحدود الشرعية والقصاص، وإقامة شعائر الإسلام، والقيام من رعاياهم بواجباته ونصب القضاة لفصل الخصومات بالطريق الشرعية، وأهل الحسبة بالقيام بوظيفة الحسبة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجمع الجيوش وتأمير الأمراء لقهر أعداء الدين والقيام بما يحتاجونه من بيوت الأموال، وإحياء مدار العلم بنصب المدرسين والمفتين، وإمساك أهل الجسارة عما يريدونه من الفساد في الأرض بهيبة السلطان ومخافة الإيقاع بهم، فإن كثيراً بل الأكثر لولا مخافة السلطان لكان له من الأفاعيل مالم يكن في حساب ولهذا ترى من لا سلطان عليه في جميع البلاد يفعل ما ترجف منه القلوب وتذرف منه الدموع. ورحم الله الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فإنه قال: إن الله ليزع بالسلطان مالم يزع بالقرآن. وصدق فما قاله هو الحق الذي يعلمه كل عاقل، فإن غالب الناس لولا مخافة عقوبة السلطان له لترك الواجبات إلا النادر، وفعل من المنكرات مالا يأتي عليه الحصر. وأما أهل المخافة من الله الذين يفعلون الواجب لكونه أوجبه الله عليهم ويتركون المنكرات لكون الله نهاهم عنها فهم أقل قليل. ومن أنكر شيئاً من هذا فليبحث عن حقائق الأمور وينظر في مصادرها ومواردها وأحوال الفاعلين لها حتى يتضح له أن الأمر كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀.

стр. 474

وأما كون للسلاطين معاصي كبيرة فإنه قد تأخذه النفس العصبية فيسفك الدماء ويستحل الأموال المحترمة وقد يهلك أهل قرية بسبب شذوذ فرد منهم عن طاعته، وقد تشره نفسه إلى ما في أيدي الرعايا فيأخذ منها لا على قانون الشريعة المطهرة، وينصب لذلك شباك الحيل وذرائع الظلم، وقد يطاوع نفسه الشهوانية فيفعل ما تشتهيه ويرتكب محرمات الله ويفعل ما يريده لعدم نفوذ قول قائل عليه، إذا لا سلطان عليه إلا من عصم الله وقليل ماهم. حكي عن بعض سلاطين الإسلام أنه كان يجتمع مع من يجالسه على كثير من اللهو والفسوق وكان في المدينة التي هو منها رجل صالح ينكر ما يبلغه من المنكرات، وإذا رأى إناء فيه خمر كسره، فمر يوماً من تحت دار السلطان فقال للسلطان بعض جلسائه: هذا فلان الذي إذا رأى إناء من الخمر بيد أحد من الناس كسره، وإذا رأى منكراً غيره، فأمر من يدخله إلى مجلسه ثم قال له: أنت تنكر على الضعفاء من الناس ما تراه من المنكرات وتكسر ما تراه عندهم من أواني الخمر، وهذه عندنا من الأواني ما تراه فهل تستطيع أن تغير ذلك علينا؟ فقال له: أنا ضعيف أنكر على مثلي من الضعفاء لقدرتي على ذلك؛ وأما أنت يا سلطان فكما قال الله : (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً) (١) فبكى السلطان وقال: وأنا أيضاً فأنكر علي وقم ارم بهذه الأواني من هذه الطاقات، فقام ورمى بها وتاب السلطان فلم يعد إلى شيء مما كان عليه، فإذا عرفت أن للسلاطين تلك المحاسن وتلك المساويء ونظرت إلى ذلك بعين الصواب علمت أن فيه من خصال الخير ما نفعه لك ولغيرك أكثر من الضر، وقد عرفت ما يقوله أهل الفقه وغيرهم أن محبته بخصال خير فيه مما لا بأس به، فإذا كانت هذه المحبة جائزة فكيف لا يجوز ما هو دونها من الاتصال به لأحد الأسباب المتقدم ذكرها مع كون المتصل به على الرجاء بأن تقبل منه موعظة أو يترك بعض ما يقارفه حياءً منه، فإن منزلة العلم والفضل لها من المهابة في صدور كل أحد، والتعظيم لها والحشمة منها مالا يخفى إلا على بهيمي الطبع ولا ينكر ذلك إلا مسلوب الفهم. وعلى كل حال فمواصلته لتلك الأسباب لا يتردد أحد في جوازها بل قد يكون في بعضها حسناً، بل قد يكون واجباً إذا لم يتم الواجب إلا به أولم يندفع المحرم إلا به، وهذا لا يخفى على أدنى الناس علماً وفهماً. والممنوع هو مواصلته لا لمصلحة دينية تعود على فرد من أفراد المسلمين أو أفراد إذا ترتب على ذلك مفسدة، فكيف وقد ثبت في الكتاب العزيز الأمر بطاعة أولي الأمر وجعل الله أولي الأمر وطاعتهم بعد طاعة الله سبحانه وطاعة رسوله ﷺ ، وتواتر في السنة المطهرة في الأمهات وغيرها أنها تجب الطاعة لهم والصبر على جورهم، وفي بعض الأحاديث الصحيحة المشتملة على الأمر بالطاعة لهم أنه قال ﷺ : (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) وصح عنه ﷺ أنه قال: (أعطوهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم) وصح في السنة المطهرة أنها تجب الطاعة لهم ما أقاموا الصلاة وفي بعضها ما لم يظهر منهم الكفر البواح، فإذا أمروا أحداً من الناس أن يتصل بهم لم يحل له أن يمتنع على فرض أنه لم يكن في اتصاله شيء من تلك الأسباب المتقدمة، وعليه أن لا يدع ما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا تمكن من ذلك، وإلا فهو معذور، ولا إثم عليه إلا إذا حصل منه الرضا والمتابعة، كما تقدم في الحديث الصحيح.

стр. 475

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبزار واللفظ له من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (السلطان ظل الله في أرضه، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر) (١) وصح عن رسول الله ﷺ : (الدين النصيحة) قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (٢). فإن قلت: ما حكم ما بأيديهم من بيوت الأموال مع وقوع ما فيه من ظلم على الرعية ولو في بعض الأحوال هل يجوز قبول ما يجعلونه منه لأهل المناصب؟ قلت: نعم، للحديث السابق أنه ﷺ قال لعمر: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك) (٣) وثبت أنه ﷺ فرض الجزية على أهل الكتاب وكانت من أطيب المال وأحله مع أن في أموالهم ما هو من أثمان الخمر والخنزير والربا، فإنهم يتعاملون به، وصح عنه ﷺ أنه استقرض من يهودي طعاماً ورهنه درعه، فيأخذ من له جراية من بيت مال المسلمين ما يصل إليه منه من غير كشف عن حقيقته إلا أن يعلم أن ذلك هو الحرام بعينه، على أن هذا الحرام الذي أخذه السلطان من الرعية على غير وجهه قد صار إرجاعه إلى مالكه مأيوساً، وصرفه في أهل العلم والفضل واقع في موقعه ومطابق لمحله، لأنهم مصرف للمظالم بل من أحسن مصارفها ثم هذا المزري على من يتصل بسلاطين الإسلام من أهل العلم والفضل قد لزمه لزوماً بيناً أن يتناول هذا الطعن كل من اتصل بسلاطين الإسلام منذ انقراض خلافة النبوة إلى الآن، فإنه لا بد في كل زمان من طعن طاعن ولا بد أيضاً من صدور ما ينكر من أهل الولايات وإن كثر منهم ما يعرف، ولهذا يقول الصادق المصدوق ﷺ : (الخلافة بعدي ثلاثون عاماً ثم يكون ملكاً عضوضاً) (٤) كما تقدم ولا بد للملك العضوض من أن يصدر عنه ما ينكر ولو نادراً ولهذا لم تتفق الكلمة من جميع الناس على براءة ملك مكن ملوك الأرض من تلبسه بنوع من أنواع الجور واتصافه بالعدل المطلق الذي لم تشبه شائبة ولا قدحت فيه قادحة إلا على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه. ولا يمكن حصر عدد من يتصل من أهل العلم والفضل بسلاطين قرن من القرون بل بسلاطين بعض القرون في جميع الأرض، ونحن نعلم علماً يقينياً أنه لا بد لكل ملك - وإن كانت ولايته خاصة بمدينة من مدائن الإسلام فضلاً عن قطر من الأقطار فضلاً عن كثير من الأقطار- أن يكون معه جماعة ممن يلي المناصب الدينية وإلا لم يستقم له أمر ولا تمت له ولاية ولا حصلت له طاعة، ولا انعقدت له بيعة، يعلم هذا كل عاقل من المسلمين فضلاً عن أهل العلم منهم، وإذا كان الأمر هكذا فكم لهذا الطاعن المشؤوم من خصوم قد لا يعدل أحقرهم قدراً وأقلهم علماً وفضلاً، وهو لا يخرج عن قسمين: إما أن يكون من قسم المغتابين أو من قسم الباهتين، ولهذا يقول الصادق المصدوق ﷺ : (إن كان فيه ما تقوله فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) (٥) فهو واقع في المأثم العظيم والذنب الوخيم على كل تقدير، وفي كل حالة.

стр. 476

ثم هذا المزري على من يتصل بسلاطين الإسلام من أهل العلم والفضل القائمين بالمناصب الدينية قد وقع في إساءة الظن بجميع من اتصل بهم على الصفة التي بيناها من دخول جميع هذا الجنس تحت سوء ظنه وباطل اعتقاده وزائف خواطره وفاسد تخيلاته وكاسد تصوراته، وفي هذا ما لا يخفى من مخالفة هذه الشريعة المحمدية والطريقة الإيمانية، ومع هذا فالمتصل بهم من أهل المناصب الدينية قد يفضي في بعض الأحوال عن شيء من المنكرات لا يرضى به بل لكونه قد اندفع بسعيه ما هو أعظم منه ولا يتم له ذلك إلا بعدم التشديد فيما هو دونه، وهو يعلم أنه لو شدد في ذلك الدون لوقع هو وذلك الذي هو أشد منه وأشنع وأفظع، كما يحكى عن بعض أهل المناصب الدينية أن سلطان وقته أراد ضرب عنق رجل لم يكن قد استحق ذلك شرعاً فما زال ذلك العالم يدافعه ويصاوله ويجادله حتى كان آخر الأمر الذي انعقد بينهما على أن ذلك الرجل يضرب على شريطة اشترطها السلطان وهو أن يكون الذي يضربه العالم فأخرج الرجل إلى مجمع الناس الذي في مثل ذلك للفرجة فضربه ضربات فتفرق ذلك الجمع وهم يشتمونه أقبح شتم وهم غير ملومين لأن هذا في الظاهر منكر فكيف يتولاه من هو المرجو لإنكار مثل ذلك، ولو انكشفت لهم الحقيقة واطلعوا على أنه بذلك أنقذه من القتل وتفاداه بضرب العصا عن ضرب السيف لرفعوا أيديهم بالدعاء والترضي عنه، ويظن الجهول قد فسد الأمر وذاك الفساد عين الصلاح، ومن هذا القبيل ما حكاه صاحب الشقائق أن سلطان الروم أمر بقتل جماعة كثيرة من أهل الأسواق لكونهم لم يمتثلوا ما أمر به من تسعير بعض البضائع فخرج السلطان وقد صفوا للقتل، فقام بعض العلماء وقرب من السلطان وهو راكب فقال: هؤلاء لا يسوغ قتلهم في الشريعة، فذكر له السلطان أنهم خالفوا أمره وأنه لا عذر عن قتلهم، فقال العالم: هم يذكرون أنهم لم يبلغهم ما عزم عليه السلطان، فوقف السلطان مركوبه وقد ظهر عليه من الغضب ما ظهر أثره ظهوراً بيناً وقال: ليس هذا من عهدتك، فقال: لا، هو من عهدتي لأن فيه حفظ دينك وهو من عهدتي فأطلقهم السلطان وسلموا من القتل، فانظر هذا العالم وبصره في إنكار المنكر فإنه لو قال له ابتداء: إن مخالفة أمرك لا توجب عليهم القتل لكان هذا القول مما يوبقهم لا مما يطلقهم، ولو سكت عند قول السلطان: ليس هذا من عهدتك لقتلوا، لكنه جاء بوسيلة مقبولة تؤثر في النفس أعظم تأثير ولا شك أن مساعدته في مخالفة أمر السلطان وعدوله إلى أنه لم يبلغهم الأمر إذا سمعها من لا يعرف الحقائق أنكر عليه وقال: وكيف يكون أمر السلطان في تسعير بضاعة أو نحو ذلك موجباً لقتل من لم يمتثل وعد ذلك من المداهنة وعدم التصميم على الحق ولو عقل ما عقله ذلك العالم الصالح لعلم أنه قد جارى السلطان مجاراة كانت سبباً لسلامة جماعة كثيرة من المسلمين، ولو لم يفعل ذلك لقتلوا جميعاً.

стр. 477

إذا عرفت هذا وتبين لك أن الأفعال المخالفة للشريعة في بعض الحالات وكذلك الأقوال التي تكون ظاهرة المخالفة قد تكون على خلاف ما يقتضيه الظاهر وتبين أنها من أعظم الطاعات وأحسن الحسنات، فكيف بما كان منها محتملاً، هل ينبغي لمسلم أن يسارع بالإنكار ويقتحم عقبه المحرم من الغيبة والبهت، وهو على غير ثقة من كون ما أنكره منكراً وكون ما أمر به معروفاً وهل هذا إلا الجهل الصراح أو التجاهل البواح، دع هذا وانتقل منه إلى شيء لا يحمل عليه الجهل بل مجرد الحسد أو المنافسة كما هو الغالب على ما تقدم بيانه، فإن أهل المناصب الدينية من القضاة ونحوه إذا اشتغل صاحبه بما وكل إليه وتجنب ما فيه عمل الملوك وأعوانهم من تدبير المملكة وما يصلحها وما يحتاج إليه ويقوم بجندها وأهل الأعمال فيها إلا إذا اقتضى الحال الكلام معهم فيما يوجبه الشرع من أمر بمعروف أو نهي عن منكر والقيام في ذلك بما تبلغ إليه الطاقة ويقتضيه طبع الوقت، فهل مثل هذا حقيق من عباد الله الصالحين بالدعوات المتكررة بالتثبت والتسديد واستمداد الإعانة له من رب العالمين أم هو حقيق بالثلب والاغتياب خطأ وجزافاً وحسداً ومنافسة؟ وهل هذا شأن الصالحين من المؤمنين أم شأن إخوان الشياطين؟ كما قيل: إن يسمعو الخير يخفوه وإن سمعوا ........ شراً أذاعوا وأن لم يسمعوا كذبوا وكما قيل: إن يسمعوا سُبَّةً طاروا بها فرحاً ..... عني وما سمعوا من صالح دفنوا فكيف إذا كانوا لا يسمعون إلا خيراً ولا يعدد المعدون إلا مناقباً؟ فما أحق من كان ذا عقل ودين أن لا يرفع إلى مخرقتهم رأساً ولا يفتح بخزعبلاتهم أذناً كما قلت من أبيات: فما الشم الشوامخ عند ريح ........ تمر على جوانبها تمود ولا البحر الخضم يعاب يوماً ....... إذا بالت بجانبه القرود اجتمعت في أيام الطلب بجماعة من أهل العلم، فسمعت من بعض أهل العلم الحاضرين ثلباً شديداً لوزير من الوزراء، فقلت للمتكلم: أنشدك الله يا فلان، أن تجيبني عما أسألك عنه وتصدقني قال: نعم، قلت له: هذا الثلب الذي جرى منك هل هو لوازع ديني تجده من نفسك لكون هذا الذي تثلبه أرتكب منكراً أو اجترأ على مظلمة أو مظالم؟ أم ذلك لكونه في دنيا حسنة وعيشة رافهة؟ ففكر قليلاً ثم قال: ليس ذلك إلا لكون الفاعل ابن الفاعل يلبس الناعم من الثياب ويركب الفاره من الدواب، ثم عدد من ذلك أشياء، فضحك الحاضرون. وقلت له: أنت إذن ظالم له تخاطب بهذه المظلمة بين يدي الله وتحشر مع الظلمة في الأعراض، وذلك أشد من الظلم في الأموال عند كل ذي نفس حرة ومريرة مرة (١)، ولهذا يقول قائلهم: يهون علينا أن تصاب جسومنا ......... وتسلم أعراض لنا وعقول وبالجملة فإني أظن أن الظلمة في الأعراض أجرأ من الظلمة في الأموال، لأن ظالم المال قد صار له وازع على الظلم وهو المال الذي به قيام المعاش وبقاء الحياة، ثم قد حصل له من مظلمته ما ينتفع به في دنياه، وإن كان سحتاً بحتاً حراماً، وظالم الأعراض لم يقف إلا على الخيبة والخسران مع كونه فعل جهد من لا له جهد وذلك مما تنفر عنه النفوس الشريفة وتستصغر فاعله الطبائع العلية والقوى الرفيعة.

стр. 478

فائدة: اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما أعظم أساطين الدين وأحكم قناطر الإسلام وأهم أحكام هذه الشريعة المطهرة بل هما إذا كانا قائمين كان الدين على أتم قيام وأكمل نظام وإن لم يكونا قائمين في العباد ولم يوجد في البلاد ما يقوم بهما خولفت الشرائع الإسلامية وتعطلت الشعائر الإيمانية، وقال من يشاء من أهل الخسارة ما شاء، وفعل من لم يكن له زاجرٌ ديني ما أراد، لعدم وجود من يأخذ على أيديهم من القائمين بحجة الله في عباده، ولهذا وردت الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في الحث على ذلك والمدح العظيم لفاعلها والزجر الوخيم لتاركها، فمن قدر على ذلك فقد حمل العبء الكبير وقام بالأمر الجليل الخطير، ولا يزال يزداد قوة وتمكناً وثباتاً حتى يتم له مالم يكن له في حساب، ولا خطر له على بال، ولا مر له على خيال، وصار رأساً للفرقة التي قال فيها الصادق المصدوق: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) (١) وكان من القائمين بحجة الله في بلاده على عباده وفاز بالأجر العظيم الذي وعد الله به عباده الصالحين القائمين بما قام به، وإن أدرك في النفس الأمارة بعض جبن في بعض الأحوال، وآنس من طبيعته خوراً وضعفاً في بعض المقامات فليعلم أن ذلك من وسوسة الشيطان الرجيم لأنه أشد عليه من القائمين في مقامات العبادة والقاعدين في مقاعد الزهد والورع والمستكثرين من طاعة الله ، والعازفين نفوسهم عن معاصيه، وذلك أن كل واحد من هؤلاء صار يجاهد الشيطان عن نفسه ويدفعه عن حوضه ويصارفه عن عشه وبيضه، ويذوده عن أن يتعرض لشيء من طاعاته بالتشكيك عليه أو الوسوسة، وهذه مصلحة خاصة بنفس هذا الرجل الصالح المشتغل بمراضي الله المجتنب لمعاصيه. وأما القائم بما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو قائم لإصلاح عباد الله بعد إصلاحه لنفسه فلا يزال زاجراً لهم عن المنكرات مرغباً لهم في أنواع الطاعات محذراً لهم من مكر الشيطان الرجيم مبيناً لهم ما ينصبه من حبائل الخذلان لعباد الله وما يزينه لمن لم ترسخ قدمه في الإيمان، ومن هذه الحيثية كان مقامه عام النفع ومصلحته شاملة للجميع، فهو في حكم المصادر للشيطان عن عباد الله سبحانه المجادل لهم عندما يريد الإغواء بالأهواء والاستدراج بشهوات الأنفس من التنعم باللذات والتمتع بالمحرمات والتلذذ بالموبقات، فهو العدو الأكبر لفريق الشياطين والقائم في كل مواطنه بالمحاربة لهم عن أن يتم كيدهم على أحد من عباد الله الصالحين، والمصاولة لهم عن أن يتسلطوا على أحد من المؤمنين أجمعين، وبهذا تعلم أنه قد أسفر الصبح لذي عينين بأن بين المقامات مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل، ومفاوز تنبت دونها سوابق المطي، بل بين المقامين ما بين السماء والأرض، ولا بد أن ينتهي أمر هذا القائم بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى التمام على ما يطابق المرام، ويوافق رضاء الملك العلام، لأنه قام هذا المقام لتكون كلمة الله هي العليا، وذو الحق غلاب بنصوص السنة والكتاب، وقد صح عنه ﷺ أنه سئل عن الرجل يقاتل حمية وشجاعة وليرى موضعه، أيهم في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (٢)

стр. 479

فهذا القائم بحجة الله هو في أعظم الجهاد وهو في سبيل الله ، لأنه لم يفعل ذلك لغير هذا القصد، فإنه إن لم ينجز عمله ويحصل أمله بسرعة، حصل ولو بعد حين، كما وعد الله سبحانه به عباده، ويتصور عند قيامه في هذا المقام تصفية النية عن كدورات الرياء والمقاصد التي ليست من الدين، ويتصور ما أمر الله به من الإخلاص وحث عباده عليه، ويستحضر قول الصادق المصدوق ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) فإنها قضية كلية جامعة مانعة نافعة، لا سيما بعد ضم ما ضمه رسول الله ﷺ إلى هذه الجملة من قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) ثم تصوير ذلك وتمثيله منه ﷺ بقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله كانت هجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه) (١) فإن فارق الإخلاص ولو بمسافة يسيرة فقد لا يتم له ما يريد بهذا السبب لا بسبب خلل في المقام الذي قامه، فإنه مقام المرسلين والعلماء العاملين وعباد الله الصالحين ورويت في كتب التواريخ قصة لبعض القائمين في هذا المقام؛ وهو أنه وقف على آنية من الخمر وقد حمل من بعض المواضع ممن خمرها لبعض الملوك ورأى الحاملين له وقد أخرجوها من المركب إلى خارج البحر ليحملوها على الدواب بعد أن حملوها على السفن البحر، فأخذ عوداً ثم ما زال يكسرها حتى بقيت واحدة منها فوقف عندها قليلاً ثم تركها ورمى بالعصا، فأخذه الواصلون بها وقد اجتمع عليه جمع وما شكوا أن الملك يقتله فلما وصل إلى الملك وقد اشتد غضبه فقال: ما حملك على ما فعلت من الاستخفاف بنا والإقدام على متاعنا؟ فقال: لم أستخف بك بل فعلت ما أمرني الله به وأخذه علي من النهي عن المنكر، فقال: فما سبب تركك لواحد منها؟ قال: أدركت نزغة من نزغات العجب قد أوقعها الشيطان في قلبي فتركت كسر ذلك الواحد منها لئلا أكسره على غير نية صحيحة مخلصة لله ، فلما سمع ذلك الملك خلى سبيله ولم يكن له عليه سبيل. وفي هذا المقدار كفاية. انتهى ما في (الفتح الرباني فتاوى الشوكاني)، والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 480

الأحكام السياسية للأقليات المسلمة في الفقه الإسلامي المؤلف/ المشرف: سليمان محمد توبولياك المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار النفائس ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: أقليات إسلامية الخاتمة هذا وقد خلصت في هذا البحث إلى ما يلي: ١ - إن دار الإسلام هي الدار التي تسودها شريعة الله وتطبق فيها بقطع النظر عن سكانها. ٢ - إن دار الإسلام يمكن أن تتحول دار حرب إذا غلب عليها الكفار أو المرتدون، وأظهروا أحكام الكفر فيها. ٣ - لا يوجد اليوم دولة إسلامية بمعنى "دار الإسلام" وإن كان هناك أراضي للمسلمين. ٤ - إن مصطلح الأقلية مصطلح سياسي، ظهر في زمن الاستعمار الغربي، حيث اختفت الدولة الإسلامية وهدمت دولة الخلافة، وأن الأقلية الإسلامية هي أكثر الأقليات تعرضاً للمشاكل، وأنها مهددة بالقضاء على وجودها في معظم الدول التي تعيش فيها، وأكبر دليل على ذلك الواقع الراهن الذي نرى فيه كل يوم حملة جديدة على المسلمين. ٥ - لا توجد حتى اليوم إحصائية صحيحة عن أعداد المسلمين الذين يعيشون أقليات والسبب في ذلك هو أن من يقوم بهذه الإحصائيات من غير المسلمين، وليس من صالحهم سياسياً أن يذكروا الأعداد الصحيحة للمسلمين. ٦ - أما عن إقامة المسلمين في دار الكفر وهجرتهم فيها فقد خلص البحث إلى جواز الإقامة في دار الكفر إن كان له ضرورة، أو تحقق بذلك مصلحة عليا للإسلام والمسلمين، أو في حال عدم وجود دار الإسلام – كما هو اليوم-. ويجب عليه أن يهاجر من تلك الدار إذا خاف على دينه ونفسه وأهله. ٧ - أما عن اللجوء السياسي والجنسية فخلص البحث إلى جواز اللجوء السياسي إلى الدولة غير الإسلامية إذا وقع عليه ظلم من أهل الدولة الإسلامية ولم يستطع رده. ٨ - وأما الجنسية فلا يجوز للمسلم التجنس بجنسية دولة الكفر مع وجود الدولة الإسلامية إلا لضرورة، أو لتحقيق مصلحة عليا للمسلمين. ٩ - أما عن العمل في غير الدولة الإسلامية فلا يجوز للمسلم إذا كان في ذلك إهانة وإذلال، وفي الأصل لا يجوز له أن يتولى الوظائف العامة في تلك الدولة، ولكن يستثنى من ذلك ما يتحقق به تحصيل مصلحة أو درء مفسدة عن المسلمين في تلك الدولة. ولكن لا يجوز له بحال أن يقاتل مع الكفار ضد المسلمين، وإن جاز له للضرورة أن يقاتل معهم ضد كفار آخرين. ١٠ - أما عن الأحزاب فيجوز للمسلمين الذين يعيشون أقلية في دار الكفر بل يجب عليهم إقامة الحزب إذا توقفت على إقامته تحقيق المصلحة لتلك الأقلية ويجوز هنا للحزب التحالف مع الأحزاب غير الإسلامية بشرط إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، ويجوز للمسلمين الانضمام إلى غير الحزب الإسلامي إذا لم يتمكنوا من إنشاء حزب لهم، وإذا أمن على دينه من الفتنة. ١١ - أما عن واجبات الدولة تجاه تلك الأقليات: فإنه يجب على الدولة الإسلامية أن تساعدهم بكل ما يحتاجون إليه مالياً وسياسياً وعسكرياً لأن هؤلاء المسلمين هم أعضاء في الأمة الإسلامية تربطهم بتلك الأمة روابط العقيدة والأخوة الإيمانية. وفي المقابل يجب على تلك الأقليات أن تناصر الدولة الإسلامية بكل أشكال المناصرة التي يستطيعون تقديمها ولاسيما الدعم المادي، ويجب على أداء الزكاة والضرائب المستحقة للدولة في حينها ووفق شروطها.

стр. 481

الإسلام والعولمة - المنازلة العالمية الإسلامية والعولمة البشرية بين السنن الربانية والتدافع الإنساني المؤلف/ المشرف: سامي محمد صالح الدلال المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مجلة البيان - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: عولمة خاتمة بعد أن أخذنا بالتطواف والتجوال عبر محيطات التدافع، وما تطويه موجاتها من أسرار، وتخفي في طياتها من أبعاد؛ أختم هذه الدراسة بالتوقف عند بعض المحطات المهمة فيما قررناه. لقد بينت أن سنن الله _تعالى_ لا تحابي أحدًا، وأن عملها جار في الكون والحياة والإنسان بكليات ذلك وجزئياته، وأن العلم بهذه السنن مهم جدًا للإنسان ليستطيع صياغة حياته وفق نسق مسيرتها فلا يصطدم بها فتحطمه. كما تبين لنا كيف أن الإسلام قد وضع كليات في مقاصده تأخذ بيد الإنسان نحو السبيل القويم، وتحدد خطوط مساره من حيث الوجود أو العدم، وأن عالمية الإسلام هي من طبيعته في عقيدته وأحكامه، وأن العولمة البشرية لن تتمكن من إيقاف زحف عالمية الإسلام فضلاً عن احتوائها. وقد بينت أيضًا أن التدافع بين الحق والباطل والهدى والضلال والخير والشر، قد اختط مساره منذ خُلق الإنسان، وأن هذا التدافع قد أخذ منحى المواجهة منذ عهد نوح ﵇، مرورًا بجميع الرسل _ ﵈ _ الذين من بعده، وإلى النبي محمد ﷺ ، وأن حبل ذلك التدافع ماض وممتد إلى يوم القيامة، وقد وقع التدافع في العقائد والمقاصد والوسائل، وكانت مجاراة السنن الإلهية في ذلك أو الإنحراف عنها حاسمة في نصر المؤمنين ودمارًا أو هزيمة للكافرين. إن التدافع الحضاري في عصرنا الحاضر تغلب عليه هيمنة الغطرسة الصليبية واليهودية، وإن المشترك الإنساني لا قيمة له عندهم إلا بقدر ما يحقق مآربهم ويخدم أهدافهم؛ غير أن هذه الحال لن تدوم؛ إذا جرت سنة الله _ تعالى _ بعلو أهل الإسلام إن هم حققوا مقتضيات الإيمان، وإن ذلك قادم إن شاء الله تعالى، قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]. ما كان من الحق فمن الله _ تعالى _ وحده، وما كان سوى ذلك فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم.

стр. 482

الإسلاميون والديمقراطية في مصر عصف ورميم المؤلف/ المشرف: عبدالله سامي الدلال المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة مدبولي - القاهرة ̈الأولى سنة الطبع: ٢٠٠٧م تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: مصر الخاتمة: لقد كنا في جولة طويلة مع الإسلاميين السوريين – خاصة الإخوان المسلمين – في تجربتهم الديمقراطية. وقد استعرضنا كثيراً من المواقف خلال رصدنا لتلك المشاركات الديمقراطية، واستخلصنا منها عديداً من الدروس. وفي ختام هذه الدراسة يجدر بنا أن نتمعن في النقاط التالية: ١ - لابد من تسليط الضوء على مسيرة العمل الإسلامي، والاهتمام بتقويمه، من حيث السلبيات التي رافقت مراحله، ومن حيث الإرشاد إلى الأهداف والوسائل التي ينبغي السير في إطارها. ٢ - إن الجماعات الإسلامية، غير المنضبطة بالمنهاج الصحيح – الكتاب والسنة -، قدمت كثيراً من التضحيات في غير المسارات السليمة التي كان ينبغي عليها أن تسلكها وتترسم طريقها. ومن أخطر تلك المسارات مسار الديمقراطية. ٣ - إن العمل الإسلامي الدعوي قد أتى في كثير من المواقف الحاسمة من قبل ضعف قياداته التي لم تحسن توجيه دفته عندما أفرغت ثماره في السفينة الديمقراطية. ٤ - إن تغلغل الأفكار الديمقراطية والصوفية والقومية والوطنية في بعض قيادات العمل الإسلامي قد أدى إلى بث تلك الأفكار في القواعد الإسلامية، وكان ذلك على حساب المنهاج الصحيح، منهاج الكتاب والسنة وفق ما فهمه وبينه سلف هذه الأمة. ٥ - إن العمل الإسلامي بحاجة إلى كثير من الجهد والوقت لتصفية آثار تلك الأفكار من عقول وقلوب ومناهج الإسلاميين. ٦ - إن الديمقراطية تعتبر من المعوقات الخطرة لانطلاقة العمل الإسلامي، وإن قيادات ذلك العمل من أمثال الدكتور السباعي والأستاذ محمد المبارك والأستاذ عصام العطار والشيخ سعيد حوى وغيرهم، رغم أنهم كانوا يظنون أنهم يمهدون الطريق الدعوي، فإنهم يتحملون مسؤولية عظيمة في تدعيم ذلك المعوق. وإن ظنهم الذي ظنوه لا يعفيهم من تحمل تلك المسؤولية – إلا أن يقال إنهم اجتهدوا فأخطأوا. ٧ - إن العمل الإسلامي، لا بديل له، إذا أراد أن يكون فاعلاً ومغيراً، من أن يختط طريقه مستنيراً بالكتاب والسنة وهدي سلف الأمة، محافظاً على أصول الولاء والبراء، مدركاً لطبيعة الأعداء ووسائلهم، آخذا بالأسباب الشرعية التي توصله إلى مبتغاه. ٨ - نذكر إخواننا في قيادات العمل الإسلامي أن يتقوا الله في المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقهم. فليتحروا الصواب، وليسددوا وليقاربوا؛ ولا يقدموا آراءهم وأفكارهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ٩ - وكذلك نذكر إخواننا الدعاة، قيادات وقواعد، بأن يحرصوا على العلم الشرعي؛ فإن الدعوة إلى الله تعالى لا يكفي فيها الحماس، ولن تصل إلى أهدافها بمجرد العواطف الجياشة. ١٠ - إن تجربة الإسلاميين في كل من مصر وسوريا في الحقل الديمقراطي قد أخذت حظها زمناً وجهداً. وقد حاولت في هذه الدراسة رصد هاتين التجربتين بقصد تعريف العاملين في الدعوة إلى الله تعالى بخطورة أتباع غير سبيل المؤمنين لتحصيل غايات شرعية. وإن الذي ذكرته في هذه الدراسة لا يتجاوز الحديث المختصر، وإلا فإن دراسات موسعة يمكن تقديمها في هذا المضمار وما يهمني التركيز عليه في هذه النقطة هو أن تنال هذه الدراسة حظها من اهتمام الإسلاميين، قيادات وقواعد، بقصد التعرف على مواطن الخلل لسدها، ثم لمواصلة السير نحو تحقيق الغايات الإسلامية على هدى من الدليل الشرعي وبينة من الكتاب والسنة.

стр. 483

الإسلاميون وسراب الديمقراطية دراسة أصولية لمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية المؤلف/ المشرف: عبدالغني بن محمد الرحال المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المؤتمن - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٣هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: شورى وديمقراطية خلاصة ونتيجة وبعد: فلقد كنا في جولة طويلة مع هذه الدراسة الأصولية لمشاركة الإسلاميين المجلسيين في المجالس النيابية. وقد تبين لنا من هذه الدراسة النقاط التالية: ١ـ إن الديمقراطية منهج غربي يخدم في الحقيقة طبقة معينة. ٢ـ إن الديمقراطية في العالم الثالث وسيلة يتخذها الحكام ليظهروا بمظهر شعبي غير دكتاتوري. ٣ـ إن المجالس النيابية، وهي المظهر المعبر عن الديمقراطية، يتشكل أعضاؤها من الملأ الحاكم ثم الأقلية المقتدرة مادياً من الشعب ولا تمثل الأكثرية المستضعفة. ٤ـ إن هذه المجالس مهمتها تشريعية ورقابية. ٥ـ إن المجالس النيابية في العالم الإسلامي لا ترجع في تشريعاتها إلى الكتاب والسنة، بل هي مستقلة عنهما كلياً. وإن أي تشريع إلهي يراد إنفاذه وتنفيذه لا بد من عرضه على المجلس ليصوت على قبوله أو رفضه. ٦ـ رغم هذه الخصائص المخالفة للكتاب والسنة فإن بعض الإسلاميين اتخذوا من المشاركات في المجالس النيابية منهجاً للتغيير للوصول لتحكيم الشريعة الإسلامية. ٧ـ برر هؤلاء الإسلاميون مشاركتهم بأنها تحقق مصالح أهمها خمس ذكرتها في الدراسة. ٨ـ لقد عرضت في الكتاب تلك المشاركة لتحقيق المصالح التي يتوخونها على ضوابط تحقيق المصلحة في الشريعة الإسلامية فتبين أنها مخالفة لتلك الضوابط جميعها. ٩ـ ثم ناقشت تلك المشاركة على ضوء إمكان اندراجها في باب المصالح المرسلة أو في باب سد الذرائع أو باب الضرورة فتبين عدم اندراجها في أي من هذه الأبواب. ١٠ـ ثم بينت أن أقرب ما يمكن أن يندرج فيه هو البدعة بمفهوميها اللغوي والاصطلاحي. إن النتيجة النهائية التي يُخرج بها من هذه الدراسة أن الإسلاميين المجلسيين اختطوا بمشاركتهم في المجالس النيابية منهجاً في التغيير مخالفاً لمنهج الأنبياء في ذلك، متجردين عن الدليل الشرعي، مما أدى إلى إضاعة الجهود الكثيرة في غير ما طائل، فضلاً عن صرف الأنظار عن المنهاج النبوي في مواجهة الملأ وتغيير الواقع الشركي إلى واقع إيماني. وبناء على مجموع ما ذكر فإن المسلم الحق لا يجوز له أن يرشح نفسه للمجالس النيابية وهي وفق الحال الذي وصفته في هذا الكتاب. ولا حجة للإسلامي المنتمي في دعواه أنه مأمور من قبل جماعته المنتمي إليها وبينه وبينها موثق الطاعة، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولا ينبغي له ولا يجوز، أن يضع نفسه موضع قدوة الضلالة. وأيضاً، فإنه لا يجوز للمسلم أن يشارك في انتخابات المجالس النيابية وهي وفق الحال الذي ذكرته من استقلالها بالتشريع عن الكتاب والسنة. وبصوت عالٍ أدعو الإسلاميين المشاركين في المجالس النيابية أن ينسحبوا منها ويوظفوا جهودهم لصالح خدمة دعوة الإسلام وفق منهاج الرسول ﷺ . وأن يبينوا للناس حقيقة تلك المجالس بعد أن رأوها من الداخل واصطلوا بكي نار المنتفعين منها من الملأ وأعوانهم. والذي آمله أن يقرأ هؤلاء الإسلاميون هذه الدراسة قراءة متأنية متجردة. والله أسأل أن يهديني وإياهم سواء السبيل ويوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 484

الجماعة والإمامة المؤلف/ المشرف: محمد بن عمر بن سالم بازمول المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الإمام أحمد - القاهرة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٨هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: حاكم - بيعته - طاعته الخاتمة: خلاصة في ضرورة الجماعة، وخطر الخروج عن السمع والطاعة، والأمر بالصبر على ولاة الأمر والنصح لهم: قد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وأن الخروج عن طاعة ولي الأمر والتقدم عليه من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد [نصيحة مهمة ص٢٣]. قال الحسن البصري ﵀: "والله لا يستقيم الدين إلا بولاة الأمر وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون" [جامع العلوم والحكم ٢/ ١١٧]. وقال ابن رجب ﵀: "السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين فيها سعادة للدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم" [جامع العلوم والحكم ٢/ ١١٧]. والخروج عن طاعة ولي الأمر والتقدم عليه بغزو أو غيره: "معصية، ومشاقة لله ورسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة السلف الصالح" [نصيحة مهمة ص٢٩]. والواجب الصبر على جورهم! قال ابن تيمية ﵀: "الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة" [المجموع ٢٨/ ١٧٩، بواسطة السنة فيما يتعلق بولي الأمة ص٤٩]. وهذا حق؛ لأن الأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم يجلب من المصالح ويدراً من المفاسد ما يكون به صلاح العباد والبلاد. والنصيحة لولي الأمر من أهم أمور الدين كما جاء عن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). وقد جاء في الحديث: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن الدعوة تحيط من ورائهم). ومعنى الحديث: أن هذه الثلاثة من فعلها فليس في قلبه غل وغش وحقد. قال أبو نعيم الأصبهاني: "من نصح الولاة والأمراء اهتدى، ومن غشهم غوى واعتدى" [فضيلة العادلين ص١٤٠]. وبهذا يتم ما أردت إيراده هنا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

стр. 485

الجهاد والقتال في السياسة الشرعية المؤلف/ المشرف: محمد خير هيكل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار البيارق - الأردن ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٤هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: جهاد الخاتمة أولاً: اسْتِخْلاَصُ أهم النتائج أهم النتائج التي نخرج بها من هذه الرسالة، هي ما يلي: أولاً: [حول تعريف الجهاد في الاصطلاح الشَّرعيِّ، وتمييزه عن الأنواع الأُخْرَى من القتال المشروع في الإسلام]. ١ـ الجهاد في الاصطلاح الشرعي: هوالقتال في سبيل الله ضدَّ الكفار الذين لا عهد لهم ولا ذمة، وما يمُتُ إلى القتال بصلة من دعوة إليه، ومساعدة عليه .. وذلك بعد توفر الشروط المطلوب لمشروعية هذا القتال. أي، تبليغ الكفار دعوة الإسلام، ووضعهم أمام الخيارات الثلاثة ـ الإسلام، أو الدخول في الذمة، أو الحرب. ـ أما الغاية من الجهاد: فهي إقامة المجتمع الإسلامي، وحمايته، وحماية المسلمين من العدوان .. هذا، وقد يطلق لفظ "الجهاد" ـ مجازاً ـ على شرط مشروعيته. وهو الدعوة إلى الإسلام ـ قبل إعلان الجهاد. كما يطلق بهذه الصفة، أيضاً، على كل جهد مبذول، ليس فيه قتل للكفار، بقصد إقامة المجتمع الإسلامي، وحمايته... وعلىكل عمل مطلوب مبرور .. كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .. وكالقيام ببر الوالدين، وأداء الحج .. وما إلى ذلك. ٢ـ كل قتال مشروع لا يكون ضد الكفار الذين لا عهد لهم، ولا ذمة ـ لا يعتبر في الاصطلاح الشرعي ـ كما رجحناـ من الجهاد، وإن كان عملاً مبروراً، وذلك مثل الأنواع التالية من القتال، حين يكون مشروعاً: أـ قتال أهل البغي. ب ـ قتال المحاربين (من قطاع الطرق). ج ـ القتال للدفاع عن الحرمات الخاصة (الدفاع ضد الصَّيال). د ـ القتال للدفاع عن الحرمات العامة. هـ ـ القتال ضد انحراف الحاكم. وـ قتال الفتنة (في حالة الدفاع عن النفس). زـ قتال مغتصب السلطة. ح ـ قتال أهل الذمة (ما لم يصدر الحكم بنقضهم للعهد). ط ـ قتال الغارة من أجل الظفر بمال العدو. ي ـ القتال لإقامة الدولة الإسلامية. ك ـ القتال من أجل وحدة البلاد الإسلامية. ثانياً: [حول المرحلة السابقة على إقامة الدولة الإسلامية في المدينة، وقبل تشريع الجهاد]. ٣ـ ندب المسلمون في هذه المرحلة إلى الصبر علىالأذى، والإمساك عن الدفاع ضد العدوان، خشية أن يتطور الدفاع إلى أضرار بالغة تحيق بالدعوة الإسلامية وأصحابها، هي أكبر من ضرر الصبر على الأذى. ٤ـ يجوز الدفاع ضد العدوان في هذه المرحلة، ما لم تترتب على ذلك أضرار بالغة تؤثر على سير الدعوة. ٥ـ لا يجوز في هذه المرحلة ـ استخدام العنف، والسلاح لتصفية الأشخاص الذين يقفون في طريق الدعوة، أو يؤذون رجالها، ما لم يكن ذلك في حدود الدفاع عن النفس. ثالثاً: [مرحلة ما بعد إقامة الدولة الإسلامية، وتشريع الجهاد]. ٦ـ تدل الغزوات والحروب التي وقعت في عهد النبوة، وعهد الخلافة الراشدة ـ أن الجهاد مشروع لرد العدوان الواقع أو المتوقع: كما هو مشروع لتطهير الجزيرة العربية من الوجود غير الإسلامي بشكل دائم... بالإضافة إلى مشروعيته بهدف إزالة العوائق المادية من طريق الدعوة، وإدخال الدول والشعوب تحت حكم الإسلام، وإن لم يدينوا به ـ كلما تيسر ذلك، ودعت إليه المصلحة. رابعاً: [حول أسباب إعلان الجهاد ـ في النصوص الشرعية]. ٧ـ تدل النصوص الشرعية على مشروعية الجهاد ضد الكفار لإعلاء كلمة الله ـ بصورة مطلقة ـ أي، بغض النظر عن كون الكفار، معتدين أو غير معتدين، ما داموا يرفضون الدخول تحت الحكم الإسلامي ـ كلما كان ذلك ممكناً .. ٨ـ يعتبر الدفاع عن أهل الذمة، وعن الحلفاء الذين أدخلهم المسلمون تحت حمايتهم، ضد العدوان الخارجي ـ يعتبر هذا الدفاع من الجهاد الواجب في سبيل الله.

стр. 486

٩ـ الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم من الدول والشعوب ـ قبل تبليغهم الدعوة الإسلامية، وإنذارهم بالخيارات الثلاثة ـ هي السلم. وأما بعد تبليغهم الدعوة، والإنذارـ فالعلاقة معهم بعد رفضهم الاستجابة، هي الحرب، مالم تعقد معاهدة سلمية بين الطرفين. خامساً: [حول أحكام الجهاد، وتكوين الجيش الإسلامي]. ١٠ـ الأصل في حكم الجهاد أنه فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، كما قد يكون مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو حراماً ـ على حسب الظروف والملابسات التي تُحيط بالمسلمين، وغير المسلمين، وما بينهم من علاقات... ١١ـ يجب تكوينُ جيش إسلامي، والقيام علىتنظيمه، وتدريب أفراده، وتسليحه، بحيث يكون قادراً على النهوض بواجب الجهاد. سادساً: [حول الأحكام الشرعية في السياسة الحربية، ومعاملة المقاتلين من الجيش الإسلامي، ومعاملة الإعداء]. ١٢ـ تجب العناية بأفراد الجيش الإسلامي، وقياداته من النواحي الدينية، والثقافية، والعسكرية، وتوفير كامل حقوقهم المادية والمعنوية، وتطهيره من عناصر الفساد كلما ظهرت بين الحين والحين. ١٣ـ الفرار من القتال إثم كبير. وقد يتعرض مرتكبه لعقوبة القتل. ١٤ـ ينبغي تقدير قمية الشهادة، والشهداء ـ والاهتمام بأسرة الشهيد من بعده. ١٥ـ لا يجوز القصد إلى قتل من لم يكن أهلاً للقتال من الأعداء، ممن وردت بحقهم النصوص الشرعية، كالنساء والأطفال والشيوخ... ١٦ـ الحرب خدعة، فيجوز فيها استخدام الكذب والتضليل مع الأعداء، ما لم يترتب على ذلك غدر، أو نقض للعهود. ١٧ـ لا يجوز التمثيل بجثث الأعداء إلا على سبيل المعاملة بالمثل. ١٨ـ حين يحتمي العدو بدروع بشرية لا يجوز قصدها بالقتل ـ ينبغي الكف عن القتال، إذا اقتضت المصلحة ذلك. ١٩ـ لا تستخدم أسلحة التدمير الشامل مع العدو إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة، ومصلحة راجحة. وفي أضيق الحدود التي تقضي باستخدامها. ٢٠ـ يندب إلى القيام بالعمليات الاستشهادية بشرط توفر المصلحة من ورائها. ٢١ـ يجوز القيام بعمليات الخطف للأعداء، تبعاً للمصلحة، ويحرم اللجوء إليها إذا كان ضررها أكبر من نفعها. ٢٢ـ لا يجوز اقتراف أعمال الفسق والفجور مع النساء من أهل الحرب بحجة الاستباحة العامة للعدو. ٢٣ـ يجب إقامة الصلوات في زمن الحرب ـ عملاً بالأصل ـ ويجوز تأخيرها عن أوقاتها إلى ما بعد الحرب، إذا دعت الضرورة إلى ذلك. سابعاً: [حول أسباب وقف القتال]. ٢٤ـ دخول الأعداء في الإسلام يُنهي حالة الحرب معهم، ويصبحون من جملة المسلمين في الحقوق والواجبات ـ حسب أحكام الشرع ـ ويحرم الانتقام منهم بعد ذلك. كما لا يجوز مطالبتهم بالتعويض عن الأضرار التي تسببوا فيها حال قتالهم للمسلمين. ٢٥ـ إذا دخل أهل الحرب في ذمة المسلمين ـ وجب وقف القتال ضدهم، وحرم الانتقام منهم، أو مطالبتهم بالتعويض عن أضرار الحرب .. وكان لهم ما لنا من الإنصاف، وعليهم ما علينا من الانتصاف. ٢٦ـ يجوز عقد المعاهدات السلمية المؤقتة مع العدو، ويجوز تمديدها كلما انتهت بلا قيد، تبعاً للضرورة، أو المصلحة. كما يجوز عقد الأمان للأفراد من أهل الحرب، ويحرم الغدر بالعدو ما دام عقد المعاهدة أو الأمان ـ ساري المفعول. ٢٧ـ لا يجوز ابتداء العدو بالقتال في الأشهر الحرم ـ إلا على سبيل الدفاع ضد العدوان، أو استمراراً لحرب قائمة. ٢٨ـ إذا هزم أهل الحرب، واقتحم المسلمون بلادهم: ـ منح الأمان لمن لم يكن منهم من أهل القتال.

стр. 487

ـ وأما من كان من أهل القتال، وكذلك الأسرى الذين أخذوا في الحرب ـ فهناك عدة خيارات في الحكم عليهم تبعاً للمصلحة الراجحة، كالقتل، والاسترقاق والفداء، وعقد الذمة والأمان .. ويجوز عقد المعاهدات مع العدو على وقف الحكم ببعض هذه الخيارات، كالقتل والاسترقاق .. ويجب الوفاء بهذه المعاهدات، بحسب أحكام الشرع. ثامناً: [حول الجهاد في العصر الحديث]. ٢٩ـ كل علاقة بين البلاد الإسلامية وبين البلاد الأخرى يترتب عليها الضرر بالمسلمين ـ لا يجوز الدخول فيها، كالأحلاف العسكرية، وتأجير القواعد، والمطارات، وبيع المواد الاستراتيجية، وسائر المساعدات الأخرى. ٣٠ـ إذا نشبت الحرب بين الأقطار الإسلامية ـ وجب على المسلمين السعي لإيقاف هذه الحرب، والصلح بين تلك الأقطار، والحيلولة دون تدخل الدول الأجنبية في النزاعات التي تقع بين المسلمين. ٣١ـ إذا أكره المقاتل المسلم على الذهاب إلى قتال غير مشروع ـ يرخص له أن يحضر ميدان المعركة ـ بسبب الإكراه ـ ولكن لا يجوز له أن يقوم بأي عمل يترتب عليه قتل من يحرم عليه قتله إلا في حالة الدفاع عن النفس. ٣٢ـ يعتبر إنشاء المنظمات القتالية في العالم الإسلامي، من أجل القيام بالصراع المسلح ضد العدوان، أو القيام بالعمليات الفدائية داخل بلاده، ونحوها .. ـ يعتبر ذلك من أعمال الجهاد في سبيل الله، إذا حسنت النية، وكان إنشاء تلك المنظمات، ونشاطاتها استجابة لأمر الله . ٣٣ـ لا يجوز للمنظمات أن تتلقى أي دعم إذا كان من شأنه أن يفرض عليها الوصاية التي تمنعها من ممارسة نشاطها الواجب بحكم الشرع. ٣٤ـ لا يجوز الانتماء إلى أي منظمة تقوم على أساس غير مشروع، مثل العمل على اقتطاع أجزاء من البلاد الإسلامية المستقلة، لإنشاء مزيد من الدويلات المنفصلة في العالم الإسلامي. ٣٥ـ إذا نشب القتال بين المنظمات القتالية ـ وجب على المسلمين العمل على وقف القتال بينها، والسعي إلى الصلح بين الأطراف المتحاربة، بكل طريق ممكن، على حسب أحكام الشرع. ثانياً ـ كلمة الختام إن ما نريد الحديث عنه، بإيجاز شديد، في هذه الخاتمة ـ كما جاء في خطة الرسالة ـ يتلخص في ثلاث نقاط، هي: ١ـ النقطة الأولى: مقارنة سريعة بين الواقع التاريخي للجهاد الإسلامي، وخلوه من الأطماع، والأحقاد. وبيان ما ينطوي عليه من تحرير للأمم والشعوب .. وبين واقع القتال عند غير المسلمين، قديماً وحديثاً، وبيان ما حمل، ويحمل في طياته من شرور ونكبات. ٢ـ النقطة الثانية: دعوة خالصة لتوحيد الصفوف الإسلامية ضد العدو الحقيقي، تمهيداً للاضطلاع من جديد بالدور الإنساني الذي كلف الله المسلمين أن يقوموا به من تحرير للأمم والشعوب، وإزالة العوائق المادية أمام تبليغها آخر رسالات السماء إلى الأرض، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الساعين بالفساد هي السفلى. ٣ـ النقطة الثالثة: الهدف من تبليغ الإنسانية رسالة الإسلام، وإزالة العوائق المادية من طريقها بالجهاد، إذا لزم الأمر ـ هو الوصول إلى الإسلام الحقيقي، والرفاهية الحقيقية في هذه الحياة الدنيا، والفوز بالسعادة، ورضوان الله في الحياة الأخرى... هذا، وفيما يلي، إلمامات خاطفة ـ كما أشرنا ـ مما يتفق مع طبيعة الخاتمة، حول النقاط الثلاث .. ١ـ النقطة الأولى: الأطماع والأحقاد بين واقع الجهاد الإسلامي، وواقع القتال عند غير المسلمين. عرفنا فيما تقدم من بحوث أنه لم يكن من وراء تشريع الإسلام للجهاد أية أطماع فيما لدى الأمم والشعوب من ثروات ومقدّرات .. وأيضاً لم يكن الهدف من الجهاد هو الفتك بالأعداء من أهل الحرب تنفيساً عن أحقاد تغلي في الصدور، لأنه قد سبق لهم عدوان على المسلمين، أو لأنهم يدينون بغير الإسلام. لم يكن من رواء تشريع الإسلام للجهاد شيء من ذلك على الإطلاق، كما تقدم، وإنما كان الغرض من تشريع الجهاد هو تحرير البشرية من أنظمة الاستبداد، علىالأرواح، أو على الأجساد!

стр. 488

الحرية أو الطوفان دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية المؤلف/ المشرف: حاكم المطيري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ٢٠٠٤م تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: حرية الخلاصة: ١ - أن ما تعيشه الأمة اليوم من انحطاط وتخلف هو نتيجة طبيعية للانحراف الذي طرأ على الخطاب السياسي الشرعي، الذي جرد الأمة باسم الدين والسنة من حقها في اختيار السلطة ومحاسبتها ومقاومة طغيانها وانحرافها، وإصلاحها عند فسادها، حتى شاع الظلم والاستبداد، وظهر الفساد، فكانت النتيجة الهلاك كما أخبر بذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ أي ما كان الله ليهلك الأمم بسبب الشرك وحده حتى يتجاوزوا ذلك إلى التظالم فيما بينهم، كما قال المفسرون، وكما يشهد له الواقع، وهو ما عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم: أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في الإثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام). وقال: (إن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، وإن لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة). لقد ظن العلماء أن الصبر على الظلم خير من مواجهته، دون إدراك لخطورة الظلم نفسه على المجتمع، وأنه سبب انهيار الأمم وسقوطها. كما يشهد بذلك الواقع المعاصر للأمم. ٢ - أن الخطاب السياسي الشرعي المنزل هو الخطاب الذي يمثل تعاليم الإسلام الحق، وأن ما عداه إما مؤول أو مبدل يجب رده ورفضه والتمسك بما كان عليه الخلفاء الراشدون في باب الإمامة وسياسة شؤون الأمة، كما جاء في الحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور). وأن التمسك بهذا الخطاب هو السنة والسلفية، وما سواه هو من البدع التي أحدثها الملوك والأمراء، وتابعهم على أهوائهم العلماء والفقهاء، اتباعاً منهم لسنن القياصرة والأكاسرة كما أخبر بذلك النبي ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعا بذراع ... فارس والروم). ٣ - وأن هذا الخطاب يقوم على: أ- حق الأمة في اختيار السلطة، ومشاركتها الرأي، ومحاسبتها، وخلعها، والاشتراط عليها، ومراقبتها، ونقدها. ب- وحقها في حرية التفكير والتعبير دون مصادرة أو حجر. ج- وحقها في مقاومة طغيان السلطة والتصدي له. د- وحقها في الانتماء والتجمع السياسي والفكري. هـ- وضرورة احترام حقوق الإنسان وحريته التي جاءت بها الشريعة. وووجوب تحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع أمام القضاء وفي تولي الوظائف العامة وفق مبدأ تكافؤ الفرص. ز- وحق الأمة في التحاكم إلى الشريعة وخلع السلطة عند خروجها على أصولها القطعية. ح- وحق الأمة في الذود عن أوطانها وإخراج الاستعمار من أرضها وحماية مصالحها. ٤ - وأن هذا الخطاب لن يتحقق إلا بمواجهة الخطاب المؤول والمبدل فكرياً، ثم بالعمل على نشره ودعوة الأمة وحكوماتها إلى تبنِّيه بالطرق السلمية؛ لتبادر الحكومات نفسها إلى إصلاح الأوضاع وتدارك ما فاتها، وإلا فالواجب العمل على تغييرها بكل وسيلة ممكنة، سواء بالعمل السياسي السلمي أو بالعمل الثوري؛ إذ بقاؤها بقاء للاستعمار ولا سبيل إلى زواله إلا بزوالها.

стр. 489

٥ - وأنه جائز شرعاً الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى في تنظيم هذه الحقوق، كما استفاد عمر من النظم الإدارية لدى الفرس والروم، وأجمع الصحابة على مشروعية ما فعل؛ لأن ذلك يدخل تحت قول النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم) وكل ما فيه خير ومصلحة وعدل فهو من السياسة المشروعة، وكل ما فيه شر ومفسدة وظلم فهو من السياسة الممنوعة. وقد عرف الفقه الإسلامي النظام الرئاسي، حيث الرئيس يتم اختياره من الأمة مباشرة كما في عصر الخلفاء الراشدين، ويكون مسؤولا أمامها، والنظام الوزاري كما كان الحال في العصر العباسي الثاني، حيث كان الخليفة رمزاً للأمة والذي يمارس السلطة وصلاحياتها هو الوزير أو السلطان. فكل هذه الأنظمة جائزة شرعاً إذا رضيت بها الأمة وأقرتها ورأت فيها مصلحتها إذ الأمر لها. كما لا يوجد ما يمنع من مشروعية التداول السلمي للسلطة بين أحزاب سياسية تطرح برامج انتخابية في إطار دستور الدولة ونظامها العام وهو الشريعة الإسلامية، كما اقترح ذلك الأنصار في المدينة بقولهم: (منا أمير ومنكم أمير) وقد أثبتت هذه الطريقة نجاحها وجدواها في أكثر دول العالم المعاصر، ولا يمكن تحريمها على تلك الشعوب لو أرادت الدخول في الإسلام، كما لا يمكن تحريمها على الشعوب الإسلامية التي تمارسها في العصر الحديث إذا كانت الشريعة هي مصدر التشريع. ٦ - وأن كل عمل جماعي منظم لتحقيق هذه المبادئ التي جاء بها الإسلام، وتأسيس الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، والجمعيات الخيرية، ولجان حقوق الإنسان التي تعمل من أجل تحقيق المصالح العام للمجتمع في شئون السياسة والاقتصاد والاجتماع وتحقيق العدل والمساواة وحماية الحقوق والحريات، كل ذلك مشروع؛ إذ مثل هذا الاجتماع على جلب المصالح ودفع المفاسد داخل في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإنما يحرم الاجتماع أو التحالف على إبطال حق أو إظهار منكر أو إثارة شر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال هو زعيم؛ فإن كان قد تكفل بخير كان محموداً على ذلك، وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك. وأما (رأس الحزب) فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان). وإن أول خطوة على طريق الإصلاح هي بالشك كما دعا إليه النبي ﷺ بقوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم). الشك بمفاهيم المجتمع وتصوراته عن الدين ومجالاته، والشك بالثقافة الإسلامية المعاصرة التي هي نتاج ثقافة المجتمع، الذي تقوم الحكومات بتشكيلها وتوجيهها بوسائل الإعلام والتعليم، بما في ذلك المساجد والمدارس الدينية والكليات الشرعية، التي تم توظيفها في خدمة الحكومات على تفاوت توجهاتها من أقصى اليسار الاشتراكي إلى أقصى اليمين الرأسمالي التي سيطرت على العالم العربي منذ سقوط الخلافة العثمانية، وهيمنة الاستعمار الغربي على شؤونه. وإنه من دون الشك لن تصل الأمة إلى برد اليقين، ونعيم الحرية، بل ستظل ترسف في أغلال الوهم وجحيم العبودية، وليس أمامها للخروج من هذا التيه سوى الثورة أو الطوفان!

стр. 490

الضوابط الشرعية للخروج على الحاكم الجائر في الفكر السياسي الإسلامي المؤلف/ المشرف: عبدالله بن أحمد فروان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ٢٠٠٢م تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: حسبة - الحكام والسلاطين والأمراء والوجهاء الخاتمة: الخروج على الحاكم الجائر من أخطر الأمور التي لا يمكن تجاهل ما قد ينتج عنها من فتنة وقتال وسفك دماء بين أفراد الأمة ولذلك فقد توقف الكثير من فقهاء الإسلام عن الخوض والحديث في هذا الأمر، ونجد الكثير منهم يتحرج كثيراً في إبداء الرأي أو الفتاوى حول هذا الحاكم أو ذاك حتى في حالة ظهور انحراف الحاكم عن قواعد الشرع وظلمه وجوره على الرعية، وهذا لا يعني إجازه الحاكم الجائر لفعله هذا أو تأييدهم له لما يفعله بالأمة وما يرتكب من مخالفات لمبادئ وقواعد الشريعة الإسلامية، ولكن يرجع الأمر إلى قواعد الشرع والموازنة بين الأضرار التي قد تنتج عن الخروج وبين الأضرار والمفاسد الناتجة من بقاء الحاكم الجائر يرأس الدولة الإسلامية وفي هذه الحالة سوف نبين أهم النتائج والخلاصات التي خرجنا بها من هذه الدراسة وأبرز الحقائق الناصعة المعتمدة على الأدلة الشرعية التي لا لبس فيها والمتسقة مع روح ومبادئ وقيم الشريعة الإسلامية ونوجز هذه النتائج فيما يلي: أولاً: مبدأ الخروج على الحاكم الجائر متفق عليه عند جميع فقهاء الإسلام باعتبار هذا المبدأ باباً من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي وصفت به الأمة الإسلامية بقوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ [الحج: ٤١]، وجور الحاكم هو نوع من أنواع المنكر يجب إزالته كما يقول الإمام القرطبي في تفسير الآية الأولى (إن جور الحاكم أمر منكر شرعاً فإزالته ولو بالخروج عليه يعتبر من باب إزالة المنكر)، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية أن الرسول ﷺ قال (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وكان رسول الله ﷺ متكئاً فجلس فقال: لا والذي نفس محمد بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً)، وكذلك باعتباره من الأمور التي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد ورد تحذير من الرسول ﷺ من السكوت عن الأخذ بيد الظالم في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه). ثانياً: ما قيل أن بعض الفقهاء يجيزون الخروج على الحاكم الجائر ليس صحيحاً للأسباب التالية: ١ - الفقهاء يعتبرون أن الحاكم الجائر وكيلاً عن الأمة في إدارة شؤونها فلها الحق أن تسأله عن عمله إذا وجدت الأسباب المناسبة لذلك، وهي رقيبة عليه باستمرار بما هي ملزمة من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبوصفها الطرف الأول في العقد فإنها صاحبة الحق في خلعه وعزله إذا خان الأمة, وحاد عن الطريق السوي, وجار في حكمه. ٢ - المشهور عن جميع الفقهاء هو مقاومة الظلم أيّاً كان مصدره وحتى فقهاء أهل السلف والسنة الذين يتهمهم البعض أنهم لم يقولوا بالخروج نجدهم في جهاد دائم بالكلمة تارة وبالمال والسيف تارة أخرى.

стр. 491

وهذا أبو حنيفة الذي قال عنه الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني قتال الظلمة وقد وقف أبو حنيفة إلى جانب الإمام زيد بن علي عند خروجه على بني أمية وساعد زيداً على خروجه بالمال ونصح الناس بالوقوف إلى جانبه وكان نفس الموقف مع محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية وأخيه إبراهيم وهما من أولاد الحسين بن علي في الثورة الثانية سنة ١٤٥هـ حيث أفتى أن الخروج معه أفضل من الحج النفل خمسين أو سبعين مرة، وحين خرج عبد الرحمن بن الأشعث على الدولة الأموية في زمن ولاية الحجاج وقف إلى جانبه أكثر الفقهاء أمثال (سعيد بن جبير والشعبي وابن أبي ليلى وابن كثير وأن فرقة عسكرية من القراء وهم العلماء وقفت إلى جانب صف بن الأشعث ضد الحجاج ولم يقل أحد من العلماء أن خروجه هذا غير جائز)، (وقد قال بالخروج عند توافر شروطه التامة الإمام الشافعي والشعبي والإمام الغزالي والقاضي عياض وابن حزم والشهرستاني والجويني والمودودي وابن الأمير الصنعاني والشوكاني والجصاص وغيرهم). ثالثاً: الأدلة التي ذكرها القائلون بعدم جواز الخروج على الحاكم الجائر بالسيف لا يقصدون بها تحريم ومنع الخروج على الإطلاق أو الإقرار بمشروعية الظلم وإنما هو موقف فرضته الخشية من الفتنة ولذلك دعوا إلى الصبر على الحاكم الجائر وتحمل ظلمه وجوره خيفة أن تحدث الفتنة والموازنة بين الضرر القائم من وجود الظلم ووقوعه وبين الضرر المتوقع من الخروج، وهذا ما عبر عنه بن تيمية بقوله لا ينبغي إضاعة رأس المال طلباً للربح وهذه العبارة تسند إلى القاعدة الفقهية التي تقول (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة) أي لأنه لا يجوز عند عدم التمكن وتحقيق الغاية المرجوة. رابعاً: حساب الضرر القائم والضرر المتوقع من الخروج على الحكام الجائرين يعد مسألة تقديرية يقدره الخارجون بحسب الحال والعوامل التي تساعد على نجاح الخروج من عدمه والتخفيف من الأضرار الناتجة عن الخروج ومحاولة تجنبها قدر الإمكان وفق القواعد الفقهية العامة كقاعدة (تحمل الضرر الأخف لدرء ضرر أكبر) وبحسب قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتدرج فيها على النحو الآتي: ١ - تعريف الحاكم بالمنكر المطلوب إزالته: فلابد أن يعرف الحاكم بالمنكر وذلك عن طريق أهل الحل والعقد وعلماء الأمة باللين واللطف والرفق دون عنف أو تجريح فلا ينسب إليه الجهل والحمق وإن كان كذلك وهذا الأسلوب هو منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الحق وهو منهج السماء للبشر على الأرض بأن تكون الدعوة والحوار والجدال بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة. ٢ - الوعظ والنصح باللين: وهذا المنهج هو ما اتفق عليه الصحابة والتابعين من الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا حتى اشترط العلماء فيمن ينهى عن منكر أو يأمر بمعروف عدة شروط لابد من توفرها وإلا لا يجوز له أن يقوم بهذه المهمة لأنه قد يؤدي فعله هذا إلى منكر أكبر ومن هذه الشروط: أ- أن يكون عالماً بما يأمر به عالماً بما ينهى عنه. ب- أن يكون رفيقاً فيما يأمر به رفيقاً فيما ينهى عنه. ج- أن يكون عدلاً فيما يأمر به عدلاً فيما ينهى عنه. ٣ - العصيان:

стр. 492

إذا لم يُجدِ أسلوب النصح والوعظ والإرشاد مع الحاكم فإن للأمة أن تستخدم وسيلة أخرى تسمى في العصر الحديث (العصيان المدني) وهي مقاطعة الحاكم وعدم الاتصال به حتى يشعر أنه معزول عن الأمة ولهذا الأسلوب سند في الشريعة الإسلامية وهو ما جاء في حديث الرسول ﷺ : (يكون آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاة خونة كذبة فمن أدرك ذلك فلا يكن لهم جابياً ولا عريفاً ولا شرطياً)، وتستخدم هذه الطريقة إذا كان يرجى معها إثناء الحاكم وإجباره عن ما هو عازم عليه من انحراف وجور وظلم وبشرط أن لا يؤدي العصيان إلى مفاسد كتعطيل مصالح الناس والإضرار بهم. ٤ - وأخيراً استخدام القوة لإزالة المنكر بحسب تفصيله في هذه الدراسة. خامساً: أسباب الخروج على حكام الجور والظلم ليست محصورة كما يرى البعض في الكفر البواح وليست محصورة بسبب بعض المعاصي والمفاسد ولكن إذا أوجدت الأسباب القوية التي لم يعد معها السكوت جائزاً ومقبولاً لدى علماء المسلمين واستنفدت كل الوسائل السلمية لثنيه عما هو عليه من انحراف في العقيدة أو عدم تنفيذه لقواعد الشريعة الإسلامية على الواقع أو إضاعته مصالح الأمة عند ذلك جاز الخروج عليه شريطة تحقيق المصالح للأمة، فلا يشترط للخروج إعلان الحاكم الكفر والردة عن الإسلام بل يكفي إظهاره لبعض المظاهر الموجبة لكفره وانحرافه عن الإسلام من خلال تصرفاته وعدم التزامه بمنهج الله، ومن مظاهر ذلك على الواقع العملي ما يأتي: ١ - الإقدام على إصدار أوامر وقوانين تتضمن معصية صريحة لله بالمعنى الشرعي. ٢ - وقوف الحاكم موقف المتحدي المتعمد لنصوص الكتاب والسنة لأن هذا الموقف يعتبر كفرا بواحاً وإن لم يقل الحاكم إنه يكفر بالإسلام. ٣ - معاداة الإسلام واضطهاد أهله وتنفيذ ذلك صراحة أو ضمناً كأن ينشر الفساد أو يساعد على نشره ويرضى به أو يساعد على نشر الربا والتعامل به ونشر المنهج المخالف للشرع والذي لا صلة له بالإسلام، وقد جاء وصف هذا النوع من الحكام في قوله تعالى ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ [الأنعام: ١٢٣]. ٤ - إفساد الحياة العامة على الأمة الإسلامية: قد يدعي الحاكم أنه على الحق وأنه يسير وفق منهج الإسلام إلا أنه في حقيقة الأمر يجلب للأمة الشقاء والتعاسة ويفسد الحياة العامة من خلال ما يمارسه على الواقع ويضر بالمصلحة العليا للأمة لأن الشريعة الإسلامية جاءت في الأصل لجلب المصالح ودرء المفاسد فإذا لم يحقق الحاكم المصالح فقد أفسد الحياة على الأمة ومن ذلك: أ- مساعدته ودعمه لتمزيق المجتمع بصراع المبادئ البعيدة عن منهج الله وتأجيج الخلافات المذهبية في بعض مسائل الفروع بما يتحول به المجتمع إلى فتن وصراعات وانقسامات داخلية واتباع مناهج وسبل شتى وهذا مخالف لقوله تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ب- تجويع الأمة وإذلالها حتى يتمكن من نشر الرذيلة والخوف والذعر والرعب فيها. ج- هدم المثل والقيم العليا في المجتمع واستعلاء الطغيان والظلم والفساد وغرس اليأس والإحباط في النفوس الصالحة بل والانتقام منها والفتك بها. سادساً: ليس صحيحاً من قال أن السلطان لا ينكر عليه بالقوة وإنما ينكر على غيره فالنصوص الواردة في تغيير المنكر ليست محصورة على المنكر من غير الحكام، بل الإسلام يرتب أفضل وأكبر أجر لكلمة حق عند السلطان الجائر وأفضل الجهاد كما أخبر بذلك الرسول ﷺ : (كلمة حق عند سلطان جائر).

стр. 493

سابعاً: تنفيذ الخروج على حكام الجور والظلم يستلزم توافر شروط في الخارجين وشروط في المخروج عليهم، وكذلك اكتمال الظروف الأخرى التي تهيئ المجال لنجاح ذلك الخروج بحيث لا يؤدي ذلك الخروج إلى مضار تربوا على المصالح العامة للأمة، ومن أهم الشروط الواجب توافرها في الخارجين ما يلي: ١ - أن يكون الخروج بقيادة أهل الحل والعقد من العلماء ورؤساء الجند وسائر الزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة ولا يدخل في هذا الصنف من أفسدهم الحاكم ليكونوا أعواناً له في استبداد وظلم الأمة فأهل الحل والعقد هم الذين يقدرون مصالح الأمة ويسعون لتحقيقها ويضحون من أجل الحق ويتصفون بالتقوى والصلاح وحسن الرأي والإخلاص والحرص على ما ينفع الناس، ولا يصح أن يكون هؤلاء الخارجون من الجهلة وغوغاء المجتمع الذي لا تجد منه الأمة سوى الفوضى والاضطراب في الأحوال وزيادة في الظلم والجور. ٢ - أن يكون الخارجون قد استنفدوا كل الوسائل والطرق السلمية في محاولتهم لتقويم الوضع وإصلاح الحاكم. ٣ - عدم الإقدام على تنفيذ الخروج إلا بعد الموازنة الدقيقة بين الضرر القائم والضرر المتوقع فإذا كان الضرر المتوقع أكثر فإنه لا يجوز الخروج لأنه مفسدته أكثر من مصلحته. ٤ - لنجاح الخروج نجاحاً تامّاً لابد من إحكام خطة مدروسة وناجحة ترتكز على أهداف واضحة وتتخذ الأساليب المناسبة المتكافئة وتبين الآراء وفق قاعدة الشورى على أن تتضمن أهداف الخروج على مبادئ الشريعة الإسلامية كالمحافظة على إقامة الحدود وإصلاح الفساد وإقامة العدل بين الناس. ثامناً: إذا فشل الخارجون ولم يتمكنوا من إزاحة الحاكم الجائر عن الحكم يصبح حكمهم في نظر هذا الحاكم بغاة وينطبق عليهم حكم البغي والبغاة وإن كانت أهدافهم ليست كأهداف البغاة ولكن لا توجد أحكام في الشريعة الإسلامية غير ذلك وطبقاً للقواعد الشرعية والإسلامية كما هو واضح في قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩٩]. ولم يفرق الفقهاء بين البغاة والخوارج فأحكام البغاة هي أحكام الخوارج وإن قال البعض أن البغاة هم الخوارج على الإمام العادل والخوارج هم الذين يرون أن كل ذنب صغير أو كبير كفر ولكن حكم هؤلاء هو حكم البغاة. تاسعاً: إذا نجح الخارجون وعزلوا الحاكم الجائر فإنه يتطلب منهم بذل الجهود الكبيرة في إصلاح الأوضاع وإعادة بناء المجتمع وفق منهج الشرع لأن الظلم الذي ساده في فترة حكم السلطان الجائر قد أفسد المجتمع ويحتاج إلى إصلاح ما أفسده وعلى وجه التحديد القيام بما يلي: ١ - بث روح الإخاء والمحبة والتسامح بين أفراد المجتمع وكان هذا هو أول عمل قام به الرسول ﷺ حينما هاجر إلى المدينة وقبل أن يؤسس الدولة قام بهذا العمل الذي هو الجسر الأساس الذي يبنى عليه كيان الدولة وبه تنطلق الأمة إلى ميادين الحياة والعمل والإنتاج، لأن المجتمع الذي لا تسوده هذه المعاني والقيم ويشيع فيه روح التباغض والتناحر والكراهية لا يمكن أن ينطلق نحو البناء والتقدم والأمن والاستقرار.

стр. 494

٢ - إصلاح الجوانب الاجتماعية فالشريعة الإسلامية كفلت تحقيق العدالة الاجتماعية وحاربت الفقر والجوع والبطالة كون الفقر يمثل خطراً كبيراً على عقيدة الأمة وقد قورن بين الكفر والفقر فقال النبي ﷺ : (كاد الفقر أن يكون كفراً) كما استعاذ النبي ﷺ من شر الفقر وشر الكفر فقال (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) وكذلك يشكل الفقر خطراً على المجتمع لأن عدم التقارب النسبي بين الناس في توزيع الثروة يثير في النفوس الأحقاد ويحدث الفتن والاضطرابات والفوضى ويقوض أركان الإخاء والمحبة بين الناس كما أن الفقر يشكل خطراً على سيادة الدولة نظراً لما يؤديه من اختلال التوازن داخل المجتمع وسوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتكون علاقة الدولة بالشعب علاقة تصادمية لا يوجد الحماس لدى الجماهير في الدفاع عن كيان البلاد وقد تحدث علماء الغرب الذين درسوا الإسلام عن إعجابهم بقيم ومثل وأخلاق الإسلام وأنها كانت السبب في تحقيق العدالة والتقدم والرخاء وفي تخليص البشرية من الجهل والظلم والشتات والفرقة والتمزق والضياع، ونورد هنا قول أحدهم وهو فون كيمر قال: عمل الإسلام على جمع شمل العرب وأزال دوافع تفرقهم وخلص العرب من رذائل الجاهلية ونشر بينهم روح العدالة والشورى والسلام وغرس المفهوم الخالد وهو أن أكرمكم عند الله أتقاكم وواعد العرب ليكونوا خير أمة أخرجت للناس ينشرون دينهم في أرجاء العالم. ٣ - إصلاح الجوانب السياسية القائمة على المعاني الشرعية والأخلاق الإسلامية آنفة الذكر باعتبار أن الدولة في الإسلام هي دولة رسالة عالمية تسعى لتحقيقها على وجه الأرض وبسط العدل بين الناس ونشر الحضارة الإنسانية والتقدم والبناء، وفي سعي الخارجين لتحقيق ما قلناه من معاني ومبادئ وقيم إنسانية لابد أن يراعوا جملة من الأمور للتغيير العملي لتحقيق رسالة الدولة في الإسلام ومن أهم ذلك ما يلي: أ- الفهم الصحيح لطبيعة المجتمع واتخاذ الأسلوب الأمثل لتغييره فالمجتمع ليس هو المجموع الكمي لأفراده وإنما هو نظام اجتماعي أو تركيب اجتماعي تتمثل فيه العلاقات المادية وتترابط ترابطاً عضوياً وتتناول من خلال التأثر والتأثير وتنعكس هذه العلاقات بمجملها على الواقع وعلى النظام السياسي خاصة إذا عرفنا أن أفراد المجتمع لا تخضع خياراتهم الإيدلوجية القناعات الفعلية التي يمكن التأثير فيها من خلال الوعظ والإرشاد والتذكير والتأثير فحسب وإنما أن يخضع إلى جانب ذلك لمصالحهم المادية في المقام الأول وحاجاتهم الضرورية. ب- بلورة نظرية علمية للاتصال بالجمهور من خلال التوعية والتعريف بالأهداف المراد تحقيقها لأن أفراد الأمة لا يتحمسون ولا يساندون أي تغيير أو إصلاح إذا لم يتحقق فيه شرطان هما: الشرط الأول: أن يجدوا لدى من يقوم بالتغيير حلّاً لمشاكلهم الحقيقية. الشرط الثاني: أن يفهم الجمهور مقاصد وأهداف أي تغيير داخل المجتمع. ج- حفظ التوازن بين طبقات المجتمع وصون الحقوق فيؤخذ الحق من القوي دون أن يقصد كسره ويعطى للضعيف وخلق الشعور لدى الحاكم والمحكوم معاً بأنهما شركاء في الحكم وإن كل واحد منهما له دوره الهام يؤديانه في سبيل بناء الكيان العام للأمة الإسلامية.

стр. 495

التربية السياسية في المجتمع المسلم المؤلف/ المشرف: خالد أحمد الشنتوت المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار البيارق - لبنان ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢١هـ تصنيف رئيس: سياسة شرعية تصنيف فرعي: تربية وتعليم الخاتمة والخلاصة والتوصيات حاول الباحث أن يقدم لإخوانه أبناء الصحوة الإسلامية منهجاً مبسطاً للسياسة الإسلامية، ليساعدهم علىتمييزها عن السياسة الجاهلية، وأراد الباحث أن يرفع الحاجز النفسي القديم بين المسلمين والعمل الجماعي (السياسي)، وذلك عندما حاول أن يميز بين السياسة الإسلامية والمكيافللية، التي أبعدت المسلمين عن السياسة، كما حاول الباحث أن يبين فرضية العمل الجماعي (العمل السياسي) وهو ما أصطلح على تسميته بالبيعة، كما حاول الباحث أن يحدد أولى الأمر الذين وجب على المسلمين مبايعتهم، وخلص إلى أنهم أهل الحل والعقد في الأمة المسلمة المعاصرة، واقترح أن يشكل هؤلاء رابطة شعبية للعماء المسلمين. وكي يميز السياسية الإسلامية عن الجاهلية عدد أهم خصائصها وهي: ١ـ البيعة وحاول الباحث أن يبين مكانة البيعة في الدين، أي أن العمل السياسي واجب على كل مسلم (الآن) وحتى تقوم الخلافة المسلمة على وجه الأرض، وعندئذ يصبح فرض كفاية كما هو بالأصل. ٢ـ الشورى وهي عمود النظام السياسي في الإسلام، وحاول الباحث تمييزها عن الديمقراطية، حيث يلتبس هذان المفهومان حالياً لدى بعض المسلمين، وأراد الباحث أن يبين حقيقة الديمقراطية، كي لا تبهر بعض المسلمين كما بهرتهم الاشتراكية. وميز الباحث بين الشورى الملزمة والاستشارة المعلمة. ٣ـ التعاون وقصد به الباحث تعاون الجماعات الإسلامية فيما بينها، من أجل إعادة الخلافة إلى الأرض، ودعا إلى قبول مبدأ التعدد، ثم الحوار والتعاون على البر والتقوى. ٤ـ العدالة وهي خاصة تنفرد بها السياسة الإسلامية، وبها تدوم الدولة المسلمة بعد قيامها، وأكد أن المسلم يعدل بين الناس كافة كما أمره الله. ٥ـ الاهتمام بالمسلمين وقصد به الباحث موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين والمنافقين، وحاول الباحث ربط ذلك بقيام الحياة الإجتماعية الإسلامية، وعلاقة الفرد المسلم بالمجتمع المسلم. وعرض الباحث موجزاً لمقومات الدولة المسلمة، وهي المنهج والقيادة والشعب والأرض، وحاول الباحث أن يبين مقومات الدولة المسلمة الأولى، التي بناها رسول الله e من المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة. وقارن بين مقومات الدولة المسلمة الأولى، وهذه المقومات المعاصرة، ليستخلص من ذلك أن الطريق ما زال شاقاً وطويلاً، وأنه لابد من إعداد القاعدة المسلمة (الصلبة) التي يقوم عليها المجتمع المسلم، ثم الدولة المسلمة.
следующие страницы →