← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

كما أن معظم ما تم من بناء إنما كان تجديداً أو ترميماً لما هو قائم دون زيادة مساحته وقد اتضح ذلك في بعض المباني التي كانت لا تزال إلى وقتٍ قريبٍ قائمةً وانطبق وصفها على ما ذكره الرحالة، إضافةً إلى بقاء بعض طرز البناء المعماري إلى الوقت الحاضر. ٦ - معرفة أهل الحجاز لأساليب المعاملات التجارية بمختلف أنواعها من بيعٍ وشراءٍ ورهنٍ واستدانةٍ ومقايضةٍ. ومما استنتج عن الرحالة أنفسهم: ١ - انصباب اهتمام الرحالة المغاربة والأندلسيين على تقصي أحوال مكة المكرمة من جميع جهاتها دون المدينة المنورة وباقي مدن وقرى الحجاز وهذا عائدٌ إلى طول مكوثهم بها. ٢ - تصدَّر الرحالة المغاربة والأندلسيين عند العودة إلى موطنهم للإقراء والتدريس وتولي القضاء والإمامة أو الكتابة لدى بعض أمراء المغرب أو الأندلس، فتأهلهم لشغل هذه المناصب التعليمية والدينية بفضل العطاء والأخذ العلمي الذي تم بالمدينتين المقدستين فأهَّلهم ذلك لاحتلال مثل هذه المناصب، فأغلب الرحالة المغاربة والأندلسيين كانوا أدباء بارعين تولوا قبل مجيئهم إلى المشرق مناصب مهمةٍ في بلادهم مثل الكتابة لأمرائهم. ٣ - معظم الرحالة المغاربة والأندلسيين كانوا يحملون كتب الرحالة السابقين عليهم للمقارنة وإضفاء التجديد وتصحيح بعض الأخطاء التي وقع فيها من سبقهم وربما النقل عنهم في بعض الأحيان للأمور التي لم يتسنَّ لهم رؤيتها أو لبعد العهد والنسيان. ٤ - كان خروج الرحالة المغاربة والأندلسيين أساساً للحج والزيارة وطلب العلم فلمعت أسماؤهم وذاع صيتهم بما نالوه من علمٍ هناك، إضافةً إلى كتابتهم لرحلتهم التي توضح ثاقب نظرهم للأمور وتحليلها وحكمهم على الأحداث التي نقلوها بكل أمانةٍ لبعدهم عن التحيز لجانبٍ دون آخر. ٥ - يتم تقييد الرحلة دون إعداد مسبق بل يسير وفق خط سير رحلتهم وما يصادفهم أثناءها. وختاماً أسأل الله تعالى أن يكون قد حالفني التوفيق في إبراز أهم النتائج التي توصل إليها البحث ومحققة بذلك الهدف منه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا وشفيعنا النبي الأمين، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه وأزواجه أجمعين،،،

стр. 597

السياسة العثمانية تجاه إمارة (أبو عريش) والسواحل اليمنية المؤلف/ المشرف: إسماعيل بن محمد البشري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة العبيكان- الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٣هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العثمانية الخاتمة: لقد قدمت هذه الدراسة صورة كاملة عن تطور العلاقات السياسية بين إمارة (أبو عريش) والدولة العثمانية خلال الفترة من ١٢٥٩ - ١٢٦٤هـ/١٨٤٣ - ١٨٤٧م، حيث يلاحظ مدى التردد وعدم الوضوح في سياسة الباب العالي تجاه الشريف الحسين بن علي بن حيدر. وخلال هذه الفترة كان الشريف ينصرف وفق المعطيات المحلية, ضارباً عرض الحائط بالشروط العثمانية، مما كان سبباً في وقوف حكومة الحجاز ضده، وتشجيعها المستمر للباب العالي للقيام بحملة عسكرية على السواحل اليمنية. ويتضح لنا من خلال العرض السابق كيف كانت الإدارة العثمانية غائبة عن الواقع الحقيقي لتطور الأحداث في المنطقة، حيث كانت تعتمد – وبشكل كبير – على تقارير الشريف محمد بن عون المغرضة التي تدل على مدى تلهفه لبسط نفوذه على تلك السواحل نظراً لأهميتها الاقتصادية الكبيرة. وقد أظهر البحث مدى الحرص لدى الباب العالي لتأكيد سيادته على المنطقة، وإثبات تبعيتها للدولة العثمانية، حتى لو أدى ذلك إلى أن تتخلى الدولة عن شروطها التي سبق أن فرضتها على الشريف، وتكتفي بإعلانه التبعية والولاء للسلطان العثماني. وألقى البحث الضوء على سياسة الدولة العثمانية المترددة بشأن الشريف الحسين بن علي بن حيدر، حيث نجدها تندفع في قراراتها إلى درجة التوصية للسلطان بضرورة عزل الشريف والسيطرة على المنطقة بالقوة، ثم تتراجع عن ذلك وتتجه إلى تهدئه الأمور، ثم تعيد الكرة مرة أخرى ويتم تصعيد الموقف إلى حد الغليان، ثم تعود إلى استرضاء الشريف ومنحه الرتب العالية. وقدم البحث – ولأول مرة- معلومات عن المواقف والآراء المختلفة حيال المتغيرات السياسية في المنطقة, سواء كان ذلك في العاصمة العثمانية من خلال مضابط مجلس الوكلاء (الوزراء) , أو من خلال تقارير محمد علي باشا والي مصر، وتقارير أمير مكة المكرمة الشريف محمد بن عون، ووالي جدة محمد شريف رائف، وكذلك مراسلات المبعوثين العثمانيين إلى المنطقة, مثل أشرف بك, وحسين أفندي وغيرهما. ويمكننا القول إن الفترة التي أعلن فيها الشريف الحسين بن علي بن حيدر تبعيته للدولة العثمانية تعد حافلة بالتطورات السياسية الداخلية والخارجية، وإن تلك العلاقة كان يشوبها الكثير من عدم الثقة, وتبادل الاتهامات والاعتذارات، إلا أن أهم ما حظيت به المنطقة خلال تلك الفترة الحساسة جداً في مجال التنافس الاستعماري الإنجليزي – الفرنسي أنها نتيجة للتبعية العثمانية نجت من الوقوع في براثن الطامعين في مد النفوذ الاستعماري إليها، حرصاً على عدم المواجهة مع الدولة العلية. لقد ألقت طموحات الشريف الحسين بن علي بن حيدر بالمنطقة في أتون الصراعات المحلية التي انعكست بدورها على علاقة الشريف بالدولة العثمانية، وأثرت على قدرته في الالتزام بشروط الاتفاق المعقود مع الباب العالي، مما كان سبباً – وكنتيجة لجهود الشريف محمد بن عون – في أن تتخذ السلطات العثمانية قرارها الأخير – بعد طول تردد – بعزل الشريف الحسين من منصبه كحاكم للسواحل اليمنية، وتجرد عليه حملة عسكرية سيطرت على المنطقة عسكرياً وإدارياً، وهذا ما سيكون موضع بحث آخر إن شاء الله، والله الموفق.

стр. 598

التيار الإسلامي في الخليج العربي – دراسة تاريخية المؤلف/ المشرف: هاشم عبدالرزاق صالح المحقق/ المترجم: بدون الناشر: الانتشار العربي – بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ٢٠١٠م تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: خليج عربي الخاتمة: إن العودة بالإسلام إلى نقائه الأصيل، وتجديد الدعوة الإسلامية، ومحاربة الجهل والتخلف والجمود الفكري، كانت من أبرز الأهداف التي سعى المصلحون الإسلاميون والحركات الإسلامية الحديثة للوصول إليها. ولاسيما بعد أن أصبح العالم الإسلامي مستهدفاً من الغرب الأوروبي، لإضعاف الإسلام في نفوس المسلمين، وتشكيكهم بعقيدتهم ثم إحكام السيطرة على اقتصاده، واستخدامه سوقاً لمنتجاته من خلال الهجوم الصريح على أقطاره، الذي ابتدأ بالاحتلال الفرنسي للجزائر عام ١٨٣٠، إلى السيطرة البريطانية – الفرنسية الكاملة على الوطن العربي، خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، إلى إلغاء الخلافة عام ١٩٢٤. وفي المقابل فإن عجز الأنظمة السياسية العربية الإسلامية عن إنجاز التنمية المطلوبة أو صيانة الاستقلال الوطني، أو تحقيق العدالة الاجتماعية فضلاً عن قيام تلك الأنظمة بتوظيف الدين الإسلامي لشرعنة ومباركات حالات الاستبداد والتخلف والتبعية والتجزئة بما يشوه المضامين الأصيلة للإسلام. هذه العوامل وغيرها كانت الدافع والضاغط لظهور إرهاصات الفكر الحركي الإسلامي، والتي شكلت تياراً إسلامياً نشطاً على امتداد الساحة العربية والإسلامية، ومنها منطقة الخليج العربي. يمثل الإسلام حجر الزاوية في بناء المجتمع والهيكل السياسي لأقطار الخليج العربي، التي تتميز عموماً بتعلقها بالقيم الدينية والحضارية الإسلامية الأصيلة. والإسلام في الوقت نفسه يمثل الإطار النظري الإيديولوجي للتنظيمات الإسلامية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي في بدايات القرن العشرين. فقد شهد المجتمع الخليجي مظاهر النمو في الوعي الإسلامي، نتيجة تفاعل عوامل عديدة محلية وعربية، منها الزيارات التي قام بها مفكرون ومصلحون إسلاميون إلى منطقة الخليج العربي، والرحلات التي كان يقوم بها أبناء الخليج إلى بعض مراكز النهضة الفكرية العربية، سواء بقصد التجارة أو لطلب العلم، ثم دور الصحافة العربية والإسلامية على وجه الخصوص، وأثرها في إيقاظ الشعور الديني في نفوس أبناء الخليج العربي. كما أسهمت المدارس والجمعيات التي ظهرت في المنطقة في تعزيز الوعي الإسلامي والإصلاح الاجتماعي. فأثمرت تلك العوامل في إنضاج الوعي الفكري عموماً، والإسلامي بشكل خاص، وتشجيع المصلحين على المطالبة بالإصلاح، وتجديد الفكر الإسلامي والتمسك بأصول الإسلام. وقد تكتل هؤلاء المصلحون في تنظيمات إسلامية محلية، شكلت النواة والقاعدة للحركات والأحزاب الإسلامية التي شهدتها منطقة الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثانية.

стр. 599

ويمكن القول أن التيار الإسلامي في الخليج العربي، الذي برز بشكل واضح في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يكن طارئاً على المجتمع الخليجي. بل كانت له امتدادات وجذور عميقة داخل ذلك المجتمع تكونت من خلال المتغيرات الفكرية والاجتماعية التي برزت على الساحة الخليجية منذ مطلع القرن العشرين. وعلى الرغم من تلك الخصوصية، فقد تأثر التيار الإسلامي الخليجي بشكل كبير بتنظيمات إسلامية رئيسة، وفدت إلى المنطقة من دول إسلامية أخرى، في سنوات الأربعينات وما تلاها، منها تنظيم الإخوان المسلمين الذي تأسس في مصر، وحزب التحرير الإسلامي في الأردن، وجماعة التبليغ في شبه القارة الهندية، وحزب الدعوة الإسلامية في العراق، والتي ساهمت، إلى جانب التنظيمات الإسلامية المحلية (السنية والشيعية) في تكوين التيار الإسلامي الخليجي، وبلورة نشاطه ومواقعه من تطورات الأحداث السياسية والاجتماعية، داخل منطقة الخليج العربي وخارجها. يمكن أن نميز مرحلتين في تاريخ التيار الإسلامي في الخليج العربي، موضوع البحث، امتدت الأولى من بعد الحرب العالمية الثانية، إلى حرب حزيران ١٩٦٧ مع الكيان الصهيوني. إذ شهدت الساحة الخليجية في هذه المدة تطورات ومتغيرات سياسية واجتماعية وفكرية، تزامنت مع ازدياد العائدات النفطية في المنطقة، وبروز التيار القومي وانتشاره بعد ثورة ٢٣ تموز/ يوليو ١٩٥٢ في مصر. في هذه المدة تدثرت التنظيمات الإسلامية في الخليج العربي بدثار النشاط الاجتماعي الديني. واقتصر نشاطها على التوجيه والإرشاد الاجتماعي بأسلوب ديني، بعيداً عن السياسة. أما المدة الزمنية الثانية فجاءت على أثر هزيمة المشروع القومي العربي في حرب حزيران ١٩٦٧. وما أعقب تلك الهزيمة من فراغ سياسي وفكري كبير كان مقدراً أن تملأه التيارات السياسية الإسلامية باندفاع منقطع النظير. فشهد عقد السبعينات انتشاراً واسعاً لمظاهر الانبعاث الإسلامي والاحتجاج الديني المسيس، في العالم الإسلامي عموماً، ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص. تزامن ذلك مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، والغزو الروسي لأفغانستان في العام نفسه. وكانت بعض مظاهر ذلك الانبعاث، أقدام مجموعة سلفية متشددة على اقتحام الحرم المكي والسيطرة عليه كخطوة أولى للسيطرة على الحكم في المملكة العربية السعودية وظهور تنظيمات إسلامية أصولية متأثرة بالثورة الإيرانية. أعلنت عن أهدافها في إقامة مجتمع إسلامي ودولة إسلامية، متخذة من الثورة الإيرانية أنموذجاً لها. بلغت ذروة نشاطها خلال انتفاضة المنطقة الشرقية في المملكة، في تشرين الثاني ١٩٧٩. فقد شجع انتصار الثورة الإسلامية في إيران تلك التنظيمات التي وجدت في ما حصل في إيران أنموذجاً يمكن تحقيقه بوساطة الثورة التي تستند إلى الإسلام. فشهدت بعض أقطار الخليج العربي، مثل الكويت والبحرين، محاولات لاغتيال مسؤولين في الدولة، وعمليات تخريبية، ومواجهات مع القوى الأمنية، في إطار محاولات، كتب لها الفشل، لإقامة الدولة الإسلامية. واستناداً إلى ذلك، اتهمت التنظيمات الإسلامية (الشيعية) المتأثرة كثيراً بإيران، بضعف ولائها الوطني. لكن يمكن القول أنه على الرغم من محاولات التنظيمات الدينية الإيرانية إقامة امتدادات لها في منطقة الخليج العربي، أو على الأقل التأثير في توجهات شيعة المنطقة، إلا أن التيار الإسلامي الشيعي حاول الحفاظ على الهوية الوطنية الخليجية في معظم مواقفه.

стр. 600

وإبان (السبعينيات والثمانينيات)، تبلور التيار الإسلامي السياسي في الخليج العربي. وبرزت على الساحة الخليجية تنظيمات إسلامية مسلحة بنظرة شمولية للأحداث، وعمل سياسي – اجتماعي منظم من خلال السيطرة على المؤسسات النقابية، وجمعيات النفع العام، كانت حكراً على القوميين والليبراليين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي حاولت استيعاب بعض التنظيمات الإسلامية، لإبقائها قوة مواجهة التيار الديمقراطي والليبرالي الذي يسود التوتر علاقته بالإسلاميين، والذي وصل أقصى مداه فيما سمي بـ (معركة الاختلاط) في الكويت مطلع السبعينات. مع ذلك ظلت العلاقة بين التيار الإسلامي والأنظمة السياسية في الخليج العربي بين مد وجزر في أغلب الأحيان. تفاعل التيار الإسلامي في الخليج العربي، مع الكثير من القضايا الداخلية والخارجية، التي عبر من خلالها عن موقفه ونظرته من تطورات الأحداث، وتأكيده على التمسك بالإسلام وتعاليمه في معالجة تلك القضايا، مثل موقفه من إصلاح المجتمع ومسألة الشورى والديمقراطية، وبعض قضايا المرأة. كما احتلت بعض قضايا العالم الإسلامي حيزاً بارزاً من اهتمامات التيار الإسلامي ورموزه في الخليج العربي، كالقضية الفلسطينية، والغزو الروسي لأفغانستان عام ١٩٧٩، والحرب العراقية – الإيرانية ١٩٨٠ - ١٩٨٨. وأخيراً حرب الخليج الثانية ١٩٩٠ - ١٩٩١. شكلت حرب الخليج الثانية، الناتجة عن ضم العراق للكويت في ٢ آب ١٩٩٠، محطة أساسية أمام جميع القوى السياسية في منطقة الخليج العربي، بما فيها التيار الإسلامي. فمع انتهاء الحرب ضد الشيوعيين في أفغانستان، التي عدت أحد ميادين الانتعاش الديني للتيار الإسلامي السلفي في الخليج، برزت حالة من الفراغ الجهادي، أعقبها أحداث حرب الخليج الثانية، وانقسام التيار الإسلامي في الخليج العربي، وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية، إلى تيار فقهي رسمي تمثله المؤسسة الدينية الرسمية وتيار إصلاحي دعوي طالب بالعودة إلى جذور المذهب السلفي، في مقابل ما عده انحرافاً في مسيرة المؤسسة الدينية الرسمية عن الخط الذي رسمه الإمام محمد بن عبد الوهاب. ولاسيما بعد الموافقة الرسمية التي منحتها المؤسسة الدينية للقرار الحكومي بالاستعانة بقوات أجنبية في مواجهة النظام العراقي آنذاك. وقد خرج هذا التيار ممن عرفوا بمشايخ الصحوة، أو الصحويين، وهو يتسم بقدر كبير من الحركة والتأثير الاجتماعي. ويمتلك الجرأة في طرح أفكاره ومواقفه من الواقع السياسي والاجتماعي والديني. تمثل ذلك في انتشار ظاهرة أشرطة الكاسيت والمناظرات والمحاضرات التي تنتقد سياسة الدولة الداخلية والخارجية. ثم في تقديمه ما سمي بـ (مذكرة النصيحة) للملك فهد بن عبد العزيز، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي عدها البعض مشروعاً لإصلاح الدولة السعودية على أسس دينية. وهذا ما حاولت الدراسة الكشف عنه وتوضيح أبعاده، اعتماداً على الوقائع التاريخية التي تبين دور التيار الإسلامي، بتنظيماته ورموزه كافة، في منطقة الخليج العربي، وتأثيره في المجتمع، بوصفه من أكبر التيارات الفكرية وأقواها في الساحة الخليجية.

стр. 601

المهمشون في التاريخ الإسلامي المؤلف/ المشرف: محمود إسماعيل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: رؤية - القاهرة ̈بدون سنة الطبع: ٢٠٠٤م تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: تاريخ - مراجعات ودراسات يستخلص مما سبق أن العوام والمهمشين الذين صنعوا التاريخ الإسلامي قد همشوا من قبل الحكام الذين سرقوا هذا التاريخ ونسبوه إلى أنفسهم، بفضل مؤرخي البلاط. كما همشوا –بالمثل- من قبل الدارسين المحدثين الذي استقوا مادتهم العلمية من الحوليات الرسمية ليس إلا، وأغفلوا المظان الحقيقية لتاريخ العوام، لجهل بها أو نتيجة نظرة استعلائية صرفتهم أصلا عن التاريخ للعوام. وقد أثبتت الدراسة عدة حقائق هامة، نوجزها فيما يلي: أولا: كثرة وتعدد حركات العوام والمهمشين لتشمل سائر عصور التاريخ الإسلامي، وعلى صعيد العالم الإسلامي بأسره. ثانيا: خفوت صوت هذه الحركات خلال العصور القليلة التي شهدت نوعا من الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. بينما تعاظمت هذه الحركات والانتفاضات إبان عصور القلاقل والفوضى السياسية، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بما يشي بكون هذه الحركات رد فعل طبيعي ومنطقي لسياسات فاشلة، الأمر الذي يكشف عن البعد الاجتماعي لهذه الحركات. ثالثا: من الصعب، ومن الخطأ العلمي وسم بعض هذه الهبات والانتفاضات بأنها ثورات، وذلك لافتقارها في الغالب الأعم إلى الإعداد والتنظيم. فكانت أشبه بحركات تلقائية عفوية ومجانية، أكثر منها ثورات منظمة ذات أهداف ومقاصد محددة، وإيديولوجيات ثورية، وقيادات واعية. رابعا: يرجع هذه القصور الذي يمكن اختزاله في مقولة ضعف الوعي الطبقي والضبابية السياسية، إلى غياب دور الطبقة البورجوازية المنوطة تاريخيا بإحداث التحولات الثورية الشاملة. خامسا: أن تقاعس البورجوازية عن الاضطلاع بهذا الدور يرجع إلى كونها بورجوازية تجارية في الأساس، فكانت لذلك بورجوازية جنينة عاجزة وهزيلة دافعت عن وجودها والحفاظ على مصالحها، بمهادنة الحكومات القائمة وليس بالثورة عليها وتقويض حكمها. سادسا: يعود هزال البورجوازية إلى عوامل جغرا – تاريخية تتعلق بطبيعة المجتمعات الإسلامية الزراعية الرعوية أساسا، فلم تتخلق طبقة وسطى قوية وقادرة على الصراع ضد الإقطاع العسكري، بل هونت من هذا الصراع وخففت من حدته، الأمر الذي أتاح للنظم القائمة الدوام والاستمرار، خصوصا بعد حسم الصراع لصالح الإقطاع حول منتصف القرن الخامس الهجري. سابعا: أن تفاقم المشكلات الاقتصادية-الاجتماعية في ظل النظم الإقطاعية العسكرية أفضى بالضرورة إلى ردود فعل مضادة تبناها العوام من الفلاحين والحرفيين والبطالين والأرقاء. وهي شرائح مهمشة ضئيلة الخبرات، الأمر إلى أفضي إلي فشل انتفاضاتها العفوية في النهاية. ثامنا: تأدلج بعض هذه الحركات بالتصوف الطرقي التهويمي في أغلب الأحيان، أو بإيديولوجيات هرطقية، جعلت الفقهاء يتصدون لها ويقفون إلى جانب السلطة والبورجوازية التجارية العليا لمواجهتها ودحرها. تاسعا: نجم عن ضعف الوعي الطبقي، وضآلة الخبرة السياسية، وجبروت السلطات العسكرية، أن تحولت الكثير من انتفاضات العوام إلى الأساليب التخريبية والسلب والنهب، الأمر الذي افقدها مؤازرة قطاعات عريضة من الطبقات العاملة نفسها. عاشرا: برغم هذه السلبيات والنقائص التي شانت انتفاضات العوام والمهمشين، إلا أنها نجحت في تعرية النظم الحاكمة ومن دار في فلكها من فقهاء السلطة وشرائح البورجوازية التجارية. وأرغمت الحكومات أحيانا على التخفيف من غلواء سياساتها المشتطة، بل والقيام ببعض الإصلاحات في أحيان أخرى. ونظرا لميوعة الصراع الطبقي –نتيجة عوامل قبلية وعنصرية ودينية –فقد قدر للعوام والمهمشين النجاح- في أحيان قليلة- في الوصول إلى الحكم عن طريق تأسيس كيانات سياسية ذات طابع جمهوري-إشتراكي، ما لبثت أن سقطت نتيجة غياب الوعي السياسي وقوة النظم الإقطاعية المدججة بالسلاح. أخيرا، عبرت مراهنة المعارضة في التاريخ الإسلامي عن خلل دائم ومستمر في بنية هذا المجتمع، لا زالت أصداؤه قائمة إلى الآن مما أكسب السلطات الحاكمة القدرة على البقاء والاستمرار، وحكم على حركات المعارضة بالشلل والعجز والقصور. تلك دروس وعبر جرى استخلاصها نتيجة استقراء التاريخ الإسلامي، فهل يمكن أن نستوعبها ونفيد منها في تحريك عجلة هذا التاريخ البائس قدما وإلى الأمام؟

стр. 602

النقل والترجمة في الحضارة الإسلامية المؤلف/ المشرف: علي بن إبراهيم النملة المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية-الرياض ̈الثالثة سنة الطبع: ١٤٢٧هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: منوع الخاتمة: أولاً: النتائج: من خلال هذا العرض السريع لظاهرة النقل والترجمة، في الحضارة الإسلامية، ومن خلال استقراء أدبيات هذا الموضوع المتوافرة، وبحسب الظروف المحيطة بالبحث، وبقدر الإمكان المتاح، يمكن للباحث أن يستنتج هذه المجموعة من النتائج، التي قد تقود في مجملها إلى توصيات، رغبة في مزيد من البحث والتوسع في الطرح والتغطية: أولاً: أن الثقافة الإسلامية قد أفادت من ثقافات الغير القائمة، إبان قيام الحضارة الإسلامية، مما رأته مناسباً لها، ولمبادئها، ومنطلقاتها. فلم تفد من آثار لم يكن لها قوة التأثير، كالأدب والفن والسحر والشعوذة والكتب الدينية الإغريقية (اليونانية) لاعتمادها، في معظمها على الخرافة والوثنية. ثانياً: أن الخلفاء المسلمين قد شجعوا حركة النقل والترجمة، وكان معظمهم يعد في مصاف العلماء، فأغدقوا على النقلة والمترجمين والمؤلفين والوراقين، وقربوهم، واستعانوا بهم في أمور الخلافة، فكان لهذا أثره على العلم، نقلا وتأليفاً. وفي هذا تأكيد على قوة أثر ولاة الأمر في توجيه دفة العلم. ثالثاً: اعترى نقل العلوم اليونانية وترجمتها شيء من الخلط، نتيجة الاعتماد على وسيط ثالث، تمثل في اللغة السريانية. ووقعت فيه أخطاء فاحشة، استدعت المراجعة والتنقيح والنقد، وشمل هذا نسبة بعض الأعمال إلى غير أصحابها. رابعاً: نشط، في بدء ظاهرة النقل والترجمة، النقلة والمترجمون من غير المسلمين، فلقوا حسن المعاملة من الخلفاء والأفراد والولاة، وعاشوا السماحة، ولكن بعضاً منهم أساء الإفادة من هذه الجوانب، فأرادوا التأثير على أحكام الإسلام ومبادئه، دون توفيق يذكر. خامساً: لم تكن ظاهرة النقل والترجمة إيجابية كلها، بل لقد كانت لها آثار سلبية على الثقافة الإسلامية، لاسيما فيما يتعلق بعلم الكلام، الذي أوجد شرخاً في وحدة الأمة العقدية، ومزقها إلى فرق، اشتد ساعد بعضها، فأرادت رمي الإسلام، دون توفيق يذكر. سادساً: ركز الباحثون، كثيراً، على الخلافة العباسية في تطوير حركة النقل والترجمة، لوضوح الآثار فيها. وكان هذا على حساب عصر صدر الإسلام، وخلافة بني أمية، اللذين لم يعطيا حقهما من البحث في ظاهرة النقل والترجمة فيهما، مما يستدعي مزيداً من البحث المستقل، حول هذين العصرين، وكذلك الولايات الإسلامية المعاصرة للخلافة العباسية وهذا البحث في مجمله يثبت ذلك من خلال مراجعه. سابعاً: ما زال هناك خلط، عند الحديث عن ظاهرة النقل والترجمة، من حيث النشأة والزمان والمهمات. وهذا ناتج، فيما يبدو، عن تناقل المراجع بعضها من بعض، مما يدعو إلى الرجوع إلى المصادر القريبة من الأحداث، والتحقيق فيما تذكره، والوصول إلى نتائج عملية. ومع هذا فإن أدبيات النقل والترجمة في الحضارة الإسلامية تكاد تجمع على أن انطلاقة النقل والترجمة كانت على يد الخليفة الأموي خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ثامناً: لوحظ عدم التحقيق من بعض الآثار، التي تنسب إلى بعض الصحابة – رضوان الله عنهم – والتابعين – رحمهم الله تعالى -، لاسيما منهم الولاة والأمراء، فيما يتعلق بالنقل ومداه. وهذا أمر يحتاج أيضاً إلى مزيد من التحقق والتثبت، لاسيما عندما يستعين الباحث بآثار بعض المستشرقين، فيما يتعلق بالثقافة والحضارة الإسلامية، وإن كانت بعض الآثار تؤيد ما يرمي إليه الباحث، بدافع من الهوى، إلا أن الموضوعية والتجرد يتطلبان التثبت من هذه الآثار.

стр. 603

تاسعاً: لم يكن العرب المسلمون مجرد نقلة لتراث الغير، بل لقد طبعوا ما نقلوه بما لديهم من علم، وأخضعوه لما لديهم من خلفية إسلامية، فجاء مصقولاً منقحاً، تدرك فيه اللمسات الإسلامية، من حيث التأصيل الإسلامي للعلوم. ظهر هذا واضحاً جلياً، عندما توجه بعض النقلة المسلمين إلى الثقافة الإغريقية/ اليونانية والهندية والفارسية والمصرية/ القبطية، ينقلون منها مباشرة، ويقفون وقفات علمية دقيقة، عندما يستدعي الأمر الوقوف. يقول يحيى وهيب الجبوري في هذا: (وهكذا كانت حركة الترجمة والتأليف في هذا العصر مزدهرة، وقد ظهرت في الحياة الإسلامية حركة علمية جديدة، طابعها الإسلام، ونبغ فيها علماء، جمعوا بين العلوم الإسلامية النقلية، وبين العلوم العقلية الدخيلة، وصارت لهم شخصيتهم الإسلامية المستقلة). ويقول شحادة الخوري، في هذا السياق: (ولم يكن العرب، في ميدان المعرفة، ناقلين كسالى، بل كانوا ناقلين مبدعين، أعملوا العقل واحتكموا إليه، ولم ينظروا إلى ما أخذوه بوصفه مسلمات وحقائق، بل وضعوا كل ما نقوله تحت حكم البصر والبصيرة). وينقل ما يؤيد ذلك عن أبي بكر الرازي وابن البيطار وجمشيد الكاشي. كثيراً ما استدعى الأمر الوقوف عند مسائل، ذات مساس بالطبيعة، أو العقيدة، أو العلوم التطبيقية، التي استدعت التمحيص، والخروج من بعض الخرافة التي ضمنت بعض المؤلفات. هذا جانب يحتاج إلى تأييد، من خلال النظر في المنقول والمترجم مباشرة، وقد عمل على ذلك في مجال طب العيون، خاصة، نشأت الحمارنة، الذي يذكر في أحد أبحاثه المنشورة أن عصر ترجمة الطب من اللغة الإغريقية (اليونانية) إلى اللغة العربية لم يكن (مظهراً لسلوك منفعل، بل كان العلماء فيه فاعلين بكل معنى الكلمة. فقد وضعوا كل الحقائق التي ترجموها على محك العقل، فقبلوا معظمها، ولكنهم عارضوا بعضها، ونقدوا بعضها الآخر. ولم يؤثر ذلك على مكانة أساتذتهم الإغريق في نفوسهم). يستدعي هذا مزيداً من التركيز على هذه الإطلاقة، التي ربما تأخذ شكل الفرضية، هنا، حتى يتم فحصها، وعرضها على الواقع. عاشراً: أثبتت ظاهرة النقل والترجمة قدرة اللغة العربية على استيعاب المصطلحات، ووقوفها مع المستجدات، وشمولها للعلوم والمعارف والآداب، ومرونتها في احتواء الجديد من المصطلحات المعربة والمنحوتة. يقول محمود فيصل الرفاعي: (من يستعرض بعض مصنفات العلماء، في المرحلتين الأولى والثانية، يرى قوة اللغة العربية العلمية، وتعدد المفردات الجديدة. لقد أصبحت بذلك اللغة العلمية الناضجة التي لم يستطع عالم بعد ذلك الكتابة بغيرها). حادي عشر: كان المفهوم الشامل للمكتبة موجوداً، في العصور الأولى للإسلام، فلم تكن مجرد خزانة كتب، وإنما تحققت فيها ما يدعو إليه علماء المكتبات والمعلومات، اليوم، من وظائف ومهمات، أهمها، في مجالنا، اللغة والترجمة، بالنقل من اللغة إلى اللغة، وتعليم اللغة الأم، وتعلم اللغات الأخرى، والنسخ (الوراقة)، والتجليد. ثاني عشر: لابد من القول بضرورة تعلم اللغات الأخرى، لينقل منها وإليها، ولن تقوم حضارة إذا لم يسع المسؤولون عنها، من علماء وولاة، إلى التوكيد على تعلم اللغات الغنية بالإنتاج العلمي والفكري، دون أن يكون ذلك على حساب تعلم اللغة الأم وإتقانها، مما يؤكد على الإلمام باللغة الأم، وهي، هنا، اللغة العربية، ومن ثم الانطلاق.

стр. 604

النقوش الإسلامية على طريق الحج الشامي بشمال غرب المملكة العربية السعودية (من القرن الأول إلى القرن الخامس الهجري) المؤلف/ المشرف: حياة بنت عبدالله الكلابي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية-الرياض ̈بدون سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: آثار إسلامية الخاتمة: وفي خاتمة هذا الكتاب تستعرض الباحثة أهم النتائج التي توصلت إليها، وهي تنحصر في النقاط التالية: • تمثل آثار طريق الحج الشامي على اختلاف أنواعها جانباً كبيراً من الآثار الإسلامية الباقية في شمال غرب المملكة العربية السعودية، وتمثل النقوش الكتابية الإسلامية التذكارية أهم أنواع هذه الآثار، وغالبية هذه النقوش قام بتنفيذها الحجاج والمسافرون السائرون على الطريق تخليداً لرحلة حجهم، ووصولهم إلى الديار المقدسة، وبعضها نفذه السكان المحليون. • تتضمن هذه النقوش بالإضافة إلى أسماء أصحابها جملاً دعائية، وعبارات دينية ذات صيغ مختلفة مثل: التصريح بتوحيد الله، والاعتراف بربوبية، والإقرار بالولاء له، وبالتوكل والاعتماد عليه، والتصريح بمحبته وخشيته، وبالثقة والاعتصام به، والاعتراف بمآل الأمور إليه، ودعاء بطلب الرزق، والمغفرة، والتوبة، والجنة، والرحمة، وصحبة الله في السفر ورعاية أهل المسافر في غيبته، وطلب الاستشهاد في سبيل الله، وطلب الرضا من الله والصلاة على النبي ﷺ ، وصيغاً لإثبات المرور بالمكان أو الحضور إليه، أو إشارة إلى كون صاحبها في رحلة ذهاب إلى الحج أو عودة منه، أو إشارة إلى بلده التي قدم منها، كما يتضمن بعضها وصايا موجهة لعموم المسلمين المارِّين بالطريق تحثهم على تذكر الموت، وتقوى الله، والرضا بما قسم. • بلغ عدد النقوش التي تمكنت الباحثة من حصرها على مسار طريق الحج الشامي الممتد في حالة عمار إلى المدينة المنورة أربعمائة نقش، وبعض هذه النقوش مطموس طمساً تاماً بفعل عوامل التعرية أو عبث المارة. يضاف إلى ذلك مجموعة أخرى من النقوش موجودة في العلا وما حولها ليست من عمل الحجاج والمسافرين على الطريق وإنما من عمل سكان وادي القرى. • يعد مجموع نقوش طريق الحج الشامي قليلاً مقارنة بعدد الذين ساروا على الطريق خلال الفترة التي دونت فيها النقوش، مما يسمح بالقول بأن تنفيذ النقوش التذكارية على الطريق لم يكن يستهوي الكثيرين من السائرين عليه. • غالبية نقوش طريق الحج الشامي غير مؤرخة، إلا أن تاريخها يمكن إرجاعه إلى الفترة الممتدة من القرن الأول إلى القرن الخامس الهجري اعتماداً على ما تحمله من خصائص خطية ومضامين كتابية، وعن طريق مقارنتها مع النقوش المؤرخة من تلك الفترة، سواء وجدت على طريق الحج الشامي أو في أماكن أخرى. • بلغ عدد النقوش المؤرخة على طريق الحج الشامي أحد عشر نقشاً، سبعة منها مؤرخة بفترة القرن الأول، والأربعة الباقية من القرون: الثاني، والثالث، والرابع، والخامس للهجرة، بواقع نقش واحد من كل قرن. • يعد نقش زهير (النقش رقم ١) المؤرخ سنة ٢٤هـ ذا أهمية بالغة، لأنه أقدم نقش إسلامي مؤرخ يكتشف حتى الآن. • مورست عادة تنفيذ النقوش التذكارية من قبل المسافرين على طريق الحج الشامي خلال الفترة الإسلامية المبكرة الممتدة من القرن الأول إلى الخامس الهجري، وتوقفت بعد ذلك التاريخ إلا حالات محدودة تعود إلى نهايات العصرين المملوكي والعثماني.

стр. 605

• تتوفر النقوش الكتابية الإسلامية على طريق الحج الشامي في أماكن التضاريس الجبلية وتقل، وأحياناً تنعدم، في المناطق المنبسطة، وفي السهول والقيعان الواسعة، ولذا فإن النقوش تنعدم في جزء الطريق الواقع بين حالة عمار وتبوك، وتتوفر على جزء الطريق الواقع بين تبوك والحجر، وتزداد بكثرة في جزء الطريق الواقع بين الحجر والمابيات، وتندر في جزء الطريق الواقع بين المابيات وذي المروة، وتنعدم مرة أخرى في جزء الطريق الواقع بين ذي المروة والمدينة المنورة. • وجود النقوش الكتابية الإسلامية في عدد من المواقع على مسار الطريق جنباً إلى جنب مع النقوش العربية القديمة المكتوبة بخطوط: المسند، واللحياني، والثمودي، والنبطي يؤكد أن طريق الحج الشامي كان في الأصل أحد مسارات طريق التجارة العربية القديمة. • تشمل مواضع الطريق التي نفذت فيها النقوش: مواقع المماسك الطبيعية للمياه، ومواقع الظلال، والصخور البارزة على مسار الطريق، ومنازل الطريق التي تشكل نهاية مرحلة، ومواقع الاستراحات المتوسطة بين المنازل الرئيسة. • أسفرت دراسة مواقع النقوش عن تحديد أربعة مواقع استراحة لقوافل الحجاج خلال الفترة الإسلامية المبكرة بين المنازل الرئيسة التي ذكرتها المصادر على الطريق. وهذه المواقع هي: الأوجرية، الصاني، البريكة، أبو طاقة. • تمثل نقوش طريق الحج الشامي التذكارية الآثار الوحيدة التي تركها مستخدمو الطريق من الحجاج والمسافرين في حين أن بقية آثار الطريق منشآت وعمارات أقامها الحكام والولاة المسلمون. • كانت نقوش طريق الحج الشامي التذكارية تسمى عند أصحابها (شهادة)، حيث ورد هذا المصطلح في أحد النقوش المؤرخة بسنة ٨٣هـ (النقش رقم ٥). • استخدمت بعض صيغ هذه النقوش مثل (الله ولي فلان) أو (الله ثقة فلان) في عبارات التوقيعات الشخصية وأختام الأفراد في الفترة الإسلامية المبكرة، ولذا فإن بعض هذه النقوش يحتمل أن يكون شهادة وتوقيعاً تذكارياً بنص الصيغة التي يحملها ختم صاحبها. • تحوي نصوص النقوش، بالإضافة إلى العبارات الدينية والجمل الدعائية، مضامين اجتماعية. • تضمنت نصوص النقوش أسماء عدد محدود من الشخصيات المعروفة أو المنتسبة إلى أسر مشهورة كعلي بن عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن سعد بن معاذ الأنصاري، ومحمد بن سعيد بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، وإسماعيل بن الحسن الزبيري، وجعفر بن إسحاق الزبيري. • تضمن العدد الأكبر من نقوش طريق الحج الشامي أسماء وألقاب وكنى شخصيات إسلامية غير معروفة ولا يرد ذكر لها في المصادر وكتب الرجال. • ويمثل المكان المعروف بدرب الحاج الواقع بين الحجر والمابيات الموقع الذي تتجمع فيه أكبر كمية من النقوش الكتابية الإسلامية على طريق الحج الشامي. • بعض نقوش طريق الحج الشامي افتتح بالبسملة وختم بعبارة آمين. • تضمنت بعض نقوش طريق الحج الشامي دعوة إلى قراءة النقش المكتوب ودعاء بالرحمة لمن يفعل ذلك من المارة. • وردت في نقوش طريق الحج الشامي تسعة ألقاب هي: الأمير، هلال الدولة، سيف الدولة، مولى، مولى الأمير، فتى، غلام، عبد، عبد الأمير، ولقب مولى هو أكثر الألقاب وروداً في هذه النقوش. • وردت الأسماء في نقوش طريق الحج الشامي مفردة وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، وتضمنت أسماء وكنى ونسباً، وأكثر الأسماء الواردة في النقوش ثنائية وثلاثية. • وردت أسماء أربع نساء فقط في نقوش طريق الحج الشامي المنشورة في هذه الأطروحة وعددها ثلاثمائة نقش.

стр. 606

• استخدمت الكنى في أسماء أصحاب النقوش أو أسماء آبائهم أو أجدادهم إذا كان الشخص أو أبوه أو جده مشهوراً بكنيته لا باسمه، وجميع الكنى نسبتها للذكور من الأبناء أو الآباء باستثناء شخص واحد وردت كنيته منسوبة إلى ابنته، وهو (أبو مريم) الوارد في النقش رقم (٣). • اشتملت النسبة الواردة في النقوش على نسبة لقبيلة، كالعذرى والثقفي والطائي، ونسبة لبلد كالمديني والأيلي والشامي، ونسبة لأسرة كالزبيري والجعفري والعزيزي، ونسبة لجماعة كالأنصاري. • وردت أسماء أربع مدن وبلدات في نقوش طريق الحج الشامي جميعها في بلاد الشام، وهي: بيت رأس، ودمشق، والرقة، وقنسرين. • انحصرت الظواهر الإملائية في نقوش طريق الحج الشامي في: رسم الهمزة إذا وقعت في بداية الكلمة محققة في صورة ألف مستقيمة، وكتابتها على قياس تخفيفها في اللفظ إذا كانت متوسطة أو حذفها تماماً، ورسم الهمزة المتطرفة في صورة ألف مستقيمة، وعدم استخدام شكل رأس العين للدلالة على الهمزة، وتنفيذ تنوين النصب على شكل ألف لحقت آخر الكلمة، وكتابة كلمة مئة بصورة: (مائة) و (مئة)، وزيادة واو في طرف كلمة عمرو، وحذف همزة الوصل الممثلة بألف من كلمتي (ابن) و (ابنة) وإثباتها، وإدغام نون أن المصدرية في (لا) النافية وعدم إدغامها، وكتابة التاء المتطرفة المربوطة المتصلة تاء مفتوحة في بعض الكلمات، وكتابة الألف المتطرفة في آخر بعض الأسماء والأفعال ألفاً ممدودة بدلاً من مقصورة، وحذف المد بالألف من وسط الكلمة، وحذف المد بالواو من وسط الكلمة، وحذف الألف من (يا) النداء. • غالبية نقوش طريق الحج الشامي كتبت بالخط الذي اصطلح على تسميته بالخط الكوفي البسيط الخالي من الزخرفة، ويمكن إطلاق مسمى الخط الحجازي على خطوط عدد محدود من هذه النقوش التي يعود تاريخها إلى بداية القرن الأول كنقش زهير المؤرخ بسنة ٢٤هـ، كما توجد نقوش أخرى قليلة كتبت بخط كوفي مزخرف ومورق محتملة التأريخ بالقرنين الثالث والرابع للهجرة. • غالبية نقوش طريق الحاج الشامي تتصف بتواضع مستوى خطوطها، وقليل منها يظهر عليه الإتقان والتجويد وجمال الخط. • تلاحظ ظاهرة الجمع بين الحروف اللينة واليابسة في كتابة النقش الواحد في عدد كبير من نقوش طريق الحج الشامي، وخاصة المؤرخة بالقرن الأول الهجري والمحتملة التأريخ بذلك القرن. • يتراوح عدد الأسطر في نقوش طريق الحج الشامي بين سطر واحد وعشرة أسطر وغالبية النقوش تتكون من سطرين. • معظم نقوش طريق الحج الشامي أسطرها غير متساوية في الطول كما يختلف عدد الكلمات المنفذة في كل سطر، فبعضها احتوى كلمة واحدة وبعضها الآخر احتوى كلمتين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، وقد تصل كلمات السطر الواحد إلى عشر كلمات. • يلاحظ عدم انتظام بدايات الأسطر ونهاياتها في معظم نقوش طريق الحج الشامي، واختلاف حجم المسافات المحصورة بين كل سطر وآخر، وقد تتقارب الأسطر وتتداخل الحروف، ويتحكم في ذلك ظروف المكان المنفذ عليه النقش ومهارة المنفذ. • نفذت الأسطر في بعض النقوش بشكل أفقي منتظم، وفي بعضها الآخر انعدمت هذه الخاصية فمال السطر إلى مستوى السطر الذي يليه. • تختلف المساحات المنفذة عليها النقوش حسب ظروف المكان، فهناك نقوش كتبت على مساحة واسعة تصل إلى مترين طولاً ونصف المتر عرضاً، وقد تصغر المساحة المنفذ عليها النقش لتصل إلى أقل من ذلك بكثير. • يتراوح طول الألفات واللامات في نقوش طريق الحج الشامي بين ٤مم و ٢١سم. • معظم نقوش طريق الحج الشامي محزوزة حزاً سطحياً، ويتراوح عرض الحز في الحرف بين ٠.٥سم و٣سم.

стр. 607

• معظم الصخور التي نفذت عليها نقوش طريق الحج الشامي من نوع الأحجار البازلتية التي تغطيها قشرة سطحية سوداء أو بنية داكنة، وقليل منها من نوع الأحجار الرملية. • استخدمت التجزئة الحرفية والمقطعية في نقوش طريق الحج الشامي في الأسماء والكلمات، ولم تسر على قاعدة ثابتة، وإنما وفقاً لظروف المساحة الصخرية المنفذ عليها النقش. • استخدمت نقط الإعجام في عدد من نقوش طريق الحج الشامي (٢٢ نقشاً) منها (١٨ نقشاً) يعود تاريخها إلى فترة القرن الأول الهجري، وقد ظهرت النقط على هذه النقوش بصورها الثلاثة: المفردة والثنائية والثلاثية، وجميعها أخذت شكلاً دائرياً مسدود الوسط. • تضيف نقوش طريق الحج الشامي المؤرخة المنقوطة، نقشين على درجة كبيرة من الأهمية إلى قائمة النقوش المنقوطة المعروفة من قبل، وهما: نقش زهير المؤرخ بسنة ٢٤هـ (النقش رقم ١)، ونقش عفير بن المضارب المؤرخ بسنة ٨٣هـ (النقش رقم ٤). • وجود نقط إعجام على عدد من حروف نقش زهير المؤرخ بسنة ٢٤هـ يشكل دليلاً أثرياً مادياً جديداً يدعم ما يرد في المصادر المكتوبة عن استخدام المسلمين لنقط الإعجام في الكتابة على عهد رسول الله ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين، وتأتي أهمية هذا الدليل من كون نقش زهير أقدم نقش إسلامي مؤرخ، وثاني وثيقة كتابية مؤرخة ومنقوطة بعد بردية أهناسياً المؤرخة بسنة ٢٢ هـ، والتي تحمل نقط إعجام بدورها. • تخلو جميع نقوش طريق الحج الشامي من نقط الإعراب (نقط الشكل) وهي بذلك لا تختلف عن بقية النقوش الإسلامية الصخرية التي وجدت في الأماكن الأخرى داخل المملكة وخارجها. • انحصرت أهم الخصائص الزخرفية في نقوش طريق الحج الشامي في: المشق وهو مد بعض الحروف وإطالتها، والاستمداد البسيط، والاستمداد المقوس، والتعريض في هامات الألفات واللامات وأطراف الحروف، والتوريق، واستخدام زوائد متدلية في عراقات بعض الحروف.

стр. 608

اليهود والدولة العثمانية المؤلف/ المشرف: أحمد نوري النعيمي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٧هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العثمانية الخاتمة يتضح مما تقدم، إن اهتمامات اليهود بفلسطين لا تعود إلى ظهور الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل عام ١٨٩٧، بل إنها ترجع إلى تاريخ سابق من ذلك، وقد أصبحت هذه الاهتمامات واضحة منذ أن اتبعت السياسة الروسية استراتيجية جديدة ضد اليهود وذلك في عام ١٨٨٢. ولكن هذا لا يعني بأن اليهود لم يعملوا قبل هذا التاريخ أيضاً، حيث نرى أنه بعد استقرارهم في الدولة العثمانية، حينما قام الملك فريناند ملك إسبانيا بطرد اليهود من إسبانيا، انصبت جهودهم في السيطرة على المجالات الحيوية في الدولة العثمانية بعد أن اعتنق قسم من هؤلاء الدين الإسلامي، وقد عرف هؤلاء فيما بعد بيهود الدونمة. إلا أن جهود اليهود لإقامة دولتهم المزعومة في فلسطين قد أصبحت واضحة إلى حد بعيد بعد هجرتهم من روسيا القيصرية على أثر المذابح المشهورة ضدهم، حيث أصدر السلطان مجموعة من الفرمانات أكدت على منحهم الجنسية العثمانية. وفي الواقع أن جهود اليهود لم تقتصر على الاستقرار في الدولة العثمانية، واعتبارهم من رعاياها، بل أخذ اليهود يسعون للتأثير على السلاطين العثمانيين بغية إطلاق باب الهجرة إلى فلسطين. وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية قدمت مشاريع عديدة كانت في صالح الحركة الصهيونية، أكدت على استيطان اليهود في خارج الحدود الاقليمية لها مثل أوغندا، إلا أن الحركة الصهيونية قد أصرت على الاستيطان في فلسطين. وفي الواقع قامت الدولة العثمانية بإصدار بعض الفرمانات الجزئية لصالح اليهود، الأمر الذي أدى إلى استغلالها من قبل اليهود، حيث زادت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقد اتبع اليهود ومنذ ذلك التاريخ سياسة المراوغة والتحايل على القانون المحلي، حيث قاموا بشراء الأراضي بأسماء عربية تركية، وأقاموا مستعمرات صهيونية. علاوة على ذلك فإن اليهود عمدوا إلى سياسة الرشوة مع المسؤولين العثمانيين سواء في سراي يلدز أو متصرفية القدس، وعندما كانوا يصطدمون بمن يرفض طلباتهم، يلفقون عليه تهمة الانتساب لجمعيات سرية مناهضة للسلطان العثماني. واتضح لنا أيضاً، بأنه حدثت اتصالات بين عبد الحميد وهرتزل، وفي الحقيقة نرى بأن الأول كان يرمي من وراء اتصالاته مع هرتزل تحقيق الأهداف التالية: معرفة النوايا الحقيقية للمنظمات الصهيونية. معرفة القوة الحقيقية لليهود، بالإضافة إلى معرفة مراكز الاستقطاب الدولي في تلك الحقبة التي بدأت تساند الحركة الصهيونية. حاول عبد الحميد معرفة العلاقة بين اليهود والماسونية في الدولة العثمانية. كشف تنظيمات جمعية الاتحاد والترقي، وقد استطاع فعلاً معرفة الشيء الكثير عن تنظيماتها، ولا سيما بعد لقائه مع هرتزل، حيث أعلنت بعض الصحف عن هويتها عن طريق تأييدها لمحاولات هرتزل، وخصوصاً إذا عرفنا أن هذه الصحف كانت تابعة للجمعية المذكورة. أما بالنسبة لهرتزل فإنه كان ينوي من وراء هذه الاتصالات مع عبد الحميد، إنجاز المهام الآتية: انفاق مبالغ هائلة مهما كانت قيمتها، من أجل استيطان اليهود في فلسطين، واستعداده تقديم رشوة إلى عبد الحميد ورجال سراي يلدز، في سبيل تحقيق أهدافه. استغل هرتزل إنهماك الجيش العثماني في الدول البلقانية، حيث حاول تقديم مليونين من الليرات الذهبية عند لقائه مع عبد الحميد.

стр. 609

وبعد أن وصلت الحركة الصهيونية إلى نتيجة غير مرجوة من هذه الاتصالات، قررت إبعاد عبد الحميد عن السلطة، حيث قدمت الدعم في كافة المجالات لجمعية الاتحاد والترقي، والأكثر من ذلك أن رجال الجمعية المذكورة كانوا يؤكدون أن الصهيونية لا تتعارض مع ولاء الرعايا اليهود للدولة العثمانية، كما صرحوا بمواصلة العمل على تحقيق أهداف الحركة الصهيونية في انسجام تام مع روح الدستور العثماني، ومع احترام القوانين والأنظمة المرعية في الدولة العثمانية. وفي نهاية الأمر، استطاعت الصهيونية الإطاحة بحكم عبد الحميد، حيث قام رجال الاتحاد والترقي على توسيع باب الهجرة إلى فلسطين، ولا سيما أن العقل المدبر للاتحاد والترقي هم يهود الدونمة، حيث أنه بعد قيام انقلاب ٢٧ نيسان ١٩٠٩ وصل عدد اليهود إلى ثلاثة أضعافه بالمقارنة مع عام ١٨٨٢. وقد أدت سياسة الاتحاد والترقي إلى نتيجتين هما: إن المرونة التي اتبعها رجال الاتحاد والترقي تجاه اليهود والحركة الصهيونية أدت إلى زيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، كما اتضح لنا من الاحصائيات التي قدمناها في هذا الصدد. شجعت الصهيونية بعض الحركات القومية المتطرفة مثل الطورانية التي بدأت تظهر في الأفق في هذه الحقبة الزمنية، والتي قامت باتباع سياسة التتريك في الأراضي العربية، وكانت الغاية من ذلك فصم عرى العلاقة بين العرب والأتراك، كي تنفرد وحدها في تنفيذ مخططاتها في المنطقة العربية. كل ذلك قد أدى إلى بروز الحركة القومية العربية، وبالتالي الانفصال عن جسم الدولة العثمانية. نستنتج من كل ذلك، إن جل الدراسات التي ظهرت في العالمين العربي والإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى، لم تكن لتميز بين حقيقتين: الأولى تبدأ من قيام الدولة العثمانية إلى قيام انقلاب ٢٧ نيسان ١٩٠٩، والثانية تبدأ من ٢٧ نيسان ١٩٠٩ إلى سقوط الدولة العثمانية. تتميز الحقبة الأولى بين العرب والأتراك بمتانة العلاقات بينهما، حيث أن العثمانيين تأثروا بالثقافة العربية، أكثر من تأثر العرب بالأتراك، وقد جاء هذا التأثر عن طريق الإسلام. أما فيما يتعلق بالحقبة الثانية، فإنها أدت إلى التوتر في العلاقات العربية التركية، لأن قادة الاتحاد والترقي اتبعوا سياسة التتريك مع العرب، والتعاطف مع الحركة الصهيونية، وكان هذا كفيلاً بإبعاد الأتراك عن العرب، وبالتالي دفع العرب إلى المطالبة باستقلالهم عن الدولة العثمانية.

стр. 610

جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية المؤلف/ المشرف: بكر بن عبدالله أبو زيد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار العاصمة - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٩هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: حج - وقوف بعرفة الخلاصة: ١ - أن هذا الجبل ليس له اسم سوى اسمين: (جبل إلال) و (جبل عرفات) وما سواهما فأسماء محدثة. ٢ - هذا الجبل لم يرد له ذكر في المرويات من السنة المشرفة حسب التتبع. ٣ - الإجماع على أن هذا الجبل لا فضيلة له تخصه، ولا يتعلق به نسك يخصه. ٤ - كثرة ما تعلق به من البدع والمحدثات من بعد انقراض القرون المفضلة إلى الآخر. ٥ - شكوى العلماء في قديم الدهر وحديثه من تعلق العامة به، وما يقع لهاء ذلك من وفيات، وإصابات ومنكرات. ٦ - تم – بحمد الله – إزالة كثير من هذه البدع والمحدثات لاسيما في هذا العهد المبارك عهد المملكة العربية السعودية، ثبتنا الله وإياهم على الإسلام والسنة. ٧ - يجب رفع وسائل الإغراء بهذا الجبل، والتي تدعو بقوة وضعها إلى قصده، والتعبد عنده، وإن في إقرارها، كالدرج، والشاخص المنصوب على رأس الجبل، مساهمة في الإثم لما يقع من وفيات وإصابات ومنكرات لأنه إقرار للإغراء وتغرير بالحجيج. وللمثال فقد أحدث في الكعبة، شرفها الله تعالى، مسمار باسم (سرة الدنيا) فأزيل منذ قرون لما وقع من الافتتان به، فليكن ما هنا كذلك. ٨ - الواقع الحاضر اتخاذه مزارا على مدار العام، فالناس عليه وردا وإصدارا وعلى رأسه وفي سفحه عدد من الباعة للمياه والمشروبات والسبح وما إلي ذلك. ويحصل لقاء ذلك، تمسح به وصلاة عليه، إلخ. وهذه من أسباب الإغراء به ونشر الاعتقاد به في نفوس العلامة في أقطار العالم، والله تعالى أعلم بأحكامه.

стр. 611

جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين المؤلف/ المشرف: محمد السيد الوكيل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار المجتمع ̈الثانية سنة الطبع: ١٤٠٨هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: تاريخ - الخلافة الراشدة الخاتمة إن عصر الخلفاء الراشدين هو بلا شك الفترة الذهبية في أحقاب التاريخ الإسلامي الممتد في أغوار أربعة عشر قرناً من الزمان، ولهذا فقد حظيت هذه الفترة باهتمام المؤرخين القدامى والمحدثين على حدٍ سواء، فالكتابة في الموضوع ليست بدعاً في ذاتها، وإنما هي نوعٌ من الاهتمام الذي لقيته تلك الفترة من الكتاب والمؤرخين. ونحن لا ننكر أن هناك فترات من التاريخ وقع فيها من الأحداث ما يجعلها على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، والمسلمون في حاجةٍ إلى معرفتها والوقوف على أحداثها ومدى تأثير هذه الأحداث في توجيه المد التاريخي للأمة الإسلامية ذات التاريخ المجيد. ولعل الكتابة في هذه الفترات تخدم الجانب التاريخي خدمةً عظيمةً حيث تكشف عن كثيرٍ من الجوانب التي شوهها المغرضون، ودسوا فيها على التاريخ الإسلامي ما ليس منه، ومن هذه الفترات ما يأتي: ١ - العصر العباسي بما فيه من تهم وجهت إلى بعض الخلفاء وهم منها براء. ٢ - فترة الحروب الصليبية التي حاول المؤرخون إخفاء كثيرٍ من حقائقها. ٣ - العصر العثماني وما قام به من أعمالٍ مجيدة في خدمة الإسلام طمسها أعداء الأمة الإسلامية. وإذا كان الأمر كذلك فإننا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام سؤالٍ يتطلب الإجابة بإلحاح وهو: لماذا تكرس الجهود للكتابة في عصر الخلفاء، وتترك تلك الفترات الهامة؟. والحق أنني لا أجد عندي إجابةً شافية لهذا السؤال، غير أنني كنت أحس بميلٍ جادٍ ورغبة صادقةٍ للكتابةِ في عصر الخلفاء الراشدين، وإن كنت لا استطيع أن أعلل تعليلاً واضحاً لسر هذا الميل وحقيقة تلك الرغبة، فقد يكون سببهما الحب الذي يملأ جوانح كل مسلم للخلفاء أنفسهم –﵃ وقد يكون هو الرغبة في دحض كثيرٍ من الأباطيل التي دست في تلك الفترة، كما يمكن أن يكون الدافع تجلية بعض الحقائق التي فهمت على غير وجهها الصحيح، وقد يكون مجموع هذه الأمور هو سر الميل الجاد والرغبة الصادقة. على أنني أحب أن أنبّه إلى أن تكرار الكتابة في هذا العصر ليس فيه مضيعة، ولم يخل من الفائدة بل إننا نلاحظ أن كل كاتبٍ يأتي في كتابته بجديد، حتى أحسست بأن الموضوع في حاجةٍ أكثر إلى كتابة وكتابة لنستكمل الجوانب التي يتناولها المؤرخون بالتحليل والتعليق والتصحيح. كما أن لكل كاتبٍ أسلوبه الخاص، وفهمه الخاص للأحداث التاريخية، وفي اختلاف الأسلوب يجد القارئ المتعة، وبتناول الأحداث بالفهم الخاص لكل كاتب يوجد الجديد وتحصل الفائدة المرجوة من الأبحاث التاريخية. وهناك أمرٌ هام يحصله القارئ والباحث من تكرار الكتابة في العصر الواحد، ذلكم هو استنباط العبر، واستخلاص الفوائد –وتلك هي الغاية الحقيقية من دراسة التاريخ- فالمحقق والباحث قد يلمح من العبر والفوائد ما يخفى على غيره؛ لأن ذلك إنما يستنبط استنباطاً من أحداث الفترة التاريخية ولا يجده الكاتب منصوصاً عليه في الكتب والمؤلفات. وإني هنا أرى لزاماً عليَّ أن أعلن شكري لله – إذ وفقني إلى إبراز كثيرٍ من الحقائق وتجلية بعض الخفايا، وإزاحة الشبهات عن شخصيات كادت تلك الشبهات أن تفقدهم مكانتهم في نفوس دارسي التاريخ من غير المحققين المتثبتين، فمن ذلك: ١ - استطعت من خلال الحقائق التاريخية التي لا تنكر أن أثبت أن أبا بكر –﵁ هو أولى الناس بالخلافة بعد رسول الله ﷺ دون أن أقف في ذلك عند الأحاديث الصحيحة أو شهادة كبار الصحابة فقط. ٢ - نفي تهمة تآمر كعب الأحبار –﵀ على عمر، واشتراكه في تدبير قتله.

стр. 612

٣ - تحقيق الدوافع التي أدت إلى مقتل أمير المؤمنين –عمر بن الخطاب- ﵁ وأثبت أن المؤامرة كان المقصود بها الإسلام لا عمر. ٤ - المتآمرون على أمير المؤمنين –عثمان بن عفان- ﵁ لم يكونوا من المصلحين الغيورين على الإسلام، ولم يسبق لهم سابقة خير في الإسلام، أثبَتّ ذلك عن طريق تحليل شخصيات رؤساء الفتنة وبَيَّنت أنها مؤامرة يهودية رأسها عبدالله بن سبأ اليهودي. ٥ - تبرئة عمرو بن العاص –﵁ من تهمة التحريض على قتل عثمان، ومناقشة موقفه من قصة التحكيم مع توضيح أن موقفه هذا له ما يبرره، ولا يُعاب عليه. إلى غير ذلك من التحليلات والتعليقات التي كان يقتضيها المقام، ويستلزمها استعراض الأحداث، وهي كثيرةٌ متفرقة في ثنايا البحث وجوانبه المختلفة. هذا وأرجو أن أكون قد وُفِّقتُ في إزالة اللبس عن كثيرٍ من أحداث التاريخ في تلك الفترة العزيزة على نفس كل مسلم، وكشفت الكثير مما دُسَّ في التاريخ بأقلام المغرضين، حيث كان التاريخ والتاريخ بالذات هدفاً من الأهداف الرئيسية التي استهدفها المستشرقون وركَّزوا عليها. إن تاريخ كل أمّةٍ هو مجدها، وهو رائدها ومصدر إلهامها، ألست ترى الناس كلَّما ادلهمت الخطوب، واكفهر الجو، وعبست الوجوه يرجعون إلى تاريخهم يستلهمونه مخرجاً، أو يلتمسون عنده حلاً لها؟ فإذا ما زور هذا التاريخ، ودُسَّ فيه ما ليس منه، وبرزت شخصياته في صورٍ كالحةٍ مشوَّهةٍ فمن أين يأخذ الناس العبرة؟ وبمن يقتدون إن التمسوا القدوة؟ إن التاريخ هو حركة الحياة الدائبة لا تفتر، وهو سر الإلهام الدافع إلى تطوير الحياة حتى لا تتراجع أو تتوقف، وبحق نرى أن الأمم التي تهتم بتاريخها، تعتني بتدريسه الدراسة التحليلية الصحيحة بحيث تستخلص منه العبرة، تستهدي فيه القدوة، هي الأمم ذات المد الحضاري المتصل الذي لم تستطع ولن تستطيع الأحداث أن تردها إلى الوراء، أو تجمد نموها المطَّرد الشامخ المزهو بأصالته لدى حقب التاريخ الضاربة في أغوار الماضي السحيق. إن الأبطال هم الذين يسطرون صفحات التاريخ، يسطرونها بجهدهم وعرقهم ودمائهم، وعلى قدر ما يسطر التاريخ الأبطال، يصنع التاريخ الأجيال، ويربي الرجال، ويحفظ تراث الأمة من الضياع أو النسيان. لهذا كان لا بد من العناية بدراسة التاريخ حتى يؤتي ثمرته المرجوّة، يحقق للأمة أملها المنشود، واللهَ أسأل التوفيق والسداد والهداية والرشاد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 613

حضرموت في المؤلفات العربية والأجنبية المؤلف/ المشرف: عبدالله سعيد باحاج المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار حضرموت - حضرموت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٥هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: حضرموت لعله من المفيد ونحن في خاتمة هذه الرحلة الطويلة التي تابعنا فيها بكثير من الإيجاز تطور المعرفة الجغرافية عن حضرموت عبر الزمن أن نشير إلى أن هذه المنطقة قد احتفظت منذ أكثر من خمسة آلاف سنة وإلى اليوم باسمها التاريخي المعروفة به وهو (حضرموت) وحتى عندما أشار القرآن الكريم إليها باسم (الأحقاف) كانت أحاديث الرسول محمد ﷺ الذي أنزل عليه هذا القرآن الكريم تشير إليها باسم (حضرموت). وهي في احتفاظها باسمها إلى اليوم قد تفردت عن بقعة ممالك ودول الركن الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية والذي أطلق عليه في مراحل متعددة تسميات مختلفة ومن بينها (أرض سبأ) و (العربية السعيدة) ثم أخيرا (اليمن). وهو الاسم الذي كثر تداوله قبل ظهور الإسلام بحوالي خمسة قرون ودون أن تفقد حضرموت هويتها الجغرافية كمنطقة ذات ملامح وسمات طبيعية وبيئية من أودية وسهول وصحاري ومناخ ونبات طبيعي ونشاط سكاني مميز في البر أو البحر وذلك حتى مع ارتباط حضرموت طوعا أو كرها في كيان سياسي موحد مع بعض أو كل دول وممالك الركن الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية بين حين وأخر. ولا شك أن حضرموت كانت تمثل قاعدة أساسية من قواعد هذا الركن إن لم تكن قاعدته الكبرى وذلك بالنظر إلى الامتداد الجغرافي الواسع الذي كانت تشغله حضرموت في العصور الغابرة في منطقة جنوب الجزيرة العربية وهو الامتداد الذي أجمعت المصادر التاريخية على أنه أستوعب تلك المنطقة الجغرافية الممتدة من ظفار شرقا إلى سفوح المرتفعات الوسطى غربا. وجعلت من صحراء الربع الخالي ورملة السبعتين حدها الشمالي ومياه البحر العربي وخليج عدن حدها الجنوبي وشملت بذلك مساحة تصل إلى أكثر من ثلثي مساحة الجمهورية اليمنية الحالية أي أنها ضمت أراضي معظم المحافظات الشرقية في هذه الجمهورية وهي المهرة وحضرموت وشبوة وأطراف من مأرب وبعضا من المحافظات الجنوبية ومن بينها أبين والضالع. ومن الطبيعي أن يكون للامتداد الجغرافي الواسع لحضرموت القديمة وما أرتبط به من نشاط حضاري مزدهر في مجالات عدة كالزراعة والصناعة والهندسة المعمارية والتجارية البحرية والملاحة البحرية والفنون والآداب وغيرها وما رافق ذلك من انتشار للسكان وتنقلهم في هذه المنطقة وما جاورها الأثر الواضح والملموس لحضرموت في الكيان الحضاري لهذه المنطقة والتي سميت لاحقا باليمن. وهي بذلك تكون قد ساهمت مع غيرها من مناطق جنوب الجزيرة العربية بنصيبها الوافر في صياغة وبلورة النسيج الحضاري لهذه المنطقة وربما لهذا السبب – أي حضرموت بثبات اسمها لتفرد التاريخي- اندفع كثير من الرحالة العرب والأجانب إلى معرفة أوضاعها الجغرافية العامة وأحوال سكانها واستجلاء الغموض في تاريخها الطويل مما جعلها في نظر البعض من هؤلاء الرحالة من المناطق المعلومة والمجهولة في آن واحد فهي معروفة بتحدث التاريخ عنها وما ذكرته الكتب المقدسة بشأنها كالتوراة والقرآن الكريم وما شهدته من حوادث سجلتها هذه الكتب المقدسة وكذلك ما نقل بعض أبنائها من المهاجرين إلى خارجها عن أحوالهم ولكنها أيضا مجهولة لما نكبت به في مراحل تاريخية معينة من اضطرابات سياسية وفوضى أمنية وفتن داخلية قضت على الأخضر واليابس جعلت ارتياد هذه المنطقة مسألة محفوفة بالمخاطر والمهالك وأسدلت عليها بذلك أستارا كثيفة من النسيان فحجبت الآخرين عن التعرف إليها. وهي على أية حال فترات من الظلمة لم تكن طويلة وإنما كانت فترات قصيرة تعقبها إطلالة ممتدة من النور. ولا تزال حضرموت وإلى اليوم – وكغيرها من المناطق العربية – تجتذب اهتمام العديد من الباحثين ومرتادي الآفاق والأجواء بحثا عن اكتشاف جديد يثري المعرفة الجغرافية عنها وعما حولها خصوصا مع ما تشهده أراضيها وكغيرها من مناطق الجمهورية اليمنية من انفتاح على العالم الخارجي والسريعة ومع انتقال المعلومات من مكان لأخر في سهولة ويسر مما سيرفع الرصيد المتراكم من المعرفة الجغرافية عن حضرموت أرضا وأنسابا.

стр. 614

حملة خليل باشا على إمارة (أبو عريش) المؤلف/ المشرف: إسماعيل بن محمد البشري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة العبيكان- الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٣هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العثمانية لقد تضمن هذا البحث عرضاً غير مباشر لطبيعة العلاقات بين إمارة (أبو عريش) والإدارة العثمانية في الحجاز، ورأينا كيف تأرجحت هذه العلاقة بين الود الحذر، والحياد النسبي, ثم الصراع المباشر. ولقد ظهر لنا من خلال البحث كيف أن التعاون الذي قام بين إمارة (أبو عريش) وإمارة (عسير) قد نجح إلى حد كبير في صد العديد من الحملات التي قامت بها القوات التركية المصرية على الإمارتين، بحيث لو تم استغلال ذلك بشكل أكثر حيوية لما تمكن محمد علي باشا من بسط نفوذه في إمارة (أبو عريش) أو (عسير)، ولأمكن تعويق مسيرة أي قوة تحاول التدخل في شؤون المنطقة. ولقد كشف البحث وللمرة الأولى عن العديد من المواقف والقضايا التاريخية، وصحح المعلومات المتعلقة بحملة خليل باشا على إمارة (أبو عريش) من خلال الوثائق العثمانية والمصرية التي قدمت لنا تفصيلاً دقيقاً لكل مراحل الصراع بين التحالف العسيري التهامي من ناحية، وقوات محمد علي باشا الغازية – وخاصة حملة خليل باشا- من ناحية أخرى. ولقد حققت حملة خليل باشا على إمارة (أبو عريش) الكثير من النتائج الإيجابية لإدارة محمد علي باشا في الجزيرة العربية، حيث تمكنت من القضاء على الطرف المعارض من الأشراف الممثل في الشريف حمود وابنه أحمد، ونقل السلطة إلى الطرف الآخر الذي يعلن انتماءه وولاءه وتبعيته لتلك الإدارة، ممثلاً في الشريف علي بن حيدر الذي استمر حاكماً لإمارة (أبو عريش) في ظل الإدارة المصرية حتى وفاته عام ١٢٥٤هـ، واستمرار ذلك في عهد ابنه الحسين بن علي بن حيدر حتى خروج قوات محمد علي باشا من إمارة (أبو عريش) وتسليمها إلى الشريف الحسين عام ١٢٥٦هـ/ ١٨٤٠م. ومن المعروف أنه لم يكن من أهداف الحملة السيطرة على اليمن بقدر ما كانت تسعى إلى تأمين الحدود الجنوبية للحرمين الشريفين، ولما تحقق نجاحها فإن عودة تهامة إلى حكم صنعاء يخفف العبء على الباب العالي ومحمد علي باشا، ويجعل الإمام ممتناً وداعياً للسلطان، وفوق ذلك تم ضمان تصدير كمية ثلاثة آلاف قنطار من البن اليمني الذائع الشهرة إلى مطبخ السلطان سنوياً مجاناً، بالإضافة إلى ما طلبه خليل باشا وأكده مبعوثه من النقد. ولقد نجحت الحملة في تفتيت الكيان السياسي لإمارة (أبو عريش) من خلال الشريف علي بن حيدر، حيث تم القضاء على ذلك التحالف الذي نشأ بينها وبين إمارة عسير ضد قواته في الجزيرة العربية، وتفرد بعد ذلك بإمارة (عسير) في أكثر من جولة من الصراع، وإن كان لم يحكم قبضته عليها، إلا أنه تمكن من القضاء على قدرتها في التحرك نحو الحجاز، وهو أقصى ما كان يسعى إلى تحقيقه آنئذ. ولقد كانت حملة خليل باشا مقدمة لمحاولات محمد علي باشا التالية للسيطرة على الساحل اليمني في ظل بروز التنافس الاستعماري الإنجليزي والفرنسي في البحر الأحمر، وظهور المواجهة مع الدولة العثمانية في تلك المناطق. وأخيراً تمكن محمد علي باشا من إظهار نفسه بمظهر الحامي لحدود الدولة العثمانية والحريص عليها، وهو في الوقت ذاته يحقق أحلامه وطموحاته بتأسيس إمبراطوريته التي كان يسعى إلى بنائها كما أثبتته الوقائع التاريخية بعد ذلك، والله ولي التوفيق.

стр. 615

خميني العرب حسن نصر الله والرافضة الشيعة الشر الذي اقترب المؤلف/ المشرف: سيد بن حسين العفاني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار العفاني – مصر ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٨هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: رافضة الخاتمة: وأخيراً: هذه صفحات كتبناها لله نوضح فيها اعتقاد الشيعة الرافضة، الإمامية الإثنا عشرية الجعفرية ومنظماتها ومنها (حزب الله) اللبناني، وتكلمنا عن إمامها آية الله الخميني وأقوال الشيخ الألباني والعلماء فيه، وتكلمنا بإيجاز عن عقائد الرافضة وأقوال أهل العلم من الأئمة قديماً وحديثاً نقولها نصحا لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، نعري فيه موقف الرافضة والواقع خير شاهد على صدقنا في كل حرف نقوله، والذي نفسي بيده ما افترينا عليهم في حرف، وكان بوسعي أن أجمع المجلدات في خبثهم وفجورهم وسبهم للصحابة – ﵃ – وتكفيرهم لهم، وقتلهم لعلماء أهل السنة وأئمتهم في العراق، وذبحهم إياهم، وقتلهم لعوام المسلمين واتضح لكل ذي عينين إجرام هؤلاء في حق أهل السنة وتكفيرهم إياهم. كتبنا ما كتبنا وعند الله نحتسب ما نلاقي وما لاقينا نشرا لعقيدة أهل السنة وذبا عن الصحابة الكرام الذين طابت الأرض والدنيا بآثار طيبهم. كتبنا ما كتبنا – وسنكتب إن شاء الله ما بقي فينا نفس واحد – بغضا لأهل البدع ومولاة لأهل الصلاح والتقى، فقد قال رسول الله ﷺ : (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان). إن فتنة العوام والدهماء والغوغاء بحزب الله وقائده حسن نصر الله هي فتنة عمت كان لابد من وقفة نصحح فيها الأغاليط، ونجلي الحقائق دفاعاً عن إسلامنا الطاهر الجميل.

стр. 616

تاريخ الخليج وشرق الجزيرة العربية المسمى إقليم بلاد البحرين في ظل حكم الدويلات العربية (٤٦٩ - ٩٦٣هـ/ ١٠٧٦ - ١٥٥٥م) المؤلف/ المشرف: محمد محمود خليل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة مدبولي - القاهرة ̈الأولى سنة الطبع: ٢٠٠٦م تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: خليج عربي خاتمة البحث: تناولت الدراسة الأحداث السياسية التي مر بها تاريخ بلاد البحرين من مراحل الضعف القرمطي, ثم الانيهار على يد العيونيين, حتى أوائل القرن العاشر الهجري, عندما تنبه الأوربيون لأهمية الخليج الفارسي كممر رئيسي على طريق التجارة بين الشرق والغرب, ودخول البرتغاليين الخليج الفارسي, والوجود العثماني في شرق الجزيرة العربية. أبرزت الدراسة الدور السياسي الذي لعبته القبائل العربية المحلية في بلاد البحرين, ومحاولة تلك القبائل إنشاء دويلات مستقلة تحكم ذلك الإقليم بعيداً عن التبعية العباسية السلجوقية والدول الكبيرة التي ورثت الدولة العباسية كدولة المغول وسلطنة هرمز. كان من أهم ما ابرزته الدراسة من نقاط: مراحل تفكك الدولة القرمطية في جزيرة آوال على يد أبي البهلول، ثم القطيف على يد يحيى بن عياش، وكان آخر معاقلها في الأحساء والتي سقطت على يد عبد الله العيوني الذي طرد بقايا القرامطة إلى عُمان. وتركيز الضوء عن دور القبائل العربية في بلاد البحرين ونجد وموقفها من الدولة القرمطية من تحالف وعداء، وصدام السلطة الشرعية الجديدة في بلاد البحرين متمثلة في الأمراء العيونيين مع تلك القبائل بسبب رفض الحكام الجدد إعطاء تلك القبائل الحقوق المكتسبة التي جرت العادة عليها زمن الدولة القرمطية. أبرزت الدراسة نتائج الصراع الثلاثي للأسر الحاكمة (آل زجاج وآل عياش والعيونيين) على الإرث القرمطي في بلاد البحرين، والذي أدى في نهايته لأرهاصات نشوء الدولة العيونية على بلاد البحرين بلا منازع. كما أوضحت الدراسة استقلالية الدولة العيونية عن السلطة السلجوقية والخلافة العباسية في بغداد وما يترتب عليه من حملات سلجوقية على بلاد البحرين رغبة في أعادة بلاد البحرين للتبعية العباسية، إلا أن العيونيين نجحوا في التصدي لتلك الحملات الفاشلة رافعين لواء الاستقلالية لعدم رغبتهم في الدوران في فلك تلك الخلافة العباسية المسلوبة الإرادة والمحكومة من قبل الأتراك أو كما تصفهم المصادر العيونية بالعجم. وبينت الدراسة المذهب الشيعي الذي اتخذه العيونين شعاراً لدولتهم واستعرضت العلاقات الطيبة التي جمعت بين الدولة الفاطمية وانصارها العيونيين في شبه الجزيرة العربية، لكون الأمير عبد الله العيوني النائب الثاني للدعوة الشيعية في شبه الجزيرة العربية بعد الملك الصليحي ملك اليمن، وتلك المعلومات بناها الباحث من خلال الوثائق الفاطمية والنقود التي خلفتها الدولة العيونية. كانت لسياسة العيونيين الداخلية والخارجية نصيب وافر من البحث, فقد أعطى الباحث صورة واضحة ودقيقة لتسلسل الأمراء العيونيين في حكم البلاد, مع استعراض نظم الحكم والإدارة والعلاقات الخاريجة التي أقاموها مع المناطق المتاخمة لإقليم بلاد البحرين مثل: نجد, وعمان وجنوب, العراق, وجزر الخليج الفارسي, وروابط الصداقة والعداء مع الدول والقبائل التي تعاون معها الأمراء العيونيين مثل: الفاطميين في مصر، وقبائل عرب الشام, وقبائل جنوب العراق, والخلافة العباسية في بغداد. كما ألقت الدراسة الضوء على المراحل التي مرت بها الدولة العيونية عبر أطوارها من قوة ثم انقسام ثم سقوط على يد العصفوريين من بني عقيل بن عامر، وأظهرت محاولة العيونيين لاستعادة الحكم مرة أخرى في الأحساء بعد المساعدة التي حصلوا عليها من حكام عسير.

стр. 617

إلا أن افتقاد العيونيين لمقومات البقاء في حكم بلاد البحرين سارع بسقوطهم مرة أخرى, حيث التفت زعامات قبائل البحرين حول العصفوريين الذين توجهت أبصارهم نحو حكم الأحساء، بعد أن أصبح لهم النفوذ والسيادة في بلاد البحرين. وبالفعل استطاع العصفوريون تحويل ذلك النفوذ إلى حكم عسكري حكم بلاد البحرين ونجد فترة تجاوزت نصف القرن. كما فصلت الدراسة الحديث عن روابط الصداقة التي جمعت بين العصفوريين وسلاطين المماليك البحرية في مصر حيث كانت تربطهم علاقة ذات شقين أحداهما تجاري والآخر عسكري، واستخدم المماليك أمراء العصفوريين في مواجهات عسكرية ضد أعدائهم المغول, وأحلاف المغول من عرب الشام, الذين خرجوا على سلاطين الدولة المملوكية, فحقق العصفوريين انتصارات متكررة في البصرة وجنوب العراق ضد دولة المغول. وكان لتلك الانتصارات أثرها الطيب في نفوس سلاطين المماليك الذين فتحوا قصورهم وموانيهم للتجار البحرانيين ولاسيما قوافل بني عقيل. كذلك كان من أهم ما كشفت عنه الدراسة النقاب هو مذهب العصفوريين الشيعي، حيث اعتنق الأمراء العصفوريين ذلك المذهب على غرار أكثر سكان شرق الجزيرة العربية الذين مالوا للتشيع في تلك الفترة التاريخية. أبرزت الرسالة أيضا الأسباب التي أدت إلى ضعف الأمراء العصفوريين إذ إنفرط عقد بلاد البحرين من أيديهم وأصبحوا فريسة سهلة اقتنصها الأمير سعيد بن مغامس القادم من البصرة بدون معاناة تذكر, حيث استولى على بلاد البحرين في بداية القرن الثامن الهجري، منهياً بذلك ما يعرف بدولة العصفوريين. ولم تغفل الدراسة تفصيل الحديث عن دولة بني جروان وكشف الغموض الذي أحيط بتلك الدولة, وبينت في فصول الرسالة كيف استعان بقايا الأمراء العصفوريين ببني جروان من أجل طرد الأمير سعيد بن مغامس من بلاد البحرين. وبالفعل استطاع بني جروان تكوين حلف يضم عدداً كبيراً من قبائل نجد وبلاد البحرين وبعض الأمراء العصفوريين، أطلقوا عليه اسم (حلف الأحساء)، الذي أطاح بسعيد بن مغامس خارج بلاد البحرين. ولم يقنع حلف الأحساء بالسيطرة على بلاد البحرين فقط بل توجهت ابصاره نحو نجد وأطراف عسير, ففرض سيطرته عليها بالإضافة إلى جنوب البصرة، إلا أن دولت بني جروان رغم قوتها فإنها خضعت هي الأخرى كسابقتها من الدول إلى السنن الكونية، فسقطت على يد عرب الجبور, الذين أسسوا دولة قوية في شبة الجزيرة العربية كانت منطقة ارتكازها بلاد البحرين التي أخضعت عدداً من الأقاليم مثل نجد والحجاز, وعمان, وجزر الخليج الفارسي. لذلك تحدث المؤرخون الأوربيون والفرس المعاصرون عن تلك الدولة بنوع من الهيبة والعظمة. كذلك اشتملت أبواب الرسالة على معلومات مهمة عن هيمنة ممالك الخليج الفارسي على بلاد البحرين وبالأخص المناطق الساحلية كآوال والقطيف اللتين خضعتا فترة ليست بالقصيرة للعرش المغولي ثم الهرمزي حتى تحررت على يد عرب الجبور، والذين اتخذوا من المذهب المالكي مذهباً رسمياً لدولتهم الفتيه، بل أن بعض أمرائهم طلبوا العلم على يد شيوخ المذهب المالكي، واحضروا هؤلاء الشيوخ لتولي مسئولية القضاء في بلاد البحرين. وأبرزت من خلال البحث دوافع الأطماع البرتغالية للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي وبلاد البحرين، والدور البارز التي لعبته المقاومة الإسلامية بقيادة عرب الجبور ضد القوات الصليبية البرتغالية، والاستعدادات التي وفرتها القوات العربية لتلك المواجهة من مساهمة قبائل منطقة عسير لأخوانهم الجبور ضد القوات البرتغالية. لكن معركة البحرين اسفرت عن انهزام القوات العربية ومقتل سلطان الجبور مقرن بن زامل، مما تسبب في تفكك الدولة الجبورية, وصراع أمرائها مع بعضهم البعض، وطلبهم المساعدة الخارجية من أمير البصرة ابن مغامس الذي دخل بقواته بلاد البحرين معلناً نهاية الدولة الجبورية ودخول الإقليم تحت سلطانه. كما بين الباحث عن نجاح بعض أمراء الجبور في أحياء دولتهم مرة أخرى في بلاد البحرين، إلا أن ذلك النجاح لم يدم طويلاً إذ دخلت القوات العثمانية الأحساء, معلنة دخولها تحت راية الخلافة العثمانية قاضية بذلك على آمال دولة الجبور في الوجود مرة أخرى.

стр. 618

تاريخ الدولة الصفوية (في إيران) المؤلف/ المشرف: محمد سهيل طقوش المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار النفائس – بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: إيران الخاتمة: أخذت إيران الصفوية في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي بالتراجع، بعد العصر الزاهي والمزدهر الذي شهدته في القرن السابع عشر الميلادي، استطاعت خلاله الأسرة الصفوية أن تعيد إلى البلاد وحدتها السياسية والدينية المذهبية، كما أخذت بأسباب التجدد والاقتباس من الغرب الأوروبي، إلا أن الدولة الصفوية لم تلبث أن أخذت تفقد قواها تدريجاً بانغماس ملوكها بالفساد، ما أدى إلى ازدياد عوامل الانحلال، وطمع فيها جيرانها. وكان الأفغان المتوثبين أول من بادر بشق عصا الطاعة بعد أن كانوا قد غلبوا على أمرهم على يد مؤسس الدولة الصفوية ودخلوا في طاعته، وأخذت، إذ ذاك، قبائل البدو المجاورة لإيران تنقض عليها من كل صوب. فغزا الأوزبك بقيادة أمير بخارى، خراسان، ورنا الروس القابعون في استراخان ببصرهم إلى الطرق التجارية بين الهند وأوروبا عبر كابل وهراة ومشهد وطهران وتبريز والتي تتوجه شمالاً إلى أرضروم وطرابزون، وجنوباً إلى ديار بكر وحلب والإسكندرون، وما لبثوا أن احتلوا تباعاً دربند (١١٣٤هـ/ ١٧٢٢م) وباكو في السنة التالية، وسيطروا على الضفة الجنوبية لبحر قزوين، وداغتسان، وجيلان، ومازندران، وأستر آباد وذلك بموجب معاهدة بطرسبورغ. واغتنم العثمانيون الفرصة السانحة ليثأروا لأنفسهم عما لحق بهم في الماضي من عسف، فسيطروا على أرمينيا والعراق وأذربيجان. وراح الأمير أشرف الذي خلف مير محمود في حكم إيران، والذي ربطته بالعثمانيين وحدة المذهب، يتقرب من هؤلاء، فاعترف بفتوحهم، وأعلن ولاءه للسلطان العثماني في إستانبول، وتعهد له باستئصال شأفة الشيعة من إيران، ويدل ذلك على أن الدولة الصفوية التي أعطت إيران فرديتها المتميزة، أشرفت على نهايتها، إلا أنها وجدت خلاصها مؤقتاً، على يد زعيم بدوي تركي العرق كان يعيش في خراسان يدعى نادر خان، وقد تغلب على الأفغان، وأعاد وحدة البلاد واعترف بحكم الشاه طهماسب الثاني في عام (١١٤٢هـ/ ١٧٣٠م). وكان الشاه بخاصة والإيرانيون بعامة يتوقعون منه أن يعيد الدولة الصفوية إلى سابق مجدها، لذا بادر بالهجوم، فاستعاد خراسان وهراة من الأفغان، وأجبر العثمانيين على التخلي عن العراق والانسحاب من أذربيجان وإيروان وقارص، وما استولوا عليه من قلاع في القوقاز. وبموجب معاهدة إستانبول المعقودة في عام (١١٥٠هـ/ ١٧٣٧م) عادت إلى البلاد الولايات التي كانت لها من قبل، وضمنت لإيران الإشراف على أرمينيا الشرقية، وبسط حمايتها على بلاد الكرج. واضطر الروس إلى إخلاء الأراضي الشاسعة التي وقعت في أيديهم في شمالي إيران من قبل، ولكن نادر خان تمكن في عام (١١٤٨هـ/ ١٧٣٦م) من خلع آخر ملوك الدولة الصفوية، ونودي به ملكاً في احتفا مهيب في سهول موقان، فنقل عاصمته إلى مشهد بحيث يتمكن من مراقبة حدود بلاده والدفاع عنها من عبث جيرانها. وفي عام (١١٤٩هـ/ ١٧٣٧م) توجه على رأس جيشه إلى أفغانستان، فاستولى على قندهار وغزنة وكابل، وأخضع لسلطانه كل القبائل، ففتحت أمامه مداخل الهند، فاجتاز نهر الهندوس ودخل مدينة لاهور، وتغلب على الجيش المغولي بقيادة السلطان محمود في كرنال ودخل مدينة دلهي، ثم أعاد الحكم لهذا السلطان وتوجه إلى التركستان، فأجبر حاكم بخارى على دفع جزية فادحة، واستبدل خاناً بآخر ممن اعترفوا بالولاء له، ثم فكر في إدخال الحضارة الأوروبية إلى إيران، بعد أن خيم السلام في ربوعها، إلا أن القدر لم يمهله، فقتل في عام (١١٦٠هـ/ ١٧٤٧م) على يد أحد أبناء عشيرته، ويعد من شاهات إيران العظام.

стр. 619

وتنافس خلفاء نادر شاه على الحكم، فدب الفساد في دولته، صحيح أنه ليس من بين خلفائه من يصلح مقارنته به، كما أن اختلاف السكان وتباين العناصر في تلك البلاد لم يكن من شأنه أن يسهل مهمة هؤلاء الملوك، والمعروف أنه اندمجت في إيران، وانضمت إليها، عروق جديدة كالعرب في لورستان، وبعض عناصر العرق الأصفر من المغول والتتار والأتراك. وهكذا بدت إيران خليطاً من القبائل والأقوام، واقتصر حكم ورثة نادر شاه على خراسان، واحتفظوا بمشهد عاصمة لهم، ونجح الأفغان في استعادة استقلالهم، وشكل التركمان الذين خرج منهم معظم قادة الدولة الصفوية؛ جماعات عسكرية سيطرت على الولايات الواقعة إلى الشمال والممتدة من أرمينيا إلى أفغانستان، وكانت أصفهان وأستر آباد وقندهار من حواضرهم الكبرى. وحاول زعمان قبائل البختيار والزند إقامة سلطة الإيرانيين في الجنوب والغرب، فقامت في البلاد دولة وطنية قومية هي دولة الزند بزعامة كريم خان وانتزع هذا أصفهان وأذربيجان ومازندران من أيدي القوزاق الأتراك التابعين لروسيا، فحقق بذلك وحدة إيران الغربية الممتدة من شواطئ بحر قزوين حتى مشارف الخليج العربي واتخذ شيراز عاصمة له. وما حدث بعد وفاة كريم خان في عام (١١٩٣هـ/ ١٧٧٩م) من نزاعات أسرية حول العرش لم تكن قاصرة على الأسرة الزندية، بل اشتركت فيها أسرة قاجار التركمانية الخصم العنيد للأسرة الزندية، ونجح آغا محمد القاجاري من انتزاع السلطة من أيدي الزنديين وتخلص من منافسيه وأضحى أقوى رجل في إيران، وتوج نفسه شاهاً على البلاد قبل أن يلقى حتفه في عام (١٢١٢هـ/ ١٧٩٧م) مقتولاً. استمرت الأسرة القاجارية في الحكم حتى أسقطها انقلاب رضا بهلوي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً في (شوال ١٣٤٤هـ/ نيسان ١٩٢٦م) في ظل آخر ملوكها أحمد القاجاري.

стр. 620

تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام المؤلف/ المشرف: محمد سهيل طقوش المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار النفائس - بيروت ̈الثانية سنة الطبع: ١٤٢٠هـ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: تاريخ - المماليك الخاتمة لم يرَ العثمانيون أيةَ مشكلةً في تمديد النظام المملوكي شرط التمكين من السيطرة عليه، لذلك سمحوا بوجود وحدات عسكرية أخرى ذات أصل غير عربي مثل الإنكشارية، في موازاة المماليك. وعليه، ظل هؤلاء يحكمون مصر حتى أوائل القرن التاسع عشر من خلال سلطة الوالي الذي يعينه الباب العالي، ويُلاحظ أنه كلما ضعفت سلطة الباب العالي، وتراجع اهتمامه بأمور الولايات العربية، ومنها مصر، من وقتٍ لآخر، كان يتبعه تراجعُ قوة ولاته، مما يزيد من قوة البكوات المماليك تبعاً لذلك. وبقي المماليك، كما كانوا منذ عدة أجيال، طائفةٌ منعزلةٌ عن المجتمع المصري، لا يختلطون بالمصريين ولا يسكنون معهم، وما زالوا يتكاثرون عن طريق شراء مماليك جدد. لكن حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين تحولات سياسية تمثَّلت بدخول المماليك في الوحدات العسكرية الموازية لهم، وبدخول المصريين من أوساط التجار والحرفيين في هذه الوحدات العسكرية غير العربية، وطغت سلطتهم كعسكريين أحياناً على قوة الوالي العثماني بحيث أضحى باستطاعتهم تنحية الباشوات عن مناصبهم وتعيين مسؤول كبير من صفوفهم ليتولى مهام الحكم مؤقتاً إلى حين إرسال الباب العالي والٍ جديد إلى مصر، وقد حدثت أول تنحية في عام ٩٩٤هـ/١٥٨٦م. وسعياً إلى تجنب تدهور سلطته اتجه الباب العالي إلى زيادة حدة التنافسات الداخلية، والجانب الرئيسي من نشاط الباشوات المجردين من بقية سلطاتهم إنما تمثَّل في تنمية روح الانفصال لدى الطبقة الحاكمة، فشهد المجتمع العسكري في مصر انقساماً حزبياً متصارعاً، يوجه كل حزب بكوات مماليك، وزعماء انكشاريون، ومصريون بدو، نتج عن هذه النزاعات غلبة البكوات المماليك في القرن السابع عشر الميلادي، فسعوا إلى إعادة توحيد الطبقة الحاكمة باحتكارهم جميع المناصب الرسمية في الإدارة كما في الفِرَق العسكرية الأخرى. نتج عن تراجع قوة الإنكشارية التي تحوَّلت إلى قوات شرطة عادية، أن أضحت تحت سيطرة المماليك. والواقع أن صعود المماليك إلى السلطة كان نتيجة حركة طويلة الأمد، اتخذت طابعاً ملموساً منذ عام (١١٣٢هـ/١٧٢٠م) عبر ظهور وظيفة جديدة في الهيكلية الإدارية المملوكية هي وظيفة شيخ البلد، ويُعهد بهذه الوظيفة عادةً إلى أقوى زعيم مملوكي. ونجح علي بك الكبير، وهو من بيت مملوكي، في تحقيق تطور سياسي لافت بعد أن أضحى شيخ البلد، بإنشاء ما أمكن تسميته بالدولة المملوكية الجديدة بين أعوام (١١٨١ - ١١٨٤هـ/١٧٦٧ - ١٧٧٠م). وفي أواخر عام ١٧٧٠م ينخرط علي بك في تحقيق مشروع خارجي، فبعد أن ثبَّت أقدامه في مصر، تطلَّع إلى ضم فلسطين وبلاد الشام لبعث الدولة المملوكية القديمة، معتمداً على حليفه ظاهر العمر الزيداني، صاحب عكا، إلا أنه فشل في تحقق هدفه بعد خيانة قائده أبي الدهب، واضطر إلى اللجوء إلى سيد عكا في (شهر محرم عام ١١٨٦هـ/شهر نيسان عام ١٧٧٢م)، في حين أضحى قائده شيخ البلد. لقد جعل محمد أبو الدهب مصر مستقلةً عن الباب العالي (١١٨٦ - ١١٨٩هـ/١٧٧٢ - ١٧٧٥م) وهدفت سياسته إلى إحياء السلطنة المملوكية القديمة، فسيطر مماليكه على جميع وظائف الإدارة الرئيسية، وأضحى الوالي العثماني أشبه بسفير للباب العالي مهمته التصديق على قرارات شيخ البلد مع الاعتراف الشكلي بسلطة الباب العالي.

стр. 621

ونهج أبو الدهب نهج سيده من قبل، فحاول ضم بلاد الشام إلى مصر، وقام من أجل ذلك بحملةٍ على هذا البلد في عام (١١٨٩هـ/١٧٧٥م)، وبعد أن سيطر على غزة والرملة ويافا حاصر عكا، لكنه توفي فجأةً، وأدى موته إلى الإخفاق الثاني لمحاولة بعث الدولة المملوكية. بعد موت محمد أبو الدهب، تجدد الصراع المملوكي في مصر، وانقسم المماليك إلى قسمين، ترأَّس القسم الأول إسماعيل بك، وتزعم القسم الثاني قائدا أبو الدهب إبراهيم ومراد بك، بالرغم من وجود تنافس بينهما. وشهدت مصر فترةً من الصراعات الحزبية أدَّت إلى الفوضى والخراب والظلم الذي وقع على الناس، مما دفع الباب العالي إلى تجديد سيطرته على هذا البلد، لكن العثمانيين فشلوا في تحقيق هدفهم، وكان أحد أسباب هذا الفشل مقاومة المماليك. وأثناء الحملة الفرنسية على مصر في عام (١٢١٣هـ/١٧٩٨م) وقف المماليك ضد الفرنسيين وقاوموهم، إلا أنهم فشلوا في صدِّهم، وهُزِم مُراد بك أمام نابوليون في معركة الأهرام الشهيرة في الواحد والعشرين من شهر تموز عام ١٧٩٨م، ودخل على أثرها القاهرة، ثم آلت إليه السيطرة على البلاد، وفرَّ مراد بك إلى الصعيد، وكذلك فعل شيخ البلد إبراهيم بك. ولما اضطر نابوليون إلى الخروج من مصر في عام (١٢١٦هـ/١٨٠١م) نتيجة تحالف الباب العالي مع إنكلترا عاد إبراهيم بك إلى حكم البلاد. كان الانهيار السريع في قوة المماليك في مصر من أهم النتائج السياسية للحملة الفرنسية، فقد تلى جلاء الفرنسيين عن هذا البلد صراعٌ بين الطرفين المملوكي والعثماني هدفه استرداد النفوذ الذي فقده كل طرف. واستمر في الوقت نفسه استمرار التنافس القديم بين المماليك، فبعد وفاة مراد بك في صعيد مصر في عام (١٢١٦هـ/١٨٠١م) برز نزاع بين خلفائه من جهة وبين إبراهيم بك، كما حدث نزاعٌ آخر سار في اتجاهٍ موازٍ بين اثنين من كبار مماليك مراد بك هما عثمان بك البرديسي ومحمد بك الألفي، واختلف هذان الأخيران في تحديد السياسة الخارجية للمماليك، فمال الأول إلى الاستعانة بفرنسا، في حين جَهِدَ الثاني للحصول على حماية إنكلترا، ووجدت على الساحة السياسية قوةً مملوكية ثالثةً بزعامة عثمان بك حسن مالت إلى التعاون مع العثمانيين. ومهما يكن من أمرٍ، فلم يعد للمماليك آنذاك مجال الصراع المفتوح للإمساك بزمام الأمور في مصر، فلقد احتلت القوات البريطانية والجيش العثماني هذا البلد، وعملت الحكومة العثمانية على ضرب قوة المماليك وإعادة فرض سيطرتها المباشرة على مصر، لكن إنكلترا وقد رأت أن مصلحتها تقضي بإعادة الحكم المملوكي إلى مصر للوقوف في وجه العثمانيين تمهيداً لاحتلال هذا البلد بشكل نهائي، أخذت تشجع هؤلاء على الاستقلال عن الدولة العثمانية. ونتيجةً لصلح أميان الذي انعقد في عام (١٢١٧هـ/١٨٠٢م) بين فرنسا وبريطانيا وأسبانيا وهولندا والذي نظم أوضاع أوروبا، انسحبت إنكلترا من مصر وعاد التنافس العثماني المملوكي إلى الظهور. لكن الأحداث أثبتت أن كلاً منهما عاد أضعف مما كان عليه مادياً ومعنوياً، وعجزت العناصر التي كانت تشكل كلا الفريقين عن التكاتف للدفاع عن كيانهما، فكان انهيارهما جميعاً. ومع بروز محمد علي باشا قائد الفرقة الألبانية في الجيش العثماني واختياره لمنصب الولاية، دخلت مصر في طور سياسي جديد، فقد عمل هذا الوالي على إضعاف نفوذ الطرفين العثماني والمملوكي. وخشي من سيطرة المماليك، فاتخذ لنفسه الحيطة، وصمَّم على التخلّص منهم، فأوقع بزعمائهم في عام (١٢٢٦هـ/١٨١١م) بأن دعا البكوات والأمراء إلى وليمة في القلعة، ولما أرادوا الانصراف أُغلقت الأبواب الخارجية، وسُدَّت عليهم مسالك الفرار، وأُطلقت النار عليهم فماتوا جميعاً، ثم اتخذ تدابير أخرى كانت نتيجتها القضاء على بقية المماليك بالقتل أو بالطرد، وهرب عدد منهم إلى بلاد النوبة، ويقال إنهم لقوا حتفهم هناك واندمج العدد القليل الذي بقي منهم في أهل البلاد وصاروا منهم.

стр. 622

تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الطبري المؤلف/ المشرف: محمد آمحزون المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٥ تصنيف رئيس: تاريخ تصنيف فرعي: دراسات إسلامية الخاتمة نتائج البحث لقد أوضحت هذه الدراسة: • بيان بعض القواعد التي تساعد المؤرخ على تجنب الوقوع في الأخطاء التي مردها التسليم بجميع المرويات التاريخية وذلك ضمن الحديث عن الأسباب التي تقتضي الكذب في الأخبار. • أن رواج الموضوعات في صدر الإسلام يعزى لأسباب عرقية وسياسية وطائفية ومادية. • لقد كان الشيعة أعظم الفرق أثراً في تحريف التاريخ الإسلامي، فهم أخلاط من اليهود والنصارى والمجوس والملاحدة الباطنية الذين اتخذوا سمة التشيع لآل البيت ستاراً لبلوغ أغراضهم في هدم الدين الإسلامي وتحريف تعاليمه، وهم أكثر الطوائف كذباً على خصومهم، ولذلك كان لهم أكبر عدد من الرواة والإخباريين الذين تولوا نشر أكاذيبهم ومفترياتهم. • بيان منهج دراسة التاريخ الإسلامي الذي ينقسم إلى قسمين: أ - قسم خاص بالتوثيق وطرق إثبات الحقائق، حيث رسم العلماء المسلمون لذلك منهجاً يعتبر غاية في الدقة والإتقان. على أن تطبيق قواعد نقد الحديث في التاريخ أمر نسبي تحدده طبيعة الروايات. ب - قسم خاص بتفسير الحوادث والحكم عليها، وهو يتعلق بالتصورات والمبادئ التي تفسر في ضوئها الأحداث. وحتى يستقيم منهج التفسير وتصح الأحكام التاريخية، فلا بد أن يكون الاستقاء في إطار المصادر والقواعد الشرعية. ولهذا الغرض تم سياق جملة من القواعد المهمة التي يجب أن يراعيها الباحث في كتابة التاريخ الإسلامي وفي تفسيره. • إبراز المنهج الواجب اتباعه عند النظر في فقه تاريخ الصحابة، ويعني منهج فقه تاريخ الصحابة تلك الضوابط والأحكام الشرعية التي يمكن من خلالها التعامل مع تاريخ الصحابة. ويتكون هذا الفقه من مجموعة من الأحكام الشرعية المستمدة من مصادر التشريع الأساسية وهي: الكتاب والسنة والإجماع. ومن هذه الأحكام: عدالة الصحابة، والواجب لهم على المسلمين، وحكم من سبهم، وأن ذلك كله من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة بلا خلاف. • التعريف بالإمام الطبري، إذ كان تاريخه أهم مصدر في هذه الرسالة. وقد توصلت إلى أنه كان عفيفاً نظيفاً، زاهداً ورعاً تقياً، عزيز النفس، جريئاً في قول الحق، متواضعاً أبياً، رفض القضاء وقبول الهدايا من الحكام. • الحديث عن رحلاته العلمية، والبلدان التي رحل إليها، والشيوخ والعلماء الذين التقى بهم، حيث التقى بمئات العلماء في شتى فنون العلم والمعرفة، وكان معظم شيوخه من شيوخ البخاري ومسلم لا يتهمون في عدالتهم. • كشف النقاب عن ثقافته وألوانها، وعن نبوغه في كثير من فروع العلم، وبخاصة في التفسير والحديث والقراءات والفقه، والتاريخ وعلم اللغة العربية. كما كان له مذهباً مستقلاً عرف بالمذهب الجريري، وكان له أتباع وتلاميذ، إلا أنه انقرضوا بعد القرنين الرابع والخامس الهجريين. • الحديث عن تهمة التشيع التي رمي بها، حيث تبين بالأدلة أن اتهامه بالتشيع كان نتيجة التعصب المذهبي تارة، والطائف تارة أخرى، والطعن في الإسلام وعلمائه تارة ثالثة. فالأسباب التي أدت إلى اتهامه بالتشيع لا تستند إلى أساس علمي صحيح، فهي قائمة على الظن والوهم والاحتمال. وتأييداً لإبطال تهمة التشيع من أساسها تم عقد مقارنة بين آراء الإمام الطبري وبين آراء الشيعة في بعض مسائل العقيدة؛ فظهر مخالفة الإمام الطبري الجذرية لهم. فهو لا يقبل شهادة الشيعة ولا أخبارهم، ويحكم بتكفير كثير منهم، ويرى قتل من يعتقد أن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي عدل، وكان يحب الصحابة ويثني عليهم، وخاصة الخلفاء الراشدين الذين رتبهم في الفضل والإمامة، مما أكد بطلان اتهامه بالرفض.

стр. 623

وعقيدته إجمالاً موافقة للعقائد المشهورة المنقولة عند أهل السنة والجماعة بدءاً من السلف إلى أيامنا هذه. • من الملاحظ أن الإمام الطبري ألف تاريخه ليؤكد الفكرة الأساسية المنبثقة من اعتقاده وتصوره الإيماني وهي: إيمانه بأمر الله ونهيه، وبعدله وقضائه وقدره، وبأن له سنناً ماضية لا تبديل لها، وإيمانه بحرية الإنسان وقدرته على الاختيار، وأنه مكلف بوظيفة العبودية لله والخلافة في الأرض، وعمارتها بشرع الله ومنهجه، وبأن الله يثيب الطائف المستجيب ويعاقب العاصي الناكث. ولذلك كانت نظرته التاريخية تندرج تحت هذه الفكرة الثاقبة والعقلية النيرة المؤمنة بالله العارفة بشرعه وأحكامه، كما أن تدوينه لتاريخه حسب سني الرسل والملوك الذين كانت بأيديهم مهمة التوجيه وسلطة التنفيذ، هو من أجل أن يساعد على توضيح العبر والدروس لأولي الأبصار، ويريهم كيف تتحقق سنن الله على البشر، من نصرة المؤمنين المنفذين لشرعه من الرسل وأتباعهم، وهلاك الظالمين المحادين لله ورسله أو استدراهم وتأخير عذابه إلى يوم القيامة. • اعتمد الإمام الطبري في كتابه على نوعين من الموارد: مصادر شفهية أخذها سماعاً من مشايخه كابن شبه مثلاً، ومؤلفات أجيز بروايتها أو أخذها وجادة فنقل منها ككتب الواقدي وسيف بن عمر. على أن الإمام الطبري وجد أمامه عدداً كبيراً من المصادر الإخبارية، فانتقى منها ما ضمنه تاريخه الضخم، حيث أظهر مقدرة فائقة في الجمع بين المصادر والاطلاع على الكتب التي ألفت قبله وانتقاد الروايات. • لكون الإمام الطبري من علماء الحديث، فقد سار على نهجهم في تاريخه، فهو ليس صاحب الأخبار التي يوردها، بل لها أصحاب آخرون أبرأ هو ذمته بتسميتهم، وهؤلاء متفاوتون في الأقدار، وأخبارهم ليست سواء في قيمتها العلمية، ففيها الصحيح وفيها الضعيف والموضوع. ولذلك ينبغي دراسة أسانيد ومتون الروايات وفق المقاييس المعتبرة عند العلماء للوقوف على مدى صحتها من عدمه. وتحسن الإشارة إلى أن اتساع صدور أئمة السنة من أمثال الإمام الطبري لا يراد أخبار المخالفين من الشيعة وغيرهم؛ دليل على فهمهم وأمانتهم ورغبتهم في تمكين قرائهم من أن يطلعوا على كل ما في الأمر، واثقين من أن القارئ اللبيب المطلع لا يفوته بأن مثل أبي مخنف وابن الكلبي وغيرهم هم موضع تهمة فيما يتصل بالقضايا التي يتعصبون لها، مما ينبغي معه التحري والتثبت لاستخلاص الحقائق المختلطة بالإشاعات والمفتريات. • جاء التعريف بالفتنة في اللغة، وفي القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي. والمراد بالفتنة في بحثنا هذا ما وقع بين المسلمين في صدر الإسلام من القتال والنزاع والفرقة، نظراً لأن القضايا التي وقع الخلاف حولها كانت مشتبهة ومعقدة إلى حد جعلت المواقف متباينة والآراء مختلفة. • إن المآخذ على عثمان ﵁ والمروية عن طريق المجاهيل والإخباريين والضعفاء، خاصة الرافضة، كانت ولا تزال بلية عظمى على الحقائق في سير الخلفاء، خاصة في مراحل الاضطرابات والفتن. فكان مع الأسف لسيرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ من ذلك الحظ الوافر. فرواية الحوادث ووضع الأباطيل على النهج الملتوي بعض ما نال تلك السيرة النيرة من تحريف المنحرفين وتشويه الغالين بغية التأليب عليه أو التشهير به.

стр. 624

• على أن المآخذ التي نسبت إلى عثمان بن عفان ﵁ قد أجاب عن بعضها عثمان، وفند بعضها من عايش عثمان من صحابة رسول الله ﷺ والتابعين، وبعضها عارضناه بالأدلة في المبحث المتعلق بالمآخذ على عثمان والرد عليها، وبعضها الآخر لا يستقيم نقله ولا يصح إسناده، بل صدر من جماعات مشبوهة، ثم استغل أبان هيجان الفتنة لصالح الخوارج على عثمان. • لقد تأكد بعد استقراء المصادر سواء القديمة والمتأخرة عند السنة والشيعة أن وجود عبد الله بن سبأ كان وجوداً حقيقياً تؤكده الروايات التاريخية، وتفيض فيه كتب العقائد، وذكرته كتب الحديث والرجال والأنساب والطبقات والأدب واللغة، وسار على هذا النهج كثير من المحققين والباحثين المحدثين. وقد بلغ عدد المصادر التي رجعت إليها والتي تتفق على وجود عبد الله بن سبأ حوالي ستين مصدراً. ويبدو أن أول من شكك في وجود ابن سبأ بعض المستشرقين، ثم دعم هذا الطرح الغالبية من الشيعة المحدثين، بل وأنكر بعضهم وجوده البتة، وبرز من بين الباحثين العرب المعاصرين من أعجب بآراء المستشرقين، ومن تأثر بكتابات الشيعة المحدثين، ولكن هؤلاء جميعاً ليس لهم ما يدعمون بهم شكهم وإنكارهم إلا الشك ذاته والاستناد إلى مجرد الظنون والفرضيات. • يتفق المشاهير من أصحاب الفرق والنحل والمؤرخون والعلماء من سلف الأمة وخلفها على أن عبد الله بن سبأ، وهو يهودي من أهل صنعاء، أظهر الإسلام وطاف بين المسلمين بعقائد وأفكار وخطط سيئة ليلفتهم عن دينهم وطاعة إمامهم، ويوقع بينهم الفرقة والخلاف، فاجتمع إليه من غوغاء الناس ما تكونت به الطائفة السبئية المعروفة التي كانت عاملاً من عوامل الفتنة المنتهية بمقتل عثمان ﵁. • يظهر من ثنايا الروايات أثر الأعراب في الفتنة، فقد ساهموا عن حسن نية أو سوء نية في بوادر الفتنة الأولى، وكانوا سبباً من أسباب اندلاعها، لاعتقاد المتعبدين السطحيين منهم عن حسن نية - وهم القراء - أن عثمان أخطأ، ولاعتقاد الطامعين منهم عن سوء نية أن لهم حقوقاً زيادة في بيت المال يجب الحصول عليها. وقد استفاد من هذا الواقع، أي من وجود فئة من الناس لا تميز بين الحق والباطل، وفئة أخرى يستثيرها المال والطمع؛ السبئية الذين استغلوا سذاجة أولئك وطمع هؤلاء لتدبير الفتنة. • ظهر نتيجة التحول في طبيعة الدولة وأجناس الخاضعين لها والمنتمين إلى دينها جيل جديد من المسلمين يعتبر في مجموعه أقل من الجيل الأول الذي حمل على كتفيه عبء بناء الدولة وإقامتها. فقد تميز الجيل الأول من المسلمين بقوة الإيمان والفهم السليم لجوهر العقيدة الإسلامية. والاستعداء التام لإخضاع النفس لنظام الإسلام المتمثل في القرآن والسنة. وكانت هذه المميزات أقل ظهوراً في الجيل الجديد الذي وجد نتيجة للفتوحات الواسعة، وظهرت فيه المطامع الفردية، وبعثت فيه العصبية للأجناس والأقوام، وهم يحملون رواسب كثيرة من رواسب الجاهلية التي كانوا عليها، ولم ينالوا من التربية الإسلامية مثل ما نال الرعيل الأول من الصحابة على يد رسول الله ﷺ ، وذلك لكثرتهم وانشغال الفاتحين بالحروب والفتوحات الجديدة، فأخذ هؤلاء المسلمون الجدد ينخدعون بكل ما سمعوه من جهة، ويبثون ما لديهم من رواسب وأفكار جاهلية من جهة أخرى.

стр. 625

• تغيرت طبيعة الحياة المادية، فانتقل الناس من حياة الزهد والتقشف التي كانوا يعيشون عليها في عهد النبوة والشيخين إلى حياة الرخاء والترف بسب النعم والخيرات التي كانت تدرها الفتوح. وغني عن الإشارة أن ذلك الرخاء كان له أثره على المجتمع بسبب ما يترتب عليه من انشغال الناس بالدنيا والافتتان بها. كما أنها مادة للتنافس والبغضاء، خاصة بين أولئك الذين لم يصقل الإيمان نفوسهم ولم تهذبهم التقوى من أعراب البادية وجفاتها، ومن مسلمة الفتوحات الذي جروا شوطاً في زخارف الدنيا وبهجتها، واتخذوها غاية يتنافسون فيها. وعندما قام عثمان بواجبه تجاه أولئك الذين بدؤوا نوعاً من حياة الترف وفساد الأخلاق، انضم هؤلاء المستهترون إلى صف الناقمين من الرعاع وغيرهم. • لقد كان مجيء عثمان مباشرة بعد عمر ﵄ واختلاف الطبع بينهما مؤدياً إلى تغير أسلوبهما في معاملة الرعية؛ فبينما كان عمر يمتاز بالشدة والصلابة، كان عثمان ألين وأرق في المعاملة مما كان له بعض الأثر في مظاهر الفرق عند حدثاء الإسلام في عهده وعهد سلفه. • كانت العصبية القبلية مادة تهيج النفوس وتحركها، وكانت في دورها هذا مفتاحاً للفتنة، إذ كانت بعض القبائل ترى لنفسها موقع قدم وفضل في الفتوح، وتأنف من رياسة قريش عليها، ووافق ذلك أيام عثمان، فكانوا يظهرون الطعن في ولايته بالأمصار، ويفيضون في النكير على عثمان، فكان ذلك مؤشراً لبداية الفتنة في الكوفة، وهي أول مصر نزع الشيطان بين أهله في الإسلام كما يقول الشعبي. • وقع في أوهام كثير من الناس عن حسن نية أو عن سوء نية من أن عثمان بن عفان ﵁ كان ضعيفاً في مواقفه إزاء الأحداث العاصفة على الدولة الإسلامية، أو كان مستضعفاً يساق إلى ما يراد. وهذه غلطة تاريخية في حق ثالث أصحاب رسول الله ﷺ فضلاً وديناً. هذا وقد استغل المستشرقون ومن سار على دربهم من الباحثين العرب الراوايات الموضوعة التي تضعف عثمان والتي افتراها أهل الكذب من بين رواة الأخبار، فركزوا على التوسع في البحث فيها؛ بل كانت مغنماً تسابقوا إلى اقتسامه ما دامت تخدم أغراضهم للطعن في الإسلام ورجاله. ثم إنهم استغلوا وداعة عثمان ورحمته ورأفته بالرعية لينفثوا شبهة من شبههم، وهي: أن عثمان كان ضعيفاً في شخصه. هذه الدعوى تسقط لعم وجود سند أو دليل يعتمد عليه في هذا الزعم، كما أنه يستفاد م سياق حديث الشورى الذي جاء في (الجامع الصحيح) للبخاري وفي (تاريخ الطبري) أن اخيتار عثمان ﵁ خليفة لم يكن إلا أنه أمثل من وقع عليه الاختيار من قبل الناس، وأعدل وأصلح من يتحمل المسؤولية أمام الله وأمام المسلمين. إن عثمان ﵁ وإن كان رؤوفا رحيماً بالناس - وهذه من صفات الحاكم العادل - فلم يكن أبداً ضعيفاً في حدود الله. وكان يتبع سياسة عمر ﵁ في الاستفسار عن العمال من وفود الحج وسؤال الرعية عن أمرائها، فكان يكتب إلى الناس في الأمصار أن يوافوه أيام الحج إن كانت لديهم مظالم، فيرفعونها إليه بحضرة أميرهم فيقضي بينهم بالحق. وكان ﵁ يشتد في متابعة عماله ويحدد سلطانهم، بما يحقق مصالح المسلمين والرحمة بهم والرفق بالرعية. وإلى جانب ذلك كان يبني في نفس الرعية الجرأة والصراحة في الحق وعدم الجبن والخوف ليكونوا رقباء على الحكام في القيام بالأمانة التي ائتمنهم الله عليها.

стр. 626

إن عثمان ﵁ لم يكن عاجزاً أن يتخذ لنفسه حجاجاً يسلطه على أبشاء الأمة بسياط القهر والجبروت، ويطلق يده في دمائها حتى تخضع وتسكن، ولم يكن عاجزاً أن يحدث للناس عقوبات فوق ما أحدثوا وينكل بأولئك الخارجين عليه. إنه ما كان عاجزاً عن هذا وأمثاله، ولا كان ضعيفاً أو مستضعفاً، ولكنه كان خليفة راشداً يحجزه عدل الخلافة الراشدة عن مآثم الملك العضوض. • كان موقف عثمان ﵁ إزاء الأحداث التي ألمت به وبالمسلمين المثل الأعلى لما يمكن أن يقدمه الفرد من تضحية وفداء في سبيل حفظ كيان الجماعة، وصون كرامة الأمة، وحقن دماء المسلمين. فقد كان بإمكانه أن يقي نفسه ويخلصها لو أنه أراد نفسه ولم يرد حياة الأمة. فلو كان يحب ذاته ولم يكن من أهل الإيثار لدفع بمن هب للذود عنه من الصحابة وأبناء المهاجرين والأنصار إلى نحور الخارجين المنحرفين عن طاعته. ولكنه أراد جمع شمل الأمة ففداها بنفسه صابراً محتسباً، حيث منع من سل السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة، وحفظاً للألفة التي بها حفظ الكلمة، ولو أدى إلى هلاكه. • وإلى جانب صبره واحتسابه حفظاً لكيان الأمة من التمزق والضياع، وقف عثمان ﵁ موقفاً آخر أشد صلابة، وهو عدم إجابته الخارجين إلى خلع نفسه من الخلافة، فكان بذلك يمثل الثبات واستمرار النظام؛ لأنه لو أجاب الخارجين إلى خلع نفسه لأصبح منصب الإمامة العظمى ألعوبة في أيدي المفتونين الساعين في الأرض بالفساد، ولسادت الفوضى واختل نظام البلاد، ولكان تسليطاً للرعاع والغوغاء على الولاة والحكام. ومما لا شك فيه أن هذا الصنيع من عثمان كان أعظم وأقوى ما يستطيع أن يفعله رجل ألقت إليه الأمة مقاليدها، إذ لجأ إلى أهون الشرين وأخف الضررين ليدعم بهذا الفداء نظام الخلافة وسلطانها. • إن قتل الخليفة عثمان ﵁ لم يكن هو الغاية التي يقصدها من خطط لهذا الحصار، وإلا لو كان كذلك لهان الأمر، وسكنت الفتنة، واستبدل خليفة بخليفة، وعادت الأمور إلى نصابها. ولكن بعض رواد الفتنة كانت لهم غاية أبعد أثراً وأعمق غوراً من قتل خليفة واستبدال آخر به. إن غايتهم هي: هدم حقيقة الإسلام والنيل من عقيدته وتشويه مبادئه في شخص الخليفة المقتول، وإثارة الضغائن والخلافات بين المسلمين. لقد توالت خطط السبئية في خلافة عثمان وعلي ﵄ ولم يريدوا بها إلا الكيد لهذا الدين مستغلين حركة غوغائية تتكون من أعراب البادية وجفاتها ومن مسلمة الفتوحات الذين لم يصقل الإيمان نفوسهم، كما هي العادة في كثير من هذه الحركات التي تشكل أرضية تستغل من قبل المفسدين، ولكن الإسلام - ولله الحمد - كان أقوى من كل هذه الهجمات، وأعظم من كل هذه التحديات وأقدر على الصمود والثبات. فقد ذهب ابن سبأ ومن على شاكلته وبقي الإسلام. أما أفكاره المدمرة وإن كانت لا تزال تجد مكانها في نفوس طائفة من أهل القبلة - وهم الشيعة - إلا أنها طائفة منبوذة لقبح اعتقادها وسوء تصرفاتها، بينما بقي السواد الأعظم من المسلمين على عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد قيض الله للإسلام رجالاً نفوا عنه خبث هذه الأفكار وأظهروا فسادها، فاستمسك المسلمون بعقيدة التوحيد، واتبعوا نهج السلف الصالح، كما حقق الله نبوءة نبيه ﷺ حيث قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله).

стр. 627

• لقد أخبر النبي ﷺ عن وقوع الفتنة، وثبت بالخبر القطعي من طريق الوحي أن عثمان ﵁ على الحق، وأنه سيقتل ظلماً وأمر باتباعه، وأخبره أن الله يقمصه بقميص - يعني الخلافة - وأن المنافقين يريدونه على خلعه، وأمره أن لا يخلعه. وهذا أقوى دليل أنه كان على الحق. فمن خالفه تنكب طريق الحق، كيف لا! وقد وصف رسول الله ﷺ الذين أرادوا خلعه بالنفاق، فعلم بالضرورة أن كل ما ورد عنه مما يوجب الطعن عليه دائر بين مفترٍ عليه ومختلق، وبين محمول - على تقدير صحته - على الاجتهاد ليكون معه الحق تصديقاً لخبر النبوة المقطوع بصدقه. • إن المتتبع لأحداث الفتنة في تاريخ الإمام الطبري وكتب التاريخ الأخرى من خلال روايات أبي مخنف والواقدي وابن أعثم وغيرهم من الإخباريين يشعر أن الصحابة هم الذين كانوا يحركون المؤامرة ويثيرون الفتنة. وخلافاً لروايات هؤلاء الذين لا يتورعون في إظهار الصحابة بمظهر المتآمرين على عثمان المحرضين عليه، المسؤولين عن قتله، فقد حفظت لنا كتب المحدثين بحمد الله الروايات الصحيحة التي يظهر فيها الصحابة من المؤازرين لعثمان المنافحين عنه؛ فقد اجتهدوا في نصرته والذب عنه، وبذلوا أنفسهم دونه، فأمرهم بالكف عن القتال، وقال إنه يحب أن يلقى الله سالماً مظلوماً، ولو أذن لهم لقاتلوا عنه. • لم يكن موقف التابعين ومن بعدهم مخالفاً لموقف الصحابة في الدفاع عن عثمان ﵁ ورعاية حقه، وبيان أنه قتل على غير وجه الحق، واستعظام قتله والبراءة من قتلته، وذمهم وذكرهم بالسوء. فقد وضعوا نصب أعينهم تأييد السنة ونفي البدعة بعيداً عن الأهواء الشخصية والنزعات الخاصة، فكانت كثير من الأخبار المروية عنهم والمتعلقة بالفتنة الأولى قد أخرجت عثمان ﵁ كالقلب المصفى نقياً خالصاً من كل ما أراده المغرضون وتقوله المتقولون. • خلافاً لما جاء في بعض الروايات أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعة علي ﵁ أو بايع بعضهم كرهاً، فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن بيعة علي ﵁ كانت بيعة شرعية. ويؤيد ذلك ما ورد في السنة النبوية من مؤشرات عن خلافته، وما روي عن الصحابة في هذا الشأن، وما نقله المؤرخون والمحدثون والفقهاء وأهل العلم عن شرعية خلافة عليّ وصحتها ومبايعة أهل الحل والعقد له من المهاجرين والأنصار. ولم يتخلل تلك البيعة أي نوع من أنواع الضغط أو الإكراه، حيث روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) بسند صحيح ما يكشف عن بيعة طلحة والزبير لعليّ بمحض إرادتهما دون غلبة أو قهر. ويبرز الإمام الباقلاني موقف بعض الصحابة الذين تأخروا عن نصرة عليّ والدخول في طاعته؛ بأن ذلك لم يكن بسبب رفضهم لخلافته وبيعته، وإنما تخوفوا من حرب أهل القبلة واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ في النهي عن قتال الفتنة. ورأيي أن المعارضة التي قامت في وجه علي ﵁ لها ظروف سياسية معروفة، فهي لم تكن معارضة تطعن في إمامته بقدر ما كانت تطالب بالقصاص من قتلة عثمان. ويمكن القول أن علياً ﵁ كان أقوى المرشحين للإمامة بعد مقتل عمر ﵁ فالفاروق عينه لها في الستة الذين أشار بهم، وهو واحد منهم، على أن الأربعة من رجال الشورى وهم عبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير بتنازلهم عن حقهم فيها له ولعثمان، تركوا المجال مفتوحاً أمام الاثنين فلم يبق إلا هو وعثمان، وهذا إجماع من أهل الشورى على أنه لولا عثمان لكانت لعليّ. وبعد موت عثمان، وقد قدمه أهل دار الهجرة صار مستحقاً للخلافة.

стр. 628

ولم تكن السابقة في الإسلام والقرابة والمصاهرة هي المزايا الوحيدة لولاية علي ﵁ هذا المنصب الخطير، ولكن كان له بالإضافة إلى ذلك من القدرة والكفاءة ما لا ينكر؛ فشجاعته وإقدامه، وذكاؤه وعقليته القضائية النادرة، وحزمه الذي اشتهر به في مواقفه، وصلابته في الحق، وبعد نظره في تصريف الأمور حتى كان الخليفة عمر ﵁ يأخذ برأيه إذا التبست عليه الأمور، كل هذه العوامل تجعله بلا منازع المرشح الوحيد لإمامة المسلمين في تلك الفترة الحساسة من حياتهم. • تتجه مآخذ بعض المؤرخين والباحثين إلى أن علياً ﵁ لم يكن رجل دولة وسياسة يهيمن على مجرى الأمور. وليس ثمة من شك بأنه يوجد من الدلائل ما يؤكد أن علياً ﵁ كان ذكياً بصيراً بالأمور، حصيف الرأي، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يعرفون ذلك، فاتخذوه مستشاراً لهم في أمور السياسة حتى أن عمر ﵁ كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسين. والواقع أن الأمر ليس أمر ضعف وقصور في الرأي وإخفاق في السياسة، بل اختلف الوضع عما سبق، فتناول هذا الاختلاف تغير الجماعات المحيطة بالخليفة فهو غير أصحاب أبي بكر وعمر، إذ يغلب على هؤلاء عنصر الأعراب والموالي، وشتان ما بين الفئتين. وتناول هذا الاختلاف أيضاً مركز الخلافة الذي انتقل من الحجاز حيث السنة النبوية إلى العراق، حيث تتحكم المصلحة والنزاعات الشخصية والأهواء. ويلمس المرء كذلك تغيير في الأفكار وتعدد في المذاهب من جراء الفتنة ولا شك أن هذا الانقسام في الآراء والاختلاف في وجهات النظر أدى إلى مزيد من الفرقة والخلاف مما أضعف بطبيعة الحال مركز الخليفة وقبضته على زمام الأمور. وإذا كانت رياح التغيير مؤشراً على تبادل الأحوال في عهد علي ﵁، فإن موقفه ظل رغم ذلك كله لم يتلون بلون ذلك الجيل، ولم يرغب أن يواكب التطور الحادث، إذ آثر الإخفاق في كل شيء على الإخفاق في راشديته وعدله. ولئن كانت السياسة هي التطوع لروح العصر ومسراه، وانتهاز الفرص، وتحقيق المصالح الذاتية والمنافع الشخصية للحاكم والجماعات المحيطة به، فإن علياً لم يكن سياسياً بهذا المعنى. وإن كانت السياسة حسن الفهم والدراية والتعقل، والسعي لتحقيق المصلحة العامة للأمة، فعلي ﵁ كان على درجة عظيمة من ذلك. والقول الفصل أن علياً كان من خير رجال السياسة والحكم لو بقي عصر الخلافة الراشدة كما كان عليه في أيامه الأولى، أما وروح الزمان كانت تسير على غير ما كانت تسير عليه، فمذهبه في السياسة لم يعد مناسباً لتلك الأوضاع، ولذلك في نظر البعض غير سياسي. • تضافرت الروايات في تاريخ الإمام الطبري على أن خروج عائشة وطلحة والزبير إلى العراق كان قصد الإصلاح وطلب الثأر لعثمان الذي قتل بغير حق، وإعزاز الإسلام بأخذ القصاص من الخوارج المحلين، بل إن علياً أيضاً لم ير في سيره إليهم إلا الإصلاح وجمع الكلمة. وبعد سفارة القعقاع بن عمرو ﵁ لم ير طلحة والزبير وعائشة ﵃ أمثل من الصلح، حيث يبدو اقتناع طلحة والزبير بحجة عليّ في التريث وعدم استعجال أمر القصاص من قتلة عثمان حتى تهدأ الأحوال ويتوطد مركز الخلافة فيأخذ العدل مجراه. وقد بات الناس على نية الصلح والعافية في كلا المعسكرين وهم لا يشكون في الصلح، وبات الذين أثاروا الفتنة بشر ليلة إذ أشرفوا على الهلاك، خاصة بعد أن خطب عليّ في الناس وطلب منهم أن يرتحلوا في الغد، ولا يرتحل معه أحد أعان على عثمان بشيء، فجعلوا يتشاورون، تكلم ابن سبأ وهو المشير فيهم، فأشار عليهم بإنشاب الحرب سراً في الغلس.

стр. 629

وجدير بالإشارة أن أثر السبئية في الجمل واشتغال فتيل الحرب مما يكاد يجمع عليه المؤرخون والعلماء سواء أطلقوا عليهم اسم الغوغاء أو المفسدين أو الأوباش أو أصحاب الأهواء أو سماهم البعض قتلة عثمان أو أطلقوا عليهم صراحة: السبئية. • من الملاحظ أن الصحابة - رضوان الله عليهم - متفقون على إقامة حد القصاص على قتلة عثمان، لكن الخلاف بينهم وقع في مسألة التقديم أو التأخير، فطلحة والزبير وعائشة ومعاوية - رضوان الله عليهم - كانوا يرون تعجيل أخذ القصاص من الذين حاصروا الخليفة وقتلوه ظلماً، وأن البداءة بقتلهم أولى، بينما رأى أمير المؤمنين علي ﵁ ومن معه تأخيره حتى يتوطد مركز الخلافة وتستقر الأوضاع، فيتقدم أولياء عثمان بالدعوى عنده على معينين، فيحكم لهم بعد إقامة البينة عليهم، لأن هؤلاء المحاصرين لأمير المؤمنين عثمان ليسوا نفراً من قبيلة معينة، بل هم من قبائل مختلفة. ومن المعلوم أن علياً ﵁ كان في موقفه أسدّ رأياً وأصوب قيلاً، لأنه لو شرع في تنفيذ القصاص في قتلة عثمان لتعصبت لهم قبائل وصارت حرباً أهلية، وقد حدث هذا عندما تعاطى طلحة والزبير القود من قتلة عثمان بالبصرة، فتعصب لهم آلاف من الناس واجتمعوا على حرب طلحة والزبير. • إذا كان محور الخلاف بين الصحابة ﵃ هو القصاص من قتلة عثمان، كما تواترت بذلك الأخبار، فإنه قد شاع بين الناس أن الخلاف بين علي ومعاوية- ﵄ كان سببه طمع معاوية في الخلافة. وهذا غير صحيح، حيث تذكر الروايات الصحيحة في كتب التاريخ والحديث أن معاوية ما خرج إلا للمطالبة بدم عثمان، وأنه صرح بدخوله في طاعة عليّ إذا أقيم الحد على قتلة عثمان. • إن ما أثير على وجود قتلة عثمان في جيش علي ﵁ أمر فيه شبهة، فقد كان في عسكره من الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة فيما فعل، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله. وبتتبع الروايات في كتب التاريخ والحديث يلاحظ أن موقف عليّ من قتلة عثمان المندسين في جيشه كان موقف الحذر المحتاط منهم، المتبرء من فعلهم. • يستنتج من الأدلة الشرعية أن علياً كان أقرب إلى الحق من طلحة والزبير ومعاوية ﵃، ففي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن الخوارج: (يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) دلالة واضحة أن علياً كان أقرب إلى الصواب من مخالفيه في الجمل وصفين، لكن لم يصب الحق بتمامه وكماله، حيث كانت السلامة في الإمساك عن القتال؛ لأن العبرة بالنتائج والعاقبة. ولاشك أن نتيجة الاقتتال كانت مؤلمة جداً. ولهذا أثنى النبي ﷺ عن الحسن ﵁ لأن الله أصلح به ما بين المسلمين، وحقن دماءهم في قوله ﷺ : (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)، في حين أنه لم يثن على قتال أبيه لأهل الشام، بل غاية ما وصفه به أنه أقرب منهم إلى الحق، بخلاف قتال الخوارج فقد أثنى عليه نصاً بقوله: (فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم إلى يوم القيامة). كما أن علياً نفسه فرح واستبشر بقتال الخوارج وتألم وتكدر بقتال أهل الجمل وصفين. وقد كان في إمكان عليّ اتخاذ وسائل أخرى غير السيف لتهدئة الأحوال وجمع الكلمة وللصلح أبواب كثيرة ولو بالتنازل عن بعض الحق. • إن الموقف الأحوط والأمثل هو موقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة وآثروا عدم قتال أهل القبلة.

стр. 630

وقد اعتمد هؤلاء على أصل شرعي ثابت بنصوص صريحة عن النبي ﷺ ، وبعضها أوامر عينية في حق المخاطبين بها، وهذا الأصل هو ترك القتال في القتنة. وقد كان من كمال فقه الصحابة ﵃ التفريق بين صحة إمامة عليّ ووجوب القتال معه، بل صحة قتال أهل القبلة، إذ لا يلزم من كونه إماماً شرعياً أن يكون قتاله لأهل الجمل وصفين صواباً بإطلاق. وبالجملة فإن الكف عن القتال واعتزال الفتنة هو مذهب أهل الحديث عامة، ومن تأمله ظهر له قوة دلائله النصية وصدق نتائجه الواقعية. إن النصوص الشرعية جاءت متواترة في رد عدوان الخوارج والمفسدين في الأرض. أما أن يكون المرء عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل، فذلك مشروع في الفتنة بين المسلمين المختلفين اختلافاً اجتهادياً مصلحياً. على أن هذا المذهب - أي مذهب اعتزال الفتنة - هو أقوى المذاهب وأرجحها بدلالة النصوص الشرعية وأقوال السلف الصالح، وهو أقوى من مذهب من يرى أن الصواب هو القتال مع علي ﵁ فضلاً عمن يرى أن الصواب هو القتال مع من حاربه. • لقد كان مصطلح القراء في بداية الإسلام يعني من يقرأ القرآن ويحفظه ويفقه معانيه، ويتدبر آياته، ويتأدب بأخلاقه، ثم ما لبث أن انحرف مفهوم القراء أو القراءة عن مدلوله الأصلي، فأخذ يكتسي طابعاً يسوده عدم الفقه، والأخذ بظواهر النصوص، والتصلب في الرأي، والغلو والتشدد في الدين، حتى إننا لا نستغرب عندما نجد في مصادرنا التاريخية والحديثية المبكرة، أن المقصود بالقراء، هم الذين ساهموا في تأليب الناس في الكوفة على الخليفة عثمان ﵁ واشتركوا في معركة صفين فرفضوا التحكيم وصاروا خوارج فيما بعد يعيثون في الأرض فساداً يقتلون وينهبون أموال المسلمين، مستحلين لها، بزعم أن من خالفهم ليس بمسلم. وقد جاءت الأحاديث النبوية في بيان حالهم، وما سيؤول إليه أمرهم من خروج على الأمة وسفك دمائها بغير حق، فحذرت منهم وأثنت على قتالهم. • إن الدور المنسوب للقراء في صفين من مسؤولية وقف القتال والتحكيم، وفرض أبي موسى حكماً ليست إلا فرية تاريخية اخترعها الإخباريون عن الشيعة الذين كان يزعجهم أن يظهر علي ﵁ بمظهر المتعاطف مع معاوية وأهل الشام، وأن يرغب في الصلح مع أعدائهم التقليدين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يحملوا المسؤولية أعداءهم الخوارج ويتخلصوا منها، ويجعلوا دعوى الخوارج تناقض نفسها، فهم الذين أجبروا علياً على قبول التحكيم، وهم الذين ثاروا عليه بسبب قبوله التحكيم. ومن الملاحظ أن الدوافع والأسباب خلف مثل هذه الرويات ترجع إلى الظروف التي كانت تعيشها الكوفة - وهي معقل الشيعة-، في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، فقد تحولت وأهلها إلى مصر تابع لأهل الشام يرسل لها الأمويون ولاة مستبدين مثل زياد وابنه عبيد الله والحجاج لقمع شوكتهم. وأصبحت الكوفة بذلك مركزاً للمعارضة ومفرخاً للثورات ضد الأمويين، ليس هذا فحسب، بل إن ضربات الخوارج الموجعة كانت أشد إيلاماً من قمع الأمويين، مما حدا الشيعة إلى إلقاء تبعة تلك الأحداث على خصومهم تحت تأثير التعصب المذهبي. • إن الموقف الثابت تاريخياً في كتب الأئمة الثقات مثل البخاري وأحمد وابن أبي شيبة أن علياً ﵁ قبل التحكيم من تلقاء نفسه بعيد عن أي ضعوط، وذلك تماشياً مع أحكام الإسلام التي تحث على إصلاح ذات البين والرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع والاختلاف، كما ثبت أن موقف القراء هو نفسه منذ البداية لم يتغير ولم يتبدل، فهو الإصرار على مواصلة قتال أهل الشام ورفض التحكيم بالكلية.

стр. 631

وهذا ما تطمئن إليه النفس، حيث ينسجم ذلك الموقف مع عقلية الخوارج المتشددة المتحجرة العنيفة المستبيحة لدماء المسلمين وأموالهم، فقد كانوا في مراحل وجودهم على رأس الحركات التي أنهكت جسم الدولة الإسلامية، وذهبت بكثير من قوى المسلمين المذخورة. • نظراً لما لحادث التحكيم من أهمية في التاريخ السياسي للدولة الإسلامية، فإنه من الضروري تجلية حقيقة وقائعه، حيث أسيء تصوير هذا الحادث بقدر ما أسيء تفسيره، فنتج عن الأمرين خلط كثير وإساءة إلى مكانة الصحابة وقدرهم، حيث باتت القصة الشائعة بين الناس عن حادث التحكيم تتهم بعضهم بالخداع والغفلة، وتتهم آخرين بالصراع حول السلطة. وبإخضاع هذه الرواية للدراسة والتحليل يلاحظ عليها ثلاثة أمور: أحدها يتعلق بالخلاف بين عليّ ومعاوية ﵄ والذي أدى إلى الحرب بينهما، والثاني: يتعلق بمنصب كل ن عليّ ومعاوية، والثالث: خاص بشخصية أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص. أما الأمر الأول: فإن الحكمين كانا مفوضين للحكم في الخلاف بين عليّ ومعاوية، ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما، وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء. فالخلاف حول الخلافة لم يكن قد نشأ عندئد، ولم يكن معاوية مدعياً للخلافة ولا منكراً حق عليّ فيها، وإنما كان ممتنعاً عن بيعته، حيث كان متغلباً عليها بحكم الواقع لا بحكم القانون، مستفيداً من طاعة الناس له بعد اقتناعهم بالسبب الذي جعله يرفض بيعة عليّ، وهو المطالبة باقتضاء حقه في القصاص من قتلة عثمان باعتباره ولياً للدم. فإذا ترك الحكمان هذه القضية الأساسية وهي ما طلب إليهما الحكم فيه واتخذا قراراً بشأن الخلافة كما تزعم الرواية الشائعة عن التحكيم، فمعنى ذلك أنهما لم يفقها موضوع النزاع ولم يحيطا بموضوع الدعوى، وهو أمر مستبعد جداً. الأمر الثاني: إذا تضمن قرار الحكمين فيما تزعم الرواية المذكورة عزل كل من عليّ ومعاوية، فقد ورد العزل في حق معاوية على غير محله، لأنه إذا تصورنا أن يعزل الحكمان علياً من منصب الخلافة إذا فرضنا جدلاً أنهما كانا يحكمان فيها، ولكن عم يعزلان معاوية؟ هل كانا يملكان عزله عن قرابته أو منعه من المطالبة لحقه فيها؟! وهل عهد التاريخ في حقبة من حقبه أن يعزل ثائر عن زعامة الثائرين معه بقرار يصدره قاضيان؟! ولا شك أن هذا عامل آخر يؤيد بطلان القصة الشائعة عن قضية التحكيم والقرار الصادر فيها. الأمر الثالث: إن القول بأن أبا موسى الأشعري كان في قضية التحكيم ضحية خديعة عمرو بن العاص ينافي الحقائق التاريخية الثابتة عن فضله وفطنته وفقهه ودينه، والتي ثبتت له بتولي أعمال الحكم والقضاء في عهد النبي ﷺ وفي خلافة عمر وعثمان وعلي. فهل يتصور أن يثق رسول الله ﷺ ثم خلفاؤه من بعده في رجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟!. هذا وقد شهد الصحابة وكثير من علماء التابعين لأبي موسى - ﵁ بالرسوخ في العلم، والكفاءة في الحكم، والفطنة والكياسة في القضاء. وقبول تلك الرواية يعني الحكم أيضاً على عمرو بن العاص بأنه كان في أداء مهمته رجلاً تسيره الأهواء فتطغى لا على فطنته وخبرته فحسب، بل على ورعه وتقواه أيضاً. هذا علاوة على ما نسب إليه وإلى أبي موسى من السب والشتم، وهو ما يتعارض مع ما عرف وتواتر عن الصحابة ﵃ من حسن الخلق وأدب الحديث.

стр. 632

• أدى حادث التحكيم بين علي ومعاوية ﵄ إلى بدء ظهور الفرق ذات الآراء السياسية، ومن ضمنها فرقة الخوارج الذين رفضوا مبدأ قبول التحكيم في النزاع أصلاً، ذلك أنهم قالوا: (لا حكم إلا لله) مقررين أنه لا يجوز العدول عن حكم الله إلى حكم الرجال، والله قد حكم في الفئة الباغية بقتالها حتى تفيء إلى أمر الله. وقد ظلت العبارة (لا حكم إلا لله) علماً على مذهب الخوارج على اختلاف فرقهم وتعددها. وتعددت تفسيرات هذه الفرق لهذا الشعار، فارتكب الخوارج بناء على فهمهم الخاطئ له وتأويلهم المتعسف للنصوص كثيراً من المنكرات وعاثوا في الأرض فساداً يقتلون وينهون أموال المسلمين مستحلين لها بزعم أن من خالفهم كافر، وهم سلف المكفرة في هذه الأمة إلى اليوم. ومن الخصائص المميزة لفرق الخوارج الغلو والإفراط والشطط والتنطع، كما تميزت في منهجها الحركي بالاندفاع والتهور والثورية العمياء والقابلية السريعة للتمزق والاشتعال، فالجلافة طبعهم، وضيق الأفق سمتهم، ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أعسرهما، وما صادفوا احتمالين إلا انحازوا لأبعدهما، وما رأوا طريقين إلا سلكوا أشقهما. ولما كان الخوارج من ذلك الصنف البشري العنيد محدود الإدراك الذي يضيق أفقه أو علمه عن تفهم الخلاف فتثور نفسه لأتفه الأسباب ودونما تبصر في الدوافع والعواقب وتريث الحكم، فقد أعلنوا تكفيرهم للمجتمع المسلم بأجمعه، فأظهروا نقمتهم وسخطهم على الأطراف المخالفة لهم. ومن مبادئهم أن الخروج على الحاكم الجائر فرض لا يحل تركه، فكل قادر يلزمه الخروج ولو كان وحده، وسواء ظن أن خروجه يؤدي إلى النتيجة المرجوة أم لا. وبهذا لا يشترطون عدداً ولا قدرة على تغيير المنكر. ومن أجل ذلك كان تاريخهم بشكل عام سلسلة من الثورات والحروب المتواصلة ميزتهم عن غيرهم من الفرق، وفي سبيلها أبيدوا أو كادوا أن يبادوا. • ومن نتائج الفتنة ظهور الإرجاء، ومبعثه أنه كان في ثغور الجهاد وأطراف البلاد فئات من المسلمين تحارب الكفار وتفتح الأمصار، فلم تعلم عن سير الأمور شيئاً، فلما صدمتها فاجعة الفتنة أذهلها الألم عن التفكير، ووقاها بعد الشقة شر الخوض في الفتنة، ثم فوجئوا بما تلاها من أحداث فما استطاعوا أن يستبينوا رأياً فيتبعوه أو يرجحوا طرفاً فيوالوه، فآثروا مسالمة الفريقين المتقاتلين والركون إلى الحياد، فأبرؤوا أنفسهم من الوقوف مع أحد منهم أو عليه، وأرجؤوا أمر الجميع إلى الله، وهو الذي يتولى حسابهم، ومن ثم فهم داخلون تحت المشيئة. فهم متناقضون لما عليه عامة الخوارج من تكفير الصحابة، وما عليه عامة الشيعة من الغلو في عليّ والحط من عثمان أو تكفيره، ومخالفون أيضاً لما عليه أهل السنة والجماعة في أمرهم. ولا يخفى ما في موقفهم من شطط بإرجاء أمر عليّ وعثمان والشك في دخولهما الجنة، ومخالفة ما هو ثابت في النصوص الشرعية ومشهور لدى الأئمة بالإجماع عن فضل عثمان وعليّ ﵄ والشهادة لهما بالجنة. وهذا من أخطاء المرجئة وضلالاتهم. وعلى كل حال سواء كان الإرجاء موقفاً ذاتياً ظهر بسبب الفتنة أو أنه انبثق من الفكر الخارجي ونبع عنه، فإن الإرجاء من حيث هو موقف نفسي يمكن أن يوجد في هذه الفتنة العمياء وما تلاها، لأن من سنن الاجتماع أن أي نزاع يشجر بين طائفتين أو جماعتين قد يفرز فئة ثالثة متأرجحة محايدة لأي سبب من أسباب الحياد. وليس هذا الحياد من قبل المرجئة إلا موقفاً سلبياً يليه التردد والشك في مآل الصحابة الذين شملتهم دائرة الفتنة.

стр. 633

• شهد ما بعد الفتنة أيضاً ظهور الشيعة وتميزهم بنظريات وآراء خاصة بهم في المجال السياسي. والمذهب الشيعي يرتبط أساساً بمسألة وجدانية أو عاطفية هي حب آل البيت، ثم تطورت هذه العاطفة وأخذت الآراء التي نبتت نتيجة لها تتأصل شيئاً فشيئاً لتصبح مذهباً متميزاً أو فرقة ذات آراء مستقلة في الأصول والحكم والفقه وغيرها. وتحسن الإشارة إلى أن الشيعة الأولى لم يطعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يسبوهم ولم يشتموهم، بل كانوا يقدمون أبا بكر وعمر على عليّ، وإنما كان تفضيلهم لعليّ على عثمان، ثم ظهر المفضلة الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر. ثم أخذ التشيع أبعاداً أخرى أكثر خطورة، حيث جعل يكتنفه الغلو ورفض خلافة الشيخين - أبي بكر وعمر - وشتم أصحاب النبي ﷺ . ومن الملاحظ أن عدة عوامل ساهمت في تطور المذهب الشيعي، ومن أهمها: أن السبئية هم أصل التشيع، وليس أدل على ذلك من أن مبادئ الشيعة تتفق مع بعض الأفكار والمعتقدات التي جاء بها عبد الله بن سبأ، وهي: القول بالوصية والرجعة والبداء وسب الصحابة والبراءة منهم والغلو في علي ﵁. ومن المعلوم أن الذي يجمع فرق الشيعة هو: القول بأفضلية عليّ وأحقيته في الخلافة، وأنها ليست من المصالح المرسلة الموكولة إلى نظر العامة، بل هي ركن من أركان الدين. ولتبرير هذه النظرية قالوا بالوصية، أي أن رسول الله ﷺ أوصى بالخلافة لعليّ من بعده، وسارعوا إلى وضع الأحاديث في ذلك، كما أنهم قالوا بأن الخلافة بعد عليّ تنحصر في ذريته، وتنتقل بالنص من الإمام إلى من يليه. • من الآثار السلبية المترتبة على ظهور الخلافات السياسية: أنه كان لظهور الفرق على الصعيد السياسي آثاراً سلبية، إذ كرست بوادر الفرقة والخلاف بين المسلمين، وهي بلا شك من عوامل الضعف والخذلان. فقد احتدم الصراع بين الفئات المختلفة مما كان له الأثر في عرقلة مسير الفتوح الإسلامية. فقد تميزت الفترة التي تلت الفتنة بكثرة الخلافات والحروب التي أضرم نارها حركات لم يستفد منها، إذ استنفدت جهودها في قتال المسلمين بدلاً من الاشتغال بأعمال الجهاد في سبيل الله. وبالرغم من اعتبار عام واحد وأربعين للهجرة (٦٦١م) هو عام الجماعة، فإن الجماعة لم تكتمل تماماً، وظل هناك من يعارض بالقول والفعل تسويات الأحداث التي جرت في الفترة التي أعقبت مقتل عثمان والأوضاع السائدة في ظل دولة بني أمية، إضافة إلى الذين كانوا يظهرون الوفاق ويبطنون الخلاف. • ومن آثار الفتنة العقدية: قول الخوارج في الوعيد بتكفير أصحاب الكبائر، وأنهم مخلدون في النار. وقد اشتطوا في نظرتهم تلك لمرتكب الكبيرة، لكن ليس هذا فحسب، وإنما الرزية كل الرزية أن يكون مرتكب الكبيرة عندهم ليس هو الزاني أو السارق أو الكاذب ونحوهم من عصاة الأمة؛ وإنما هو: عثمان وعليّ والزبير وطلحة وعائشة وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص وأمثالهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن ثم قالوا: وعثمان وعليّ من والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله. ويعتقد الخوارج أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر، ومن ثم قالوا بتكفير أصحاب الكبائر وأنهم مخلدون في النار، مخالفين لما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من عدم الخلود في النار بسبب ارتكاب الذنب ما لم يكن شركاً.

стр. 634

• لما غالى الخوارج في الوعيد نشأت فرقة المرجئة تبالغ في الوعد، وترجئ الحكم على أهل المعاصي إلى يوم الحشر، مع تفويض أمرهم إلى الله إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم. لكنها وسعت دائرة الإيمان إلى أقصى حدّ لجعلها الإيمان اعتقاداً قلبياً مجرداً، ولا قيود عملية على صاحبه من أمر ونهي، حتى أدى بها ذلك إلى القول بأنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهذا مما يؤخذ على المرجئة. والناظر في قول المرجئة في معنى الإيمان يعلم أنه مخالف لما جاء في القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ وأقوال السلف من أن الإيمان مرتبط بالعمل، والعمل مرتبط بالإيمان لا ينفك أحدهما عن الآخر. وبهذا يظل المعيار الحقيقي للحكم على أي حالة هو معيار الصدر الأول وواقع السلف الصالح قبل اختلاف الأمة في الفترة التي تلت الفتنة، وهو أن حقيقة الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل مثلما تتركب حقيقة الإنسان من الجسد والروح، وأن ذلك مجمع عليه بين السلف، تتواتر على تأييده النصوص الشرعية، وتتضافر عليه الأدلة العقلية والنقلية، ولم يخالف فيه إلا مبتدع تنكب طريق الحق، وأعرض عن دلالات نصوص الوحي، وشواهد الفطرة والعقل إلى ما خاضت فيه أوهام المجادلين والمتكلمين. • ومن بدع الشيعة العقدية شتم الصحابة - ﵃ وسبهم، بل وتكفيرهم الذي أصبح من لوازم أصول مذهبهم. وهم بذلك يخالفون محكم القرآن والسنة النبوية في تزكية الصحابة وبيان عدالتهم وفضلهم وشرفهم، وإجماع من يعتد بإجماعهم من الأمة على ذلك، وأنه من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. ومن بدعهم قولهم بالبداء تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، والبداء يعني: ظهور أمر لله بعد أن كان جاهلاً به اقتضى أن يغير الله في قدره. ومن بدعهم الغلو في الأئمة الذين جعلوهم فوق الأنبياء والرسل، ويعتقدون أنهم معصومون، ويعلمون أعمال الناس وآجالهم، ويعلمون الغيب. ومن بدعهم قولهم بمعتقد الجهمية في تعطيل صفات الله، وأخذهم بمذهب القدرية في أفعال العباد. وكل هذا مخالف لصريح العقيدة التي كان يدين بها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. • من الآثار السلبية المترتبة على الخلافات الكلامية: أن فتحت المناظرات بين الفرق المختلفة في إطار ما يسمى: علم الكلام باباً من أبواب الفتن، وساهمت في تمزيق كيان المجتمع الإسلامي، كما أنها ضخمت الجانب النظري التجريدي على حساب الجانب العلمي الذي أكد عليه الصحابة الذين تفهموا روح الرسالة وفقهوا الإسلام، فانشرحت صدورهم للعمل والوقوف عند النصوص المتشابهة وآيات وأحاديث الصفات دون تأويل، فحافظوا بذلك على صفاء العقيدة وإشراقها، في حين أضاع أرباب الكلام بمجادلاتهم ونقاشاتهم البيزنطية التي ترمي إلى البحث والتعليل فيما يتجاوز نطاق العقل وضوح العقيدة وصفاء الفكرة. ولم تثمر جهودهم غير الانقسام والخلاف والتمزق في الكيان الإسلامي بسبب هذا العلم غير النافع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة السلف. • لقد كان من آثار الفتنة: معرفة أحكام البغاة. فبناء على الاختلاف بين أحكام دار الحرب ودار الإسلام تمكن عليّ ﵁ بغزير علمه وسعة فقهه، وهو أقضى الصحابة، أن يضع قواعد وأحكاماً هي في الحقيقة ضوابط شرعية في قتال أهل البغي، ثم سار أهل السنة من أئمة العلم والفقهاء على سيرته في قتال البغاة، واستنبطوا من هديه الأحكام والقواعد الفقهية في هذا الشأن.

стр. 635

ومن هذه الأحكام أن لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل أسير، ولا يستحل فرج ولا مال، ومن ألقى سلاحه فهو آمن. ولذلك لم يكن قتال البغاة إلا لدفعهم وردهم إلى الحق، فلا يستباح منهم إلا ما حصل بضرورة الدفع، وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة. • إلى جانب الفرق المبتدعة الضالة، وهي من رواسب الفتنة ومن مخلفاتها، بقي جمهور المسلمين والغالب من فقهائهم وعلمائهم وحملة السنة منهم يمثلون السواد الأعظم أو الجماعة أو أهل السنة - كما أطلق عليهم فيما بعد -. وأهل السنة والجماعة يبتعدون عن الغلو في كل شيء ويفضلون الاعتدال في الرأي والعمل، ويلتزمون ما فهمه سلفهم من الصحابة من آي القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ ، فإذا ذكر ما كان بين الصحابة - رضوان الله عليهم - من الاختلاف والحروب فمذهبهم الترضي والترحم على الجميع، وذكرهم بالخير والإحسان. وإذا ذكرت صفات الله يثبتونها ويفوضون كيفيتها بما يليق بجلال الله وعظمته، فيصفونه بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف. وإذا ظلم الظالم أو جار فلا يخرجون عليه إلا بشروط منها: أمن الفتنة، وتحقيق الأفضل للمسلمين، ومعظمهم لا يرى الخروج إلا إذا كان ثمة كفر بواح عندهم من الله فيه برهان. ويمكن القول أن الصبغة العامة لأهل السنة والجماعة هي الذهاب إلى أن العلم والعمل أجدى وأنفع من النقاش والجدال. لذا فهم يؤكدون على حقيقة الإيمان الشرعية وهي أنه: قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. ولقد بقي التراث الفكري والفقهي لأهل السنة والجماعة حتى الآن مثلاً للاعتدال في فهم الأحداث ووزن الأمور بميزان الإسلام، والبعد عن انحرافات الغلاة من الفرق المختلفة في جميع مواضع الخلاف. • موقف أهل السنة من الفتنة: إن موضوع النزاع والخلاف بين المسلمين بعد مقتل عثمان ﵁ ينظر إليه من زاويتين: الأولى: إن اللوم في تلك الفتنة على العموم يلقى على قتلة عثمان، لأن كل من قتل من المسلمين بأيدي إخوانهم منذ قتل عثمان ﵁ إنما يقع إثمه عليهم، فهم الذين فتحوا باب الفتنة وكل ما وقع بعد ذلك فإثمه ووزره عليهم، إذ كانوا السبب المباشر فيها، وهم الفئة المعتدية الظالمة التي قتل بسببها كل مقتول في الجمل وصفين، وما تفرع عنهما من أحداث وآراء ومواقف فتحت باب الخلاف والفرقة بين المسلمين. ولا يخفى أن أعداء الإسلام الذين يئسوا من مجابهة الإسلام في الميدان الحربي رأوا أن الكيد لهذا الدين على الحيلة أنجع، فبدأوا يحكمون مخططاتهم في الخفاء، إذ أعلنوا الإسلام ظاهراً، وبقوا على كفرهم باطناً. وبهذا التستر والنفاق كانوا يثيرون المتاعب والمحن في وجه الدولة الإسلامية، ويضعون في دربها الكثير من الحواجز والعقبات، ويمارسون إزاءها من الداخل عمليات تخريبية لا حصر لها، كما هو ظاهر من الأحداث التي مهدت للفتنة وأشعلت نارها وأوقعت الخلاف بين المسلمين، وخطر هذا الكيد يكمن في أن هذه القوة المعادية غير واضحة الأبعاد، مدسوسة في صفوف المسلمين، قديرة على الاستخفاء في أعقاب أي تخريب تمارسه. وقد نبه القرآن الكريم إلى كيد المنافقين وخطرهم على المجتمع الإسلامي، وإلى الوسائل والطرق الملتوية الخفية التي يستعملونها لتحطيم الإسلام والقضاء عليه، حتى يكون المسلمون على بينة منهم فلا يخدعون. ولذلك لم يكن غريباً أن يستغرق النفاق والمنافقين ما يقرب من ٣٤٠ آية من آيات الكتاب العزيز.
следующие страницы →