لقد خاب وخسر ظن أعداء الإسلام الذين توهموا أنه بسقوط الخلافة العثمانية وخروج عسكرهم من بلاد المسلمين وإبدال قوات من الزنادقة والمنافقين بهم، ظنوا أنهم قد وأدوا الأمة الإسلامية وفصلوا روحها عن جسدها ومرت سنون توهم الزنادقة من العلمانيين أن الأمر قد استقر لهم وأن أساليب البطش التي لم تعرف لها البشرية مثيلاً في تاريخها قد آتت ثمارها فإذا بالصحوة الإسلامية تقلب الموازين والحسابات ... جاءت الصحوة الإسلامية مصداقاً لقوله ﷺ (ما تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله).
جاءت لتقود مسيرة عودة الأمة إلى رشدها تتحدى الفتن والمكائد وتواجه الابتلاء في الأموال والأنفس لتنال تكريم الله لها في الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون. إن عجلة الزمان لن تعود إلى الوراء فهذه مسيرة الصحوة قد تحركت ولن تتوقف بإذن الله إلا عند إحدى الحسنيين. وكل يوم تشرق فيه الشمس على بلاد الإسلام تكسب المسيرة أنصاراً جدداً وتقطع خطوات على طريقها نحو غايتها بينما يخسر أعداء الإسلام في كل يوم معقلاً ولا يكادون يفيقون من صدمة حتى تدهمهم الأخرى.
إن تعرية الأنظمة العلمانية وكشف عمالتها وتآمرها على الشعوب المسلمة ... خطوة على الطريق وإنجاز لصالح الصحوة الإسلامية ..
وإن فضح الزنادقة والمنافقين ممن أسبغ عليهم أعداء الإسلام ألقاب الزعامة والعبقرية في السياسة والأدب والفن .. خطوة على الطريق ..
وإن شيوع العلم بأن تحكيم الشريعة يرتبط بأصل دين الإسلام وأن تحكيم القوانين الوضعية ردة صريحة عن الإسلام ... خطوة على الطريق ... وإن إحياء فريضة الجهاد ومنازلة الكفار الممتنعين عن الشرائع خطوة على الطريق ..
وإن عودة المرأة المسلمة إلى الحجاب كدلالة على عودتها إلى منهج الإسلام الشامل وإدراكها لحقيقة ما يراد بها ولها خطوة على الطريق ...
إن المستقبل للإسلام ونصر الله آت والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 527
عقد الذمة في التشريع الإسلامي
المؤلف/ المشرف: محمد عبدالهادي المطردي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار الجماهيرية والإعلان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٣٩٦هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: أهل الذمة
الخاتمة
لقد كانت رسالة الإسلام شاملة دعوة عالمية، وبهذا جاءت الشريعة الإسلامية عامة لجميع البشر وشاملة لجميع شؤونهم وأحوالهم خالدة لا يلحقها نسخ ولا تبديل لأنها خاتمة الشرائع وصالحة لكل زمان ومكان لأن الله جعلها خاتمة الشرائع غايتها إيصال الناس إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة.
وقد كان لأحكام الشريعة الإسلامية السيادة في التطبيق قروناً عديدة فما وجد الناس في هذه القرون حاجة إلى تشريع آخر ولا ضيقاً في تطبيقها بل كان في ذلك التطبيق تحقيق العدل بين الناس ورعاية مصالحهم المشروعة ثم هجرها المسلمون هجراً غير جميل وأخذوا يستعيضون عنها بالتشريعات الوضعية الغربية، ولكن مع هذا كله لا نيأس من رجعة المسلمين إلى أحكام شريعتهم لأن الحق لابد أن يعلو وأن المسلمين لابد أن يستيقظوا ويدركوا مدى تفريطهم في جنب شريعتهم. لأنها في ذاتها أصلح من غيرها وأوفى بحاجات الناس من سواها.
نتائج أبحاث الرسالة:
والآن وقد انتهيت من أبحاث الرسالة. ومن خلال دراستي أستطيع أن أسجل النتائج التالية وجلها ظهر في أثناء البحث:
١ - إن الشريعة الإسلامية منذ نشأتها اتخذت العقيدة الإسلامية أساساً لبناء المجتمع وإقامة الدولة، ورفضت بشدة ووضح أي أساس آخر تقوم عليه كالجنس أو اللون أو غيرهما، وعلى هذا الأساس صار الناس في نظرها صنفين مسلمين وغير مسلمين. فكل إنسان يستطيع بمحض إرادته واختياره أن يكون في هذا الصنف أو ذاك. أما الجنس واللون فلا يصلح واحد منهما أن يكون أساساً لتقسيم البشر وبناء المجتمع.
٢ - أما عقود الذمة فهي تضمن السلم بشكل آكد من الهدنة أو الصلح لاندماج المسلمين بغيرهم في ظل وطن واحد.
فإذا ما أبرم عقد الذمة صار غير المسلم مواطناً في الدولة الإسلامية وحمل جنسيتها.
ويتمتع الذمي بحرية العقيدة طبقاً للمبدأ الشرعي العظيم ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
والأصل في عقد الذمة أنه من العقود الرضائية.
٣ - إقامة الأمن الجماعي على أساس حرمة الميثاق على أن تلك الحرمة من وحي العقيدة والإيمان.
٤ - وفي مجال الحقوق السياسية، يتمتع الذمي بما يسمى بحق التوظف ولا يختلف مع المسلم في هذا الحق.
ونرى أن الإسلام لا يمنع إسهام الذميين في إدارة الدولة وإسناد الوظائف العامة إليهم عدا تلك الوظائف التي يكون عنصر الدين فيها جوهرياً وضرورياً ودليلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.
٥ - والأحكام المقررة لغير المسلمين في جميع مسائلهم هي أحكام الشريعة الإسلامية فإنها إذا كانت بالنسبة للمسلمين ديناً وقانوناً، فهي بالنسبة لغير المسلمين قانوناً ما داموا يعيشون في بلاد الإسلام. فمن الخير لهؤلاء أن يحيطوا بهذه الأحكام ويعرفوا هذا الجانب من جوانب التشريع الإسلامي.
٦ - وفي بحث الجزية. رجحت أنها وجبت بدلاً عن حماية الدولة الإسلامية للذمي نظراً إلى إعفائه من واجب الدفاع عن دار الإسلام رعاية له وعناية به، ولهذا تسقط عنه إذا لم تستطع الدولة حمايته.
٧ - وإنها لم تفرض عليه عقوبة على بقائه على الكفر كما يقول بذلك بعض الدارسين، لأن هذا الادعاء لا يتفق مع قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (). ولأنها لو فرضت عقوبة على بقاء الذمي على دينه لما نجا منها أحد من أهل الذمة ولفرضت حتى على المرأة وهم لا يقولون بالجزية عليها.
٨ - إن عقد الذمة قد ينتقض ويزول، فليس في الدنيا شيء خالد. وأسباب انتقاضه محل خلاف بين الفقهاء. وقد رجحت قول الأحناف في حصر أسباب النقض بثلاثة أشياء، إسلام الذمي أو إلحاقه بدار الحرب أو ارتكابه جريمة ضد الدولة الإسلامية.
وما عدا هذه الأسباب فيعتبر من الجرائم التي يعاقب عليها ولا علاقة لها بنقض الذمة.
ونقض الذمة يترتب عليه انقطاع صلة الذمي بالدولة الإسلامية وفقده الجنسية الإسلامية.
وقد انتهت من إعداد هذه الأطروحة، فإني لا أعتبر الجهد الذي بذلته، والتعب المتواصل الذي تحملته – مدة أربع سنوات قضيتها في إعداد هذه الرسالة – إلا شيئاً قليلاً في حق الشريعة الإسلامية، وإني بعد ذلك كله، اعتذر إلى القارئ الكريم عما قد يكون في الرسالة من نقص أو خطأ متمثلاً في ذلك بقول العماد الأصفهاني:
"إني رأيت أنه لا يكتب إنسانا كتاباً في يومه إلا قال في غده:
لو غير هذا لكان أحسن، ولو زاد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل.
وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 528
فقه الاحتساب على غير المسلمين
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن إبراهيم الطريقي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المسلم ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: حسبة - منوعات
الخاتمة
قبل توديع القارئ الكريم، هنا وقفتان جديراتان بالتدوين:
الأولى: مع رجل الحسبة ـ سدد الله خطاه وبارك في جهوده ـ لأذكره بأمور، أحسبها مهمة ومفيدة، مع رجائي أن يلقي سمعه وهو شهيد.
١ـ أنك رجل دعوة، يبلغ الحق إلى من يجهله أو يتجاهله. وهذا يتطلب منك فقهاً في معرفة هذا الحق، وفقهاً في معرفة النفوس.
٢ـ أنك رجل إصلاح وتقويم، تصلح ما فسد من حال الأفراد والمجتمع، وتقوِّم الإعوجاج القائم فيهما، وهذا يتطلب فقهاً تربوياً.
٣ـ أنك رجل تغيير واحتساب على المنكرات والمخالفات الظاهرة.
وهذا يتطلب: فقهاً في معرفة المنكر والمخالفة، وفقهاً في كيفية التغيير. ثم شجاعة وحزماً في مواجهة ذلك.
وبهذه الأمور الثلاثة: الدعوة، والإصلاح، والتغيير تتكامل مهمتك، وتتضح رسالتك.
٤ـ وفي علاقتك بالكافر ينبغي أن تقوم شخصيتك على عنصرين معاً: التسامح، والقوة.
وهما, وإن كانا في ظاهرهما التناقض، لكنهما عند التدقيق ليسا كذلك.
فإن شخصية المسلم تقوم على أخلاقيات متمازجة: كالحلم والأناة، والقوة والشجاعة، والصبر، والعفو، والرحمة وغير ذلك، وليس بينها تناقض، بل بعضها يكمل بعضاً.
٥ـ ومتى استحضرت مقاصد الدعوة في معاملتك للكافر، فإنه يلين معك، بل يتفاعل، وربما كان من آثار ذلك الاقتناع، ثم الرجوع إلى الحق، وبذلك تنال خيراً هو أعظم لك من حمر النعم.
٦ـ والمطلوب منك عند الاحتساب ممارسة ما خولته من صلاحيات، وأما ما كان خارجاً عن ذلك فهو غير مستطاع بالنسبة لك، وأنت معذور فيه.
ولا يغيب عن بالك قاعدة الشريعة العامة ?فاتقوا الله ما استطعتم (.
٧ـ وبإمكانك رفع القضية المشكلة إلى من يعنيه الأمر، ولست مسؤولاً عما يفعل.
٨ـ على أنه مهما وضعت الضوابط والقيود على يدك، فإن الكلمة الطيبة لا قيد عليها البتة، وهي أمضى سلاحاً وأقوى تأثيراً من غيرها أياً كان.
٩ـ وأخيراً فإنني أتمنى أن تتأمل في هذه الورقات التي أحسب أن فيها خلاصة ما تحتاج إليه في معاملتك للكافر وأسلوب التعايش معه.
١٠ـ وآخراً أسأل الله لك الثبات علىالحق، والعزيمة على الرشد والصبر على اللأواء، والتسديد في الخطوات، إنه سميع مجيب.
الوقفة الثانية: مع كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، سواء أكان راعياً أم مرعياً، وسواء أكان عالماً أم متعلماً أم عامياً.
لأهمس في أذنه، وأضع أمام بصره هذه الحقائق.
١ـ أن التعامل مع الكافر لا يتم وفق الميول النفسية، أو المصالح المادية الصرفة، بل بحسب القواعد الشرعية، والآداب المرعية.
٢ـ أن هذا التعامل لابد أن يكون عادلاً وسطاً، لا إفراط فيه ولا تفريط، أي لا تسهل فيه ولا تشدد.
٣ـ أن التشدد يعكس صورة قاتمة عن الإسلام، وأنه لا يعترف للإنسان بكرامة، ولا بحقوق، وأنه دين عنف وإرهاب. الأمر الذي يعرض المسلمين للضرر، كما يباعد بين الكفار ودين الإسلام.
٤ـ أن التساهل يجر مصائب على الأمة وويلات لا تحمد عقباها، ويعرض مصالحها للخطر.
نعم قد يبدأ هذا التساهل بصور فردية، ولكنه يتفاقم شيئاً فشيئاً، حتى يصبح ظاهرة اجتماعية ملحوظة، وعند ذلك يتسع الخرق على الراقع.
٥ـ والمتأمل في التاريخ يدرك خطورة هيمنة الكفار على المسلمين وتسلطهم عليهم، وأنهم متى وجدوا فرصة للإضرار بالمسلمين لم يألوا جهداً، قال سبحانه: ?يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ([آل عمران: ١١٨].
ومن أصدق من الله قيلاً؟
وقد ذكر ابن قيم الجوزية حوادث كثيرة تشهد بصدق على تلك الحقيقة، في عهد خلفاء بني أمية وبني العباس.
كما ذكر مواقف العلماء الإيجابية الشجاعة التي تصدت لتلك الظاهرة الخطيرة.
٦ـ ولا شك أن الاحتساب دليل عزة الإسلام وأهله، وعدمه دليل ذلة المسلمين ولا بد.
والحمد لله الذي جعل هذه البلاد موطن عز للإسلام وأهل الإسلام، وذل للكفر وأهل الكفر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 529
فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين – دراسة تأصيلية تطبيقية مع موزانة بقواعد القانون الدولي المعاصر
المؤلف/ المشرف: سعد بن مطر المرشدي العتيبي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الفضيلة – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: علاقات عربية وإسلامية ودولية
الخاتمة:
الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، وبرحمته وعفوه تغفر الزلات.
أما بعد؛ فقد ظهر من دراسة الباحث لموضوعات هذه الرسالة، نتائج مهمة؛ يمكن إجمالها في البنود التالية، بعد تقسيمها إلى مجموعتين:
الأولى: النتائج الكلية من دراسة فقه السياسة الشرعية في علم السير، وغيرها:
١) بيان الحد الفاصل بين الثابت والمتغير في فقه علم السير؛ وقد اتضح ذلك بما نهجه البحث من تقسيم السياسة الشرعية إلى مدلولين .. عام (ثابت)، وخاص (متغير)؛ وثبوت وجوده في الفقه الشرعي الأصيل، تنظيراً وتطبيقا؛ فقد اتضح بالنظر في تعريفات السياسة الشريعة عند المتقدمين والمتأخرين – مما أمكن الإطلاع عليه – أنها تطلق على معان مجزأة تكاد تنحصر في مفهومين، عام وخاص.
أما المفهوم العام، فهو إطلاق السياسة الشرعية على: الأحكام، والتصرفات التي تدبر بها شؤون الأمة، ويدير بها الحاكم رعيته بما يحقق مصلحتها، سواء استند في ذلك إلى دليل جزئي نصي خاص، أو إلى قواعد الشريعة العامة، ومقاصدها. وهي حينئذ ترادف (الأحكام السلطانية).
وأما المفهوم الخاص، فهو إطلاق السياسة الشرعية على: الأحكام والنظم التي تدبر بها شؤون الدولة الإسلامية، التي لم يرد فيها نص تفصيلي (أو جزئي)، أو التي من شأنها التغير والتبدل، بما يحقق مصلحة الأمة، ويتفرق مع روح الشريعة وأصولها العامة.
٢) البيان العملي لما ينفيه العلمانيون – من المنظرين الأجانب وتلاميذهم (حقيقة أو فكراً) من بني جلدتنا – ومن سلك مسلكهم، من خصائص الشريعة الإسلامية، ألا وهما خاصيتا الشمول والمرونة، مع تأكيد ذلك بالبرهان النظري.
٣) إظهار فقه أهل الإسلام وبيان طريقتهم في دراسة النصوص الشرعية عن حيث الكلية والجزئية، وسلوكهم طرائق استنباط دقيقة منضبطة، وبيان سبقهم فيما وصلوا إليه من نتائج، لأحدث ما وصل إليه التراكم المعرفي, القانوني, الطبيعي في مراحل تطوره المختلفة.
٤) بيان سبب من أهم أسباب الاختلاف الفقهي بين أئمة الفقه، في جملة من مسائل البحث؛ ألا وهو: الاختلاف في إدراج مسألة له من مسائل فقه السير، ضمن مسائل السياسة الشرعية بمعناها الخاص؛ ما بين مدخل لها فيها، ومخرج لها منها، وفق ما وصل إليه اجتهاد كل منهم في فهم جملة من الأدلة، أو في فهم نوع التصرف النبوي في فعل من الأفعال، ونحو ذلك.
٥) تأكيد كون مصادر الشريعة الإسلامية، هي أساس الشرعية الإسلامية العليا؛ وأن إطار ذلك أوسع مما قد يظنه بعض الباحثين؛ إذ تجلى أن ما لم يخالف الشريعة الإسلامية فهو منها، كما هو الشأن فيما وافقها؛ ومن ثم فلا يتحرج في الإفادة من تجارب الأمم الأخرى، فيما ثبت نفعه، مما لا مخالفة فيه للشريعة الإسلامية.
٦) أن الموازنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية؛ يجب أن تسبق الموازنة بين أصول الشريعة وخصائصها، وبين أصول القوانين وما توصف به من صفات؛ مع مراعاة الفروق بين المصطلحات الشرعية والفقهية، وبين المصطلحات القانونية؛ وأن الانطلاق في الموازنة عبر مسارات جزئية لا تراعي ما ذكر، تجعل الموازنة غير موضوعية، بل ولا واقعية. كما يجب الانطلاق عند الموازنة من قاعدة الشريعة، لبيان ما يندرج فيها وما لا مدخل له في الشريعة الإسلامية؛ فإنها شريعة الله.
стр. 530
٧) أن دراسة علم السير (علاقة دولة الإسلام بغيرها)، فقه شرعي، كغيره من مسائل الفقه، يؤخذ من مصادر الشريعة الإسلامية التي يرجع إليها في بحث بقية الأحكام الشرعية, وهي الكتاب والسنة والإجماع وما تفرغ عن ذلك من مصادر؛ وعليه فلا يؤخذ علم السير من أخبار المغازي التي لم تثبت من جهة الإسناد، ولا من الأحداث التاريخية التي مرت في بعض عصور الدولة الإسلامية، كما هو صنيع بعض الباحثين؛ فالتاريخ مصدر عظة واعتبار، لا مصدر تشريع، اللهم إلا أن يذكر على سبيل عرض تجارب الأمم، وبيان المفيد منها، ليس إلا.
٨) أهمية الدراسة التحليلية للفقه الإسلامي لتمييز الثابت والمتغير، وكشف تقعيداته؛ للإفادة العملية منها.
٩) أهمية العناية بأسباب الخلاف وكشفها من خلال النظر في أوجه الاستدلال عند المخالفين مع ما ينصون عليه من ذلك، وأن ذلك خطوة عملية مهمة للوصول إلى فهم نوع الخلاف من حيث كونه حقيقياً أو لفظياً، ومن ثم بيان شكليته وضم المسألة لجملة مسائل الاتفاق، أو الوصول إلى الراجح وإن كانت المسألة مسألة خلاف ما حقيقي.
١٠) أن السياسة الشرعية إطار فقهي لمسائل ذات صفات محددة لا يمكن أن تتعارض مع نصوص الشريعة وقواعدها؛ فإذا ما لوحظ تفريع مسألة أو تخريجها تتعارض مع ذلك، تبين خروجها عن وصف الشرعية؛ وبهذا يظهر الحد الفاصل بين السياستين الشرعية والوضعية؛ وبالخروج عنه تخرج المسألة عن الميزان الذي وضعه الله للإنسان.
١١) أن دراسة أحكام الشريعة الإسلامية عامة، وأحكام السياسة الشرعية خاصة، سبب من أسباب زيادة الإيمان بالله ودينه الحق؛ فإن لها صبغة لا تعرفها القوانين؛ ومذاقاً لا يعرفه الملحدون؛ مُسَلَّمَة لا شية فيها؛ من عرف قدرها وتأمل أسرارها وحكمها جزم بأنها العدل كل العدل، والحق كل الحق؛ وصدق الله العظيم: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾ [البقرة: ١٣٨]. ولقد وجدها ابن القيم، فلخصها في قوله: من له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها، وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة: علم أن السياسة العادلة، جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من أحاط علماً بمقاصدها، ووضعها مواضعها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة.
الثانية: التوصيات:
١) العناية في التعليم العالي، ببيان المصطلحات، وتحديد المفاهيم والمدلولات، ولاسيما فيما من شأنه تعليل الأحكام به، كالسياسة الشرعية؛ ومن ثم تحديد مجالات إعمالها؛ وهذا مما يؤكد أهمية العناية بدراسة المصطلحات الشرعية والفقهية، عند قصد الموازنة بالمدلولات القانونية والنظامية.
٢) العناية باستخراج القواعد التي بنى عليها فقهاء الإسلام مسائل فقه السياسة الشرعية في علم السير، من ذوي التخصص الشرعي، وجمع تطبيقاتها السياسية عند فقهاء الإسلام، من جميع المصنفات الشرعية ودواوين الشريعة، في التفسير، والسنة وشروحها، والسيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، زيادة على كتب الفقه، والأصول، والقواعد؛ مع عدم معارضة التقعيدات الفقهية بتقعيدات مستحدثة.
٣) الإفادة العملية، من البحوث السياسية الشرعية، في المشروع الواجب، مشروع العودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة، في سبيل النهوض بالأمة، ورفعها من كوبتها، وإعادتها إلى مكانتها من العبادة والدعوة والعزة، والتمكين؛ إرضاء لله تعالى، ورفعاً للظلم عن أوليائه، وكبتاً لأعدائه، وبياناً عملياً للعالم – كله – يكشف له حقيقة السعادة وطرائق تحصيلها في الدارين.
٤) وهذا الواجب – في التزام الإسلام كافة – يتعين على أولى الأمر من العلماء والأمراء؛ ثم على من دونهم من النواب والموظفين، كل على قدر طاقته.
٥) عقد مؤتمرات علمية عالمية إسلامية، وندوات شرعية تأصيلية؛ لبيان ما اعترى فقه السياسة الشرعية من التحريف – بالاستناد في بيانها إلى أخبار المغازي التي لم تثبت صحتها، ومن الأحداث التاريخية التي مرت في بعض عصور الدولة الإسلامية، كما هو صنيع بعض الباحثين مثلا – وبيان كون السياسة الشرعية جزءاً من الشريعة، فهي فقه شرعي، كغيره من مسائل الفقه، يؤخذ من مصادر الشريعة الإسلامية التي يرجع إليها في بحث بقية الأحكام الشرعية؛ وهي الكتاب والسنة والإجماع وما تفرغ عن ذلك طرائق استنباط.
٦) عقد مؤتمرات دولية عالمية، وندوات شرعية تعريفية؛ تبين الفقه السياسي الإسلامي، وتوضح ما اعترى الفقه السياسي الشرعي من التحريف بتطبيق بعض المنتسبين إليه، وتكشف كذب الأعداء وتشويههم للحقائق الشرعية، وتنفير الناس من الإسلام وأهله.
٧) ليكن أساس كل جهد فردي أو مؤسسي، طلب الحق وابتغاء الصواب؛ حتى يؤجر العبد أخطأ أو أصاب؛ ولا يكن غرض البحث تبرير واقع، أو مسايرة مخالف؛ فإن مما قاله العارفون: من لم يعمل من الحق إلا بما وافق هواه، ولم يترك من الباطل إلا ما خف عليه، لم يؤجر فيما أصاب، ولم يفلت من إثم الباطل، نسأل الله برحمته اللطف، والعفو، والغفران.
стр. 531
لماذا يكرهون حماس
المؤلف/ المشرف: أحمد فهمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: البيان مركز البحوث والدراسات - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ٢٠٠٩م
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: فلسطين - تاريخ وقضية
الخاتمة:
تبين في الفصل الأول العوامل الستة التي تحدد شكل العلاقة بين حركة حماس والكيان الصهيوني وطبيعتها، وربما مستقبلها. وثلاثة من هذه العوامل ترتبط بالخلفية الصهيونية الدينية والسياسية، وهي: التأصيل الديني للصراع، والعداء للعرب والمسلمين، وتبنِّي القوة بوصفها خياراً استراتيجياً.
والعوامل الثلاثة الأخرى ترتبط بحركة حماس، وهي: المقاومة، والمشروع الإسلامي، روفض الاعتراف بالكيان.
ومن خلال قراءة التفصيلات الواردة في كل عنصر؛ يمكن التوصل إلى رؤية تحليلية بأن العوامل الثلاثة الأخيرة تحكم العلاقة إلى درجة كبيرة، وهي العوامل القابلة للتغير بحسب قوة تمسك حركة حماس بها؛ بوصفها ثوابت عقدية وسياسية للقضية الفلسطينية، فكلما تراخت الحركة في التمسك بهذه الثوابت كلما تقلَّصت المسافة الفاصلة بينها وبين الكيان، وفي حالة الافتراض الجدلي بتلاشي هذه العوامل الثلاثة؛ فإن المسافة بين الحركة والكيان سوف تتضاءل إلى حدها الأدنى، ولكنها لن تتلاشى أبداً؛ بالنظر إلى العوامل الثلاثة المتعلقة بالكيان، والتي تؤكد كل المؤشرات على صعوبة – إن لم يكن استحالة – تراجعهم عنها.
هذه النتيجة واضحة بقوة في موقف الكيان من حركة فتح التي تنازلت عن المقاومة واعترفت بالدولة الصهيونية، كما أنها تتبنى مشروعاً علمانياً بالأساس، لكن لا تزال العوامل الأخرى فاعلة ومؤثرة بقوة في تحديد شكل العلاقة وطبيعتها بين الكيان وفتح.
ومن المهم جداً إعادة التأكيد على تأثير الدين في الصراع والجانب الصهيوني، وأن علمانية أغلب الأحزاب وأقواها لا ينبغي أن تشتت الأنظار عن هذا العامل، ومن المفيد اقتباس ما أورده (دليل إسرائيل ٢٠٠٤م) حول إشكالية الاختلافات بين الأحزاب العلمانية والدينية في الكيان: (الحركة الصهيونية ثم إسرائيل لم تشهدا عملية علمنة حقيقية، ومن ثم فصل الدين عن الدولة، لكنهما قاومتا المحاولات التي سعت لصبغ الدولة المستحدثة على أسس دينية؛ فلدى انطلاق الحركة الصهيونية كانت الأغلبية العظمى من قاعدتها علمانية، لكن طرحها القومي استند إلى التراث الديني اليهودي الذي وظفته في خدمة أهدافها بشكل انتهازي).
وفي الفصل الثاني بيَّنتُ المحاور الخمسة المذكورة الآتية التي تتحكم في العلاقة بين حماس وبعض الدول العربية، وهي: عقدة الإخوان المسلمين، دبلوماسية التنازلات، التحالفات البينية والخارجية، المحور الإيراني، رهاب ما بعد خيار الدولتين.
وتفيد الرؤية التحليلية لهذه المحاور ما يلي:
١ - هناك عوامل من الصعب تراجع تأثيرها - أو تلاشيها على الأقل - في الحقبة الراهنة، مثل: انتماء حماس للإخوان المسلمين، والطابع الإسلامي لمشروعها.
٢ - ليس كل العوامل فاعلة بالدرجة نفسها من التأثير مع كل الدول العربية، فمع مصر - على سبيل المثال - يقفز عامل (الانتماء للإخوان وأسلمة النظام) إلى أعلى القائمة، يليه التحالفات - بما فيها اتفاقية السلام -، بينما يتراجع تأثير هذا العامل بالنسبة للسعودية التي تتبنى نظاماً إسلامياً، ومن ثم لا يؤثر عليها سلباً أن ترفع جهة ما شعار الحكم بالإسلام، لكن أهم عامل في الرؤية السعودية هو: المحور الإيراني؛ لما له من تداعيات خطيرة على الأمن القومي لدول المنطقة.
٣ - بعض العوامل تثير قلقاً عربياً مقبولاً، وتحتاج إلى تحديد موقف من قبل حماس، مثل: المحور الإيراني، وقضية إلحاق القطاع بمصر والضفة بالأردن.
стр. 532
وتتعدد المقاربات التي يمكن من خلالها تلمُّس مسار حماس في المرحلة المقبلة، فهناك مقاربة (حزب الله اللبناني) بالنظر إلى كون حماس استفادت من أداء الحزب العسكري والسياسي، فهل يستمر الاقتباس ليصل إلى التطور السياسي الأخير للحزب؟ وبعبارة موجزة: هل يمكن أن تدخل قطر في مرحلة ما على الخط لتدشن مصالحة بين فتح وحماس على النسق نفسه الذي حدث في لبنان؟
حسب هذه المقاربة سوف تظل حماس تجمع بين السياسة والمصالحة والمقاومة دون أن تفرق بينهم، وسيظل احتفاظها بسلاحها وجناحها العسكري أمراً ثابتاً لا يخضع للتفاوض؛ حتى وإن توقفت عمليات المقاومة سنوات متتالية كما هو الحادث مع حزب الله الآن؛ مع التحفظ على تسمية أدائه العسكري مقاومة.
مقارنة ثانية تعتمد على أجنحة أخرى للإخوان المسلمين سلكت مسارات مختلفة في تعاملها مع الاحتلال والنظام الحاكم؛ فهناك الحزب الإسلامي العراقي الذي انطلق من رؤية تتيح التعاون مع الاحتلال الأمريكي في إنشاء نظام سياسي جديد في العراق، فشارك الحزب في مجلس الحكم المشاكل في بداية الاحتلال، ثم في جميع المؤسسات السياسية اللاحقة.
تجربة أخرى للإخوان في سورية؛ حيث اصطدمت الجماعة مع النظام (النصيري) صداماً عسكرياً، أسفر عن مذبحة لأنصار الجماعة وعائلاتهم في عدة مدن، أبرزها حماة، ولم تقدم الجماعة تنازلات كبيرة للنظام، ولا تزال تعمل من الخارج حتى الآن.
مقاربة ثالثة، وهي الأخطر (المقاربة الفتحاوية).
توجد أوجه تشابه كثيرة بين مسار فتح ومسار حماس من حيث النشأة في إطار المقاومة: حركة التحرير الفلسطينية (فتح)، حركة المقاومة الفلسطينية (حماس).
سلكت فتح المسار التالي: المقاومة هي الخيار الأول – تقديم عروض سلام مشروطة – تنقل قيادات الحركة في الخارج من دولة إلى دولة بسبب تذبذب العلاقات – فتح حركة كبيرة تتحالف مع حركات أصغر – التعرض لضغوط دولية وعربية مشددة للقبول بالسلام والاعتراف بالكيان – الاعتراف بالكيان وتوقيع اتفاق الحكم الذاتي – التحول في اتجاه قمع فصائل المقاومة.
هذه المراحل – قبل عتبة الاعتراف – مرت بها حماس، لكنها لا تزال مصرة على الصمود دون الاعتراف بالكيان الصهيوني؛ مع ذلك توجد تخوفات من تحول التهدئة طويلة الأمد إلى التزام ضمني من حماس بضبط أعمال المقاومة أو وقفها، وهو ما يجعل الحركة بالتدريج تدخل في مواجهات مع الرافضين لأي تهدئة مع الكيان الصهيوني، وهذه الوضعية ذات مسار دائري مغلق: تنشأ الحركة في ميدان المقاومة، وعندما تزداد قوتها تبدأ في البحث عن مكاسب سياسية، ويدفعها الحصول على المكاسب السياسية إلى تحجيم العمل الميداني، ومن ثم المجال مهيأ لظهور فصيل آخر يرفض السياسة ويؤيد المقاومة ... وهكذا ..
ويمكن ملاحظة بعض الفروقات التي تجعل نموذج حماس مختلفاً عن فتح، ومن ثم ليس بالضرورة أن يتشابه مسارا الحركتين في جميع المحطات، وليس محتماً أن تسقط حماس في المسار الدائري المغلق ذاته الذي بدأته فتح:
١ - البعد العقدي، والذي يظهر تأثيره في اعتماد المرجعية الشرعية، وفي تبلور الأهداف بصورة أكثر وضوحاً؛ بعيداً عن المطامع الشخصية التي أرهقت فتح.
٢ - حماس تتسم بمستوى أعلى من المرونة، يمكنها من الاستفادة من أخطائها لأسباب؛ فمثلاً: القيادة التشاورية في مقابل القيادة الديكتاتورية لفتح في حقبة عرفات.
٣ - النقاء الداخلي ونظافة اليد والمصداقية التي تميز حماس مقارنة بفتح.
٤ - تماسك بنية الحركة ضد أي احتمالات للانشقاق.
وأما المقاربة الرابعة فتعتمد على مسيرة حماس نفسها، كيف تعاملت مع الأزمات والضغوط التي واجهتها من قبل في مراحلها المختلفة؟
стр. 533
إن تاريخ الحركة يكشف عن مستوى من الثبات لا يخلو من واقعية ومرونة في مواجهة التطورات، وبمعنى أدق: ثبات يفرق بين الاستراتيجي والتكتيكي، وهو موقف غاية في الصعوبة؛ كون الحركة تواجه ثلاثة مستويات من التناقض عليها أن تتعامل معها:
أولاً: التناقض الداخلي الذي يلزمها بالجلوس للتفاوض مع فتح، وهي تعلم أن قادتها يعقدون مجالس أخرى لمناقشة كيفية القضاء على الحركة.
ثانياً: التناقض العربي الذي يجعلها تتباحث مع دول عربية تعلم أنها لا ترى بأساً في سقوط حماس، ودول أخرى تحتضنها؛ بينما تعادي من هم على منهجها الفكري نفسه.
ثالثاً: التناقض الدولي الذي يرى الذبابة في عين اليهودي، ولا يرى الجذع في عين الفلسطيني!
وعند التأمل في مسار حركة حماس نجد أن أهم المنعطفات التاريخية في مسيرتها لم تكن متوقعة من قبل، ولا أعلم أحداً توقعها قبل حدوثها بفترة كافية، ومن أبرزها في العقد الأخير: المشاركة السياسية في انتخابات لا تزورها فتح ولا تعرقلها (إسرائيل) – الفوز الساحق في الانتخابات – السيطرة على غزة وإقصاء عناصر فتح، واستمرار ذلك لما يقرب من عامين حتى الآن.
أدت عدة عوامل متشابكة إلى تفتت الانتماءات السياسية للشعب الفلسطيني، واستغل الصهاينة هذا التفتت في عرقلة (مسيرة السلام).
وفي العقود الأخيرة ازداد الوضع تدهوراً؛ بحيث إن التوافق الفلسطيني بات حلماً للمهتمين بالقضية الفلسطينية، لكن في انتخابات ٢٠٠٦م تحقق أول إجماع فلسطيني مؤكد دون شك أو لبس، عندما اتفق ما يقرب من ثلثي الفلسطينيين على اختيار حماس لتمثلهم في المجلس التشريعي والحكومة، وهو ما يجعل توجيه النقد إلى حماس بأنها (شقت) الصف الفلسطيني مجرد دعوى لا برهان عليها، فكيف تتهم بشق صف اجتمع عليها؟ إن الأولى بهذا الاتهام هم من استمرؤوا القبول بقيادة حماس ولم يستطيعوا مقاومة إغراء السلطة.
ويحتاج الواقع الفلسطيني إلى عملية (إعادة تفكيك) لمفرداته ومصطلحاته ومسلَّماته، وفي مقدمتها ما يدور حول فصل غزة عن الضفة، واتهام حماس بالانقلاب.
هذه التهم تقلب الحقائق، فكيف يفصل بين شقين لم يتصلا من قبل إلا فترة وجيزة عبر ممر سبق الحديث عنه؟ وكيف تنقلب حماس على سلطة (مقلوبة) من الأساس ولا تملك من أمرها شيئاً؟
إن قرارات ومقررات منظمة التحرير والمجلس الوطني الفلسطيني السابقة تنادي بإقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء محرر من الأراضي المحتلة. وبالنظر إلى الواقع: أي المناطق التي تستحق وصف (التحرير) أو (الاستقلال) ولو جزئياً؟ لو طبقت هذه القرارات بحذافيرها لكان من حق حماس فعلاً أن تؤسس الدولة في غزة، ولكان حتماً على سلطة الضفة أن تكون تابعة لها.
نختم بكلمتين حول ميثاق حماس الذي يؤرق الكثيرين، لكن ما يحزن أن نجد بعض اليهود يثقون في تمسك حماس بميثاقهم، بينما ينتقد عرب هذا الميثاق، ويَعدُّون أن حماس على طريق التخلي عنه.
المثال الأول: المعلق السياسي المتعصب ضد حماس (بن كاسبيت) كتب في معاريف يقول: (هذا الميثاق المتطرف لحماس، المفصل في كل مبادئه ومواعظه التي يروج لها .. لا يمكن تحريكه .. يدور الحديث عن عقيدة جامدة دينية، وعليه فإن مطلب الحديث مع حماس عديم الأساس في الواقع .. حماس يجب سحقها، ليس أقل من ذلك)!
المثال الثاني: ما كتبه الأكاديمي خالد الحروب ضمن كتابه الذي صدر باللغة الإنجليزية في لندن (حماس .. دليل المبتدئين) يقول الحروب: إن الميثاق كتبه (فرد وعمم دون مشورة أو إجماع أو تنقيح. لقد كان معد الميثاق من الحرس القديم في حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة، وهو من المنقطعين كلياً عن العالم الخارجي).
هذا (المنقطع) عن العالم الخارجي (الملوث)، (القابع) في العالم الداخلي (النقي)؛ لا يزال ميثاقه صامداً حتى الآن؛ لأنه صاغه في جو النقاء لا التلوث، فبقي صامداً في وجه من يكرهونه من الصهاينة، ومن يَعدُّونه من (الحرس القديم) من العرب.
إن الذين يريدون أن يصلوا بحماس إلى اللحظة التي يقف قائدهم فيها بجوار رئيس أمريكي ورئيس وزراء يهودي في تكرار لذلك المشهد المؤلم في ذاكرة العرب، عندما يمد الصهيوني يده ليصافح يد فلسطيني ربما يكون قد قتل أباه وأمه، وهو يبتسم ابتسامة يهودية معروفة منذ الأزل، لمثل هؤلاء نورد لهم كلام هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لفتح الذي يقول: (إذا ابتسم الأعداء لنا، فعلينا أن نتساءل: أي حماقة ارتكبنا؟).
أليس رب العالمين من خلقهم؟ فهو يقول عنهم: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ [البقرة: ١٢٠].
стр. 534
معوقات الجهاد في العصر الحاضر تحليلاً وتقويماً
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن قريح العقلا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: جهاد
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والشكر والفضل والمنة له أن أعان ووفق لإتمام هذا العمل فـ: ?...لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ... (، وبعد: فبعد هذه الرحلة الطيبة والمباركة إن شاء الله تعالى، وبعد أن عشنا تلك الوقفات مع موقف أمتنا الإسلامية من الجهاد، بواقعها المعنوي، والمادي، الرسمي والعامي، أقول:
هذا ما منّ الله به علي، وفق جهدي المقل، وبضاعتي القليلة فهماً وتحصيلاً، ولا بد هنا من الاعتراف بأن هذا العمل فوق طاقتي العلمية والإدراكية، فقد كنت أتمنى في أثناء الكتابة، وبعد الكتابة، وفي هذه اللحظة أن يكون صاحب هذا الموضوع في مستوى أهميته ومكانتة، وما يجب له. وحسبي من كل ذلك أنني اجتهدت قدر استطاعتي، فسددت وقاربت وفق ما وفقت إليه، مدركاً أن الكمال لوجه الله ، والنقص والقصور صفة لازمة لبني البشر.
أما أبرز النتائج التي خلصت إليها فهي نتائج عامة منها:
أ: أن هذه الرسالة ليست نهاية عمل، ولا توقف عطاء، وإنما هي خطوة أولى في بداية طريق طويل وشاق، يحتاج إلى زاد وصبر جميل، فالله المستعان والمعين.
ب: تضمنت مباحث الرسالة موضوعات تحتاج إلى وقفات دراسية خاصة بها، حريٌّ بطلبة العلم وموجهيه العناية بها، دراسة وبحثاً، إرشاداً لها ودلالة عليها. أما النتائج المتعلقة بالمعوقات، فهي كالتالي:
١ـ أن الأمة الإسلامية مصابة في عقيدتها بخلل، يظهر جلياً في جانبين: جانبٌ فرقها إلى فرق متناحرة، يكفر بعضها بعضاً، في القديم والحديث، تشكل بعض تلك الفرق عوائق كبرى في طريق الجهاد، بل هي فريقين: فريق يسعى للقضاء على الجهاد وتعطيله نهائياً، وفريق يعمل على إماتة الجهاد في القلوب، والانحراف به عن معانيه الصحيحة. وكلا الفريقين عانى منه الجهاد على مر العصور السالفة والحاضرة.
وجانبٌ أصاب العقيدة في النفوس بخلل أفقدها فاعليتها، فعانت الأمة من زيادة البدع والخرافات التي يجب أن ينطلق المسلم مجاهداً لإزالتها.
وعانت من ضعفٍ في مفهوم الولاء والبراء، ذلك المفهوم الدافع للجهاد نصرة المستضعفين، وحماية الدعوة إلىالدين من كيد الكائدين.
٢ـ أقعد أمتنا عن الجهاد ضعف روحي مهلك، فقد أصبحت أمتنا أمة دنيوية، تعلق بالدنيا حباً لها وتتعلق بوسائلها معتبرة إياها وسائل للرقي الحضاري، والنصر القتالي، ووسيلة للسعادة الدنيوية معرضة في كل ذلك عن جميع الأسباب الإلهية والوسائل الربانية، وهذا ما جعل الأمة تزداد ضعفاً على ضعفها، حبيسة صلتها وتعاملها مع تلك الأسباب الدنيوية، والوسائل المادية.
٣ـ النفس المسلمة في جميع المجالات الحياتية تمر بمرحلة فقدان ذات، شخصيتها مهتزة، وتوجهاتها مترددة، ومواقفها غير واضحة، لأنها تنظر إلى من وجب جهادهم نظرة إعجاب وانبهار، لا نظر من يُعد العدة للجهاد، كل ذلك جعل الأمة في مكانها دون حراك، بل قد وصل الحال ببعض أفرادها إلى مرحلة يأس من تغيير الحال، وقنوط من تحقيق الآمال.
٤ـ فكرياً، تعاني الأمة من أمرين:
ـ ضغط الفكر الكافر الوافد، بوسائله القريبة للنفوس البشرية، وأساليبه التي يبثها شياطين الإنس والجن.
ـ ضعف الفكر المقاوم لدى أفراد الأمة.
فكانت النتيجة تردداً وتذبذباً فكرياً، يصل أحياناً إلى انحراف فكري، فكان أن عانت الأمة من أبنائها، وكادت أن تُمسخ شخصيتها من أعدائها.
стр. 535
٥ـ ظهر لنا بجلاء، أن أغلب أفراد الأمة قد انساقوا خلف ملذاتهم المعنوية، والحسية، متجاوزين في ذلك الحد الشرعي، الأمر الذي أظهر الترف الفكري، والنفسي، والبدني، وشاعت أسباب ذلك الترف بين طائفة كبيرة من أفراد الأمة على المستويات كافة، الرسمية والخاصة، العلمية والعامة، حملوا سمات المترفين، فقعدوا عن العمل فضلاً عن الجهاد، وتمادوا في الباطل فضلاً عن إظهار الحق، وآثروا الراحة على بذل الطاقة والإشقاق، وكان من نتاج ذلك أن ظهرت آثار الترف بين أفراد الأمة عموماً فضعف الجميع عن العمل الجاد، ووقعوا في الباطل بتماد، واختل توازن المجتمع وحاد، فانشغلت بهم الأمة عن تدبير الأمر ليوم المعاد، فكان أن عم البلاء وطم الفساد، وسارت الأمة في تيار ضد متطلبات الجهاد.
٦ـ تبين لنا في مطلب التفكك الاجتماعي تفتت المجتمع وتقطع أوصاله، حيث تباعد أعضاؤه فانشلت أجزاؤه بداءً من البيت حيث الأسرة الواحدة التي تفكك أعضاؤها، وانتهاءً ببقية أفراد الأمة في أجزائها المتباعدة، حيث ظهر التنافر والتقاطع بين الجميع، وسيطرت على المجتمع مفاهيم اجتماعية خاطئة، أسهمت في تباعد الأحاسيس والمشاعر بين أفراد المجتمع، وبالتالي انحرف المجتمع عن القيام بواجبة الإعدادي للجهاد والمواجهة.
٧ـ تبين أن الأمة قد فقدت قوة فاعلة بفقدانها للوحدة الإسلامية، حيث تفرقها إلى فرق فكرية واجتماعية وسياسية متفاوتة في الاستعداد والتوجه، والعمل والتطلع، وأن أسباب ذلك التفرق قد تغلغلت بين أفراد الأمة، ورُسِّخَت بفعل دواعيها في النفس البشرية، وما يحيطه بها أنصار التفرق من دعاوي ومضللات، فكان أن عمق الجرح من جرائها، وعانت الأمة من ويلاتها. فتناحر أفراد الأمة وسد بينهم الشقاق والتنازع، ونُزعت الهيبة من صدورهم، فوجه لهم العدو حرابه من كل حدب وصوب. وجاهدهم العدو بدلاً من أن يجاهدوه، جاهدهم في أنفسهم وشقاقهم فيما بينهم، مما أسهم في التباس الحق علىأهل الحق، حتى علا الباطل وساد، وتعطل من جراء ذلك الجهاد.
٨ـ اتضح أن الأمة قد أصيبت في مقاتلها، بفعل فساد خلقي عمَّ وطم جل أهلها، فظهرت الدعوات الصريحة للفساد الخلقي، عبر وسائل مختلفة، وأساليب متعددة، دخلت كل بيت، وطرقت كل أذن صاحب ذلك رعاية ودعم، فظهرت النتيجة في سلوكيات متعددة، ومظاهر مختلفة، منها التصور والتصرف، ومنها الظاهر والباطن، حتى ظهرت الأمة للأمم الأخرى متناقضة المبادئ والسلوك.
٩ـ ظهر لنا واقع الأمة السياسي بجلاء، حيث فَرض سيادة الفكر السياسي الوضعي، والنأي بالفكر السياسي الإسلامي عن معترك الحياة العملية والعلمية. فحَكَمت الأنظمة الوضعية أغلب البلاد الإسلامية، وفَرَض الفكر السياسي الوضعي سلطانه على الشريعه الإسلامية عموماً، حيث يَحكمها ولا تحكمه، يُناقشها ولا تناقشه، يعارضها ولا تعارضه، فكانت النتيجة تخلي الأمة عن مقوماتها الشرعية، وسيادتها الداخلية، بالسير في تبعية سياسية للأمم الأخرى، تسير في فلكها، وتحت نظرها.
ونتيجة أخرى أسهمت في كثير من التوترات في عالمنا الإسلامي، بين الحاكم والمحكوم من جهة وبين الحكومات بعضها مع بعض من جهة أخرى.
١٠ـ من أقوال الأعداء، ومواقفهم الصريحة، تبين أن للأعداء جهود متواصلة، ومحاولات ناجحة في سبيل إبقاء يدٍ لهم داخل المجتمع الإسلامي نافذة، تعمل بعيداً عن الأعين والرسميات، وتتحكم في الغايات والتوجهات، فتحكم القبضة، وتدير الإمرة والنهي.
كما تبين أن للتعامل السياسي مع البلاد الإسلامية وجه معلن وآخر خفي، فالوجه المعلن لا يتجاوز أن يكون شعارات جوفاء، لإيقاع الخصوم، وإيهام العوام، ووسيلة إلى الهدف الأساس في إحكام النفوذ.
стр. 536
أما الوجه الخفي، فيتمثل في أن تعاملهم السياسي مع البلاد الإسلامية لا يلتزم بمبدأ، ولا تحكمه غاية يمتطي صهوة كل وسيلة، ويعمل على تحقيق المصلحة، موقداً لأجلها كل فتيلة مهلكة، وموقعاً في سبيلها أقرب العملاء، وأصدق الأصدقاء، فضلاً عن المناوئين والخصماء.
١١ـ بعد وقفات مع النظام العالمي الجديد، تبين أن الأعداء يعملون على مسايرة العصر في ترتيب النظام العالمي، وتجديد لإحكام القبضة علىالبلاد الإسلامية بما يناسب العصر، وأن توجهاته ولمحاته تقول بأن الأعداء يُطلون اليوم بوجه استعماري خفي، يَحكم العالم الإسلامي، ويُحكم السيطرة عليه، فلا حراك إلا بإشارتهم، ولا عمل إلا في دائرتهم، تَندرِج أو تُدرجَ، تُسايِر أو تُدابَر.
كما تبين أن دور العالم الإسلامي في هذا النظام لا يتجاوز أن يكون هدفاً رئيساً للنظام، وكأن النظام موجه له، مما يجعله امتداد لتلك التحزبات الشيطانية ضد الإسلام والمسلمين.
١٢ـ تملك الأمة الإسلامية خزائن وثروات وافرة، منها بشرية تنمو بصورة عالية، ذات تخصصات نادرة، ومجالات متفاوتة. ومنها ثروات مالية ذات وفرة وارفه، وخزائن في باطن الأرض مكنونة، وفي ظاهرها مبثوثة، ومواقع استراتيجية برية وبحرية مميزة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، مما يعني أن الأمة من أغنى أمم الأرض قاطبة.
هذه الثروات تتعامل معها الأمة بوسائل تهدرها، وأساليب تبذرها، سواء من حيث الاستخراج والعناية، أو التوجيه والتنمية، أو الإنفاق. ذلك التعامل سبب رئيس في المعاناة المادية للأمة، وجعلها من أقل دول العالم المعاصر نمواً.
١٣ـ تبين أن الأعداء قد أحكموا قبضتهم على الاقتصاد العالمي، تنظيماً إدارياً، وعملاً ميدانياً وتسويقاً تجارياً، وأنهم قد استغلوا ذلك في التدخل في شؤون الدول الإسلامية، فسخروا المجال الاقتصادي لتحقيق غاياتهم الدينية والسياسية والفكرية والاجتماعية داخل البلاد الإسلامية، أَحكموا تلك الهيمنة، فحكموا، واستغلوها حتى وصلوا للكثير من غاياتهم.
١٤ـ تعاني الأمة من تخلف صناعي مؤلم، في جميع المجالات الصناعية، فإذا كانت الأمة قد أُمرت بإعداد القوة المرهبة للأعداء، فأمة اليوم لم تُعِد لنفسها الغذاء، والكساء، بل لم تعتمد على نفسها في شيء من ذلك، فضلاً عن إعداد قوة ترهب بها عدواً.
١٥ـ في مجال التدريب العسكري تبين أن التدريب في عالمنا الإسلامي يعاني من خلل كبير، أفقده الفاعلية، وألبسه الظاهرية، لأنه تدريب بدني في معزل عن التدريب الروحي والنفسي، مما جعل المتدرب جسداً دون روح، يتحرك ألياً دون تمعن أو نظر. وظهرت الازدواجية في أساليب التدريب ووسائله، كما ظهرت العشوائية في التخطيط والتنفيذ.
١٦ـ للأعداء قوة ظاهرة للعيان، ليست بحاجة إلى سرد وبيان، لكن الأهم فيها ما تبين من سعي حثيث من قبل الأعداء، لأجل تطوير تلك القوة، وتخصيصها بمبالغ كبيرة جداً، وتعاونهم في سبيل ذلك، مما جعل تلك القوة تزداد قوة على قوتها، وفاعلية على فاعليتها. مع ضوابط عديدة يُكرس بها الأعداء جهدهم في حجب تلك القوة عن الوصول إلى المسلمين، والحفاظ على جميع أسرارها الفنية.
١٧ـ تبين أن التدخل العسكري من قبل الأعداء في شؤون عالمنا الإسلامي، يتم حسب متطلبات الموقف، فهناك تدخل تحت شعار القانون الدولي، ومظلة الشرعية الدولية. وهناك تدخل فردي مباشر وسافر.
وفي جميع أشكال هذا التدخل يجد المتدخل من الآخرين دعماً معنوياً، وسياسياً، ومادياً، وإعلامياً.
١٨ـ من أبرز نتائج مظاهر الاحتلال المعاصر، أنه استجابة لمطلب العالم الكافر، بفعل ذلك الدعم المعنوي والمادي الذي تجده تلك المظاهر من أغلب دول العالم الكافر، وأن لأولئك المحتلين وسائل وأساليب لترسيخ ذلك الاحتلال، وطمس الهوية والمعالم الإسلامية، تتم وفق تنسيق وتفاهم، لتكون أكثر فاعلية وتكريساً للكفر وأهله.
ختاماً أحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على رسول الهدى والبيان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 537
مفهوم الطاعة والعصيان
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن إبراهيم الطريقي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المسلم - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: طاعة وعصيان
وفي الختام: فإنني – إذ أحمد ربي على توفيقه ومنه – أرى أن ثمة نقاطاً رئيسية ونتائج بارزة يجمل تسجيلها وهي كالآتي:
١ - شرع الله تعالى الطاعة له سبحانه ولرسوله، ثم لأولي الأمر من المسلمين لينتظم العقد، وتأتلف القلوب، وتتحد الصفوف وتجتمع الكلمة.
٢ - وبالعصيان تتمزق الأمة، ويكثر الخلاف، وتضرب الفتنة أطنابها، فلا ترى إلا الخوف والهرج والمرج. ناهيك عن الخروج عن الولاة فإنه مفسدة وأي مفسدة "لما يترتب عليه من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين". [شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٢٢٩]. والطاعة إنما تكون في المعروف سواء أكان الإمام عادلاً أم جائراً إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعليه فلابد من التثبت عند امتثال الأوامر ولا سيما إذا كان الأمر جائراً وجاهلاً قيل لعبادة بن الصامت ﵁: أرأيت أن أطعت أميري في كل ما يأمرني به؟ قال: "يؤخذ بقوائمك فتلقى في النار، وليجئ هذا فينقذك" [الاستذكار ١٤/ ٣٧].
٤ - على أنه مهما يحصل من الإمام من المخالفات الشخصية والمتعدية إلى الآخرين فإن ذلك لا يوجب نقض البيعة ولا نزع يد الطاعة، بل يطاع في طاعة الله. وعلى ذلك أكثر أهل العلم من محدثين وفقهاء مادام الإمام مسلماً، وحاكماً بشريعة الإسلام. والواجب تجاهه طاعته في المعروف، ونصحه والصبر على أذاه.
٥ - فإذا جاء بما يوجب الردة "الكفر البواح" أو ترك الصلاة أو دعا إلى تركها أو إلى ترك شيء من قواعد الإسلام، فعنذئذ ليس له ولاية على المسلمين كما قال الله: ﴿ولن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: ١٤١].
وهذه قضية مسلمة. غير أن هنا ملاحظتين:
الأولى: أنه لابد من مناصحته والإنكار عليه، إنذاراً وإعذاراً، فإن رجع فيها وإلا كان مستحقا للخلع قطعا. الثانية: أنه لابد من الموازنة بين المصالح والمفاسد عند خلعه أو الخروج عليه. فإن ترجحت مصلحة الخروج أخذ بها. وإن ترجحت المفسدة أخذ بها.
٦ - ولذلك فإنه لا يجوز للأمة ولاسيما أهل الحل والعقد أن يتساهلوا في أمر الكفر، لأن ذلك تفريط بالدين من جذوره، وتضييع للقيم والمبادئ [انظر: أصول الدين للبغدادي ص: ٢٧٨]. وما أكثر البلدان المسلمة التي فرطت في هذا الأمر، حتى لم يعد لدى أولئك الشعوب أية معايير شرعية بل المقياس هو ضمان ما يسمى بالحريات، فإذا أعطوا حريتهم يتصرفون كما يريدون اعتقاداً وسلوكاً وأخلاقا ومعاملات أغمضوا عيونهم وهاموا في طلب الدنيا على وجوههم سادرين لا يعنيهم أمر الإسلام في شيء. حتى لترى كل دعوات الهدم والفساد قوية فاعلة إلا دعوة الحق. نسأل الله أن يرد أمة محمد ﷺ إليه رداً جميلاً.
٧ - وإذا كان كل من العصيان والخروج يعد جريمة، فإنه لا بد أن يفرق بينهما بأن الأول لا يكون خروجا بالضرورة، ومن ثم فإنه لا يوجب العقوبة إلا إذا استفحل. بل إنه متى كان العصيان بسبب خطأ أو تأويل سائغ من العاصي "المخالف" فإنه لا تثريب عليه.
٨ - وأما الخروج فهو يستحق العقوبة، ولكنها تختلف بحسب نوع الخروج وخطره ونوع الخارجين وأصنافهم. وإذا عرف مفهوم العصيان والخروج وأنهما يعنيان نزع الطاعة ومفارقة الجماعة، فإن الحالات الآتية ليست عصياناً ولا خروجاً:
١ - عدم طاعة المخلوق (من إمام أو غيره) في معصية الله وهذا بإجماع المسلمين.
٢ - عدم موافقة الإمام أو غيره في القضايا والأحكام والآراء الاجتهادية، إذا صدرت من عالم أو طالب علم معتبر.
стр. 538
٣ - الاختلاف والمنازعة مع غير (العلماء والأمراء) من سائر الناس، سواء أكانت لهم صلة قرابة بأولئك أم لا، وسواء أكانوا ذوي جاه أم مال أم غير ذلك. فالطاعة في الأمور العامة إنما هي لفريقين هما: العلماء والأمراء إذا أمروا بطاعة الله.
٤ - مناصحة الإمام أو أحد ولاته أو أحد المسؤولين عن أمور المسلمين. سواء أكانت هذه المناصحة بطريق مباشر أم غير مباشر وسواء أكانت دعوة إلى الخير المطلق أم أمراً بمعروف أم نهيا عن منكر. وسواء أكانت الدعوة متعلقة بشخصه أم بأمر متعلق بشؤون المسلمين. وسواء أكانت في أمر من أمور العبادات المحضة أم في أمر من أمور العادات، مما له حكم شرعي. وإذا كانت الوسائل والأساليب تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، فإنه ينبغي للناصح أن يتخير من ذلك ما يليق بالمنصوح له. ومن الخطأ الفاحش اتخاذ وسيلة أو أسلوب واحد مع كل الناس (أميرهم ومأمورهم، وعالمهم وجاهلهم، وصالحهم وطالحهم) وما ذاك إلا عنوان الجهل والحمق والتغفيل. على أنه يلاحظ في عصرنا هذا أنه ظهرت وسائل حديثة للتعبير عن الرأي (غير ما هو معروف ومألوف) مثل الصحافة، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ومن شكر المنعم سبحانه بهذه النعم أن تسخر في ما ينفع ويفيد، ولا يجوز أن تترك للعابثين بالمبادئ والقيم، والناكصين عن الحق، والراغبين في شيوع الفحشاء والمنكر. وعلى من بيدهم الحل والعقد أن يعرفوا قيمة هذه الوسائل وآثارها الاجتماعية ويسخروها في إعلاء كلمة الحق ودحض الباطل. ١٠ - وإذا عرفنا أن الخروج بالسيف على الإمام المسلم الحاكم بشرع الله (وإن فسق) يعد جريمة فإن الخروج على الأمة أيضاً أشد جرماً. فمن شق عصا المسلمين وخالفهم في معتقدهم أو في أمر شرعي ضروري أو أثار الفتن والعصبيات الجاهلية فلا شك أن فيه جاهلية وهو مجرم في حق دينه وفي حق أمته. وكذلك يصح أن يقال بأنه قد ارتكب جريمة سياسية عظمى وخان الله ورسوله والمؤمنين. سواء في ذلك الخروج الفكري والخروج السياسي. فمن خالف منهج أهل السنة والجماعة مخالفة صريحة في قضية عقدية ودعا إلى مذهبه فهو مخالف للجماعة وخارج عنها. ومن أعلن ولاءه لنحلة شاذة أو فرقة ضالة، أو مذهب غربي غريب فقد حاد الله ورسوله والمؤمنين. ومن أثار الشغب وفرق الجماعة وألب الناس ضد السلطة المسلمة الحاكمة بما أنزل الله فقد فارق الجماعة وشذ عنها. وكل أولئك يستحقون العقوبة البالغة.
١١ - من الخطأ أن يكون العنف وسيلة من وسائل الإصلاح أو العلاج، سواء من جانب الراعي أو الرعية. فإذا أخطأ الراعي أو تجاوز الحدود وهضم الحقوق فليس علاج ذلك وتقويمه بالعنف وإنما بالنصح والتسديد، والإصلاح المتدرج. وإذا أخطأ أحد من الرعية أفراداً أو مجموعات فليس علاج ذلك وتقويمه بالعنف، بل بالحوار. ولابد أن يقوم بهذا الحوار المتأهلون من أهل الحل والعقد وفي مقدمتهم العلماء. وأسأل التاريخ المعاصر يعطك الشواهد تلو الشواهد على صحة ما أقول.
стр. 539
نظرية السيادة وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية
المؤلف/ المشرف: محمد صلاح الصاوي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: سياسة شرعية
تصنيف فرعي: قوانين وضعية
الخاتمة
فلقد تمهد من خلال الفصول السابقة ما يقطع باجتماع كلمة السواد الأعظم، من العلماء والدعاة على عدم شرعية النظم الوضعية التي تقوم على رد الشريعة وتحكيم القوانين الوضعية، وعلى حتمية التغيير وإقامة الدولة الإسلامية.
ولقد رأينا أن هذا القدر يمثل إطاراً مقبولاً للسعي المشترك نحو هذه الغاية، دونما حاجة إلى التقحم في الدائرة الشائكة: دائرة إجراء الأحكام على المعينين، والتي قلَّ أن يرجع منها من استشرف لها سالماً!!
وإذا كانت مقتضيات المعركة وشراسة المواجهة تحتم على قادة العمل الإسلامي، أن يراجعوا كافة القضايا الخلافية التي عوقت جمع ردحاً من الزمن، وأتاحت لأعداء الإسلام وخصوم الشريعة أن ينفذوا من خلال هذه الفرجات إلى قلب العمل الإسلامي، يدسون ويمكرون، ويضربون هذه القلوب المؤمنة المجاهدة بعضها ببعض، فإن هذه القضية من أخطر القضايا التي حاول الخصوم استخدامها وتوظيف الخلاف فيها لتكريس الخصومات وتسعير نيرانها، وها نحن قد رأينا في هذا القدر ما يمثل إطاراً مشتركاً يمكن أن يجمع على قبوله من الكافة، ولو أننا تتبعنا سائر القضايا الخلافية للبحث عن الأطر المشتركة والمساحات المجمع عليها في هذه القضايا لتبين لنا، أن الخلاف الذي أضنى مسيرة العمل الإسلامي طيلة هذه الفترة لم يكن إلا رجساً من الشيطان، وبقية من حظوظه داخل نفوسنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن على مفكري الحركات الإسلامية المعاصرة أن يعيدوا كتابة هذه القضايا، بروح الحرص على تلمس مواضع الاتفاق وإبرازها، والتأكيد عليها، ثم الانطلاق منها لتدبر مواضع النظر، والتفريق بين ما كان مرده إلى تحقيق المناط أو تطبيق هذه الأصول على واقع قد يتفاوت الناس في توصيفه -بناء على اختلافاتهم في التفسير بعض جوانبه- فيتفاوتون تبعاً لذلك في تكييفه وإجراء الحكم عليه.
لقد آن للعمل الإسلامي أن يتجاوز واقع الفتنة التي فرَّقت شمله، وشتتت كتائبه، وضربت قلوب أتباعه بعضها ببعض.
لقد آن له أن يجتمع حول الجمل الثابتة في الكتاب والسنة، وأن يدرك أن نسبة من الخلاف لا بد أن تقع لا محالة تبعاً لما جبل الله عليه البشر من تفاوت في العقول والمدارك، وأن مواضع الاجتهاد لا يضيق فيها على المخالف، وأن أهل الكتاب قد تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم فباءوا بالفشل والخيبة، وأن إحياء أدب الخلاف وتجديد مفهوم الأمة في ساحة العمل الإسلامي، وإشاعة العلم به من الضرورات الملحَّة في هذا لعصر.
وأن نصر الله لا يتنزل على هذه الشيع المتنافرة المتلاعنة، وأن العمل للإسلام لا ينهض بأعبائه ولا يقوى عليه فصيل واحد من فصائل العمل الإسلامي ومن هنا كانت حتمية التنسيق والتكامل، وأن التعدد المقبول في التجمعات الإسلامية هو تعدد التخصص والتنوع وليس تعدد التضاد والتنازع، وأن هذه الفصائل العاملة للإسلام في دائرة أهل السنة والجماعة أجزاء من جماعة المسلمين، وأن عليها جميعاً أن تسعى إلى إقامة هذه الجماعة بمفهومها العام والشامل.
إن آمال هذه الأمة في الإصلاح والتغيير منوطة بعد الله بهذه الحركة الإسلامية المباركة، فهل يدرك القائمون على أمر هذه الحركة جسامة هذه المسئولية وعظم هذه الأمانة فيتداركون الأمر قبل أن يفوت الأوان؟؟!!.
ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!!.
стр. 540
سياسة عالمية
стр. 541
أثر أهل الكتاب في الفتن والحروب الأهلية
المؤلف/ المشرف: جميل عبدالله المصري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الدار - المدينة المنورة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٠هـ
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: أهل الكتاب
الخاتمة
الإسلام عقيدةً انبثق منها نظام، فهو فكرٌ شاملٌ للكون والإنسان والحياة وما قبل الحياة وما بعدها –نظم علاقة الفرد بربه وبنفسه وبمجتمعه فتاريخه يعتمد الفكر أساساً- وتاريخ المسلمين لا يفسر إلا من المنطلق الفكري، ومن هنا اعتمدت في تفسيري للحوادث التاريخية في هذا البحث –التفسير الفكري- ولا يخفى أن التفسير الفكري لا يهمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية بل هي نتائج للناحية الفكرية في الإسلام. ومن هذا المنطلق أيضاً جاء دور القوى المناهضة للإسلام وأثرها، إذ لجأت إلى سلاح الفكر تقف في وجه الدعوة الإسلامية وتسلل أفكارها خلال أفكار الإسلام، فكان تصنيف الناس في المجتمع الإسلامي بعيداً عن الطبقية الاقتصادية والنسبية بل كان التصنيف فكرياً ودينياً يعتمد الفكر الديني أساساً وهو أرقى أنواع التصنيف البشري. فاتحدت جميع القوى الفكرية لمواجهة الإسلام؛ لأنها اعتبرته مهدداً لها جميعاً بنظرته الإنسانية العالمية حيث تمكن أن ينشئ بناءً اجتماعياً راسخاً متجانساً تمكن به أن يتغلب على الفروق الجنسية والقومية، وهو لم يدع إلى المساواة قولاً فحسب ولكنه يدعو إليها عملياً كل يوم خمس مرات وذلك في الصلاة التي تنمحي فيها الفوارق المادية المصطنعة إذ يقف المسلمون جميعاً جنباً إلى جنب دون تمييز بين حسيب أو وضيع –غني أو فقير- وهذا هو المنهج الاجتماعي السليم والدعوة الحضارية الراقية. فوقف الحاقدون من أهل الكتاب حسداً منهم على هذا النظام الاجتماعي بتياراتهم الفكرية المختلفة جنباً إلى جنب مع الأفكار الشرقية –المزدكية والمانوية والزردشتية- ومع الأفكار الغربية الفلسفية والهلنستية ...
وقد حاولت أن أعي أفكار القرن الأول الهجري وما قبله والثلث الأول من القرن الثاني الهجري ورغم صعوبة ذلك لكثرة التيارات الفكرية وتداخلها من جهة، ولاتساع الساحة الإسلامية من جهةٍ أخرى إلا أنني خرجت من البحث بنتائج قد تكون صحيحة كل الصحة لا نزال نلمس آثارها إلى اليوم.
ففي عهد الرسول ﷺ تسلل أهل الكتاب بين مختلف القوى والفرقاء يكيدون ويخططون وبالاتفاق معها أو يسيرونها للوقوف في وجه الدعوة الإسلامية وفي وجه حكومة الإسلام النبوية –فكان تعاونهم مع القبائل العربية المختلفة وقريش ومع المنافقين- يحزبون الأحزاب، ويثيرون التناقضات داخل المجتمع الإسلامي الوليد بين الأوس والخزرج من الأنصار من جهة وبين الأنصار والمهاجرين من جهةٍ أخرى. ويضعون الخطط للقضاء على هذا المنافس الخطير في الحجاز في جزيرة العرب، بل وأدركوا خطر منافسته على النطاق العالمين فأخذوا يكيدونه على المستوى العالمي فتعاونوا مع دولة الفرس والروم والحبشة في عهد مبكر من عهود الدولة الإسلامية إدراكاً منهم بطبيعة المد الإسلامي وبأنه لا يعترف بفواصل أو حدود وأن محمداً ﷺ أُرسِل إلى الناس كافة ينتظم في دعوة العربي وغير العربي، وفي دولته المسلم وغير المسلم.
وفي عهد الخلفاء الراشدين ظهر أثر أهل الكتاب في حركة الردَّة التي كانت تعبيراً عن انتفاضة أهل الكتاب ليعيدوا الجزيرة إلى ما كانت عليه قبل الإسلام ليتسلموا زعامتها ويسيطروا على مقدرات سكانها –ولتبقى سوقاً ومسرحاً يمثلون عليه ما شاءوا! وميداناً لنِزاعهم السلمي بعد أن تحولت الأخطار الأخرى إلى مسرح لنِزاعهم الدامي!.
стр. 542
واستطاع الإسلام اكتساب الجماهير لملاءمته للنفس الإنسانية ونظرته العالمية فالتفت حوله ورضيت به حكماً عدلاً ومنظماً رشيداً فامتلأ أحبار ورهبان أهل الكتاب حقداً وحسداً فساروا بموازاته يحاولون النفاذ إليه بإعمال الثغرات خلاله بتستر وتقية ومداراة، ولجأوا من ثم إلى أسلوب الاغتيالات وتسلموا الأمر بأنفسهم حين لم يستطيعوا أن يجدوا أعواناً لهم من المسلمين فكانت مؤامرات كعب الأحبار ودوره الرهيب في حبك مؤامرة اغتيال الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ وقد استطاع بذكائه أن يتخلص من الأدوات التي استخدمها في جريمته بمقتل الهرمزان وأبي لؤلؤة وجفينة، فأُسدل الستار عن التحقيق في هذه الجريمة البشعة التي لو قُدِّر أن يُفتح فيها باب التحقيق لتجنبت الأمة الإسلامية كثيراً من الكوارث التي حدثت ولا تزال تحدث، ولأمكن الإنسانية أن تحيا في ظل الأمن والعدل والرفاهية في ظل الإسلام.
وبوعي الحاقدين من أهل الكتاب افتعلوا التناقضات فتظاهر بعضهم بالإسلام ومنهم ابن سبأ الذي أكمل دور كعب الأحبار فاستطاعوا أن يجمعوا حولهم بعض المسلمين في عهد عثمان بن عفان ﵁ واستغلوا فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الإسلامية)، فحرك ابن سبأ - ((بتوطئة كعب الأحبار وغيره من الأحبار والرهبان)) - المسلمين الحديثي العهد بالإسلام والمتسترين بالإسلام والأعراب الأجلاف الذين لم يدخل الإسلام قلوبهم بعد ولم يشربوا بروحه –ووقفوا وراءهم يمدّونهم بالتأويل والتفسير باسم العلم ويحركونهم حتى توسعت التناقضات بين الصحابة، وأثاروا المشاعر ضد عثمان في الأمصار الإسلامية: العراق في البصرة والكوفة ومصر والشام وحتى الحجاز، فتحركت هذه الأمصار في حركة هوجاء مضطربة دون وعيٍ من عناصرها بعمق المؤامرة ومحركيها. فأدى سيل الأحداث المتدفق الجارف إلى فتنةٍ فقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁ فكان ذلك صدعاً لا يلتئم في تاريخ الإسلام وأصبح قميص عثمان مثلاً دارجاً سائراً إلى اليوم، فانقسم المسلمون.
وأجاد الحاقدون من أهل الكتاب دورهم فتسللوا إلى مختلف الفئات الإسلامية يؤرثون العداوة والبغضاء بينها فأثارت عناصرهم السبئية القتال بين الصحابة فكانت وقعة الجمل ثم صفين والحكمين –فأدت تطورات- الأحداث التي أحسنوا حبك نسيجها إلى اغتيال الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ بأيدي الخوارج، وإلى ظهور فكرة الخوارج وفرقهم المتعددة التي غذوها بأفكارهم وقد عمقوا عندهم فكرة استعراض المسلمين وقتلهم فعاثوا في الأرض فساداً يقتلون النساء والأطفال والشيوخ ويبقرون بطون الحبالى من المسلمين فقط الأمر الذي أبعهدهم عن روح الإسلام وتسامحه وصفائه وصدقه –كما أدت- تطورات الأحداث هذه أيضاً إلى ظهور بذور فكرة الشيعة التي غذوها بأفكارهم بشكل واضحٍ وعميق عن طريق تظاهرهم بالإسلام وانضمامهم بالفعل إلى هذه الفرقة واستلام قيادتها الفكرية فوقفوا وراء حركات قادتها وأسهموا في قتلهم أو اغتيالهم ثم أجادوا التظاهر في البكاء والعويل عليهم إمعاناً منهم في صدع المسلمين، ومجتمعهم.
ومما زاد في تغذيتهم الفرق الإسلامية بالأفكار الهادمة للإسلام انتشار مدارسهم الفكرية في أصقاع العالم الإسلامي وتياراتها الفكرية المختلفة كمدرسة الإسكندرية ونصيبين وأنطاكية وحران وجنديسابور وهي مدارس شملها المد الإسلام وأحاطها بالرعاية فأثرت في أفكار المسلمين ومن ثم في حياتهم الثقافية والاجتماعية.
стр. 543
ولما عادت الجماعة الإسلامية إلى الالتئام بعد أن فوت الحسن الفرصة عليهم وولى معاوية الخلافة أدركوا حَزمَهُ وهابوه فعادوا إلى أسلوب الكيد الخفي وتفنَّنوا فيه دون أنا ينالوا من المجتمع الإسلامي نيلاً ذا بال فأخذوا يتصلون بالحسن والحسين وببعض المخلصين لآل البيت وحرضوهم على الثورة والخروج على الدولة، فأدَّى ذلك إلى مقتل حجر بن عدي، وتسللوا ببراعة إلى الحاشية فأوغروا صدر معاوية على المخلصين، فباعتبارهم متمرسين في شؤون السياسة العالمية وعالمين بخفاياها أخذوا يقصون الأقاصيص بدهاء عن الأمم الماضية في سمر معاوية متضمنةً هذه الأقاصيص مكائد الملوك وأساليبهم في التخلص من مخالفيهم، وقد برع منهم في ذلك وهب بن منبه وعبيد بن شربة الجرهمي وتبيع الحميري.
وبرعوا في التسلل إلى دواوين الدولة فنفذوا إلى الإدارة فكان سرجون الذي تسلم الكتابة لمعاوية ويزيد ومروان وعبدالملك.
وقد أجاد سرجون هذا حبك المؤامرات وأدخل في روع معاوية خروج الحسين وابن الزبير ولم يجد فرصةً في زمن معاوية لحزم معاوية ولكنه وجدها في شخصية يزيد بن معاوية التي لا ترقى إلى شخصية الحسين في نفوس المسلمين فحرك الحسين بكتابات سرية وأسهم في تولية ابن زياد المصرين العراقيين المضطربين بالأهواء والنحل والفتن، البصرة والكوفة، فكانت فتنة مقتل الحسين صدعاً آخر في تاريخ الإسلام ثم غزو المدينة ووقعة الحرة التي اشتركت فيها عناصر أهل الكتاب الشامية بالفعل.
وتحركت عناصر أهل الكتاب في قبيلة تغلب وكلب واستغلت وجود ما يُسمى بالعصبية القبلية في نفسية العربي فاستثارتها من مكامنها فخفت صوت الإيمان أو تهدّج في نفوس الكثيرين من المسلمين أمام ثورة العصبية الجامحة والتغني بأيام العرب فتحوَّلت الساحة الإسلامية الواسعة إلى مجال مصادمات قبلية عربية عنيفة ألهب الشعراء فيها النار بين المتنازعين واستثاروهم، وكان الشعراء من أهل الكتاب كالأخطل والأعشى والتغلبيين، المحرك لاستثارة حماس الشعراء الأعراب كجرير والفرزدق.
وكاد شمل المسلمين يلتئم على يد الخليفة عبدالله بن الزبير فهال عناصر الفتنة الأمر فتحركت وحركت تغلب وكلباً بزعامة حسان بن مالك بن بحدل وحريث –واتخذت بعض الأعوان كعبيد الله بن زياد- فبايعوا مروان بن الحكم خروجاً على إجماع الأمة لإحداث الشرخ وتعميق الصدق ومنعاً من الالتئام واستمرت في إثارة العصبية ووجدت هذا المجال متنفساً لها، وتحركت عناصر الخوارج تعيث فساداً في شرق الدولة الإسلامية.
وإمعاناً منهم في الاستمرار بعملية الهدم استمالوا الأشخاص ذوي الطموح كالمختار الثقفي الذي استثاروه وحقنوه بأنواعٍ من الأفكار لقّنوه إياها وتبنَّاها، وبشبهٍ ومخاريق أوهموه بصحتها، وهي بجملتها تتناسب ونفسية هذا الرجل الطامح المحب للزعامة المنتهز للفرص، فجعلوا منه وسيلةً للإفساد بين الشخصيات الإسلامية الكبيرة وتعميق الفجوة بينهم: عبدالله بن الزبير ومحمد بن الحنفية، وعبدالملك بن مروان.
стр. 544
وتحقيق هدفهم حين ظهرت فئة جديدة انشعبت من السبئية الغالية ادّعت الإسلام ظاهراً وباطنها الكفر الصُّراح تظاهرت بحب آل البيت ومنهم محمد بن الحنفية الذي استغلوا اسمه فسللوا فكرة المهدي في الفكر الإسلامي استمراراً للفكرة اليهودية ((السعي لإيجاد ملك من آل داود))، فكانت الشيعة والمختارية الحركة التي كانت أساس للحركات السرية الغالية الأخرى التي هدفت إلى القضاء على الإسلام كشريعةٍ وكنظامٍ للحياة وكعقيدة سهلة بسيطة تغزو النفوس فتتوجه إليها وترتاح إليها، فاستطاعت هذه الفرقة الغالية ومنها الهاشمية والجناحية إخراج الرسالة عن جوهرها وإخراج إنسان الرسالة عن إنسانيته وتطور الأمر إلى إخراج الأئمة عن إنسانيتهم وارتقوا بهم إلى مراكز الألوهية، بفعل دس أفكار الحلول والتناسخ.
وقد ألهبوا المشاعر بفكرة الثأر للحسين فتحرك أبو عمرة –كيسان- يقتل ويخرب ويهدم باسم الثأر للحسين.
واتسعت الحركات العصبية لتشمل بلاد المغرب فقام أهل الكتاب بدور الوسيط للتنسيق بين البربر والروم البيزنطيين ونظموا صفوف البربر فأصبحت المغرب ساحةً أخرى سفك فيها الدم المسلم.
وعملت عناصر أهل الكتاب في الشام على الإيقاع بين البيت الأموي نفسه فكانت فتنة عمرو بن سعيد الأشدق، وكان قتله محاولةً ضمن محاولات عبدالملك بن مروان للتخلص من نفوذ القبيلتين الكتابيتين تغلب وكلب.
وأدرك عبدالملك أثر تغلغل أهل الكتاب في دوائر الدولة وضمن الحاشية فتخلص من نفوذ سرجون وأسرته واستغنى عن خدمات أهل الكتاب بتعريب الدواوين تخلَّصاً منهم بعد أن أعادوا وحدة الدولة الإسلامية ولكنهم لم يعدموا الوسيلة للتسرب والتسلل إلى البلاط وإلى المجتمع فكان الأخطل صديقه.
واستغلوا نبوغهم في الطب فاستمروا في التسلل إلى البلاط الأموي والتقرب إلى ذوي المراكز العليا في الدولة كبشر والحجاج وعبدالعزيز بن مروان ونفذوا إلى المجتمع المسلم فاستمروا يوقعون الفتن والدسائس وتبنوا طريقة الاغتيالات بالسموم في المجال السلمي.
وفي المجال العسكري ساعدوا حركات الخوارج في المشرق وحركات البربر والبيزنطيين في الغرب، فكانوا أعوان الأزارقة والنجدات والأباضية كما كانوا أعوان كسيلة والكهانة ومسيرة في المغرب، وأسهموا في انشقاق الخوارج إلى فرق كثيرة إمعاناً في تفتيت الفئات الإسلامية وإضعافها، كما أسهموا في انشقاق الشيعة إلى فئات وفرق متنوعة منها السبئية والغرابية والكيسانية والكربية والحربية والهاشمية والجناحية وغيرها من الفرق وسللوا إلى هذه الفرق أفكارهم الهدامة لتصبح مع الزمن –وباستغلال العناصر التي أسلمت حديثاً والتي لا تتمكن من ناحية العربية- ضمن الفكر الإسلامي يباعد بين المسلمين ويوقع بينهم العداوة والبغضاء ويثير الشحناء، واستغلوا في ذلك تأويل النصوص الإسلامية.
ووجد عناصر أهل الكتاب رجلاً آخر كالمختار فيه الزهو والطموح والكبر وهو عبدالرحمن بن الأشعث، وكانوا قد أسهموا في إيجاد المدرسة القدرية والمدرسة المرجئية وبثّوا أفكارهم عن طريق هذه الفرق بين كثيرٍ من العناصر الإسلامية وخاصةً الحديثة العهد بالإسلام، فحركوا هذه العناصر للاشتراك في ثورة ابن الأشعث التي عمقت الهوَّة بين عرب الشام وعرب العراق، كما تمكنوا من إثارة الفتنة في جناحي الدولة الإسلامي الشرقي والغربي، فقاموا بالإفساد بين قتيبة بن مسلم الباهلي وجيشه في خراسان وانتهى الأمر بمقتل قتيبة، كما قاموا بالإفساد بين عبدالعزيز بن موسى بن نصير وجيشه في الأندلس عن طريق زوجه أرملة لوذريق وانتهى الأمر أيضاً بمقتل عبدالعزيز بن موسى بن نصير.
стр. 545
وعملت عناصر أهل الكتاب على تكوين بؤرة مقاومة ضد المد الإسلامي على حدود موطن قوته في بلاد الشام على حدود الروم في جبال اللكام فضموا إليهم كل خارجٍ عن قانون الدولة الإسلامية وكونوا من هؤلاء الخارجين شوكةً في حلق الدولةِ الإسلامية –تعاونوا مع الروم البيزنطيين الذين أمدُّوهم بجيش قويٍ من الروم والمرديين- فاختلطت العناصر النصرانية المختلفة في تلك الجبال وسموا الجراجمة أو المردة جمعهم الحقد على الإسلام والكره لدولته – وقد ورثت الطائفة المارونية تعصب أولئك ضد الإسلام وحقدهم عليه فاعتزت وافتخرت بمساعدتها لأعداء الإسلام على مختلف أدوار عصور التاريخ الإسلامي إلى اليوم.
واستطاعوا إشعال نار العصبية مرَّةً أخرى وبشكلٍ أعنف في أرجاء الدولة الإسلامية الواسعة وخاصةً في خراسان والأندلس كما قاموا بتحريك الروح الشعوبية لدى الفرس والبربر مستغلين التراث الفكري القديم للفرس وحضارتهم فكانت إرهاصات الشعوبية في هذا العهد.
كما استطاعوا استغلال حب المسلمين لآل البيت فتمكنوا من التسلل والنفوذ إلى داخل المجتمع المسلم وسللوا أفكارهم بذكاء وحجةٍ ومنطق وادّعاء علم وتمكنوا أخيراً من تسلم القيادة الفكرية التامة لفرق الشيعة المختلفة وبثوا فيها ما شاءوا من أوهام لتقويض الإسلام ودولتهم من الداخل وتمكنوا من الإفساد بين البيت الأموي بعد هشام بن عبدالملك ذلك البيت الذي وقف في وجه مؤامراتهم فعصفت به الفتنة التي أسفرت عن وثوب مروان الثاني للخلافة فوهنت سيوف أمية وتحركت القوى المضادة السريّة التي كونتها العناصر الفكرية المختلفة لأهل الكتاب أو أسهموا في تكوينها لتطيح بالإسلام ودولته فبرز البيت العباس يقود حركةً عباسيةً أصيلة مضادة ليحافظ على الإسلام وليستعيد هيبته وليعيده إلى مساره السليم، ففوت هذا البيت الفرصةَ على دعاة الهدم والتخريب وتحوَّل الصراع بين المسلمين إلى صراعٍ بين بيتين على الخلافة، فوجدت العناصر الحاقدة نفسها مرَّةً أخرى تدور في فراغٍ كان يمزقهم ويعصف بهم.
واستمرت قواهم الفكرية في السير والتسلل ليبرز أثرهم واضحاً بعد العهد العباسي الأول عندما أخذ الوهن يدب في ذلك البيت وعزل الخلفاء عن مناصبهم القيادية وأصبحوا ألعوبة بأيدي القادة والزعماء من الأتراك حتى قيل في أحدهم:
خليفة في قفصٍ بين وصيفٍ وبغا
يقول ما قالا له كما تقول الببغا
وعسى الله أن يمكنني في المستقبل من تتبّع أثر أهل الكتاب في العصور الإسلامية المختلفة والذي برز بشكلٍ واضحٍ بعد العصر العباسي الأول إلى اليوم.
وعلى أن يتمكن الباحثون من إماطة اللثام عن حقائق جديدة تكشف أثرهم وتوضيحه في بعض المواقف التي لا تزال غامضة أو مشكوكٌ فيها لدى الباحثين والدارسين، وعسى أن يدرك المسلمون أثر القوى المضادة الحاقدة وما أدخلته وسلّلته إلى الفكر الإسلامي من أوهام وترَّهات فينزعونه من أنفسهم ومن مبادئ دينهم لأنه دخيل مصطنعٌ لا يعتبر من الإسلام؛ لأن كمال الإسلام اتضح في عصر محمد ﷺ في قوله تعالى:
? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ? [المائدة:٣].
فيتجهون إلى الإسلام ببساطته وبمبادئه السمحة فيعودون خير أمةٍ أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ويطبقون مبادئه السمحة ونظامه الرائع لتجف الأرض من الدموع والحزن وتهدأ آثار البغضاء والشحناء فتنتشر السعادة في أفق الدنيا ويعيش الناس على مختلف أجناسهم وأديانهم في جو مزدهرٍ بالأمن والسلام ويغلق الباب على المنظمات السرية والإرهابية التي تسيرها الصهيونية العالمية والشبكات الجاسوسية التي تحكم العالم وتسيطر على مقدراته من وراء ستار.
والله أسأل أن يكون هذا العمل والأعمال القادمة إن شاء الله خالصاً لوجهه الكريم.
والله من وراء القصد فهو نعم المولى ونعم النصير.
стр. 546
البحر الأحمر والجزيرة العربية في الصراع العثماني البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى
المؤلف/ المشرف: عبداللطيف محمد الحميد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: البحر الأحمر
الخاتمة
لعل أربع سنواتٍ من الحرب والدمار الشامل الذي عم مساحاتٍ كبيرةٍ من العالم وأفنى جماعاتٍ كثيرةٍ من البشر يعتبر مأساةً عالمية حضارية، ولكن آثار هذه الحرب كانت أدهى وأمر على دولة الخلافة العثمانية، نظراً لقدرة الدول الأوروبية وخاصةً الحليفة منها على استعادة قوتها بعد أن كان النصر حليفها في نهاية الحرب ولقوتها الذاتية في عصر نموها الاستعماري.
وقد تحقق ما كانت تصبو إليه الدول الأوروبية في حل المسألة الشرقية ليس على مائدة المفاوضات التي فشلت محاولاتها السابقة، وإنما بطريقة تقسيم الغنيمة بعد اقتناصها بالسلاح الأوربي المشترك، ذلك السلاح الذي تعددت وسائله السياسية والعسكرية أثناء الحرب العالمية الأولى، سواءً في قدرة السياسة البريطانية لإقناع الشريف حسن بالثورة وإشعال فتيل القومية لخدمة أهدافه الذاتية وأهداف من تبعه، أو باستعمال القوة في ميادين القتال الذي بلغ مداه بانتزاع القدس الشريف من عالم التوحيد الإسلامي إلى عالم التثليث الصليبي.
ولم تكن نوايا العالم النصراني الأوربي لتقسيم الدولة العثمانية حقداً منها على العناصر التي تضم هذه الدولة فحسب وإنما كانت رغبةً لتحطيم الوحدةِ الإسلاميةِ المتمثلةِ في هذه العناصر ... ذلك العداء الذي ورثته هذه الدول منذ عصر الفتوحات العثمانية الذي كان الجهاد الإسلامي عماده الأول.
وكانت خبرة الدول الأوربية قد بلغت مداها في صراعها الطويل مع المسلمين إذ أن سلاح المواجهة ضد الوحدة الإسلامية لم يؤتِ ثماره، وعرفت أن النجاح يكمن في إيجاد عناصر مناوئةٍ داخل الدولة العثمانية ... فكان اختيار العنصر العربي الذي يمثل مادة الإسلام الأولى دلالة كبيرةً على عمق المخططات الاستعمارية ضد الوحدة الإسلامية أثناء الحرب العالمية الأولى، ذلك بعد أن فرغت من إحداث مقدمات النزاع داخل الصف الإسلام بتبنيها تشجيع الحركة الطورانية من قبل داخل العنصر التركي في الدولة العثمانية.
كانت الدولة العثمانية تعيش في هذه الفترة عهد الشيخوخة، وهي صفة حرص الاستعمار على إلصاقها بتلك الدولة، ووصفها بالرجل المريض لزيادة الوهن في أوصالها، أباحت فترة الحرب العالمية الأولى لبعض العناصر العربية كي تقاوم الدولة العثمانية بتشجيعٍ مسمومٍ من بريطانيا، وكان الأجدر بهذه العناصر أن تعمل على الحفاظ على بيضة الإسلام والوحدة الإسلامية، وعلى الرغم من الأحداث التي نجمت عن ثورة الاتحاد والترقي على السلطان عبدالحميد من اضطرابٍ في السياسة العثمانية، إلا أن هذا لن يكون مبرراً يسوغ وقوف بعض العناصر الإسلامية في صف الحلفاء لخدمة أهدافهم، وحتى أولئك القادة العثمانيين الذين جرّوا الدولة إلى الدخول في الحرب قد نالوا من سوء النهاية بما يوحي أنه عقاب من الله فقد قتل بعد الحرب أنور باشا وجمال باشا وطلعت باشا وسعيد حليم باشا، واضمحلت بعد ذلك مملكة الشريف حسين، وانتهت إمارة الإدريسي.
وإن الأحداث التي تجري في المنطقة بعد حوالي السبعين سنة من نهاية تلك الحرب، تَدُلُّك على أن هذه السنوات كانت حُبلى بالتمزق والوهن في صفوف المسلمين والقوة والسيطرة في صفوف أعدائها.
стр. 547
وجديرٌ بالذِّكر أن ما سُمِّى بالثورة العربية الكبرى أو الحركة العربية آنذاك، إنما هو تعبير مبالغٌ فيه، إذ لم تضم الثورة التي أشعلها الشريف حسين العرب قاطبةً أو حتى غالبيتهم، وإنما قامت بها بعض الرؤوس المدبرة للثورة وأعضاء بعض الجمعيات السرية كجمعية العربية الفتاة والعهد، ومن انضم من النصارى أو العرب الآخرين بدافع الارتزاق، وبإغراء المال الإنجليزي المدفوع للشريف حسين، ويدفعني إلى القول بعدم دقة تعبير الثورة العربية أو ثورة العرب أو النهضة العربية، أن كثيراً من القيادات العربية القائمة آنذاك لم تقتنع بجدوى طعن الدولة في فترة الحرب، بل إن البعض ساعد وشارك الدولة في صراعها ضد بريطانيا استجابةً لنداء الجهاد رغم تحالف الدولة مع قوةٍ نصرانية كبرى هي ألمانيا.
كما أعتقد أن هناك خطأٌ آخر في الإشارة بكلمات الترك والأتراك وتركيا، تعبيراً عن الدولة العثمانية آنذاك، مما هو موجودٌ في غالبية الكتب العربية تقليداً لما تكتبه المصادر والمراجع الأجنبية، وتشجيعاً من الكُتاب العرب النصارى الذين تصدّوا للكتابة عن القومية العربية أمثال جورج أنطونيوس وأضرابه، وأجد أن عبارة العثمانيين أدق من الناحية التاريخية والواقعية، فإن هذه العبارة ضلت متداولة تاريخياً إلى إعلان جمهورية تركيا الحديثة في ١٩٢٤م، وواقعياً باحتواء الدولة آنذاك على عناصر كثيرة لا يمثل العنصر التركي إلى جزءاً منها.
ومن خلال سير الرسالة وجدنا أن الدولة العثمانية وحليفتها ألمانيا قد وقفتا موقف الهجوم ضد بريطانيا في المنطقة في بداية الحرب، ووجدت بريطانيا نفسها في موقف الدفاع في مصر وعدن، وإن أمسكت بزمام الموقف في البحر الأحمر لتفوق أسطولها البحري، ثم ظهر التوازن بين القوتين حينما خسر العثمانيون أمام قناة السويس، ونجحوا في الاستيلاء على لحج القريبة من عدن ثم تحول الموقف في المرحلة الثانية في السنتين الأخيرتين من الحرب لصالح بريطانيا نتيجة لدور السياسة البريطانية التي عالجت موقفها الحربي في المنطقة على عدة محاور سياسية وعسكرية، وثبت أن التفوق السياسي رجح كفة الصراع في المنطقة لصالح بريطانيا بعد أن انتزعت الشريف حسين من جسد الدولة وساندت الإدريسي، وزادت من قبضتها في مصر والسودان وعدن، وفي المقابل كانت سياسة الدولة العثمانية تفتقر إلى عناصر التفوق السياسي الذي مارسته السياسة البريطانية بمساندة الأسطول، وقسمت البحر الأحمر على قطاعين: شمالي تحت إشراف السلطات البريطانية في مصر، وجنوبي تحت إشراف المقيم في عدن، إلى أن رأت في السنة الأخيرة من الحرب توحيد عمليات البحر الأحمر وجعلها في السلطات في مصر لتنسيق قيام العمليات العسكرية في جبهات القتال.
وإن أهم نتائج هذا الصراع خروج الدولة العثمانية من الجزيرة العربية والبحر الأحمر نهائياً بعد قرون عديدة تأرجحت فيها السيادة العثمانية في هذه المناطق بين القوة والضعف، تبعاً لقوة الدولة وضعفها، أما بريطانيا فقد مكنت لنفسها في مصر والسودان وعدن والبحر الأحمر عامةً، وأفسحت المجال أكثر من أي وقتٍ مضى لإيجاد بذور النِّزاعات المحليّة بين قوى المنطقة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وأصحابه أجمعين.
стр. 548
السياسة الصهيونية تجاه مدينة القدس
المؤلف/ المشرف: عدنان أبو عامر
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: البيان – السعودية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: فلسطين - تاريخ وقضية
خاتمة:
جاءت فصول الدراسة لاستعراض المواقف الإسرائيلية حول القدس، ونفي المطالب الفلسطينية فيها، من خلال تطرقها إلى عدد من المحاور، والمجالات ذات الصلة، وإيراد إحصائيات ديموغرافية ومؤشرات خطيرة من داخل المدينة، والتأثيرات الأمنية المتوقعة على سكانها، إلى جانب الحديث عن خطورة البعد القانوني لمستقبل القدس، والاستعانة بعدد من الملاحق والإحصائيات والجداول الهامة.
وقد انطلقت الدراسة – كما مر معنا – من محاولة تشريح الإجراءات الإسرائيلية القمعية ضد مقدسيي المدينة من العرب الفلسطينيين، لاسيما رغبة الاحتلال الجامحة لإعادة التوازن الديموغرافي بين اليهود والعرب في المدينة، على أن يكون هذا التوازن لصالح السكان اليهود، من خلال ما يوصف في إسرائيل بـ: (اقتلاع) التجمعات السكانية العربية من داخل حدود المدينة.
علماً بأن الدراسة أوردت أن الهدف النهائي من تلك الإجراءات الإسرائيلية وسياسة التهويد التي تتبعها سلطات الاحتلال يتمثل بدفع عشرات الآلاف من سكان المدينة الفلسطينيين للانتقال والإقامة خارج المدينة.
وترجح الدراسة أن إسرائيل كدولة، مازالت تجد صعوبة حقيقية في منع الهجرة الفلسطينية من داخل حدود المدينة؛ ولذلك فهي تلجأ إلى عدة خطوات ميدانية من أهمها فرض الضرائب الباهظة على عرب شرقي القدس، والتي تجري جبايتها بواسطة سلسلة من الأوامر القضائية الإسرائيلية.
كما استعرضت الدراسة معدل المواليد المرتفع في أوساط العرب المقدسيين، بصورة قد تتساوى تقريباً مع معدل المواليد اليهود، وهو ما يؤثر سلباً على الصورة بين الأوساط اليهودية.
كما ألقت الدراسة الضوء على العشرات من القرارات التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، والعديد من اللجان الوزارية لشؤون القدس، وطواقم من الخبراء، ولجان مهنية متخصصة لدراسة وضع المدينة، وأوصت جميعها بوضع العديد من الخطط المختلفة والمطالب العديدة لوقف ما أسمته بـ: (النزيف) اليهودي الحاصل في تزايد معدلات الهجرة اليهودية، والحفاظ على أكبر نسبة ممكنة من سكانها اليهود للبقاء فيها.
وجزء هام من هذه التوصيات التي قدمت للحكومات واللجان الوزارية تتلخص في ضخ المزيد من الأموال؛ لتثبيت العائلات اليهودية التي تشكو من ارتفاع باهظ في إيجارات السكن، ومحاولة توفير أكبر قدر ممكن من الأرباح المالية لسكان المدينة من اليهود، لكن عدداً قليلاً منها وجد طريقه للتنفيذ على أرض الواقع، والجزء الأعظم بقي حبراً على ورق حتى كتابة هذه السطور!
الدراسة أوردت عدداً من المؤشرات الاقتصادية التي تشير إلى أنه رغم الفوارق الواضحة والكبيرة بين المرافق التحتية للمدينة في كلا قسميها (اليهودي والعربي)، فإن هناك العديد من القواسم المشتركة بينهما: في المياه والكهرباء والهاتف والخدمات الصحية وغيرها.
الدراسة وصلت أخيراً إلى خلاصة مؤداها: أن الصراع على المدينة المقدسة سيبقى سيد الموقف خلال السنوات القليلة القادمة، وأن سلطات الاحتلال لن ترضى بأقل من تهجير الفلسطينيين كلياً عنها، وهو ما يلقي بمزيد من المسؤوليات والمهام على الفلسطينيين والعرب والمسلمين.
стр. 549
المؤامرة الكبرى على بلاد الشام
المؤلف/ المشرف: محمد فاروق الخالدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الراوي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: بلاد الشام
الخاتمة
الحمد لله الذي له الفضل والمنَّة، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، محمد بن عبدالله سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته إلى يوم الدين وبعد ..
فقد توصلنا من خلال البحث إلى نتائج عديدة جديرة في التبصر والاعتبار، والدراسة والتفكير، كان من أبرزها:
• أن الحركات القومية كانت وراء تمزيق الإمبراطورية العثمانية وإسقاط السلطان العثماني وإلغاء الخلافة.
وكان اليهود والنصارى وراء تلك الجمعيات القومية ...
• حرك يهود الدونمة ومنظمات الماسون جمعية الاتحاد والترقي بقياداتها المشبوهة، من رعاع الحاقدين على الإسلام وأهله، فتبنت نزعة طورانية جاهلية، اعتمدت على تتريك العرب والعناصر الأخرى، ومن ثم كان الظلم والخراب والدمار لبلاد الشام تحت حكم الاتحاديين وجمال باشا السفَّاح طوال سنوات الحرب.
• وحرك الإنجليز الجمعيات العربية، وخدعوا الشريف حسين بن علي ليقوموا بثوراتهم ضد الدولة العثمانية، مدفوعين بمكر الإنجليز وحقد الفرنسيين، مستخدمين أموالهم وسلاحهم، فمزقوا الجيوش العثمانية على طول صحراء العرب الشاسعة، وأعانوا الحلفاء على احتلال بيت المقدس، ودمشق وحلب وبيروت وبغداد، فكانت الكارثة وتقسيم البلاد.
• وقد تبنى نصارى الشام الحركة القومية كمرحلةٍ لمحاربة الجامعة العثمانية، ثم تبنت فرنسا عملاءها من نصارى الشام، ودعاة المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس للتوصل إلى مطامعها في الديار الشامية ...
• ورغم معاونة الجيش العربي لبريطانيا وفرنسا في محاربة الجيش العثماني، فقد ظهرت الأحقاد الصليبية صارخةً، عند مشارف القدس، وأمام قبر صلاح الدين، على لسان قادتهم الغزاة.
• كما اتضحت أخلاق الغزاة على حقيقتها غدراً وحقداً ولؤماً، فكانت المفاجآت الأليمة من خلال، اتفاقية سايكس-بيكو، ثم وعد بلفور، وإعلان وثيقة الانتداب الغادرة.
وكان التلون المريب مع الحسين وقادة الحركة العربية ... والتعاون الوثيق مع قادة الحركة الصهيونية ... بمطامعهم وخبثهم وأحقادهم ...
• واتضحت أبعاد المؤامرة جليّةً، خلال مسرحيةٍ مشبوهةٍ، قادها كمال أتاتورك للإجهاز على دولة الخلافة، وإقصاء الشريعة الإسلامية، بدعم الحلفاء ومباركتهم، لتصبح تركيا دولةً علمانيةً تعيش على هامش الأمم، وقد فقد مقومات عزتها ومجدها ألا وهو الإسلام.
• وظهرت نتائج المأساة الأليمة، عندما قسمت بلاد الشام إلى أربع دول كل دولةٍ كرسوا في حكمها قيادات علمانية أو طائفية، ما تزال تسوم سكانها سوء العذاب، أما فلسطين فقد هيأها الإنجليز لتكون لقمةً سائغةً ليهود وعصابات صهيون.
• أما حليفهم الحسين، فقد تركوه ليحكم الحجاز فقط بعد الآمال العريضة، والوعود المعسولة، ثم عزلوه ونفوه إلى جزيرة قبرص يقاسي آلام الغربة والندم والحرمان ...
• حيث والى أعداء الله وأقواماً قد غضب الله عليهم، يشاركه في ذلك القيادات السياسية والقومية عند العرب والترك معاً، متناسين قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ... ? [المائدة:٥١].
• أما المتآمرون من قادة الترك الاتحاديين، فقد تركوا البلاد يلتهمها الحلفاء، هاربين بأنفسهم، فقتل طلعت باشا الصدر الأعظم، وأنور وزير الدفاع، وجمال السفاح حاكم بلاد الشام (أيام الحرب العالمية الأولى)، قُتِلوا غيلةً في مجال ....... ومدن ألمانيا .. وقد سجَّلوا عليهم لعنة التاريخ والمسلمين الصادقين ...
• وها هي آثار أضخم مؤامرة (مرَّت على ديار المسلمين منذ مطلع هذا القرن) لا تزال الأمة تعاني من ويلاتها وشرورها حتى اليوم.
• ولعل أمتنا المنكوبة تثوب إلى رشدها، وتعي تاريخها وتعتبر من تجاربها، وتبني حاضرها ومستقبلها على ضوء ماضيها، متمسّكةً بقرآنها وسنّة نبيها وسيرة سلفها الصالح.
وأخيراً لا يسعنا إلا الدعاء بأن يرد الله المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً، اللهم ألهمنا الرشد والصواب، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والحمد لله رب العالمين،،،
стр. 550
المغرب وبريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر (١٨٥٦ - ١٨٨٦)
المؤلف/ المشرف: خالد بن الصغير
المحقق/ المترجم: بدون منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية - الرباط ̈بدون
سنة الطبع: ١٩٩٧م
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: مغرب عربي
الخاتمة
كان رفض المخزن في مرحلة أولى تجديد بنود معاهدة ١٨٥٦م على انفراد مع بريطانيا، ورفضه الثاني لإبرام معاهدة جديدة مع الدول الأوربية الثلاث، إيذاناً بالفشل الذريع الذي منيت به السياسة التي نهجتها بريطانيا على يد نائبها دراموند هاي في المغرب مدة ناهزت نصف قرن، وكانت خيبة أمل دراموند هاي كبيرة، إذ كانت تحدُوه رغبة أكيدة في إنهاء مهامه في المغرب بتوقيع معاهدة تجارية جديدة لفائدة بلاده، وأشارت الصحف الصادرة في طنجة إلى أن " ( ... ) المحبة التي كانت بين الدولة الشريفة دولة الإنجليز تبدلت حيث لم يبق في خدمة الجناب الشريف المهندس سيلبة وقائد الطبجية بطنجة، وأبدل الرئيس الإنجليزي الذي كان بالبابور برايس من البلجيك ( ... ) " (١). ومن جهة أخرى، فإن المخزن رفض استغلال معدن بلاد الأنجرة على يد القبطان الإنجليزي وارن ( warren) ، كما ظلت أمور وقضايا عديدة دون فصال لصالح الرعايا البريطانيين في المغرب.
وحاول الحاجب موسى بن أحمد طمأنة دراموند هاي بأن " ( ... ) المحبة بين الدولتين ( ... ) راسخة صافية متتابعة متوالية ( ... ) " (٢). وحين علم المولى الحسن بقرار أصدرته وزارة الخارجية البريطانية بتقاعد دراموند هاي عن الخدمة لكبر سنه، وجه رسالة في الموضوع إلى الملكة فكتوريا، أثنى فيها الثناء الكبير على النائب البريطاني فقال:
( ... ) إن منيسطروكم العاقل الكبلير جان هي درامنض هي صاحب النيشانات المخصوصة الزاهية والمراتب الفاخرة الباهية ( ... ) كملت مدة خدمته بإيالتنا السعيدة معنا ومع أسلافنا المقدسين هذه مدة من السنين، أرحتموه إراحة اعتزاز وحليتموه بحلي الاعتناء والامتياز ( ... ).
أما ما أبداه منيسطروكم المذكور في مدة خدمته بإيالتنا من جميل المصارفة في الأمور وحسن السيرة والسعي المشكور، فكله من محبتكم عنوان ودليل وبرهان ( ... ). نعم المنيسطر المشار إليه من كمال ذكائه وفطانته وحسن سيرته ووساطته، بالغ في مدة خدمته في المحافظة على عهود محبة الجانبين وصيانتها من التبديل والتغيير، ولم يأل جهداً في السعي لها في النماء والتثمير، فازدادت تأكيداً رسوخاً وتجديداً. لَمِثله من يتوسط بين الأحباء، جُزِيَ خيراً على ذلك وبقي كما يحب ويشاء ( ... ) (٣).
стр. 551
وتقاعد دراموند هاي عن الخدمة سنة ١٨٨٦م، فدخلت العلاقات الثنائية بين المغرب وبريطانيا في مرحلة جديدة اتسمت بمظاهر التوتر، خاصةً بعد دخول ألمانيا حلبة الصراع على المغرب، فقام النائب البريطاني الجديد كربي كرين ( Kirby Green) بممارسة ضغوط قوية على المخزن بين سنتي ١٨٨٦ و ١٨٩١م لانتزاع موافقته على مد خط تلغرافي وتجديد المعاهدة التجارية التي رفضت أيام دراموند هاي، ودخلت علاقات المغرب مع بريطانيا في مرحلة الأزمة، حين قام النائب البريطاني إيوان سميث ( Euan Smith) بتعيين نائب قنصلي بريطاني في فاس دون موافقة من المخزن، كما مزق نسخة المعاهدة التجارية أمام أنظار السلطان مولاي الحسن الذي أمر نائبه الطريس بالاحتجاج على ذلك بالكتابة إلى اللورد سالزبوري (١)، وبالرغم من تعويض إيوان سميث بنائب جديد وما صاحبه من انفراج نسبي بين الطرفين، فإن معالم التلاشي والقطيعة بين البلدين بدأت تتضح، بينما بدأت تبدو في الأفق بوادر التقارب الفرنسي -البريطاني.
وكانت وفاة فكتوريا في يناير ١٩٠١م، وتولية إدوارد السابع ( Edouard VII) ١٩٠١-١٩١٠ م الذي كان شديد الإعجاب بفرنسا، سبباً في تقرب بريطانيا من فرنسا للحفاظ على مكتسباتها الاستعمارية وتعزيزها في مواجهة محتملة ضد ألمانيا.
وانتهى التقارب الفرنسي - البريطاني إلى الاتفاق الودي الذي أُبرم في ٨ إبريل ١٩٠٤م.
وبموجب المادة الثانية والسابعة منه، تركت بريطانيا لفرنسا صلاحية التصرف في المغرب. وأثبتت بريطانيا بذلك تخليها نهائياً عن مؤازرتها للمغرب، مخالفةً بذلك تقليداً طبع العلاقات المغربية - البريطانية خلال سنواتٍ طويلةٍ من تاريخها المشترك.
وقد حاولنا في هذا الكتاب تتبع مختلف المراحل التي مرت بها العلاقات المغربية - البريطانية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومن ثم جاءت فكرة تقسيمه إلى خمسة فصول ذات اهتمامات ومواضيع مشتركة، وكانت الغاية من تخصيص فصل تمهيدي لتطوير العلاقات التاريخية بين البلدين، هي إعطاء فكرة عامة عن الظروف التي كون فيها الطرفان رصيداً تاريخياً مشتركاً بينهما؛ ذلك الرصيد الذي كان له أثره على تمتين العلاقات الثنائية بينهما، خلال القرن التاسع عشر وحتى سنة ١٩٠٤م.
ونظراً للأهمية التي احتلتها معاهدة ١٨٥٦م بين البلدين، أفردنا لها فصلاً خاصاً لتوضيح الظروف العامة التي أحاطت بإبرامها؛ تلك المعادة التي قلبت أوضاع المغرب رأساً على عقب وعلى جميع المستويات، وقبل الحديث عن التأثير الذي أحدثته تلك المعاهدة على المجتمع المغربي وعلى الحياة الاقتصادية لسكانه، لم نجد بُداً من تخصيص الفصل الثاني للحديث عن الموقف الذي اتخذته بريطانيا من الأطماع الإسبانية في شمال المغرب، واتضح في هذا الفصل مدى الاهتمام الذي أولته بريطانيا بكل ما يحول دون استقرار إسبانيا في إحدى الجهات الشمالية للمغرب. وكان المخزن يعتقد عن حسن نية أن بريطانيا أصبحت صديقاً حقيقياً له وساهراً على مصالحه الحيوية، في حين كانت بريطانيا لا تسعى إلا لحماية مصالحة المتوسطية والسعي في الوقت نفسه إلى تعزيز نفوذها عند المخزن.
стр. 552
وبعد نهاية الحرب المغربية - الإسبانية، شهدت الحركة التجارية نوعاً من الانتعاش، وبدأت مرحلة التطبيق الكامل لبنود معاهدة ١٨٥٦م التجارية، وقد خصصنا فصلاً كاملاً للمبادلات التجارية بين المغرب وبريطانيا لمعرفة مدى أهمية التجارة في الاهتمامات البريطانية في المغرب، وتبينت الهيمنة الكاملة لبريطانيا على تلك التجارة، وأبرزنا، على قدر الإمكان، النتائج التي ترتبت على معاهدة ١٨٥٦م والتي كان لها أثر على مختلف فئات المجتمع المغربي.
وكان اهتمامنا بالتجارة بين المغرب وبريطانيا من الأسباب التي دفعتنا إلى تخصيص الفصل الرابع من هذا الكتاب لقضايا المغاربة اليهود ومسألة الحماة القنصلية، وذلك نظراً لارتباط ظاهرة الحمايات بوضعية اليهود وبأحوال التجارة المغربية بصفةٍ عامة. واتضح أن بريطانيا ساهمت إلى حدٍ بعيد في إحداث تغييرات جذرية في وضعية المغاربة اليهود، إذ نصبت نفسها مدافعةً عن حقوقهم، دون أن تتنبه للخلل الذي يمكن أن يترتب عن ذلك التدخل حتى لليهود أنفسهم.
أما الفصل الخامس، فخصصناه للحديث عن السياسة الإصلاحية للمخزن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فحاولنا التعرض فيه لكل المجالات التي دعته بريطانيا إلى إصلاحها، فاتضح أن تلك الإصلاحات المزعومة لم تكن مسخرةً سوى لمصلحة الأجانب، وأوردنا أمثلةً كثيرةً على ذلك، وكنا نود تخصيص فصلٍ سادسٍ للوجود البريطاني في جنوب المغرب، غير أن الوثائق المتوفرة لدينا في هذا الموضوع كثيرة جداً، فأجَّلنا الخوض فيها إلى مناسبةٍ لاحقة.
واتضح في الفصل الختامي، بعد فشل بريطانيا في تجديد معاهدة ١٨٥٦م أن نهاية مدة خدمة جون دراموند هاي في المغرب سنة ١٨٨٦م حملت في طياتها بوادر انهيار نفوذ بريطانيا في المغرب، غير أن هذه النفوذ ما لبث أن عاد بقوة بعد وفاة السلطان المولى الحسن وتولية المولى عبد العزيز، وسيكون هذا موضوعاً لدراسةٍ أخرى، نحن بصدد إنجازها، تغطي المدة الزمنية الممتدة من سنة ١٨٨٦م -التي ينتهي فيها هذا الكتاب- وسنة ١٩١٢م التي دخل فيها المغرب تحت نفوذ الحماية الفرنسية ومعلومٌ أن بريطانيا لم تتخلى عن مراقبة تطورات الأوضاع في المغرب، واختارت تقديم السند الكامل للسلطات الاستعمارية الفرنسية ومؤازرتها في إطار الوفاق الثنائي الذي طبَّع العلاقات الفرنسية - البريطانية، تحسباً لمواجهة ألمانيا التي بدأت تهدد التوازن الأوروبي بقوة.
стр. 553
النخب السعودية - دراسة في التحولات والإخفاقات
المؤلف/ المشرف: محمد بن صيتان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ٢٠٠٤م
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: المملكة العربية السعودية
خاتمة:
حاولت في بحثي قدر الممكن دراسة النخب السعودية واعتبرتها المدخل الأصوب لفهم تحولات المجتمع السعودي وما لحقه من تغيرات، ولم أنظر إلى النخب من الداخل فحسب، حتى لا تتحول إلى جسم غريب معزول عن مجتمعه، بل على عكس ذلك سلمت منذ البداية أن (نخب) المجتمع السعودي في طياتها الكثير من سمات مجتمعها، ولم تفلح المكانة الاجتماعية التي يحتلها أعضاء تلك النخب والثقافة التي يحملون في قطعهم عن المجتمع أو عزلهم عنه لثقل المواريث الاجتماعية التي عددتها في كتابي: السعودية السياسي والأيديولوجيا، يضاف إلى ذلك ما طرأ على المجتمع السعودي من تحولات، خصوصاً ابتداء مع (عصر النفط) الذي غير العديد من ملامح المجتمع السعودي دون أن يعيد صياغة عمقه على نحو آخر، أدى إلى تداخل الأمور وتشوه البنى. فمع (المدنية) و (الحداثة) ما زالت النزعات الإقليمية والثنائيات القديمة، خصوصاً ثنائية بدو وحضر، وحسب ونسب، وقبيلة ومدينة، تحدد سلوك الناس. وكان الأمر يهون لو لم تتسرب هذه التصرفات إلى النخب التي لم تكتف بالانسياق إليها، بل هي معنية في إذكائها وتبريرها، خصوصاً وهي تملك الزاد العلمي والمكانة الاجتماعية، وذلك ما يجعلها ذات (إقناع ونفوذ).
لقد اخترت (النخبة) مقولة تفسيرية لاعتقادي الراسخ بأن المجتمع السعودي لخصوصياته العديدة: ثقل مواريثه و (صدمة النفط)، لم يشهد فرزاً طبقياً حقيقياً لغياب الصراع الطبقي أو وعيه، ولا أيضاً شهد حركات اجتماعية كالحركة العمالية أو الشبابية أو النسائية، وذلك ما منعني من استعمال مفاهيم أخرى كالطبقة أو الحركة الاجتماعية مثلاً، أو غيرها من المفاهيم التي لا تنطبق علمياً على ما يعيشه المجتمع السعودي.
لكن هذه الاعتراضات العلمية التي أعتقدها وجيهة، صرفت النظر عن استعمال بعض تلك المقولات التفسيرية وتشبثت بالنخب، وقد أشرت في معرض بحثي أنني لا أنظر إليها باعتبارها الفئة الأفضل سلوكاً أو الأكفأ والأجدر، بل باعتبارها التي تمكنت لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية من تحصيل زاد علمي ومعرفي مهم، أو تمرس بيروقراطي في أعلى مراتب الوظيفة الحكومية، مكنها عادة مع اعتبار بعض الظروف الأخرى التي عددتها من تسلق السلم الاجتماعي وتبوؤ مكانة عليا في الحراك الاجتماعي الصاعد، خصوصاً الذي يتأتى بواسطة الانضمام إلى النخب.
إن (النهضة) التعليمية التي شهدتها المملكة العربية السعودية والتي مولتها (السيولة النفطية) – وربما كانت نتيجة لها – فتحت المجال لتشكل نخباً (حديثة) لم يسبق للمجتمع السعودي أن عرفها. وقد اصطفت هذه النخب جنباً إلى جنب مع نخبه التقليدية، وخصوصاً النخبة المشايخية، فالأفواج العديدة التي ابتعثتها المملكة إلى الخارج لمواصلة التعليم العالي – وربما أكثر من أي دولة عربية أخرى – لم تضخ دماء جديدة في المجتمع السعودي على رغم وجودها في جميع القطاعات والمجالات. وذلك ما دفعني إلى محاولة معرفة الأسباب التي عزوتها في النهاية إلى وطأة المواريث الاجتماعية التي تميز الجزيرة العربية، وما فعله النفط من تشويه وتزييف اجتاح حتى ضمائر الناس وقيمهم.
فالنخب السعودية ظلت مرتهنة إلى حد ما إلى مواريثها، مما جعلها تحمل العديد من خصائصه وسماته. ولم يستطع التعليم على أهميته تغيير (العقليات) التي ظلت أيضاً مشدودة إلى تلك الثنائية التي تحكمت، لا في تاريخ الجزيرة العربية فحسب، بل في تاريخ العرب قاطبة. إنها ثنائية: بدو/ حضر، كما ذكرت في أكثر من مناسبة.
стр. 554
فالنخب في المجتمع السعودي، كما أوردتها في كامل البحث، كانت في نشأتها وتكوينها، شديدة الخصوصية في مزجها بين عمق التراث وحداثة الحاضر دون أن تقع تحت تأثير ميراث ثقافي استعماري، كما حدث في أقطار عربية أخرى. لقد استطاعت هذه النخب أن تجمع ما يعده البعض (نقيضين) في ضرب من التوظيف المتبادل، فهي قد وظفت العلم والمعرفة والإدارة مثلاً، لتشد أزر العائلة والإقليم، وربما مثل ذلك أحد مصادر قوتها وفاعليتها.
هذه الخصوصية التي بدت لي جلية هي التي دفعتني إلى التعامل اليقظ مع التراث النظري المتراكم في تعريف النخب ومصادر قوتها، كما جاء في القسم الأول من البحث، مما ألزمني بدوره بعدم إغفال الحراك الاجتماعي الذي شهده المجتمع السعودي. فالخصوصية لا تنبع من مواريث الماضي فقط، بل أيضاً من انعطافات الحاضر القريب، وبالتحديد منذ قيام الدولة السعودية الحديثة التي ترافق قيامها مع الاكتشافات المبكرة للنفط، مما أخضع المجتمع السعودي في الآن نفسه، كما بينت في كامل هذا البحث.
إن الدارس المتأني للنخب السعودية ليقف على حضور المواريث فيها، وخصوصاً تلك المتعلقة بالقيم والرموز والمعايير. إن المتمعن في بنية هذا الجنين وتركيبته، أو ما سيطرأ عليه من تغييرات – على رغم بطئها ومحدوديتها – سيستفيق على حجم الموروث العائلي و (الإقليمي) الذي يسم تلك النخب.
لذلك كان لزاماً علي خضوعاً لمتقضيات المنهج وبحثاً عن سببية مفسرة أن أفرد لمواريث المجتمع السعودي المتعددة قسماً نقف فيه على هذه المواريث في تفاصيلها الدقيقة، وهي التي لا تزال حية توجه سلوك الأفراد والجماعات، ومن بينها سلوك النخب.
وهذا ما ناقشته في كتابي الثاني: السعودية السياسي والأيديولوجية، فالدين الإسلامي والعروبة إلى جانب البداوة والقبيلة الضاربة في عمق التاريخ الاجتماعي للجزيرة العربية قد حددت بصفة حاسمة أداء النخب، كما ساهمت في صياغة مواقفها ورؤاها. فالضمير الجمعي على النحو الذي حدده عالم الاجتماعي الفرنسي إميل دوركايم محكوم بهذا الثالوث: عروبة، إسلام، بداوة أو قبيلة (على اعتبار أن البداوة والقبيلة يكونان في اعتقادي مركباً واحداً منسجماً)، وهو الثالوث ذاته الذي ظل يضغط على النخب على رغم أنها تفوق المجتمع قدرة على التعاطي معه ضمن رهاناتها واستراجياتها الخاصة خضوعاً لوطأة التحولات العميقة التي ما زالت تهز المجتمع السعودي برمته.
إن هذا الارتهان إلى الموروث ذي الأبعاد الثلاثة المذكورة سلفاً لا يعني بأية حال أن النخب السعودية هي تطور من داخل الجسم التقليدي للمجتمع السعودي فحسب، فأنا لطالما أكدت خلال كامل فصول البحث على السمة الحديثة لهذه النخب باعتبارها، كما بينت ذلك، ولدت من (رحم) التحولات الحديثة التي مازال يشهدها المجتمع السعودي، فهي حداثية النشأة والمولد لكونها مدينة في تلك النشأة بالذات النشأة بالذات إلى قيام الدولة السعودية الحديثة التي غذاها في ما بعد النفط والتعليم.
فالثروة النفطية التي أعقبت مباشرة قيام الدولة السعودية الحديثة ستفتح لعصر جديد ستتغير معه ملامح المجتمع السعودي وكامل الجزيرة العربية على نحو سيفتح المجال للحديث عن التشوه العميق الذي لن يطول البنى الاجتماعية لهذا المجتمع فحسب، بل أيضاً رموزه وقيمه ومواقفه وراؤه.
فالنفط هو الذي حول إلى حد بعيد الصحراء التي ظلت لحقب طويلة صامتة خرساء، إلى فضاء صخب وحركة وضجيج إلى حد الضوضاء على نحو عنيف، بمقتضاه يتهيكل المجتمع السعودي وفق بنى جديدة لم يألفها من قبل.
стр. 555
فالتشكيلة الاجتماعية السعودية التي على خارطتها تتوزع النخب، وتتحرك عمودياً وأفقياً، أسهم النفط بلا ريب في صياغتها، وأكسبها طابعاً هلامياً ألقى بظلاله على كامل الفضاءات الاجتماعية وما حوته من ممارسات اجتماعية أو سياسية، وكذلك أنماط وعي وأفكار ورؤى. ولم تنجح النخب السعودية بالتخلص من هذا الأثر لكونها عاجزة، كما بينت، عن تحصين نفسها من هذه الاختراقات الخطيرة التي لم يتصد لها ولم يلطفها إلا التعليم.
فقد استطاعت النهضة التعليمية الكبرى التي جندت لها الدولة السعودية الفتية منذ بداياتها الأولى كافة مواردها وإمكانياتها التي تدعمت بعد اكتشاف النفط من خلال مختلف الإجراءات والسياسات، كالابتعاث إلى الخارج، وتركيز بنية أساسية كبرى لخدمة الغرض ذاته، أن تحور في المشهد التقليدي للمجتمع السعودي.
فالتعليم، كما شهده المجتمع السعودي، وخصوصاً في العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي، ساهم مساهمة فعالة في ميلاد النخب السعودية وتجددها. ولعل ذلك ما يجعلها مدينة له أيضاً، فتعميم التعليم، وما رافقه من حوافز وتشجيعات، استطاع خلال عقود من الزمن أن يفرز هذه النخب، وبالملامح التي حددتها أثناء البحث، التي بدورها غذت الجهاز السياسي والإداري للدولة السعودية الناشئة، مما جعل سياسة السعودة أمراً ممكن الإنجاز بداية من التسعينيات في العديد من القطاعات الاقتصادية والإدارية على رغم بعض النواقص والملابسات.
لقد استطاع التعليم الذي إليه ترتهن النخب السعودية، كما بينت سلفاً إلى حد بعيد، أن يحدث تعديلاً ما على البنى التقليدية للمجتمع دون أن يفلح في تجاوزها تجاوزاً كلياً على نحو يقوضها، ولكنه وبالمقابل أيضاً خضع بدوره لضغوطاتها، فلقد فازت بعض المناطق والأقاليم بالحظوظ الأوفر منه سواء من خلال سياسات الابتعاث، كما بينا خلال الجداول العديدة أو في حصص التوظيف، خصوصا في المناصب العليا المسندة إلى أصحاب المستويات التعليمية العليا في الجهاز الإداري الحكومي (البيروقراطية). لقد تمكن التعليم – بذاته – وبما أشاعه استناداً إلى بقية الروافد الأخرى، كالصحافة المكتوبة ومختلف بقية الوسائل المسموعة والمرئية للإعلام، أن يغير بعض الشيء من الذهنية الجماعية أولاً وقبل كل شيء.
غير أن العقد الأخير من القرن الماضي حمل بعض المؤشرات السلبية، فالتطور الكمي المهم لنسب التمدرس، رافقه على العكس من ذلك عجز بدأ يخفق في توظيف مخرجات التعليم، وذلك ما لم يكن أحد يتصوره في مجتمع ظل إلى حد قريب ولا يزال مورداً لليد العاملة. إن هذه الأزمة التي بدأت تعتري مخرجات التعليم قد ضيقت الممكنات التي كان التعليم يحتفظ بها لنفسه في مجال الحراك الاجتماعي الصاعد خصوصاً، والذي بدأ يفتر في السنوات العشر الماضية تحت وطأة الفاتورة الباهظة لحرب الخليج وتراجع مشاهد الوفرة والرفاه إلى حد كبير. وذلك ما دفع أفواجاً كبيرة من السباب المتعلم إلى أن تبدي قلقها، وتملكها اليأس النهائي من أن يكون التعليم المسلك المناسب سواء للانتساب للنخب أو لتسلق مواقع النفوذ السياسي، أو حتى الحصول على الوظيفة المناسبة على وجه العموم، مما أسهم أيضاً في دفع النخب إلى الانغلاق والثبات.
стр. 556
إن هذا الاعتناء الدقيق بمناخ النخب السعودية وخلفيتها السياسية والاجتماعية ما كان ليثني عزمي عن البحث المدقق في مكوناتها وتركيبها، فالنخبة ذاتها لو اقتربت منها لوجدتها تنقسم بدورها إلى نخب فرعية صغرى تنتظم على شكل عنقودي تلتف بموجبه حول كيان الدولة من خلال أجهزتها السياسية والبيروقراطية الشمدودة، كما بينت في موضوع الخلفيات الاجتماعية والحضارية الموروثة والضاغطة. وكان همي في هذا البحث أن أدرس النخب السياسية والإدارية والثقافية أكثر من النخبة الاقتصادية، لكون الاقتصاد، كحقل وممارسة ٠ في المجتمع السعودي بالذات – في علاقة تبعية كبرى مع المجال السياسي ولا يستطيع أن يكون فضاء مستقلاً أو منافساً. لقد التزمت بالواقعية العلمية حينما أكدت أن السياسة كانت أكثر حضوراً في تشكيل النخب وتوجيه فعلها، على رغم التقاطعات العديدة الحاصلة مع دنيا المال وخفاياه التي قد تكون أحياناً أشد بأساً وتوجيهاً.
فالنفط، عصب الحياة الاقتصادية للمجتمع السعودي ومغذي شرايينه، يظل في نهاية الأمر ملكاً تابعاً للحكومة. إن الريع النفطي ظلت تتحكم فيه (الدولة) وتوزعه على النحو الذي تشاء على رغم التغييرات الحاصلة على الاقتصادي السعودي في السنوات الأخيرة. لكل هذه الأسباب قصدت دراسة تلك النخب الفرعية، واعتبرتها الطريقة الأصوب في الإلمام بالنخب السعودية ككل، فدرست تباعاً النخبة الوزارية والنخبة الاستشارية والنخبة المشايخية والنخبة البيروقراطية والنخبة المثقفة (الانتليجنسيا). ولعل استهلالي بالنخبة الوزارية لم يكن اعتباطاً، بل كان نتيجة لما تحتله هذه النخبة من قيمة رمزية عليا (وجاهة، نفوذ، هيبة) في المجتمع السعودي، أو بموجب ذلك فهي تتربع على عرش كامل النخب الأخرى المتبقية، وتتحكم في تحديد مسارها. غير أنه، وعلى خلاف بقية النخب الفرعية الأخرى والنخبة الوزارية في جل البلدان العربية، تتجه هذه النخب إلى الانغلاق. فهي نخب قليلة الدوران، اتضحت انغلاقيتها جلية حين المقارنة بغيرها من الدول العربية المختارة للمقارنة (الأردن، مصر)، وهذه الانغلاقية تكاد تكون ثابتة قلما تنفتح لتنتدب أعضاء جدداً، وتظل في ذلك على قدرتها محكومة بعدة محددات لا شكلية، حيث تلعب العلاقات القرابية الأسرية، إلى جانب قيم الولاء الشخصي وقيم نفعية أخرى، الدور الحاسم في تعيين الوزراء ذاتهم، وهي أكثر النخب السعودية وفاة للموروث السلبي للمجتمع السعودي في رواسبه الأكثر تحجراً: الإقليمية، والمناطقية، والعائلية، والفئوية. فالعدد الأكبر من الوزراء يتحدرون من المثلث النجدي والمثلث الحجازي. هذا إلى جانب تدني الأداء المتسم بالفردية والزبونية الذي يعمل في ظل غياب قواعد مؤسساتية تعلقن التعيين وتنمي روح السمؤولية والمحاسبة.
стр. 557
هذا المشهد يتكرر إلى حد بعيد مع النخبة الاستشارية، لكون هذه الأخيرة تعودت أن تكون رحماً يتشكل داخله أجنة النخبة الأولى (الوزارية). فالنخبة الشورية تروض وتعرض لعدة اختبارات، حيث تربي الأعضاء مؤقتاً لتدريبهم على تحمل مسؤولية الوزارة في ما بعد، فكأن مجلس الشورى يمرن بعض أعضائه على وظائف وزارة قادمة. هذه الوضعية الانتقالية الضمنية لأعضاء مجلس الشورى عقمها الوضع الآخر الذي لا يقل أهمية، المتأتي من الصيغة التعيينية والاستشارية للمجلس برمته، فهو مجلس لا يمثل المجتمع السعودي بالمعنى الذي تحمله التمثيلية في النظم البرلمانية والديمقراطية الحديثة، على رغم ما يتميز به الأعضاء من تخصص علمي عال مكنهم من الإلمام بثقافات متعددة، وسمة شبابية، مما يجعلهم نظرياً مهيئين للعب دور تمثيلي مهم، وخصوصاً أن بعض دول الخليج التي تنتظم مع المملكة في مجلس التعاون العربي الخليجي بدأت في اقتحام تجارب تمثيلية جريئة على غير ما اعتادت عليه المملكة، وستذكي جذوة المطالبة السياسية التي ظلت إلى حد الآن إما مترددة أو خافتة.
أما في ما عدا النخبة السياسية بالذات، فإن النخبة المشايخية تلعب دوراً وسيطاً ومزدوجاً في الآن نفسه. إنه دور الانتقال من السياسي إلى الثقافي، والذي بمقتضاه تنتقل أيضاً من الخاصة إلى العامة. فهذه النخبة تستحوذ على رأسمال ثقافي ذي بعد رمزي في ظل مجتمع سعودي كنت حددت خصائصه، حيث ما زالت الثقافة التقليدية ذات المنبع الديني تلعب دوراً كبيراً في تشكيل رؤى الناس وتحديد سلوكياتهم وتصرفاتهم، وهي التي تعقد البيعة للملك باعتبارها من أهم مكونات أهل الحل والعقد، وهي التي يوكل إليها أيضاً تعليم الناس دينهم والقيام بمهمة الفتوى وتوضيح الحلال والحرام لمجتمع كافة أفراده مسلمون. وبهذا الدور بالذات تتصدى لما تعتقده آفة تهدد أصالة المجتمع السعودي وثوابته، ألا وهي الثقافة العصرية، التي من منظورها هي علمانية بالضرورة. لهذا نفهم عداءها الشديد للنخبة المثقفة (الإنتليجنسيا) وهي التي وقفت عند تحليلها مطولاً، وخصوصاً أنها قد تربت في محاضن المؤسسات التعليمية العصرية، فنشأت نشأة (حداثية) تعاظمت من خلال التثاقف الحادث تحت مفعول اكتشاف ثقافات جديدة عند الابتعاث إلى الخارج.
لقد استطاعت النخبة المشايخية من خلال الجهاز الإداري والسياسي، وما تمتلكه من تنظيم تراتبي دقيق، وتغلغل مناطقي محكم، وقبول عفوي عن العامة، أن تضيق الخناق على المثقف السعودي بالذات، وخصوصاً أنها هي التي تمرست على المناورات السياسية المبكرة التي نجحت بإبعاد القبائل أو تهميشها حين أشعلت نار الفتنة بين القوة العسكرية والقيادة السياسية (موقعة السبلة)، فأبدعت استراتيجيات ورهانات خاصة بها تحذق بموجبها التفاوض والتنازل والتحالف، وذلك ما أكسبها خطاباً مؤثراً وفعلاً نافذاً.
هذا، في حين ظل المثقف السعودي قليل التأثير لمعوقات موضوعية كنت قد عددتها (هشاشة النخبة المثقفة، غياب مشروع متكامل، افتقاد الصلة بهموم الناس الحقيقية ... الخ)، وأخرى ذاتية تتعلق بالانتهازية والمصلحية الفئوية، وذلك ما يعطل أداءها، خصوصاً وأنها هي الواقعة تحت إغراء المراتب العليا من الفئة البيروقراطية التي تظل نموذجاً لها يوقد طموحها، ويغذي أحلامها وأوهامها أحياناً. فالنخبة البيروقراطية المعشعشة في مفاصل الجهاز البيروقراطي الحكومي (والخاص)، على رغم الصيت السيئ الذي به تنعت في المجتمع السعودي، تظل مارداً إليه تتطلع قطاعات كبرى من المثقفين السعوديين الذين لم يعودوا يؤمنون بأي رسالة، سوى رسالة تسلق السلم الطويل، والمهيمن أحياناً، للبيروقراطية التي عرقلت التنمية، وغذت النزعات الإقليمية والمناطقية والعائلية والفئوية، واستأثرت بسقط وافر مما تعده غنيمة.
إن هذا المشهد السياسي والاجتماعي الذي فيه تتجاوز النخب السعودية، طوراً في ضرب من التنافس أحياناً إلى حد التطاحن، وطوراً آخر في ضرب من المهادنة إلى حد التحالف، لم يغفلنا عن رصد (نخب أخرى) هي نخب مضادة تعمل في صمت وخفية، وتعارض النخب التي تظل وفق منظورها نخباً رسمية تعبر عن نظام اجتماعي لا ترتضيه. هذه النخبة المعارضة تؤكد أن المنظور المثالي للمجتمع السعودي يجافي الحقيقة ويعاديها، إذ إن هناك تعبيرات عديدة رافضة، وعلى رغم كمونها وعدم ظهورها، فقد استطاعت أن تحدد وجهة المسار الذي كان على النخبة المفرزة أن تحذوه في الانعطافات الحديثة للتجربة السعودية، ولربما سيكون المستقبل السياسي والاجتماعي للمجتمع رهيناً بالإصغاء النشط لذلك الصوت الناشز والصامت في الآن نفسه.
لقد أدت في هذه الخاتمة إعادة صياغة الأفكار الكبرى التي تضمنها هذا البحث، ولكن حرصي على التأليف بينها يضعني أمام رهانات أخرى تفتح آفاقاً أرحب للبحث.
стр. 558
ضحايا بريئة للحرب العالمية على الإرهاب
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالله السلومي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مجلة البيان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: الإرهاب
هكذا يتضح حجم التحولات الكبيرة التي يعيش العالم بدايتها بعد ١١/ ٩/٢٠٠١م والتي يراد فيها تقليص دور الشعوب والأمم والمجتمعات ومنظماتهم وحقوقهم في الحرية والكرامة والتعبير وذلك على أيدي بعض الزمر المتعصبة من رجال السياسة والدين والاقتصاد وتجار الحروب في أمريكا الجديدة وبوسائل متنوعة ودعاوى أو مزاعم متعددة معلنة وغير معلنة وكثير من تلك المزاعم والذرائع لا يمثل الحقيقة التي يراد لها أن تكون غائبة.
ورد في الإنجيل (يجب أن تعرف الحقيقة والحقيقة هي التي ستحررك) هذه حكمة إنجيل ((يوحنا)) مكتوبة في مدخل وكالة المخابرات الأمريكية في لانجلي / فرجينيا على أبواب واشنطن. ومن العدل قول الحقيقة عن حقيقة هذه القضية ولعلنا نلخص هنا من الحقيقة كنتائج كما فصلنا في ثنايا الدراسة:
أولا: أن القضية الكبرى في وقتنا الحاضر هي (الأمن العالمي) الذي هو مسؤولية الجميع حيث يمكن أكبر مصدر محتمل لعدم الاستقرار في كوكبنا اليوم فقدان الأمل واليأس اللذين يجلبهما الفقر إلى العديد من الأمم ومحاولة صرف العالم عن قضاياه الرئيسية والحقيقة يعتبر من مقوضات الأمن العالمي ... حتى أن الرئيس الفرنسي ((شيراك)) دعا إلى تشكيل تحالف دولي لمكافحة الفقر على غرار التحالف الدولي السابق لمكافحة الإرهاب في مؤتمر مونتيري وقال: ((إن ما هو ممكن ضد الإرهاب يمكن أن يكون ممكنا ضد الفقر ... !!)) وقد دعا البنك الدولي إلى ما يجب فعله قائلا: ((إن تحسين الاستقرار في الدول الخارجية من النزاعات وفي الدول الفقيرة التي تعاني من اليأس والإحباط مهم الآن بقدر ما كان قبل (٦٠) سنة عندما كان العالم يجاهد لكي يستعيد السلام ويجدد حياة الملايين من البشر فوجود مساندة أقوى عالميا لمكافحة الفقر هو الاستثمار الأفضل الذي يمكن أن يجعل العالم أكثر سلاما وأكثر أمنا لمستقبل أطفالنا)) ويقول: ((فالاستثمار في التنمية هو شيء خال من الأخطار ويجعل أمريكا والعالم أكثر أمنا ويزيد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي العالمي ويقلل من الإحباط الذي يمكن أن يقود إلى العنف)).
ويؤكد رئيس البنك الدولي على أن الحاجة إلى المنظمات غير الحكومية ومنها الإنسانية والإغاثية أصبحت تتأكد أكثر من قبل!! قائلا: ((خلال العقود الثلاثة المقبلة سينضم أكثر من ملياري نسمة إلى سكان الكوكب ٩٧% منهم سيكونون في الأمم الأشد فقرا وسيولد الكثيرون لينشؤوا في الفقر وينظروا إلى العالم على أنه جائر وظالم وينشأ عدم الاستقرار غالبا في الأماكن التي يرى فيها السكان الشباب – المتزايدون بشكل سريع – أن الأمل هو: تهكم أكثر من كونه وعدا بحياة مستقرة .. ).
فهل يعي العالم ماذا تعني مصادرة أو تهميش أو إقفال أو تجميد الأعمال التنموية المساهمة في الوقاية والعلاج والتي تقوم بها مؤسسات القطاع الخيري الإسلامي كغيرها من المؤسسات العالمية الإغاثية؟
ثانيا: أن الأعمال الأمريكية غير القانونية تحت مسمى (الحرب على الإرهاب) وباسم إحلال الأمن أصبحت مقوضا من مقوضاته وقد أصبحت تلك الأعمال وقودا للحرب وغذاء للعنف ومبررا لبقاء واستمرار ظواهر الإرهاب من الأفراد والجماعات بل إن الإرهاب من الأفراد والجماعات له الاستمرار حسب هذه الرؤية لأن الواقع السياسي والهيمنة العسكرية الأمريكية والإرهاب الحكومي الدولي بنظرية الصراع الحضاري وصراع الأديان.
стр. 559
إن نظرة سريعة على تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في أبريل (٢٠٠٤م) عن الهجمات ((الإرهابية)) من جهة النظر الأمريكية الرسمية تعطي دلالة واضحة على أن ضحايا الإرهاب رقم لا يذكر مقابل ضحايا المدنيين للحروب التي شنتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان على سبيل المثال لا الحصر فالتقرير المذكور الذي يرصد الهجمات وضحايا الإرهاب في عام ٢٠٠٣م يشير إلى وقوع (١٩٠) هجمة تصنفها كما أن القتلى من تلك الهجمات كانوا فقط (٣٠٧) من الأشخاص عام ٢٠٠٣م مقابل (٧٢٥) شخصا قتلوا عام ٢٠٠٢م وتعلق مجلة ((المجتمع)) الكويتية على هذه النقطة في التقرير قائلة: ولو وقعت المقارنة بين ضحايا الإرهاب الدولي كما جاء في تقرير الخارجية الأمريكية والضحايا الأبرياء المدنيين الذين قتلوا في الاعتداءات الأمريكية على العراق وأفغانستان لا تضح أن الإرهاب ليس تحديا أو مشكلة تهدد الأمن الدولي بقدر ما هي عارض تحاول الإدارة الأمريكية عولمته لتحقيق أطماع خاصة بها.
الكاتب الفرنسي (إيمانويل تود) – الذي توقع في وقت مبكر بانهيار الاتحاد السوفيتي وحطم كتابه (ما بعد الإمبراطورية – الأمريكية) الأرقام القياسية في المبيعات – يقول: ((الأرجح أن أمريكا لن تقتل تقليص آلهتها العسكرية ووقف نشطاتها الجيو – إستراتيجية فهي باتت متعددة على العالم اقتصاديا وهذا يتطلب حدا أدنى من الفوضى العالمية لتبرير وجودها السياسي العسكري في العالم القديم)) وتتساءل صحيفة ((الوسط السياسي)) قائلة: هل تفكيك الأمم المتحدة جزء ضروري من هذه الفوضى الضرورية لأمريكا؟
ثالثا: إن ما يعتبره البعض (الجهاد الأمريكي) العسكري والسياسي والاقتصادي هو الذي زرع الكراهية بل الحقد على أمريكا وذلك على مستوى معظم الدول والمؤسسات والشعوب حتى أصبحت معالجة تلك الآثار أمرا شاقا وقد يكون مستحيلا لأن تلك الكراهية صنعتها المبادئ الأمريكية الجديدة (الحرب الاستباقية) و (حرب الإرهاب) ولم تفعلها المؤسسات الخيرية الإسلامية أو المناهج الدينية الإسلامية – حسب المزاعم الأمريكية – التي قد تم إلصاق التهم بها وبأنها تنشر الكراهية ليكون تجميدها أو استبدالها أو إلغاؤها!! ولقد تحطمت طموحات العلماء والمفكرين من الشعب الأمريكي وغيرهم في أنحاء العالم في مطلع هذا القرن الجديد عن استقرار أفضل للعالم وحريات أوسع بل عن الحوار الحضاري والتواصل الثقافي والسياسي مع العالم الإسلامي وغيره نتيجة الحروب الاستباقية الأمريكية
стр. 560
رابعا: لقد أصبح معظم الشعب الأمريكي ضحية أخرى من ضحايا (الحرب على الإرهاب) حينما أفاق بعد صدمة الحادي عشر من سبتمبر ليجد أن الحدث كان نوعا من الانقلاب على الدستور الأمريكي ثم الدساتير العالمية حيث أن قوانين الحريات المدنية قد قلصت على حسابه وأن الديمقراطيات قد تم اختزالها في النمط السياسي الروتيني بين حزبين وأن المظاهرات والاعتراضات وصوت الرأي العام أصبح أقوى في الانتحاب منه في الانتخاب وخلال ذلك قامت الحرب الأمريكية في أفغانستان ثم العراق لتشكيل نزيفا اقتصاديا مستمرا بعشرات المليارات من الدولارات وعلى حساب رفاهية أو حقوق الشعب الأمريكي ومع هذا فإننا نعتقد أن الشعب الأمريكي يعتبر الإحصائيات الرسمية فقط التي أصدرها البنتاغون نهاية شهر فبراير عام ٢٠٠٥م مؤشرا على أنه وموارده المالية ورفاهيته وجيوشه وعائلاتهم ضحايا أخرى لتلك الحرب الجديدة فالإحصائيات تقول: (١٥٠٠) عسكري أمريكي قتيل (١١) ألف جريح منذ بداية الحرب على العراق وفوق هذا ليس هناك مهزوم أو منتصر داخل نفق مجهول النتائج لا سيما (أن الخيار العسكري أصبح يحقق عزلة أكبر للولايات المتحدة عن العالم) حسب تعبير الرئيس بوش في ٤/ ٣ /٢٠٠٥م
لقد عبر الكاتب أندروجي باشيفيتش عن نتائج حرب الإرهاب والحروب الاستباقية الأمريكية حينما قال في صحيفة ((لوس أنجل تايمز)): لم يعد هدف إدارة بوش اليوم تحقيق النصر ولكن همها الأكبر هو تخليص نفسها من مسؤولية شن حرب لا تستطيع وضع نهاية لها والجدل الذي يدور في دوائر الأمن القومي يتركز على كيفية تخليص أنفسنا قبل أن تتعرض قواتنا لأضرار لا يمكن إصلاحها .. فهل أصبح الجيش الأمريكي والشعب الأمريكي من الضحايا وفق هذا الواقع.
خامسا: إننا نعتقد أن مؤسسات العمل التطوعي الإسلامية خير مساهم في ضبط الأفراد وتجاوزاتهم وأمريكا تعلم ذلك حق العلم. فالمؤسسات خير مساهم في ترشيد إنفاق المال وفق قنواته المشروعة والواضحة كما أنها تؤصل حقوق البشرية في الأمن والسلامة (أرواحهم وأموالهم) في عالم تضطرب أقطابه كالبحار في مضارب الأعاصير – بما لديها من مبادئ وقيم إسلامية – وتعمل على حماية المجتمع من خلال دوافع الثواب والعقاب وتؤصل لإعطاء كل ذي حق حقه يإيجاد الضمائر الواعية والقلوب الرحيمة وسلبيات وأخطاء المؤسسات الخيرية الإسلامية ليست المعلنة بالآلة الإعلامية الدعائية الأمريكية حسب نتائج البحث والحملات عليها بسبب أنها منافس ديني (أيدولوجي) لحضارة الغرب ولاسيما في ميادين نشر الإسلام والقيم والمبادئ والأخلاقيات والثقافة الإسلامية.
стр. 561
إن قضية المنظمات غير الحكومية ومنها المؤسسات الخيرية العالمية بشكل عام تتعرض للتسييس وإضعاف استقلاليتها وفرض بعض الأندات الحكومية عليها كما أن المؤسسات الخيرية الإسلامية بشكل أخص تتعرض لنوع من الاضطهاد والحرب بدعوى دعمها للإرهاب ولكن البحث العلمي يؤكد أن هناك منظمات ومؤسسات أمريكية غير حكومية تستفيد من المناخ الرأسمالي والضرائب والتبرعات الأمريكية وتقوم بدعم حركات التمرد والإرهاب وإشعال الثورات في أنحاء متفرقة من العالم وقد تأكدت أكثر بحق المنظمات الأمريكية غير الحكومية العاملة تحت ستار دعم الديمقراطية أحيانا في دول جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا ولاسيما في أوكرانيا وقرقيزستان وجورجيا وكازاخستان حسب الكاتب بوكالة الاسوشيتد برس (ستيف قوترمان) وهذا كنموذج ومثال فقط وكما هو واقع المنظمات الأمريكية اليهودية وغير اليهودية في دعم إسرائيل ومنظماتها الإرهابية التي تقوم بشتى صنوف الإرهاب على الشعب الفلسطيني وذلك كما ورد في الفصل السادس من هذا الكتاب. وهذا الواقع المؤلم كله يتطلب لجنة أو لجان دولية مستقلة تستقصى من خلالها جميع وسائل التحريات والتحقيق للوصول إلى الحقيقة عن المنظمات الإسلامية وغير الإسلامية وقد تكون الأمم المتحدة المرشح الأول بحكم استقلاليتها المطلوبة ومرجعيتها ومسؤوليتها عن هذا النوع من العمل وقد يكون غيرها والمهم هو الإخلاص والمصداقية في فتح هذا الملف دوليا دون احتكاره لدولة واحدة وذلك لإغلاق أبواب الدعاوى والمزاعم والإثبات أو النفي بحق الجميع.
سادسا: إن كل هذه الضجة التي تثار على المؤسسات الخيرية الإسلامية عالميا والسعودية بشكل أخص انطلقت بحمى التعميم الأعمى ولا تستند إلا إلى واقعة واحدة وهي أن فرعين من إحدى هذه المؤسسات أغلقا بإجراء سياسي أمني على أنهم قد أقدموا على تصرف غير مرغوب فيه.
إن نتائج هذا البحث قد اتضحت في الفصول السابقة بشكل عام وفي الفصل الرابع والخامس بشكل خاص وتأكدت في الفصل الثالث حيث المرافعة العلمية لتقرير الكونجرس الذي خلا من ذكر أدلة أو وقائع محددة بالاتهام واتضحت النتائج بشكل أكثر في الفصل السابع حيث الدوافع والأهداف ومن خلال أقوال شخصيات غربية وأمريكية ليكتشف الباحث عن الحقيقة بإخلاص حقيقة تلك المزاعم. إن العقلاء في الحكومة ومن يمثل الشعب الأمريكي في مؤسساته عليهم أن يدركوا عواقب التعميم والمكارثية الجديدة وأن لا ينساقوا وراء اليمين والمتطرف واللوبي الصهيوني الذي يجر العالم إلى صراع الأديان والحضارات فإن التعميم توسيع للدوائر وبالتالي إشعال للفتيل ولعب بالنار مما سيؤدي إلى عواقب وخيمة وإلى هذا أشار جيرولد بوست الأستاذ بجامعة جورج واشنطن مؤتمر مدريد الدولي لمكافحة الإرهاب قائلا: (عندما تتخلى الدولة عن المبادئ الأخلاقية تتضاعف احتمالات الإرهاب).
سابعا: إن هذه الدراسة وبقدر ما يظهر أنها دفاع عن المؤسسات الخيرية الإسلامية وبقدر ما ظهر من النتائج وأنها إدانة لتلك الدعاوى وتعرية لمركز القوى اليمينية المتطرفة في أمريكا التي تجر الشعب الأمريكي والعالم إلى صراع الحضارات – بقدر ذلك كله وبرغم أهميته – إلا أن هدفها الحقيقي والأسمى بعد نتائج البحث هو إطلاق صيحات تحذير قوية لما قد تنتهي إليه الأمور إن استمرت تلك السياسات الحمقاء فالبشرية مهددة في ازدهارها ونموها وأمنها بل في بقائها واستمراريتها إننا نتمنى أن نسمع الخوف على مستقبل البشرية وتعمل على إبقاء حرية التنافس والمنافسة والحيلولة دون الصراعات والحروب.
وأخيرا وأنا أرى الضحايا البريئة في الحرب على الإرهاب تزداد يوما بعد يوم وتتنوع بشكل يدعو للدهشة مخلفة المزيد من الفقر والجهل والمرض والموت والدمار بل إن هذه الحرب بدوافعها وأهدافها ووسائلها ونتائجها المرعبة قد تجاوزت كل الأعراف والقيم والحقوق الإنسانية بحق الشعب الأمريكي وشعوب ودول العالم وأنا أرى ذلك كله شعرت بدافع يدفعني إلى تأمل كلمة للرئيس الأمريكي بوش الابن وردت في خطابه للشعب عشية الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م (نحن منارة الحرية الأسطع ضوءا والأعظم إشعاعا) وكيف يكون ذلك والواقع لا يصدق ذلك وقد وجدت أن كلام الله أصدق وأبلغ من أي كلام والمؤمنون في كل مكان يؤمنون بكلام الله حيث قال جل من قائل في القرآن الكريم: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) [الصف: ٨].
(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض) [الرعد: ١٧]. فنور الحقيقة لن تطفئه القوة مهما بلغت لأن الحق أكبر من القوة بل هو القوة الحقيقية.
стр. 562
علاقة سلطنة لحج ببريطانيا
المؤلف/ المشرف: دلال بنت مخلد الحربي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: علاقات عربية وإسلامية ودولية
الخاتمة
حاولنا جهدنا تتبع تطور العلاقات اللحجية – البريطانية وتحليل مادتها التاريخية في الفترة من ١٣٣٧هـ/١٩١٨م إلى عام ١٣٧٨هـ/١٩٥٩م في إطار المنهج التاريخي والمنهج التحليلي، وقد اعتمدنا بصفةٍ أساسية على الدمج بينهما.
وأوضحنا كيف أقامت بريطانيا علاقة مباشرة مع سلطة لحج منذ أن سيطرت على مينائها (عدن) في عام ١٢٥٤هـ/١٨٣٩م، وما اتسمت به هذه العلاقة من تفرد الأمر الذي أضفى على لحج أهميةً سياسيةٍ عدا أهميتها الاقتصادية، وجعلها تتبوأ مكاناً رفيعاً على مستوى المحمية بأكملها، واستمرت هذه العلاقة تنمو باضطراد جيد إلى أن تبنت سلطنة لحج قضية مقاومة الاستعمار البريطاني في الجنوب العربي، لتكون هي ذاتها وراء زعزعة الاستقرار البريطاني في عدن، ولتدق مسماراً في نعشه مثلما كانت في يومٍ ما وراء استقراره واستمراريته.
ولعل أهم النتائج المستخلصة من هذه الدراسة (من وجهة نظرنا) تكمن فيما يأتي:
أولاً: فيما يتعلق بسلطنة لحج:
١ - أثبت البحث أن سلطنة العبادل (سلطنة لحج بعد ذلك) تعد من أقدم الكيانات السياسية التي تأسست في جنوب شبه الجزيرة العربية بانفصالها عن حكم الأئمة الزيود في اليمن منذ أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، وحافظت على استقلالها بتدعيم كيانها على أسس داخلية وخارجية، تمثلت الأسس الداخلية في تحويلها من مشيخة إلى سلطنة، وجعل الحكم وراثياً في أسرة مؤسسها فضل بن علي العبدلي، وانتخابي بإشراك القبائل البارزة وذوي النفوذ الديني مثل قبيلتي العزيبة والسلامي ومنصب الوهط في الهيئة الانتخابية التقليدية من أجل استقطابهم وكسب دعمهم المعنوي المؤثر على بقية قبائل السلطنة، أما الأسس الخارجية فتمثلت في إقامة علاقة حسن جوار مع القبائل القاطنة حولها عن طريق التبادل الاقتصادي والتجاري أو عن طريق المصاهرة (خاصةً مع قبائل يافع).
٢ - كشف البحث عن عمق التجربة السياسية الخارجية لدى سلاطين العبادل رغم محدوديتها، ورغم موقع بلادهم وظروفها، إلا أنهم تفهموا بالحس السياسي كيفية التعامل مع القوى الأوروبية والغسلامية المتصارعة على منطقتهم (ميناء عدن)، بدءاً بالسلطان أحمد عبدالكريم وانتهاءً بالسلطان علي بن أحمد الذي رفض الانصياع لدعوة العثمانيين في التوجه إليهم خلال الحرب العالمية الأولى، وإن كان قد فقد حياته وبلاده لتخاذل البريطانيين عن نصرته ومساعدته.
٣ - أثبت البحث أن سلطنة لحج ظلت حجر الزاوية في السياسة البريطانية في المحمية منذ أن بدأ النفوذ البريطاني يتغلغل فيها بعامة ويتأكد في عدن بخاصة، وأنها (أي لحج) أسهمت إسهاماً فاعلاً في استقرار النفوذ البريطاني في عدن، حيث كانت ظهيراً مخلصاً للبريطانيين، وعن طريقها (عندما التقت مصلحة الطرفين) عمقت الاستعمار البريطاني في إمارات الجنوب العربي.
٤ - أبرز البحث دور سلطنة لحج في الحرب العالمية الأولى، والجهود التي بذلها سلطانها علي بن أحمد للدعاية للبريطانيين في المحمية لمواجهة الدعاية المضادة التي كان يبثها العثمانيون، ورغم مصداقية السلطان علي في تعامله مع البريطانيين إلا أنهم (أي البريطانيين) جعلوا من بلاده كبش فداء لحماية عدن من التقدم العثماني.
стр. 563
٥ - أوضح البحث حقيقة مهمة وهي أنه بالرغم من الآثار السلبية التي ترتبت على استيلاء العثمانيين على لحج، التي تمثلت في هجرة معظم سكانها والأسرة الحاكمة إلى عدن، إلا أن السلطنة استفادت من الإنشاءات التي حققها العثمانيون فيها، التي من أبرزها إنشاء مدرسة الاتحاد والترقي، حيث كانت النواة للمدرسة المحسنية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، كذلك عنايتهم بالصحة والزراعة عن طريق إنشاء مستوصف طبي والاهتمام بزراعة الأراضي.
٦ - أثبت البحث أن سلطنة لحج استفادت من الاستراتيجية البريطانية نحوها بعد الحرب العالمية الأولى، التي أرادت منها أن تكون قويةً بدرجة تمكنها من مقاومة أي غزو محلي أو إقليمي، وذلك بتدعيم قدراتها العسكرية وتنظيم علاقاتها المحلية ودعمها مادياً، وفي الوقت ذاته قضت هذه الاستراتيجية أن تظل لحج قوةً دون المستوى الذي يجعلها بذاتها أو بمساعدة غيرها تفكر في الخروج عن دائرة الفلك البريطاني.
٧ - كشف البحث أن التطور السياسي والدستوري في السلطنة كان يسير بخطىً متثاقلة منذ تأسيسها إلى عهد السلطان عبدالكريم فضل الذي حاول تحقيق تعديل نظام الحكم باستحداث ولاية العهد، ثم شهدت السلطنة تطوراً سياسياً ودستورياً سريعاً كان أشبه بالانقلاب المفاجئ عندما حاول السلطان فضل (بجهود من كان يقف وراءه من رجال الحركة الوطنية) وتحقيق نوعٌ من النظم الديمقراطية في الحكم عندما ضمن الدستور اللحجي حقاً للمجلس التشريعي اللحجي بانتخاب سلطان لحج، غير أن جهود كل من الأب والابن أخفقت لموقف البريطانيين من كلا الحدثين واستمرت لحج في نظامها السياسي حتى نهاية تاريخها على النظام القبلي القائم على العُرف والتقاليد.
٨ - أبرز البحث الجانب الوطني في علاقة سلطنة لحج ببريطانيا، الذي أسهم فيه بصورة مباشرة مؤسسوا الرابطة، يدل على ذلك دورهم في اندلاع الحركة المعادية للاستعمار في لحج، حيث استطاعوا إحراز نجاحٍ كبيرٍ بإعلان الدستور اللحجي وتأسيس المجلس التشريعي محققين صفة الريادة في هذه الإنجازين على مستوى شبه الجزيرة العربية بأكملها، كما أن تجربة إعلان الدستور وتأسيس المجلس التشريعي تعد تجربةً باهرةً قياساً على ظروف السلطنة السياسية واقعها الاجتماعي والثقافي.
٩ - كشف البحث عن الضغوط التي تعرضت لها سلطنة لحج لقبول الاستشارة البريطانية، ومقاومة لحج لهذه الضغوط بالسبل كافة، إلا أن سياسة السلطان فضل ساعدت على بلوغ البريطانيين لأهدافهم، وبالتالي أسهمت سياسة السلطان فضل في خنق كافة الجهود التي بذلها رجال الحركة الوطنية لإنقاذ لحج من نظام الاستشارة، التي نزلت بمستوى لحج من الإمارة التي كانت تتمتع بنوعٍ من الاستقلال الداخلي إلى محمية بريطانية قلباً وقالباً من الناحية القانونية.
١٠ - عالج البحث بموضوعية وضع سلطنة لحج في ظل الاستشارة البريطانية، وكيف أنها استطاعت تحويل الاستشارة البريطانية المحققة إلى استشارة لحجية مؤكدة من خلال الإنجازات التي حققتها السلطنة اعتماداً على جهودها الذاتية دون دعم المستشار البريطاني إلا بالقدر الذي يتطلب منها طلب هذا العون، وكان نجاح زراعة القطن في السلطنة من أهم تلك الإنجازات.
١١ - كشف البحث عن الجوانب الغامضة من تاريخ الحركة الوطنية في لحج، وأثبت البحث أن الأندية التي أسهم أبناء لحج في تأسيسها في عدن، أو في لحج هي التربة التي نمت وترعرعت فيها جذور الوعي الوطني ثم بعد ذلك تبلور هذا الوعي وعبر عن نفسه في الجمعيات أو الأحزاب السياسية.
стр. 564
١٢ - استعرض البحث مقدار الكفاح الذي خاضته رابطة أبناء الجنوب (وأسهم فيه أبناء لحج من أعضاء الرابطة أو من غير الأعضاء) من أجل أهدافها وما تحمله من مشاعر التحرر والوحدة، وقد كانت تلك الأهداف الطرف المقابل لبريطانيا والمعارض لوجودها ونفوذها، وقد كانت تلك الأهداف أن تتحقق لولا القصور الذي عانت منه الحركة الوطنية في الجنوب العربي، غير أنه مما يحفظ للرابطة ريادة الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وشمولية دعوتها ونظرتها للجنوب كله.
١٣ - أثبت البحث أن لحج كانت المرتكز الأساسي لأيةِ فكرةٍ اتحادية يدعو لها البريطانيون في المنطقة بدءاً بمؤتمرات لحج التي كانت خطوةً نحو الفيدرالية التي سعى البريطانيون لتحقيقها بعد الحرب العالمية الأولى وانتهاءً بمشروع ١٣٧٧هـ/١٩٥٨م الذي مهد لقيام اتحاد إمارات الجنوب العربي.
ثانياً: فيما يتعلق ببريطانيا:
١ - كشف البحث عن سياسة الحكومة البريطانية التي التزمت بها منذ احتلالها لعدن في عام ١٢٥٤هـ/١٨٣٩م، التي كانت تقضي بعدم التدخل في شؤون الإمارات الداخلية إلا بقدر ما يحقق مصالحها، غير أنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وبعد تجربة استيلاء العثمانيين على لحج، أخذ مسئولو عدن يفكرون في تغيير تلك السياسة.
٢ - أوضح البحث تزايد أهمية عدن بعد الحرب العالمية الأولى بعد أن استحدثت بريطانيا لها قاعدةً جويةً إضافةً لكونها قاعدةً بحرية، ومكَّن هذا الاستحداث بريطانيا من التغلغل في محمية عدن وإخضاع قبائلها وتأمين خطوط التجارة إلى عدن، كما استخدمت قاعدة عدن لقصف القبائل المناوئة في المحمية والمدن اليمنية لإرغام قوات الإمام يحيى على الانسحاب خلف الحدود.
٣ - كشف البحث عن عوامل تغير السياسة البريطانية في الجنوب العربي وسعي هذه السياسة الحثيث من أجل المحافظة على عدم، ووضح أبعاد السياسة البريطانية عندما حولت عدن إلى مستعمرة تابعة مباشرة لوزارة المستعمرات عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٧م، ودمج الإمارات المحيطة بعدن في محميتين أولاهما المحمية الغربية، التي أصبحت لحج جزءاً منها، والأخرى المحمية الشرقية.
٤ - كشف البحث عن الأسلوب الجديد الذي اتبعه البريطانيون في تدعيم وضعهم بالمنطقة خاصةً مع فشل نظام الحماية في تدعيم هذا الوضع، فكان أن طرحوا نظاماً جديداً أو سياسة جديدة عرفت بالاستشارة، وبها استطاعوا تعميق نفوذهم في المحميات.
٥ - ألقى البحث الضوء على الصعوبات التي واجهتها بريطانيا من أجل مقاومة الادعاءات اليمنية في المحمية وعدن، وصد غاراتها، واتباع البريطانيين الأساليب المختلفة، لمقاومة هذه الادعاءات تضمنت التنفير من الحكم الزيدي واللجوء إلى القوة العسكرية، وإغداق الأموال على مشايخ القبائل.
٦ - أثبت البحث الوضع المتفوق لبريطانيا في عدن والمحمية بحيث لم تستطع أي من الدول العظمى، وللعديد من الأسباب التي ورد ذكرها تفصيلاً في الدراسة، أن تمثل تحديات خطيرة لها.
٧ - كشف البحث عن أساليب التغلغل الاستعماري البريطاني في سلطنة لحج التي كان آخرها طرح مشروع الاتحاد الفيدرالي بين إمارات المحمية، وتحطيم جهود لحج لمقاومة هذا التغلغل حتى نجحت بريطانيا في تحقيق فكرة الاتحاد عام ١٣٧٨هـ/١٩٥٩م.
ثالثاً: فيما يتعلق باليمن:
١ - أوضح البحث أن اليمن جعلت من مطالبها بالمحمية، ومن ضمنها لحج أمراً أساسياً في علاقتها بإمارات المحمية وبريطانيا، دون محاولةٍ منها للتعرف على آراء الطرف الثالث وهم حكام المحمية وشعبها.
стр. 565
٢ - أثبت البحث فشل السياسة اليمنية في العلاقات مع المحمية، نظراً لعدم قدرتها على استقطاب قبائل المحمية إلى جانبها بالطرق الدبلوماسية أو محاولة إجراء إصلاحات داخلية في اليمن تتفوق بها على تلك المقارنة التي كان يعقدها البريطانيون بين أوضاع المحمية واليمن، بل إن لجوءها للقوة العسكرية وسوء أوضاعها الداخلية كانا من أقوى الأسباب التي جعلت حكام المحمية وشعبها ينفرون من الحكم الزيدي.
٣ - أثبت البحث قصور الموقف اليمني من سلطنة لحج في الأحداث التي عصفت بها، والتي كانت بها (أي لحج) بحاجةٍ إلى الدعم اليمني العربي، فاكتفى اليمن بكتابة المذكرات والاحتجاجات دون اتخاذ خطوات إيجابية يساند بها السلطنة. وأقوى مثال على اتخاذ الموقف اليمني من سلطنة لحج رفض الإمام أحمد طلب السلطان علي عبدالكريم تبني قضيته لعرضها على هيئة الأمم المتحدة، والتصدي لطلب لحج للانضمام لجامعة الدول العربية الأمر الذي أوقع لحج في شباك الاستشارة البريطانية.
٤ - أوضح البحث أن اليمن لم تحاول أن تكون العمق الاستراتيجي لمساندة حركة التحرير الوطني ضد الاستعمار البريطاني؛ بل إن التشدد في مطالبها والإصرار عليها في كل موقف ومحفل عربي ودولي أضرَّ بقضية الجنوب العربي، وعُدَّ تضييقاً على الحركة الوطنية في الجنوب التي كانت تسعى لإيصال صوتها للمحافل العربية والدولية، وقد كان بإمكان اليمن تحالفاً مع الحركة الوطنية تحقيق مكاسب سياسية لصالح المنطقة ككل.
٥ - سواءً تعلق الأمر باليمن أو سلطنة لحج فقد أثبت البحث أن جامعة الدول العربية لم تقف موقفاً صلباً كهيئة سياسية عربية ودولية في جانب أيٍ من الطرفين، فقد اكتفت بإمكانات الحل السلمي، ومع تبنيها للمطالب اليمنية اكتفت بالدعم الدبلوماسي الذي ظهر على شكل قرارات مؤيدةٍ، وظلت الجامعة متأرجحة في علاقتها بالطرفين (اليمن والجنوب العربي) ففي الوقت الذي تؤيد فيه اليمن في مطالبه بالجنوب العربي كانت تعطف على هذا الجنوب وحركته الوطنية، ومع هذا التأرجح لم تحاول تقديم عونٍ ماديٍ وفنيٍ لتنمية المنطقة، أو عونٍ عسكريٍ لتأمينِ المكاسبِ الوطنيةِ التحريريةِ في الجنوب.