إن قضية المنظمات غير الحكومية ومنها المؤسسات الخيرية العالمية بشكل عام تتعرض للتسييس وإضعاف استقلاليتها وفرض بعض الأندات الحكومية عليها كما أن المؤسسات الخيرية الإسلامية بشكل أخص تتعرض لنوع من الاضطهاد والحرب بدعوى دعمها للإرهاب ولكن البحث العلمي يؤكد أن هناك منظمات ومؤسسات أمريكية غير حكومية تستفيد من المناخ الرأسمالي والضرائب والتبرعات الأمريكية وتقوم بدعم حركات التمرد والإرهاب وإشعال الثورات في أنحاء متفرقة من العالم وقد تأكدت أكثر بحق المنظمات الأمريكية غير الحكومية العاملة تحت ستار دعم الديمقراطية أحيانا في دول جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا ولاسيما في أوكرانيا وقرقيزستان وجورجيا وكازاخستان حسب الكاتب بوكالة الاسوشيتد برس (ستيف قوترمان) وهذا كنموذج ومثال فقط وكما هو واقع المنظمات الأمريكية اليهودية وغير اليهودية في دعم إسرائيل ومنظماتها الإرهابية التي تقوم بشتى صنوف الإرهاب على الشعب الفلسطيني وذلك كما ورد في الفصل السادس من هذا الكتاب. وهذا الواقع المؤلم كله يتطلب لجنة أو لجان دولية مستقلة تستقصى من خلالها جميع وسائل التحريات والتحقيق للوصول إلى الحقيقة عن المنظمات الإسلامية وغير الإسلامية وقد تكون الأمم المتحدة المرشح الأول بحكم استقلاليتها المطلوبة ومرجعيتها ومسؤوليتها عن هذا النوع من العمل وقد يكون غيرها والمهم هو الإخلاص والمصداقية في فتح هذا الملف دوليا دون احتكاره لدولة واحدة وذلك لإغلاق أبواب الدعاوى والمزاعم والإثبات أو النفي بحق الجميع.
سادسا: إن كل هذه الضجة التي تثار على المؤسسات الخيرية الإسلامية عالميا والسعودية بشكل أخص انطلقت بحمى التعميم الأعمى ولا تستند إلا إلى واقعة واحدة وهي أن فرعين من إحدى هذه المؤسسات أغلقا بإجراء سياسي أمني على أنهم قد أقدموا على تصرف غير مرغوب فيه.
إن نتائج هذا البحث قد اتضحت في الفصول السابقة بشكل عام وفي الفصل الرابع والخامس بشكل خاص وتأكدت في الفصل الثالث حيث المرافعة العلمية لتقرير الكونجرس الذي خلا من ذكر أدلة أو وقائع محددة بالاتهام واتضحت النتائج بشكل أكثر في الفصل السابع حيث الدوافع والأهداف ومن خلال أقوال شخصيات غربية وأمريكية ليكتشف الباحث عن الحقيقة بإخلاص حقيقة تلك المزاعم. إن العقلاء في الحكومة ومن يمثل الشعب الأمريكي في مؤسساته عليهم أن يدركوا عواقب التعميم والمكارثية الجديدة وأن لا ينساقوا وراء اليمين والمتطرف واللوبي الصهيوني الذي يجر العالم إلى صراع الأديان والحضارات فإن التعميم توسيع للدوائر وبالتالي إشعال للفتيل ولعب بالنار مما سيؤدي إلى عواقب وخيمة وإلى هذا أشار جيرولد بوست الأستاذ بجامعة جورج واشنطن مؤتمر مدريد الدولي لمكافحة الإرهاب قائلا: (عندما تتخلى الدولة عن المبادئ الأخلاقية تتضاعف احتمالات الإرهاب).
سابعا: إن هذه الدراسة وبقدر ما يظهر أنها دفاع عن المؤسسات الخيرية الإسلامية وبقدر ما ظهر من النتائج وأنها إدانة لتلك الدعاوى وتعرية لمركز القوى اليمينية المتطرفة في أمريكا التي تجر الشعب الأمريكي والعالم إلى صراع الحضارات – بقدر ذلك كله وبرغم أهميته – إلا أن هدفها الحقيقي والأسمى بعد نتائج البحث هو إطلاق صيحات تحذير قوية لما قد تنتهي إليه الأمور إن استمرت تلك السياسات الحمقاء فالبشرية مهددة في ازدهارها ونموها وأمنها بل في بقائها واستمراريتها إننا نتمنى أن نسمع الخوف على مستقبل البشرية وتعمل على إبقاء حرية التنافس والمنافسة والحيلولة دون الصراعات والحروب.
وأخيرا وأنا أرى الضحايا البريئة في الحرب على الإرهاب تزداد يوما بعد يوم وتتنوع بشكل يدعو للدهشة مخلفة المزيد من الفقر والجهل والمرض والموت والدمار بل إن هذه الحرب بدوافعها وأهدافها ووسائلها ونتائجها المرعبة قد تجاوزت كل الأعراف والقيم والحقوق الإنسانية بحق الشعب الأمريكي وشعوب ودول العالم وأنا أرى ذلك كله شعرت بدافع يدفعني إلى تأمل كلمة للرئيس الأمريكي بوش الابن وردت في خطابه للشعب عشية الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م (نحن منارة الحرية الأسطع ضوءا والأعظم إشعاعا) وكيف يكون ذلك والواقع لا يصدق ذلك وقد وجدت أن كلام الله أصدق وأبلغ من أي كلام والمؤمنون في كل مكان يؤمنون بكلام الله حيث قال جل من قائل في القرآن الكريم: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) [الصف: ٨].
(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض) [الرعد: ١٧]. فنور الحقيقة لن تطفئه القوة مهما بلغت لأن الحق أكبر من القوة بل هو القوة الحقيقية.
стр. 562
علاقة سلطنة لحج ببريطانيا
المؤلف/ المشرف: دلال بنت مخلد الحربي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: علاقات عربية وإسلامية ودولية
الخاتمة
حاولنا جهدنا تتبع تطور العلاقات اللحجية – البريطانية وتحليل مادتها التاريخية في الفترة من ١٣٣٧هـ/١٩١٨م إلى عام ١٣٧٨هـ/١٩٥٩م في إطار المنهج التاريخي والمنهج التحليلي، وقد اعتمدنا بصفةٍ أساسية على الدمج بينهما.
وأوضحنا كيف أقامت بريطانيا علاقة مباشرة مع سلطة لحج منذ أن سيطرت على مينائها (عدن) في عام ١٢٥٤هـ/١٨٣٩م، وما اتسمت به هذه العلاقة من تفرد الأمر الذي أضفى على لحج أهميةً سياسيةٍ عدا أهميتها الاقتصادية، وجعلها تتبوأ مكاناً رفيعاً على مستوى المحمية بأكملها، واستمرت هذه العلاقة تنمو باضطراد جيد إلى أن تبنت سلطنة لحج قضية مقاومة الاستعمار البريطاني في الجنوب العربي، لتكون هي ذاتها وراء زعزعة الاستقرار البريطاني في عدن، ولتدق مسماراً في نعشه مثلما كانت في يومٍ ما وراء استقراره واستمراريته.
ولعل أهم النتائج المستخلصة من هذه الدراسة (من وجهة نظرنا) تكمن فيما يأتي:
أولاً: فيما يتعلق بسلطنة لحج:
١ - أثبت البحث أن سلطنة العبادل (سلطنة لحج بعد ذلك) تعد من أقدم الكيانات السياسية التي تأسست في جنوب شبه الجزيرة العربية بانفصالها عن حكم الأئمة الزيود في اليمن منذ أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، وحافظت على استقلالها بتدعيم كيانها على أسس داخلية وخارجية، تمثلت الأسس الداخلية في تحويلها من مشيخة إلى سلطنة، وجعل الحكم وراثياً في أسرة مؤسسها فضل بن علي العبدلي، وانتخابي بإشراك القبائل البارزة وذوي النفوذ الديني مثل قبيلتي العزيبة والسلامي ومنصب الوهط في الهيئة الانتخابية التقليدية من أجل استقطابهم وكسب دعمهم المعنوي المؤثر على بقية قبائل السلطنة، أما الأسس الخارجية فتمثلت في إقامة علاقة حسن جوار مع القبائل القاطنة حولها عن طريق التبادل الاقتصادي والتجاري أو عن طريق المصاهرة (خاصةً مع قبائل يافع).
٢ - كشف البحث عن عمق التجربة السياسية الخارجية لدى سلاطين العبادل رغم محدوديتها، ورغم موقع بلادهم وظروفها، إلا أنهم تفهموا بالحس السياسي كيفية التعامل مع القوى الأوروبية والغسلامية المتصارعة على منطقتهم (ميناء عدن)، بدءاً بالسلطان أحمد عبدالكريم وانتهاءً بالسلطان علي بن أحمد الذي رفض الانصياع لدعوة العثمانيين في التوجه إليهم خلال الحرب العالمية الأولى، وإن كان قد فقد حياته وبلاده لتخاذل البريطانيين عن نصرته ومساعدته.
٣ - أثبت البحث أن سلطنة لحج ظلت حجر الزاوية في السياسة البريطانية في المحمية منذ أن بدأ النفوذ البريطاني يتغلغل فيها بعامة ويتأكد في عدن بخاصة، وأنها (أي لحج) أسهمت إسهاماً فاعلاً في استقرار النفوذ البريطاني في عدن، حيث كانت ظهيراً مخلصاً للبريطانيين، وعن طريقها (عندما التقت مصلحة الطرفين) عمقت الاستعمار البريطاني في إمارات الجنوب العربي.
٤ - أبرز البحث دور سلطنة لحج في الحرب العالمية الأولى، والجهود التي بذلها سلطانها علي بن أحمد للدعاية للبريطانيين في المحمية لمواجهة الدعاية المضادة التي كان يبثها العثمانيون، ورغم مصداقية السلطان علي في تعامله مع البريطانيين إلا أنهم (أي البريطانيين) جعلوا من بلاده كبش فداء لحماية عدن من التقدم العثماني.
стр. 563
٥ - أوضح البحث حقيقة مهمة وهي أنه بالرغم من الآثار السلبية التي ترتبت على استيلاء العثمانيين على لحج، التي تمثلت في هجرة معظم سكانها والأسرة الحاكمة إلى عدن، إلا أن السلطنة استفادت من الإنشاءات التي حققها العثمانيون فيها، التي من أبرزها إنشاء مدرسة الاتحاد والترقي، حيث كانت النواة للمدرسة المحسنية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، كذلك عنايتهم بالصحة والزراعة عن طريق إنشاء مستوصف طبي والاهتمام بزراعة الأراضي.
٦ - أثبت البحث أن سلطنة لحج استفادت من الاستراتيجية البريطانية نحوها بعد الحرب العالمية الأولى، التي أرادت منها أن تكون قويةً بدرجة تمكنها من مقاومة أي غزو محلي أو إقليمي، وذلك بتدعيم قدراتها العسكرية وتنظيم علاقاتها المحلية ودعمها مادياً، وفي الوقت ذاته قضت هذه الاستراتيجية أن تظل لحج قوةً دون المستوى الذي يجعلها بذاتها أو بمساعدة غيرها تفكر في الخروج عن دائرة الفلك البريطاني.
٧ - كشف البحث أن التطور السياسي والدستوري في السلطنة كان يسير بخطىً متثاقلة منذ تأسيسها إلى عهد السلطان عبدالكريم فضل الذي حاول تحقيق تعديل نظام الحكم باستحداث ولاية العهد، ثم شهدت السلطنة تطوراً سياسياً ودستورياً سريعاً كان أشبه بالانقلاب المفاجئ عندما حاول السلطان فضل (بجهود من كان يقف وراءه من رجال الحركة الوطنية) وتحقيق نوعٌ من النظم الديمقراطية في الحكم عندما ضمن الدستور اللحجي حقاً للمجلس التشريعي اللحجي بانتخاب سلطان لحج، غير أن جهود كل من الأب والابن أخفقت لموقف البريطانيين من كلا الحدثين واستمرت لحج في نظامها السياسي حتى نهاية تاريخها على النظام القبلي القائم على العُرف والتقاليد.
٨ - أبرز البحث الجانب الوطني في علاقة سلطنة لحج ببريطانيا، الذي أسهم فيه بصورة مباشرة مؤسسوا الرابطة، يدل على ذلك دورهم في اندلاع الحركة المعادية للاستعمار في لحج، حيث استطاعوا إحراز نجاحٍ كبيرٍ بإعلان الدستور اللحجي وتأسيس المجلس التشريعي محققين صفة الريادة في هذه الإنجازين على مستوى شبه الجزيرة العربية بأكملها، كما أن تجربة إعلان الدستور وتأسيس المجلس التشريعي تعد تجربةً باهرةً قياساً على ظروف السلطنة السياسية واقعها الاجتماعي والثقافي.
٩ - كشف البحث عن الضغوط التي تعرضت لها سلطنة لحج لقبول الاستشارة البريطانية، ومقاومة لحج لهذه الضغوط بالسبل كافة، إلا أن سياسة السلطان فضل ساعدت على بلوغ البريطانيين لأهدافهم، وبالتالي أسهمت سياسة السلطان فضل في خنق كافة الجهود التي بذلها رجال الحركة الوطنية لإنقاذ لحج من نظام الاستشارة، التي نزلت بمستوى لحج من الإمارة التي كانت تتمتع بنوعٍ من الاستقلال الداخلي إلى محمية بريطانية قلباً وقالباً من الناحية القانونية.
١٠ - عالج البحث بموضوعية وضع سلطنة لحج في ظل الاستشارة البريطانية، وكيف أنها استطاعت تحويل الاستشارة البريطانية المحققة إلى استشارة لحجية مؤكدة من خلال الإنجازات التي حققتها السلطنة اعتماداً على جهودها الذاتية دون دعم المستشار البريطاني إلا بالقدر الذي يتطلب منها طلب هذا العون، وكان نجاح زراعة القطن في السلطنة من أهم تلك الإنجازات.
١١ - كشف البحث عن الجوانب الغامضة من تاريخ الحركة الوطنية في لحج، وأثبت البحث أن الأندية التي أسهم أبناء لحج في تأسيسها في عدن، أو في لحج هي التربة التي نمت وترعرعت فيها جذور الوعي الوطني ثم بعد ذلك تبلور هذا الوعي وعبر عن نفسه في الجمعيات أو الأحزاب السياسية.
стр. 564
١٢ - استعرض البحث مقدار الكفاح الذي خاضته رابطة أبناء الجنوب (وأسهم فيه أبناء لحج من أعضاء الرابطة أو من غير الأعضاء) من أجل أهدافها وما تحمله من مشاعر التحرر والوحدة، وقد كانت تلك الأهداف الطرف المقابل لبريطانيا والمعارض لوجودها ونفوذها، وقد كانت تلك الأهداف أن تتحقق لولا القصور الذي عانت منه الحركة الوطنية في الجنوب العربي، غير أنه مما يحفظ للرابطة ريادة الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وشمولية دعوتها ونظرتها للجنوب كله.
١٣ - أثبت البحث أن لحج كانت المرتكز الأساسي لأيةِ فكرةٍ اتحادية يدعو لها البريطانيون في المنطقة بدءاً بمؤتمرات لحج التي كانت خطوةً نحو الفيدرالية التي سعى البريطانيون لتحقيقها بعد الحرب العالمية الأولى وانتهاءً بمشروع ١٣٧٧هـ/١٩٥٨م الذي مهد لقيام اتحاد إمارات الجنوب العربي.
ثانياً: فيما يتعلق ببريطانيا:
١ - كشف البحث عن سياسة الحكومة البريطانية التي التزمت بها منذ احتلالها لعدن في عام ١٢٥٤هـ/١٨٣٩م، التي كانت تقضي بعدم التدخل في شؤون الإمارات الداخلية إلا بقدر ما يحقق مصالحها، غير أنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وبعد تجربة استيلاء العثمانيين على لحج، أخذ مسئولو عدن يفكرون في تغيير تلك السياسة.
٢ - أوضح البحث تزايد أهمية عدن بعد الحرب العالمية الأولى بعد أن استحدثت بريطانيا لها قاعدةً جويةً إضافةً لكونها قاعدةً بحرية، ومكَّن هذا الاستحداث بريطانيا من التغلغل في محمية عدن وإخضاع قبائلها وتأمين خطوط التجارة إلى عدن، كما استخدمت قاعدة عدن لقصف القبائل المناوئة في المحمية والمدن اليمنية لإرغام قوات الإمام يحيى على الانسحاب خلف الحدود.
٣ - كشف البحث عن عوامل تغير السياسة البريطانية في الجنوب العربي وسعي هذه السياسة الحثيث من أجل المحافظة على عدم، ووضح أبعاد السياسة البريطانية عندما حولت عدن إلى مستعمرة تابعة مباشرة لوزارة المستعمرات عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٧م، ودمج الإمارات المحيطة بعدن في محميتين أولاهما المحمية الغربية، التي أصبحت لحج جزءاً منها، والأخرى المحمية الشرقية.
٤ - كشف البحث عن الأسلوب الجديد الذي اتبعه البريطانيون في تدعيم وضعهم بالمنطقة خاصةً مع فشل نظام الحماية في تدعيم هذا الوضع، فكان أن طرحوا نظاماً جديداً أو سياسة جديدة عرفت بالاستشارة، وبها استطاعوا تعميق نفوذهم في المحميات.
٥ - ألقى البحث الضوء على الصعوبات التي واجهتها بريطانيا من أجل مقاومة الادعاءات اليمنية في المحمية وعدن، وصد غاراتها، واتباع البريطانيين الأساليب المختلفة، لمقاومة هذه الادعاءات تضمنت التنفير من الحكم الزيدي واللجوء إلى القوة العسكرية، وإغداق الأموال على مشايخ القبائل.
٦ - أثبت البحث الوضع المتفوق لبريطانيا في عدن والمحمية بحيث لم تستطع أي من الدول العظمى، وللعديد من الأسباب التي ورد ذكرها تفصيلاً في الدراسة، أن تمثل تحديات خطيرة لها.
٧ - كشف البحث عن أساليب التغلغل الاستعماري البريطاني في سلطنة لحج التي كان آخرها طرح مشروع الاتحاد الفيدرالي بين إمارات المحمية، وتحطيم جهود لحج لمقاومة هذا التغلغل حتى نجحت بريطانيا في تحقيق فكرة الاتحاد عام ١٣٧٨هـ/١٩٥٩م.
ثالثاً: فيما يتعلق باليمن:
١ - أوضح البحث أن اليمن جعلت من مطالبها بالمحمية، ومن ضمنها لحج أمراً أساسياً في علاقتها بإمارات المحمية وبريطانيا، دون محاولةٍ منها للتعرف على آراء الطرف الثالث وهم حكام المحمية وشعبها.
стр. 565
٢ - أثبت البحث فشل السياسة اليمنية في العلاقات مع المحمية، نظراً لعدم قدرتها على استقطاب قبائل المحمية إلى جانبها بالطرق الدبلوماسية أو محاولة إجراء إصلاحات داخلية في اليمن تتفوق بها على تلك المقارنة التي كان يعقدها البريطانيون بين أوضاع المحمية واليمن، بل إن لجوءها للقوة العسكرية وسوء أوضاعها الداخلية كانا من أقوى الأسباب التي جعلت حكام المحمية وشعبها ينفرون من الحكم الزيدي.
٣ - أثبت البحث قصور الموقف اليمني من سلطنة لحج في الأحداث التي عصفت بها، والتي كانت بها (أي لحج) بحاجةٍ إلى الدعم اليمني العربي، فاكتفى اليمن بكتابة المذكرات والاحتجاجات دون اتخاذ خطوات إيجابية يساند بها السلطنة. وأقوى مثال على اتخاذ الموقف اليمني من سلطنة لحج رفض الإمام أحمد طلب السلطان علي عبدالكريم تبني قضيته لعرضها على هيئة الأمم المتحدة، والتصدي لطلب لحج للانضمام لجامعة الدول العربية الأمر الذي أوقع لحج في شباك الاستشارة البريطانية.
٤ - أوضح البحث أن اليمن لم تحاول أن تكون العمق الاستراتيجي لمساندة حركة التحرير الوطني ضد الاستعمار البريطاني؛ بل إن التشدد في مطالبها والإصرار عليها في كل موقف ومحفل عربي ودولي أضرَّ بقضية الجنوب العربي، وعُدَّ تضييقاً على الحركة الوطنية في الجنوب التي كانت تسعى لإيصال صوتها للمحافل العربية والدولية، وقد كان بإمكان اليمن تحالفاً مع الحركة الوطنية تحقيق مكاسب سياسية لصالح المنطقة ككل.
٥ - سواءً تعلق الأمر باليمن أو سلطنة لحج فقد أثبت البحث أن جامعة الدول العربية لم تقف موقفاً صلباً كهيئة سياسية عربية ودولية في جانب أيٍ من الطرفين، فقد اكتفت بإمكانات الحل السلمي، ومع تبنيها للمطالب اليمنية اكتفت بالدعم الدبلوماسي الذي ظهر على شكل قرارات مؤيدةٍ، وظلت الجامعة متأرجحة في علاقتها بالطرفين (اليمن والجنوب العربي) ففي الوقت الذي تؤيد فيه اليمن في مطالبه بالجنوب العربي كانت تعطف على هذا الجنوب وحركته الوطنية، ومع هذا التأرجح لم تحاول تقديم عونٍ ماديٍ وفنيٍ لتنمية المنطقة، أو عونٍ عسكريٍ لتأمينِ المكاسبِ الوطنيةِ التحريريةِ في الجنوب.
стр. 566
فلسطينيو العراق بين الشتات والموت
المؤلف/ المشرف: أحمد اليوسف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: لجنة الدفاع عن عقيدة أهل السنة – فلسطين ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: فلسطين - تاريخ وقضية
خاتمة:
فلسطينيو العراق شتات جديد وهجرة متكررة.
يبدو أن قدر الفلسطيني في التاريخ المعاصر والعقود الستة المنصرمة الشتات والتهجير وتذوق ألوان المآسي وشظف العيش، وهذا حال المسلم وصاحب القضية في دنيا المحن والابتلاءات، فأكثر من ستة ملايين فلسطيني يعيشون بعيدا عن أرضهم وديارهم هجروا وشردوا على مراحل وبطرق وأساليب منوعة وبأشكال متعددة منذ النكبة الأولى عام ١٩٤٨ وما تبعها ولغاية عام ٢٠٠٦ والمشهد مازال يتكرر هنا وهناك لكن بحقائق مرة, وأوجه أنكى, وأكثر مأساوية من سابقاتها.
إن قلة قليلة من الفلسطينيين الذين تركوا ديارهم مضطرين ومكرهين أثر نكبة عام ١٩٤٨ وصلوا إلى العراق, على أمل أن تكون محطة ثم يعودوا إلى قراهم ومساكنهم بعد أسبوعين أو ثلاثة!!! , هذه القلة تتكون من ٨٨٦ عائلة بنحو (٣٠٠٠ - ٥٠٠٠٠ شخص) خرج غالبيتهم وبنسبة (٨٠%) من قرى مثلث الكرمل الصغير جنوب حيفا (إجزم ٣٣%، وجبع ٢٩%، وعين غزال ١٨%) و١٥% من القرى الأخرى المحيطة بحيفا (كفر لام والمزار وعتليت وصرفند وأم الزينات وطنطورة وعين حوض والطيرة) و٤% من يافا و١% من نفس حيفا.
تلك العوائل كانت تعيش بأمن وسلام على أرضها لكن سرعان ما تعرضوا للشتات وكان مآلهم ونصيبهم أن يقطنوا بلاد الرافدين والرضى بالواقع الجديد إذ تعايشوا مع العراقيين وتآلفوا معهم واندمجوا في مجتمعهم واكتسبوا الكثير من صفاتهم وتقاليدهم وعاشوا أفراحهم وأتراحهم لأكثر من خمسين عاما، لا سيما وأن أكثر من ٨٠% من فلسطينيي العراق اليوم هم من مواليد العراق، لكن بعد احتلال العراق عام ٢٠٠٣, وحدوث تغيير جذري في طبيعة وتركيبة وديموغرافية العرق, وكذلك التغيير في سياسة وتعامل وعلاقة شرائح واسعة من المجتمع العراقي، وكل هذا انعكس سلبا على الوجود الفلسطيني وبدأت مرحلة جديدة ومريرة من الشتات والانتقال لكن لوجهة غير محددة ومكان غير معلوم ومصير مجهول على خلاف هجرة الآباء والأجداد الأولى.
بدأت هذه الرحلة والحقبة المظلمة بطرد وتهجير أكثر من ٤٠٠ عائلة فلسطينية من مناطق مختلفة من بغداد وبمبررات طائفية وأحقاد وضغائن عنصرية قديمة وبعضها لأغراض مادية محضة واستغلال الوضع الأمني المنفلت، لتسكن تلك العوائل في مخيم أقيم لهم على ساحة لكرة القدم في نادي حيفا الرياضي في مجمع البلديات، وخرج عدد أكبر منه نتيجة التدهور الخطير وانعدام الأمان نحو الحدود العراقية الأردنية على أمل الدخول إلى الأردن، تقول منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها المنشور عن الفلسطينيين في العراق في شهر سبتمبر/ أيلول ٢٠٠٦ (لقد أدت الهجمات التي استهدفت اللاجئين الفلسطينيين العراقيين عام ٢٠٠٣ إلى تشريد الآلاف منهم داخلياً، إضافة إلى فرار المئات إلى الأردن. وقد أغلق الأردن حدوده في البداية، ثم سمح بدخول عدة مئات منهم إلى مخيم الرويشد المعزول القاحل الذي يقع على مسافة ٨٥ كم داخل الحدود الأردنية. أما بقية الفلسطينيين العراقيين فظلوا أكثر من سنتين في مخيم الكرامة الذي لا يقل قسوة, والواقع داخل المنطقة العازلة على الحدود العراقية الأردنية، إلى أن قامت السلطات الأردنية بإغلاقه عام ٢٠٠٥ ونقلهم إلى مخيم الرويشد. وخلال السنوات الثلاث الماضية، كان عدة مئات من الفلسطينيين بمثابة سجناء في مخيم الرويشد. وقد فضل قرابة ٢٥٠ منهم العودة إلى الوضع الخطير الذي كانوا يعيشونه في العراق على البقاء في المخيم دون بارقة أمل بإيجاد حل لمحنتهم).
стр. 567
في عام ٢٠٠٤ لم تكن هناك عمليات تهجير واسعة بحق الفلسطينيين إلا أعداد متفرقة من العوائل بحسب المناطق التي يتعرضون فيها لضغوطات فردية أو شعور بعدم الأمان. ومع ظهور ملامح الحكومة الطائفية الجديدة عام ٢٠٠٥ لم يبق الأمر على ما هو عليه إنما ازدادت حدة المضايقات والتعرض للفلسطينيين على الهوية وشملت حالات اعتقال واختطاف وتعذيب وقتل وتحريض إعلامي واسع مع اضطراب في الوضع الأمني وسيطرة الميليشيات على كثير من المناطق وبدعم حكومي لها مع تضييق في موارد كسب الرزق والقوت اليومي كل ذلك أدى لعمليات نزوح وانتقال وهجرة داخلية في الغالب لأكثر من ٢٠٠ عائلة من مناطق متفرقة من بغداد.
قد يقول قائل إن ما يعانيه الفلسطيني هو نتاج وضع عام ومستجد طرئ على الكل داخل العراق, بما فيهم العراقيين فهم يعانون كذلك، بمعنى أن الفلسطيني هو ضمن حالة شاملة فلماذا هذا التخصيص والتظلم والاستثناء؟ فهذا تساؤل وارد ومطروح لكن لابد من إزالة الإشكال وبيان الحال والوقوف على حقيقة الأمر والصورة المخفية على الجميع وذلك في عدة نقاط:
١ - إن الكلام والحديث بهذه الطريقة عن مدى مظلومية الفلسطينيين وما يتعرضون له من جرائم ومجازر متكررة لا يلغي الظلم الواقع على شريحة معينة وواسعة من العراقيين.
٢ - إن الفلسطينيين في العراق أقلية ولا يتجاوز عددهم الآن بعد المجازر والتهجير المتكرر ١٨٠٠٠ شخص.
٣ - إن الفلسطينيين في العراق من أكثر الأقليات عرضة للانتهاكات.
٤ - إن وجود الفلسطينيين في العراق اضطراري وليس بمحض إرادتهم لكن الظروف ومجريات الأحداث فرضت عليهم ذلك.
٥ - إن الفلسطينيين في العراق لاجئون ولهم حقوق تكفلها لهم القوانين الدولية، لذلك يجب التعاطي مع قضيتهم من ذلك المنطلق.
٦ - الفلسطينيون في العراق ليس لهم وضع قانوني واضح, فلا يعرفون أنفسهم أهم لاجئون, أم مقيمون, أو وافدون, أم هجرون؟!! إذ انتزعت منهم صفة الإقامة الدائمة, وأصبحوا يعاملوا معاملة الأجنبي غير المقيم, بدلا من معاملتهم كلاجئين معترف بهم.
٧ - العراقي إذا تعرض إلى ظلم أو تضييق أو اضطهاد فبإمكانه مغادرة البلاد وله بدائل كثيرة, أما الفلسطيني فلا يتمكن من المغادرة إلا إلى الصحراء ولا يسمح له دخول أي دولة إلا حالات فردية نادرة!!!.
٨ - العراقي إذا فقد الأمن والأمان في منطقة فله بدائل عدة في الانتقال إلى محافظة أخرى, أو مدينة, أو قرية, أو منطقة أكثر أمنا وأمانا، أما الفلسطيني فلا يمكنه ذلك لصعوبة تنقله وتحركه داخل البلاد.
٩ - العراقي إذا تعرض لمعاناة فبإمكانه اللجوء إلى عشيرته أو أقربائه للتخفيف عنه أو إيجاد حلول له بحسب التركيبة العشائرية لعموم العراقيين، أما الفلسطيني فلا.
١٠ - العراقي بإمكانه في الغالب الاستعانة أو الانتماء أو طلب الاستجارة من أي جهة أو فئة أو تنظيم أو حزب بحسب التقسيمات الجديدة، أما الفلسطيني فلا.
هذه الأمور والقضايا بمجملها مجتمعة أو متفرقة تضاف إلى طبيعة المعاناة والاستهداف المستمر لفلسطيني العراق، تجعله يمر بمحنة ومأساة تفوق كل ما يتعرض له أهلنا وأحبتنا في العراق الجريح.
стр. 568
إن النكبة الجديدة التي يتعرض لها الفلسطينيون في العراق ليس على يد اليهود الغاصبين إنما على أيدي أناس يدعون الإسلام, ويتقربون إلى الله بسفك دم الفلسطينيين, وبطرق وحشية, وبربرية, وهمجية لم يشهد لها التاريخ مثيل، فبعد أحداث سامراء وما تبعها من ردود أفعال وعنف طائفي مقيت, مرة على الفلسطينيين أوقات ولحظات من المحن والضائقة التي لا يعلمها إلا الله, وما زالت مستمرة وبتزايد وتصعيد كبير، فنحن نمر هذه الأيام بفترات عصيبة جدا فاقت سجون التفتيش, وأفاعيل هولاكو, والحقبة النازية، فبحدود ٢٠٠ فلسطيني بينهم أطفال ونساء غادروا منازلهم بتاريخ ١٨/ ٣/٢٠٠٦ بفعل تصاعد وتيرة العنف الطائفي, والاستهداف على الهوية, متجهين نحو الحدود الأردنية, ومنعوا من الالتحاق بالعوائل المتبقية ضمن مخيم الرويشد المقام منذ عام ٢٠٠٣ وأعيدوا بالقوة إلى داخل الحدود العراقية, حيث أقيم لهم مخيم طريبيل ومكثوا فيه لغاية ٩/ ٥/٢٠٠٦ مع التحاق آخرين بهم حتى نقل ٣٠٤ فلسطيني بعد السماح لهم إلى مخيم الهول في محافظة الحكسة السورية لتبدأ رحلة جديدة من الشتات والتهجير.
واستمرت حالات النزوح المتكررة نحو الحدود السورية على أمل الالتحاق بمخيم الهول مع أنه شبه سجن، إلا أنهم منعوا من ذلك, وتم إنشاء مخيم جديد على الحدود العراقية والسورية قريب من بوابة الحد السوري, سمي بمخيم التنف وفيه ٣٤٣ فلسطيني بينهم نساء وأطفال وكبار بالسن ومعاقين ومرضى، ولا زال إلى الآن مع ما يعانون من ظروف معاشية وبيئية وجوية قاسية جدا، وقد شهد شهر كانون الأول من عام ٢٠٠٦ نزوح آخر صوب الحدود السورية والعجيب بأنهم منعوا حتى من الالتحاق بمخيم التنف وأقيم لهم مخيم قبل بوابة الحدود العراقية سمي بمخيم الوليد فيه أكثر من ١٢٠ فلسطيني بينهم أطفال ونساء وأيضاً مرت عليهم ظروف قاسية جدا جدا، فعمليات النزوح مستمرة بسبب تصاعد عمليات الاستهداف المختلفة، وكأننا ندفع ضريبة فلسطينيتنا بهذه الانتهاكات في زمن الديمقراطية المزعومة, وحقوق الإنسان, والحرية, والشعارات البراقة, وعصر التكنولوجيا, والله المستعان.
هنالك حالات واسعة من عمليات التهجير والنزوح الداخلية من بعض التجمعات الفلسطينية الصغيرة والضعيفة, إلى تجمعات في ظنهم بإنها أقل خطرا وأكثر أمنا؛ لكثرة عددهم النسبي كمجمع البلديات الذي لم يعد آمنا, وتم التركيز عليه في الآونة الأخيرة بقصفه, وتضييق الخناق على ساكنيه, حتى أدى ذلك لمغادرة وخروج أعداد كبيرة منه إما إلى الصحراء, أو إلى المجهول، كل ذلك بسبب تزايد أعمال العنف والاستهداف بحقهم, أو تهديدهم واستفزازهم من قبل الميليشيات الطائفية, التي أصبحت تصول وتجول في معظم مناطق بغداد.
ومن أشكال الهجرة والشتات الغريبة لفلسطينيي العراق بسبب الضائقة والمحنة العظيمة وصول أكثر من ١٠٠ فلسطيني خلال عام ٢٠٠٦ إلى الهند بدفعات مختلفة للحصول على شيء من الأمان المفقود ولو في شبه القارة الهندية الفقيرة المعدمة، طالبين اللجوء من الأمم المتحدة لأن وجودهم وحياتهم في العراق أصبحت مستحيلة.
ومن مظاهر الشتات والتشرذم سفر العشرات إلى دول أوروبا بطرق ملتوية وصعوبات مضنية, فرارا من القتل الذي يلاحقهم وطلبا للجوء الإنساني، الذي لم يجدوه عند معظم الدول العربية للأسف الشديد, وكأن الأمر لا يعنيهم، كما وقد غادر المئات من الفلسطينيين متوجهين إلى بعض الدول العربية القليلة جدا, بعد الصعوبات والتعقيدات في الحصول على موافقات فردية وخاصة للسماح لهم بالدخول، والعجيب أن معظم الدول العربية تغلق أبوابها في وجه الفلسطينيين المتواجدين في العراق وتمنعهم, من الدخول أو الفرار أو العمل والاستثمار مخالفين كل الشعارات والدعاوى التي يطلقونها هنا وهناك بوقوفهم وتضامنهم مع القضية الفلسطينية والفلسطينيين؟!!!
стр. 569
مؤامرة الغرب على العرب
المؤلف/ المشرف: ياسين سويد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: المركز العربي للأبحاث والتوثيق ̈الأولى
سنة الطبع: ١٩٩٢م
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: الإسلام - مطاعن وغزو فكري وشبهات ومكايد دولية
الخاتمة
كم كنت أتمنَّى أن أختم كتابي هذا بصورة مشرقة تبعث في نفس القارئ العربي التفاؤل والأمل بمستقبل مضيء، لولا أن الواقع العربي المظلم والبائس فرض عليّ عكس ما تمنّيت. وسيظل هذا الواقع قائماً إلى أن يكتب لهذه الأمّة أن تحظى بقدر من الوعي والإدراك يدفعانها إلى التأمّل العميق في أوضاعها، ويحثَّانها على السعي الدؤوب لتدارك المأساة الكبرى التي تكاد تلمّ بها إن هي استمرَّت في واقع التشرذم والتمزّق اللذين تتخبَّط فيهما، وإن لم تسارع إلى لملمة أشلائها واستعادة كيانه الموحّد، وذلك هو السبيل الوحيد لتدارك الخطر المحدِّق بها.
إن أمّتنا العربية في خطر كبير لم تتعرَّض له منذ قرون، ويتجلَّى هذا الخطر في مؤامرة مزدوجة الإطار:
ـ الإطار الاستعماري الذي تجسِّده أطماع الدول الغربية الاستعمارية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بخيراتها وثرواتها. ولذلك، فهي تسعى لمنع اجتماعها ووحدتها بكل الوسائل، لأنها تدرك، تمام الإدراك، أن في وحدة العرب قضاء على الاستعمار بكل أشكاله، واستعادة لدورهم التاريخي المشرق في العالم.
ـ والإطار العنصري الذي يتجسّد في الكيان الصهيوني الذي أقامه الاستعمار الغربي في قلب وطننا العربي، ولا يزال يرفده بالدم والعون والدعم لكي يبقى ذلك "الحاجز البشري القوي والمعادي للسكَّان"، الذي يفصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه، والذي يمنع وحدته وتقدّمه وازدهاره.
ذلك هو الخطر الكبير المحدّق بأمّتنا، وهو خطر لا بدّ وأن يكون مدمِّراً إن لم نتداركه بالوعي القومي، وبالعزم والإرادة والتضحية، فننتصر على أنانيتنا وإقليميتنا وكيانيتنا، ونحقِّق لهذه الأمّة، وللأجيال القادمة، ما تصبو إليه من عزّة ومنعة وقوّة، السبيل الوحيد إلى حياة كريمة زاخرة بالمجد والعطاء. ولن يكون ذلك ممكناً إن لم نحقِّق، أولاً وقبل كل شيء، ما افتقدناه منذ زمن طويل، وما كان افتقارنا إليه سبب كل هزائمنا وضعفنا، ألا وهو: وحدتنا القومية.
فهل نحن مؤمنون، حقاً، أنها العلاج والحل؟
وهل نحن عاملون لأجلها؟ وساعون لتحقيقها؟
وهل تكون الهزائم التي ألَّمت بنا، طيلة قرون، حافزاً لنا على طلبها والسعي، بجد، إليها، باعتبارها، وحدها، خشبة الخلاص؟
لعلّنا نتّعظ، فنتّحد، فننتصر!
بيروت في ٢٧ شباط/ فبراير ١٩٩٢
стр. 570
محاولات التدخل الروسي في الخليج العربي ١٢٩٧ - ١٣٢٥هـ/ ١٨٨٠ - ١٩٠٧م
المؤلف/ المشرف: نادية وليد الدوسري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دارة الملك عبد العزيز – السعودية ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: سياسة عالمية
تصنيف فرعي: خليج عربي
الخاتمة:
الثورة الصناعية التي اجتاحت أوروبا كانت المحرك الأساس لتصارع الدول وظهور سياسة الاستعمار التي كانت تسمى بالاستعمار الاقتصادي والتجاري، إلى جانب ضعف الدولة العثمانية الذي أتاح المجال لتكالب دول الاستعمار الأوروبي على المنطقة، مما ترتب عليه تغير سياسة بعض الدول تجاه الدولة العثمانية، مثل بريطانيا من المحافظة على وحدتها إلى التسابق لاقتسامها وتفتيت أراضيها، ومن ثم بدأ الصراع الدولي للسيطرة على المنطقة، وكان صراعاً سياسياً واقتصادياً ودينياً من أجل امتلاك أكبر جزء من ممتلكات الدولة العثمانية، وخاصة الخليج العربي، ليصبح بذلك منطقة إستراتيجية مهمة للإنجليز حيث يقع في الطريق إلى الهند.
وعلى الرغم من المواثيق والمعاهدات التي كانت تعقد بين بريطانيا وغيرها من الدول الكبرى، إلا أن بريطانيا كانت في أغلب الأحيان تتحايل من أجل خرق تلك التعهدات لتستأثر بالخليج وحدها، وقد نجحت في إبعاد فرنسا عن طريقها، كما نجحت في إحباط مشروع ألمانيا الذي عرف تاريخياً بخط حديد برلين –بغداد لينافس النفوذ البريطاني في المنطقة، وكانت ألمانيا وليدة الثورة الصناعية التي جعلت منها دولة قوية وخاصة بعد أن توحدت على يد بسمارك، وقد اتخذ الصراع الألماني البريطاني طابعاً تجارياً عن طريق نشر البضائع الألمانية المشهورة بجودتها وكفاءتها التي لا تنافس، مما شكل خطراً هدد الوجود الاقتصادي البريطاني في المنطقة، ومن ثم كان دخول روسيا دولة معارضة لإتمام مشروع خط حديد برلين – بغداد الذي كان يشكل خطورة على سير الخطوط الحديدية الروسية في القوقاز وبقية المناطق، بل إن النفوذ الألماني سيحول دون وصول روسيا إلى المياه الدافئة في الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط.
ولذا كان الصراع صراعاً دولياً لتحدي الوجود البريطاني المهيمن على الخليج، وهو ما دفع روسيا لتنفيذ محاولتها للوصول إلى الخليج، ورغبتها في إنشاء ميناء وقاعدة حربية في الخليج، فاختارت روسيا فارس بحكم الجوار الجغرافي والحدود الطويلة المشتركة بينهما، لتكون قاعدة انطلاق نحو طموحها للبحار المفتوحة والمياه الدافئة، فأصبحت فارس محوراً أساسياً للوصول إلى الخليج العربي، ولم يقتصر روسيا على الأمور العسكرية فقط للنفوذ إلى فارس والسيطرة عليها، بل بدأت تخوض مجالات أخرى تمثلت في إرسال القناصل بصورة مستمرة، وإقامة شبكة من خطوط السكك الحديدية والخطوط الملاحية والشركات التجارية والبعثات الروسية على هيئة ضباط عسكريين وزيارات مسؤولين وأطباء للبحث عن منفذ لهم على الخليج العربي، فكان التركيز على فتح القنصليات في مدن فارس والخليج يشكل نشاطاً دبلوماسياً مهماً اعتمدت روسيا عليه لرعاية مصالحها.
وقد ربطت روسيا الأمور القنصلية بأمور التجارة وتطورها وتقدمها، وكان تعيين القناصل الروس بهدف إضعاف النفوذ البريطاني، وإعاقة علاقاتها مع شيوخ الخليج العربي، فشعر الإنجليز بأن إقامة القنصليات الروسية يعد تحدياً سياسياً واضحاً لحكومة بريطانيا في المنطقة.
стр. 571
وزيادة في السيطرة فإن روسيا فرضت تعرفة جمركية مرتفعة على البضائع البريطانية لمنافسة التجارة البريطانية في فارس، وقد ركزت روسيا على الامتيازات في فارس التي تتيح لها الفرصة للنفوذ والسيطرة والتوسع، وركزت روسيا أيضاً على مشروعات السكك الحديدية لتكون وسيلة لامتلاك الخليج والسيطرة عليه، فتحولت مشروعات السكك الحديدية إلى حرب اقتصادية وثقافية دولية مهدت للاحتلال العسكري والسياسي.
استخدمت روسيا المصارف والقروض وسائل لعرقلة النشاط البريطاني في فارس، وتشويه سمعة البنوك، البريطانية فيها، كما استخدمت القروض وسائل ضغط لتخفيض الرسوم الجمركية على جميع ما تصدره روسيا لفارس، وترتب على ذلك ازدياد الشغب من قبل الشعب الفارسي، بخاصة علماء الدين، وكان ذلك سبباً في فرض الضرائب الباهظة على السلع الضرورية.
وسعت روسيا أيضاً لإنشاء خط ملاحي روسي لربط موانئ روسيا بالخليج لتقوية التبادل التجاري بين المنطقتين، بالإضافة إلى الطب الذي استخدمته روسيا ذريعة للتدخل في شؤون فارس والخليج، فأصبحت هذه المهنة مرتبطة بأمور سياسية للتأثير في سكان المنطقة، مما أثار حفيظة بريطانيا وقلقها، بخاصة أن الأطباء كانوا يرسلون التقارير السياسية الرسمية إلى الحكومة الروسية، وكان الهدف هو مضايقة الإنجليز وعرقلة الطريق البري التجاري بين الهند وخراسان للحد من انتشار التجارة الإنجليزية.
ولقد أدى ظهور شركات الملاحة الأوروبية الغربية في مياه الخليج إلى التقليل من الاحتكار البريطاني للملاحة، فازداد التنافس في مجال أجور النقل مما ترتب عليه انخفاضها نظراً لدخول شركات البواخر الأجنبية في مياه الخليج، فتأثرت بريطانيا.
وبناء عليه عدت روسيا الخليج العربي خليجاً مفتوحاً لجميع السفن، وليس حكراً على بريطانيا، مما جعل التنافس الاستعماري في فارس ودول المنطقة جعلها تقف بعيدة عن الأطماع الأجنبية ومنحها نوعاً من الاستقرار.
ومن ثم كان ترحيب شيوخ الخليج بالروس في محاولة منهم لتخفيف ضغط الإنجليز الواقع على المنطقة، ولاسيما أن دخول الروس إلى مشيخات الخليج كان تجارياً وثقافياً في بداية الأمر، وكان مقدمة للتدخل السياسي في المنطقة للسيطرة عليها.
ويعد التحالف الروسي الفرنسي عام ١٣١١هـ/ ١٨٩٣م خطوة عكسية خطتها روسيا للوصول إلى الخليج، نظراً للصلات الطيبة التي تربط فرنسا ببعض مناطق الخليج كمسقط، ونتيجة لذلك استخدمت روسيا السفن التجارية للوصول إلى الخليج لتصبح مراكز تجسس واستطلاع وجمع معلومات للبحرية الروسية، مما جعل بريطانيا تتصدى لهذه السفن، وتعاملها على أنها أساطيل بحرية روسية، بل إن بريطانيا سعت إلى عقد الاتفاقيات بينها وبين شيوخ الخليج، وأوجبت على الشيوخ عدم الدخول في مفاوضات، أو عقد اتفاقيات مع أي دولة دون موافقة الحكومة البريطانية، وبذلك أصبحت بريطانيا تسيطر على مسقط مفتاح الخليج العربي، وعلى البحرين في وسط الخليج.
في حين استخدمت روسيا بالمقابل سياسة الترغيب عن طريق بذل المال ومنح الأوسمة والأنواط والنياشين وغيرها، وسائل للتقرب من شيوخ المنطقة، وذلك للحصول على محطات وموانئ مهمة لتزويد السفن الروسية بالفحم الضروري لإتمام العمليات الحربية البحرية، إلى جانب اهتمام روسيا بتحقيق مشروع (فلاديمير كابنيست Valadimir Kapnist) لمد خط حديدي يربط شرق البحر الأبيض المتوسط بالخليج العربي من طرابلس إلى الكويت وروسيا عن طريق الأراضي العثمانية، غير أن هذه المشروعات باءت بالفشل لعقد معاهدة الحماية بين بريطانيا والكويت عام ١٣١٦هـ/ ١٨٩٩م.
стр. 572
استفاد الشيخ مبارك آل صباح من مخاوف الإنجليز لمحاولات روسيا في الوصول إلى الكويت لتحقيق طموحاته والحصول على الحماية التي وضعت قيوداً على الشيخ وتحركاته وعلاقاته بالدول الأخرى، مما جعل المتغيرات السياسية في المنطقة وسيلة اندفاع عند بعض مشايخ الخليج للمحافظة على استقلال مشيخاتهم.
فترتب على ذلك معارضة روسيا لاتفاقية الحماية البريطانية الكويتية عام ١٣١٦هـ/ ١٨٩٩م التي كان من شأنها إحباط خطط روسيا في المنطقة، واتهامها بريطانيا بخرق الوضع الراهن في المنطقة، وكان ضعف الدولة العثمانية في إشرافها على بعض الولايات العثمانية سبباً في تمكين بعض الدول الكبرى من عقد اتفاقيات مع شيوخها، أدت إلى اسقتلال الوالي بولايته.
ونظراً لإدراك القوى المحلية في المنطقة لمجريات الأحداث وتطلعات الأمم الأخرى التي كانت طامعة في اقتسام وابتلاع ما يمكنها ابتلاعه، حاول ابن رشيد طلب الحماية من روسيا في محاولة للتأثير في بريطانيا لعقد اتفاقية معه، والأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بالإيعاز لبريطانيا لدعمه في مواجهة الدولة العثمانية.
وفي الوقت نفسه أظهرت الدولة العثمانية انزعاجها من زيارة اللورد (كيرزون Curzon) للخليج، والتي قد تسبب ثورة العرب ضد الحكم العثماني، فامتنعت بريطانيا من التدخل في وسط شبه الجزيرة خوفاً من حدوث تقارب ألماني عثماني، مما قد يؤدي إلى عودة السيادة العثمانية على المنطقة، ومع ذلك سعت بريطانيا لإضعاف النفوذ العثماني لا القضاء عليه حتى لا تتيح لروسيا فرصة الاستيلاء على الأناضول، وبالتالي السيطرة على مضيقي البسفور والدردنيل للمحافظة على أمن خطوط مواصلاتها مع الهند.
والجدير بالذكر أن بريطانيا هدفت إلى إضعاف فارس تمهيداً لزيادة السيطرة عليها، والتدخل في شؤونها، وبخاصة أن الخطر الروسي ليس خطراً عسكرياً فحسب، بل هو استعمار اقتصادي لمنطقة الشرق الأدنى، فبدأت المناورات العسكرية البحرية الإنجليزية، لاستعراض قوة البحرية البريطانية لوقف النشاط الروسي، كما بدأت في إثارة القلاقل في وجه الروس في العراق وداخل روسي الوسطى، لتشتيت القوات الروسية، ومنها من الاقتراب من الخليج.
وهكذا امتازت العلاقة بين روسيا وبريطانيا بالتصادم، وكانت الأراضي الإسلامية مجالاً واسعاً لهذا التصادم، فاستخدمت بريطانيا الوفاق الودي البريطاني الياباني عام ١٣٢٠هـ/ ١٩٠٢م لمنع تدخل الروس في المنطقة الذي شكل اتفاقاً دبلوماسياً لإعلان الحرب على روسيا.
يضاف إلى ذلك هزيمة روسيا في حربها مع اليابان عام ١٣٢٣هـ/ ١٩٠٥م، التي كان لها أثر كبير في تحويل روسيا عن المجال الآسيوي إلى المجال الأوربي، وخاصة في شبه جزيرة البلقان، وقد أثبتت الشعوب الأسيوية قدرتها على تحدي المستعمر الأبيض، وقد شكلت هزيمة روسيا بداية يقظة آسيا وانفراجها.
وبسيطرة بريطانيا على الخليج ضمنت لنفسها امتلاك الطريق التجاري الكبير المتمثل في الخليج، وفي منطقة ما بين النهرين، هذا الطريق الذي سينافس طريق البحر الأحمر ومصر، ولما كانت الهند محور سياسة الإنجليز التوسعية، رغبوا في عمل شبكة مواصلات تربط الموانئ الهندية والخليج العربي بشواطئ سوريا والبحر الأسود، نظراً لموقع الخليج في الطريق إلى الهند.
وقد أسفر الصراع الروسي الإنجليزي للسيطرة على المنطقة عن فشل محاولات روسيا في تحقيق أهدافها في مختلف مناطق الخليج بما فيها المحمرة، وعن اقتسام النفوذ في فارس: شمال فارس لروسيا وجنوبها لبريطانيا، بموجب اتفاق بطرسبرج عام ١٣٢٥هـ/ ١٩٠٧م الذي حل جميع المشكلات القائمة بين بريطانيا وروسيا في منطقة وسط آسيا: أفغانستان والهند، وغربها: الخليج العربي.
стр. 573
سيرة وشمائل محمدية
стр. 574
السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إسحاق (دراسة مقارنة في العهد المكي)
المؤلف/ المشرف: سليمان بن حمد العودة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: سيرة وشمائل محمدية
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
الحمد لله أولاً وآخراً، وهو الذي بنعمته تتم الصالحات .. وبعد: ففي نهاية هذه الرسالة، ومن خلال المقارنة بين رواية الصحيحين، وابن إسحاق في أحداث السيرة نستطيع أن نسجل الملحوظات الآتية: أولا: كثرة أحداث السيرة في الصحيحين خاصة في البخاري بشكل لا يتوقعه الباحث لكن جمع ذلك يحتاج إلى نوع من التقصي تفرضه طبيعة منهجهما التي سبق الحديث عنها وهذا المنهج من الدقة أحيانا وعدم الوضوح أحيانا بحيث يحتاج إلى إمعان نظر والرجوع إلى الشروح المعتبرة لتسهم في بيان المجمل وإيضاح المشكل. ومع هذه الكثرة تنتظم رواية الصحيحين جميع أحداث السيرة، ولعل من أبرز الإسناد في ذلك أن الشيخين اشترطا للتدوين في صحيحيهما علوا في الإسناد تقصر دونه بعض الأحداث في السيرة، وقبلها غيرهما كابن إسحاق وغيره من أرباب السير، بل وأصحاب كتب الحديث الأخرى الذين لم يلتزموا بشرط الشيخين. ومن هذه الأحداث التي أغفلتها رواية الصحيحين – في الفترة المكية حديث إرضاع حليمة السعدية للنبي ﷺ ، وفترة إقامته في بادية بني سعد، يستثنى من ذلك حديث مسلم عن شق الصدر في تلك الفترة. ومنها حديث ذهاب النبي ﷺ وهو غلام مع عمه إلى الشام وقصته مع " بحيرى" الراهب. ومنه: خبر إسلام عمه حمزة بن عبدالمطلب ﵁. ومنها: الروايات في عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل.
ثانيا: وهناك نوع من الحوادث في السيرة وردت الإشارة إليها في الصحيحين بشكل مجمل دون الإسهاب في تفصيلاتها، وهذا النوع نستفيد منه بتوثيق أصل الحادثة الواردة عن ابن إسحاق، لورودها في الصحيحين أو أحدهما ونحتاج في تفصيلاتها إلى نوع من الدراسة المنهجية الناقدة لنتبين الصحيح من الضعيف. ومن نماذج هذا النوع حادثة حصار الشعب، وتزويج خديجة ﵂ للنبي ﷺ وإسلام سلمان الفارسي ﵁، والهجرة إلى الحبشة .. ونحوها.
ثالثا: وفي مقابل هذا نجد في الصحيحين روايات لا وجود لها عند ابن إسحاق، وهذه تضيف إلى نصوص السيرة المشهورة نصوصا أخرى ربما غفل عنها بعض الباحثين، ففي " شق الصدر" مثلا تتفق رواية الصحيحين مع ابن إسحاق على شق صدره ﷺ وهو في بني سعد، وتزيد رواية الصحيحين بذكر الواقعة مرة أخرى عند الإسراء والمعراج، وكذا " انشقاق القمر" وهو من معجزات النبوة في مكة تثبته رواية الصحيحين، ولم أجد له ذكرا عند ابن إسحاق. ومثال ذلك يقال في صعوده ﷺ جبل جراء بمكة هو ونفر من أصحابه، وإخباره حينها عن أمور غيبية وقعت كما أخبر، وهذه ليس لها ذكر عند ابن إسحاق، وهي من روايات " مسلم" وفي وقائع الهجرة إلى المدينة تضيف رواية الصحيحين في طريق الهجرة أحداثا لم تأتي عليها رواية " ابن إسحاق" كخبر الراعي، ولقيا النبي ﷺ للزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، هذا فضلا عما في قصة " سراقة" من زيادات لا تذكرها رواية ابن إسحاق، كما سبق بيان ذلك.
стр. 575
رابعا: وهناك نوع من الحوادث تختلف دلالته بين رواية ابن إسحاق وبين الصحيحين، وتبرز الفروق جلية واضحة بينهما، وقد أبنت في فصول الرسالة أشياء كثيرة من هذا النوع ومن أمثلة هذا النوع. الاختلاف في كيفية بدء الوحي ونزول جبريل أول ما نزل على النبي ﷺ فحين تعرضه رواية ابن إسحاق والنبي ﷺ نائم، تؤكد رواية الصحيحين أن ذلك كان في اليقظة. وأول ما نزل من القرآن – بعد فترة الوحي- سورة " الضحى" في رواية ابن إسحاق بينما في رواية الصحيحين سورة " المدثر". وفي موت ورقة بن نوفل خلاف بين رواية إسحاق والشيخين في تحديد زمنها، فتذكره الأولى بعد أن اشتهر الإسلام، وعذب من عذب من المؤمنين، وتذكره الأخرى بعد بدء الوحي وقبل إظهار الإسلام. وفي هجرة الحبشة تذكر رواية ابن إسحاق هجرة أبي موسى الأشعري ومن معه من مكة، بينما تذكره رواية الصحيحين من اليمن، وكذا الخلاف في أول من هاجر إلى المدينة من المسلمين. ومن أعظم الخلاف بين رواية الصحيحين وابن إسحاق خلافهما في موت أبي طالب، وهل كان على الإسلام كما يفهم من رواية ابن إسحاق أم على الكفر كما في رواية الصحيحين وصريح القرآن. هذه نماذج لاختلاف الرواية بين ابن إسحاق والشيخين في الفترة المكية، ولو انتقلنا إلى الفترة المدنية لوجدنا من ذلك – أيضا- الشيء الكثير؛ من أمثلته: في سرية " الرجيع" ذكر ابن إسحاق أن عدة أصحابها ستة نفر، وأميرهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي بينما نجد في البخاري أن عدتهم عشرة، وأميرهم عاصم بن ثابت بن الأقلح، والقراء الذين قتلوا في بئر معونة عدتهم عند ابن إسحاق أربعون رجلا وعند البخاري ومسلم سبعون رجلا. وأصحاب الحديبية عند ابن إسحاق سبعمائة، والذي في الصحيحين أنهم ألف وأربعمائة أو أكثر، إلى غير ذلك من مناحي الاختلاف.
وأخيرا أشكره تعالى على ما يسر وأعان على إنجاز هذا البحث، وأقول: ومع ما قضيته فيه من الوقت، وما أفرغته فيه من الجهد ما وسعني الجهد، فإنني أقف في الخاتمة معتذرا عما زل به القلم مما هو مندرج تحت طبائع البشر وتقصيرهم.
أسأله تعالى أن يتجاوز عن الخطأ حيث وقع وأن يجزي على الصواب الذي إليه هدى .. وهو حسبي ونعم الوكيل. وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 576
الواقدي وكتابه المغازي منهجه ومصادره
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن سليمان السلومي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: عمادة البحث العلمي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: سيرة وشمائل محمدية
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
الخاتمة: وبعد دراستي للواقدي وكتابه المغازي توصلت إلى نتائج عدة منها ما يلي:
١ - أن القول الراجح في مولد الواقدي أنه ولد سنة ثلاثين ومائة للهجرة.
٢ - أن الواقدي يعتبر من بحور العلم وأحد الحفاظ المشهورين، ولذلك يمكن أن يقال أنه أحد الموسوعات العلمية في تاريخ الإسلام.
٣ - ظهر لي من خلال الكلام على مصنفات الواقدي، أن كتاب المغازي هو الكتاب الوحيد الذي وصل إلينا من كتب الواقدي وما عداه فقد سبق الإشارة إلى عدم صحة ثبوت نسبتها إليه.
٤ - أن الواقدي يعتبر ضعيفا في الحديث، ولكن يكتب حديث ويروي، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أن الظاهر عدم اتهامه بالوضع كما قال الذهبي.
٥ - أن للواقدي منهجا خاصا في الرواية التاريخية يختلف من منهج أئمة الحديث، فلا مانع عنده من أن يروي عن شخص مجهول إذا كان الحديث وقع في سلفه أو أحد أفراد عشيرته، أما أئمة الحديث فلا يروون إلا عن الثقة المعروف بالعدالة والصدق، ولعل هذا من أسباب تضعيفه عند المحدثين.
٦ - إن استخدام الإسناد الجمعي لم ينفرد به الواقدي بل عمل به غيره، ولكن الواقدي أكثر منه، فلعل هذه الكثرة هي التي أوثقته أحيانا بما نسب إليه من تركيب الأسانيد كما سبق بيان ذلك.
٧ - إن الواقدي يعتبر إماما ورأسا في المغازي والسير لا يستغنى عنه في هذا الباب، فهو أحد أئمة هذا الشأن الكبار، وهذا محل إجماع بين أهل السير والتراجم.
٨ - ظهر لي عدم صحة اتهام الواقدي بالتشيع.
٩ - تبين لي أن الواقدي كتب مغازيه في المدينة النبوية قبل انتقاله إلى بغداد وصلته الوثيقة ببعض خلفاء بني العباس، وهذا يسقط ما زعمه هوروفتس من تأثير هذه الصلة على مروياته في المغازي.
١٠ - أن القول الراجح في تاريخ وفاة الواقدي هو ما ذكره تلميذه ابن سعد حيث قال عنه: " فلم يزل قاضيا حتى مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين ودفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران، وهو ابن ثمان وسبعين سنة"
١١ - إن كتاب المغازي يعتبر مصدرا مهما من مصادر السيرة النبوية.
١٢ - عدم صحة تهمة سطو الواقدي على سيرة ابن إسحاق.
١٣ - جودة عرض الواقدي للمادة العلمية وتنظيمها في كتابه المغازي.
١٤ - ضبط الواقدي لتاريخ الغزوات والسرايا النبوية.
١٥ - إن الواقدي قام بتحديد موقفه عند كثير من مسائل الخلاف بذكر الراجح عنده.
١٦ - اهتمام الواقدي بالدراسة الميدانية للمواقع الجغرافية في المغازي والسرايا النبوية مما يجعله مصدرا مهماً في هذا المجال.
١٧ - إيراد الواقدي بعض الإضافات العلمية في كتابه المغازي وقد عقدت لإبرازها فصلاً كاملاً مما يدل على سعة علمه وتنوع ثقافته.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 577
خصائص المصطفى ﷺ بين الغلو والجفاء
المؤلف/ المشرف: الصادق بن محمد بن إبراهيم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: سيرة وشمائل محمدية
تصنيف فرعي: خصائص الرسول
الخاتمة
بعد حمد الله تعالى على توفيقه لي بإتمام هذا البحث أبين في خاتمته ما وصلت إليه من نتائج.
١ - إن مصطلح الخصائص عند كتاب السيرة النبوية أعم من مصطلح الدلائل لاشتماله على الدلائل التي تدل على صدق النبوة وغيرها. وأعم من مصطلح الشمائل لاشتماله على الخصال الحميدة وغيرها من المعجزات والدلائل .. الخ. وأعم من مصطلح الفضائل لاشتماله على الخصائص التفضيلية والتشريعية معا. وبالنظر لمصطلح الخصائص مع كل مصطلح من المصطلحات السابقة على حدة نجده أخص.
٢ - إن مجال الدراسة في الخصائص التشريعية فقهي بخلاف الخصائص التفضيلية فمجال الدراسة فيها عقدي لوجود الإفراط والتفريط فيها وموضوع هذا البحث هو دراسة هذا الجانب الأخير منهما.
٣ - أثبتت الدراسة أن اختصاص النبي ﷺ عند الغلاة بأنه مخلوق من نور الله تعالى مستمد من الفلسفة الهرمسية والأفلوطينية والهندية القديمة وهو المدخل الذي استغله الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام في التقريب بين الدين وبين تلك الفلسفات القديمة القائلة بصدور العالم عن الله تعالى.
٤ - أثبتت الدراسة أن القول بوحدة الوجود والاتحاد بالله تعالى مستمد من تلك الفلسفات خاصة نظرية الفيض الأفلوطينية، نقلها إلى المسلمين فلاسفة الصوفية ووضعوا لها أحاديث النور المحمدي لتأخذ الصبغة الإسلامية.
٥ - أدى الغلو في خصائصه ﷺ إلى الغلو في مشايخ الغلاة إمّا عن طريق أخذ الفضائل والخصائص لمشايخهم من النبي ﷺ يقظة لا مناماً، أو بالاستمداد من خصائصه ﷺ المزعومة عن طريق الانتساب إليه ﷺ .
٦ - أثبتت الدراسة أن اتخاذ الوسائط الشركية ناتج عن تشبيه الخالق جل وعلا بالمخلوق.
٧ - اعتماد الغلاة في الاستدلال على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، واعتماد الجفاة على الكذب والدعاوى المجردة عن الأدلة.
٨ - بنى الغلاة غلوهم في كرامات ومناقب مشايخهم على الغلو في خصائصه ﷺ فلما تبين بطلان ما زعموه للنبي ﷺ من خصائص كان بطلان ما زعموه لمشايخهم من باب أولى.
٩ - أدى الغلو بجعل مناقب وكرامات لمشايخ الغلاة تفوق خصائص النبي ﷺ إلى تعظيمهم فوق تعظيمه وطاعتهم وترك طاعته ومحبتهم ودعوى محبته ﷺ وهذا هو الجفاء الحقيقي له ﷺ ، وعليه ظهر كذب دعواهم أن أهل السنة الذين يتبعون سنته ﷺ في كل ما جاء به هم جفاة النبي ﷺ .
١٠ - أدى جهل الكثير من المسلمين بالصحيح من خصائصه ﷺ إلى انحرافات عقدية خطيرة كجعل خصائص للرسول ﷺ هي من جنس خصائص الربوبية والإلهية أو يؤدي إلى هدم الشريعة عموماً بتصديق كل من ادعى النبوة أو أخذ الأذكار والضمانات والفضائل منه ﷺ يقظة لا مناماً ونحو ذلك.
١١ - وجوب اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم فيما يدين به المسلم ربه عموماً وفيما يتعلق بشخص الرسول ﷺ خصوصاً.
стр. 578
تاريخ
стр. 579
أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري
المؤلف/ المشرف: عبد العزيز محمد نور ولي
المحقق/ المترجم: بدون دار الخضيري - المدينة المنورة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
نتائج البحث
١ - انتهاج الروايات التاريخية الشيعية وبخاصة الغالية منها خطاً عاماً يوافق المعتقدات والأسس التي قامت عليها عقيدة الشيعة، ولاستخلاص الحقائق من تلك الروايات لابد من التنبه لذلك المنهج وتجريد الروايات منه.
٢ - اقتصر اهتمام غلاة الشيعة بالأحداث التي لها ارتباط بمعتقداتهم أو تختص بالكوفة والعراق حيث أنهم نقلوا معظم أحداث تلك المنطقة، وذلك لأنها مركز التشيع ومنها انطلقت مبادئهم وحركاتهم.
٣ - نجد في الروايات الشيعية التاريخية بعض الأمور التي وافقت الروايات الصحيحة ولكن مثلهم مثل الكهان الذين يأخذون من مسترقي السمع من الشياطين الخبر الصادق ويخلطون معه مائة كذبة (١).
٤ - غلاة الشيعة يستغلون بعض الحقائق ليصوغوها بما يوافق هواهم.
٥ - يستغل غلاة الشيعة مواطن الاختصار في الروايات الصحيحة والتي تكون مجالاً للدس فيها فيستغلونها لخدمة عقيدتهم ومذهبهم.
٦ - الكم الهائل للروايات الشيعية التي تضمنتها المصادر السنية.
٧ - رغم كثرة الروايات التاريخية الشيعية في المصادر التاريخية المعتمدة عند أهل السنة، إلا أن تلك الروايات كانت أهون بكثيرٍ من الروايات التي تناقلتها المصادر الشيعية البحتة.
٨ - اعتماد المصادر التاريخية على الروايات الشيعية في حوادث مختلفة من التاريخ، ولعل من أهم الأسباب لهذا الاعتماد الكبير عليها عدم وجود الروايات المقابلة التي تعطي التسلسل التاريخي للحدث كما تصوره الرواية الشيعية.
٩ - هذا التشويه والتزييف للتاريخ الإسلامي من قِبَل الشيعة تأثَّر به كُتَّاب التاريخ قديماً وحديثاً، فتجد في الروايات المنقولة من طرق ضعيفة رغم أن رجالها ليسوا شيعة ولكنهم ينقلون ما يوافق روايات الشيعة، فلا يُستبعد تأثّرهم بروايات الشيعة.
١٠ - ضرورة مراجعة كثير من الأخبار المشهورة في التاريخ للتأكد من صحتها، فليس كل ما هو مشهور صحيح.
١١ - عدم تجاهل جانب التشيع في غير الغالين فيه، فرغم عدم غلوهم إلا أنهم ينقلون ما يوافق تشيعهم.
١٢ - إن هذا البحث يحتاج إلى بحوث أخرى متخصصة في الأحداث والجوانب التاريخية تتبعه لاستكمال جوانبه، وحبي أني وضعت اللبنة الأساسية فيه.
стр. 580
إمارة (أبو عريش) فترة الحكم المصري وإعلان التبعية العثمانية
المؤلف/ المشرف: إسماعيل بن محمد البشري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة العبيكان- الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العثمانية
الخاتمة:
وهكذا ظهر لنا من خلال هذه الدراسة الكيفية التي انتقلت بها السلطة في إمارة (أبو عريش)، حيث بدأ دور آخر من أدوار تاريخها الحديث في ظل فرع آخر من الأشراف هو فرع (آل حيدر) الذي أعلن الولاء والطاعة لمحمد علي باشا، وأصبح الشريف علي بن حيدر الحسني ممثلاً للإدارة العثمانية المصرية في المنطقة.
ومن الغريب أن الشريف علي بن حيدر لم يحاول الاستفادة من هذه التبعية بشكل كبير لمساعدته في إحكام قبضته على إمارته من ناحية, ولم يحاول – من جهة أخرى – أن يتخلص من هذه التبعية، بل اكتفى بما يشبه التبعية الإسمية مع وجود بعض الجنود العثمانيين ضمن قواته، وإن لم يكن لهم أي دور في استقرار الأوضاع في المنطقة التي كانت مسرحاً لهجمات قبائل يام عليها بين الحين والآخر بدعوة من الشريف حيناً, وبدون دعوة أحياناً أخرى.
وقد شهدت المنطقة في ظل الحكم المصري الكثير من الصراعات والمناوشات بعد غياب حكم الشريف حمود أبو مسمار القوي، وبروز الأطماع والتنافسات الأسرية والمحلية, خاصة وأن الشريف علي بن حيدر قد وصل إلى السلطة تحت الحراب العثمانية التي يعتبرها أهالي المنطقة قوات غازية ودخيلة.
وقد اتضح لنا كيف كانت إمارة عسير تلعب دوراً رئيسياً في مقاومة قوات محمد علي باشا في المنطقة, ومحاولات علي بن مجثل وخلفه عائض بن مرعي المتتالية للسيطرة على إمارة (أبو عريش) , واستغلال جميع القوى المحلية المناهضة من الأشراف وغيرهم، وكذلك استثمار القوى الثائرة ضد محمد علي باشا مثل تركجة بيلمز وقواته، والعسيريون يدركون أن إمارة (أبو عريش) تمثل باباً خلفياً لإمارتهم فلابد من تأمين ذلك باستمرار، ولعل في قبولهم في معظم الأحيان بالسيطرة على (صبيا) ومخلافها ما يدل على ذلك.
أما بعد وفاة الشريف علي بن حيدر، فقد ظهر لنا على مسرح الإمارة في (أبو عريش) شخصية بارزة من الأشراف لديها من الطموح والقدرات السياسية والعسكرية ما كان يفوق قدرات وإمكانات الإمارة نفسها ألا وهو الشريف حسين بن علي بن حيدر.
لقد خلف الشريف الحسين والده وساعدته الظروف بانسحاب محمد علي باشا من الجزيرة العربية مما هيأ له الفرصة للسيطرة على الإمارة مستقلاً إلى حد كبير عن أي سلطة خارجية، وقد أظهر لنا البحث شيئاً يسيراً من طموحات الشريف الحسين من خلال سيطرته على السواحل اليمنية وإخضاعها لحكمه.
لقد كانت أزمة (مخا) بين الشريف والقنصل الإنجليزي هناك سبباً في بروز الاهتمام العثماني بالمنطقة، وحرص الباب العالي على إثبات سيطرته على السواحل اليمنية خاصة بعد احتلال بريطانيا لعدن، ولذلك فإن أزمة (مخا) قد دفعت بإمارة (أبو عريش) إلى مسرح الأحداث في خضم التنافس الدولي في البحر الأحمر، وقد كشف لنا البحث عن جهود الدولة العثمانية في سبيل تأكيد سيطرتها على إمارة (أبو عريش) والسواحل اليمنية من خلال مبعوثها أشرف بك، ثم وقوفها ضد أطماع بريطانيا في المنطقة.
ومن خلال الدراسة ظهر لنا أن الشريف الحسين بن علي بن حيدر قد كان يدرك إلى حد كبير الأطماع البريطانية، وكان له دور ملموس في محاولة استنهاض همة الدولة العثمانية لطرد البريطانيين من عدن، إضافة إلى جهوده الشخصية لمضايقة البريطانيين والمتعاملين معهم في ميناء (مخا) , واستقطاب القوى المناهضة للتدخل الأجنبي في المنطقة، وإن كان ذلك يدل على غيرة الشريف الحسين الدينية وحرصه على بلاده، إلا أنه يلقي الضوء من ناحية أخرى على أن الشريف لم يتفهم الموقف الدولي في تلك الفترة, وما كانت تعانيه الدولة العثمانية من تفكك وانهيار وضعف أمام القوى الاستعمارية.
لقد أدت أزمة (مخا) إلى إعلان الشريف تبعيته للسلطان العثماني الذي أصدر الفرمان القاضي بتعيين الشريف حاكماً على السواحل اليمنية وتثبيته أميراً على (أبو عريش) , حيث دخلت تلك الإمارة مرة أخرى تحت سلطة الباب العالي, ومن ثم الدخول في تعقيدات سياسية جديدة خاصة مع طموحات الشريف غير المحدودة في السيطرة على اليمن الأعلى، حيث تبرز تناقضات السياسة العثمانية تجاه المنطقة خلال السنوات التي تلت أزمة (مخا)، وهذا الموضوع سيكون محل دراسة أخرى –إن شاء الله تعالى- والله ولي التوفيق.
стр. 581
الحرف والصناعات في الحجاز في عهد الرسول ﷺ
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن إبراهيم العمري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الضياء - جدة ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٠٥هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: جزيرة العرب - الحجاز
من الدراسة السابقة يتضح لنا كيف كانت حال الحجاز في العصر النبوي من حيث الأعمال والحرف والصناعات التي كان سكان الحجاز يمارسونها، وتعتبر مصادر الدخل الرئيسية عندهم، وهي شريان الحياة للمجتمعات الحجازية عموما في تلك الأيام، كما أن هذه الحرف كانت تلبي معظم حاجات السكان ومتطلباتهم عدا القليل مما يطلبه الناس خارج الحجاز.
كما اتضح لنا مواقف العرب المختلفة من الحرف والصناعات وكيف كانوا يميزون بين هذه الحرف، واعتبار الكثير منها حرفا محتقرة في نظرهم وبالتالي احتقارهم لمن يحترفها كالحدادة والنجارة وغيرها مما ذكرنا في محله، مما دفع أناسا آخرين كاليهود أو الموالي إلى استغلال هذا الجانب وبالتالي أجادوا هذه الحرف وحدهم مما جعلها تدر عليهم الأموال الطائلة.
وحينما جاء الإسلام لاحظ هذا الجانب فكان الرسول ﷺ يحاول جاهدا إزالة هذه الأوهام من عقول الناس فكان يرفع من شأن الحرف المحتقرة في نظر العرب ويجالس العاملين فيها ويرفع من معنوياتهم ويؤاكلهم ويشاربهم، بل ويدفع إليهم ابنه الوحيد ليربونه في منازلهم.
واستنتجنا من خلال هذا البحث أن الحرف في الحجاز كانت موزعة في مختلف الأماكن في الحجاز كما أن هناك توزيعا معينا لهذه الحرف حسب الظروف لكل منطقة من مناطق الحجاز، فلاحظنا أن الرعي كان هو الحرفة العامة لبلاد الحجاز في الحواضر والبوادي، وهو مصدر العيش لبادية الحجاز بالدرجة الأولى وعليه اعتمادهم في معاشهم، ولم يكن أحد من العرب يحتقر هذه الحرفة. كما أن الزراعة كانت هي الحرفة الرئيسة لسكان الطائف والمدينة وخيبر ووادي القرى، وكان الأعراب ينظرون إليها نظرة احتقار.
ولاحظنا أن التجارة كانت هي مصدر الدخل الرئيسي لقريش في مكة حيث كانوا يتاجرون مع الشام واليمن ويستفيد من ذلك أصحاب رؤوس الأموال بدرجاتهم المختلفة، كما استفاد أناس آخرون كانوا يخدمون هذه التجارة بطريقة ما، إضافة لذلك فإن الأسواق الموسمية كان لها دور كبير في خدمة التجارة، كما أن مدن الحجاز عموما لم تكن تخلوا من أسواق دائمة استفاد منها التجار والمنتجون وخدمت أغراض البيع والشراء.
وقد أشرنا في البحث إلى أن حرفة البناء كانت قائمة في بلاد الحجاز وتلبي الحاجات المختلفة للسكان حسب متطلباتهم المتواضعة في تلك الأيام واستعرضنا نماذج مختلفة للبناء من خلال ما ورد في النصوص سواء كانت هذه البنايات لأغراض دينية أو عسكرية أو لأغراض السكنى أو حفر الآبار وغيرها مما أعطانا تصورا عن هذه الحرفة وإمكاناتها في تلك الأيام.
كما استعرضنا في فصل صناعة السلاح أنواع الأسلحة المعروفة في الحجاز في العصر النبوي وما كان يصنع منها محليا أو يصقل، واختصاص اليهود والموالي في تصنيع السلاح، وأن ذلك جعل اليهود يملكون مستودعات ضخمة للأسلحة كانوا يدفعونها إلى من يحتاج إليها منهم بالسعر الذي يريدون عند الحاجة إليها،
وقد بينا أن الرسول ﷺ خلال هذه الفترة كان يحض المسلمين على عمل السلاح وصيانته حيث كان يصون سلاحه بنفسه إضافة إلى أن الرسول ﷺ كان يبحث عن الأسلحة المفيدة حتى أنه بعث بعض الصحابة إلى (جرش) كما مر بنا في بحث صناعة الدبابة كما أنه كان يستفيد مما يجده من سلاح، حيث استفاد من المنجنيق في حصار خير وفي حصار الطائف مما زاد من عناية المسلمين بالأسلحة المختلفة.
стр. 582
ومن خلال دراسة الحرف العلمية والصحية اتضح كيف أن الكتابة العربية كانت معروفة في الحجاز قبل الإسلام ووجد من يعلمها الصبيان في الطائف وغيرها وحينما جاء الإسلام حث على التعليم وأكد على تعليم الصبيان القراءة والكتابة مما جعل المسلمين يبرزون في هذا المجال فيما بعد.
إضافة لذلك فقد حث الرسول ﷺ المسلمين على تعلم لغات الأعداء للأمن من مكرهم، فوجد مترجمون مختصون بين المسلمين كانوا يلبون حاجة المسلمين أيام الرسول ﷺ .
كما أن الطب كان معروفا بين سكان الحجاز ووجد عدد من الأطباء أشهرهم (الحارث بن كلدة) طبيب العرب كما وجد أطباء آخرون غيره وتميز ذلك العصر بأساليب خاصة في علاج الأمراض حسب ما تتيحه الظروف في تلك الأيام كما أن الرسول ﷺ ، أمر بإقامة أول مستشفى في الإسلام وهي خيمة (أم رفيدة الأنصارية) في مسجده حيث كانت تداوي الجرحى أثناء غزوة الخندق، واشتهرت حرفة الحجامة في تلك الأيام وكان يقوم بها أناس مختصون، كما وجد العطارون، الذين يبيعون للناس الطيب والأعشاب الطبية إضافة إلى بعض الأشياء المتعلقة بالتجميل.
واستعرضنا ما تحترفه بعض النساء من تجميل للعرائس إضافة إلى الأساليب المتبعة في التجميل في تلك الأيام وموقف الإسلام منها.
وفي الفصل الأخير مررنا ببعض الحرف العامة التي كانت شائعة في بلاد الحجاز وتختلف نظرة العرب إليها كل حرفة على حدة وموقف الإسلام من هذه الحرف ومدى انتشارها فاستعرضنا الحدادة والعاملين فيها ومدى الحاجة إليها ومدى ما وصلت إليه من تطور في تلك الأيام. ثم استعرضنا الصياغة والتعدين وصناعة حلي النساء وغيرها، ووجدنا أن هناك صوّاغاً معروفين يقومون بعمل الحلي والأختام وغيرها ويحلون الأسلحة.
وانتهينا إلى أن الدباغة كانت من أهم الحرف في منطقة الطائف ووجود أناس يقومون بهذه الحرفة ولم يكن أهل الطائف يحتقرون هذه الحرفة، كما أن الخرازة وهي عملية تحويل الجلود إلى أثاث أو أحذية أو أشياء أخرى يستفاد منها كانت قائمة في المنازل في مكة وفي المدينة وغيرها ووجد من أمهات المؤمنين من تقوم بذلك وتتصدق على المساكين من دخلها من هذا الجانب.
واستعرضنا حرفة الغزل والنسيج وما يلحق بها من خياطة وصباغة وتبين لنا مدى تطور هذه الحرف وأنها كانت منتشرة في مختلف مناطق الحجاز وتتدرج من حيث الأهمية بين منطقة وأخرى وكان تركيزها بالدرجة الأولى على الاستفادة من الخامات المحلية من أصواق أو سعف نخيل وغير ذلك، وأشرنا في نهاية البحث إلى وجود الأجراء بمثابة العمال غير المختصين الذين يقومون بإنجاز بعض الأعمال مقابل أجر معين، ومن هؤلاء كان السقاة والحمالون وغيرهم.
وقد رأينا من خلال البحث كيف كان الصحابة ﵃ رجالا ونساء يشاركون في هذه الحرف بل إن الرسول ﷺ شارك في الكثير منها سواء في رعي الغنم أو في التجارة في مكة أو في قيامه ﷺ بعمل الأشياء الخاصة به وصيانتها من سلاح أو لباس وحذاء وغير ذلك فكان الرسول ﷺ يضرب للمسلمين المثل في ذلك. أسأل الله أن أكن قد أديت بعضا مما ينبغي لهذا البحث وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 583
الحملة العثمانية على إمارة (أبو عريش) والسواحل اليمنية
المؤلف/ المشرف: إسماعيل بن محمد البشري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة العبيكان- الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العثمانية
الخاتمة:
نجحت الحملة العثمانية على إمارة (أبو عريش) والسواحل اليمنية في تحقيق أهدافها وبأقل خسائر ممكنة، وبشكل لم يكن متوقعاً لدى الباب العالي، وتمكنت الدولة العلية من بسط نفوذها على منطقة ذات حساسية بالغة، وتمثل بعداً استراتيجياً للسياسية العثمانية في الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
وكان للسياسة التي اتبعها محمد بن عون في استقطاب مشايخ القبائل والقوى المعارضة لسلطة الأشراف في المنطقة الدور الأكبر في تمكين القوات الغازية من الوصول إلى أهدافها بكل يسر وسهولة، وبدون أي مقاومة تذكر، خاصة فيما يتعلق بالسواحل اليمنية، أما اليمن الأعلى فقد كان سوء التخطيط والجهل بالأوضاع السياسية والقبلية في صنعاء ومخاليفها سبباً في فشل السيطرة عليها، حيث عادت القوات العثمانية أدراجها بعد حوالي شهر من دخولها صنعاء.
ولقد شجعت نجاحات الحملة الباب العالي على اتخاذ سياسة أكثر حزماً وقوة تجاه القوى المسيطرة على جنوب غرب الجزيرة العربية، وخاصة بعد فتح قناة السويس؛ أدت إلى بسط النفوذ العثماني على إمارة عسير والمخلاف السليماني بكامله, والإمامة الزيدية في اليمن.
لقد كانت الفترة التي تلت سقوط حكومة الشريف الحسين بن علي بن حيدر في السواحل اليمنية وكف يده عن التصرف في إمارة (أبو عريش) مليئة بالأحداث والصراعات بين القوى المحلية والقوات العثمانية, التي لم تكن سيطرتها تتجاوز حدود المدن الرئيسة وضواحيها، وكذلك الخلافات الحادة بين أشراف (أبو عريش) بعد رحيل الشريف الحسين إلى إستانبول، ثم استقراره في مكة المكرمة حيث دخلت المنطقة في فوضى سياسية ومالية وقبلية استمرت حتى قيام إمارة الإدريسي في الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وهي فترة تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها من خلال الوثائق العثمانية والمصرية والمحلية وهو ما نحاول القيام به قريباً إن شاء الله تعالى.
стр. 584
الحياة العلمية في نجد
المؤلف/ المشرف: مي بنت عبدالعزيز العيسى
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دارة الملك عبد العزيز - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: جزيرة العرب - نجد
أحدثت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تحولا كبيرا في أوضاع نجد السياسية والاقتصادية والعلمية، فقد تمكنت الدولة السعودية الأولى، التي قامت على أساس تلك الدعوة، من لم شتات البلدان والقبائل النجدية المتفرقة في كيان سياسي موحد مع مطلع القرن الثالث عشر الهجري، كما نجحت تلك الدولة في توحيد مناطق أخرى من شبه جزيرة العرب، فغدت الدرعية قاعدة لدولة كبيرة تنعم بالاستقرار والأمن والرخاء الاقتصادي بدرجة جيدة، انعكس أثره إيجابا على مختلف جوانب الحياة فيها ومنها الناحية العلمية.
وكانت الحياة العلمية في نجد قد شهدت نموا تدريجيا إيجابا، بدأ تتابعه منذ القرن العاشر حتى منتصف القرن الثاني عشر الهجري. ومن مظاهر ذلك النمو الزيادة في عدد العلماء من حقبة لأخرى، وارتفاع نسبة هجرة العلماء ورحلتهم لطلب العلم داخل نجد وخارجها، وزيادة عدد المراكز العلمية، وارتفاع نسبة عدد المصنفين والمصنفات.
وقد طرأ تغير كبير على الأوضاع العلمية في نجد خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، أي فترة نشاط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، مقارنة بالنصف الأول منه، إذ بلغت نسبة الزيادة في عدد العلماء المترجم لهم ٧٤%، كما زادت نسبة هجرة العلماء داخل نجد إلى ١٨.١%، ونسبة هجرتهم خارجها إلى ١١.٣%. وذلك بسبب معارضة أكثر العلماء المهاجرين إلى خارج نجد لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، أو عدم ارتياحهم لها، إذ كانت نسبة هذا النوع من المهاجرين٦٢.٥% من عدد من هاجروا إلى خارجها.
وظهر ذلك النمو العلمي أيضا على الرحلة لطلب العلم داخل نجد وخارجها، فقد زادت نسبتها إلى ٧%، وزادت نسبة الراحلين لطلب العلم خارج نجد ٧.٦%، كما زاد عدد المراكز العلمية، التي قصدها طلبة العلم النجديون خارج الجزيرة العربية. وكان أكثر توجه أولئك الدارسين خارج نجد إلى الأحساء ودمشق.
أما في نجد فقد ارتفع عدد البلدان، التي خرج منها علماء إلى سبعة بلدان، وكان ترتيب هذه البلدان من حيث استقطابها للهجرة الداخلية والرحلة لطلب العلم كالتالي: الدرعية، المجمعة، أشيقر، العيينة، حوطة سدير، عنيزة، مقرن.
وكان تميز فترة الشيخ محمد بن عبدالوهاب فيما يتعلق بالمصنفات أكثر وضوحا من حيث الكم وتنوع العلوم المصنف بها، فقد ارتفعت نسبة المصنفين إلى ٢٥% من عدد العلماء المترجم لهم.
وقد ظهرت الزيادة واضحة في عدد مصنفات هذه الفترة بسبب كثرة ما صنفه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي بلغ عدد مصنفاته سبعة وأربعين مصنفا تشكل ٨١% من عدد مصنفات الفترة كلها. وعلى الرغم من أن أكثر مصنفات الشيخ محمد كانت في علم العقيدة، الذي هو جوهر دعوة الشيخ إلا أن بقية مصنفات الشيخ شملت مختلف العلوم الشرعية. وهذا الإنتاج العلمي الضخم للشيخ محمد يتناسب مع دور الداعية والمصلح الديني والمعلم الأول في الدولة السعودية الأولى.
стр. 585
ولما توسعت الدولة السعودية جغرافيا، بعد وفاة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، إثر توحيدها للأحساء، وبعض سواحل الخليج العربي، وجنوب غربي الجزيرة، والحجاز، أخذت ترسل الدعاة والمعلمين والقضاة إلى تلك المناطق الموحدة. وقد ظهر هذا النشاط العلمي واضحا من خلال عدد العلماء، الذين توفوا في الفترة الممتدة من وفاة الشيخ محمد سنة ١٢٠٦هـ إلى قيام الدولة السعودية الثانية سنة ١٢٤٠هـ، إذ بلغ عددهم خمسة وخمسين عالما، كما ظهر من خلال عدد العلماء، الذين تولوا مناصب دينية وعلمية زمن الدولة السعودية الأولى، ثم كان لهم نشاط بارز زمن الدولة الثانية، وقد بلغ عددهم ثمانية عشر عالما. وبذلك كان عدد من عرف من علماء نجد خلال هذه الفترة ثلاثة وسبعين عالما، منهم تسعة وأربعون ترجمت لهم الكتب المتوفرة، وهو عدد كبير مقارنة بالفترة السابقة، مع ملاحظة أن الفترة التي أعقبت وفاة الشيخ محمد لا تزيد على أربعة وثلاثين عاما، وأن الدولة السعودية الأولى شغلت خلال السنوات السبع الأخيرة من عمرها (أي من ١٢٢٦ - ١٢٣٣هـ) بمواجهة الغزو المصري العثماني لأراضيها، الغزو الذي استهدف القضاء المبرم عليها. كما أن الفوضى والاضطرابات الأمنية عمت نجدا خلال السنوات الست التالية.
وكان من مظاهر هذا النمو العلمي في نجد ارتفاع نسبة العلماء المهاجرين بمقدار ١٩.٥% عن نسبتهم في فترة الشيخ محمد. ومن أهم العوامل التي أدت إلى هذه الزيادة، إرسال الدولة السعودية القضاة إلى البلدان التابعة لها خارج نجد، وكذلك تدمير إبراهيم باشا للدرعية ونقله لعدد من علماء نجد إلى القاهرة، وقد تمكن عدد من العلماء من الفرار من الدرعية واللجوء إلى خارج نجد. ومن مظاهر هذا النمو أيضا، ارتفاع نسبة الراحلين في طلب العلم ١١.٥% وارتفاع نسبة من اقتصروا على الرحلة داخل نجد١٧.٥%.
وكان ترتيب المراكز العلمية في الفترة ١٢٠٧ - ١٢٤٠هـ من حيث عدد من ولد فيها من علماء كالتالي: الدرعية ولد فيها ثلاثة عشر عالما، تليها كل من حرمة، والعيينة، والمجمعة ثلاثة علماء من كل منها، وقد شهدت الدرعية هجرة عشرة من العلماء، الذين ولدوا فيها إما بسبب تولي بعضهم القضاء أو بسبب تدمير الدرعية.
وكان ترتيب المراكز العلمية من حيث استقطاب الرحلة العلمية كالتالي: الدرعية وقد وفد إليها ٧٨% من عدد الراحلين لطلب العلم داخل نجد، وتلتها في ذلك بلدة عنيزة، ثم شقراء، فأشيقر. وهذا التميز العلمي للدرعية راجع إلى كثرة من وجد فيها من علماء من أبناء الشيخ محمد، وتلاميذه، وتوفر فرص العمل للدارسين في الدرعية أكثر من غيرهم بسبب قربهم من قادة الدولة السعودية.
وقد وضح تميز هذه الفترة (١٢٠٧ - ١٢٤٠هـ) من خلال توجه علمائها نسبيا إلى التصنيف، إذ بلغت نسبة المصنفين ٢٨% من عدد العلماء المترجم لهم. ولكن هذه الزيادة في عدد المصنفين لم ترافقها زيادة في عدد المصنفات، التي لم يتجاوز عددها ستة وعشرين مصنفا، أي ما يعادل٦٢%من مصنفات فترة الشيخ محمد بن عبدالوهاب.
وقد حافظ علم العقيدة على تقدمه على سائر العلوم في هذه الفترة أيضا. وتلاه في ذلك علم الفقه، في حين اختفى التصنيف في علمي التفسير واللغة، وتراجع التصنيف في التاريخ كما لا نوعا، إذ أن تاريخ ابن غنام، روضة الأفكار، يعد أدق سجل لتاريخ نجد في فترة الشيخ محمد حتى سنة ١٢١٢هـ، وإن كان اهتم بنشاط أتباع الدعوة ضد خصومها دون غيره.
على أن التصنيف في الفترة من ١٢٠٧ – ١٢٤٠هـ، كما ونوعا، لم يكن متناسبا مع ما حققته نجد من تطور سياسي، وحضاري، وعلمي. ولعل هناك من المصنفات خلال هذه الفترة ما فقد بسبب الأحداث، التي تعرضت لها نجد حينذاك.
стр. 586
وكان هذا النمو العلمي في نجد زمن الدولة السعودية الأولى ثمرة لانتعاش حركة التعليم وازدهارها، نتيجة لتوافر عوامل عدة ساعدت على ذلك النشاط التعليمي، ومن أهم تلك العوامل: تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، التي كان التعليم المعبر الأساسي لها إلى خاصة الناس وعامتهم، وتبني قادة الدولة السعودية الأولى الإنفاق على التعليم وتشجيعه. وكان اتصال علماء نجد بالعلماء في المناطق المجاورة من العوامل، التي أسهمت في نشاط حركة التعليم، خاصة بعد توحيد المناطق خارج نجد.
ومن أبرز مظاهر ازدهار التعليم في الدولة السعودية الأولى زيادة عدد العلماء والمعلمين، والاهتمام الكبير بتعليم العامة، وتعدد أماكن التدريس، إذ أصبح هناك خمسة مباني خاصة للتدريس في الدرعية، إضافة إلى تنوع العلوم، التي صنف بها علماء تلك الدولة.
أما عملية التدريس فقد استمرت على النمط الذي سارت عليه من قبل من حيث تدرج التعليم من تعليم أولي إلى تعليم متقدم، ومن حيث أوقات التدريس.
أما فيما يتعلق بمناهج التعليم والكتب الدراسية، فقد استمرت الدراسة في الكتب الفقهية المعتمدة عند علماء نجد قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، إلى جانب بعض ما ألفه الشيخ محمد من مصنفات في هذا العلم، في حين اعتمد في تدريس علم العقيدة على مصنفات الشيخ محمد فيها.
أما علماء الحديث والتفسير فقد اعتمدا على شروح الأئمة المعتبرين في علم الحديث، وأبرز كتب التفسير. وعلى الرغم من أهمية الإجازة العلمية بالنسبة للدارسين، إلا أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب لم يمنح أحدا من تلاميذه أي إجازة. وقد سار أبناؤه وتلاميذه، بصفة عامة على ذلك. ويمكن القول: إن لقب شيخ يمثل درجة علمية وهو المعتبر في تميز العلماء، عن غيرهم.
стр. 587
الخراسانيون ودورهم السياسي في العصر العباسي الأول
المؤلف/ المشرف: ثريا حافظ عرفة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: تهامة - جدة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٢هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العباسية
بعد هذا العرض الشامل للدور الذي لعبه الخراسانيون في نشر الدعوة العباسية، وفي إقامة الدولة العباسية، ثم في تصريف شؤون الدولة العباسية على امتداد العصر العباسي الأول، ومع التجاوز حتى إنهاء عهدهم بأمر شرطة بغداد في نهاية القرن الثالث الهجري، نستطيع أن نستخلص أهم النتائج التي انتهت إليها هذه الدراسة:
وأولى هذه النتائج هي التي اتضحت لنا من خلال التمهيد الذي قدمنا به هذا البحث، ألا وهي أن الموالي بصفة عامة والموالي الخراسانيين بصفة خاصة كانوا يتمسكون بأحبال أية حركة مناوئة للخلافة الأموية، كما أن الحركات الثورية في خراسان مثل حركة الحارث بن سريج، كانت تعتمد على هؤلاء الموالي الساخطين على حكم بني أمية، والذين كانوا يتطلعون إلى تحقيق مساواتهم مع العرب في كافة الحقوق، وفي نفس الوقت فقد لعبت العصبية القبلية في خراسان بين العرب اليمنية والعرب المضرية دورا هاما في نجاح الدعوة العباسية في خراسان.
وفي الباب الأول اتضح لنا كيف كانت خراسان أرضا خصبة للدعوة العباسية، وكيف كان الخراسانيون مهيئين للقيام بالثورة على الأمويين هذا ويتضح من الدور الذي قام به الدعاة في نشر الدعوة العباسية في خراسان ثم في الدور الذي قام به الخراسانيون بقيادة أبي مسلم الخراساني في الانتصار على الوالي الأموي نصر بن سيار، ثم مطاردة الخراسانيون القوات الأموية عبر فارس وفي العراق حتى قامت الخلافة العباسية بمبايعة عبدالله العباسي بالخلافة في مسجد الكوفة في سنة ١٣٢هـ وأخيرا في المشاركة في تحقيق النصر على الخليفة الأموي مروان بن محمد في موقعة نهر الزاب. غير أنه بعد أن تمكن الخراسانيون من تحقيق هذه الانتصارات الكبرى لصالح الخلافة العباسية حتى بدأ الخلفاء العباسيون يتخوفون من استئثار الخراسانيين بالسلطة، ممثلة وقتذاك في أبي سلمة الخلال كبير الدعاة في الكوفة، وأول وزير في الدولة العباسية، وفي أبي مسلم الخراساني الذي ظل يقيم في مرو الذي كان الحاكم المطلق للمشرق ..
وهذا ما يتضح لنا في الباب الثاني، فقد تخلص الخليفة عبدالله العباسي من أبي سلمة الخلال على يد أبي مسلم الخراساني، ثم تخلص أبو جعفر المنصور من أبي مسلم الخراساني بعد أن استخدمه في القضاء على حركة عمه عبدالله بن علي الذي قام في وجهه مطالبا بالخلافة بعد عبدالله العباسي.
على أن نفوذ الخراسانيين في الدولة العباسية لم يتوقف بعد التخلص من أبي مسلم الخراساني فما لبث أن عاد احتضن الخراسانيون، وبنو سهل خاصة المأمون الذي كانت تربطه بهم صلة النسب في نزاعه مع أخيه الأمين، وقاموا بتدبير أموره إلى أن تحقق له الانتصار الكامل على أخيه الأمين وتولية الخلافة من بعده.
ولم يقتصر دور الخراسانيين على استعادة نفوذهم ممثلا في سلطان الفضل بن سهل على الخليفة المأمون من خلال الدور الذي قام به في نصرته وفي تدبيره بل حاول تحويل الخلافة إلى البيت العلوي حين رأى ميل المأمون إلى آل البيت واستطاع بالفعل إقناعه بولاية عهده لعلي الرضا بن موسى الكاظم.
стр. 588
على أنه كما سبق القول، كان الخلفاء العباسيون يتداركون الأمر قبل فوات الأوان فما إن بلغت المأمون أخبار الاضطرابات التي حدثت في العراق وفي سائر أنحاء الولايات، ومبايعة العباسيين في بغداد لإبراهيم بن المهدي بالخلافة حتى هب للمحافظة في خلافته، فغادر خراسان إلى بغداد وفي الطريق إليها، تخلص من وزيره المستحوذ عليه الفضل بن سهل، وكذلك من ولي عهده علي الرضا وعاد الخليفة المأمون إلى بغداد، وقد جمع أمور الدولة في يديه ومدبراً أموره بسياسة حكيمة تجلت في استرضاء الخراسانيين مصاهرته الحسن بن سهل، وفي استرضاء الشيعة، بتزويج ابنته إلى ابن علي الرضا، وبحسن معاملة أولاد علي الرضا والشيعة عامة.
أما الباب الرابع، فإنه يدور حول الأسرة الطاهرية التي تنتسب إلى القائد الخراساني طاهر بن الحسن، والذين قاد المعركة التي انتصرت فيها القوات الخراسانية على الأمين قواته وانتهت بمقتل الأمين وتولي المأمون الخلافة، ثم ما كان من إبعاده عن بغداد وعن خراسان من قبل بني سهل خوفا من قوته وقوة جنده الخراسانية، وإعادة المأمون له عقب تخلصه من الفضل بن سهل وما كان من قيامه هو وابنه في القضاء على ثورة نصر بن شبث العقيلي وعلى الاضطرابات التي قامت في مصر أثناء الفتنة بين الأمين والمأمون، وهو الأمر الذي أدى إلى مكافأة المأمون لطاهر بن الحسين بتوليته إياه ولاية خراسان في سنة ٢٠٥هـ.
وعلى الرغم من محاولة طاهر بن الحسين الاستقلال بخراسان وما كان من موته المفاجئ في سنة ٢٠٧هـ، بتدبير من الخليفة المأمون على أرجح الأقوال إلا أن الخليفة المأمون ومن بعده الخلفاء العباسيين ظلوا يعتمدون على الطاهريين في حكم خراسان، فأقروا أبناء طاهر بن الحسن على ولاية خراسان التي استمرت ولايتهم حتى سنة ٣٠٠هـ.
وبذلك اتضح لنا في هذه الدراسة الدور الذي قام به الخراسانيون في الدولة العباسية على امتداد قرنين من الزمان بدءا من قيام الدعوة العباسية في خراسان في بداية القرن الثاني الهجري وانتهاء بنهاية القرن الثالث الهجري، وهو آخر عهدهم بأمر شرطة بغداد. وإذا كنا في هذه الدراسة قد تجاوزنا الحد الزمني لموضوع البحث وهو نهاية العصر العباسي الأول فذلك لأن وحدة الموضوع اقتضت تتبع الدور السياسي للخراسانيين حتى سقوط إمارتهم في خراسان في يد الصفاريين، وحتى انتهاء عهدهم بأمر شرطة بغداد.
والله ولي التوفيق.
стр. 589
الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري
المؤلف/ المشرف: يحيى بن إبراهيم اليحيى
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - الخبر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - الخلافة الراشدة
الخاتمة
وفي نهاية هذه الرسالة أحب أن أسجل أهم وأبرز النتائج التي توصلتُ إليها في هذا البحث:
١ - أهمية كتب الموسوعات عامةً والحديثية بخاصة، لاشتمالها على كتب ونصوص تاريخية قد لا توجد في غيرها.
٢ - أن مادة تاريخنا ليست محصورة بكتب التاريخ، بل ثمة عدد كبيرٌ من الروايات منتشرةً في كتب التراث غير المتخصصة.
٣ - أبرزت الرسالة أهمية الإفادة من كتب الحديث والتفسير خاصةً في كتابة التاريخ الإسلامي نظراً لما تحويه من نصوص تاريخية.
٤ - غزارة وكثرة الروايات التاريخية في فتح الباري، بصورةٍ لا يتوقعها الباحث، وأن هذه الروايات لا يمكن الوقوف عليها دون المسح الشامل للكتاب.
٥ - تحصَّلتُ على روايات كثيرٍ من كتب مفقودةٍ، مثل (تاريخ مكة) و (تاريخ البصرة) و (كتاب الجمل) لعمر بن شبة، و (أخبار زياد) للغلابي، و (كتاب صفين) للجعفي، و (أخبار الخوارج) لقدامة بن جعفر الجوهري، و (تاريخ نيسابور) للحاكم وغيرها.
٦ - وقفت على عددٍ من النصوص ساقطةٍ من الكتب المطبوعة، مثل نصوص ساقطة من (سنن سعيد بن منصور) ومن كتاب (أخبار مكة للفاكهي) و (كتاب الجهاد) لابن المبارك، وغيرها كثيرٌ مما هو مبينٌ في ثنايا الرسالة.
٧ - نقل ابن حجر عدداً كبيراً من الروايات قد أغفلتها الكتب التاريخية، ومن أمثلة ذلك الروايات التي أثبتها عن الجمل من كتاب (تاريخ البصرة) و (الجمل) لعمر بن شبة، فقد اقتبس منهما ثمان عشرة رواية عن الجمل.
стр. 590
الرحلات العربية مصدر من مصادر تاريخ المملكة العربية السعودية في الفترة (١٣٣٨هـ - ١٣٧٣هـ / ١٩٢٠م – ١٩٥٣م)
المؤلف/ المشرف: الجوهرة بنت عبدالرحمن المنيع
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الملك فهد الوطنية – الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٣١هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: رحلات تاريخية
الخاتمة:
حظيت المملكة العربية السعودية بكثير من الدراسات التاريخية لما لها من أهمية ومكانة في العالمين العربي والإسلامي، واستخدمت كثيراً من المصادر والوثائق للإلمام بتاريخ هذه البلاد، ولكن الاعتماد على كتب الرحلات العربية وإظهار أهميتها؛ لكونها مصدراً مهماً من مصادر تاريخ المملكة العربية السعودية لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة. ولا نزعم أننا شملنا جميع الرحلات العربية، وإنما هي محاولة جادة لحصر معظم الرحلات العربية واستخراج المادة الوفيرة في تلك المصنفات، ولفت الانتباه إليها بصفتها مصادر مهمة لتاريخ تلك الفترة وفاتحة لدراسات وأبحاث مستقبلة لمن أراد الاستزادة في هذا المجال.
أما عن أهم النتائج التي كشف عنها البحث فهي كما سيأتي:
- لقد كان من أهم أهداف البحث تأكيد أهمية العربية بوصفها مصدراً من مصادر تاريخ المملكة العربية السعودية، وتعود مصدريتها كما اتضح من خلال البحث إلى معاصرتها للأحداث، إضافة إلى أن ما دونه الرحالة العرب كان عن مشاهدة شخصية أو سماع عن مصادر قريبة من الأحداث أو معاصرة لها. وتميزت مدونات الرحلات العربية غالباً بالمصداقية في القضايا التي تناولتها، حيث اتسمت بدرجات متفاوتة بكثير من الخصائص العامة: كالدقة واتباع الخطوات العلمية والتحقيق والتمحيص ومعارضة الروايات مع الإنصاف والموضوعية والتوثيق التاريخي.
- أبرزت هذه الرحلات كثيراً من صفات الملك عبد العزيز، وترجع أهمية ما دونه أولئك الرحالة إلى أن كثيراً منهم التقوا الملك عبد العزيز شخصياً، وفيهم من تكررت لقاءاتهم به، كما أن كتابتهم عن الملك عبد العزيز اتسمت بالحيادية إلى حد ما. ومؤلفو تلك الرحلات قدموا من كثير من البلاد العربية الإسلامية فجسدت مؤلفاتهم عظم مكانة الملك عبد العزيز في العالمين العربي والإسلامي وتقدير العرب والمسلمين له على جهوده في خدمة الإسلام والمسلمين.
- اتضح من خلال كتب الرحلات العربية أن جوانب النهضة في البلاد لم تكن تسير على وتيرة واحدة، حيث ميزوا بين ما يقبل التغيير في زمن قصير وبين ما يحتاجه في تطويره إلى زمن أطول، فمثلاً جوانب الأمن كانت أسرع تحسنا مما سواها، فيما احتاجت الجوانب الأخرى كالتعليم والنواحي الصحية والتطور الاجتماعي والجوانب الاقتصادية إلى فترة أطول.
- اتفاق غالبية الرحالة على الدور الذي قام به الملك عبد العزيز في سبيل توحيد البلاد وتوفير الأمن والاستقرار، وهو الأمن الذي شهد به القاصي والداني، واستظل به أهل البلاد والوافدون إليها من حجاج بيت الله الحرام وغيرهم، وقد رصد هؤلاء الرحالة كثيراً من الأمثلة على ذلك الأمن، شاهدوها بأنفسهم أو رواية عن السكان وخاصة من عاصروا عهد الملك عبد العزيز وما سبقه، وترجع أهمية هذه الأمثلة إلى أنها تعد من الشواهد على توافر الأمن ومظاهره الوارفة في عهد الملك عبد العزيز.
стр. 591
- كان لتوافر الأمن أثره في كثير من جوانب الحياة، فمثلاً في الجانب الاقتصادي أدى توافر الأمن إلى ازدهار الناحية الاقتصادية، وتمثل ذلك في زيادة التبادل التجاري بين مناطق المملكة، وكذلك زيادة حجم التبادل التجاري مع البلاد المجاورة، مع نشاط حركة الأسواق في المدن والقرى. وكان لتوافر الأمن أثره أيضاً في النواحي الاجتماعية، فقد أتاح الأمن للسكان حرية التنقل بين المناطق المختلفة، وأصبح في مقدور القبائل دخول مناطق القبائل الأخرى بعد أن كانت ممنوعة من ذلك سابقاً نتيجة الفتن والعداوات بين تلك القبائل، كما أصبح بإمكان الأفراد من الحاضرة والبادية التنقل والترحال دون الحاجة إلى حراسة أو حمل السلاح نتيجة بسط الأمن.
- أثنى كثير من الرحالة ممن أدوا فريضة الحج على اهتمام الملك عبد العزيز وعنايته بالحرمين الشريفين وبالخدمات المقدمة لحجاج بيت الله الحرام واستشهدوا على ذلك بحرصه على حضور كثير من مواسم الحج للإشراف بنفسه على خدمة ضيوف الرحمن، كما حفلت مؤلفاتهم بنماذج للجهود المبذولة في هذا المجال، من ذلك إنشاء مديرية الحج وإقرار التنظيمات الخاصة بموسم الحج وتنظيم شؤون المطوفين، وكذلك العناية بالنواحي الصحية في موسم الحج وعلى الأخص المحاجر الصحية لتلافي دخول المصابين بأمراض وبائية إلى المملكة، كما حرصت إدارة الصحة العامة على إعداد النصائح والإرشادات لتوعية الحجاج صحياً، وتم توفير كثير من المستشفيات والمراكز الصحية المتنقلة في أثناء موسم الحج في مكة والمشاعر المقدسة، ونتج عن تلك السياسة الصحية والاهتمام المتزايد الحد من انتشار الأمراض والأوبئة في أثناء موسم الحج.
- ومن الخدمات المبذولة في موسم الحج إنشاء المشروعات لإمداد مكة وجدة بالمياه لمواجهة موسم الحج وتخفيف معاناة الحجاج من عدم توافر المياه الصالحة للشرب.
- وكذلك في مجال نقل الحجاج تم توفير وسائل المواصلات المختلفة، واستخدمت السيارات على نطاق واسع لتسهيل حركة الحجاج، وحين توفرت الإمكانات تم رصف طرق المواصلات.
- كما أولى الملك عبد العزيز عناية خاصة بالحرمين الشريفين؛ ورصد أولئك الرحالة مظاهر الإصلاحات والترميمات وأنواع الخدمات المتمثلة في توفير الإضاءة ومياه الشرب ونظافة الحرمين الشريفين.
- الدور الإعلامي الذي قام به مصنفو الرحلات العربية في وقت كانت البلاد بأمس الحاجة إلى وسائل الإعلام الفعالة لإعطاء صورة حقيقية عن الأوضاع في المملكة العربية السعودية، من ناحية توافر الأمن والاطمئنان والخدمات المتاحة لحجاج بيت الله الحرام والعناية بالحرمين الشريفين، والتطور الذي شمل جميع نواحي الحياة في المملكة العربية السعودية، كما أسهم عدد من هؤلاء الرحالة في طرح كثير من القضايا ومناقشتها بطريقة موضوعية منصفة، من ذلك ما أثير حول عقائد أهل البلاد وحكومتهم نتيجة لما روجه خصومها خارج المملكة، وفند هؤلاء الرحالة كثيراً من المزاعم وأكدوا من خلال مشاهداتهم أن أهل البلاد مؤمنون، يسيرون على نهج السلف الصالح متمسكين بالشريعة الإسلامية لا يخالفون المسلمين في أصل من أصول الإسلام ولا ركن من أركانه وأنهم يثبتون الشفاعة للنبي ﷺ ويصلون عليه على عكس ما أشيع عنهم من دعايات مضللة قصد بها تنفير المسلمين وإثارتهم ضد حكومة المملكة العربية وشعبها.
- أسهم عدد من مصنفي الرحلات العربية في النقد وإبداء الملحوظات والمقترحات البناءة ولفت النظر إلى نواحي القصور، ولا شك أن ذلك كان حافزاً للإصلاح في حال توافر الإمكانات.
стр. 592
الرحلات المغربية والأندلسية مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين السابع والثامن الهجريين - دراسة تحليلية مقارنة -
المؤلف/ المشرف: عواطف محمد نواب
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: الجزيرة العربية
الخاتمة
حظي الحجاز بالعديد من الدراسات في الآونة الأخيرة، لما له من منْزلةٍ عظيمةٍ في نفوس المسلمين، واستخدمت كافة المصادر للإلمام بتاريخ هذه البقعة المهمة، ولكن الاعتماد على كتب الرحالة المغاربة والأندلسيين وإظهار أهميتها كمصدر مهم من مصادر تاريخ الحجاز لم تحظَ بالدراسة الكافية.
وقد اعتمدنا في هذا البحث على بعض كتب الرحالة المغاربة والأندلسيين لإظهار أهميتها والتأكيد على أنها من المصادر المهمة لتاريخ الحجاز، ولا يجب الاستغناء عنها، فخلصنا إلى عددٍ من النتائج سواءً منها ما يتعلق بالجانب العلمي أو الجانب الديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي. فمن هذه النتائج التي استخلصت مما كتبه الرحالة المغاربة والأندلسيون:
الجانب العلمي:
١ - إن الإسلام دينُ علمٍ ومعرفة، فبرز من هذه الحقيقة الرحلة لطلبه فالرحلة قديمة قدم الإسلام نفسه، فتعدت أغراضها وغاياتها، خاصةً وأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة حضا على وجوب السعي لتعلم العلم النافع. فظهرت الرحلة كوسيلة للعلم والإعلام منذ عهد الرسول ﷺ وبدأت تأخذ مساراتها المختلفة منذ تلك الفترة.
٢ - إن العلم يتطلب السعي لنيله فقام العلماء بالرحلة لطلبه فلمعت أسماء بعضهم بفضل ما قاموا به من رحلات بجميع أهدافها وأغراضها.
وقد ترتب على ذلك شغف المسلمين بالرحلة وعرفوا وأتقنوا مختلف أنواعها، وهذا ينطبق على مسلمي المشرق والمغرب على حدٍ سواء، إلا أن مسلمي المغرب والأندلس انفردوا بنوعٍ فريدٍ من الرحلات هي الرحلات الحجازية، والتي أساسها أداء فريضة الحج والزيادة وطلب العلم، وقد أفرزت هذه الرحلات مذكرات ومشاهدات لهؤلاء الرحالة تكونت منها رحلاتهم التي أصبحت بمثابة موسوعة علمية مصغرة لما حوته من معلومات مهمة لكافة أحوال المسلمين في تلك الفترة، إضافةً إلى كونها سجلاً ضمن قوائم بأسماء علماء المسلمين البارزين الذي تخصصوا في مختلف العلوم مثل علم القراءات وعلم الحديث والفقه واللغة العربية والتاريخ والشعر والأدب. فالرحالة كانوا عبارةً عن عينٍ لاقطةٍ لما حولهم يستقطب اهتمامهم جميع الأمور وإن صغرت.
٣ - ضمت مكة المكرمة جميع المذاهب الإسلامية بعلمائها الذين ساروا جنباً إلى جنب لدفع الحركة العلمية؛ إذ تبين من خلال ما كتبه الرحالة المغاربة والأندلسيون مدى مكانة مكة المكرمة العلمية التي وصل إشعاعها لكافة الأمصار الإسلامية، فمكة المكرمة مبدأ ومنتهى الحركة العلمية وحلقة الوصل بين المشرق والمغرب الإسلامي.
ففيها لمعت أسماء ومنها تنتشر الكتب إلى المشرق والمغرب على حدٍ سواء وهذا بفضل الوسائل المهيئة لنشر العلم من وجود العلماء والكتب وتبادلها فيما بينهم وانتشار المدارس والأربطة التي كانت عبارةً عن مساكن لطلبة العلم أقيمت بها مكتبات حوت نفيس الكتب التي كانت مدار الطلب في ذلك الوقت، فأكبوا على طلب العلم والنهل منه بعدما أُمِّنت حاجاتهم الأساسية من مسكن وغذاء ومرتبات بفضل ما كان يصل مكة المكرمة من الأعطيات والصدقات التي تُرسل من ملوك وأمراء وأغنياء المسلمين لتفرق عليهم هناك.
стр. 593
٤ - بروز دور المسجد الحرام العلمي فقد كان بمثابة جامعة مفتوحة يتوافد إليه طلاب العلم المسلمون من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وفضل الكثير منهم المجاورة بمكة المكرمة لفترات قد تطول أو تقصر وذلك لتلقي العلم على أيدي علماء أفذاذ مثلوا المذاهب الإسلامية وبرعوا في فنون العلم المختلفة.
٥ - وجد بمكة المكرمة أعداداً هائلةً من العلماء الذين لم يكونوا من أبناء الحجاز وحدها حيث لعب العلماء المجاورون دوراً بارزاً في رواج الحركة العلمية بها. وقد ظهر ذلك جلياً من خلال ما سجل من أسمائهم وترجمة لحياتهم في كتب الرحلات التي ربما زادت عما ورد في كتب التراجم نفسها؛ بل إن ما كتبه الرحالة المغاربة والأندلسيون عن هؤلاء العلماء اعتمد عليه أصحاب كتب التراجم كالفاسي والسخاوي مثلاً في ترجمتهم لهؤلاء العلماء.
فلقد تهيأ لمكة المكرمة ما لم يتهيأ لغيرها من مدن العالم الإسلامي فقد هفت إليها أفئدة العلماء الذين ذاعت شهرتهم في علمٍ من العلوم التي اختصوا بها إلى جانب العدد الكبير من أبنائها العلماء والذين أدوا جميعاً دوراً بارزاً في رواج الحركة العلمية بها لتعدد حلقات الدرس في المسجد الحرام. فكان لكل مذهب من المذاهب الإسلامية زاوية ودرس خاص توفرت بها كتبهم العلمية وجلسوا للمناظرة والفتوى والشرح والإجازة.
٦ - مماثلة المدينة المنورة مكة المكرمة في مكانتها العلمية بعد القرن السادس الهجري وبلغت مكانةً عاليةً في القرن الثامن الهجري بعد أن خفَّت وطأة سيطرة الشيعة على مقاليد أمور الناحية العلمية بها بسبب إحكام سيطرة المماليك حكام مصر على الأمور بها وذلك بتعيين الأئمة والخطباء والمؤذنين والقضاة السنيين بها، حيث كان قبل ذلك أهل السنة مضطهدين لا يستطيعون البت في أمورهم؛ بل لقد وصل الأمر في بعض الفترات إلى تركهم المدينة المنورة ومصادرة أملاكهم.
الجانب الديني:
١ - لقد أدى ضعف الحالة الدينية في الحجاز إلى أن أصبحت مرتعاً خصباً لظهور الكثير من البدع والخرافات: منها ما هو منافٍ للعقيدة مثل العروة الوثقى بالكعبة المشرفة وخرزة فاطمة الزهراء بالمسجد النبوي الشريف وما ذك عن بيوت زوجات النبي ﷺ بالمسجد أيضاً.
ونجد أن الداعي إلى مثل هذه البدع هو استجلاب الأموال من عوام الناس والحجيج، كما تفشت عادة التبرك بقبور الأولياء والصالحين وكل ما يمت بصلةٍ قريبةٍ كانت أو بعيدة بالرسول ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم.
٢ - استفحال تفشي البدع والشائعات بين طبقات المجتمع الحجازي المختلفة الأمر الذي أدى إلى أن صدقها الرحالة المغاربة والأندلسيون وضمنوها رحلاتهم مما يعطينا تصوراً واضحاً لضعف الحالة الدينية.
٣ - وجود بعض البدع والشائعات إلى وقتنا الحاضر كانت موجودة منذ تلك الأيام: مثل زيادة ماء زمزم ليلة النصف من شعبان وعدم وقوع الحمام على الكعبة المشرفة.
٤ - إن أغلب ما وجد من أماكن نسبت إلى بعض الصحابة رضوان الله عليهم وبنيت عليها مساجد إنما ألحقت نسبتها إليهم بعد فترةٍ طويلةٍ من وفاتهم مما يؤكد عدم صحة نسبتها إليهم في كثيرٍ من الأماكن.
٥ - ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض فترات البحث وما وجد من قائمين به كانوا يعملون به من تلقاء أنفسهم وربما عوقبوا على قيامهم بهذا الأمر، ويبدو أن الأمر تغير إذ أصبح هناك موظفون قائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد وضح ذلك مما أورده ابن بطوطة.
٦ - ضعف سلطة القاضي في بعض الفترات وتغلب سطوة العامة من الناس والحجيج على بعض قراراته وخاصةً فيما يتعلق بيوم الوقوف بعرفة.
الجانب الاجتماعي:
стр. 594
١ - تعدد الطبقات في المجتمع الحجازي واختلاف تركيبته السكانية بسبب مركزه الديني في نفوس المسلمين، وقد شكل المجاورون بمختلف أجناسهم طبقة منه.
٢ - بسبب اختلاف التركيبة السكانية بالحجاز ومكانته الدينية ظهرت عادات وتقاليد خاصة انفرد بها عن سائر الأمصار الإسلامية، لا يزال بعضٌ منها إلى وقتنا الحاضر، كما جرى في بعض العادات تغييرات على مر السنين لاحظناها من رحالة لآخر.
٣ - انفراد الرحالة المغاربة والأندلسيين بتسجيل الحياة الاجتماعية بالحجاز والتي أغفل ذكرها المؤرخون الذين اقتصروا على تسجيل الناحية السياسية.
الجانب السياسي:
١ - عم الاضطراب السياسي الحجاز داخلياً بسبب تصارع أمراء الأشراف فيما بينهم على الإمرة فقامت الحروب فيما بينهم في سبيل الحصول عليها.
٢ - استعانة الأمراء الأشراف بملوك مصر تارةً وبملوك اليمن تارةً أخرى في سبيل الحصول على الحكم، وربما لجأ كل أميرٍ منهم إلى دولةٍ منهما فأصبحت بذلك الحجاز مسرحاً لتصارع مصر واليمن وإثبات قوتيهما على حساب الحجاز.
٣ - منذ قيام الدولة الأيوبية بمصر التزم الأشراف في الحجاز بالدعاء لهم على المنابر وخضوع الحجاز لسيادتهم وأصبح من ضمن الولايات التي أخذ عليها صلاح الدين الأيوبي تقليداً من الخليفة العباسي المستضيء ثم خضعت مباشرةً للأيوبيين عقب استيلاء سيف الإسلام أخو صلاح الدين عليها.
وبالرغم من خضوع الحجاز للأيوبيين إلا أننا لم نلاحظ أن لهم تدخلات مباشرة في تعيين وعزل الأمراء الأشراف ولكن تُرك لهم حرية البت في أمورهم من تلقاء أنفسهم والتفت الأيوبيون إلى تأمين طرق الحج وإسقاط المكوس عن الحجاج وتعويض أمرائها أموالاً وحبوباً أوقفوا عليها القرى والأراضي في مصر لهذا الغرض.
٤ - ارتبط أشراف الحجاز ارتباطاً وثيقاً في القرن الثامن الهجري بالمماليك بمصر الذين تدخلوا في شؤون الحجاز الداخلية وامتد ليشمل الأمراء أنفسهم من ناحية توليتهم وعزلهم، وأكثر هذه الفترات ارتباطاً هي فترة حكم الناصر محمد بن قلاوون وخاصةً بعد وفاة الأمير أبو نمي وما أعقب ذلك من تصارع أبنائه منذ سنة ٧٠١هـ/١٣٠١م وما تلى ذلك من السنين.
٥ - لم يؤثر عن أشراف المدينة المنورة ارتباطهم بغير ملوك مصر الذين خضعوا لهم خضوعاً مباشراً خاصةً عندما يحدث تصارع بين أمرائها ويلجأ أحدهما إلى سلطان مصر.
٦ - تراوح ولاء الحجاز بين مصر واليمن تبعاً لحجم الأعطيات التي تصله من أحدهما.
٧ - خضوع المدينة المنورة لأمراء مكة المكرمة في بعض الفترات مثلما حدث في جزء من فترة حكم أبي عزيز قتادة وأبي نمي. كما حدث وأن خضعت مكة لأمراء المدينة المنورة مثلما حدث في عهد مكثر بن عيسى أمير مكة المكرمة وهذا الأمر في فترةٍ وجيزةٍ لا يلبث أمراء مكة المكرمة أن ينفردوا بحكمها.
٨ - إن محاولات أمراء مكة المكرمة لضم المدينة المنورة تقودنا إلى القول بقوة شخصية أمراء مكة المكرمة وتطلعاتهم لمد نفوذهم وسيطرتهم على المدينة المنورة، خاصةً وأن بعض أمرائها حمل لقب ملك الحرمين مثل أبي نمي.
٩ - بالرغم من حدوث بعض الحروب بين أمراء المدينة المنورة وأمراء مكة المكرمة إلا أن جهودهم تتوحد عند إحساسهم بخطر يهدد إحدى الأمارتين وظهر ذلك جلياً عندما تعاونوا لاسترداد مكة المكرمة فسارعوا لتوحيد جهودهم مثلما حدث في فترة أبي عزيز قتادة لاسترداد مكة المكرمة في فترة حكم أبي نمي.
стр. 595
١٠ - امتداد سيطرة أمراء مكة المكرمة على مناطق شاسعة خارج الحجاز، بل وخارج نطاق الجزيرة العربية ليشمل مملكة سواكن وبلاد البجة، حيث ظهر في فترة البحث شريفان توليا ملكها: هما زيد بن أبي نمي ومبارك بن عطيفة بن أبي نمي وقد أغفلت المصادر التاريخية الإشارة إلى ذلك ولم نعثر إلا على إشارة عابرة من الفاسي استقيناها من قصيدة تؤكد ما ذكره ابن بطوطة من أن زيد بن أبي نمي كان ملكاً عليها وإشارةً أخرى تؤكد أن عطيفة تولى ملكها أيضاً ولكن بدون تفصيل.
ونخلص من هذا إلى أن هناك علاقات خارجية لأشراف مكة المكرمة ببعض الدول والأمارات المجاورة أغفلت ذكرها كافة المصادر التاريخية التي تناولناها لموضوع البحث.
١١ - ارتباط أشراف الحجاز بسلاطين كلوه فقد كانت لهم رحلات سنوية إليهم وهذا الأمر أغفل ذكره المؤرخون.
١٢ - التنافس في حمل لقب خادم الحرمين الشريفين من قبل سلاطين مصر واليمن حيث إن أول من حمل لقب خادم الحرمين الشريفين هو صلاح الدين الأيوبي ثم انتقل اللقب لملوك اليمن أثناء انشغال ملوك مصر بأمورهم الداخلية، ولكنه لم يلبث أن أصبح من ضمن ألقاب ملك مصر الذي ظهرت قوته وهيمنته على العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
١٣ - ظهور مبدأ الاشتراك في الإمرة عوضاً عن ولاية العهد، ولكن بصلاحيات أكبر تخوله الحكم والبت في الأمور بوجود الشريك وهو مع ذلك مقاسمة في واردات الإمارة الاقتصادية.
١٤ - تبعت بعض مدن وقرى الحجاز الشمالية سلاطين مصر وارتبطوا معها بروابط اقتصادية في بعض الأحيان مثل ينبع.
١٥ - كانت ينبع ووادي نخل المنفى الاختياري لأشراف مكة المكرمة فيقصدها الشريف المنهزم إما ليموت هناك أو لتجميع قوته والعودة مرة أخرى لاسترداد مكة المكرمة في منافسيه بعد أن يكون قد جمع الأتباع فيقوم إما بمهاجمة مكة المكرمة مباشرة أو يلجأ إلى فرض الحصار الاقتصادي عليها وقطع طريق الحجيج وبهذا يمتد الضرر ليشمل أهل الحجاز ومجاوريه وليس فقط الأمراء الأشراف.
١٦ - سجل الرحالة المغاربة والأندلسيون بتقصٍ بارعٍ جانباً من الوضع السياسي في الحجاز ضاماً ما ذكره بعض المؤرخين الآخرين لبعض الأحداث مما كشف أموراً كانت خافيةً أسبابها ودوافعها.
١٧ - انعدام الأمن في داخل مكة المكرمة والمشاعر المقدسة أثناء الموسم وفي الطرق المؤدية إلى مدن الحجاز.
الجانب الاقتصادي:
١ - استقرار الأحوال السياسية بالممالك الإسلامية المجاورة للحجاز يعقبه استقرار سياسي واقتصادي بالحجاز بسبب ما يصلها من أعطيات منها بانتظام.
٢ - عرف الحجاز مهناً صناعيةً عدة عمل بها أهل الحجاز وأتقنوها مثل صناعتي الحلوى والبناء اللتين امتدحهما ابن جبير.
٣ - وجود جالية مغربية عملت بالزراعة بالحجاز مما نتج عنه رواج هذه المهنة واستصلاح كثيرٍ من الأراضي حول مكة المكرمة.
٤ - عدم التفات أمراء الحجاز للإصلاح الذي يخدم الحجاز وأهل الحجاز بالرغم من إرسال الكثير من الأموال إليهم، والتفاتهم إلى تقوية مكانتهم ببناء الاستحكامات الحربية خوفاً من انقضاض غيرهم عليهم وانتزاع الإمرة سواءً من داخل الحجاز أو خارجه.
٥ - عدم سماح أمراء مكة المكرمة بأي إصلاح بالمسجد المكي إلا بعد دفع أموالٍ توازي تكاليف الإصلاح أو التجديد، وربما تزيد عليها، إضافةً إلى تذييل التعمير أو التجديد برسم الخليفة المعاصر بعد أخذ موافقته أولاً على المراد عمله دون ذكر القائم على العمل.
стр. 596
كما أن معظم ما تم من بناء إنما كان تجديداً أو ترميماً لما هو قائم دون زيادة مساحته وقد اتضح ذلك في بعض المباني التي كانت لا تزال إلى وقتٍ قريبٍ قائمةً وانطبق وصفها على ما ذكره الرحالة، إضافةً إلى بقاء بعض طرز البناء المعماري إلى الوقت الحاضر.
٦ - معرفة أهل الحجاز لأساليب المعاملات التجارية بمختلف أنواعها من بيعٍ وشراءٍ ورهنٍ واستدانةٍ ومقايضةٍ.
ومما استنتج عن الرحالة أنفسهم:
١ - انصباب اهتمام الرحالة المغاربة والأندلسيين على تقصي أحوال مكة المكرمة من جميع جهاتها دون المدينة المنورة وباقي مدن وقرى الحجاز وهذا عائدٌ إلى طول مكوثهم بها.
٢ - تصدَّر الرحالة المغاربة والأندلسيين عند العودة إلى موطنهم للإقراء والتدريس وتولي القضاء والإمامة أو الكتابة لدى بعض أمراء المغرب أو الأندلس، فتأهلهم لشغل هذه المناصب التعليمية والدينية بفضل العطاء والأخذ العلمي الذي تم بالمدينتين المقدستين فأهَّلهم ذلك لاحتلال مثل هذه المناصب، فأغلب الرحالة المغاربة والأندلسيين كانوا أدباء بارعين تولوا قبل مجيئهم إلى المشرق مناصب مهمةٍ في بلادهم مثل الكتابة لأمرائهم.
٣ - معظم الرحالة المغاربة والأندلسيين كانوا يحملون كتب الرحالة السابقين عليهم للمقارنة وإضفاء التجديد وتصحيح بعض الأخطاء التي وقع فيها من سبقهم وربما النقل عنهم في بعض الأحيان للأمور التي لم يتسنَّ لهم رؤيتها أو لبعد العهد والنسيان.
٤ - كان خروج الرحالة المغاربة والأندلسيين أساساً للحج والزيارة وطلب العلم فلمعت أسماؤهم وذاع صيتهم بما نالوه من علمٍ هناك، إضافةً إلى كتابتهم لرحلتهم التي توضح ثاقب نظرهم للأمور وتحليلها وحكمهم على الأحداث التي نقلوها بكل أمانةٍ لبعدهم عن التحيز لجانبٍ دون آخر.
٥ - يتم تقييد الرحلة دون إعداد مسبق بل يسير وفق خط سير رحلتهم وما يصادفهم أثناءها.
وختاماً أسأل الله تعالى أن يكون قد حالفني التوفيق في إبراز أهم النتائج التي توصل إليها البحث ومحققة بذلك الهدف منه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا وشفيعنا النبي الأمين، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه وأزواجه أجمعين،،،
стр. 597
السياسة العثمانية تجاه إمارة (أبو عريش) والسواحل اليمنية
المؤلف/ المشرف: إسماعيل بن محمد البشري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة العبيكان- الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٣هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العثمانية
الخاتمة:
لقد قدمت هذه الدراسة صورة كاملة عن تطور العلاقات السياسية بين إمارة (أبو عريش) والدولة العثمانية خلال الفترة من ١٢٥٩ - ١٢٦٤هـ/١٨٤٣ - ١٨٤٧م، حيث يلاحظ مدى التردد وعدم الوضوح في سياسة الباب العالي تجاه الشريف الحسين بن علي بن حيدر.
وخلال هذه الفترة كان الشريف ينصرف وفق المعطيات المحلية, ضارباً عرض الحائط بالشروط العثمانية، مما كان سبباً في وقوف حكومة الحجاز ضده، وتشجيعها المستمر للباب العالي للقيام بحملة عسكرية على السواحل اليمنية.
ويتضح لنا من خلال العرض السابق كيف كانت الإدارة العثمانية غائبة عن الواقع الحقيقي لتطور الأحداث في المنطقة، حيث كانت تعتمد – وبشكل كبير – على تقارير الشريف محمد بن عون المغرضة التي تدل على مدى تلهفه لبسط نفوذه على تلك السواحل نظراً لأهميتها الاقتصادية الكبيرة.
وقد أظهر البحث مدى الحرص لدى الباب العالي لتأكيد سيادته على المنطقة، وإثبات تبعيتها للدولة العثمانية، حتى لو أدى ذلك إلى أن تتخلى الدولة عن شروطها التي سبق أن فرضتها على الشريف، وتكتفي بإعلانه التبعية والولاء للسلطان العثماني.
وألقى البحث الضوء على سياسة الدولة العثمانية المترددة بشأن الشريف الحسين بن علي بن حيدر، حيث نجدها تندفع في قراراتها إلى درجة التوصية للسلطان بضرورة عزل الشريف والسيطرة على المنطقة بالقوة، ثم تتراجع عن ذلك وتتجه إلى تهدئه الأمور، ثم تعيد الكرة مرة أخرى ويتم تصعيد الموقف إلى حد الغليان، ثم تعود إلى استرضاء الشريف ومنحه الرتب العالية.
وقدم البحث – ولأول مرة- معلومات عن المواقف والآراء المختلفة حيال المتغيرات السياسية في المنطقة, سواء كان ذلك في العاصمة العثمانية من خلال مضابط مجلس الوكلاء (الوزراء) , أو من خلال تقارير محمد علي باشا والي مصر، وتقارير أمير مكة المكرمة الشريف محمد بن عون، ووالي جدة محمد شريف رائف، وكذلك مراسلات المبعوثين العثمانيين إلى المنطقة, مثل أشرف بك, وحسين أفندي وغيرهما.
ويمكننا القول إن الفترة التي أعلن فيها الشريف الحسين بن علي بن حيدر تبعيته للدولة العثمانية تعد حافلة بالتطورات السياسية الداخلية والخارجية، وإن تلك العلاقة كان يشوبها الكثير من عدم الثقة, وتبادل الاتهامات والاعتذارات، إلا أن أهم ما حظيت به المنطقة خلال تلك الفترة الحساسة جداً في مجال التنافس الاستعماري الإنجليزي – الفرنسي أنها نتيجة للتبعية العثمانية نجت من الوقوع في براثن الطامعين في مد النفوذ الاستعماري إليها، حرصاً على عدم المواجهة مع الدولة العلية.
لقد ألقت طموحات الشريف الحسين بن علي بن حيدر بالمنطقة في أتون الصراعات المحلية التي انعكست بدورها على علاقة الشريف بالدولة العثمانية، وأثرت على قدرته في الالتزام بشروط الاتفاق المعقود مع الباب العالي، مما كان سبباً – وكنتيجة لجهود الشريف محمد بن عون – في أن تتخذ السلطات العثمانية قرارها الأخير – بعد طول تردد – بعزل الشريف الحسين من منصبه كحاكم للسواحل اليمنية، وتجرد عليه حملة عسكرية سيطرت على المنطقة عسكرياً وإدارياً، وهذا ما سيكون موضع بحث آخر إن شاء الله، والله الموفق.
стр. 598
التيار الإسلامي في الخليج العربي – دراسة تاريخية
المؤلف/ المشرف: هاشم عبدالرزاق صالح
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الانتشار العربي – بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ٢٠١٠م
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: خليج عربي
الخاتمة:
إن العودة بالإسلام إلى نقائه الأصيل، وتجديد الدعوة الإسلامية، ومحاربة الجهل والتخلف والجمود الفكري، كانت من أبرز الأهداف التي سعى المصلحون الإسلاميون والحركات الإسلامية الحديثة للوصول إليها. ولاسيما بعد أن أصبح العالم الإسلامي مستهدفاً من الغرب الأوروبي، لإضعاف الإسلام في نفوس المسلمين، وتشكيكهم بعقيدتهم ثم إحكام السيطرة على اقتصاده، واستخدامه سوقاً لمنتجاته من خلال الهجوم الصريح على أقطاره، الذي ابتدأ بالاحتلال الفرنسي للجزائر عام ١٨٣٠، إلى السيطرة البريطانية – الفرنسية الكاملة على الوطن العربي، خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، إلى إلغاء الخلافة عام ١٩٢٤. وفي المقابل فإن عجز الأنظمة السياسية العربية الإسلامية عن إنجاز التنمية المطلوبة أو صيانة الاستقلال الوطني، أو تحقيق العدالة الاجتماعية فضلاً عن قيام تلك الأنظمة بتوظيف الدين الإسلامي لشرعنة ومباركات حالات الاستبداد والتخلف والتبعية والتجزئة بما يشوه المضامين الأصيلة للإسلام. هذه العوامل وغيرها كانت الدافع والضاغط لظهور إرهاصات الفكر الحركي الإسلامي، والتي شكلت تياراً إسلامياً نشطاً على امتداد الساحة العربية والإسلامية، ومنها منطقة الخليج العربي.
يمثل الإسلام حجر الزاوية في بناء المجتمع والهيكل السياسي لأقطار الخليج العربي، التي تتميز عموماً بتعلقها بالقيم الدينية والحضارية الإسلامية الأصيلة. والإسلام في الوقت نفسه يمثل الإطار النظري الإيديولوجي للتنظيمات الإسلامية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي في بدايات القرن العشرين.
فقد شهد المجتمع الخليجي مظاهر النمو في الوعي الإسلامي، نتيجة تفاعل عوامل عديدة محلية وعربية، منها الزيارات التي قام بها مفكرون ومصلحون إسلاميون إلى منطقة الخليج العربي، والرحلات التي كان يقوم بها أبناء الخليج إلى بعض مراكز النهضة الفكرية العربية، سواء بقصد التجارة أو لطلب العلم، ثم دور الصحافة العربية والإسلامية على وجه الخصوص، وأثرها في إيقاظ الشعور الديني في نفوس أبناء الخليج العربي. كما أسهمت المدارس والجمعيات التي ظهرت في المنطقة في تعزيز الوعي الإسلامي والإصلاح الاجتماعي. فأثمرت تلك العوامل في إنضاج الوعي الفكري عموماً، والإسلامي بشكل خاص، وتشجيع المصلحين على المطالبة بالإصلاح، وتجديد الفكر الإسلامي والتمسك بأصول الإسلام. وقد تكتل هؤلاء المصلحون في تنظيمات إسلامية محلية، شكلت النواة والقاعدة للحركات والأحزاب الإسلامية التي شهدتها منطقة الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثانية.
стр. 599
ويمكن القول أن التيار الإسلامي في الخليج العربي، الذي برز بشكل واضح في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يكن طارئاً على المجتمع الخليجي. بل كانت له امتدادات وجذور عميقة داخل ذلك المجتمع تكونت من خلال المتغيرات الفكرية والاجتماعية التي برزت على الساحة الخليجية منذ مطلع القرن العشرين. وعلى الرغم من تلك الخصوصية، فقد تأثر التيار الإسلامي الخليجي بشكل كبير بتنظيمات إسلامية رئيسة، وفدت إلى المنطقة من دول إسلامية أخرى، في سنوات الأربعينات وما تلاها، منها تنظيم الإخوان المسلمين الذي تأسس في مصر، وحزب التحرير الإسلامي في الأردن، وجماعة التبليغ في شبه القارة الهندية، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق، والتي ساهمت، إلى جانب التنظيمات الإسلامية المحلية (السنية والشيعية) في تكوين التيار الإسلامي الخليجي، وبلورة نشاطه ومواقعه من تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية، داخل منطقة الخليج العربي وخارجها.
يمكن أن نميز مرحلتين في تاريخ التيار الإسلامي في الخليج العربي، موضوع البحث، امتدت الأولى من بعد الحرب العالمية الثانية، إلى حرب حزيران ١٩٦٧ مع الكيان الصهيوني. إذ شهدت الساحة الخليجية في هذه المدة تطورات ومتغيرات سياسية واجتماعية وفكرية، تزامنت مع ازدياد العائدات النفطية في المنطقة، وبروز التيار القومي وانتشاره بعد ثورة ٢٣ تموز/ يوليو ١٩٥٢ في مصر. في هذه المدة تدثرت التنظيمات الإسلامية في الخليج العربي بدثار النشاط الاجتماعي الديني. واقتصر نشاطها على التوجيه والإرشاد الاجتماعي بأسلوب ديني، بعيداً عن السياسة. أما المدة الزمنية الثانية فجاءت على أثر هزيمة المشروع القومي العربي في حرب حزيران ١٩٦٧. وما أعقب تلك الهزيمة من فراغ سياسي وفكري كبير كان مقدراً أن تملأه التيارات السياسية الإسلامية باندفاع منقطع النظير. فشهد عقد السبعينات انتشاراً واسعاً لمظاهر الانبعاث الإسلامي والاحتجاج الديني المسيس، في العالم الإسلامي عموماً، ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص. تزامن ذلك مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، والغزو الروسي لأفغانستان في العام نفسه. وكانت بعض مظاهر ذلك الانبعاث، أقدام مجموعة سلفية متشددة على اقتحام الحرم المكي والسيطرة عليه كخطوة أولى للسيطرة على الحكم في المملكة العربية السعودية وظهور تنظيمات إسلامية أصولية متأثرة بالثورة الإيرانية. أعلنت عن أهدافها في إقامة مجتمع إسلامي ودولة إسلامية، متخذة من الثورة الإيرانية أنموذجاً لها. بلغت ذروة نشاطها خلال انتفاضة المنطقة الشرقية في المملكة، في تشرين الثاني ١٩٧٩. فقد شجع انتصار الثورة الإسلامية في إيران تلك التنظيمات التي وجدت في ما حصل في إيران أنموذجاً يمكن تحقيقه بوساطة الثورة التي تستند إلى الإسلام. فشهدت بعض أقطار الخليج العربي، مثل الكويت والبحرين، محاولات لاغتيال مسؤولين في الدولة، وعمليات تخريبية، ومواجهات مع القوى الأمنية، في إطار محاولات، كتب لها الفشل، لإقامة الدولة الإسلامية.
واستناداً إلى ذلك، اتهمت التنظيمات الإسلامية (الشيعية) المتأثرة كثيراً بإيران، بضعف ولائها الوطني. لكن يمكن القول أنه على الرغم من محاولات التنظيمات الدينية الإيرانية إقامة امتدادات لها في منطقة الخليج العربي، أو على الأقل التأثير في توجهات شيعة المنطقة، إلا أن التيار الإسلامي الشيعي حاول الحفاظ على الهوية الوطنية الخليجية في معظم مواقفه.
стр. 600
وإبان (السبعينيات والثمانينيات)، تبلور التيار الإسلامي السياسي في الخليج العربي. وبرزت على الساحة الخليجية تنظيمات إسلامية مسلحة بنظرة شمولية للأحداث، وعمل سياسي – اجتماعي منظم من خلال السيطرة على المؤسسات النقابية، وجمعيات النفع العام، كانت حكراً على القوميين والليبراليين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي حاولت استيعاب بعض التنظيمات الإسلامية، لإبقائها قوة مواجهة التيار الديمقراطي والليبرالي الذي يسود التوتر علاقته بالإسلاميين، والذي وصل أقصى مداه فيما سمي بـ (معركة الاختلاط) في الكويت مطلع السبعينات. مع ذلك ظلت العلاقة بين التيار الإسلامي والأنظمة السياسية في الخليج العربي بين مد وجزر في أغلب الأحيان.
تفاعل التيار الإسلامي في الخليج العربي، مع الكثير من القضايا الداخلية والخارجية، التي عبر من خلالها عن موقفه ونظرته من تطورات الأحداث، وتأكيده على التمسك بالإسلام وتعاليمه في معالجة تلك القضايا، مثل موقفه من إصلاح المجتمع ومسألة الشورى والديمقراطية، وبعض قضايا المرأة. كما احتلت بعض قضايا العالم الإسلامي حيزاً بارزاً من اهتمامات التيار الإسلامي ورموزه في الخليج العربي، كالقضية الفلسطينية، والغزو الروسي لأفغانستان عام ١٩٧٩، والحرب العراقية – الإيرانية ١٩٨٠ - ١٩٨٨. وأخيراً حرب الخليج الثانية ١٩٩٠ - ١٩٩١.
شكلت حرب الخليج الثانية، الناتجة عن ضم العراق للكويت في ٢ آب ١٩٩٠، محطة أساسية أمام جميع القوى السياسية في منطقة الخليج العربي، بما فيها التيار الإسلامي. فمع انتهاء الحرب ضد الشيوعيين في أفغانستان، التي عدت أحد ميادين الانتعاش الديني للتيار الإسلامي السلفي في الخليج، برزت حالة من الفراغ الجهادي، أعقبها أحداث حرب الخليج الثانية، وانقسام التيار الإسلامي في الخليج العربي، وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية، إلى تيار فقهي رسمي تمثله المؤسسة الدينية الرسمية وتيار إصلاحي دعوي طالب بالعودة إلى جذور المذهب السلفي، في مقابل ما عده انحرافاً في مسيرة المؤسسة الدينية الرسمية عن الخط الذي رسمه الإمام محمد بن عبد الوهاب. ولاسيما بعد الموافقة الرسمية التي منحتها المؤسسة الدينية للقرار الحكومي بالاستعانة بقوات أجنبية في مواجهة النظام العراقي آنذاك. وقد خرج هذا التيار ممن عرفوا بمشايخ الصحوة، أو الصحويين، وهو يتسم بقدر كبير من الحركة والتأثير الاجتماعي. ويمتلك الجرأة في طرح أفكاره ومواقفه من الواقع السياسي والاجتماعي والديني. تمثل ذلك في انتشار ظاهرة أشرطة الكاسيت والمناظرات والمحاضرات التي تنتقد سياسة الدولة الداخلية والخارجية. ثم في تقديمه ما سمي بـ (مذكرة النصيحة) للملك فهد بن عبد العزيز، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي عدها البعض مشروعاً لإصلاح الدولة السعودية على أسس دينية. وهذا ما حاولت الدراسة الكشف عنه وتوضيح أبعاده، اعتماداً على الوقائع التاريخية التي تبين دور التيار الإسلامي، بتنظيماته ورموزه كافة، في منطقة الخليج العربي، وتأثيره في المجتمع، بوصفه من أكبر التيارات الفكرية وأقواها في الساحة الخليجية.