Полный текст (2 012 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وهذا أبو حنيفة الذي قال عنه الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني قتال الظلمة وقد وقف أبو حنيفة إلى جانب الإمام زيد بن علي عند خروجه على بني أمية وساعد زيداً على خروجه بالمال ونصح الناس بالوقوف إلى جانبه وكان نفس الموقف مع محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية وأخيه إبراهيم وهما من أولاد الحسين بن علي في الثورة الثانية سنة ١٤٥هـ حيث أفتى أن الخروج معه أفضل من الحج النفل خمسين أو سبعين مرة، وحين خرج عبد الرحمن بن الأشعث على الدولة الأموية في زمن ولاية الحجاج وقف إلى جانبه أكثر الفقهاء أمثال (سعيد بن جبير والشعبي وابن أبي ليلى وابن كثير وأن فرقة عسكرية من القراء وهم العلماء وقفت إلى جانب صف بن الأشعث ضد الحجاج ولم يقل أحد من العلماء أن خروجه هذا غير جائز)، (وقد قال بالخروج عند توافر شروطه التامة الإمام الشافعي والشعبي والإمام الغزالي والقاضي عياض وابن حزم والشهرستاني والجويني والمودودي وابن الأمير الصنعاني والشوكاني والجصاص وغيرهم).
ثالثاً: الأدلة التي ذكرها القائلون بعدم جواز الخروج على الحاكم الجائر بالسيف لا يقصدون بها تحريم ومنع الخروج على الإطلاق أو الإقرار بمشروعية الظلم وإنما هو موقف فرضته الخشية من الفتنة ولذلك دعوا إلى الصبر على الحاكم الجائر وتحمل ظلمه وجوره خيفة أن تحدث الفتنة والموازنة بين الضرر القائم من وجود الظلم ووقوعه وبين الضرر المتوقع من الخروج، وهذا ما عبر عنه بن تيمية بقوله لا ينبغي إضاعة رأس المال طلباً للربح وهذه العبارة تسند إلى القاعدة الفقهية التي تقول (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة) أي لأنه لا يجوز عند عدم التمكن وتحقيق الغاية المرجوة.
رابعاً: حساب الضرر القائم والضرر المتوقع من الخروج على الحكام الجائرين يعد مسألة تقديرية يقدره الخارجون بحسب الحال والعوامل التي تساعد على نجاح الخروج من عدمه والتخفيف من الأضرار الناتجة عن الخروج ومحاولة تجنبها قدر الإمكان وفق القواعد الفقهية العامة كقاعدة (تحمل الضرر الأخف لدرء ضرر أكبر) وبحسب قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتدرج فيها على النحو الآتي:
١ - تعريف الحاكم بالمنكر المطلوب إزالته:
فلابد أن يعرف الحاكم بالمنكر وذلك عن طريق أهل الحل والعقد وعلماء الأمة باللين واللطف والرفق دون عنف أو تجريح فلا ينسب إليه الجهل والحمق وإن كان كذلك وهذا الأسلوب هو منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الحق وهو منهج السماء للبشر على الأرض بأن تكون الدعوة والحوار والجدال بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة.
٢ - الوعظ والنصح باللين:
وهذا المنهج هو ما اتفق عليه الصحابة والتابعين من الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا حتى اشترط العلماء فيمن ينهى عن منكر أو يأمر بمعروف عدة شروط لابد من توفرها وإلا لا يجوز له أن يقوم بهذه المهمة لأنه قد يؤدي فعله هذا إلى منكر أكبر ومن هذه الشروط:
أ- أن يكون عالماً بما يأمر به عالماً بما ينهى عنه.
ب- أن يكون رفيقاً فيما يأمر به رفيقاً فيما ينهى عنه.
ج- أن يكون عدلاً فيما يأمر به عدلاً فيما ينهى عنه.
٣ - العصيان:
стр. 492
إذا لم يُجدِ أسلوب النصح والوعظ والإرشاد مع الحاكم فإن للأمة أن تستخدم وسيلة أخرى تسمى في العصر الحديث (العصيان المدني) وهي مقاطعة الحاكم وعدم الاتصال به حتى يشعر أنه معزول عن الأمة ولهذا الأسلوب سند في الشريعة الإسلامية وهو ما جاء في حديث الرسول ﷺ : (يكون آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاة خونة كذبة فمن أدرك ذلك فلا يكن لهم جابياً ولا عريفاً ولا شرطياً)، وتستخدم هذه الطريقة إذا كان يرجى معها إثناء الحاكم وإجباره عن ما هو عازم عليه من انحراف وجور وظلم وبشرط أن لا يؤدي العصيان إلى مفاسد كتعطيل مصالح الناس والإضرار بهم.
٤ - وأخيراً استخدام القوة لإزالة المنكر بحسب تفصيله في هذه الدراسة.
خامساً: أسباب الخروج على حكام الجور والظلم ليست محصورة كما يرى البعض في الكفر البواح وليست محصورة بسبب بعض المعاصي والمفاسد ولكن إذا أوجدت الأسباب القوية التي لم يعد معها السكوت جائزاً ومقبولاً لدى علماء المسلمين واستنفدت كل الوسائل السلمية لثنيه عما هو عليه من انحراف في العقيدة أو عدم تنفيذه لقواعد الشريعة الإسلامية على الواقع أو إضاعته مصالح الأمة عند ذلك جاز الخروج عليه شريطة تحقيق المصالح للأمة، فلا يشترط للخروج إعلان الحاكم الكفر والردة عن الإسلام بل يكفي إظهاره لبعض المظاهر الموجبة لكفره وانحرافه عن الإسلام من خلال تصرفاته وعدم التزامه بمنهج الله، ومن مظاهر ذلك على الواقع العملي ما يأتي:
١ - الإقدام على إصدار أوامر وقوانين تتضمن معصية صريحة لله بالمعنى الشرعي.
٢ - وقوف الحاكم موقف المتحدي المتعمد لنصوص الكتاب والسنة لأن هذا الموقف يعتبر كفرا بواحاً وإن لم يقل الحاكم إنه يكفر بالإسلام.
٣ - معاداة الإسلام واضطهاد أهله وتنفيذ ذلك صراحة أو ضمناً كأن ينشر الفساد أو يساعد على نشره ويرضى به أو يساعد على نشر الربا والتعامل به ونشر المنهج المخالف للشرع والذي لا صلة له بالإسلام، وقد جاء وصف هذا النوع من الحكام في قوله تعالى ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ [الأنعام: ١٢٣].
٤ - إفساد الحياة العامة على الأمة الإسلامية: قد يدعي الحاكم أنه على الحق وأنه يسير وفق منهج الإسلام إلا أنه في حقيقة الأمر يجلب للأمة الشقاء والتعاسة ويفسد الحياة العامة من خلال ما يمارسه على الواقع ويضر بالمصلحة العليا للأمة لأن الشريعة الإسلامية جاءت في الأصل لجلب المصالح ودرء المفاسد فإذا لم يحقق الحاكم المصالح فقد أفسد الحياة على الأمة ومن ذلك:
أ- مساعدته ودعمه لتمزيق المجتمع بصراع المبادئ البعيدة عن منهج الله وتأجيج الخلافات المذهبية في بعض مسائل الفروع بما يتحول به المجتمع إلى فتن وصراعات وانقسامات داخلية واتباع مناهج وسبل شتى وهذا مخالف لقوله تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ب- تجويع الأمة وإذلالها حتى يتمكن من نشر الرذيلة والخوف والذعر والرعب فيها.
ج- هدم المثل والقيم العليا في المجتمع واستعلاء الطغيان والظلم والفساد وغرس اليأس والإحباط في النفوس الصالحة بل والانتقام منها والفتك بها.
سادساً: ليس صحيحاً من قال أن السلطان لا ينكر عليه بالقوة وإنما ينكر على غيره فالنصوص الواردة في تغيير المنكر ليست محصورة على المنكر من غير الحكام، بل الإسلام يرتب أفضل وأكبر أجر لكلمة حق عند السلطان الجائر وأفضل الجهاد كما أخبر بذلك الرسول ﷺ : (كلمة حق عند سلطان جائر).
стр. 493
سابعاً: تنفيذ الخروج على حكام الجور والظلم يستلزم توافر شروط في الخارجين وشروط في المخروج عليهم، وكذلك اكتمال الظروف الأخرى التي تهيئ المجال لنجاح ذلك الخروج بحيث لا يؤدي ذلك الخروج إلى مضار تربوا على المصالح العامة للأمة، ومن أهم الشروط الواجب توافرها في الخارجين ما يلي:
١ - أن يكون الخروج بقيادة أهل الحل والعقد من العلماء ورؤساء الجند وسائر الزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة ولا يدخل في هذا الصنف من أفسدهم الحاكم ليكونوا أعواناً له في استبداد وظلم الأمة فأهل الحل والعقد هم الذين يقدرون مصالح الأمة ويسعون لتحقيقها ويضحون من أجل الحق ويتصفون بالتقوى والصلاح وحسن الرأي والإخلاص والحرص على ما ينفع الناس، ولا يصح أن يكون هؤلاء الخارجون من الجهلة وغوغاء المجتمع الذي لا تجد منه الأمة سوى الفوضى والاضطراب في الأحوال وزيادة في الظلم والجور.
٢ - أن يكون الخارجون قد استنفدوا كل الوسائل والطرق السلمية في محاولتهم لتقويم الوضع وإصلاح الحاكم.
٣ - عدم الإقدام على تنفيذ الخروج إلا بعد الموازنة الدقيقة بين الضرر القائم والضرر المتوقع فإذا كان الضرر المتوقع أكثر فإنه لا يجوز الخروج لأنه مفسدته أكثر من مصلحته.
٤ - لنجاح الخروج نجاحاً تامّاً لابد من إحكام خطة مدروسة وناجحة ترتكز على أهداف واضحة وتتخذ الأساليب المناسبة المتكافئة وتبين الآراء وفق قاعدة الشورى على أن تتضمن أهداف الخروج على مبادئ الشريعة الإسلامية كالمحافظة على إقامة الحدود وإصلاح الفساد وإقامة العدل بين الناس.
ثامناً: إذا فشل الخارجون ولم يتمكنوا من إزاحة الحاكم الجائر عن الحكم يصبح حكمهم في نظر هذا الحاكم بغاة وينطبق عليهم حكم البغي والبغاة وإن كانت أهدافهم ليست كأهداف البغاة ولكن لا توجد أحكام في الشريعة الإسلامية غير ذلك وطبقاً للقواعد الشرعية والإسلامية كما هو واضح في قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩٩].
ولم يفرق الفقهاء بين البغاة والخوارج فأحكام البغاة هي أحكام الخوارج وإن قال البعض أن البغاة هم الخوارج على الإمام العادل والخوارج هم الذين يرون أن كل ذنب صغير أو كبير كفر ولكن حكم هؤلاء هو حكم البغاة.
تاسعاً: إذا نجح الخارجون وعزلوا الحاكم الجائر فإنه يتطلب منهم بذل الجهود الكبيرة في إصلاح الأوضاع وإعادة بناء المجتمع وفق منهج الشرع لأن الظلم الذي ساده في فترة حكم السلطان الجائر قد أفسد المجتمع ويحتاج إلى إصلاح ما أفسده وعلى وجه التحديد القيام بما يلي:
١ - بث روح الإخاء والمحبة والتسامح بين أفراد المجتمع وكان هذا هو أول عمل قام به الرسول ﷺ حينما هاجر إلى المدينة وقبل أن يؤسس الدولة قام بهذا العمل الذي هو الجسر الأساس الذي يبنى عليه كيان الدولة وبه تنطلق الأمة إلى ميادين الحياة والعمل والإنتاج، لأن المجتمع الذي لا تسوده هذه المعاني والقيم ويشيع فيه روح التباغض والتناحر والكراهية لا يمكن أن ينطلق نحو البناء والتقدم والأمن والاستقرار.
стр. 494
٢ - إصلاح الجوانب الاجتماعية فالشريعة الإسلامية كفلت تحقيق العدالة الاجتماعية وحاربت الفقر والجوع والبطالة كون الفقر يمثل خطراً كبيراً على عقيدة الأمة وقد قورن بين الكفر والفقر فقال النبي ﷺ : (كاد الفقر أن يكون كفراً) كما استعاذ النبي ﷺ من شر الفقر وشر الكفر فقال (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) وكذلك يشكل الفقر خطراً على المجتمع لأن عدم التقارب النسبي بين الناس في توزيع الثروة يثير في النفوس الأحقاد ويحدث الفتن والاضطرابات والفوضى ويقوض أركان الإخاء والمحبة بين الناس كما أن الفقر يشكل خطراً على سيادة الدولة نظراً لما يؤديه من اختلال التوازن داخل المجتمع وسوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتكون علاقة الدولة بالشعب علاقة تصادمية لا يوجد الحماس لدى الجماهير في الدفاع عن كيان البلاد وقد تحدث علماء الغرب الذين درسوا الإسلام عن إعجابهم بقيم ومثل وأخلاق الإسلام وأنها كانت السبب في تحقيق العدالة والتقدم والرخاء وفي تخليص البشرية من الجهل والظلم والشتات والفرقة والتمزق والضياع، ونورد هنا قول أحدهم وهو فون كيمر قال: عمل الإسلام على جمع شمل العرب وأزال دوافع تفرقهم وخلص العرب من رذائل الجاهلية ونشر بينهم روح العدالة والشورى والسلام وغرس المفهوم الخالد وهو أن أكرمكم عند الله أتقاكم وواعد العرب ليكونوا خير أمة أخرجت للناس ينشرون دينهم في أرجاء العالم.
٣ - إصلاح الجوانب السياسية القائمة على المعاني الشرعية والأخلاق الإسلامية آنفة الذكر باعتبار أن الدولة في الإسلام هي دولة رسالة عالمية تسعى لتحقيقها على وجه الأرض وبسط العدل بين الناس ونشر الحضارة الإنسانية والتقدم والبناء، وفي سعي الخارجين لتحقيق ما قلناه من معاني ومبادئ وقيم إنسانية لابد أن يراعوا جملة من الأمور للتغيير العملي لتحقيق رسالة الدولة في الإسلام ومن أهم ذلك ما يلي:
أ- الفهم الصحيح لطبيعة المجتمع واتخاذ الأسلوب الأمثل لتغييره فالمجتمع ليس هو المجموع الكمي لأفراده وإنما هو نظام اجتماعي أو تركيب اجتماعي تتمثل فيه العلاقات المادية وتترابط ترابطاً عضوياً وتتناول من خلال التأثر والتأثير وتنعكس هذه العلاقات بمجملها على الواقع وعلى النظام السياسي خاصة إذا عرفنا أن أفراد المجتمع لا تخضع خياراتهم الإيدلوجية القناعات الفعلية التي يمكن التأثير فيها من خلال الوعظ والإرشاد والتذكير والتأثير فحسب وإنما أن يخضع إلى جانب ذلك لمصالحهم المادية في المقام الأول وحاجاتهم الضرورية.
ب- بلورة نظرية علمية للاتصال بالجمهور من خلال التوعية والتعريف بالأهداف المراد تحقيقها لأن أفراد الأمة لا يتحمسون ولا يساندون أي تغيير أو إصلاح إذا لم يتحقق فيه شرطان هما:
الشرط الأول: أن يجدوا لدى من يقوم بالتغيير حلّاً لمشاكلهم الحقيقية.
الشرط الثاني: أن يفهم الجمهور مقاصد وأهداف أي تغيير داخل المجتمع.
ج- حفظ التوازن بين طبقات المجتمع وصون الحقوق فيؤخذ الحق من القوي دون أن يقصد كسره ويعطى للضعيف وخلق الشعور لدى الحاكم والمحكوم معاً بأنهما شركاء في الحكم وإن كل واحد منهما له دوره الهام يؤديانه في سبيل بناء الكيان العام للأمة الإسلامية.
стр. 495
التربية السياسية في المجتمع المسلم
المؤلف/ المشرف: خالد أحمد الشنتوت
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البيارق - لبنان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: تربية وتعليم
الخاتمة والخلاصة والتوصيات
حاول الباحث أن يقدم لإخوانه أبناء الصحوة الإسلامية منهجاً مبسطاً للسياسة الإسلامية، ليساعدهم علىتمييزها عن السياسة الجاهلية، وأراد الباحث أن يرفع الحاجز النفسي القديم بين المسلمين والعمل الجماعي (السياسي)، وذلك عندما حاول أن يميز بين السياسة الإسلامية والمكيافللية، التي أبعدت المسلمين عن السياسة، كما حاول الباحث أن يبين فرضية العمل الجماعي (العمل السياسي) وهو ما أصطلح على تسميته بالبيعة، كما حاول الباحث أن يحدد أولى الأمر الذين وجب على المسلمين مبايعتهم، وخلص إلى أنهم أهل الحل والعقد في الأمة المسلمة المعاصرة، واقترح أن يشكل هؤلاء رابطة شعبية للعماء المسلمين.
وكي يميز السياسية الإسلامية عن الجاهلية عدد أهم خصائصها وهي:
١ـ البيعة وحاول الباحث أن يبين مكانة البيعة في الدين، أي أن العمل السياسي واجب على كل مسلم (الآن) وحتى تقوم الخلافة المسلمة على وجه الأرض، وعندئذ يصبح فرض كفاية كما هو بالأصل.
٢ـ الشورى وهي عمود النظام السياسي في الإسلام، وحاول الباحث تمييزها عن الديمقراطية، حيث يلتبس هذان المفهومان حالياً لدى بعض المسلمين، وأراد الباحث أن يبين حقيقة الديمقراطية، كي لا تبهر بعض المسلمين كما بهرتهم الاشتراكية. وميز الباحث بين الشورى الملزمة والاستشارة المعلمة.
٣ـ التعاون وقصد به الباحث تعاون الجماعات الإسلامية فيما بينها، من أجل إعادة الخلافة إلى الأرض، ودعا إلى قبول مبدأ التعدد، ثم الحوار والتعاون على البر والتقوى.
٤ـ العدالة وهي خاصة تنفرد بها السياسة الإسلامية، وبها تدوم الدولة المسلمة بعد قيامها، وأكد أن المسلم يعدل بين الناس كافة كما أمره الله.
٥ـ الاهتمام بالمسلمين وقصد به الباحث موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين والمنافقين، وحاول الباحث ربط ذلك بقيام الحياة الإجتماعية الإسلامية، وعلاقة الفرد المسلم بالمجتمع المسلم.
وعرض الباحث موجزاً لمقومات الدولة المسلمة، وهي المنهج والقيادة والشعب والأرض، وحاول الباحث أن يبين مقومات الدولة المسلمة الأولى، التي بناها رسول الله e من المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة. وقارن بين مقومات الدولة المسلمة الأولى، وهذه المقومات المعاصرة، ليستخلص من ذلك أن الطريق ما زال شاقاً وطويلاً، وأنه لابد من إعداد القاعدة المسلمة (الصلبة) التي يقوم عليها المجتمع المسلم، ثم الدولة المسلمة.
стр. 496
التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم داخل دولة واحدة
المؤلف/ المشرف: سورحمن هدايات
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار السلام - القاهرة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: معاملة غير المسلمين
أ – نتائج البحث:
وأهم النتائج وبعض الحقائق التي توصل إليها الباحث في هذه الدراسة ما يلي:
١ – إن وصف المؤمنين يخص الذين اعتقدوا عن جزم وصدقوا بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته (من خلقه للخلق أجمعين، وتدبيره لهم وقضائه وقدره فيهم وحقه عليهم في العبودية بجميع صورها)، وبملائكته، وبجميع رسله، وبجميع كتبه، وباليوم الآخر. وما فيه من الجزاء الحق لكل عمل بشري .. وبعد بعثة الرسول الخاتم سيدنا محمد ﷺ تحقق هذا الوصف فيمن آمنوا برسالته وبما جاء من شريعة متممة للشرائع السابقة في إطار وحدة الدين الإسلامي. وسمى الله تعالى هؤلاء مسلمين منذ القدم لتسليم حياتهم له وحده.
٢ – وغير المسلمين يطلق عليهم كافرين ومشركين، سواء بإنكارهم رأسا لتلك الأسس الإيمانية؛ أو باعتقادهم المكفر. وهم يشملون من لهم كتاب منزل ثم حرفوه من اليهود والنصارى بجميع طوائفها ويطلق عليهم أهل الكتاب، ومن لهم شبهة كتاب منزل من المجوس والصابئين، ومن ليس لهم كتاب منزل، ويطلق على الفريقين جميعا مشركين، ويدخل في عدادهم الملحدون والباطنيون والبهائيون والقاديانيون وكل من يعتنق معتقدا مكفرا، والمرتد عن دين الإسلام إلى أي دين آخر، أو إلى لا دينية. أما المنافقون رغم الكفر بباطنهم وجلاء علامات النفاق فيهم، فبانتمائهم الظاهر للإسلام يعاملون حسب الظاهر كمسلمين، مع وجوب الحذر من خطر النفاق وإسداء النصح لهم بأسلوب حكيم.
٣ – والأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم والمسامحة. ولا يغير العلاقة السلمية إلا ما يطرأ عليها من اعتداء غير المسلمين على نحو مباشر أو غير مباشر على حرية الدعوة، أو أحد المسلمين فوق أي شبر من الوطن الإسلامي. أما علاقة المسامحة فثابتة تحت أي ظرف من الظروف. وهي ترتكز على: الإيمان الثابت بأن الدين عند الله الإسلام، واعتبار ما سواه باطلا مع إظهار التميز في الشخصية الإسلامية، وعدم إكراه غير المسلمين على اعتناق الإسلام بأي وجه من الوجوه، مع وجوب عرضه عليهم دعوة وتبليغا، وتمكينهم من ممارسة تعاليم دينهم، وعدم سب ما يعبدون على أن لا يمسوا بالشعور العام.
٤ - ويلتزم المسلمون في علاقاتهم الإنسانية – ومن ضمنها العلاقة بغيرهم – بالمبادئ الخلقية الثابتة الواضحة المنتهية، أهمها: التكريم، والرحمة، والمحبة، والعدل، والمساواة، والمعاملة بالمثل، والتمسك بالفضيلة، والحرية، والتسامح، والتعاون، والوفاء.
٥ – تتسع مجالات التعامل الاجتماعي بين المسلمين وغيرهم فيما لا يمس باعتزاز المسلمين بأحقية دينهم وتميز عبودياتهم وأخلاقهم وشخصياتهم الإسلامية، ولا يمثل سبيلا لغير المسلمين عليهم؛ فإن ذلك من الولاء المحرم. ويرغب المسلمون في تقديم ما يدعم حسن المعاملة والمعايشة مع غيرهم من الصلة والعطاء المالي والمعنوي، كما يرغب في قبول هداياهم من الأشياء المباحة أصلا، وتجوز الاستعانة بهم فيما يعود بالنفع على الطرفين، وتحل مأكولاتهم غير الذبيحة لشرك متأصل في معتقدهم، كذا ومشروباتهم إذا خلصت من مادة محرمة من الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وما يلحق به، وما أهل لغير الله به. كذا استعمال أدواتهم وأوانيهم بعد غسلها احتياطا. والخاص بأهل الكتاب لقربهم من الأسس الإيمانية الصحيحة وبالتالي إلى قلوب المسلمين تحل للمسلمين ذبيحتهم والمصاهرة مع نسائهم.
стр. 497
٦ – يعامل الكافر بسبب الارتداد عن الإسلام بالإصرار ودونما شبهة معاملة الخائنين على الأمة والنظام فيقتل كفرا بعد استتابته مدة كافية، وتحفظ بمثل هذا الحق دول العالم قديما وحديثا في معاملتها للخونة على الشعب والنظام.
٧ – لقد أنزل الله الإسلام ليكون هداية للناس أجمعين في كل مناحي حياتهم، وأن تتسيد فيها تعاليمه ونظمه. وبعد الناس عن الإسلام ومفارقتهم له لا يعني إلا المزيد من التعاسة والشقاء. وتحت ظل سيادة الإسلام وحدها تجد البشرية خلاصها وسعادتها الحقيقية، وأعظم مظاهر السيادة أن تكون الولاية بأيدي المسلمين، وتكون الشريعة هي مصدر لتشريعاتهم وسياساتهم، وبذلك تصبح الدولة إسلامية حقا.
٨ – تتميز الدولة الإسلامية عن غيرها: بانبنائها على دين الله، وهدفها الرئيسي إقامة الدين وسياسة الدنيا على ضوئه تحقيقا لمصالح الناس والعدالة المطلقة بينهم وصولا إلى سعادة الدارين، وتقيد سلطاتها بمسئولية أمام الأمة عن طريق ممثليها وبالشورى في تنفيذ مطالب الدين فيما لم يرد بشأنه نص قطعي الدلالة، وتمسكها بالمثل العليا الثابتة المحددة، ومرونتها والشكل والأسلوب تمكينا للأمة من اختيار ما هو أصلح حسب تطور متطلبات الزمان.
٩ – وسيادة شريعة الإسلام مطلقة لا يقتصر وجوب تحقيقها على الأوضاع الطبيعية؛ بل كذلك في الأوضاع الاستثنائية. وهي الحالات الطارئة على الفرد أو المجتمع من المحتم مواجهتها بالأحكام الاستثنائية؛ دفعا للضرر ورفعا للحرج عن المكلفين، على أن يكون الأخذ بالأحكام الاستثنائية أو الرخص بدلا من الأحكام الأصلية أو العزائم على نحو يقره الشرع، مع وجوب بذل قصارى الجهد الدؤوب للعودة إلى الأوضاع الطبييعية. والأمة المسلمة حلت بها الأوضاع التي جعلتها في حالات استثنائية بالنسبة لسيادة الشريعة، الأمر الذي تطلب الاعتراف بشرعية مظاهر الولاية الناقصة بسبب الوراثة أو الاستيلاء، أو ملاءمة الشروط المطلوبة أو قيام دولة إسلامية قطرية مقام الخلافة الإسلامية العالمية، أو قيام دويلات المسلمين القومية، كذلك تطبيق ما أمكن من أحكام الشريعة.
١٠ – ولاتخاذ سياسة مناسبة حيال كل موقف يتخذه الناس من دعوة الإسلام وأصحابها تقرر في الفقه الإسلامي تقسيم العالم إلى ثلاث ديار: ديار الإسلام التي تشمل في الوقت الحاضر البلاد التي تحت سلطان المسلمين سواء طبقت فيها أحكام الإسلام الاجتماعية أم لا على تكييف جمهور العلماء، كذلك مناطق المسلمين التي تحت سلطان غير المسلمين ما داموا يستطيعون إقامة حكم من أحكام الإسلام بأمان ٠ مثل الشعائر والأحوال الشخصية – على تكييف أبي حنيفة. ودار العهد وهي البلاد التي يتخذ أهلها موقفا مسالما من دعوة الإسلام والمسلمين، وتتمثل في الوقت الحاضر في أغلب دول العالم لما بينها وبين دول العالم الإسلامي من عهد الأمان، سواء تم ثنائيا أو بالتزامها بميثاق الأمم المتحدة. ودار الحرب وهي التي يتخذ أهلها موقفا محاربا من دعوة الإسلام والمسلمين. وواقع تجزئة مناطق دار الإسلام بين دويلات قومية قطرية وعدم تأسيس سياستها على أساس من المصالح الإسلامية يحولان دون وجود موقف موحد بين حكوماتها من اعتبار بعض الدول غير المسلمة دار الحرب مثل: إسرائيل، والاتحاد السوفيتي، والتي ثبت تظاهرهما على المسلمين.
стр. 498
١١ - والمواطنة في الدول الإسلامية تتسع للمسلمين بإسلامهم وولائهم لجماعة المسلمين وغير المسلمين بولائهم للدولة الإسلامية. والفريقان جميعا يشكلان مجتمعا إسلاميا يجريان حياتهم الاجتماعية على النظام العام الإسلامي. وتنقطع المواطنة بما يعد خروجا على جماعة المسلمين بالارتداد عن الإسلام وتفضيل تقديم الولاء لدولة الحرب على دولة الإسلام بالنسبة للمسلمين، وبإعطاء الولاء لدولة الحرب وهتك حرمات العهد بالنسبة لغير المسلمين.
١٢ - جميع المواطنين في الدولة الإسلامية مكرمون على حد سواء من حيث إنسانيتهم كوضع طبيعي ومنحة ربانية، وخضوع الجميع حكاما ومحكومين لنظام العام الإسلامي لا يخل بمبدأ الحرية الدينية التي يجب إعطاؤها لغير المسلمين بتمكينهم من ممارسة عباداتهم وكل ما يلزمها من العناية بدور العبادة، وتعاطي كل ما يعتقدون حله في دينهم، وتنظيم أحوالهم الشخصية ويقف المسئولون في الدولة أمام الجميع موقف المسئولية عن توفير حقوقهم المشروعة.
١٣ – يشترك جميع المواطنين في التمتع بحقوق المواطنة على أساس المساواة (لغير المسلمين ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)، إلا ما تتطلبه ضرورة احترام الخصوصيات الدينية، كما أن غير المسلمين يستثنون من الخضوع للشريعة في أمورهم الدينية. فيتمتع الجميع بحق الحماية على النفس وما يتبعها من مال وأهل وعرض من أي اعتداء، وحق توفير مقومات الحياة الكريمة، وحق العمل والكسب والتنقل الحر لتسخير طاقاتهم الإيجابية، وفرص التوظيف في الدولة، والمشاركة في تسيير دفة أمورها مع اختصاص المسلمين بمناصب الولاية سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو العسكرية.
١٤ – وحقوق المواطنين في الدولة الإسلامية وجدت ضماناتها في صميم الدين الإسلامي فتحظى باستقرارها في النفوس استقرار الإيمان بتعاليم الإسلام ذاتها. كما تحظى بالثبات ثبوت المقررات الشرعية التي لا تتبدل، وبتواصي المسلمين بعضهم البعض بالتزام الواجب الديني في هذا الخصوص وإزالة ما يعترض طريقه. ومصداقية ذلك محفوظة في مواقف العلماء والصالحين من أبناء الأمة طوال تاريخ التعايش بين المسلمين وغيرهم.
١٥ – والأجانب في الدولة الإسلامية هم غير المسلمين الذين لا يرغبون في الإقامة الدائمة على أرضها. وفي تسميتهم بالمستأمنين إشعار بتأكيد توفير الأمان لهم مدة إقامتهم فيها، ولا يقتصر ذلك على الحماية من ظلم المواطنين، بل أيضاً نصرتهم على من يحاربونهم من غير المسلمين ما داموا داخل الوطن الإسلامي. ولدخول المسلمين أرض الدولة الإسلامية بأمان أمر يسير للغاية. وذلك بوجود العلاقة السلمية بين دولتهم والدولة الإسلامية أو بتأمين من أي مواطن مسلم لهم ولو بغير طلب منهم، وتم شفهيا، دون اشتراط موافقة المسئولين في الدولة على ذلك. وتصح ذمة مواطن واحد طرديا ذمة جميع المواطنين من أدناهم إلى أعلاهم. وتحديد مدة إقامة الأجانب يتوقف على اعتبار المصلحة الذي يرجع إلى المسئولين. ويطبق على الأجانب قانون الدولة الإسلامية فيما يتعلق فقط بحقوق العباد من الحدود وغيرها عند الإمام أبي حنيفة، كذلك الحدود المتعلقة بحقوق الله عند جمهور العلماء، وللدولة خيار في الأخذ بأي من الرأيين طبقا للمصلحة القائمة والمعتبرة.
стр. 499
١٦ – يشترك جميع المواطنين في بناء الدولة وتحقيق الرفاهية العامة من خلال التزامات مالية ومعنوية مع التنوع فيما تغلب عليه الصفة الدينية فالمواطنون المسلمون هم المسئولون أساسا عن حماية المواطنين والدفاع عن الوطن بموجب وجوب الجهاد، وإنما يشارك القادرون على القتال فقط من المواطنين غير المسلمين سواء على نحو غير مباشر بدفع قدر يسير من المال بدل الحماية، أو على نحو مباشر بالانضمام في القوات الأمنية دفاعا عن الوطن وحماية للأمن لا جهادا. وعلى المسلمين إخراج زكاة أموالهم النامية بشروطها التي تراعي عدم الإجحاف بأرباب الأموال وعدم الحيف بحق الفقراء. وعلى غير المسلمين دفع الخراج؛ أي ضريبة الثروة الزراعية في مقابل العشر على المسلمين، ويستوي الجميع في سائر الالتزامات المالية التي لا تغلب عليها الصفة الدينية كجمارك ورسوم.
١٧ – وكل دولة غير إسلامية توصف بالدولة الواقعية سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة؛ وذلك لعدم انبناء خططها وسياستها على هدى من شريعة الله ﵎، من خلال نصوصها ومبادئها العامة واعتبارات إسلامية في تقدير المصالح. والوضع الغالب في الدول الواقعية كالآتي: في الدول التي تحت سلطان المسلمين تقرر دستوريا كفالة حقوق جميع المواطنين على أساس من المساواة وتكافؤ الفرص بما فيها حرية العقيدة والعبادات في إطار النظام القائم، ولشمولية الحياة الدينية والعبادة في الإسلام يواجه المسلمون الحدود النسبية التي فرضها الحكام حسب سياستهم. وفي الدول ذات أغلبيات مسلمة يحكمها أقليات غير مسلمة تتعرض الأغلبية المسلمة للحرمان من الحقوق حتى من توفر الأمن على حياتهم كمسلمين، حيث سياسة الحكومة المعادية للإسلام والرامية إلى القضاء على المسلمين، أو تحجيمهم على افضل تقدير. ومما يزيد الطين بلة تحالف الطوائف غير المسلمة فيها على المسلمين في كثير من الأحيان، وفي الدول التي تحكمها أغلبيات غير مسلمة تميل معاملتها للأقليات على وجه العموم إلى التفرقة، غير أن نصيب الأقليات المسلمة أسوأ من غيرها حيث التشريد والحرمان مع التفاوت في الشدة بهذا الترتيب التصاعدي: دول ذات أغلبيات كتابية – دول ذات أغلبيات وثنية – دول ذات أغلبيات شيوعية. ومن الملحوظ ان لسبق تعاون الدول مع بعض المستعمرين الغربيين على المسلمين دخل في سوء معاملتها للأقليات المسلمة. وأن التعايش السلمي بين الأقليات الموجودة متحقق على وجه معقول، على أن التعايش بين الأقليات الكتابية والمسلمة أفضل منه بين الأقليات الوثنية والمسلمة.
١٨ – من حيث الشكلية وضعت الدول الواقعية بعض النصوص التشريعية المتمثلة في الدستور أو القانون كضمان لحقوق المواطنين، وبالخصوص ما يتعلق بحرية العقيدة والعبادة، ولكن مصداقية هذا الضمان التشريعي وفعاليته يتوقفان على مدى التزام الدولة بتشريعاتها، من خلال سياستها التنفيذية والسلطة القضائية. كما أن للبعد الإيماني دخل في ذلك؛ ففي الدول الشيوعية كانت ضمانات حقوق المواطنين من أصحاب الديانات – وبالخصوص المسلمون – معدومة لإلحادها وسياستها المبنية على الخدعة وتبرير الوسيلة. وفي الدول التي تتبنى النظام الديمقراطي يبدو هذا الضمان ماثلا إلى حد ما مع التفاوت حسب موقف حكوماتها من التسامح الديني. وكان ضمان حرية العقيدة والعبادة أقوى في الدول التي يحكمها المسلمون منه في الدول الأخرى؛ حيث وضع في ذلك اعتبار ديني فوق اعتبار سياسي.
стр. 500
١٩ – الأصل أن كل مسلم يلتزم أحكام الإسلام كاملا ودون استثناء إلا بسبب طارئ يقره الشرع. بيد أن الوضع الراهن في أغلب البلاد المسلمة أنها لا تبني سياستها على سيادة الشريعة فينتج القصور الواضح في كثير من مجالات الالتزام الإسلامي، أهمها المجال السياسي والقانوني والاقتصادي؛ فأصبح المطلوب من المسلمين أفرادا وجماعات – وفي مقدمتهم العلماء والزعماء – رفع مستوى التزامهم بتعاليم الإسلام في المجالات التي لا يتوقف تطبيقها على قوة القانون والسلطة السياسية، كذلك السعي المستمر بكل الوسائل الصالحة لتحقيق سيادة الشريعة في الدولة.
٢٠ – والمسلمون في البلاد غير المسلمة يلتزمون جميع أحكام الإسلام ديانة. والأحكام التي تتوقف قضاء على القانون والسلطة معلقة إلى حين حصولهم على السلطة أو قانون يسمح لهم بذلك، مع التأكيد على وجوب العمل المضني حفاظا على كيانهم الإسلامي وتعاملهم مع سائر المواطنين بها من أهل الديانات الأخرى على أساس وضعهم كمستأمنين – فيجب تلافي المساس بأمن غيرهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وأعراضهم بأي وجه من الوجوه. ويتعاونون فيما بينهم على منع وقوع العدوان من غيرهم وحصول الإنصاف من أي ظلم وقع على أحدهم، دون اللجوء إلى القتال ما داموا مستأمنين قانونا ولم يكن العداء رسميا من سياسة الدولة، إلا ما يلزم الدفاع عن النفس، ويجوز تقديم ما يعود بالنفع عليهم وعلى غيرهم إلى الدولة، أو ما لا يضرهم بمخالفته الصارخة للشريعة على الأقل، سواء يتمثل في الالتزامات مالية أو أدبية، على أن يحتفظوا بعدم الرضا بطريق هؤلاء ومنهج حياتهم. وإذا فرض عليهم وضع يستوجب الموازنة بين الأضرار المتوقعة يجوز لهم اختيار أخف الضررين وأدنى الشرين، وإن كان في ذلك عدول عن الأحكام الأصلية إلى الأحكام الاستثنائية. وهذا أمر متوقع الحدوث للمسلمين المقيمين بين أهل بلد يتخذون – موقفا محاربا منهم. ولعدم عقد الأمان بين الطرفين لا يلتزم المسلمون تأمين أهل الحرب على أنفسهم وأموالهم. ومع هذا لا يحل لهم الاعتداء إلا إذا اعتادوا عليهم عملا بمبدأ المعاملة بالمثل ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة آية ١٩٤].
٢١ - من الثابت تاريخيا وواقعيا أن المسلمين أقدر الناس على التعايش السلمي والإيجابي مع المخالفين لهم في الدين ما داموا ملتزمين بإسلامهم الحنيف، ونظرا لطبيعة التبادل بين الأطراف المتعايشة يكون مستوى هذا التعايش متماشيا مع مدى تحقق سيادة الإسلام في المجتمع.
ب – المقترحات:
وفي ضوء النتائج المذكورة يقترح ما يلي:
أ – لما كان المسلمون اليوم في وضع لا يحسد له – بسب المؤامرات الخارجية على البلاد المسلمة، وتسيد النظام الأجنبي بها، وهيمنة غير المسلمين ونظامهم على المسلمين في البلاد غير المسلمة – كانت القوة الدافعة إلى التعايش السلمي والبنائي بين الأمم المختلفة الديانات ضعيفة، فينتج من ذلك فساد في العلاقات الإنسانية يتفاوت مداه من بلد لآخر ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (وورد التأكيد على هذا الموضوع في سورة الحج آية ٤٠) فالسبيل الأساسي الوحيد للارتفاع بالبشرية من هذا الفساد هو استرداد قوة الإصلاح والسلام المتمثلة في الأمة المسلمة مكانتها الطبيعية بين الأمم.
٢ – وعودة هذه القوة السلمية إلى مكانتها الطبيعية لم ولن تكون بالصدفة ولا بالمنحة من غيرها. فليس هناك من سبيل إلا العمل الجماعي على رفع نوعيتها عن طريق بناء شخصية المسلمين الإسلامية المتكاملة الجوانب تكامل جوانب الإسلام نفسه وتبني مشروع التربية على شمولية الإسلام وشمولية الحياة على مستوى التصور والتطبيق والوسائل إلى هذا التطبيق. ولا ينبغي أن يترك وسط من أوساط الحياة الاجتماعية إلا وفيه سعي لإيجاد الاتجاه الإسلامي من أجل توجيهه إسلاميا بالتدرج.
٣ - ضرورة المزيد من الاهتمام بوضع المسلمين عامة والواقعين منهم في محنة الأغلبيات أو الأقليات على الخصوص، سواء من خلال البحوث العلمية أو المواقف السياسية أو المساعدات: مادية ومعنوية، من المسلمين في البلاد المسلمة تحسينا لوضعهم، ودفعا لمسيرتهم في بناء الأفراد إسلاميا من أجل تحقيق حياة إسلامية بإذن الله تعالى.
والله حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 501
التعددية السياسية في الدولة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: محمد صلاح الصاوي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الإعلام الدولي - مصر ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: تعددية سياسية وأحزاب
خاتمة
والذي نخلص إليه من هذه الدراسة التي طوفنا فيها بمجالات متعددة، واستعرضنا فيها قضية الأحزاب السياسية بين المانعين والمؤيدين، وبيّنا فيها كيف يمكن للمنظومة السياسية الإسلامية أن تستوعب هذه التعددية في نموذج يجمع بين الثبات والتغير ويتيح قدراً من تداول السلطة كما تقتضيه التعددية، وقدراً من ثباتها كما هو المعروف في فقه الإمامة، ثم عرجنا على ما قد تقتضيه الظروف الراهنة للعمل الإسلامي من تحالف مرحلي بين الاتجاه الإسلامي وبين الاتجاهات العلمانية، والضوابط الشرعية الحاكمة لهذا التحالف نستطيع أن نوجز نتائج هذه الدراسة في النقاط الآتية:
أولاً: إن التعددية السياسية التي تقوم على تداول السلطة بين مختلف الأطراف فكرة غربية نشأت في أوربا في أعقاب تحررها من الطغيان الكنسي والطغيان الملكي، وإطلاق الحريات الفردية، ونقل السيادة من كل من رجال الدين والملوك إلى الأمة، فانتهى بهم المطاف إلى هذه الصياغة التي تقر للأغلبية بالحق في الحكم وللأقلية بالحق في المعارضة إلى حين، ثم يعود الأمر بعد ذلك إلى الأمة لترى رأيها في الفريقين من جديد.
ثانياً: إن هذه الفكرة على هذا النحو لم يعرفها التاريخ الإسلامي ولم يتضمنها التراث الإسلامي، وإن كان قد عرف بل أرسى حق الأمة في السلطة العامة تولية ورقابة وعزلاً، كما أرسى حقها في الحسبة على السلطان وعلى من دونه، وإن كانت أصوله لا تمنع من الأخذ بها في ظل الالتزام بالإطار الإسلامي المتمثل في سيادة الشريعة والإقرار المجمل بالأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
ثالثاً: إن التعددية السياسية في منظور المفكرين الوضعيين تجربة سياسية لها تعللالتها وسلبياتها:
• فمن تعللالتها: إنها مدارس للشعوب تعمل على توجيه الرأي العام وتعميق الوعي السياسي لدى الأمة، كما أنها تعتبر همزة الوصل بين الحكام والمحكومين خاصة في الديموقراطية النيابية التي ينتهي دور الأمة فيها عند اختيار نوابها في البرلمان ليقوموا نيابة عنها بمباشرة كافة حقوق السيادة، وليس للأمة عليهم من سلطان إلا عند إعادة انتخابهم مرة أخرى، كما أنها تعد عنصراً من عناصر استقرار الحياة السياسية بما تتيحه من الوجود العلني للمعارضة وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة في الحكم إذا حظيت بتأييد الأغلبية بدلاً من لجوء المعارضة إلى أسلوب الجماعات السرية.
• ومن سلبياتها: تشرذم الأمة، وتبديد جهود الدولة وتشتت قواها، وآلية الحياة السياسية وتحويل الأنظمة الديموقراطية إلى أنظمة جوفاء حيث يتحول الأعضاء في البرلمان بمقتضى الالتزام الحزبي إلى مجرد أبواق تفسر قناعات أحزابهم أو تبررها للآخرين.
رابعاً: إن الإطار الإسلامي لمنظومة الحكم في الدولة الإسلامية يتمثل في الالتزام بسيادة الشرع، وسلطة الأمة، وصيانة القضاء، وصيانة الحقوق والحريات العامة، والحسبة، والشورى.
خامساً: اختلاف الباحثين في قضية التعددية إلى ثلاثة آراء: الحرمة، والجواز إذا كانت داخل الإطار الإسلامي، والجواز المطلق.
стр. 502
• أما مأخذ القائلين بالحرمة فيتمثل فيما تفضي إليه التعددية من تشرذم الأمة وتفرق كلمتها، وما تتضمنه من عقد الولاء والبراء على ما دون الكتاب والسنة، وما تتضمنه كذلك من الحرص على الولاية والتنافس في طلبها، وما تقتضيه المعركة الانتخابية من تزكية النفس والطعن في الآخرين، وما تعنيه من الخروج على الجماعة ومنازعة الأئمة، بالإضافة إلى انعدام السوابق التاريخية، وفشل التجارب المعاصرة، وخطأ القياس على تعدد الأحزاب العلمانية.
• أما مأخذ القائلين بالجواز داخل الإطار الإسلامي فيتمثل في أن هذا الأمر من مسائل السياسة الشرعية التي تعتمد الموازنة بين المصالح والمفاسد ولا يشترط لمشروعيتها أن تكون على مثال سابق، وأن الأصل في العادات والمعاملات الحل حتى يأتي ما يد ل على التحريم، وقاعدة الذرائع وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالتعددية أمثل طريق إلى تحقيق الشورى والرقابة على السلطة وصيانة الحقوق والحريات العامة، كما أنها الطريق إلى الاستقرار السياسي ومنع حركات التمرد والخروج المسلح، بالإضافة إلى بشاعة البديل وهو الاستبداد بالسلطة وما ترتب على ذلك عبر التاريخ من الإغراء بالقهر والتسلط، وأهم من ذلك كله أن كافة الأدلة التي ساقها المعارضون موضع نظر، وأن ما ذكروه من المفاسد منها ما يمكن تجنبه بالكلية، ومنها ما يمكن تقليله بحيث يبدوا مرجوحاً إذا ما قورن بما في التعددية من المصالح الراجحة، كما أن التعددية لا تعني بالضرورة التنافس على موقع الإمامة بل قد يكتفي فيها بالتنافس على موقع الوزارة (وزارة التفويض)
• أما مأخذ القائلين بإطلاق الإباحة فهو الاستشهاد بالفرق الإسلامية القديمة، وباستيعاب الإطار الإسلامي للمجوس والوثنيين واليهود والنصارى، وهو استدلال مردود لأن الفرق ظاهرة مرضية إن سُلِّم بوجودها فلا يُسلّم بإتاحة السبل أمامها طواعية لتكون في موضع القيادة، أما المجوس والوثنيون وأضرابهم ففرق بين أن تعقد لهم الذمة ليعيشوا كمتوطنين في المجتمع الإسلامي وبين أن يتاح لهم من خلال التعددية أن يكونوا أولي الأمر في الأمة، وأن يطبقوا مناهجهم الكفرية فيها.
سادساً: يمكن استيعاب التعددية داخل منظومة النموذج السياسي الإسلامي وذلك ببقاء منصب الإمامة على ثباته المعهود ليكون رمزاً لوحدة الأمة، ويكون التنافس على المنصب وزارة التفويض فيفوضها الإمام لأرشد تجمع سياسي يحوز ثقة الخبراء في المجلس الاستشاري العام الذي يضم صفوة العلماء والخبراء في مختلف المجالات ويحظى بتأييد الأغلبية أثناء المعركة الانتخابية، ويكون ذلك لميقات معلوم يعود الأمر بعده إلى الأمة لتجدد اختيارها في ضوء ما أسفرت عنه الإنجازات السابقة.
سابعاً: يمكن التغلب على آفات التعددية التي ساقها القائلون بالمنع بتثبيت منصب الإمامة ليكون رمزاً لوحدة الأمة وترشيح الأعضاء من قبل الأحزاب والتعريف بهم بواسطتها خروجاً من شبهة طلب الولاية وتزكية النفس، والتزام النقد بضوابط الحسبة منعاً للتهارج وتناكر القلوب، وبيان أن الاختلاف بين الأحزاب يدور في فلك المسائل الاجتهادية ومجالات الشورى التي لا تقدح المخالفة فيها في دين المخالف، ولا يثرب عليه فيها بهجر شرعي ونحوه ما دام قد صدر في مخالفته عن اجتهاد أو تقليد سائغ.
ثامناً: قدّم البحث نموذجاً لإطار سياسي إسلامي تستوعب في داخله التعددية يتمثل في الإمام، ومجلس الشورى (أهل الحل والعقد) ووزارة التفويض، والمجلس الاستشاري العام، وقدمت الدراسة بياناً بالاختصاصات التي تخول لكل منهم، وكيفية حسم الأمور عند التنازع.
стр. 503
تاسعاً: نصت الدراسة على مشروعية المعارضة وحقها في النقد وشرح برامجها للأمة على أن تلتزم بدعم السلطة القائمة في كل ما يتعلق بالإطار المشترك المجمع على قبوله من الكافة، وأن لا تنازعها مدة بقائها في السلطة إلا بأحد التعليلات الشرعية التي تجيز لها الخروج، وأن تستبدل الالتزام بالحق وما تقتضيه المصلحة بالالتزام الحزبي المعهود في الأحزاب العلمانية.
عاشراً: تعرضت الدراسة لمدى شرعية التعددية السياسية قبل إقامة الدولة الإسلامية: فأجازت التعددية القابلة للتنسيق والتكامل والعمل المشترك والتعاون مع الآخرين لإقامة الإسلام، ومنعت من التعددية الرافضة للتعاون المنغلقة على ما تمحورت عليه من قناعات ومفاهيم لأنها تعد عقبة في طريق التمكين.
حادي عشر: تعرضت الدراسة لمدى شرعية التحالف مع الاتجاهات العلمانية في مرحلة السعي لإقامة الدولة الإسلامية فأجازت ذلك شريطة أن يكون موضوع التحالف مشروعاً، وألا يتضمن التزاماً يضر بالرسالة، أو يغل يد الدعاة عن الصدع بالحق والسعي لإقامة دولة الإسلام.
كما تعرضت الدراسة للتحالف مع الاتجاهات العلمانية لإزالة الباطل القائم وتفويض الأمر بعد ذلك إلى إرادة الأغلبية ففصلت بين ما يغلب على الظن فيه التمكن من إقامة الإسلام أو على الأقل تخفيف المظالم القائمة وتهيئة مناخ ملائم للدعوة، ومنعت التحالف الذي لا يغلب على الظن معه تحقيق شيء من ذلك.
ثاني عشر: وأخيراً توجهت الرسالة بنصيحة إلى القادة بضرورة التحري والتثبت في المواقف التي تبنى على الموازنة بين المصالح والمفاسد حتى لا يعطلوا مصالح شرعية ضرورية، أو يُدخلوا في دين الله ما ليس منه، وضرورة الصبر على ما يرد من تساؤلات أو إنكار من قبل قاعدة العمل الإسلامي حول مدى شرعية هذه المواقف، كما أوصت قاعدة العمل الإسلامي أن تستصحب حُسن الظن في هذه المواقف مع كل من كان معروفاً بالخير والصلاح، وأن تدرك أن كثيراً منها يعتمد على ملابسات تعسر إشاعتها على الملأ، وأن عليها أن تنمي رصيد الثقة في علاقتها بالقيادة إلى أن يأتي من ذلك أمر لا يحتمل التأويل، فهنا يتعين الاحتساب والإنكار بما لا يؤدي إلى مفسدة أعظم.
والله وراء القصد وهو الهادي إلى السبيل
وبالله التوفيق
стр. 504
القواعد الشرعية لإدارة الصراع الحضاري بين الأمة الإسلامية وسواها من الأمم
المؤلف/ المشرف: سامي محمد الدلال
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المركز العربي للدارسات الإنسانية - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: دراسات إسلامية
الخاتمة:
إن الصراع الحضاري الذي يخوضه المسلمون اليوم هو علامة فارقة في التاريخ البشري، وهو صراع مفروض عليهم، ولا مندوحة أمامهم سوى خوض غماره والسيطرة على مفاصله.
إن الحملة الصهيونية اليهودية والنصرانية قد رفعت شعارات فارقة لهذا الصراع. فهاهم اليهود يحتمون بمتراس (مناقضة السامية)؛ ليمرروا خدعتهم على عقول الغربيين ويبتزونهم بخرافة الهولوكوست، ويخططون لهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل مكانه، واعتبار القدس عاصمتهم، ويحتقرون العرب والمسلمين علانية، ممتطين صهوة جميع وسائل الإعلام.
فها هو ذا عوبيديا يوسف، كبير الحاخامات اليهود الشرقيين يصرح بملء فمه على شاشات التلفزة (أن العرب أفاع ولا يؤمن جانبهم، وأن الله ندم على خلقهم، وعلى هذا يجب معاملتهم).
ويقول موسى بن ميمون، وهو من أعلام اليهودية الحاخامية في القرن الثاني عشر عن الأتراك والزنوج: (هؤلاء يعدون مثل حيوانات غير عاقلة، فأنا لا أصنفهم في مستوى البشر؛ إذ إنهم من بين الكائنات الحية صنف أدنى من البشر وأعلى من القرد، بما أن لديهم وجه وملامح الإنسان وفطنة أعلى من القرد).
وها هو البابا بندكيت السادس عشر يستشهد في محاضرة له بالإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني عندما قال لمثقف فارسي: (أرني ما الذي جاء به محمد، لن تجد إلا أشياء شريرة غير إنسانية).
وها هو بوش ومجموعة من المحافظين الجدد لا يزال يشن حملته العسكرية على العالم الإسلامي بحجة محاربة الإرهاب، متجاهلاً أن الولايات المتحدة هي أكبر دولة إرهابية شهدها التاريخ، حيث لا يزال جبينها ملطخاً بما أفرزته قنابلها النووية على هيروشيما ونجزاكي في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية من دمار ووحشية، ولا تزال أياديها ملطخة بدماء الشعوب الإسلامية (أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين – بالوكالة -) وغير الإسلامية (كوريا وفيتنام واليابان وغيرها).
بالإضافة إلى ذلك فإن المسلمين اليوم يخوضون صراعهم الحضاري في أكناف ثورة هائلة من المعلومات والتقنيات التي جعلت العالم جزيرة واحدة، بما يزيد التحديات أمامهم للمحافظة على هويتهم وخصوصيتهم.
إن في العالم الإسلامي اليوم جوانب مشرقة كثيرة تنبئ بمستقبل عظيم في السلم الحضاري العالمي، ومن أبرز تلك الجوانب الصحوة الإسلامية المعاصرة التي وإن كانت تتسم ببعض السلبيات، سيكون لها أثر بالغ في إعادة المسلمين إلى تفهم دينهم والاعتزاز به والذود عن حياضه.
إن دراسة المناط الذي ذكرته بين يدي الحديث عن القواعد الشرعية، وكذا التمعن بالقواعد الشرعية التي ذكرتها، والتقيد بها والانضباط بتوجيهاتها سيكون خير مرشد ودليل لإنارة سبيل الدعوة إلى الله تعالى.
إن الطريق لا يزال طويلاً، ونحن في بداياته، وفيه كثير من المعوقات والمثبطات، وتتناثر على مدرجه الحفر تارة والصخور الصماء الصلب تارة، فلابد من التحلي بالصبر والأناة وبعد النظر والتخطيط السليم والتقويم المرحلي الشامل والعام، وتقبل النصائح والبعد عن الغلو والتعصب والتسرع والطيش، وإعطاء كل ميدان من ميادين الدعوة مستحقه، إن كان ميدان جهاد، أو ميدان اقتصاد، أو ميدان ثقافة وفكر، أو ميدان اجتماع وإدارة، أو ميدان قضاء وعمارة، أو ميدان سياسة وحكم، وإحاطة كل ذلك بما يليق به من العلم الشرعي والخلق الإسلامي، واستبصار المآلات وتقدير ردود الأفعال وطبيعتها وعنفها، مع الحرص على توحيد الكلمة ورص الصفوف، وأن يكون جميع ذلك في بوتقة توحيد الله تعالى ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً، من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
стр. 505
اللجوء السياسي في الإسلام
المؤلف/ المشرف: حسام محمد سباط
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار عمار - عمان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: لجوء سياسي
الخاتمة
عرفت الشريعة الإسلامية مفهوم اللجوء السياسي وسبقت التشريعات الدولية في كثير من الأحكام المرتبطة بمنح هذا الحق. ولم تكتف بإلزام السلطات المختصة بحماية ورعاية اللاجئين وإنما ألزمت الدولة بنصرتهم والدفاع عنهم في حال تعرضوا للأذى، كما دعت إلى منحهم حق المواطنة الكاملة بصفة (ذميين) إذا تخطوا المدة المقررة لإقامتهم.
واللاجئ في دار الإسلام يتمتع بحقوق تكفل له الحياة الكريمة، وله الحق الكامل في ممارسة شعائره الدينية، والحرية في العمل والتنقل والتعلم واستخدام لغته الأصلية والإفادة من مرافق الدولة المختلفة، تحت مظلة القانون الإسلامي.
وعليه واجبات أهمها: احترام القوانين النافذة، وعدم التظاهر بما فيه إساءة لشعائر الإسلام، كما أنه ملزم بعدم الإضرار بالمسلمين أو تعريضهم لأي نوع من أنواع الأذى، سواء كان ذلك في النواحي الاقتصادية، أو الأمنية، أو العسكرية، أو السياسية، أو الاجتماعية، أو الدينية.
ويعد وضع اللجوء لاغيا بأمور منها: عودة اللاجئ إلى بلاده، انتهاء المدة المقررة له، ارتكابه جرائم خطرة، منحه حق المواطنة سواء بدخوله في دين الإسلام، أو صيرورته من أهل الذمة.
وليس للمسلم أن يلجأ إلى (دار الكفر) بأي صفة كانت إلا في حدود ضيقة جداً، وضمن شروط أهمها:
أن يتيقن أن وجوده في بلده سيعرضه للهلاك في جسده، أو ماله، أو أهله.
أن تنعدم وسائل الإصلاح والتوفيق التي يمكن أن تدرأ عنه الأخطار.
أن يضمن عدم التعرض للفتن في دار الكفر.
أن يتأكد أن دول (دار الكفر) لن ترغمه على التعاون معها في شؤون أمنية أو سياسية تُعرض أمن المسلمين للخطر، وأن لا يمارس أي نشاط بهذا الخصوص.
أن يعزم أن يعود إلى (دار الإسلام) فور زوال السبب الذي دعاه لمغادرتها.
وخلال فترة إقامة اللاجئ المسلم في (دار الكفر) عليه أن يعامل سكانها بأخلاقه الإسلامية، وأن لا يتعرض لأموالهم، أو أعراضهم، بأي شكل من أشكال الإساءة، وأن يسعى سعياً حثيثاً لنشر دعوة الإسلام بينهم.
وفي رأيي أن مسألة اللجوء بحاجة لمزيد من البحوث والدراسات، وأقترح عقد مؤتمر خاص يحضره متخصصون في الفقه الإسلامي، والقانون الدولي، ومندوبون عن وزارات الداخلية والخارجية في الدول الإسلامية بهدف الاتفاق على مشروع قانون يحدد بدقة وشمول كل الجزئيات المتعلقة باللجوء على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ القانون الدولي والمستجدات الجغرافية والسياسية في عالمنا، والله الموفق.
стр. 506
المشاركة في البرلمان والوزارة عرض ونقد
المؤلف/ المشرف: محمد بن شاكر الشريف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مجلة البيان ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: انتخابات
الخاتمة
وهذا إيجاز سريع لما تضمنته هذه الدراسة:
١ - عرض البحث للدراسات السابقة في الموضوع وأشار إشارة سريعة لما يذهب إليه كل بحث منها.
٢ - قام البحث بعمل تمهيد في بيان مفهوم الديمقراطية وأسسها ولوازمها وقد تبين أن الفكر الديمقراطي يعتمد جعل السيادة للشعب انطلاقا من نظرية العقد الاجتماعي، التي يتبين من البحث أنها مناقضة مناقضة صريحة لكتاب الله – تعالى- كما أنها نظرية وهمية لا يقوم على إثباتها دليل.
٣ - بين البحث أن للنظام الديمقراطي عدة خصائص، وهي: السيادة الشعبية، وسيادة القانون، والإقرار بحقوق الأفراد وحرياتهم وضمانها، والفصل بين السلطات. وقد ناقش البحث هذه الخصائص وأبان حقيقتها.
٤ - قدم البحث تعريفاً بالبرلمان وأنه المجلس المختص بالتشريع، وتحدث عن أنواعه وصلاحياته وصفات أعضائه، كما بين كيفية إقرار القوانين المعدة بواسطته، وقدرته على مراقبة السلطة التنفيذية.
٥ - بين البحث الصور الممكنة للمشاركة في البرلمان وما الذي يترتب عليها.
٦ - أورد البحث أدلة المجيزين التي تكونت من أدلة القرآن والسنة النبوية والمصلحة والبراءة الأصلية وأقوال لبعض أهل العلم.
٧ - بين البحث أن تقرير سيادة الشعب التي تقوم عليها هذه المجالس تعني جعل الإرادة البشرية في مكانة الإله، وذكر البحث كثيراً من المواد الدستورية لأغلب الأنظمة السياسية التي تنص على أن السيادة للشعب، كما بين المزالق التي يقع فيها الإسلاميون نتيجة المشاركة في ذلك.
٨ - ثم عقب بذكر الأدلة المانعة من القرآن والسنة مسلك الصحابة –رضوان الله عليهم – والقسم على ما يناقض الكتاب والسنة، إضافة إلى المفاسد المترتبة على الدخول، وشهادة الواقع بعدم جدوى ذلك السبيل واعتبار المآل.
٩ - ناقش البحث أدلة المجيزين، فناقش الأدلة القرآنية ورجع إلى أقوال المفسرين في الآيات التي احتجوا بها وبين أن كلام أهل العلم لا يدل على ما ذهبوا إليه في فهمهم للآيات، بل يدل على خلاف ما ذهبوا إليه، كما ناقش احتجاجهم بالسنة وبين أن الأحاديث والوقائع المحتج بها حجة عليهم لا لهم، كما ناقش البحث المصالح المدعاة مصلحةً مصلحةً وبين أن هذه المصالح إما مصالح موهومة أو أنها لا تقاوم المفسدة المترتبة عليها، وقد استعان البحث في تأييد ما ذهب إليه بإيراد عشرات المواد الدستورية في دساتير تلك الأنظمة ليدلل بها على صواب ما ذهب إليه، كما ناقش البحث دليل البراءة الأصلية، وذكروه من أقوال أهل العلم، وقد أتى البحث بأقوال لأهل العلم المذكورين ما يبين أنهم ما أرادوا من كلامهم الصورة التي يريدها المجيزون.
١٠ - وناقش البحث أيضاً أدلة المانعين من دخول البرلمان، حيث إنه لا بد من المدافعة وعدم الاستسلام، كما أن القول: إن السيادة للشعب مدفوع بالنص في أغلب الدساتير على أن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة مصدر رئيس للتشريع، وأما القسم فبإمكان النائب أن يضيف عبارة تخرج القسم عن مدلوله أو يضمر في نفسه ما يخالف ما أظهره والأعمال بالنيات ,وقد استند البحث في تلك المناقشة إلى عدد من المواد الدستورية في دساتير تلك الأنظمة.
١١ - وخلص البحث بعد ذلك إلى الترجيح بين الرأيين واختار منهما الأقوى دليلاً والأسلم ديناً، وأجاب عن الاعتراضات التي تخالف ما رجحه، كما فرق البحث بين المجالس التي تقوم بالتشريع والتي تؤدي أعمالاً لا علاقة لها بذلك كالنقابات واتحادات الطلاب والجمعيات والبلديات وما شابه ذلك.
стр. 507
١٢ - قدم البحث تعريفاً للوزير والوزارة وبين أنواعها، كما بين صلاحيات الوزير في الحكومات غير الإسلامية، وذكر العديد من المواد الدستورية التي تدل على ذلك.
١٣ - ذكر البحث أدلة القائلين بجواز تولي الوزارة في الحكومات التي تحكم بغير الشريعة حيث اعتمدوا في ذلك على تولي يوسف –﵇ – للوزارة في حكومة مصر في ذلك الزمان والتي كانت حكومة تابعة لملك كافر، كما اعتمدوا أيضاً على وجود النجاشي ملكاً على رأس دولة نصرانية، إضافة إلى ما ذكروه من المصلحة التي يمكن تحقيقها من وراء ذلك.
١٤ - أورد البحث أدلة القائلين بعدم جواز تولي الوزارة في حكومة تحكم بغير ما أنزل الله، فأورد في ذلك أدلة نقلية من الكتاب ومن السنة الصحيحة، وذكر آثار أهل العلم في ذلك، كما نقل تحذير العلماء من قربان السلطان المسلم الظالم، واعتبار المآل في بيان المنع من ذلك.
١٥ - ناقش البحث أدلة المجيزين فذكر من كتب التفسير المتعددة ومن كلام أهل العلم الكثير ما يبين خطأ المجيزين في الاحتجاج بما طلبه يوسف –﵇ – وقد بين البحث من خلال كلام جماعة المفسرين أن يوسف ﵇ – كان ممكناً وكان مطلق اليد في التصرف لا ينازعه منازع لا ملك ولا غيره والنقولات عن أهل العلم بذلك كثيرة جداً بل لم يعثر البحث على نقل عن العلماء السابقين يخالف ذلك المذكور.
١٦ - كما ناقش البحث الاستدلال بقصة النجاشي –﵀ – وتبين من كثير مما أورده البحث أنه ليس في قصته –رحمه الله تعالى- ما يصح أو يستدل به على الجواز، وأن مواقفه كلها تدل على خلاف ما يذكرون.
١٧ - كما تعرض البحث للمنقول عن ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في ذلك فبين أن كلامه كان اجتهاداً منه –رحمه الله تعالى – ولم يكن فيه ناقلاً لكلام أحد من أهل العلم الذين سبقوه، كما أنه معارض بكلام لابن تيمية نفسه أورده البحث أثناء النقاش.
١٨ - ناقش البحث دليل المصلحة وبين أن كلام شيخ الإسلام الذي يستدل به المجيز يدل على عكس مراده، وكذلك كلام العز بن عبد السلام فهو في غير محل النزاع، والمصالح المحددة التي ذكروها لا يسوغ أبداً عدها مصالح يقبل المسلم لأجلها الحكم بغير ما أنزل الله –تعالى- فإن المصالح لها ضوابط تنضبط بها ولا يكفي أن يقال: هذه مصلحة؛ ثم تخالف الشريعة بعد ذلك لأجلها.
١٩ - وقد عرض البحث لمناقشة أدلة المانعين فتبين أن المجيزين ليس لهم ما يدفعون به أدلتهم؛ لأنهم يوافقونهم في أصل المسألة وهو المنع من تولي الوزارة في الحكومات غير الإسلامية وإنما يخالفونهم في الاستثناء.
٢٠ - وانتهت الدراسة بالاختيار والترجيح بين الرأيين، ثم أجابت في النهاية عن سؤال: ما الذي يمكن أن يتولاه المسلمون من الولايات في ظل أنظمة الحكم غير الإسلامية؟ وما الذي لا ينبغي أن يتولوه؟
وبعد هذه الجولة الموسعة في هذه النازلة وعرض أقوال الناس فيها وذكر أدلتهم وما أجيب به عن هذه الاستدلالات يمكن لنا أن نجمل القول في عدة أمور:
فيما يخص دخول البرلمانات:
стр. 508
فقد تبين لنا أن الغالبية العظمى من دساتير البلدان العربية والإسلامية تعتمد على أن السيادة للشعب، وهو يعنى نظرياً إناطة التشريع في أمور المجتمع بالشعب، وعملياً إناطة ذلك بمن يكون داخلاً في البرلمان ممن يعدونهم ممثلين له ومتحدثين باسمه، وهو في الوقت نفسه تنحية لشرع الله- تعالى – عن أن يكون حكماً في هذا الجانب إلا ما وافق عليه النواب وأقروه منه، وهذه المسألة تعد عقبة كأداء لا يمكن تجاوزها في إباحة الدخول والمشاركة في هذه المجالس لما يترتب على ذلك من الإقرار بحق الشعب فيما ليس له ولا لغيره فيه حق، وهو في الوقت نفسه عدوان على الشرع المحكم، لاسيما أن الداخل يجب عليه أن يقسم بالله العظيم على احترام ذلك الوضع والوفاء له.
وقد ذكر المجيزون لذلك عدة أدلة في مشروعية المشاركة وهي ليست في الحقيقة دالة على ما يريدون، وما ذكروه من المصالح التي يمكن تحقيقها من خلال المشاركة فأكثرها مصالح غير قابلة للتحقيق، على أن ما هو قابل للتحقيق منها لا يقاوم المفسدة العظمى المتمثلة في إظهار الموافقة على هذا الوضع والتمسك به والعمل من خلاله، ومن هنا يتبين أنه لا يجوز للإسلاميين أن يعتمدوا هذا الطريق للوصول إلى إقامة دين الله أو العمل على تخفيف الشرور والمفاسد ولا يخففها، بل عليهم الدعوة إلى إقامة دين الله –تعالى- كله كما أنزله الله –تعالى – على رسوله محمد ﷺ بشموله وعمومه وكماله وليس اختزاله في جزء من أجزائه والدعوة إليه، وأن يتحملوا ما يصيبهم من أذى المناوئين وخذلان الخاذلين حتى يتمكنوا من إقامة دعائم بنيان قوي وأساس متين يمكن أن تؤسس عليه إقامة الدولة كما فعل رسول الله ﷺ ، نعم قد يطول زمن هذا التأسيس مع ما فيه من المشقة واللأواء وعدم الناصر وضعف الإمكانات وقلة المعين، لكنه في النهاية طريق موصل للمقصود-بإذن الله تعالى – محقق للمراد من غير الوقوع في مخالفات شرعية، بعكس الطريق الآخر فإنه لا يوصل إلى المقصود مع طوله وبعده ومشقته ومخالفته للشريعة.
وأما ما يخص تولي الوزارة في ظل أنظمة لا تحكم بشريعة الله، فقد تبين من الأدلة أن الوزير المسلم إذا كان مفوضاً من قبل الحكومة التي تحكم بغير الشريعة بحيث أنه يملك العمل فيما فوض فيه بما يوافق دينه ولا يعارضه، وكان يرجو من وراء ذلك تحقيق نفع عام أو مصلحة عامة فإنه يجوز له ذلك إذا كان ما يرجوه من النفع والمصلحة مما يمكن وقوعه وتحققه، أما إن كان لا يملك أمره بحيث يكون بمثابة الترس الذي يدور مع العجلة لا يملك الفكاك منها، أو كانت حركته مقيدة بحيث لا يتخلص كاملاً من قيد النظام فلا يكون تفويضه كاملاً مما يوقعه في مخالفات شرعية، أو كانت المصلحة المتحققة من وراء توليته مصلحة جزئية ليس فيها نفع عام للمسلمين، بل النفع الحادث منها تعارضه مفاسد أشد، أو تقوم الدلائل والشواهد على عدم إمكانية تحقق تلك المصلحة، فإن توليه للوزارة في هذه الحالة يكون مفسدة يجب تجنب الوقوع فيها، وكل ما تقدم من الأدلة والمناقشات في هذا البحث تؤدي إلى ذلك، وقد تبين من خلال عرض الأدلة ومناقشتها وإيراد أقوال العلماء والمفسرين أن ما استدل به المجيزون – من تولي يوسف ﵇ لخزائن مصر في ظل حكومة لا تحكم بما أنزل الله تعالى، أو كون النجاشي ﵀ ملكاً للحبشة التي يدين شعبها بالنصرانية؛ على صواب قولهم – لا يستقيم، وأن هاتين الحالتين لا تعارضان الأدلة المتقدمة الواردة في المنع.
نسأل الله من فضله التوفيق والإعانة على ما يحبه ويرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 509
المصالحات والعهود في السياسة الشرعية
المؤلف/ المشرف: محيي الدين إبراهيم عيسى
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة- الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: سياسة شرعية - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة: تلخيص البحث:
تلخص لدى الباحث أن موضوع المصالحات في جملته قضية كلية استهدف الإسلام تحقيقها عبر جملة من التشريعات في نواح مختلفة اجتماعية وسياسية، كما أنه يمكن أن تعتبر هذه القضية الجامعة وسيلة لتحقيق وإنفاذ وتوطين الأمن والسلام في المجتمع. وهذه الغاية الغالية، والتي أصبحت هاجس البشرية الأول في عالمنا المعاصر، عولجت في الشريعة كغيرها من القضايا كأحسن ما يكون؛ فقد ركزت تشريعات الإسلام في هذه المسألة على خصوص الإنسان كفرد بأن استثارت فيه كوامن الرحمة والإلف المفطور عليهما أصلاً. وفي الجملة حسم الله القضية عندما أوضح بأن من رغب في تحقيق السلام وبناء الأمن الحقيقي في المجتمع لا عليه سوى الانقياد لهدى الله؛ فقال : ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ [طه: ٤٧]، وفسر إجمال هذه الآية في آخر السورة نفسها بقوله: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. ويتربع في قمة هذا الهدى الإلهي في هذا الصدد قضية تجريد وتحقيق وتعميق التوحيد والإيمان في النفوس، كيف وقد قال حكاية عن خليله إبراهيم: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ [الأنعام: ٨١]، وقال : ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٥٥].
ولئن كان تحقيق توحيد الله في النفوس مجلبة للأمن فإن الشرك بالله تعالى يظل بأنواعه مصدراً حقيقياً للقلق والرعب وانعدام الأمن في النفوس والمجتمعات على حد سواء، وقد سطرت هذه الحقيقة بأوضح بيان في كتاب الله تعالى؛ إذ قال: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً﴾ [آل عمران: ١٥١]، وقال: ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة﴾ [الأنبياء: ١١].
فمهما حاولت البشرية أن تخط لنفسها طريقاً غير هذا في تطلب السلام أو البحث عن الأمن، عبر مواثيق أو سياسات أو برامج تغفل عن هذه الحقيقة فضلاً عن مراغمتها، فلن تحصد إلا الشقاء.
والناس في عرف الشرع قسمان:
١ - مسلمون يرتبطون برباط وآصرة العقيدة التي تهون دونها روابط الدم والرحم أو القومية والوطنية؛ إذ لا يجد المسلمون مهما تباعدت أجناسهم أو أوطانهم بديلاً سوى هذا الوصف الذي يوفر لهم رحماً جديداً ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، و (المسلم أخو المسلم).
٢ - والمسلمون يقابلهم الكفار، والذين هم قبائل شتى؛ منهم المسالمون لمعسكر المؤمنين، ومنهم المحاربون لهم. وهذه التقسيمات تقسيمات شرعية نابعة من القرآن والسنة، وأهميتها تنبع من كونها تشكل لنا معايير محددة وثابتة لا تقبل التلاعب في وزن الأشخاص والأحداث.
والمصالحات والعهود مشروعة في الجملة، وهي من السياسة الشرعية على الصعيد السياسي، وقد دلت على هذه المشروعية نصوص الكتاب التي منها قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم﴾ [الأنفال: ٦١]. كما ساس الرسول ﷺ في سيرته العملية أعداءه بهذه السياسة في مختلف مراحل الدعوة، وهذا هو المنهج الصحيح في هذه القضية.
стр. 510
إلا أن مشروعية المصالحات السياسية تظل محكومة في نفاذها بشروط من أهمها: رعاية المصلحة العامة جلباً للمصلحة أو دفعاً للمفسدة عن الأمة، وكذا أن لا تكون متضمنة لمحظور شرعي؛ تحريماً لحلال أو استباحة لحرام متفق على حرمته، ومتى تضمنت المصالحة شيئاً من ذلك كانت ممنوعة وغير جائزة في الفقه الإسلامي. ومتى صحت المصالحة ظلت نافذة ولزم الوفاء بها وجوباً، وحرم نقضها بالغدر؛ الأمر الذي منعت منه الشريعة إجماعاً، هذا ما لم تختل المصالحة في جوهرها فيكون لأي من الطرفين أو الأطراف حينئذ المندوحة في التفصي من التزاماته حيال ذلك الاتفاق.
ما سبقت الإشارة إليه هي المصالحات التي تتم على الصعيد السياسي بين الدولة المسلمة وغيرها من الأمم، أما المصالحات التي تتم بين أفراد المسلمين إصلاحاً للشأن الاجتماعي إذا اختل بالخلافات؛ كالأزمات التي تحصل بين المسلمين في الدماء أو الأموال، أو الشأن السياسي إذا تنازع فيه الفرقاء، فهذا النوع من المصالحات يظل دائماً محل تأكيد للمشروعية التي تترد في الحكم بين الوجوب والاستحباب.
وللمصالحات والعهود آثار جليلة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي؛ لأن المصالحات في حقيقتها آلية لصنع الاستقرار فيهما، كما برهن على صحة هذه الفرضية ميثاق المدينة الذي أكد في نصوصه على الحقيقة السابقة؛ إذ نص على وحدة الأمة، والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع مهما تخالفت عقائدهم، وغير ذلك من القيم.
تعتبر البيعة عهداً سياسياً خاصاً تنتظم به علاقة الراعي المسلم برعيته، وترتب عليه حقوق وواجبات شرعية متبادلة بينهما لتأخذ العلاقة والممارسة السياسية بعداً إيمانياً يستشعر به الطرفان حجم التبعة الملقاة عليهما، وإن فرص نجاحات التطبيق الأمثل لهذا الأسلوب تتطلب مجتمعاً يتوافر فيه الوعي والرشد والإدراك الحقيقي لمقاصد الدين.
والإمام أو الأمير المبايع بصورة صحيحة تظل طاعته واجبة ولازمة إمضاءً للنصوص الكثيرة الآمرة بذلك؛ فعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية)، ومع هذا فإن الصحيح الذي ترجح لدى الباحث من أقوال العلماء صحة خلع الإمام إذا جار جوراً ظاهراً اختلت معه مهمات إقامة الإمارة، بشرط تمام القدرة على القيام بهذا الأمر، وإلا تعين الصبر تلافياً لمأساة الهرج وسفك الدماء.
ويعتبر عهد الأمان من العهود الخاصة، ويعني بسط الحماية على الكافر الحربي في حالة ووضع خاص، فيظل آمنا في دمه وماله حتى يبلغ أجله الزماني والمكاني، فلا يجوز التعرض له بانتهاك شيء من ذلك ما لم ترتفع حصانته بسبب اقتراف جريمة تستبيح منه الدم أو المال.
أما عهد الذمة فهو عهد ينظم شأن الجماعات غير المسلمة في مجتمع المسلمين، وهو عقد ثابت بنص الكتاب والسنة، وجرى به العمل إلى أزمان قريبة، وليس فيه أي إجحاف بأي من حقوق هؤلاء الأساسية؛ إذ يتمتعون بكل ذلك على قدم المساواة مع غيرهم، والتشريع الإسلامي إذ يقر بهذه المساواة ويؤكدها فيما يتعلق بالجميع إلا أنه، ولأسباب موضوعية، يقبل استثناءات ترد على هذه القاعدة يفرق فيها بين المسلم وغير المسلم.
стр. 511
غير أن الحركة العلمانية البائسة التي انتظمت العالم الإسلامي عقب سقوط الخلافة قلبت هذه الوضع الصحيح في بلاد المسلمين رأسا على عقب لتستبدل صيغة الذمة بصيغة المواطنة، وللأسف ضمنت هذه النكسة في دساتير الدولة المسلمة، فاتسع الخرق على الراقع. كان الاجتهاد عند التعامل مع هذا الوضع تسويق هذه الحالة الشاذة في ظروف الاستضعاف ليكون خيار المواطنة خيار حاجة واضطرار، على أن يستأنف المسلمون الوضع الصحيح متى واتتهم الفرصة؛ ذلك لإصالة هذا الحكم الشرعي الذي لم يوجد أي دليل أو تأويل سائغ يرقى إلى التمعن فيه لأجل القول بنسخه أو انتهاء مفعوله، كما زعم بعض الكتاب المعاصرين حيال هذه القضية.
والمصالحات تأتي بمعنى الهدنة مع الكفار بوضع الحرب، كما تعني أيضا إقامة الأحلاف معهم، وكل ذلك جائز في السياسة الشرعية على التفصيل المذكور؛ طالما تتحقق بموجبه المصلحة العليا للمسلمين.
إن تحالف بعض المسلمين مع بعض الكفار إذا جاز وصح لدفع مفسدة عظمى تحدق بالجميع من قبل كفار آخرين إعمالاً لمبدأ دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فإن الذي لا يجوز هو أن تمتد آثار هذا التحالف مع الكفار إلى درجة الاستعانة بهم في قتال مسلمين آخرين ولو كانوا بغاة، وإلا كان الحلف مع الكفار عندئذ تمكيناً لهم من رقاب المؤمنين؛ الأمر الذي منعت منه الشريعة الإسلامية قطعاً لمناقضته لمبادئ الإسلام نفسه.
إن مبدأ المصالحات لم يكن عند المسلمين قضية تجريدية بعيدة عن واقع الممارسة، بل تجلت نماذج عملية نيرة إعمالاً لهذا المبدأ وترجمة واقعية له، ومن ذلك: مصالحات النبي ﷺ مع المشركين في زمانه فيما عرف بصلح الحديبية؛ تلك المصالحة المباركة التي أفضت وانتهت بأعظم فتح في الإسلام. كما أنه ﵊ صالح اليهود بالمدينة، والذين انتهزوا – كعادتهم – ذلك الوضع في ممالأة الأعداء، فلم يجد النبي ﷺ بدا من حسمهم وإجلائهم جزاء وفاقاً.
والعبرة التي تؤخذ من هذه التصرفات النبوية هي مشروعية وجواز أن تتكرر مثل هذه المصالحات مع أن جنس من الأعداء ولو كانوا يهوداً غاصبين، هذا ما يستفاد من فعل النبي ﷺ الكريم في هذا الصدد، إلا أن ترجيح هذا الرأي والمذهب على غيره لا يعني بالضرورة إيجابه على الناس بوصفه الخيار (الاستراتيجي) الأوحد، أو الرضا وإضفاء المشروعية على مصالحة بعينها في زمان ما.
والنماذج العملية للمصالحات تتواتر في فترة الخلافة الراشدة؛ حيث ورد التمثيل بصلحين صلح بهما الشأن السياسي للدولة المسلمة آنذاك، وهما: صلح سقيفة بني ساعدة، وصلح عام الجماعة اللذان تم الأول منهما في بواكير العهد الراشدي، والآخر في منتهاه، ومثَّلا نموذج في كيفية معالجة الخلاف السياسي عندما يتأزم؛ ذلك لأنه بهذا الصلح التأم الشمل بعد أن كاد العقد أن ينفرط، فثبت أن مسلك المصالحة – أيا كانت – هو المسلك الأرشد الذي يتعين سلوكه في السياسية الشرعية لمعالجة الأزمات السياسية كما الاجتماعية، دون اعتماد ضلالة المعارضة كما شاع في الفقه السياسي الوضعي المعاصر.
стр. 512
وكما تم التمثيل بعهود ومصالحات عدة من شريعة الإسلام وتاريخ المسلمين للبرهان على فعالية دورها، كذا تطرق البحث بالإشارة إلى بعض العهود الدولية المعاصرة؛ حيث وقع الاختيار على التمثيل بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والعهد العالمي لحقوق الإنسان، وذلك على سبيل الاستعراض الموجز لموادهما التي تبين منها: إما منافاة بعضها للشريعة الإسلامية، أو استثناء المسلمين عند التنفيذ بصورة متحيزة من الإفادة منها؛ كأن هذه العهود أو المواثيق صيغت للحد والحيلولة دون نهوض المسلمين! وهو كذلك.
لذا لم يكن من المستغرب عند الحديث عن موقف الدولة المسلمة من هذه العهود الدولية الإشارة إلى ضرورة التحفظ قبل التوقيع أو الانضمام لأي عهد دولي على المواد المنافية للشريعة الإسلامية، مع التنبيه إلى حقيقة أزلية مسطورة في القرآن الكريم من أنه لن يكون للمشركين في الحقيقة عهد أصلاً، وأنهم متى اشتركوا مع المسلمين في معاهدات فإنهم أول من لا يفي بها؛ كما قال الحق : ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون﴾ [التوبة: ٧ - ١٠]، صدق الله العظيم.
نتائج البحث:
١ - إن أعظم المبادرات فعالية على الإطلاق لإحلال السلام والأمن في المجتمعات وفي أي زمان ومكان كان، هي طرح منهج الإسلام بوصفه دين السلام، والدعوة إلى مُثله وقيمه بالحسنى. وإن إشاعة الحوار والجدال بالتي هي أحسن والرضا بما ستسفر عنه هذه العملية يظل الخيار الأجدى في التغلب على الأزمات والخلافات والنزاعات. وإن المجتمع الذي تروج فيه هذه الأفكار بصورة عملية هو المجتمع الذي سيسعد أكثر بالسلام. وهذا يعني أن كل مجتمع أو نظام جانب هذا الطريق سيتوه في مهامِهِ الشقاء.
٢ - إن تحقيق وتجريد وتعميق توحيد الله تعالى، وإزالة كافة مظاهر الشرك به –سبحانه- لهي قضية جوهرية من وجهة النظر الإسلامية في عملية صناعة وبناء السلام؛ لأن الرب رهن تحقق الأمن للنفس والمجتمع بتحقق ونفاذ هذه القضية في النفوس فقال: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطنا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨١ - ٨٢]، وقال: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً﴾ [آل عمران: ١٥١]، وقال تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾ [النحل: ١١٢].
٣ - حكم الجزية ثابت في أصل الشرع، ولا يوجد أي دليل من أي نوع كان يسوغ إبطاله أو نسخه، وما ذكر من أدلة في هذا الصدد فهي لا تعدو أن تكون مجرد شبه متهافتة لا تقوى أمام الاختبار العلمي. أما إنفاذ هذا الحكم في واقع المسلمين في مثل هذه الأزمنة وأزمنة الاستضعاف عامة، فهذه قضية أخرى مرهونة بالقدرة، وتحتكم إلى توافر الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
стр. 513
٤ - يعتبر قرن حكم الجزية في الشريعة الإسلامية بفرية اضطهاد الذميين وانتقاص حقوقهم، أمراً مصطنعاً لا وجود له في أصل التشريع الذي أمر بالإحسان إلى كافة البشر – لا سيما الذميين منهم – في نصوص غاية في الصحة تم تنفيذها بحذافيرها في تاريخ مشرق للمسلمين إبان دولتهم الزاهرة.
٥ - إعطاء حق التأمين للكفار عند دخولهم الدولة المسلمة يعتبر في أصل التشريع مما يجوز ممارسته لكافة الأفراد المسلمين، إلا أنه ولاعتبارات مستجدة مرتبطة بالأمن والمصلحة العامة ترجح لدى الباحث وجوب سلب هذا الحق من العامة كما جرى بذلك العرف العملي الراهن. ومثل ذلك يقال في تحديد مدة بقاء المستأمنين في الدولة المسلمة، خلافاً للاجتهاد الفقهي القديم والمعاصر في هذه المسألة.
٦ - يظل الصلح هو الترياق الواقي للمجتمع من التصدع والانهيار في علاقاته الاجتماعية المتأزمة بعامة، وهو كذلك الخيار المعتمد الذي لا يجوز الحياد عنه عندما ينشب الصراع في المعترك السياسي، وإلا اصطلى الجميع بنار الخلافات والنزاع، الأمر الذي سيكون خصماً على الاستقرار والرفاه.
٧ - يظل التعايش السلمي بين الأديان في ظل الدولة المسلمة أمراً ممكناً، وقد مرت تجربة عملية بذلك في تاريخ المسلمين؛ ذلك لأن لغير المسلمين من أهل الكتابين حقوقاً مرصودة في الشريعة الإسلامية، فالإخلال بها تقصير وتنكر للإسلام نفسه، إلا أن فرص نجاحات هذا الإمكان مرهونة بدرجات وعي المسلمين بدينهم إلى جانب عوامل أخرى.
٨ - يشرع الصلح وعقد الهدنة أو اتفاق سلام مع الأعداء – مهما بلغت درجة عدواتهم – فيما إذا ضعف المسلمون وخافوا الاسطلام، وهذا الحكم هو الراجح مما دلت عليه نصوص الشريعة في هذه المسألة، طالما كان هذا الخيار محققاً للمصلحة العليا للمسلمين.
٩ - إن تحالف المسلمين مع الكفار جائز في مجمله في سبيل صد عدو مشترك من غير المسلمين فقط؛ وذلك وفقاً لقاعدة دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. غير أنه لا يجوز باتفاق أن يمتد مثل هذا الحلف لقتال مسلمين آخرين ولو كانوا بغاة خارجين؛ لأن عصمة الإسلام تظل باقية لهم مهما جاروا، فلا يصح أن تستباح حرمة دمائهم من قبل الكافرين.
١٠ - لا تمانع الشريعة في مجملها من الاشتراك في المواثيق الدولية إذا كان في إطار التعاون على البر، وما سوى ذلك من المواثيق والمعاهدات الدولية يجوز الاشتراك فيها شريطة التحفظ على البنود أو المواضع التي تخالف الشريعة.
١١ - لكونه لم تشترك أي من الدول الإسلامية في وضع أو صياغة أي من المواثيق الدولية المعمول بها الآن، لذا فإن هذه المواثيق لا تخلو من مراغمة واضحة للشريعة الإسلامية في بعض تفصيلاتها، بل بدأت مرحلة جديدة في الدور الذي ينتظر أن تؤديه تلك المواثيق في ظل الظروف الدولية الراهنة فيما اصطلح على تسميته (بالعولمة)؛ إذ استغلت في الترويج للثقافة والرؤية الغربية، وطرح النموذج الرأسمالي كأسلوب للحياة، وفرضه على الناس عامة؛ لاسيما في المجال الاجتماعي، كما يبدو ذلك بوضوح في الاتفاقيات الخاصة بالمرأة والطفل، والتي وقعت مؤخراً برعاية الأمم المتحدة.
стр. 514
النظام العام للدولة المسلمة – دراسة تأصيلية مقارنة
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن سهل ماضي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار كنوز اشبيليا – الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: سياسة شرعية - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة:
فهذه أهم نتائج البحث والتوصيات المقترحة أسوقها مختصرة موجزة كما يلي:
أهم النتائج:
١ - الأصل اللغوي للنظام: هو الخيط، وهذا المعنى يتفق مع المعنى الحسي والمعنوي للنظام، ففيه الانتظام والثبات والاستقرار.
٢ - النظام في الاصطلاح له معنى موضوعي وهو: مجموعة من الأحكام التي تتعلق بموضوع محدد وتعرض في صور مواد متتالية، كما أن له معنى شكلياً يقصد به: الوثيقة المكتوبة التي تصدر عمن يملك حق إصدارها وتهدف إلى تنظيم سلوك الأفراد في مجتمعهم وإدراك مصالحهم.
٣ - تباينت أقوال الفقهاء في تعريف العام، والراجح أنه: كلام مستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.
٤ - الدولة المسلمة عرفت بأكثر من تعريف، ومن أجمعها تعريفها بأنها: جماعة المسلمين وأهل ذمتهم الذين يقيمون على أرض تخضع لسلطة إسلامية تدبر شؤونهم في الداخل والخارج وفق شريعة الإسلام.
٥ - النظام العام لدى الفقهاء لم يرد بهذا المصطلح، ولكنه معروف لديهم ومستعمل تحت ألفاظ أخرى تؤدي إليه، مثل: الخير العام، والنفع العام، والصالح العام، أو المصلحة العامة.
٦ - نظرة الفقهاء للنظام العام تبلورت من خلال ثلاثة أمور تعتبر هي مداخل لتأسيس فكرة النظام العام لديهم، وهي:
أ- فكرة حق الله أو الحق العام: وتتضح صلته بالنظام العام من خلال أن حق الله هو ما قصد به التقرب إليه قصداً أولياً، وإقامة دينه وتعظيمه سبحانه وعبادته، والبعد عن محرماته، وكل ما يتعلق بالمصالح العامة وتحقيق النفع العام من غير اختصاص بأحد، وهذا ما يتضمنه النظام العام.
ب- فكرة الحكم الشرعي أو الحلال والحرام: وترتبط بالنظام العام من حيث إن حق الله الذي يتضمنه النظام العام واجب الإتيان، وهو على سبيل الحتم والإلزام، وهذا هو معنى الواجب والمحرم، كما أن النظام العام يمنع تغيير صفة المندوب أو المكروه أو المباح بالكلية.
ج- فكرة المصلحة: وترتبط بالنظام العام بروابط عديدة من أهمها اشتراكهما في الهدف والغاية، فالنظام العام يحقق المصلحة ويستمد في ذات الوقت منها.
٧ - النظام العام لدى أهل القانون غير محدد وغير واضح؛ لاعتماده على المعيارية القائمة على المصلحة العامة، والنسبية الزمانية والمكانية، وغالب تعريفاتهم تؤول إلى وصفه بأنه مجموعة من الأسس السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخلقية التي يقوم عليها كيان المجتمع.
٨ - يمكن تعريف النظام العام بأنه: (مجموعة من الأحكام والإجراءات الموضوعة لحماية المجتمع وتحقيق النفع العام له في الدنيا والآخرة، والتي لا يجوز لأحد مخالفتها، أو إسقاطها، أو تعديلها، أو الاتفاق على خلافها).
٩ - هناك فروقات عديدة ومتنوعة بين النظام العام والسياسات العامة أو الآداب العامة والمصلحة العامة أو العارضة.
١٠ - للنظام العام أهمية كبيرة في الشريعة الإسلامية تتجلى في عدد كبير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وفي الآثار المروية عن السلف، سواء في الجانب العقدي، أو الفكري، أو السياسي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الأمني، أو الاستراتيجي.
١١ - تتضح أهمية النظام العام في الأنظمة من خلال ما يلي:
أ- علاقته بالدولة المسلمة القائمة على التلازم النظري والتطبيقي والانسجام الكامل اللازم بينهما؛ ولذلك شواهد عديدة في النظام السعودي.
стр. 515
ب- ارتباط النظام العام بالسلطات الرئيسة في الدولة، كالسلطة القضائية التي يحميها النظام العام وهي في ذات الوقت تعد مصدراً له لأجل تحقيق العدالة في المجتمع، وارتباطه مع السلطتين التنفيذية والتنظيمية في قيام السلطتين بتطبيق قواعده وأحكامه المحققة للنفع العام في المجتمع.
ج- ارتباط النظام العام بفروع القانون المختلفة، حيث إنه يمثل الحد الأدنى من الحماية للأسس التي تقوم عليها الجماعة، فهو يتسع ليشمل فروع القانون المختلفة (العام والخاص)، وهو يقيم نظاماً ذا أولوية لحل الصعوبات القانونية الطارئة، وهو متنفس للتغيير وفي ذات الوقت مصدر للقانون.
١٢ - دائرة النظام العام في الشريعة الإسلامية ليست واسعة، فهو يختص بتطبيق قواعد الدين وشرائعه الأساسية التي تعد من حقوق الله؛ وبالتالي فهو اجب التطبيق في الشريعة الإسلامية، ويتفق القانون معها في هذا الحكم، والنظام السعودي أوجب ذلك أيضاً.
١٣ - النظام العام يستند في مصدريته إلى أدلة متفق عليها وتمثل استمداداً له، وهي:
أ- القرآن الكريم: وله دلالة لفظية وأخرى غير لفظية على النظام العام، فالدلالة اللفظية تتضح من خلال النصوص القرآنية الدالة على مراعاة المصلحة العامة وما يضادها من المفسدة، وحدود الله وحقوقه والاعتصام بحبله وعدم التفرق، والدلالة غير اللفظية تتبين في النصوص المتضمنة ضرب الأمثلة والاستدلال العقلي على النظام العام وعلى الدعوة للدخول في السلم العام والطاعة العامة والانقياد العام، وكذلك تأكيد مسألة المصدرية والمرجعية الربانية.
ب- السنة مماثلة للقرآن في دلالتها اللفظية: وفي المقابل استخدمت في دلالاتها غير اللفظية أسلوب التحذير من التساهل في حدود الله والشفاعة فيها، وإبطال الأحكام المخالفة للنظام العام، ووجوب الطاعة والامتثال لأحكام الشرع.
ج- يشترك الإجماع مع النظام العام في الأهداف والغايات من وجوب الطاعة واتباع سبيل المؤمنين ولزوم وحدتهم، كما أن الإجماع واجب الاتباع وهو مبني على النص ومن أنكره كفر، فهو من النظام العام.
د- للقياس دلالة على النظام العام تأتي من وجوبه ولزومه وابتنائه على أصول شرعية ثابتة هي ذات الأصول التي بني عليها النظام العام، كما أن علة القياس التي هي أساس فيه تقوم على الوصف المناسب المرتبط بالمصلحة التي يرعاها النظام العام، كما أن القياس يستخدم وظيفياً في إثبات النظام العام من خلال قياس النظام العام على أمور مهمة في الدولة تشترك معه في الأهمية والرسوخ كقاعدة الطاعة ومبدأ التشريع.
١٤ - يوجد في مقابل الأدلة المتفق عليها أدلة مختلف فيها ولها أيضاً دلالة على النظام العام وتمثل مصدراً له، وهي:
أ- المصالح المرسلة: ودلالتها على النظام العام تنشأ من رابطة المصلحة، فالنظام العام قائم على فكرة المصلحة العامة ورعايتها، كما أن المصلحة المرسلة لابد من أن تكون عامة ومستندة إلى أصل كلي، بل هي تمد النظام العام بالأحكام المناسبة في التدابير والإجراءات المستجدة.
ب- سد الذرائع: وتتضح دلالته من ارتباطه بمقاصد الشريعة التي هي من النظام العام، كما أن سد الذرائع يحمي أحكام النظام العام بسده للذرائع المفضية إلى الإخلال به، كما أنه يرتبط باعتبار المآلات الذي هو أصل من أصول النظام العام.
ج- الأعراف والعادات: النظام العام مفتقر إليها لابتناء أحكامه وقواعده وتطبيقها على الواقع، ولاسيما في الإجراءات والتدابير المستجدة، كما أن مساهمة العرف في تفسير بعض أحكامه واضحة، وهذا يدعم أحكام النظام العام في مرونتها وعموميتها وفي أثناء التقاضي فيها، كما أن العرف القانوني أيضاً يشترط لإعماله أن يكون متوافقاً مع النظام العام.
стр. 516
د- الاستحسان: وهو يقوم أصلاً على أدلة قوية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحوها، فهو رديف لهذه الأدلة في دلالتها على النظام العام، كما أن إعمال قاعدة الاستحسان يهدف إلى رفع الحرج والمشقة، وهذا أصل من أصول النظام العام، والاستحسان من الأصول التي بنيت عليها قاعدة مآلات الأفعال أيضاً.
١٥ - لمقاصد الشريعة دلالة كبيرة على النظام العام من أهمها رابطة المصلحة العامة التي يرعيانها، كما أن الحتم والإلزام الذي تمتاز به قواعد النظام العام من ضمن مقاصد تلك الأحكام، كما يتضح أن المقصد الأساسي للشريعة هو أصلاً تحقيق النظام العام وتطبيقه على واقع الحياة.
١٦ - القواعد والأحكام الكلية تساهم في إمداد النظام العام بأحكام وقواعد لبعض القضايا والنوازل المستجدة، ومن هنا تأتي دلالتها على النظام العام، فهي تمثل نظاماً عاماً بوجوب تطبيقها من القاضي أو المفتي أو غيرهما، وهي تقود لمعرفة مقاصد الشريعة وتعطي النظام العام تجدداً مستمراً باستمرارها.
١٧ - المعاهدات والاتفاقيات ذات دلالة مهمة على النظام العام من خلال وجوب احترامها والالتزام بها، كما أن معاهدات الرسول ﷺ هي بذاتها مصدر تشريعي للنظام العام، وكذلك مصدر تفسيري له.
١٨ - للنظام العام تقسيمات عديدة باعتبارات متنوعة؛ سواء في الفقه أو النظام، ومن أشمل تقسيماته هو تقسيمه إلى نظام عام داخلي وآخر خارجي، فالداخلي محصور داخل الدولة وحدودها الإقليمية، والخارجي هو خارج حدودها المحلية؛ فيفترقان من حيث المفهوم ومن حيث الموضوع تبعاً لذلك.
١٩ - للنظام العام وظائف مهمة في الفقه الإسلامي، منها حماية المصلحة العامة كالتسعير الجبري وتحريم الرشوة، ومنها حماية الطرف الضعيف كالولاية على الصغير والمجنون وتطبيق نظرية الظروف الطارئة، ومنها حماية الغير كبطلان تصرفات المكره، ومنها حماية الإنسان نفسه كتحريم الانتحار ونحوه.
٢٠ - للنظام العام وظائف في القانون منها حماية الأسس العليا للمجتمع عن طريق القواعد القانونية التي لا يجوز مخالفتها، ومنها استبعاد تطبيق القانون الأجنبي المتعارض مع النظام العام.
٢١ - للنظام العام خصائص من أهمها:
أ- أنه نظام مصلحي: وتتضح وجوه المصلحة في الفقه بعدة أساليب منها إخبار الله سبحانه عن بعض صفاته أو أهمية كتابه أو تبيان النصوص لبعض المصالح على وجه التحديد أو التي تحمل معاني كبرى من مبادئ النظام العام، وهناك أحكام مصلحية للنظام العام لا يعرف تفسيرها كتحريم الربا ويمكن للعقل تلمس بعضها. أما في القانون فالمصلحة هي أساس النظام العام لكنها مصلحة غير ثابتة بل متغيرة ومتبدلة، وفي النظام السعودي امتثال لمعاني المصلحة المتوافقة مع النظام العام الشرعي كتقرير مبادئ العدل والشورى والمساواة.
ب- العمومية: وتتضح في الفقه من خلال عمومية الخطاب التشريعي للجميع، كالتطبيق الممارس للشعائر كالصلاة والحج ونحوهما، وكطرق المحاسبة والتقاضي والعقوبة المفروضة على الجميع، ورعاية شأن الجماعة المستمر ورعاية الإنسان من حيث هو إنسان، والنظام السعودي زاخر بنصوص العمومية أيضاً.
ج- الشمولية: وتتضح في الفقه من حيث الشمول العقدي والعبادي والأخلاقي والتشريعي؛ أي الشمول الموضوعي، وفي النظام السعودي وردت نصوص عديدة تفيد هذا الشمول.
د- الثبات والمرونة: ويتضح في الفقه من خلال مبدأ الشورى، فهو ثابت في تشريعه مرن في تطبيقه والعدالة كذلك، والنظام السعودي قرر هذا المبدأ الكلي في النظام الأساسي للحكم وترك تفصيله للأنظمة الفرعية.
стр. 517
٢٢ - الإخلالات الواقعة على النظام العام هي من صور الفساد التي حذر منها الشرع, ونهى عن السعي فيها ومن سلوكها وممارستها، والنظام السعودي وضع استراتيجيات لمكافحة صور الإخلال تلك من خلال إسنادها إلى شخصية الملك ذاتها ومجلس الوزراء ومجلس الأمن الوطني ومجلس الشورى.
٢٣ - النظام العام حمى الفكر الإنساني وصانه من خلال صيانة التوحيد ووحدة التشريع وبناء القيم الخلقية وتقرير مبدأ العدالة.
٢٤ - نشر المعتقدات والمذاهب المخالفة من ضمن الإخلالات الواقعة على الجانب الفكري، وهي نشأت بسبب البدعة والقول على الله بغير علم واتباع الهوى وتحكيم العقل، والنظام العام منع كل صورها سواء في مجال نشر المعتقدات المخالفة أو في نشر المذاهب المخالفة، فهي كلها مخالفة للنظام العام الشرعي الفكري.
٢٥ - تعتبر الإساءة إلى الشعائر الدينية في المجتمع من الإخلالات الواقعة على النظام العام الفكري فيه، وتلك الشعائر هي التي تمثل قداسة إسلامية في مجتمع الدولة المسلم كالذات الإلهية والقرآن الكريم والأنبياء والصحابة والشعائر التعبدية وفروض الكفايات، وهذه الإساءة تتصادم كلياً مع النظام العام وقد جرمها الفقه الإسلامي والنظام السعودي.
٢٦ - بالنسبة لإساءة غير المسلمين للشعائر الدينية فهي تصادم النظام العام وهي أمر منكر وموجب لنقض العهد معهم وبراءة الذمة منهم.
٢٧ - أن المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعاً ولو مميزاً أو هازلاً بنطق أو اعتقاد أوشك أو فعل، والارتداد شكل من أشكال الإخلال الفكري بالنظام العام ولذا فهو محرم بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهي تحصل بسب النبي، أو إنكار المحرمات الثابتة بدليل قطعي لا شبهة فيه، أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة أو أمور الاعتقاد الثابتة أو الفرائض القطعية، أو باستباحة المحرمات الظاهرة.
٢٨ - أن هناك عقوبات مفروضة على الإخلال بالنظام العام الفكري كالتالي:
أ- عقوبة نشر المعتقدات والمذاهب المخالفة في الفقه تقاس على عقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، ومنها عقوبات: الهجر، والتشهير، والضرب، وتقاس على عقوبة المنافق الذي يظهر نفاقه.
ب- عقوبة الإساءة إلى الشعائر الدينية: هي القتل تعزيراً، فيحكم على من سب الله أو رسله أو كتبه بالقتل، وفقاً لما يقرره الحكم القضائي.
ج- عقوبة المرتد: هي القتل أيضاً، واختلف في المرأة المرتدة والصحيح قتلها، وبالنسبة لاستتابتهما فالصحيح هو القول بوجوب ذلك مراعاة لمقصد الشريعة في الإبقاء على روح التسامح والدخول في الإسلام.
والنظام السعودي عالج عقوبة الإخلال بالنظام العام الفكري من خلال عدة نصوص أكدت رعاية الشريعة وحمايتها والالتزام بالوحدة وعدم الدعوة إلى الفتنة والانقسام أو ما يضر بالشعائر الدينية، ومسؤولية المخالف عن ذلك وعقوبته.
٢٩ - التحريض ضد السلطة خلل أمني يقع على النظام العام، ومن صوره: الدعوة إلى قلب نظام الحكم، والتحريض للخيانة العظمى في الدولة، والتحريض لعصيان النظام العام وعدم تطبيقه، والدعوة إلى الفتنة السياسية وإثارة العداوات بين طبقات الشعب وفئاته، والدعوة إلى الاضطرابات والاعتصامات، ونحو ذلك. والنظام السعودي جرم التحريض من خلال تأكيد قاعدة البيعة والسمع والطاعة لولاة الأمر والدعوة إلى الوحدة، وعدد بعضاً من تلك الصور ضمن الممنوعات كما في نظام الضباط ونظام الأفراد ونظام الأمن الداخلي ونظام العقوبات للجيش السعودي.
стр. 518
٣٠ - أن رفض تطبيق النظام وتعطيل الدولة شكل من أشكال الإخلال بالنظام العام الأمني، وهي في الفقه تأخذ عدة أشكال منها: الحرابة، ومنها الافتيات على السلطة، فالمحاربون لا يمتثلون لتعاليم النظام وقواعده ويسيرون عكسه تماماً بقطع الطريق ونهب الأموال وقتل الأنفس، والافتيات على السلطة يعطل أجهزة الدولة ويسلب منها وظائفها الأساسية ومن صوره: تنفيذ الحدود أو القصاص أو التعزير دون السلطان، أو إصدار العملة، أو منح الإقطاعات، أو تقييد المباحات، أو إبرام المعاهدات، فهذه كلها من اختصاصات الدولة وحدها. وموقف النظام السعودي واضح من تحريم الحرابة وتم إصدار فتوى فيها، وكذلك مسألة الافتيات فالأنظمة حددت الاختصاصات والصلاحيات ومنعت من تجاوزها.
٣١ - أن محاولة اغتصاب السلطة وانتهاك السيادة من أشد الجرائم وأخطرها على النظام العام الأمني في الدولة، والفقهاء بحثوا مسائلها في عدة صور منها:
أ- أن اغتصاب السلطة وانتهاك السيادة محرم وجريمة كبيرة حذرت منها الشريعة.
ب- أن اغتيال أصحاب السلطة العامة أمر محرم ويخالف النظام العام الأمني، واختلف في قاتله: هل يقتل حداً أم لا باعتبار الفساد العام الذي ينتج منه؟
ج- أن البغي من أوضح صور محاولة اغتصاب السلطة وانتهاك السيادة، وهو يتحقق على الصحيح بالخروج على السلطة العادلة أو الظالمة، ويشترط فيمن يتحقق فيه جريمة البغي عدة شروط هي (الإسلام، المنعة، التأويل، الخروج، مخالفة النظام العام).
د- أن اغتصاب السلطة وانتهاك السيادة من قبل الأعداء أمر مخل بالنظام العام يوجب قتالهم وجهادهم، وخصوصاً عند حصول النفير العام ودخولهم البلاد وحضور القتال.
وقد عالج المنظم السعودي مسألة محاولة اغتصاب السلطة وانتهاك السيادة من خلال التأكيد في عدة نصوص نظامية على شكل المملكة وشعارها، وشكل الحكم فيها ودستورها وسيادتها، وأن هذه أمور غير قابلة للتغيير، وعلى تعزيز الوحدة الوطنية وحماية عقيدة الدولة وتطبيق شريعته، وإنشاء قوات مسلحة لمواجهة الأعداء، واختصاصات الملك في حال الحرب، وتجريم أفعال الخيانة العظمى والتعامل مع الأعداء حسبما ورد في نظام محاكمة الوزراء، كما أكد النظام السعودي على الفتوى الصادرة في جريمة الغيلة واعتبار عقوبتها حداً.
٣٢ - أن أعمال التخريب – كالتفجير والخطف والسطو – أمور مصادمة للنظام العام الأمني وحرمتها الشريعة تحريماً واضحاً في نصوص القرآن والسنة لما لها من آثار ونتائج خطيرة على جميع الجوانب الحياتية، والنظام السعودي أيد ما صدر من فتاوى تحرم وتجرم وتعاقب على تلك الأعمال، وجعل عقوباتها تطبيق حد الحرابة في حق مرتكبيها.
٣٣ - أن هناك عقوبات على مرتكبي الإخلال الأمني على النحو التالي:
أ- جعل الفقه عقوبة التحريض تحت إطار العقوبات التعزيرية وفقاً لحجم الجريمة وآثارها، والنظام السعودي عاقب عليها بالقتل أو السجن وبالغرامة وفقاً لنظام محاكمة الوزراء ونظام الضباط ونظام المطبوعات والنشر.
ب- بالنسبة لعقوبة رفض تطبيق النظام وتعطيل أجهزة الدولة فإذا كانت في صورة جريمة الحرابة فتعاقب بعقوبتها على اختلاف بين الفقهاء في نوعية العقوبة: هل هي على التخيير أو التنويع؟ والنظام السعودي أيد الفتوى الصادرة بأن عقوبتها على التخيير، وأن القضاة يثبتون الجريمة ويقترحون ما يرونه والملك يقرر ما يراه مناسباً.
وفي جانب الافتيات فإن العقوبة الفقهية لها حالات:
- إذا قتل المفتات معصوم الدم فإنه يقتص منه.
- إذا قتل المفتات غير معصوم الدم أو لم يقتل أصلاً فيعزر.
وللنظام السعودي موقف متشدد من الافتيات من خلال عدد من الأنظمة المعنية بمثل ذلك.
стр. 519
ج- أن عقوبة محاولة اغتصاب السلطة وانتهاك السيادة لها حالات:
- اغتيال الحاكم يأخذ حكم الغيلة الذي يعد – على الصحيح من أقوال العلماء – عقوبته حدية، والنظام السعودي قرر هذا وأكده.
- عقوبة البغي تتم وفق إجراءات معينة تبدأ بمفاوضات مع البغاة وطلب الإصلاح، ويتم قتالهم بما يدفع شرهم فقط.
د- أن عقوبة أعمال التخريب هي عقوبة الحرابة، والنظام السعودي أكد هذا أيضاً.
٣٤ - أن انتهاك حقوق الإنسان يعد إخلالاً بالنظام العام السياسي في الدولة المسلمة، ومن صور انتهاك حقوق الإنسان: انتهاك حق الحياة كالانتحار، وقتل الآخرين، والوأد، والإجهاض، وتشويه السمعة. ومن صور الانتهاك أيضاً انتهاك حق المساواة في الحق الإنساني، ومن صور الانتهاكات كذلك انتهاك حق الإنسان في العمل والملكية. والنظام السعودي كان وقافاً عند هذه المعايير، فأكد النظام الأساسي للحكم على أن الدولة تحمي حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية.
٣٥ - أن الاعتداء على الحريات العامة في المجتمع إخلال خطير بالنظام العام السياسي؛ لأن أساس الحرية في الشريعة الإسلامية هو التوحيد، ومن صور الاعتداء عليها: الاعتداء على الحريات المدنية كحرية الذات أي حرية الإنسان الأصلية، وحرية التنقل وحرية المسكن وحرية المراسلات، ومن صورها أيضاً الاعتداء على الحرية الفكرية، وكذلك الاعتداء على حرية التعبير عن الرأي، والحرية السياسية، وهذه الحريات هذبها النظام العام ورشدها وحدد مساحة المسموح به والممنوع من انتهاكه وفقاً للمصالح التي يهدف إليها.
والنظام السعودي أوضح ذلك كثيراً في عدة أنظمة منها النظام الأساسي للحكم، حيث أكد أن الحكم يقوم على مبادئ العدل والشورى والمساواة، وعلى رعاية الحريات المدنية كالمراسلات والتنقلات، وقد فصلت ذلك الأنظمة الفرعية كنظام الإجراءات الجزائية.
٣٦ - أن الإخلال بالعدالة وضمانات التقاضي أمر منعته الشريعة لأن فيه إخلالاً بالنظام العام السياسي للدولة نظراً لأهمية العدالة كمبدأ وأهمية القضاء كمرفق وجهاز يحقق العدالة، وأن من صور ذلك الإخلال في إجراءات التقاضي ومنها عدم كفالة حقوق المتهم.
٣٧ - استثناء أعمال السيادة من رقابة القضاء لا يعارض النظام العام؛ لأن ولي الأمر في الأساس هو صاحب الولاية العامة القضائية، وبالإضافة إلى ذلك يجوز له إعمال قاعدة الاختصاص القضائي واستثناء بعض الموضوعات من نظر القضاء، كما أن أعمال السيادة أساساً لابد من أن تكون متوافقة مع الشرع ومقتضيات المصلحة، والسلطة الحاكمة لا تنفك عن رقابة الأمة بالمناصحة والإرشاد، كما يمكن ترشيد هذا الاستثناء عن طريق إيجاد جهاز قضائي عال متخصص يعني بهذه الأمور وفق آليات محددة.
٣٨ - أن مسالة تدوين الأحكام للإلزام بها حصل بشأنها خلاف بين العلماء بين مؤيد ومعارض، والراجح جواز ذلك شريطة عدم مخالفة المستقر عليه من أحكام وقواعد النظام العام.
٣٩ - النظام السعودي زاخر بالنصوص التي تجرم كل أعمال الإخلال بالعدالة وضمانات التقاضي؛ من خلال تقرير مبدأ العدالة وإيجاد ضمانات تتعلق بحيادية القضاء واستقلاله أو إجراءات التقاضي والحكم فيها من خلال عدة أنظمة منها نظام الإجراءات الجزائية والمرافعات الشرعية ونظام القضاء.
٤٠ - أن العقوبة لمن أخل بالنظام العام في مجاله السياسي عقوبة تعزيرية للأفراد وللمباشرين في هذا المجال، وإذا كان الإخلال من السلطة ذاتها فيتم مناصحتها وتقديم الحلول الصحيحة لها، والنظام السعودي يعمل بذلك بالإضافة إلى فرض عقوبات على المباشرين كاللوم والحسم والعزل، والسجن.
стр. 520
٤١ - الاعتداء على النظام النقدي في الدولة كتزييف النقود وتقليدها والتلاعب بالأسعار وأثمان السلع والخدمات من صور الإخلال بالنظام العام الاقتصادي، وهي أمور حرمتها الشريعة الإسلامية لما يحصل بسببها من ضرر اقتصادي عام، وفي النظام السعودي عدة أنظمة جرمت وعاقبت على ذلك كالنظام الجزائي الخاص بتزييف النقود، ونظام مؤسسة النقد العربي، ونظام مراقبة البنوك.
٤٢ - أن تجارة توظيف الأموال والمخدرات والأسلحة تقوم على عدة جرائم اقتصادية متنوعة أصبحت تعرف الآن بالجريمة المنظمة، فمفهومهما ونطاقهما وموضوعهما واحد، وأدت هذه الممارسة إلى نشوء أضرار فادحة في الاقتصاديات الدولية جعلت من محاربتها همّاً مشتركاً.
٤٢ - أن غسل الأموال جريمة اقتصادية ترتبط بتجارة توظيف الأموال والمخدرات والأسلحة، وهي من صور الإخلال بالنظام العام الاقتصادي، ومنعت لما فيها من أضرار اقتصادية واجتماعية وسياسية، والنظام السعودي جرم كل صور تجارة توظيف الأموال والمخدرات والأسلحة عبر عدة أنظمة، منها نظام المخدرات، والمؤثرات العقلية، ونظام الأسلحة والذخائر، ونظام غسل الأموال، والانضمام إلى معاهدة مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.
٤٤ - أن المنافسات والتحالفات غير المشروعة من صور الإخلال بالنظام العام الاقتصادي، وهي في الشريعة مقاربة لفكرة الاحتكار المحرمة، وتتضمن تلك المنافسات آثاراً سيئة لتصادمها مع مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي وأضرارها المتعددة، كالتحكم في كمية العرض، والتسبب في ارتفاع الأسعار، وبالتالي القضاء على المنافسة المشروعة، والمنظم السعودي أصدر نظاماً خاصاً بالمنافسة منع فيه كل صور المنافسات غير المشروعة.
٤٥ - الربا من أخطر القضايا التي تواجه الدولة المسلمة وتتعارض مع نظامها العام الاقتصادي، فهو محرم بنص الكتاب والسنة، ومنعه النظام العام لارتباطه بحق الله ، ولأن في منعه مصلحة اقتصادية حيث إن الربا يمنع من الاستثمار في المشاريع المفيدة للمجتمع، ويتسبب في حدوث البطالة، ويضر بذوي الحاجات الشخصية، وفيه ظلم اجتماعي كبير.
٤٦ - أن من صور تقنين الربا وإشاعته؛ التعامل به في المصارف والبنوك العامة، وفي البنوك المركزية وفي الشركات والمؤسسات التجارية، وإيجاد جهات قضائية خاصة ببعض قضاياه، والنظام السعودي منع الربا من خلال النص على ذلك في نظام مؤسسة النقد العربي السعودي وبعض الأنظمة الأخرى.
٤٧ - للإخلال في المجال الاقتصادي عقوبات تعزيرية في الفقه تتناول جميع صور الإخلالات السابقة، والنظام السعودي عاقب على تلك الصور وفقاً للأنظمة التي سبق أن أشير إليها، وتتنوع تلك العقوبات بين القتل أو السجن والجلد والغرامة والمصادرة.
٤٨ - تفكيك وحدة الأسرة من ضمن الإخلالات الواقعة على النظام العام الاجتماعية في الدولة؛ ومن صورها الإخلال بعقد الزواج وأهدافه وغاياته، والدعوة إلى إباحة العلاقات الجنسية المحرمة، أو التحايل بالأنكحة الباطلة ونحوها، أو الإخلال بحقوق الأولاد بإباحة الإجهاض، أو التساهل في قضية النسب، أو الإخلال بحقوق الوالدين كحق الطاعة والرعاية والنفقة، وكذلك الإخلال بالحقوق الزوجية كحق القوامة والنفقة والعشرة بالمعروف.
٤٩ - أن تفكيك وحدة المجتمع تحقق إخلالاً أوسع في النظام العام الاجتماعي، سواء كان الإخلال سياسياً كنشر الفوضى والتحريض وزعزعة الاستقرار، أو أخلاقياً كنشر الفساد والترويج له وتسهيله، أو اقتصادياً كتعطيل مرافق المجتمع وممارسة الجرائم الاقتصادية التي تشل من حركته، أو عبادياً كالتساهل في أداء الشعائر والتقليل من قيمتها.
стр. 521
٥٠ - النظام السعودي نادى – وحذر في الوقت نفسه – في أكثر من نص نظامي بقضية الوحدة الأسرية والاجتماعية، وضمن النظام الأساسي للحكم نصوصاً من هذا النوع لتفادي أي إخلال يقع على البناء الاجتماعي في الدولة.
٥١ - أن من المخاطر المحدقة بالنظام العام الاجتماعي انحراف أسس التربية والتعليم، وتتضح صور هذا الإخلال في انحراف التصور الحقيقي تجاه الخالق أو تجاه الكون أو تجاه الإنسان أو تجاه الحياة، مع أن أساس الانحراف نشأ من البعد عن التصورات الصحيحة المتوافقة مع منهج التربية الإسلامية.
٥٢ - النظام السعودي من خلال وثيقة سياسة التعليم قعد وأسس المبادئ الصحيحة للتربية والتعليم، وجعلها وفقاً لما جاءت به الشريعة، وأكدها النظام العام.
٥٣ - أن السلوك الجماعي المخالف للدين يكون إخلالاً بالنظام العام عندما يكون سلوكاً متطرفاً غالياً يجعل من صاحبه أداة للقتل والتدمير والتفجير وإبادة الآخرين، وهو من أشد السلوكيات المصادمة للنظام العام الشرعي في الدولة.
٥٤ - عقوبات الإخلال بالمجال الاجتماعي لا تختلف عن العقوبات السابقة، إلا أن الشريعة الإسلامية جعلت فيها العلانية والتشهير والتغليظ على الجاني على فعلته وعزله عن المجتمع، والنظام السعودي لاحظ هذه الأمور ومنع من تحول أي نشاط اجتماعي صحيح إلى أن يكون معول هدم وتفريق لوحدة الأسرة أو المجتمع.
٥٥ - أن العبودية بكل معانيها ومفاهيمها هي أهم خصائص النظام العام على الإطلاق ومن أبرزها، وهي تتحقق من جراء تطبيقه، وهو بذلك يخالف النظام العام القانوني الذي يخلو تماماً من أي جانب عبادي.
٥٦ - أن العدالة مبدأ كبير في بنيان الدولة المسلمة السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي فالنظام العام الشرعي للدولة المسلمة لابد من أن يحقق هذا المبدأ، وقد ظهر جلياً في عدة صور منها العدالة النفسية بأن يقدر كل إنسان في المجتمع أنه كامل الحقوق متساو مع غيره، وكذلك العدالة السياسية التي تظهر في تطبيقات السلطة وتعليماتها، وكذلك العدالة القانونية أي العدالة أمام القانون ومساواة الناس كلهم في ذلك، وكذلك العدالة الدولية التي تتعامل بهذا المبدأ مع غير المسلمين، وأيضاً العدالة الاجتماعية التي يستوي الجميع فيها في الفرص المتاحة على السواء، وأخيراً العدالة القضائية التي هي من أهم صور العدالة، وعلى صعيد النظام السعودي سبق أن أشير إلى أن هذا المبدأ مقرر في مواضع عديدة ومتكررة.
٥٧ - تحقيق الأمن العام والسكينة العامة والصحة العامة داخل ضمن إطار الضبط الإداري وهو مصطلح يعني بهذه العناصر، إلا أن النظام العام بالمفهوم الشامل يحتوي هذا وزيادة، وتظهر مراعاة النظام العام لهذه العناصر من خلال ما يلي:
أ- تظهر مراعاة النظام العام للأمن العام من خلال الحرص على السلامة العامة بما فيها حفظ الدين من الردة وحفظ النفس من القتل وحفظ النسل من الزنا وحفظ العقل من المسكرات، ومن خلال إقامة شعيرة الحسبة التي تأمر بما يصلح ذلك وتنهى عما يضره.
ب- تتحقق رعاية النظام العام للسكينة العامة من خلال رعاية البيئة وحمايتها، ومنع منغصات الحياة الهادئة وكل ما سبب عدم الاستقرار والهدوء.
ج- أما الصحة العامة فتتحقق رعاية النظام العام لها من خلال تحريم كل ما يضر ببدن الإنسان وصحته، وتحريم الخمور والمسكرات، ومنع كل سلوك مؤذ يضر بالصحة العامة كالزنا واللواط ونحوهما.
стр. 522
٥٨ - النظام السعودي اهتم بتلك العناصر الثلاثة من خلال عدة أنظمة عنيت بذلك، منها النظام الأساسي للحكم، ونظام المرور، ونظام الدفاع المدني، ونظام حماية المرافق العامة، ونظام الأنشطة المقلقة للراحة، ونظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنظام الصحي.
٥٩ - ضبط السلوك الإنساني من أكبر مهمات النظام العام، ويسعى النظام العام إلى تحقيقها لارتباط النظام العام بنظام الأخلاق في الإسلام، وهو ما يفتقر إليه النظام العام القانوني الذي يكفي عنده التزام الناس بالحد الأدنى من السلوك، بينما النظام العام الشرعي يرقى بالإنسان إلى أرقى درجات السلوك الإنساني.
٦٠ - أن النظام العام له دور كبير في ضبط السلوك الإنساني، سواء كان سلوكاً حسياً كالسلوك التعبدي أو السلوك الإنساني التعايشي، أو السلوك الحضاري الاجتماعي، أو كان سلوكاً معنوياً كالحياء أو العفة أو الصبر، فكلها تهدف إلى إيجاد بيئة سلوكية إنسانية كاملة أو قريبة من الكمال، وقد ركز النظام السعودي كثيراً على تلك السلوكيات وحث عليها في مواضع منها: (الطاعة، الوحدة، التعاون، التكافل، الإيجابية، الاحترام .. )، ونحوها.
٦١ - أن للنظام العام آثاراً قانونية عديدة يؤدي فيها دوراً محورياً هاماً كقضايا التحكيم وتنازع القوانين وتنفيذ الأحكام الأجنبية.
٦٢ - تتضح علاقة النظام العامة بالتحكيم من خلال عدة أمور منها أهلية التحكيم أي أشخاص التحكيم، فيجب ألا تخالف النظام العام، ولابد أيضاً من إعمال قواعد النظام العام في إجراءات التحكيم أي في موضوعه، والنظام السعودي يتفق مع هذا التوجه كما في نظام التحكيم ولائحته التنفيذية.
٦٣ - أن هناك علاقة للنظام العام مع مسألة تنازع القوانين تظهر في عدم تطبيق أحكام القانون الأجنبي إذا خالف النظام العام، ويكون للنظام العام بمقتضى ذلك منع تطبيق القاعدة القانونية في القانون الأجنبي واجب التطبيق والدفع به، ويشترط لذلك عدة شروط هي: وجود قانون أجنبي واجب التطبيق، تعارضه مع النظام العام في دولة القاضي، وينتج من ذلك استبعاد القانون الأجنبي وحلول قانون القاضي.
٦٤ - لا توجد في النظام السعودي أي آثار لمسألة تنازع القوانين أبداً؛ لأن القانون المطبق هو القانون الإسلامي المتوافق مع النظام العام.
٦٥ - تنفيذ الأحكام الأجنبية أمر مقرر في القانون الدولي الخاص، ويشترط عدة شروط من أهمها ألا تخالف النظام العام، فإذا خالفته لا يمكن تطبيقها، وإذا خالفته جزئياً وأمكن تطبيق الجزء الآخر فلا يمنع منه.
٦٦ - أن مسألة تنفيذ الأحكام الأجنبية في النظام السعودي نظمت بعدة وسائل كلها تؤكد عدم إمكانية التطبيق إذا خالف النظام العام الشرعي للدولة.
٦٧ - يترتب على مخالفة النظام العام بطلان جميع التصرفات والعقود المبرمة في ظل ذلك وهذا ما أكده النظام السعودي في النظام الأساسي للحكم ونظام الإجراءات الجزائية.
٦٨ - البطلان عند الجمهور واحد، وعند الحنفية هناك بطلان كلي وبطلان جزئي وهو الفساد، كما أن البطلان لأحكام النظام العام قد يكون موضوعياً حسب المجال الذي يتناوله، كذلك النظام السعودي شملت أحكامه بطلاناً متنوعاً إذا خالف النظام العام.
٦٩ - أساس تجريم الأفعال المخالفة للنظام العام أساس شرعي، سواء في الحدود أو القصاص أو التعازير المفروضة لحق الله.
٧٠ - طبيعة تجريم الأفعال المخالفة للنظام العام تستلزم وجود دعوى عامة فيها؛ أي دعوى الحسبة، وهي جائزة السماع على الصحيح من أقوال أهل العلم، وأقرها النظام السعودي وفق ضوابط محددة، وكذلك وجود شهادة حسبة وهي مقرة في الفقه والنظام السعودي.
стр. 523
٧١ - لم يوجد في الفقه الإسلامي تخصيص للنظر القضائي في قضايا النظام العام، وللقضاء ولاية عامة على جميع القضايا، وهذا لا يمنع من وجود قضاء خاص بقضايا النظام العام من باب الاختصاص القضائي.
٧٢ - النظام السعودي لم يحدد قضاء متخصصاً بقضايا النظام العام، وهناك جهات قضائية عديدة تشارك في النظر في بعض تلك القضايا.
٧٣ - أن لعقوبات النظام العام عدة سمات منها:
أ- يجوز الرجوع عن الإقرار في الحدود فقط ويدرأ بها الحد، وغيرها لا يجوز، وهو المطبق في المحاكم السعودية.
ب- تسقط الحدود فقط بدفع التهمة، سواء بالدفع بالجهل أو الاضطرار أو الإكراه أو الشبهة، أما غيرها فلا، وهذا أيضاً مطبق في المحاكم السعودية.
ج- لا تجوز الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطات، ويجوز الستر فيها قبل ذلك، ويجوز ذلك مطلقاً في باقي العقوبات، وهذا ما عليه النظام السعودي.
د- تنقضي عقوبات النظام العام عموماً بالوفاة، وكذلك في النظام السعودي.
هـ- لا يجوز العفو في العقوبات الحدية للنظام العام، واختلف العلماء في غيرها، والصحيح أن الأمر راجع لولي الأمر وجسامة الجريمة وخطرها، وكذلك النظام السعودي يمنع من العفو في العقوبات الحدية.
والتقادم لا يسقط عقوبات النظام العام الحدية، واختلف في غيرها، وكذلك النظام السعودي إجمالاً.
ز- التوبة تسقط عقوبات النظام العام الحدية قبل القدرة على مرتكبها، أما بعد القدرة فلا أثر لذلك، وفي غيرها تكون مسقطة قبل الرفع الحاكم، وكذلك النظام السعودي.
ح- لا يجوز الصلح في عقوبات النظام العام الحدية وغيرها، وهذا ما أكده النظام السعودي أيضاً.
стр. 524
حقوق الإنسان في الإسلام (معاملة غير المسلمين في الإسلام)
المؤلف/ المشرف: عبد العزيز مصطفى كامل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية - الأردن ̈بدون
سنة الطبع: ١٩٨٩م
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: الإنسان - حقوقه وحرياته
خاتمة في الحقوق:
ولعل من تمام هذه الحقوق، أن يكون المسؤول عنها وكبار القائمين بأمرها مؤمنين بها دينا، يسألهم الله عنه، ويحكمون بين الناس به. إنها عندهم دين ونظام حياة، وعند أهل الذمة نظام حياة، وليست ديناً يدينون به. فموقف المسلمين في تطبيقها والمسؤولية عنها، يدعو إلى أن يقوموا بأمر المجتمع الإسلامي في إدارته العليا، مستعينين في هذا بكفاءات من المسلمين وأهل الذمة، متيحين لهذه الكفاءات - مع اختلاف الدين وتباين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية - أن تأخذ حقها في النمو الطبيعي والفكري وتتعاون جميعا ً في خدمة الدولة الإسلامية التي يعيشون فيها. وتبشر بهذه الحقوق الإنسانية، وهي من الله فضل وهداية.
ومن ناحية أخرى تحتاج هذه الحقوق إلى رقابة شعبية، كان الخلفاء الراشدون يطلبونها من المجتمع. فعندما تولى أبو بكر أمر الخلافة خطب الناس قائلاً:
" ياأيها الناس. إنما أنا مثلكم. وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله ﷺ يطيق، إن الله اصطفي محمداً على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متّبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني ".
وإن متابعة تطبيق هذه الحقوق حوار متصل بين القيادة والقاعدة، وهذا هو الاتجاه الرأسي. وهناك اتجاه أفقي يمثله الحوار بين المختصين في مجال أو أكثر. ومن الاتجاهين - الرأسي والأفقي - يتكون نسيج الشورى في المجتمع.
وممارسة الحقوق، وتطوير وملاءمة مضامينها، وابتكار الصيغ الأنسب لمسار الحياة، هي في ذاتها تخصص وجهد متصل تتأصل به الثوابت في الحقوق مع تبدل صورها.
خاتمة
بهذا نصل إلى خاتمة المطاف في هذه الدراسة ونرى فيها:
١ - قاعدة عريضة من حقوق الإنسان يستوي فيها المسلم والذمي والمستأمن.
٢ - مسؤولية يشترك فيها المواطنون مسلمين وغير مسلمين ولا يدخل فيها المستأمن، وهي الحقوق المتعلقة بنظام الحكم والشورى واختيار الحاكم والتمثيل في المجالس النيابية والوظائف العامة.
٣ - مسؤولية يحملها المسلمون حيث يكونون أغلبية: وهي الرئاسة العليا في الدولة والدفاع والأمن والقضاء. ويشاركهم غيرهم في الرأي والتنفيذ.
٤ - هناك نقاط تتميز بها حقوق الإنسان في الإسلام، وهي أنها حقوق في " الإطار الإسلامي " وبخاصة في نظام تكوين الأسرة والتوارث وأهل كل دين يتبعون في هذا دينهم في إطار تنظيمي تشرف عليه الدولة، دون إكراه ولا تفريط.
٥ - إن ما جاء في التاريخ الإسلامي من تطبيقات فيها جوانب التشدد مع غير المسلمين، كانت مرهونة بأوقاتها وظروفها، وليست قاعدة تعامل. والقيود لم تكن مقصورة عليهم وقت العسرة، وإنما كانت - في بعض الظروف - على المواطنين جميعاً، ولا تكاد تخرج في إطارها العام عن قوانين الطوارئ المعاصرة.
٦ - أن الأصل الذي ترد إليه الأحكام وتوزن به السوابق هو القرآن الكريم والسنة المطهرة وما صح عن سلفنا الصالحين، في نور من قول الله تعالى: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾.
стр. 525
تحكيم الشريعة ودعاوى العلمانية
المؤلف/ المشرف: محمد صلاح الصاوي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: تحكيم الشريعة
الخاتمة: لقد تمهد من خلال الفصول السابقة أن تحكيم الشريعة يرتبط بأصل الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً وأن الولاء والبراء لا يعقد إلا على أساس الإيمان بالله ورسوله فمن اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فليس من الله في شيء وأن الحياد بين المؤمنين وخصومهم في هذه المعركة التي ترتبط بأصل دين الإسلام باب من أبواب النفاق والضلال عن سواء السبيل، وأن الشبه التي يقذف بها خصوم الشريعة من العلمانيين وأضرابهم ومن فتن بهم ودار في فلكهم أو هي من بيوت العنكبوت، وأنها لا تصمد أمام مناقشة علمية فهي كبناء من الوهم وحائط من الزور إن تلمسه ينهدم. وإن من بقي على منازعته في تحكيم الشريعة بعد تجلية هذه الحقائق فليراجع أصل إيمانه بالله ورسوله وليعلم أنه بذلك يقذف بنفسه إلى جحيم الدنيا والآخرة. إن أحد التحديات الخطيرة – إن لم يكن أخطرها على الإطلاق – والتي تواجه المسلمين في هذا العصر لهي إسقاط اللافتات الزائفة وفضح الشعارات الملبسة التي تتخفى وراءها العلمانية الكافرة التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة. ولفضح العلمانية ومواجهتها لا بد أولاً أن يصل أمر المواجهة إلى المستوى المطلوب من الحسم والوضوح في نفوس أهل السنة .. فإنه دون هذا الحسم وهذا الوضوح تعجز تجمعات أهل السنة ويعجز علماؤها ومفكروها عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة وتتأرجح أمام التجمعات العلمانية حيث تحسبها تجمعات ليست بكافرة، وبالتالي تفقد تجمعات أهل السنة أهدافها الحقيقية بفقدانها لتحديد نقطة البدء في مواجهة هذه التجمعات العلمانية من حيث تقف فعلاً، لا من حيث تزعم والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع ... بعيدة جداً.
لقد ظلت الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع المهيمن على كل شئون الحياة في بلاد الإسلام طيلة أربعة عشر قرناً إلا بضع سنين، وبغض النظر عن اقتراب أو ابتعاد تلك البلاد من تنفيذ أحكام هذه الشريعة عن الحكم ابتداءً وتحكيم القوانين الوضعية الكافرة لم يحدث سوى في فترة قصيرة جداً في بعض أجزاء البلاد الإسلامية التي سيطر عليها التتار فقدموا فيها الحكم بكتابهم وهو الياسق على الحكم بكتاب الله وكان ذلك محصوراً في التتار ولم يكن تشريعاً عاماً يلزم به كافة المسلمين.
ولم يلبث ذلك الوضع الشاذ أن زال وعادت السيادة للشريعة وحدها، ولم يكن يخطر ببال أحد من علماء المسلمين وعامتهم أن تبتلى الأمة جميعها بمثل ما ابتليت به من سقوط الخلافة العثمانية منذ سبعين عاماً حيث بلغ الانحراف مبلغ الكفر البواح بتبديل الشرع المنزل وجعل الشرع المبدل هو الشرع الحاكم الذي يلزم به الكافة. لذا، لم يكن غريباً أن تفيق الأمة من غفلتها وتفيء إلى كنف شريعتها الربانية لتنبذ هذا الكيان الغريب في جسدها فإذا كانت بعض شعوب الأرض في أوروبا الشرقية ممن لا دين لها قد فاءت إلى هويتها رغم كل محاولات البطش والطمس فليس بغريب أن تفيء أمة الإسلام إلى هويتها لتخلص دينها لربها كما فعلت طوال قرون طويلة منذ إشراقة فجر الإسلام في مكة المكرمة منذ أربعة عشر قرناً.
стр. 526
لقد خاب وخسر ظن أعداء الإسلام الذين توهموا أنه بسقوط الخلافة العثمانية وخروج عسكرهم من بلاد المسلمين وإبدال قوات من الزنادقة والمنافقين بهم، ظنوا أنهم قد وأدوا الأمة الإسلامية وفصلوا روحها عن جسدها ومرت سنون توهم الزنادقة من العلمانيين أن الأمر قد استقر لهم وأن أساليب البطش التي لم تعرف لها البشرية مثيلاً في تاريخها قد آتت ثمارها فإذا بالصحوة الإسلامية تقلب الموازين والحسابات ... جاءت الصحوة الإسلامية مصداقاً لقوله ﷺ (ما تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله).
جاءت لتقود مسيرة عودة الأمة إلى رشدها تتحدى الفتن والمكائد وتواجه الابتلاء في الأموال والأنفس لتنال تكريم الله لها في الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون. إن عجلة الزمان لن تعود إلى الوراء فهذه مسيرة الصحوة قد تحركت ولن تتوقف بإذن الله إلا عند إحدى الحسنيين. وكل يوم تشرق فيه الشمس على بلاد الإسلام تكسب المسيرة أنصاراً جدداً وتقطع خطوات على طريقها نحو غايتها بينما يخسر أعداء الإسلام في كل يوم معقلاً ولا يكادون يفيقون من صدمة حتى تدهمهم الأخرى.
إن تعرية الأنظمة العلمانية وكشف عمالتها وتآمرها على الشعوب المسلمة ... خطوة على الطريق وإنجاز لصالح الصحوة الإسلامية ..
وإن فضح الزنادقة والمنافقين ممن أسبغ عليهم أعداء الإسلام ألقاب الزعامة والعبقرية في السياسة والأدب والفن .. خطوة على الطريق ..
وإن شيوع العلم بأن تحكيم الشريعة يرتبط بأصل دين الإسلام وأن تحكيم القوانين الوضعية ردة صريحة عن الإسلام ... خطوة على الطريق ... وإن إحياء فريضة الجهاد ومنازلة الكفار الممتنعين عن الشرائع خطوة على الطريق ..
وإن عودة المرأة المسلمة إلى الحجاب كدلالة على عودتها إلى منهج الإسلام الشامل وإدراكها لحقيقة ما يراد بها ولها خطوة على الطريق ...
إن المستقبل للإسلام ونصر الله آت والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 527
عقد الذمة في التشريع الإسلامي
المؤلف/ المشرف: محمد عبدالهادي المطردي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار الجماهيرية والإعلان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٣٩٦هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: أهل الذمة
الخاتمة
لقد كانت رسالة الإسلام شاملة دعوة عالمية، وبهذا جاءت الشريعة الإسلامية عامة لجميع البشر وشاملة لجميع شؤونهم وأحوالهم خالدة لا يلحقها نسخ ولا تبديل لأنها خاتمة الشرائع وصالحة لكل زمان ومكان لأن الله جعلها خاتمة الشرائع غايتها إيصال الناس إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة.
وقد كان لأحكام الشريعة الإسلامية السيادة في التطبيق قروناً عديدة فما وجد الناس في هذه القرون حاجة إلى تشريع آخر ولا ضيقاً في تطبيقها بل كان في ذلك التطبيق تحقيق العدل بين الناس ورعاية مصالحهم المشروعة ثم هجرها المسلمون هجراً غير جميل وأخذوا يستعيضون عنها بالتشريعات الوضعية الغربية، ولكن مع هذا كله لا نيأس من رجعة المسلمين إلى أحكام شريعتهم لأن الحق لابد أن يعلو وأن المسلمين لابد أن يستيقظوا ويدركوا مدى تفريطهم في جنب شريعتهم. لأنها في ذاتها أصلح من غيرها وأوفى بحاجات الناس من سواها.
نتائج أبحاث الرسالة:
والآن وقد انتهيت من أبحاث الرسالة. ومن خلال دراستي أستطيع أن أسجل النتائج التالية وجلها ظهر في أثناء البحث:
١ - إن الشريعة الإسلامية منذ نشأتها اتخذت العقيدة الإسلامية أساساً لبناء المجتمع وإقامة الدولة، ورفضت بشدة ووضح أي أساس آخر تقوم عليه كالجنس أو اللون أو غيرهما، وعلى هذا الأساس صار الناس في نظرها صنفين مسلمين وغير مسلمين. فكل إنسان يستطيع بمحض إرادته واختياره أن يكون في هذا الصنف أو ذاك. أما الجنس واللون فلا يصلح واحد منهما أن يكون أساساً لتقسيم البشر وبناء المجتمع.
٢ - أما عقود الذمة فهي تضمن السلم بشكل آكد من الهدنة أو الصلح لاندماج المسلمين بغيرهم في ظل وطن واحد.
فإذا ما أبرم عقد الذمة صار غير المسلم مواطناً في الدولة الإسلامية وحمل جنسيتها.
ويتمتع الذمي بحرية العقيدة طبقاً للمبدأ الشرعي العظيم ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
والأصل في عقد الذمة أنه من العقود الرضائية.
٣ - إقامة الأمن الجماعي على أساس حرمة الميثاق على أن تلك الحرمة من وحي العقيدة والإيمان.
٤ - وفي مجال الحقوق السياسية، يتمتع الذمي بما يسمى بحق التوظف ولا يختلف مع المسلم في هذا الحق.
ونرى أن الإسلام لا يمنع إسهام الذميين في إدارة الدولة وإسناد الوظائف العامة إليهم عدا تلك الوظائف التي يكون عنصر الدين فيها جوهرياً وضرورياً ودليلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.
٥ - والأحكام المقررة لغير المسلمين في جميع مسائلهم هي أحكام الشريعة الإسلامية فإنها إذا كانت بالنسبة للمسلمين ديناً وقانوناً، فهي بالنسبة لغير المسلمين قانوناً ما داموا يعيشون في بلاد الإسلام. فمن الخير لهؤلاء أن يحيطوا بهذه الأحكام ويعرفوا هذا الجانب من جوانب التشريع الإسلامي.
٦ - وفي بحث الجزية. رجحت أنها وجبت بدلاً عن حماية الدولة الإسلامية للذمي نظراً إلى إعفائه من واجب الدفاع عن دار الإسلام رعاية له وعناية به، ولهذا تسقط عنه إذا لم تستطع الدولة حمايته.
٧ - وإنها لم تفرض عليه عقوبة على بقائه على الكفر كما يقول بذلك بعض الدارسين، لأن هذا الادعاء لا يتفق مع قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (). ولأنها لو فرضت عقوبة على بقاء الذمي على دينه لما نجا منها أحد من أهل الذمة ولفرضت حتى على المرأة وهم لا يقولون بالجزية عليها.
٨ - إن عقد الذمة قد ينتقض ويزول، فليس في الدنيا شيء خالد. وأسباب انتقاضه محل خلاف بين الفقهاء. وقد رجحت قول الأحناف في حصر أسباب النقض بثلاثة أشياء، إسلام الذمي أو إلحاقه بدار الحرب أو ارتكابه جريمة ضد الدولة الإسلامية.
وما عدا هذه الأسباب فيعتبر من الجرائم التي يعاقب عليها ولا علاقة لها بنقض الذمة.
ونقض الذمة يترتب عليه انقطاع صلة الذمي بالدولة الإسلامية وفقده الجنسية الإسلامية.
وقد انتهت من إعداد هذه الأطروحة، فإني لا أعتبر الجهد الذي بذلته، والتعب المتواصل الذي تحملته – مدة أربع سنوات قضيتها في إعداد هذه الرسالة – إلا شيئاً قليلاً في حق الشريعة الإسلامية، وإني بعد ذلك كله، اعتذر إلى القارئ الكريم عما قد يكون في الرسالة من نقص أو خطأ متمثلاً في ذلك بقول العماد الأصفهاني:
"إني رأيت أنه لا يكتب إنسانا كتاباً في يومه إلا قال في غده:
لو غير هذا لكان أحسن، ولو زاد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل.
وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 528
فقه الاحتساب على غير المسلمين
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن إبراهيم الطريقي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المسلم ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: حسبة - منوعات
الخاتمة
قبل توديع القارئ الكريم، هنا وقفتان جديراتان بالتدوين:
الأولى: مع رجل الحسبة ـ سدد الله خطاه وبارك في جهوده ـ لأذكره بأمور، أحسبها مهمة ومفيدة، مع رجائي أن يلقي سمعه وهو شهيد.
١ـ أنك رجل دعوة، يبلغ الحق إلى من يجهله أو يتجاهله. وهذا يتطلب منك فقهاً في معرفة هذا الحق، وفقهاً في معرفة النفوس.
٢ـ أنك رجل إصلاح وتقويم، تصلح ما فسد من حال الأفراد والمجتمع، وتقوِّم الإعوجاج القائم فيهما، وهذا يتطلب فقهاً تربوياً.
٣ـ أنك رجل تغيير واحتساب على المنكرات والمخالفات الظاهرة.
وهذا يتطلب: فقهاً في معرفة المنكر والمخالفة، وفقهاً في كيفية التغيير. ثم شجاعة وحزماً في مواجهة ذلك.
وبهذه الأمور الثلاثة: الدعوة، والإصلاح، والتغيير تتكامل مهمتك، وتتضح رسالتك.
٤ـ وفي علاقتك بالكافر ينبغي أن تقوم شخصيتك على عنصرين معاً: التسامح، والقوة.
وهما, وإن كانا في ظاهرهما التناقض، لكنهما عند التدقيق ليسا كذلك.
فإن شخصية المسلم تقوم على أخلاقيات متمازجة: كالحلم والأناة، والقوة والشجاعة، والصبر، والعفو، والرحمة وغير ذلك، وليس بينها تناقض، بل بعضها يكمل بعضاً.
٥ـ ومتى استحضرت مقاصد الدعوة في معاملتك للكافر، فإنه يلين معك، بل يتفاعل، وربما كان من آثار ذلك الاقتناع، ثم الرجوع إلى الحق، وبذلك تنال خيراً هو أعظم لك من حمر النعم.
٦ـ والمطلوب منك عند الاحتساب ممارسة ما خولته من صلاحيات، وأما ما كان خارجاً عن ذلك فهو غير مستطاع بالنسبة لك، وأنت معذور فيه.
ولا يغيب عن بالك قاعدة الشريعة العامة ?فاتقوا الله ما استطعتم (.
٧ـ وبإمكانك رفع القضية المشكلة إلى من يعنيه الأمر، ولست مسؤولاً عما يفعل.
٨ـ على أنه مهما وضعت الضوابط والقيود على يدك، فإن الكلمة الطيبة لا قيد عليها البتة، وهي أمضى سلاحاً وأقوى تأثيراً من غيرها أياً كان.
٩ـ وأخيراً فإنني أتمنى أن تتأمل في هذه الورقات التي أحسب أن فيها خلاصة ما تحتاج إليه في معاملتك للكافر وأسلوب التعايش معه.
١٠ـ وآخراً أسأل الله لك الثبات علىالحق، والعزيمة على الرشد والصبر على اللأواء، والتسديد في الخطوات، إنه سميع مجيب.
الوقفة الثانية: مع كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، سواء أكان راعياً أم مرعياً، وسواء أكان عالماً أم متعلماً أم عامياً.
لأهمس في أذنه، وأضع أمام بصره هذه الحقائق.
١ـ أن التعامل مع الكافر لا يتم وفق الميول النفسية، أو المصالح المادية الصرفة، بل بحسب القواعد الشرعية، والآداب المرعية.
٢ـ أن هذا التعامل لابد أن يكون عادلاً وسطاً، لا إفراط فيه ولا تفريط، أي لا تسهل فيه ولا تشدد.
٣ـ أن التشدد يعكس صورة قاتمة عن الإسلام، وأنه لا يعترف للإنسان بكرامة، ولا بحقوق، وأنه دين عنف وإرهاب. الأمر الذي يعرض المسلمين للضرر، كما يباعد بين الكفار ودين الإسلام.
٤ـ أن التساهل يجر مصائب على الأمة وويلات لا تحمد عقباها، ويعرض مصالحها للخطر.
نعم قد يبدأ هذا التساهل بصور فردية، ولكنه يتفاقم شيئاً فشيئاً، حتى يصبح ظاهرة اجتماعية ملحوظة، وعند ذلك يتسع الخرق على الراقع.
٥ـ والمتأمل في التاريخ يدرك خطورة هيمنة الكفار على المسلمين وتسلطهم عليهم، وأنهم متى وجدوا فرصة للإضرار بالمسلمين لم يألوا جهداً، قال سبحانه: ?يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ([آل عمران: ١١٨].
ومن أصدق من الله قيلاً؟
وقد ذكر ابن قيم الجوزية حوادث كثيرة تشهد بصدق على تلك الحقيقة، في عهد خلفاء بني أمية وبني العباس.
كما ذكر مواقف العلماء الإيجابية الشجاعة التي تصدت لتلك الظاهرة الخطيرة.
٦ـ ولا شك أن الاحتساب دليل عزة الإسلام وأهله، وعدمه دليل ذلة المسلمين ولا بد.
والحمد لله الذي جعل هذه البلاد موطن عز للإسلام وأهل الإسلام، وذل للكفر وأهل الكفر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 529
فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين – دراسة تأصيلية تطبيقية مع موزانة بقواعد القانون الدولي المعاصر
المؤلف/ المشرف: سعد بن مطر المرشدي العتيبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الفضيلة – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: علاقات عربية وإسلامية ودولية
الخاتمة:
الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، وبرحمته وعفوه تغفر الزلات.
أما بعد؛ فقد ظهر من دراسة الباحث لموضوعات هذه الرسالة، نتائج مهمة؛ يمكن إجمالها في البنود التالية، بعد تقسيمها إلى مجموعتين:
الأولى: النتائج الكلية من دراسة فقه السياسة الشرعية في علم السير، وغيرها:
١) بيان الحد الفاصل بين الثابت والمتغير في فقه علم السير؛ وقد اتضح ذلك بما نهجه البحث من تقسيم السياسة الشرعية إلى مدلولين .. عام (ثابت)، وخاص (متغير)؛ وثبوت وجوده في الفقه الشرعي الأصيل، تنظيراً وتطبيقا؛ فقد اتضح بالنظر في تعريفات السياسة الشريعة عند المتقدمين والمتأخرين – مما أمكن الإطلاع عليه – أنها تطلق على معان مجزأة تكاد تنحصر في مفهومين، عام وخاص.
أما المفهوم العام، فهو إطلاق السياسة الشرعية على: الأحكام، والتصرفات التي تدبر بها شؤون الأمة، ويدير بها الحاكم رعيته بما يحقق مصلحتها، سواء استند في ذلك إلى دليل جزئي نصي خاص، أو إلى قواعد الشريعة العامة، ومقاصدها. وهي حينئذ ترادف (الأحكام السلطانية).
وأما المفهوم الخاص، فهو إطلاق السياسة الشرعية على: الأحكام والنظم التي تدبر بها شؤون الدولة الإسلامية، التي لم يرد فيها نص تفصيلي (أو جزئي)، أو التي من شأنها التغير والتبدل، بما يحقق مصلحة الأمة، ويتفرق مع روح الشريعة وأصولها العامة.
٢) البيان العملي لما ينفيه العلمانيون – من المنظرين الأجانب وتلاميذهم (حقيقة أو فكراً) من بني جلدتنا – ومن سلك مسلكهم، من خصائص الشريعة الإسلامية، ألا وهما خاصيتا الشمول والمرونة، مع تأكيد ذلك بالبرهان النظري.
٣) إظهار فقه أهل الإسلام وبيان طريقتهم في دراسة النصوص الشرعية عن حيث الكلية والجزئية، وسلوكهم طرائق استنباط دقيقة منضبطة، وبيان سبقهم فيما وصلوا إليه من نتائج، لأحدث ما وصل إليه التراكم المعرفي, القانوني, الطبيعي في مراحل تطوره المختلفة.
٤) بيان سبب من أهم أسباب الاختلاف الفقهي بين أئمة الفقه، في جملة من مسائل البحث؛ ألا وهو: الاختلاف في إدراج مسألة له من مسائل فقه السير، ضمن مسائل السياسة الشرعية بمعناها الخاص؛ ما بين مدخل لها فيها، ومخرج لها منها، وفق ما وصل إليه اجتهاد كل منهم في فهم جملة من الأدلة، أو في فهم نوع التصرف النبوي في فعل من الأفعال، ونحو ذلك.
٥) تأكيد كون مصادر الشريعة الإسلامية، هي أساس الشرعية الإسلامية العليا؛ وأن إطار ذلك أوسع مما قد يظنه بعض الباحثين؛ إذ تجلى أن ما لم يخالف الشريعة الإسلامية فهو منها، كما هو الشأن فيما وافقها؛ ومن ثم فلا يتحرج في الإفادة من تجارب الأمم الأخرى، فيما ثبت نفعه، مما لا مخالفة فيه للشريعة الإسلامية.
٦) أن الموازنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية؛ يجب أن تسبق الموازنة بين أصول الشريعة وخصائصها، وبين أصول القوانين وما توصف به من صفات؛ مع مراعاة الفروق بين المصطلحات الشرعية والفقهية، وبين المصطلحات القانونية؛ وأن الانطلاق في الموازنة عبر مسارات جزئية لا تراعي ما ذكر، تجعل الموازنة غير موضوعية، بل ولا واقعية. كما يجب الانطلاق عند الموازنة من قاعدة الشريعة، لبيان ما يندرج فيها وما لا مدخل له في الشريعة الإسلامية؛ فإنها شريعة الله.
стр. 530
٧) أن دراسة علم السير (علاقة دولة الإسلام بغيرها)، فقه شرعي، كغيره من مسائل الفقه، يؤخذ من مصادر الشريعة الإسلامية التي يرجع إليها في بحث بقية الأحكام الشرعية, وهي الكتاب والسنة والإجماع وما تفرغ عن ذلك من مصادر؛ وعليه فلا يؤخذ علم السير من أخبار المغازي التي لم تثبت من جهة الإسناد، ولا من الأحداث التاريخية التي مرت في بعض عصور الدولة الإسلامية، كما هو صنيع بعض الباحثين؛ فالتاريخ مصدر عظة واعتبار، لا مصدر تشريع، اللهم إلا أن يذكر على سبيل عرض تجارب الأمم، وبيان المفيد منها، ليس إلا.
٨) أهمية الدراسة التحليلية للفقه الإسلامي لتمييز الثابت والمتغير، وكشف تقعيداته؛ للإفادة العملية منها.
٩) أهمية العناية بأسباب الخلاف وكشفها من خلال النظر في أوجه الاستدلال عند المخالفين مع ما ينصون عليه من ذلك، وأن ذلك خطوة عملية مهمة للوصول إلى فهم نوع الخلاف من حيث كونه حقيقياً أو لفظياً، ومن ثم بيان شكليته وضم المسألة لجملة مسائل الاتفاق، أو الوصول إلى الراجح وإن كانت المسألة مسألة خلاف ما حقيقي.
١٠) أن السياسة الشرعية إطار فقهي لمسائل ذات صفات محددة لا يمكن أن تتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها؛ فإذا ما لوحظ تفريع مسألة أو تخريجها تتعارض مع ذلك، تبين خروجها عن وصف الشرعية؛ وبهذا يظهر الحد الفاصل بين السياستين الشرعية والوضعية؛ وبالخروج عنه تخرج المسألة عن الميزان الذي وضعه الله للإنسان.
١١) أن دراسة أحكام الشريعة الإسلامية عامة، وأحكام السياسة الشرعية خاصة، سبب من أسباب زيادة الإيمان بالله ودينه الحق؛ فإن لها صبغة لا تعرفها القوانين؛ ومذاقاً لا يعرفه الملحدون؛ مُسَلَّمَة لا شية فيها؛ من عرف قدرها وتأمل أسرارها وحكمها جزم بأنها العدل كل العدل، والحق كل الحق؛ وصدق الله العظيم: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾ [البقرة: ١٣٨]. ولقد وجدها ابن القيم، فلخصها في قوله: من له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها، وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة: علم أن السياسة العادلة، جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من أحاط علماً بمقاصدها، ووضعها مواضعها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة.
الثانية: التوصيات:
١) العناية في التعليم العالي، ببيان المصطلحات، وتحديد المفاهيم والمدلولات، ولاسيما فيما من شأنه تعليل الأحكام به، كالسياسة الشرعية؛ ومن ثم تحديد مجالات إعمالها؛ وهذا مما يؤكد أهمية العناية بدراسة المصطلحات الشرعية والفقهية، عند قصد الموازنة بالمدلولات القانونية والنظامية.
٢) العناية باستخراج القواعد التي بنى عليها فقهاء الإسلام مسائل فقه السياسة الشرعية في علم السير، من ذوي التخصص الشرعي، وجمع تطبيقاتها السياسية عند فقهاء الإسلام، من جميع المصنفات الشرعية ودواوين الشريعة، في التفسير، والسنة وشروحها، والسيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، زيادة على كتب الفقه، والأصول، والقواعد؛ مع عدم معارضة التقعيدات الفقهية بتقعيدات مستحدثة.
٣) الإفادة العملية، من البحوث السياسية الشرعية، في المشروع الواجب، مشروع العودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة، في سبيل النهوض بالأمة، ورفعها من كوبتها، وإعادتها إلى مكانتها من العبادة والدعوة والعزة، والتمكين؛ إرضاء لله تعالى، ورفعاً للظلم عن أوليائه، وكبتاً لأعدائه، وبياناً عملياً للعالم – كله – يكشف له حقيقة السعادة وطرائق تحصيلها في الدارين.
٤) وهذا الواجب – في التزام الإسلام كافة – يتعين على أولى الأمر من العلماء والأمراء؛ ثم على من دونهم من النواب والموظفين، كل على قدر طاقته.
٥) عقد مؤتمرات علمية عالمية إسلامية، وندوات شرعية تأصيلية؛ لبيان ما اعترى فقه السياسة الشرعية من التحريف – بالاستناد في بيانها إلى أخبار المغازي التي لم تثبت صحتها، ومن الأحداث التاريخية التي مرت في بعض عصور الدولة الإسلامية، كما هو صنيع بعض الباحثين مثلا – وبيان كون السياسة الشرعية جزءاً من الشريعة، فهي فقه شرعي، كغيره من مسائل الفقه، يؤخذ من مصادر الشريعة الإسلامية التي يرجع إليها في بحث بقية الأحكام الشرعية؛ وهي الكتاب والسنة والإجماع وما تفرغ عن ذلك طرائق استنباط.
٦) عقد مؤتمرات دولية عالمية، وندوات شرعية تعريفية؛ تبين الفقه السياسي الإسلامي، وتوضح ما اعترى الفقه السياسي الشرعي من التحريف بتطبيق بعض المنتسبين إليه، وتكشف كذب الأعداء وتشويههم للحقائق الشرعية، وتنفير الناس من الإسلام وأهله.
٧) ليكن أساس كل جهد فردي أو مؤسسي، طلب الحق وابتغاء الصواب؛ حتى يؤجر العبد أخطأ أو أصاب؛ ولا يكن غرض البحث تبرير واقع، أو مسايرة مخالف؛ فإن مما قاله العارفون: من لم يعمل من الحق إلا بما وافق هواه، ولم يترك من الباطل إلا ما خف عليه، لم يؤجر فيما أصاب، ولم يفلت من إثم الباطل، نسأل الله برحمته اللطف، والعفو، والغفران.
следующие страницы →