وهذا ما تطمئن إليه النفس، حيث ينسجم ذلك الموقف مع عقلية الخوارج المتشددة المتحجرة العنيفة المستبيحة لدماء المسلمين وأموالهم، فقد كانوا في مراحل وجودهم على رأس الحركات التي أنهكت جسم الدولة الإسلامية، وذهبت بكثير من قوى المسلمين المذخورة.
• نظراً لما لحادث التحكيم من أهمية في التاريخ السياسي للدولة الإسلامية، فإنه من الضروري تجلية حقيقة وقائعه، حيث أسيء تصوير هذا الحادث بقدر ما أسيء تفسيره، فنتج عن الأمرين خلط كثير وإساءة إلى مكانة الصحابة وقدرهم، حيث باتت القصة الشائعة بين الناس عن حادث التحكيم تتهم بعضهم بالخداع والغفلة، وتتهم آخرين بالصراع حول السلطة.
وبإخضاع هذه الرواية للدراسة والتحليل يلاحظ عليها ثلاثة أمور: أحدها يتعلق بالخلاف بين عليّ ومعاوية ﵄ والذي أدى إلى الحرب بينهما، والثاني: يتعلق بمنصب كل ن عليّ ومعاوية، والثالث: خاص بشخصية أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص.
أما الأمر الأول: فإن الحكمين كانا مفوضين للحكم في الخلاف بين عليّ ومعاوية، ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما، وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء. فالخلاف حول الخلافة لم يكن قد نشأ عندئد، ولم يكن معاوية مدعياً للخلافة ولا منكراً حق عليّ فيها، وإنما كان ممتنعاً عن بيعته، حيث كان متغلباً عليها بحكم الواقع لا بحكم القانون، مستفيداً من طاعة الناس له بعد اقتناعهم بالسبب الذي جعله يرفض بيعة عليّ، وهو المطالبة باقتضاء حقه في القصاص من قتلة عثمان باعتباره ولياً للدم.
فإذا ترك الحكمان هذه القضية الأساسية وهي ما طلب إليهما الحكم فيه واتخذا قراراً بشأن الخلافة كما تزعم الرواية الشائعة عن التحكيم، فمعنى ذلك أنهما لم يفقها موضوع النزاع ولم يحيطا بموضوع الدعوى، وهو أمر مستبعد جداً.
الأمر الثاني: إذا تضمن قرار الحكمين فيما تزعم الرواية المذكورة عزل كل من عليّ ومعاوية، فقد ورد العزل في حق معاوية على غير محله، لأنه إذا تصورنا أن يعزل الحكمان علياً من منصب الخلافة إذا فرضنا جدلاً أنهما كانا يحكمان فيها، ولكن عم يعزلان معاوية؟ هل كانا يملكان عزله عن قرابته أو منعه من المطالبة لحقه فيها؟! وهل عهد التاريخ في حقبة من حقبه أن يعزل ثائر عن زعامة الثائرين معه بقرار يصدره قاضيان؟! ولا شك أن هذا عامل آخر يؤيد بطلان القصة الشائعة عن قضية التحكيم والقرار الصادر فيها.
الأمر الثالث: إن القول بأن أبا موسى الأشعري كان في قضية التحكيم ضحية خديعة عمرو بن العاص ينافي الحقائق التاريخية الثابتة عن فضله وفطنته وفقهه ودينه، والتي ثبتت له بتولي أعمال الحكم والقضاء في عهد النبي ﷺ وفي خلافة عمر وعثمان وعلي. فهل يتصور أن يثق رسول الله ﷺ ثم خلفاؤه من بعده في رجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟!.
هذا وقد شهد الصحابة وكثير من علماء التابعين لأبي موسى - ﵁ بالرسوخ في العلم، والكفاءة في الحكم، والفطنة والكياسة في القضاء.
وقبول تلك الرواية يعني الحكم أيضاً على عمرو بن العاص بأنه كان في أداء مهمته رجلاً تسيره الأهواء فتطغى لا على فطنته وخبرته فحسب، بل على ورعه وتقواه أيضاً. هذا علاوة على ما نسب إليه وإلى أبي موسى من السب والشتم، وهو ما يتعارض مع ما عرف وتواتر عن الصحابة ﵃ من حسن الخلق وأدب الحديث.
стр. 632
• أدى حادث التحكيم بين علي ومعاوية ﵄ إلى بدء ظهور الفرق ذات الآراء السياسية، ومن ضمنها فرقة الخوارج الذين رفضوا مبدأ قبول التحكيم في النزاع أصلاً، ذلك أنهم قالوا: (لا حكم إلا لله) مقررين أنه لا يجوز العدول عن حكم الله إلى حكم الرجال، والله قد حكم في الفئة الباغية بقتالها حتى تفيء إلى أمر الله.
وقد ظلت العبارة (لا حكم إلا لله) علماً على مذهب الخوارج على اختلاف فرقهم وتعددها. وتعددت تفسيرات هذه الفرق لهذا الشعار، فارتكب الخوارج بناء على فهمهم الخاطئ له وتأويلهم المتعسف للنصوص كثيراً من المنكرات وعاثوا في الأرض فساداً يقتلون وينهون أموال المسلمين مستحلين لها بزعم أن من خالفهم كافر، وهم سلف المكفرة في هذه الأمة إلى اليوم.
ومن الخصائص المميزة لفرق الخوارج الغلو والإفراط والشطط والتنطع، كما تميزت في منهجها الحركي بالاندفاع والتهور والثورية العمياء والقابلية السريعة للتمزق والاشتعال، فالجلافة طبعهم، وضيق الأفق سمتهم، ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أعسرهما، وما صادفوا احتمالين إلا انحازوا لأبعدهما، وما رأوا طريقين إلا سلكوا أشقهما.
ولما كان الخوارج من ذلك الصنف البشري العنيد محدود الإدراك الذي يضيق أفقه أو علمه عن تفهم الخلاف فتثور نفسه لأتفه الأسباب ودونما تبصر في الدوافع والعواقب وتريث الحكم، فقد أعلنوا تكفيرهم للمجتمع المسلم بأجمعه، فأظهروا نقمتهم وسخطهم على الأطراف المخالفة لهم.
ومن مبادئهم أن الخروج على الحاكم الجائر فرض لا يحل تركه، فكل قادر يلزمه الخروج ولو كان وحده، وسواء ظن أن خروجه يؤدي إلى النتيجة المرجوة أم لا. وبهذا لا يشترطون عدداً ولا قدرة على تغيير المنكر. ومن أجل ذلك كان تاريخهم بشكل عام سلسلة من الثورات والحروب المتواصلة ميزتهم عن غيرهم من الفرق، وفي سبيلها أبيدوا أو كادوا أن يبادوا.
• ومن نتائج الفتنة ظهور الإرجاء، ومبعثه أنه كان في ثغور الجهاد وأطراف البلاد فئات من المسلمين تحارب الكفار وتفتح الأمصار، فلم تعلم عن سير الأمور شيئاً، فلما صدمتها فاجعة الفتنة أذهلها الألم عن التفكير، ووقاها بعد الشقة شر الخوض في الفتنة، ثم فوجئوا بما تلاها من أحداث فما استطاعوا أن يستبينوا رأياً فيتبعوه أو يرجحوا طرفاً فيوالوه، فآثروا مسالمة الفريقين المتقاتلين والركون إلى الحياد، فأبرؤوا أنفسهم من الوقوف مع أحد منهم أو عليه، وأرجؤوا أمر الجميع إلى الله، وهو الذي يتولى حسابهم، ومن ثم فهم داخلون تحت المشيئة.
فهم متناقضون لما عليه عامة الخوارج من تكفير الصحابة، وما عليه عامة الشيعة من الغلو في عليّ والحط من عثمان أو تكفيره، ومخالفون أيضاً لما عليه أهل السنة والجماعة في أمرهم.
ولا يخفى ما في موقفهم من شطط بإرجاء أمر عليّ وعثمان والشك في دخولهما الجنة، ومخالفة ما هو ثابت في النصوص الشرعية ومشهور لدى الأئمة بالإجماع عن فضل عثمان وعليّ ﵄ والشهادة لهما بالجنة. وهذا من أخطاء المرجئة وضلالاتهم.
وعلى كل حال سواء كان الإرجاء موقفاً ذاتياً ظهر بسبب الفتنة أو أنه انبثق من الفكر الخارجي ونبع عنه، فإن الإرجاء من حيث هو موقف نفسي يمكن أن يوجد في هذه الفتنة العمياء وما تلاها، لأن من سنن الاجتماع أن أي نزاع يشجر بين طائفتين أو جماعتين قد يفرز فئة ثالثة متأرجحة محايدة لأي سبب من أسباب الحياد. وليس هذا الحياد من قبل المرجئة إلا موقفاً سلبياً يليه التردد والشك في مآل الصحابة الذين شملتهم دائرة الفتنة.
стр. 633
• شهد ما بعد الفتنة أيضاً ظهور الشيعة وتميزهم بنظريات وآراء خاصة بهم في المجال السياسي. والمذهب الشيعي يرتبط أساساً بمسألة وجدانية أو عاطفية هي حب آل البيت، ثم تطورت هذه العاطفة وأخذت الآراء التي نبتت نتيجة لها تتأصل شيئاً فشيئاً لتصبح مذهباً متميزاً أو فرقة ذات آراء مستقلة في الأصول والحكم والفقه وغيرها.
وتحسن الإشارة إلى أن الشيعة الأولى لم يطعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يسبوهم ولم يشتموهم، بل كانوا يقدمون أبا بكر وعمر على عليّ، وإنما كان تفضيلهم لعليّ على عثمان، ثم ظهر المفضلة الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر. ثم أخذ التشيع أبعاداً أخرى أكثر خطورة، حيث جعل يكتنفه الغلو ورفض خلافة الشيخين - أبي بكر وعمر - وشتم أصحاب النبي ﷺ .
ومن الملاحظ أن عدة عوامل ساهمت في تطور المذهب الشيعي، ومن أهمها: أن السبئية هم أصل التشيع، وليس أدل على ذلك من أن مبادئ الشيعة تتفق مع بعض الأفكار والمعتقدات التي جاء بها عبد الله بن سبأ، وهي: القول بالوصية والرجعة والبداء وسب الصحابة والبراءة منهم والغلو في علي
﵁.
ومن المعلوم أن الذي يجمع فرق الشيعة هو: القول بأفضلية عليّ وأحقيته في الخلافة، وأنها ليست من المصالح المرسلة الموكولة إلى نظر العامة، بل هي ركن من أركان الدين.
ولتبرير هذه النظرية قالوا بالوصية، أي أن رسول الله ﷺ أوصى بالخلافة لعليّ من بعده، وسارعوا إلى وضع الأحاديث في ذلك، كما أنهم قالوا بأن الخلافة بعد عليّ تنحصر في ذريته، وتنتقل بالنص من الإمام إلى من يليه.
• من الآثار السلبية المترتبة على ظهور الخلافات السياسية: أنه كان لظهور الفرق على الصعيد السياسي آثاراً سلبية، إذ كرست بوادر الفرقة والخلاف بين المسلمين، وهي بلا شك من عوامل الضعف والخذلان. فقد احتدم الصراع بين الفئات المختلفة مما كان له الأثر في عرقلة مسير الفتوح الإسلامية. فقد تميزت الفترة التي تلت الفتنة بكثرة الخلافات والحروب التي أضرم نارها حركات لم يستفد منها، إذ استنفدت جهودها في قتال المسلمين بدلاً من الاشتغال بأعمال الجهاد في سبيل الله.
وبالرغم من اعتبار عام واحد وأربعين للهجرة (٦٦١م) هو عام الجماعة، فإن الجماعة لم تكتمل تماماً، وظل هناك من يعارض بالقول والفعل تسويات الأحداث التي جرت في الفترة التي أعقبت مقتل عثمان والأوضاع السائدة في ظل دولة بني أمية، إضافة إلى الذين كانوا يظهرون الوفاق ويبطنون الخلاف.
• ومن آثار الفتنة العقدية: قول الخوارج في الوعيد بتكفير أصحاب الكبائر، وأنهم مخلدون في النار. وقد اشتطوا في نظرتهم تلك لمرتكب الكبيرة، لكن ليس هذا فحسب، وإنما الرزية كل الرزية أن يكون مرتكب الكبيرة عندهم ليس هو الزاني أو السارق أو الكاذب ونحوهم من عصاة الأمة؛ وإنما هو: عثمان وعليّ والزبير وطلحة وعائشة وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص وأمثالهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن ثم قالوا: وعثمان وعليّ من والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله.
ويعتقد الخوارج أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر، ومن ثم قالوا بتكفير أصحاب الكبائر وأنهم مخلدون في النار، مخالفين لما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من عدم الخلود في النار بسبب ارتكاب الذنب ما لم يكن شركاً.
стр. 634
• لما غالى الخوارج في الوعيد نشأت فرقة المرجئة تبالغ في الوعد، وترجئ الحكم على أهل المعاصي إلى يوم الحشر، مع تفويض أمرهم إلى الله إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم. لكنها وسعت دائرة الإيمان إلى أقصى حدّ لجعلها الإيمان اعتقاداً قلبياً مجرداً، ولا قيود عملية على صاحبه من أمر ونهي، حتى أدى بها ذلك إلى القول بأنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهذا مما يؤخذ على المرجئة.
والناظر في قول المرجئة في معنى الإيمان يعلم أنه مخالف لما جاء في القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ وأقوال السلف من أن الإيمان مرتبط بالعمل، والعمل مرتبط بالإيمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
وبهذا يظل المعيار الحقيقي للحكم على أي حالة هو معيار الصدر الأول وواقع السلف الصالح قبل اختلاف الأمة في الفترة التي تلت الفتنة، وهو أن حقيقة الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل مثلما تتركب حقيقة الإنسان من الجسد والروح، وأن ذلك مجمع عليه بين السلف، تتواتر على تأييده النصوص الشرعية، وتتضافر عليه الأدلة العقلية والنقلية، ولم يخالف فيه إلا مبتدع تنكب طريق الحق، وأعرض عن دلالات نصوص الوحي، وشواهد الفطرة والعقل إلى ما خاضت فيه أوهام المجادلين والمتكلمين.
• ومن بدع الشيعة العقدية شتم الصحابة - ﵃ وسبهم، بل وتكفيرهم الذي أصبح من لوازم أصول مذهبهم. وهم بذلك يخالفون محكم القرآن والسنة النبوية في تزكية الصحابة وبيان عدالتهم وفضلهم وشرفهم، وإجماع من يعتد بإجماعهم من الأمة على ذلك، وأنه من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة.
ومن بدعهم قولهم بالبداء تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، والبداء يعني: ظهور أمر لله بعد أن كان جاهلاً به اقتضى أن يغير الله في قدره. ومن بدعهم الغلو في الأئمة الذين جعلوهم فوق الأنبياء والرسل، ويعتقدون أنهم معصومون، ويعلمون أعمال الناس وآجالهم، ويعلمون الغيب. ومن بدعهم قولهم بمعتقد الجهمية في تعطيل صفات الله، وأخذهم بمذهب القدرية في أفعال العباد.
وكل هذا مخالف لصريح العقيدة التي كان يدين بها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
• من الآثار السلبية المترتبة على الخلافات الكلامية: أن فتحت المناظرات بين الفرق المختلفة في إطار ما يسمى: علم الكلام باباً من أبواب الفتن، وساهمت في تمزيق كيان المجتمع الإسلامي، كما أنها ضخمت الجانب النظري التجريدي على حساب الجانب العلمي الذي أكد عليه الصحابة الذين تفهموا روح الرسالة وفقهوا الإسلام، فانشرحت صدورهم للعمل والوقوف عند النصوص المتشابهة وآيات وأحاديث الصفات دون تأويل، فحافظوا بذلك على صفاء العقيدة وإشراقها، في حين أضاع أرباب الكلام بمجادلاتهم ونقاشاتهم البيزنطية التي ترمي إلى البحث والتعليل فيما يتجاوز نطاق العقل وضوح العقيدة وصفاء الفكرة. ولم تثمر جهودهم غير الانقسام والخلاف والتمزق في الكيان الإسلامي بسبب هذا العلم غير النافع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ
وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة السلف.
• لقد كان من آثار الفتنة: معرفة أحكام البغاة. فبناء على الاختلاف بين أحكام دار الحرب ودار الإسلام تمكن عليّ ﵁ بغزير علمه وسعة فقهه، وهو أقضى الصحابة، أن يضع قواعد وأحكاماً هي في الحقيقة ضوابط شرعية في قتال أهل البغي، ثم سار أهل السنة من أئمة العلم والفقهاء على سيرته في قتال البغاة، واستنبطوا من هديه الأحكام والقواعد الفقهية في هذا الشأن.
стр. 635
ومن هذه الأحكام أن لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل أسير، ولا يستحل فرج ولا مال، ومن ألقى سلاحه فهو آمن. ولذلك لم يكن قتال البغاة إلا لدفعهم وردهم إلى الحق، فلا يستباح منهم إلا ما حصل بضرورة الدفع، وبقي حكم المال والذرية على أصل العصمة.
• إلى جانب الفرق المبتدعة الضالة، وهي من رواسب الفتنة ومن مخلفاتها، بقي جمهور المسلمين والغالب من فقهائهم وعلمائهم وحملة السنة منهم يمثلون السواد الأعظم أو الجماعة أو أهل السنة - كما أطلق عليهم فيما بعد -.
وأهل السنة والجماعة يبتعدون عن الغلو في كل شيء ويفضلون الاعتدال في الرأي والعمل، ويلتزمون ما فهمه سلفهم من الصحابة من آي القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ ، فإذا ذكر ما كان بين الصحابة - رضوان الله عليهم - من الاختلاف والحروب فمذهبهم الترضي والترحم على الجميع، وذكرهم بالخير والإحسان. وإذا ذكرت صفات الله يثبتونها ويفوضون كيفيتها بما يليق بجلال الله وعظمته، فيصفونه بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف. وإذا ظلم الظالم أو جار فلا يخرجون عليه إلا بشروط منها: أمن الفتنة، وتحقيق الأفضل للمسلمين، ومعظمهم لا يرى الخروج إلا إذا كان ثمة كفر بواح عندهم من الله فيه برهان.
ويمكن القول أن الصبغة العامة لأهل السنة والجماعة هي الذهاب إلى أن العلم والعمل أجدى وأنفع من النقاش والجدال. لذا فهم يؤكدون على حقيقة الإيمان الشرعية وهي أنه: قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
ولقد بقي التراث الفكري والفقهي لأهل السنة والجماعة حتى الآن مثلاً للاعتدال في فهم الأحداث ووزن الأمور بميزان الإسلام، والبعد عن انحرافات الغلاة من الفرق المختلفة في جميع مواضع الخلاف.
• موقف أهل السنة من الفتنة:
إن موضوع النزاع والخلاف بين المسلمين بعد مقتل عثمان ﵁ ينظر إليه من زاويتين:
الأولى: إن اللوم في تلك الفتنة على العموم يلقى على قتلة عثمان، لأن كل من قتل من المسلمين بأيدي إخوانهم منذ قتل عثمان ﵁ إنما يقع إثمه عليهم، فهم الذين فتحوا باب الفتنة وكل ما وقع بعد ذلك فإثمه ووزره عليهم، إذ كانوا السبب المباشر فيها، وهم الفئة المعتدية الظالمة التي قتل بسببها كل مقتول في الجمل وصفين، وما تفرع عنهما من أحداث وآراء ومواقف فتحت باب الخلاف والفرقة بين المسلمين.
ولا يخفى أن أعداء الإسلام الذين يئسوا من مجابهة الإسلام في الميدان الحربي رأوا أن الكيد لهذا الدين على الحيلة أنجع، فبدأوا يحكمون مخططاتهم في الخفاء، إذ أعلنوا الإسلام ظاهراً، وبقوا على كفرهم باطناً. وبهذا التستر والنفاق كانوا يثيرون المتاعب والمحن في وجه الدولة الإسلامية، ويضعون في دربها الكثير من الحواجز والعقبات، ويمارسون إزاءها من الداخل عمليات تخريبية لا حصر لها، كما هو ظاهر من الأحداث التي مهدت للفتنة وأشعلت نارها وأوقعت الخلاف بين المسلمين، وخطر هذا الكيد يكمن في أن هذه القوة المعادية غير واضحة الأبعاد، مدسوسة في صفوف المسلمين، قديرة على الاستخفاء في أعقاب أي تخريب تمارسه.
وقد نبه القرآن الكريم إلى كيد المنافقين وخطرهم على المجتمع الإسلامي، وإلى الوسائل والطرق الملتوية الخفية التي يستعملونها لتحطيم الإسلام والقضاء عليه، حتى يكون المسلمون على بينة منهم فلا يخدعون. ولذلك لم يكن غريباً أن يستغرق النفاق والمنافقين ما يقرب من ٣٤٠ آية من آيات الكتاب العزيز.
стр. 636
ولا ريب أن اليهود من أوائل من سلك هذا المسلك الخبيث، وهو إذكاء النفاق والتستر خلفه لزعزعة دعائم الإسلام، وكان عبد الله بن سبأ وطائفته من أبرز هؤلاء المنافقين الذين كادوا للإسلام، حيث خطط لإذكاء نار الفتنة في خلافة عثمان ﵁ هذا بالإضافة إلى أثره هو وأعوانه في الفتنة في خلافة علي ﵁ بعد أن اتفق المسلمون على الصلح.
الثانية: إن ما حدث من جانب الصحابة - رضوان الله عليهم - في هذه الفتنة يحمل على حسن النية والاختلاف في التقدير والاجتهاد، كما يحمل على وقوع الخطأ والإصابة. ولكنهم على كل حال كانوا مجتهدين، وهم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ، وإن كان ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ؛ لأن كل فئة كانت لها وجهة نظر تدافع عنها بحسن نية، حيث إن الخلاف بينهم لم يكن بسبب التنافس على الدنيا، وإنما كان اجتهاداً من كل منهم في تطبيق شرائع الإسلام.
وقد سئل بعض السلف عن الدماء التي أريقت بين الصحابة ﵃ فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وسئل ابن المبارك عن الفتنة التي وقعت بين عليّ ومعاوية ﵄ فقال: (فتنة قد عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا)، يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه.
وقال ابن فورك: (ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة، فكذلك فيما جرى بين الصحابة.
وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: (قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا). وقال المحاسبي: (فنحن نقول كما قال الحسن البصري، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله ، إذ كانوا غير متهمين في الدين.
وجاء في الحديث الصحيح: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة).
يقول الحافظ ابن حجر: (والمراد بالفئتين، فئة عليّ ومن معه، وفئة معاوية ومن معه، والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح، وقيل: المراد اعتقاد كل منهما أنه على الحق.
وروى الإمام البخاري في تاريخه عن أم عمارة - حاضنة لعمار - قالت: اشتكى عمار، قال: (لا أموت في مرضي، حدثني حبيبي رسول الله ﷺ أني لا أموت إلا قتلاً بين فئتين مؤمنتين).
ويقول القاضي ابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي والتأويل، ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله بعده: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. فهذه كلها امور جرت على رسم النزاع، ولم تخرج عن طريق من طرق الفقه، ولا عدت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المصيب عشرة والمخطئ أجراً واحداً. وما وقع من روايات في كتب التاريخ - عدا ما ذكرنا - فلا تلتفتوا إلى حرف منها فإنها كلها باطلة.
стр. 637
ويقول النووي ﵀: ( ... واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة- ﵃ ليست بداخله في هذا الوعيد (يعني قول ﷺ إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى الله، وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه اجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه).
ويورد شيخ الإسلام ابن تيمية رأي أهل السنة في هذه المسألة مستبعداً رأي أهل البدع من الخوارج والرافضة والمعتزلة الذين جعلوا القتال موجباً للكفر أو الفسق، فينقل أن أهل الحديث متفقون على عدالة القوم ثم يقول: (وأهل السنة والجماعة وأئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة، بل يمكن أن يقع الذنب منهم، والله يغفر لهم بالتوبة ويرفع بها درجاتهم،) ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٤﴾ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. إن الأنبياء هم المعصومون فقط، أما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا معصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما اجتهادهم فقد يصيبون فيه أو يخطئون، فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر واحد على اجتهادهم. وجمهور أهل العلم يفرقون بين الخوارج المارقين وبين أصحاب الجمل وصفين ممن يعد من البغاة المتأولين، وهذا مأثور عن الصحابة وعامة أهل الحديث والفقهاء والأئمة).
واعتبر ابن تيمية هذا البغي مجرداً، وأهله لا يكفرون باتفاق أئمة الدين، لأن القرآن نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي، وليس ما كان بغياً وظلماً وعدواناً يخرج عموم الناس من الإيمان ولا يوجب لعنتهم، فكيف يخرج ذلك من كان خير القرون!.
في مقام آخر يقول: (فمن جزم في واحد من الصحابة بأن له ذنباً يدخل به النار قطعاً فهو كاذب مفتر، فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلاً، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه! فمن تكلم فيما شجر بينهم، وقد نهى الله عنه من ذمهم أو التعصب لبعضهم بالباطل، فهو ظالم معتد .. ).
ويقول الحافظ الذهبي: (فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم لا يكاد يشاهد فيه إلا غالياً في الحب، مفرطاً في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟! فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا، فعذرنا، واستغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأ إن شاء الله مغفور، وقلنا كما علمنا الله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وترضينا أيضاً عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن سلمة، وسعيد بن زيد وخلق كثير، وتبرأنا من الخوارج الذين حاربوا علياً وكفروا الفريقين).
ويقول الحافظ ابن حجر: (واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً، وأن المصيب يؤجر أجرين).
стр. 638
وقد حمل أهل السنة الوعيد المذكور في الحديث: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار) على من قاتل بغير تأويل سائغ لمجرد طلب الملك وطلب الدنيا؛ فقد أخرج البزار في حديث: (القاتل والمقتول في النار) زيادة تبين المراد وهي: (إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار). ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ: (لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: (الهرج، القاتل والمقتول في النار).
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتمسك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
وفي الختام أقول: إن كتابة تاريخ الخلفاء الراشدين بصفة خاصة، وتاريخ الصحابة بصفة عامة - من زاوية الرصد الإسلامي - ضرورة لازمة للأمة الإسلامية، وليست نافلة يمكن الاستغناء عنها، ذلك أن عصر الراشدين هو بلا شك الفترة الذهبية في حقب التاريخ الإسلامي الممتدة في أغوار أربعة عشر قرناً من الزمان.
ولهذا كان لابد من العناية بدراسته الدراسة الصحيحة حتى يؤتي ثمرته المرجوة، ويحقق للأمة أملها المنشود، إذ منه تستخلص العبرة، وفيه تستهدى القدوة.
هذا وأرجو أن أكون قد وفقت في إزالة اللبس عن كثير من أحداث التاريخ في تلك الفترة العزيزة على نفس كل مسلم، وبذلك ينكشف الكثير مما دسّ على التاريخ بأقلام المغرضين، حيث كان التاريخ، والتاريخ الإسلامي بالذات هدفاً من الأهداف الرئيسية التي استهدفها المستشرقون وركزوا عليها.
وإني أرى لزاماً عليَّ أن أعلن شكري لله إذ وفقني إلى إبراز كثير من الحقائق، وإزاحة الشبهات عن شخصيات كادت تلك الشبهات تفقدهم مكانتهم من نفوس دارسي وقارئي التاريخ من غير المحققين المثبتين.
هذا ولا يسعني وقد أكرمني الله تعالى بتوفيقه من إتمام هذه الرسالة إلا أن أتوجه إليه سبحانه بالحمد على ما أنعم به عليّ، فله الحمد والمنة دائماً وأبداً.
ولا أزعم لنفسي العصمة من الزلل، ولا الكمال الذي لا يداخله خلل، فكما قال العماد الأصفهاني: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو الدليل على استيلاء النقص على جملة البشر). فسبحان من تفرد بالكمال، وتنزه عن النقص والنسيان.
وإنني وأنا أقدم هذا البحث لأرجو أن يكون قدر الإمكان وفيته حقه، وأتيت فيه بجديد، فإن أحسنت فمن الله ، وإن أسأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم.
وفي الختام أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي هذا حسناً، خالصاً لوجهه الكريم وموافقاً للحق، وأن ينفع به المسلمين، ويرجح حسناتي يوم الدين.
اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدماً تمشي إلى خدمتك، ولا يداً تكتب في سبيلك، فبعزتك وجلالك لا تدخلني النار، وأدخلني الجنة مع الأبرار، اللهم آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم تبييضه في مساء يوم السبت ٥ من شهر ذي الحجة ١٤٠٩هـ الموافق ٨ من شهر يوليه (تموز) ١٩٨٩م في مدينة جدة.
стр. 639
عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي في العهد السعودي
المؤلف/ المشرف: عبداللطيف بن عبدالله بن دهيش
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٩هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: مساجد
نتائج البحث:
بعون وفضل من الله تم الانتهاء من دراسة موضوع توسعة بيت الله الحرام، والمسجد النبوي الشريف وعمارتهما في كل من مكة المكرمة ومدينة رسول الله ﷺ في العهد السعودي الزاهر، مع التمهيد لذلك باستعراض شامل للتوسعات التي تمت في الحرمين الشريفين قبل العهد السعودي؛ للمقارنة والاستدلال على أن العمارة السعودية هي أعظم الإنجازات وأكبرها مساحة من حيث براعة التصميم، وروعة البناء، وحداثة المواد المستخدمة فيه، وكبر حجم المساحة، وتوفير الخدمات الحديثة كافة في المشروعين الإسلاميين العملاقين والمتمثلة في توفير الإنارة، والتكييف، واستخدام المصاعد الكهربائية، والقباب المتحركة، ومواقف السيارات المتعددة الأدوار، ونحو ذلك حسب متطلبات البناء الحديث للمساجد، وفي ضوء هذه الدراسة علينا أن نبين أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث:
فمن خلال هذا البحث لوحظ التباين الكبير بين العمارات والتوسعات السابقة للعهد السعودي وما تم في العهد السعودي الميمون من توسعات للحرمين الشريفين في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة.
فبالنسبة للزيادات في المسجد الحرام بمكة المكرمة فقد بلغت مساحة الحرم المكي بعد زيادة الخليفة عمر بن الخطاب – ﵁ (٣٦١٣ م٢)، ثم زادت إلى (٤٤٨٢ م٢) في عهد الخليفة عثمان بن عفان ﵁، ثم زادت حتى وصلت إلى (٧٤٦٩.٦٢ م٢) في عهد عبد الله بن الزبير، ثم وصلت الزيادة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى (١٠.٢٧٠ م٢)، ثم جاءت زيادة الخليفة أبي جعفر المنصور لتضيف مساحة جديدة للمسجد الحرام بمكة المكرمة، فوصلت الزيادة في عهده إلى (١٥.٤٩١م٢)، ثم وصلت المساحة في عهد الخليفة المهدي إلى (٢٨٠٠٣م٢)، ثم زادت مساحة المسجد الحرام في التوسعة السعودية الأولى حتى وصلت إلى (١٣١٠٤١م٢)، ثم أضيفت توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – حفظه الله – التي بلغت (٢٠٦.٠٠٠م٢) لتصبح مساحة المسجد الحرام بمكة المكرمة (٣٦٦١٦٨م٢)، وهكذا يتبين لنا مدى الزيادة العظيمة التي أضيفت إلى المسجد الحرام في عهد خادم الحرمين الشريفين، وأسلافه من آل سعود، كما أصبحت قدرة المسجد الحرام الاستيعابية من المصلين حوالي مليوني مصل في أوقات الذروة كالحج والأعياد والعشر الأخيرة من رمضان.
стр. 640
كما أن المسجد النبوي الشريف شهد عمارات وتوسعات عدة زادت من مساحته؛ ففي عهد الخليفة عمر بن الخطاب – ﵁ – بلغت مساحة المسجد النبوي الشريف (١١٠٠م٢)، ثم أضاف إليها الخليفة عثمان بن عفان –﵁ (٤٩٦م٢)، فأصبحت مساحته (١٥٩٦م٢)، ثم حدثت زيادة في عهد الخليفة علي بن أبي طالب ﵁، كما زاد الوليد بن عبد الملك مساحة المسجد النبوي فأضافت الزيادتان للمسجد النبوي مساحة كبيرة، فأصبحت مساحته (٢٣٦٩م٢)، وزاد الخليفة المهدي مساحة المسجد زيادة قليلة فأصبحت المساحة (٢٤٥٠م٢)، وعندما تولى السلطان قايتباي المملوكي زادت مساحة المسجد إلى (٢٥٧٠م٢) بعد عمارته الثانية، ثم زاد السلطان عبد المجيد العثماني مساحة المسجد لتصبح (٣٨٦٣م٢)، ثم جاءت التوسعة السعودية الأولى للمسجد فزادت مساحته زيادة كبيرة، إذ بلغت المساحة الكلية للمسجد النبوي الشريف (٥٨.٠٠٠م٢)، وجاءت التوسعة الكبرى لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد فزاد مساحة المسجد زيادة عظيمة لتصل مساحته إلى (٤٠٠.٠٠م٢) لتصل قدرته الاستيعابية إلى سبعمائة ألف مصل، وفي وقت الذروة إلى حوالي مليوني مصل، باستخدام الطرقات والممرات داخل المسجد النبوي الشريف، أو المحيطة به.
وتبين من خلال متابعة الأعمال التي أجريت في الحرمين الشريفين السابقة على التوسعات السعودية أنها كانت تتمثل في ثلاثة أنواع من العمارة يمكن إيجازها فيما يأتي:
أ) الترميم: وهو سرعة إصلاح ما أصابه الضرر من عمارة الحرمين الشريفين جزئيا في موضع دون الآخر، أو في مجموعة مواضع دون شمولها لكامل مساحة الحرمين الشريفين، ويأتي هذا وفق متطلبات ضرورة الترميم في تلك الفترة، فقد يكون هذا الترميم تطلبته الحاجة الملحة لمعالجة مواطن الخلل التي كانت تظهر في عمارة الحرمين الشريفين بين فترة وأخرى وعلى مر العصور، نتيجة لعوامل مناخية، كشدة الحرارة والأمطار، أو البرودة أو الرطوبة، أو لعوامل زمانية تتمثل في تقادم المبنى وتآكل مواد البناء فيه، أو حدوث حريق لجزء من مبنى المسجد مما يتطلب سرعة عمل الترميمات اللازمة، أو إعادة جزء من البناء؛ لإبقاء مباني الحرمين الشريفين على صورتها المعمارية الجيدة طلباً للأجر والثواب من الله.
ب) العمارة: إعادة بناء موقع الحرمين الشريفين على المساحة نفسها أو تعمير جزء جديد وترك جزء آخر، وتختلف هذه العمارة من عصر إلى عصر، ومن دولة إلى آخرى.
ج) التوسعة: وتتمثل في زيادة المساحة للحرمين الشريفين أو لأحدهما، وتكون هذه التوسعة –في الغالب- مقيدة بظروف المساكن المحيطة بالحرمين، وما يتطلبه ذلك من توفير المال الكافي لنزع ملكياتها، وكان ذلك في البداية مصدر صعوبة نتيجة للظروف السياسية والمالية التي كانت تمر بها البلاد قبل توحيد المملكة العربية السعودية، وبروز الدور السعودي في التوسعة والإعمار للحرمين الشريفين بعد توحيد المملكة، وبعد توفر المال الكافي لتحويل الآمال إلى حقيقة بارزة للعيان، ومفخرة لهذا العهد السعودي الزاهر عبر القرون والأزمان.
стр. 641
وعلى أي حال فإن المرء لا يستطيع أن ينكر الجهود السابقة لعمارة الحرمين الشريفين وتوسعتهما وترميمهما وهي التي جرت في العهود السابقة للعهد السعودي، لكونهما أماكن عبادة الله وحده من عباده المسلمين في جميع أنحاء المعمورة، ومن واجب الحكام المسلمين ممن يهمهم أمر المسلمين، وخاصة ممن كان الحرمان الشريفان تحت حكمهم وتحت تبعيتهم السياسية في تلك الأزمان أن يهبوا للعناية بهما وعمارتهما وتوفير الخدمات اللازمة لقاصديهما، وتأمين سبل الوصول إليهما، إلا أن الأحداث السياسية التي كانت تعصف بالمنطقة والبلاد الإسلامية بين فترة وأخرى كان لها دور كبير في تحديد قدرة أولئك الحكام أو الحكومات الذين كانت بيدهم مسؤولية العناية بالحرمين الشريفين، ومدى إمكاناتهم المادية في توفير الاحتياجات التي يتطلبها الحرمان الشريفان من العناية والترميم والعمارة، أو التوسعة وتوفير احتياجاتهما على مر العصور، ولعل كسوة الكعبة المشرفة خير دليل على هذا الأمر، ويمكننا تصور ما حدث بشأنها في عهد الملك عبد العزيز ﵀، وكيف ظهرت قدرته –﵀ في التغلب على هذا الموقف والاستفادة منه نحو الاتجاه الصحيح، وهو الاعتماد على الله أولاً ثم على الجهود والإمكانات المادية المتوافرة في المملكة وجلب المواد من خارجها، وذلك لصنع الكسوة محلياً دون الاعتماد على منة الآخرين.
وقد أدى تباين البناء في العمارة وتطوره إلى ظهور نماذج كثيرة من العمارة وفق الجهة التي كانت تقوم بالعمارة أو التوسعة في الحرمين الشريفين، وظهر ذلك في التوسعات التي شملت الحرمين بدءاً من العصر الأموي ومروراً بالعصر العباسي، ثم العصر المملوكي، ثم العصر العثماني، فكانت عملية البناء والتوسعة للحرمين الشريفين خلال تلك الفترات السابقة تمر بحركة بطيئة لم تكن بالمستوى المرجو منها، وربما يكون السبب في ذلك هو انتقال مركز الخلافة إلى المدن الواقعة خارج شبه الجزيرة العربية.
كما لوحظ أن العمارات والترميمات التي حدثت في العصور السابقة كانت –في الغالب- لضرورة قصوى نتيجة خلل، أو تصدعات شديدة حدثت في بناء أحد الحرمين الشريفين، أي أنه لم تكن هناك خطة مستمرة ومتناسقة يتم من خلالها متابعة أعمال البناء والتوسعات؛ ويرجع سبب ذلك –في رأينا- لاختلاف السلاطين وتباينهم آنذاك، ولبعد مركز الدولة الإسلامية بعد عهد الخلفاء الراشدين عن منطقة الحرمين الشريفين، إذ انتقل مركز الدولة الإسلامية إلى دمشق في العصر الأموي ثم إلى بغداد في العصر العباسي ثم إلى القاهرة في العصر المملوكي، وأخيراً إلى إسطنبول في العصر العثماني.
أما بعد أن من الله على هذه البلاد بقيام الملك عبد العزيز بتوحيد معظم مناطق شبه الجزيرة العربية في دولة واحدة، وإعلان قيام الدولة السعودية الرشيدة (المملكة العربية السعودية)، دولة عقيدتها الإسلام، ورايتها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فاستقرت مع قيامها وتوحيدها أحوال البلاد والعباد، وظهرت معالمها السياسية والحضارية والاقتصادية واضحة للعيان، ثم ما لبثت أن تبوأت هذه الدولة مركز القيادة في عالمها الإسلامي والعربي، وأصبحت مكة المكرمة العاصمة المقدسة للدولة.
стр. 642
وقد تبع ذلك من الفضل الكبير من الله أن ظهر البترول فأسهم في تحقيق نقلة اقتصادية رائعة، أثرت في الاقتصاد السعودي وجعلته قوياً قادراً على البناء والعطاء، وقد انعكس ذلك على قيام ملوك آل سعود بإعمار بيوت الله وفي مقدمتها بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وكذلك مسجد رسول الله ﷺ في المدينة المنورة، فتحقق بذلك الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي للوطن، والمواطن، والمقيم، والزائر، والحاج، والمعتمر، رغبة من الملك عبد العزيز ثم أولاده من بعده في عمل كل ما يرضي الله ، طلباً للأخر والثواب من الله، وخدمة للإسلام والمسلمين، وقد كان لمنطلق الغرس الإيماني الذي ورثه الملك
عبد العزيز لأبنائه الملك سعود والملك فيصل والملك خالد يرحمهم الله، ثم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رئيس الحرس الوطني، والنائب الثاني صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، حفظهم الله من كل مكروه، أكبر الأثر في قيام أبنائه البررة بمواصلة مسيرة البناء والتطور في هذه الدولة الرشيدة، وقد تمثل ذلك في الجوانب الآتية:
أ- لقد كانت البداية منذ توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز ﵀ الذي ما أن علم بوجود بعض الخلل في أجزاء من عمارة الحرمين الشريفين حتى سارع وأصدر أمره بمعالجة ما تعرض له الحرمان الشريفان من خلل نتيجة عوامل طبيعية عدة كالسيول والرطوبة، أو الأرضة وغيرها، وذلك بترميمهما وصيانتهما على أحسن وجه، على الرغم مما كانت تعانيه الدولة في بداية عهدها من ضائقات مالية كبيرة.
ب- مواجهة الزيادة الكبيرة في أعداد المصلين والزائرين والمعتمرين والحجاج للحرمين الشريفين التي جاءت بفضل الله ثم بفضل ما وفرته الدولة من الأمن والاستقرار اللذين أصبحت البلاد تنعم بهما في جميع أرجائها، نظراً للسياسة الرشيدة التي اتبعتها الدولة والمتمثلة في تحكيمها لكتاب الله والسنة النبوية المطهرة، فكانت نتيجة استقرار البلاد، وانتشار الأمن بها، أن ازدادت أعداد الحجاج والمعتمرين والزوار، ولذلك قامت الدولة بعمارة الحرمين الشريفين وتوسعتهما، حتى يتسعا للأعداد المتزايدة من ضيوف الرحمن فأقامت بناءين متكاملين للحرمين الشريفين يكشفان عن عظمتهما، فجاءت عمارتهما بتصميم جذاب، وقوة بناء بصورة معمارية ذات جمال خاص يؤدي إلى إحداث تناغم وانسجام وذوق رفيع بوصفهما أعظم منشأتين معماريتين إسلاميتين على وجه الأرض.
ج- لقد كان للعامل الاقتصادي الذي ظهرت بوادره منذ استخراج البترول، وتسويقه عالمياً أكبر عون بعد الله للدولة في أن تقوم بمثل هذه المشروعات المعمارية الجبارة التي تخدم الإسلام والمسلمين، وتسهل عليهم أداء الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج، ولذلك سعى قادة هذه البلاد إلى توظيف ثروة الدولة لخدمة الوطن والمواطن ورفاهيته، وكذلك توسعة الحرمين الشريفين وعمارتهما، والإنفاق عليهما بسخاء عظيم، وإقامة مشروعات تطويرية عملاقة، أسهمت في ازدهار المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكذلك مدن المملكة الأخرى. وهذا العمل أسهم في تحقيق أكبر نقلة اقتصادية، وعمرانية، وحضارية، عمت جميع أرجاء المملكة، وفي الوقت نفسه سعت الدولة إلى تخصيص جزء من أموالها لمساعدة الشعوب الفقيرة، أو المنكوبة، والعمل على خدمة القضايا الإسلامية بالعون المادي والمعنوي، خدمة للإسلام والمسلمين.
стр. 643
د- إبراز الجهود الجبارة التي تقوم بها حكومة المملكة العربية السعودية في سبيل تطوير البلاد، وإسعاد العباد، وأنها قادرة على العطاء المتواصل، وذلك حينما أتيح لقادتها الفرصة الكاملة لتوسعة الحرمين الشريفين وعمارتهما، وتطوير شامل لجميع المدن في جميع مناطق المملكة، خاصة عندما شرف الله القادة من آل سعود بخدمة الحرمين الشريفين ورعايتهما.
ونلحظ هنا أنه بدراستنا لتاريخ العمارة في الحرمين الشريفين – من خلال هذا البحث – أن الحرم المكي شهد عشر توسعات، وسبعاً وثلاثين عمارة، وذلك قبل العهد السعودي.
كما يلحظ أن العمارات والتوسعات السابقة هي عمارات قامت بهدف إبقاء عمارة الحرمين الشريفين بشكل يليق بقدسية هذين المسجدين العظيمين، ومكانتهما في قلب كل مسلم، وكانت تلك العمارات والتوسعات تتم حسب الإمكانات المادية، والظروف السياسية في المنطقة. وعلى الرغم من كل ما بذل من إمكانات، فإن تلك العمارات لم يكتب لها الاستمرار، نتيجة عوامل الزمان (العوامل المناخية) مما أدى إلى اختفائها، بحيث لا يلحظ لها أثر باق في الوقت الحاضر، غير بقايا من أروقة العمارة العثمانية في الحرم المكي، والجزء الأكبر من العمارة العثمانية في المسجد النبوي الشريف، وبعض الأثار المعمارية الأخرى.
ولعل التباين واضح في العمارة التي كانت قبل العهد السعودي، وتلك التي جاءت بعد العهد السعودي؛ فبالنسبة لمواد البناء: حدث تحول كبير في المواد المستخدمة في البناء، فبعد أن كان البناء في السابق يعتمد على المونة البلدي، والنورة، والأحجار المنحوتة من الجبال على أنها مادة أساسية في البناء، حدث تحول كبير في العهد السعودي في استخدام مواد البناء، إذ استخدمت بلوكات من الجرانيت، والأسمنت، والخرسانة، والتحديد في البناء المسلح، واستخدمت المواد الحديثة العازلة للصوت والحرارة، والرطوبة، والمكافحة للعثة (الأرضة)، والحرائق، بقدرة الله تعالى.
أما استخدام الأخشاب والزجاج فنجد أن الأخشاب المستخدمة في العمارات السابقة كانت تعتمد على استخدام جذوع النخل وجذوع الشجر في الأسقف، وكذلك بعض من الأخشاب المتوافرة آنذاك في صناعة الأبواب والنوافذ التي كانت محدودة الشكل والطراز، ثم تطور الأمر في العمارة السعودية إلى استخدام أخشاب شجر الأرز وأخشاب شجر الأرو وغيرهما من أنواع الأخشاب الجيدة التي تم جلبها من جميع أنحاء العالم، وخاصة من المغرب، وكينيا، وكوريا، ومصر التي صنعت منها الأبواب, والنوافذ, والشبابيك في عمارة الحرمين الشريفين، إذ إن أعدادها ووظائفها زاد عشرات المرات عن الماضي، قياساً على مساحات التوسعة العملاقة في الحرمين الشريفين، كما استخدمت أنواع حديثة من الزجاج الشفاف والملون في النوافذ والشبابيك الموجودة في عمارة الحرمين الشريفين في العهد السعودي.
стр. 644
وكان بناء الأسقف في الماضي يعتمد على جريد النخل المكسي بالنورة والطين، ثم ظهرت القباب، وتطور بناؤها في العصور المتأخرة حتى إننا نجد أن معظم قباب المسجد النبوي الشريف مكسية في أعلاها بطبقة من الرصاص، وهذه القباب لا تتحمل إقامة أدوار أخرى عليها، كما أنه لا يمكن الاستفادة من سقفها للصلاة عليه. أما في العمارة السعودية، وحسب مقتضيات العصر الحديث، فقد استخدم في بناء الأسقف في عمارة الحرمين الشريفين المواد المسلحة التي يعتمد على الأسمنت والرمل والخرسانة والحديد؛ لشدة تحملها للأعداد الهائلة من المصلين على أسطحها، وكذلك القدرة على البناء فوقها لأدوار عدة، وقد أقيمت هذه الأسقف على أعمدة وقواعد وأوتاد خراسانية داخلة بأعماق بعيدة في باطن الأرض، واستخدم فيها الحديد والأسمنت لزيادة قوة تحملها، وتم تلبيسها بالرخام الجيد لإعطائها قوة ورونقاً وجمالاً.
أما من حجم البناء فقد حدث تطور مذهل في عمارة الحرمين الشريفين في العهد السعودي، فزاد البناء من دور واحد في الحرم المكي الشريف ومساحته حوالي (٢٨.٠٠٠م٢) قبل التوسعة السعودية، إلى أقبية (بدرومات) وثلاثة أدوار مساحتها حوالي (٤٠٠) ألف متر مربع، وهذه المساحة رفعت سعة المسجد الاستيعابية من المصلين في أوقات الذروة إلى أكثر من مليون مصل.
وكذلك حدث في المسجد النبوي الشريف؛ إذ تحول البناء من دور واحد ومساحة لا تزيد عن أربعة آلاف متر مربع، إلى مساحة (٤٠٠.٢٠٠م٢)، تستوعب أكثر من مليوني مصل، وأصبحت العمارة السعودية تحتوي على أقبية تحت مساحة المسجد تستوعب كافة الخدمات المساعدة، ثم الدور الأرضي الرئيس، والأسطح، وقد صمم المبنى ليتحمل دوراً ثانياً في المستقبل.
أما فيما يختص بالأرضيات والأسطح فقد كانت الأرضية في معظم ساحات الحرمين الشريفين في السابق تغطيها أنواع مخصوصة من الرمل والحصى الصغير، مما ترتب على ذلك إثارة الغبار والأتربة، وخاصة عند سقوط الأمطار. أما في العمارة السعودية فقد تم تكسية جميع أرضيات ساحات الحرمين الشريفين وأروقتهما بنوع خاص من الرخام الأبيض المزخرف بأحزمة من الرخام الجرانيت الملون، كما غطي صحن المطاف بنوع من الجرانيت الأبيض الذي تم جلبه من اليونان بعد ثبوت قوة امتصاصه للحرارة وجودته، وبرودته في أثناء الظهيرة؛ لعدم تأثره بحرارة الشمس، وذلك حتى يشعر الطائفون حول البيت بالراحة عند طوافهم على رخام بارد لا يمتص الحرارة.
كما كسيت أسطح الحرمين الشريفين بالرخام الأبيض لمنع تسرب المياه إلى الأدوار السفلية، مما جعلها تحافظ على سلامة أعمال الزخرفة في الأسقف، بعد أن تم عمل مجرى خاص لتصريف مياه السيول من الأسطح والساحات إلى نفق السيول العام الذي يقوم بتصريف مياه السيول والأمطار إلى خارج المدينة.
وبالنسبة لأعمال الزخرفة فقد تحولت من النواحي التقليدية في العصور السابقة إلى أعمال هندسية تستقي جمالها من التراث الإسلامي، وبتقسيماتها النباتية والهندسية التي تعتمد على المساحات والألوان المتناسقة الرائعة، مما تحقق معه تناغماً وانسجاماً في أعمال الزخرفة المستخدمة في الأسقف والقباب وتيجان الأعمدة المصنوعة في قوالب خاصة، مما يظهر بجلاء التناغم والجودة في استخدام أعمال الزخرفة، جنباً إلى جنب مع أعمال الخط العربي المتمثل في كتابة الآيات القرآنية على الواجهات الداخلية والخارجية، وأسقف الحرمين الشريفين، والمداخل الرئيسة، وخاصة في التوسعة الكبرى لخادم الحرمين الشريفين.
стр. 645
أما فيما يتعلق بأعمال الكهرباء فقد شهدت عمارة الحرمين الشريفين في العهد السعودي تطوراً هائلاً في أعمال الإنارة التي كانت تعتمد في السابق على مصابيح تضاء بالزيت أو بالشموع إلى المصابيح الكهربائية التي تعتمد على ماكينات الإضاءة الصغيرة التي تدار بالسولار، إلى محطات كهربائية عملاقة ترتبط بالشبكة الرئيسة لشركة كهرباء المنطقة الغربية، واستخدام أنواع خاصة من المصابيح والثريات، صممت بمواصفات خاصة للحرمين الشريفين تنخفض فيها الحرارة، وتزيد في الإضاءة لتحويل الليل إلى نهار، مع تركيب ثريات خاصة مختلفة الأحجام موزعة بطريقة فنية في جميع جوانب الحرمين الشريفين، تنسجم أشكالها مع التراث الإسلامي، بل وصل الأمر إلى استخدام أحدث تقنية للإضاءة من أجل إبراز جمال الحرمين الشريفين ليلاً، بوضع كشافات عالية الإضاءة في المآذن تتجه إضاءتها إلى عنان السماء، يمكن بواسطتها سرعة الاستدلال على المكان من مسافات بعيدة.
كما أسهمت الكهرباء في مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد –حفظه الله- في توفير التبريد الكافي للحرمين الشريفين؛ ففي الحرم النبوي الشريف تم تركيب أحدث محطتي تبريد وأكبرهما في العالم، أقيمتا خصيصاً لهذا الغرض خارج نطاق التوسعة، ينتقل منها الماء البارد بواسطة أنابيب كبيرة من محطة التبريد لتصل إلى محطات عليها توربينات هوائية تدفع الهواء البارد إلى الأروقة، من خلال تقنية حديثة تعتمد على خروج الهواء من قواعد الأعمدة، كما تم تكييف توسعة خادم الحرمين الشريفين بالحرم المكي بالطريقة نفسها، وبمحطات تبريد ضخمة تم تركيبها في مناطق حول الحرم المكي الشريف.
أما عن أبواب المسجد الحرام في مكة المكرمة فقد كان عددها تسعة عشر باباً في عهد الخليفة المهدي، ثم أضيف إليها من خلال التوسعات التالية سبعة أبواب ليصبح مجموعها ستة وعشرين باباً، وفي التوسعة السعودية بمختلف مراحلها أضيف إلى أبواب المسجد الحرام ستون باباً، ليصبح عدد أبواب المسجد ستة وثمانين باباً، كلها ذات تصميم موحد، ومصنوعة من الخشب الممتاز, ومحلاة بالزخارف والأحزمة والمقابض النحاسية المطلية بماء الذهب.
وبالنظر لأبواب المسجد النبوي الشريف فقد كان عددها أربعة أبواب، ثم زيد عليها باب واحد في العمارة المجيدية. وفي التوسعة السعودية الأولى أصبحت عشرة أبواب، وفي عام ١٤٠٨هـ فتح باب البقيع مقابلاً لمقبرة البقيع ليصبح عدد الأبواب أحد عشر باباً، وقد زاد عددها في توسعة خادم الحرمين الشريفين للمسجد النبوي الشريف إلى واحد وأربعين مدخلاً، و (٨٥) باباً، وتحتوي الأبواب الجديدة في توسعة خادم الحرمين الشريفين على مداخل عدة واسعة صممت بشكل رائع وجميل، واستخدمت في صنعها أفضل أنواع الخشب المحلي بالزخارف والأحزمة والمقابض النحاسية المطلية بماء الذهب.
ومن أروع المشاهد في عمارة الحرمين الشريفين تلك المآذن التي تم تصميمها بشكل جذاب وبعلو شاهق، وكان عددها قبل التوسعات السعودية في الحرم المكي الشريف ست مآذن، ولكنها زيدت ثلاث مآذن أخرى، فأصبح عددها في توسعة خادم الحرمين الشريفين تسع مآذن؛ ثمان منها على المداخل الأربعة الرئيسة اثنتان على كل مدخل، أما المئذنة التاسعة فجاءت في أعلى الصفا؛ لتوحي ببدء عملية السعي، وهذه المآذن التسع كلها جديدة وذات تصميم واحد، وعلو كل واحدة منها (٩٦) متراً، وفي أعلى كل واحدة منها هلال مصنوع من البرونز الفاخر المطلي بالذهب، بارتفاع ستة أمتار وأربعين سنتيمتراً؛ ليعلن انتهاء ارتفاع المئذنة، ويضيف عليها اللمسة الأخيرة في زينتها وروعة بنائها.
стр. 646
أما المآذن في المسجد النبوي الشريف، فأول من بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، إذ أنشأ مئذنة للمسجد النبوي الشريف، ثم أضاف إليها الخليفة العباسي المهدي ثلاث مآذن، ثم جاء الخليفة المعتضد فأنشأ المئذنة الخامسة. وأمر السلطان سليمان المشرع العثماني ببناء مئذنتين، ليصبح عدد المآذن في المسجد النبوي الشريف سبع مآذن، وهذه المآذن كان ينالها التجديد من عام إلى آخر.
أما في العهد السعودي فقد زاد عدد المآذن في المسجد النبوي إلى عشر مآذن؛ منها أربع من العمارات السابقة، اثنتان منها في العمارة العثمانية، واثنتان تم بناؤهما في التوسعة السعودية الأولى، وست مآذن تم بناؤها في توسعة خادم الحرمين الشريفين، وهذه المآذن الست الجديدة كلها مآذن ذات طابع وتصميم واحد، وبارتفاع (٩٩) متراً؛ يضاف إلى ذلك الهلال البرونزي المطلي بالذهب، بارتفاع خمسة أمتار، ليصبح ارتفاعها (١٠٤) أمتار، تعتمد على قواعد قوية، مثبتة على أوتاد من الخرسانة والحديد القوي، بأعماق تصل إلى أكثر من ثلاثين متراً في باطن الأرض، وهذه المآذن تزيد على ارتفاع المآذن في العمارات السعودية الأولى بزيادة (٣٢) متراً.
وقد بينت الدراسة –أيضاً- أن المسعى في الحرم المكي كانت تحيط به المنازل والمتاجر من الجانبين، وكان سوقاً تجارياً يعج بالحركة التجارية، جزء كبير من أرضه مغطى بالأتربة، مما عرقل حركة الساعين بين الصفا والمروة، وقلل من قدسية المكان وروحانيته، وخاصة أن بعض المدخنين لا يراعون هذه القدسية للمكان، كما أن الدواب كانت هي الوسيلة الوحيدة قبل وصول السيارات لنقل البضائع، وكانت تمر بالمسعى فتؤذي الساعين بإثارتها للغبار والروائح الكريهة، وعند وصول السيارات أصبحت هذه السيارات تجوب المسعى طولاً، كما أنها تقطع حركة الساعين عند مرورها بعرض المسعى بالقرب من الصفا. وهذا الأمر أزعج الملك عبد العزيز –﵀ وجعله يعمل على إعطاء هذا المكان قدسيته وروحانيته، فأمر –﵀ بإقامة مظلة جديدة عليه؛ لتحمي الساعين من حرارة الشمس، كما أنه أمر برصفه لمنع إثارة الأتربة والغبار، وما تحدثه تلك الدواب والسيارات من إيذاء للساعين، وكان يفكر جدياً في إدخال المسعى ضمن مباني المسجد الحرام بمكة.
وبعد وفاته – ﵀ – سارع أبناؤه البررة إلى تحقيق رغبة والدهم، وقد تم في التوسعة السعودية إدخال المسعى ضمن مبنى المسجد الحرام، وجعل من دورين وأسطح بطول مساحة المسعى وعرضه، كما تم فصل حركة الساعين عن العربات التي تحمل كبار السن بممر وضع في وسط المسعى في الطابق الأرضي منه، وذلك لتسهيل حركة الساعين في ذهابهم وإيابهم، وتم تحديد مناطق الهرولة بإضاءة وضعت على الأعمدة في الجانبين باللون الأخضر، ولتجنيب الساعين من تقاطعهم بحركة الداخلين والخارجين من المسعى، فإنه تم إقامة جسور معلقة فوق بعض المداخل بعرض عدة أمتار لنقل حركة الدخول والخروج من المسجد الحرام عبر المسعى، دون أن يكون هنالك أي عرقلة لحركة الساعين بين الصفا والمروة، وخاصة في أوقات الذروة، وهذه من الأعمال الجليلة التي تسطر بأحرف من نور للحكومة السعودية وحكامها.
وبالنسبة للكعبة الشريفة فإن الدراسة بينت أنها بنيت أحد عشر بناء، كما ذكر ذلك كثير من المؤرخين، إلا أن الثابت أن بناءها بالمعنى الكامل تم أربع مرات، هي:
١ - بناء الخليل إبراهيم ﵇: وهو ثابت في القرآن الكريم.
٢ - بناء قريش: وهو ثابت بالحديث الصحيح.
٣ - بناء عبد الله بن الزبير: بعدما أصابها المنجنيق، واحترق جزء كبير منها، فسارع إلى عمارتها بالكامل من جديد، وأخرج منها حجر إسماعيل.
стр. 647
٤ - بناء الحجاج بن يوسف الثقفي: وهو ما اتفق عليه المفسرون والمؤرخون، ولعل العدد إحدى عشرة عمارة للكعبة المشرفة قد شملت أعمال الإصلاح والتجديد والتعمير.
أما في العهد السعودي فقد شهدت الكعبة تطوراً هائلاً في صيانتها وعمارتها، إذ تم تجديد سقفها مرتين، كما تم كسوة جدرانها الداخلية، وأرضها، وسقفها بالرخام الممتاز، وتجديد بابها وصنعه من الذهب الخالص، وكذلك الباب المؤدي إلى سطح الكعبة، واستبدال الميزاب بميزاب جديد مصنوع من الذهب، ثم تجديد عتبات السلم، والجدار الداخلي للكعبة المشرفة، وعمل سلم متحرك لدخول الكعبة المشرفة عليه أجهزة تكييف لتلطيف الجو بداخلها عند فتحها بواسطة فتحات كبيرة في أعلى السلم يندفع منها الهواء البارد من مكيفات هواء وضعت في أسفل السلم، ويتم إيصال الكهرباء لها عن طريق وصلات كهربائية موجودة في صحن المطاف. ولعل الترميمات وإصلاح سقفي الكعبة وجدرانها وأرضها التي تمت في الكعبة المشرفة عام ١٤١٧هـ في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز من الإصلاحات الشاملة للكعبة. وقد صدر في ذلك كتاب خاص بعنوان (الكعبة المشرفة) لعبيد الله محمد أمين كردي، من إصدارات مجموعة ابن لادن السعودية لعام ١٤١٩هـ، وبين فيه تفصيلات وافية عن الإصلاحات التي تمت في الكعبة المشرفة في عهد خادم الحرمين الشريفين.
وقد بينت الدراسة تباين ألوان كسوة الكعبة المشرفة وجودتها حسب الإمكانات المادية، وحسب جودة الصناعة في تلك الفترة، كما تعددت الجهات التي كانت ترسل الكسوة للكعبة المشرفة من عصر إلى آخر، حسب تبعية حكم الحجاز لتلك الدولة وقوة نفوذها، حتى إنه لوحظ توقف وصول الكسوة، أو عدم وصولها في موعدها المحدد في العصور الماضية، لظروف اقتصادية، أو سياسية، أو لكليهما. ولكن في العهد السعودي تم إنشاء مصنع خاص لصنع كسوة الكعبة الشريفة بالمملكة، وذلك لمنع المزايدات والمساومات التي كانت تثار بين الحين والآخر حول تأمين الكسوة السنوية للكعبة، وما كان يرافق ذلك من محامل وطبول وأهازيج لا تمت للحج بصلة، وقد تم تزويد المصنع الجديد بأحدث الآلات والأنوال والنسيج من الحرير والقصب، وأدوات الصباغة، وكانت عملية التطوير مستمرة في المصنع، كما مر بنا في هذا البحث. ونتيجة للجهود السعودية المثمرة، والبذل السخي من ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية أصبحت الكعبة ترتدي كل عام كسوتها المصنوعة من أفضل أنواع الأقمشة الحريرية، فيشاهدها الجميع وهي تلبس أبهى حللها في موعدها المحدد، وذلك بفضل الله ، ثم بفضل جهود أولي الأمر في مملكتنا الحبيبة؛ علاوة على ذلك فإن الملك عبد العزيز وأبناءه البررة من بعده قاموا بتنظيم شؤون الحرمين، وتخصيص الأموال الكبيرة للقائمين عليهما من الموظفين والمدرسين والوعاظ والفنيين، كل ذلك تدفعه الدولة دون تردد، ودون أي منة خدمة للإسلام والمسلمين، وطلباً للأجر والثواب من الله.
стр. 648
وفي هذه الدراسة يتضح أن مقام إبراهيم ﵊ والمطاف وما حولهما، شهدا تطوراً معمارياً رفيعاً بعد أن كان مقام إبراهيم يحيط به بناء ضخم يعيق حركة الطائفين حول الكعبة المشرفة، وبعد استشارة العلماء من مختلف بلدان العالم الإسلامي الذين حضروا اجتماعاً خاصاً في رابطة العالم الإسلامي، تمت إزالة المباني المحيطة بالمقام، ووضعه في مقصورة نحاسية غاية في الروعة والجمال، ومغلفة بالزجاج البلوري الفاخر، مما يمكن لأي شخص مشاهدة المقام من خلال هذا الزجاج الشفاف، وبمساحة لا تزيد على (١٨٠ × ١٣٠ سم)، وارتفاع حوالي (٧٥سم) فوق القاعدة الرخامية التي يزيد ارتفاعها على متر وعشرين سنتيمتراً، وقد زاد هذا العمل من سعة المطاف، وانتهت بذلك مشكلة الزحام الشديد الذي كان يحدث عند مقام إبراهيم ﵇، ويعيق حركة الطائفين، وأصبح قطر المطاف يشمل كامل مساحة الصحن حتى الأروقة، بمساحة تزيد على (٨٥) متراً من ناحية المقام مما سهل الحركة في صحن المطاف، وجعل جموع الطائفين تؤدي طوافها بسهولة ويسر.
وفيما يخص السقيا في الحرمين الشريفين فقد تحولت خدمة المياه في بئر زمزم من استخدام السقاة, والدلو, والمبنى الكبير الذي يتوسط صحن المطاف في العصور السابقة المقام حول البئر، إلى تصميم مبنى جديد رائع التخطيط وضع تحت الجزء الشرقي من صحن المطاف، فتمت الاستفادة من منطقة سقيا زمزم من مدخلين؛ أحدهما للرجال، والآخر للنساء. وقد نظمت المنطقة السفلية، وكيفت، ووضع فيها مجموعة كبيرة من صنابير الماء، وأصبح الماء يأتي لهذه الصنابير مبرداً بعد مروره بأشعة ضوئية خاصة لتعقيمه، كما عملت مضخات لسحب مياه البئر ورفعها إلى أعلى مع متابعة تطهير البئر باستمرار، وقد أنشئ خط لتوصيل ماء زمزم إلى موقف سيارات كدي؛ لتوفير المياه لكل من يريد أن يتزود بماء زمزم. كما وضعت أماكن متعددة في المسعى، وداخل المسجد وحوله لشرب ماء زمزم لمن يريد، وأعدت ناقلات كبيرة لنقل ماء زمزم يومياً من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة طوال العام، وتوزيعه للزوار والمصلين في المسجد النبوي الشريف، بوضعه في حافظات بلاستيكية أمام المصلين وحولها كاسات من البلاستيك.
وفي الوقت نفسه تم استبدال الأواني الفخارية التي كانت توضع أمام المصلين في الأروقة والساحات طوال العام، وتزداد أعدادها في أيام رمضان والحج، وكانت تلك الأواني الفخارية كثيراً ما يتعرض بعضها للكسر دون قصد بين فترة وأخرى، مما يؤدي إلى إراقة الماء على أرضيات الساحات والأروقة وعلى السجاد المنتشر في الحرمين الشريفين، فيسبب إزعاجاً كبيراً للمصلين، ولهذا تم في العهد السعودي تأمين أوعية بلاستيكية توضع بها المياه المبردة وحولها أماكن للكاسات البلاستيكية النظيفة وأخرى للمستعملة، وتوزيعها أمام المصلين داخل الحرمين الشريفين، وخارجهما في الساحات المحيطة، مما أدى إلى وفرة ماء زمزم المبارك، وسهولة الحصول عليه مبرداً.
стр. 649
وشهد المسجد النبوي الشريف تطوراً هائلاً في أعمال البناء وتقنيته، وظهرت روعتها في التوسعة التي أضافت القباب المتحركة آلياً التي تغطي (٢٧) فناء، طول ضلع كل منهما (١٨ × ١٨م)، وهي تقنية حديثة استخدمت لأول مرة في المسجد النبوي الشريف، فأضفت خصوصية جديدة للاستفادة من الهواء والإضاءة الطبيعية، وخاصة في الفصول المعتدلة، كما تم تكييف المسجد النبوي الشريف بوحدات التكييف بالماء البارد لتلطيف الجو بالهواء البارد لتلطيف الجو بالهواء البارد داخل المسجد النبوي الذي يأتي بواسطة تقنية عالية الجودة والتكاليف، جعلت من قواعد الأعمدة في الدور الأرضي الرئيس فتحات يخرج منها الهوءا البارد، القادم من محطات التبريد عبر أنابيب خاصة، وبأطوال كبيرة. كما أنه أحدث نفق للخدمات يصل بين الأقبية وموقع محطات التبريد الواقعة بجوار مدينة الحجاج بطول سبعة كيلو مترات، وعرض (٦.١٠م)، وارتفاع (٤.١٠م) لتوصل الماء البارد من محطة التبريد إلى المسجد، ثم يتم تسليط الهواء عليه بواسطة تربينات خاصة لتبريد الهواء ونقله إلى كافة أرجاء المسجد لتبريدة من خلال قواعد الأعمدة. كما تم بناء محطة مولدات احتياطية بطاقة (١٢٥.٠٠٠) كيلو وات لخدمة المسجد النبوي الشريف، وقد سبق الحديث عن ذلك في هذا البحث بالتفصيل.
ولقد حققت توسعة الحرمين الشريفين تطوراً كبيراً في المنطقة المركزية المحيطة بالحرمين الشريفين في المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة بنظرة واقعية وتطلعات مستقبلية، بدأت بإحاطة الحرمين الشريفين بساحات واسعة لتسهيل حركة المصلين, تتفرع منها شوارع فسيحة تطل عليها مباني مجمعات سكينة, وتجارية, وفندقية، أقيمت بمواصفات عالمية، تقوم بتقديم أفضل خدمات السكن, والطعام, والشراب, والتسوق للحجاج والمعتمرين والزوار، بمستوى متطور يفوق الوصف. وقد تميزت هذه المباني بتوفر الخدمات اللازمة بها، مع المحافظة على العنصر الجمالي والتهوية الجيدة، وتوافر كافة وسائل السلامة، والاتصال السلكي واللاسلكي، مما جعل القدرة الاستيعابية لتلك المساكن والفنادق تتضاعف إلى عشرات الأضعاف، فضلاً عن الارتقاء العظيم في مجال الخدمات العامة التي يتمتع بها سكان هذه المجمعات السكنية من الحجاج والمعتمرين والزوار والمواطنين، وهذا بالطبع انعكس على ظهور تطور كبير في مناطق متعددة في المدينتين المقدستين بعد أن أعيد تخطيطهما على أحداث طراز. كما أن المباني التي تم هدمها لصالح مشروعات التوسعة دفع أهلها إلى شراء مساكن حديثة بديلة في أحياء جديدة، فامتدت الرقعة العمرانية والسكانية في المدينتين المقدستين إلى نطاق واسع، خاصة بعد توافر وسائل النقل الحديثة في المدينتين المقدستين، وفي غيرهما عن مناطق المملكة.
إن هذه الإنجازات العظيمة التي حققتها حكومة المملكة العربية السعودية في هذه البقاع المقدسة جعلت كل مسلم عمر الله قلبه بالإيمان والتقوى يشعر بالسعادة والراحة التامة والأمن والطمأنينة والرضا حينما يرى هذه الإنجازات العملاقة التي تحققت في الحرمين الشريفين، فيلهج لسانه بالدعاء, والتوفيق, والعز, والتمكين لحكام هذه البلاد من آل سعود الأفذاذ الذين نذروا أنفسهم، وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل خدمة قاصدي الحرمين الشريفين، وتعميرهما والعناية بهما، حتى صار ذلك مصدر فخر لكل مسلم.
بارك الله لولاة الأمر في حكومتنا الرشيدة، وأجزل لهم الثواب والأجر العظيم منذ عهد الباني المؤسس لهذا الكيان العظيم الملك عبد العزيز آل سعود، وامتداداً لعهد أبنائه الملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد ﵏، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني، وسمو النائب الثاني صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، وجميع الأمراء من آل سعود، حفظهم الله وأيدهم بعزه ونصره، وجعل الله هذه الأعمال الجليلة في موازين حسناتهم.
стр. 650
قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين التحالف الصليبي الماسوني الاستعماري وضرب الاتجاه الإسلامي
المؤلف/ المشرف: زكريا سليمان بيومي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: عالم المعرفة - جدة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١١هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة العثمانية
الخاتمة
قد يبدو لقارئ هذا البحث لأول وهلةٍ أنه محاولة للعودة لتجسيد الصراع بين الشرق والغرب في قالبٍ ديني، كما أنه قد يوحي بمدى كره الشرق الإسلامي للغرب المسيحي، ومع أنني لا أبرئ الاتجاه العام فيه من تضمنه لهذا الإحساس إلا أنه لم يكن هدفنا لبحث تاريخي حاولت خلاله الالتزام بالموضوعية والحيدة قدر الإمكان، ولا يعدو في مجمله أن يكون محاولةً لتصحيح النظرة لفترة تاريخية هي من أهم فترات التاريخ الإسلامي الحديث وتخليصها من الشوائب المغربة التي خلقتها الاتجاهات والتوجهات المغرضة أيضاً والتي خرجت في مجموعها لذلك عن الموضوعية التامة، وبالتالي فهو تصوير حقيقي لاتجاهات الشعوب وعدم قصر ذلك على التصوير من منظور فئة من الحكام سطا أغلبها على الحكم ومن تبعهم من مؤرّخي الصفوة وكتبة التاريخ.
والذي يطلع بإمعان في أركان الشريعة الإسلامية ومدى تطبيقها على مسيرة التاريخ الإسلامي يستطيع أن يُدرك إلى أي حدٍّ نعمت الأقليات الدينية في العالم الإسلامي بالحرية والطمأنينة بشكلٍ سمح لها بأن تلعب دوراً هاماً برغم قلته على الساحة الإسلامية، فقد استمر التقارب بين المسلمين والنصارى الأرثوذكس في الشرق عامةً وفي اليونان بصفةٍ خاصةٍ، في حين نظر الشرقي المسلم نظرة ريبة وعداء للنصارى الكاثوليك في أوروبا، وما كان ذلك إلا للدور العدائي الذي لعبته الدول المسيحية الغربية تجاه المسلمين منذ الحروب الصليبية وعبر مراحل التاريخ الإسلامي حتى التاريخ الحديث والمعاصر، ولم تتبدل نظرة المودة بين المسلمين والأقليات المسيحية في العالم الإسلامي عبر مراحل التاريخ إلا في أعقاب نجاح الغرب المسيحي في إثارتهم ضد المجتمع الإسلامي الذي يعيشون فيه منذ أواخر القرن الثامن عشر وعبر القرنين التاسع عشر والعشرين سواء من خلال دورهم السياسي الذي بدا في دور بعض نصارى لبنان أو نصارى مصر الذي انصاعوا لذلك وتحالفوا مع أعداء المسلمين من مسيحي الغرب منذ دور المعلم يعقوب في مصر في مطلع القرن التاسع عشر وما تلاها من أحداث عرفت باسم الصراعات الطائفية ما زالت آثارها ممتدةً حتى الآن، وكذلك مسيحيو اليونان الذين قاموا بدور تعصبي ضد العناصر الإسلامية في أعقاب الحرب العالمية الأولى لم يكن يوازي حجم التسامح الذي نعموا به طوال وجودهم تحت الحكم الإسلامي.
كما نعم اليهود في الشرق الإسلامي ولفترة تاريخية طويلةً بالهدوء والاستقرار وهو ما لم يجدوه على الساحة الأوروبية منذ العصور الوسطى وحتى التاريخ المعاصر، ولم يغير المسلمون من موقفهم تجاه اليهود إلا في أعقاب ظهور أطماعهم السياسية العدائية تجاه العرب والمسلمين التي عبَّرت عنها المحافل الماسونية ثم الحركة الصهيونية والتي ما زالت تقوم بدورها العدائي حتى الآن، برغم ادِّعائها مساندة الحركات الثورية والتحررية، كما لا يخفى دورها في توجيه حركة الكتابة التاريخية التي أسهمت –وما زالت تسهم- في توسيع شقة الخلاف بين الشرق والغرب، وبين الأغلبية والأقلية، بقصد التهيئة لمواصلة تحقيق أهدافها بغض النظر عن نتائجها على علاقات ومصالح الشعوب.
стр. 651
وعلى أبناء الشعوب الغربية أن يعلموا أننا نحن المسلمين دعاة ولسنا محاربين، وإذا كان تاريخنا قد وصلهم مشوهاً بفعل قلة من الكتّاب أرادت أو سخرت لخدمة أغراض سياسية واقتصادية، أو دفعت بعصبية العداء الديني، فتاريخنا ليس به ما يحمل على عمق العداء الذي يواصله الغرب تجاهنا، لقد ذهبنا إلى الأندلس دعاة قيم، وحاربت جيوشنا القوط البرابرة الذين أسقطوا الإمبراطورية الرومانية المقدسة واتسم تاريخهم بهدم المضيء من حضارة الإنسان، وانضمت إلى جيوش المسلمين في الأندلس جموعٌ من المسيحيين انتصاراً للقيم وأملاً في الخلاص من هؤلاء البرابرة، ونعمت هذه الجموع بسماحة ديننا فارتضوه لزمن طويلٍ لولا نعرة الحقد والعداء التي عادت فأثيرت، وقد خلفنا وراءنا تراثاً أسهم في بناء الحضارة الأوروبية الحديثة وبشكلٍ لا تقوى على إنكاره أقلام المشوهين المغرضين، ولا أدل على ذلك من الكسب الذي تحققه أسبانيا في مجال السياحة على حساب هذه الآثار التي تشهد على أننا نحن المسلمين نبني ونعمر ونتسامح ولا نكره أو نقتل أو ندمر.
أما العثمانيون فهم قبائل آسيوية من نفس جذور القبائل الأوروبية، هداها الله إلى ديننا فتغيرت رسالتهم وتميز دورهم فسعوا إلى نشر القيم الإنسانية والدفاع عنها، وارتضيناهم حكاماً وفي هذا دليل سماحتنا وحرصنا على القيم لا على التعصُّب، وحين تحولوا عن قيمنا أسقطنا من تحول منهم من حسابنا.
وبشكلٍ عام فإنه مما لا شك فيه أن الغرب الأوروبي بغطرسته الحضارية واتجاهاته العدوانية التي سار فيها شوطاً بعيداً في تعامله مع الشرق الإسلامي يُعد مسئولاً مسؤوليةً مباشرةً عن تحول نظرة الشرقي المسلم من الإعجاب بإنجازاته الحضارية والاتجاه إلى الأخذ منها والتي بدت منذ بداية القرن التاسع عشر إلى نظرة حقد وكره مشوبةٌ بعدم الإعجاب أو الاحترام التي ينظر بها الشرقي الآن للعالم الغربي بأسره، ولعل ذلك يرجع كذلك إلى استهانة الغربي بالرَّصيد الحضاري الإسلامي وإنكاره الانتفاع به في حضارته، والذي يكشف مدى كرهه وإنكاره للإسلام كدين ويبدو في تعامله مع المسلمين وهو أمرٌ لم يكن له مثيلٌ في الرَّصيد الإسلامي التشريعي أو التاريخي في موقف المسلمين تجاه الديانات الأخرى مسيحيةً كانت أم يهودية، وأن على الغرب ضرورة تغيير منهجه وموقفه تجاه الشرق الإسلامي إذا كان يريد تقارباً وقبولاً، ولا ينبغي أن تخدعه حضارته الحالية في أن تصور له عدم الاحتياج، وهو ما يتسم به دوره الحالي، إلى ذلك التقارب حتى لا يضيف رصيداً جديداً إلى الرصيد العدائي التاريخي بين الشرق والغرب.
وكذلك فإن على المفكرين في الشرق الإسلامي، وعلى ضوء ذلك البحث، إدراك حقيقة هامة وهي أن شعوب هذه المنطقة من العالم قد اعتادت أن تعطي ثقتها وولاءها لحكومة وحدة إسلامية حتى ولو بدت بداخلها بعض الكيانات السياسية شبه المستقلة فإن قوة ذلك الولاء كانت وراء تصدي الدولة الإسلامية الواحدة، ممثلةً في هذه الكيانات، لغارات التتار المدمّرة في الشرق، وكذلك غارات الصليبين المتوالية من الغرب. كما أن نجاح الخلافة العثمانية في حماية شعوب المنطقة من الهجمات الصليبية الاستعمارية الحديثة وبشكلٍ أسهم في استمرار مقومات وجودها في إطار موحد قد ضمن لها استمرار ولاء شعوب المنطقة وهو أمر أسهم في استمرارها لفترةٍ زمنيةٍ بلغت أربعمائة سنة.
стр. 652
إن أهم العوامل التي أسهمت وما زالت تسهم في استمرار مقومات ذلك الولاء تكمن فيما منيت به النظريات المنقولة التي حاول بعض الحكَّام فرضها بالفشل سواءً في التجارب الديمقراطية بشتى أشكالها واتجاهاتها أم في أشكال الاشتراكية في حل أزمة الظلم الاجتماعي لشعوب المنطقة. ولا يعنينا هنا مناقشة ماهية هذه الأنظمة وما يتصل بها من أفكار وأطر سياسية بقدر ما يعنينا عدم نجاحها في التفاعل مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية وغيرها في الشرق العربي الإسلامي الأمر الذي أدى إلى انحصارها في صفحات الكتب، وربما في أذهان قلة من مفكريها أو مروجيها، وألا يجني الحكام الذين فرضوها سوى تصفيق شعوبهم لا تأييدها، وأدى في نفس الوقت إلى استمرار ثقة هذه الشعوب، التي حاولت هذه القلة من المفكرين زعزعتها، في قدرة أي نظام يستند إلى الإسلام على حل أزمة الظلم الاجتماعي، وتأييدها لأي اتجاه يرى ضرورة البحث عن إطار إسلامي للوحدة بين شعوب المنطقة لوقايتهم من الأخطار المحيطة بهم على الصعيد السياسي.
لقد أدركت هذه الشعوب مدى الخسارة التي حلَّت بضياع هويتهم الواحدة وكما يقول برنارد لويس أنه: ((بعد أن كان كل مواطنٍ عضواً من أعضاء إمبراطورية إسلامية كبيرةٍ لها ألف سنة أو يزيد من التراث والتاريخ وجد الناس أنفسهم مواطنين لسلسلة من الدول التابعة والوحدات السياسية الجديدة المفتعلة والتي تحاول إيجاد جذور لها في ضمير الشعب وولائه، وصاحب نسف وانهيار النظام السياسي القديم انحلال اجتماعي وثقافي موازٍ له، ربما كان النظام القديم في حالة تفسخ لكنه كان يقوم بوظيفته حيث كانت الولاءات والمسؤوليات واضحة الحدود والمعالم تجمع الشعب في إطارٍ واحد فاستبدل بما أتي من الغرب فكانت غريبةً على أحاسيس المسلمين وتافهة بالنسبة لحاجاتهم الفعلية المادية والروحية)).
ومن هنا فإنه يكون لهذا البحث في طرحه الموضوعي دورٌ في تحديد الجذور القريبة –تاريخياً ونفسياً- لنموذج الوحدة القائمة على الإسلام والتي امتدت منذ العصر الإسلامي الأول والتي رسخت شعور الولاء لدى شعوب المنطقة من أغلبية إسلامية وكذلك الأقليات غير الإسلامية إذا ما بعدت عن عوامل الفتنة والإثارة من القوى المعادية للمنطقة، وذلك بعد أن جهدت القوى المعادية من خلال أقلام مفكريها ومؤرخيها لتشويهها بغية إضعاف هذا الولاء أو إنهائه لإقامة أنظمة سياسيةً مفتتة على أنقاضها.
لقد أرسى الحكم العثماني، برغم فترات ضعفه أو محاولات إضعافه، العديد من القيم الإسلامية التي ورثها من الحكومات الإسلامية السابقة لعل من أبرزها استمرار ظاهرة الولاء وترسيخها لدى كافة الشعوب الإسلامية للحكومة الإسلامية، واستمرار الثقة في قدرتها على تحقيق القسط الأكبر من الاحترام والحرية لهم، وهو أمرٌ يجسده رغبتهم الجامحة في استعادة هذه الحكومة.
ولقد سعت العديد من المنظمات والجماعات والدعوات الإسلامية السرية والعلنية لترجمة هذا الشعور، وفي نفس الوقت لقيت تأييداً شعبياً واسعاً يزيد بكثيرٍ عن مثيلتها التي نهجت نهجاً ليبرالياً أو وطنياً أو قومياً، وكذلك المنظمات الشيوعية والاشتراكية التي أبدت في برامجها السعي لمساندة الطبقات الكادحة في الشعوب الإسلامية.
ولم تنجح محاولات الحكومات السياسية في اجتثاث جذور المنظمات والجماعات الإسلامية بقدر عدم نجاحها في فرض الأنماط السياسية والاجتماعية الوافدة على القطاعات الواعية المثقفة من شعوب المشرق الإسلامي برغم تملكها للسلطة ولكل الوسائل الإعلامية، ولا تعد الشرائح المحدودة التي نجحت في تجنيدها في هذا الجانب بشرائح ذات قيمة في التأثير على الأغلبية التي ما زالت تلتف حول كل ما هو إسلامي برغم كل مظاهر تطويعها وتغييبها، كما أن الهزائم التي منيت بها المنظمات الإسلامية والتي تزيد من إصرارها على تحقيق أهدافها وليس فقط على مجرد التواجد على الساحة تؤكد مقولة أحد المؤرخين الليبراليين اليهود قبل ربع قرن وهو برنارد لويس أنها ما زالت لم تقل كلمتها الأخيرة.
стр. 653
كرد العراق منذ الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ حتى سقوط الملكية في العراق ١٩٥٨م
المؤلف/ المشرف: محسن محمد المتولي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدار العربية للموسوعات - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: كرد
الخاتمة
ولقد توصلت هذه الدراسة إلى عدَّة نتائج وهي:
١ - لقد شهدت أراضي كردستان العديد من الثقافات والديانات كالآشورية والهلينية واليهودية والمسيحية إلا أن تأثير الإسلام على التكوين الثقافي للشعب الكردي كان أهم وأعمق بكثير من تأثير الثقافات والديانات السابقة، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الإسلام انتشر على كامل الأراضي الكردية، بينما كانت الديانات والمعتقدات الأخرى تنتشر على شكل بقع متناثرة. إلى ذلك استطاع الإسلام احتواء الأراضي الكردية ضمن دولته السياسية، بينما لا يلاحظ ذلك في بقية الحالات عدا الزرادشتية التي جمعت في بعض المراحل أكثر أجزاء كردستان الشمالية والجنوبية. ولذلك كان من الطبيعي أن يستمد التكوين الثقافي الكردي نسيجه من مصادر دينية متنوعة يمكن للدارس أن يلتمس آثارها في الحياة الدينية والاجتماعية لمجتمعات المناطق الجبلية، ولكن مع ذلك بقي التأثير الأكبر للإسلام.
٢ - إن المشكلة الكردية في العراق موروثةٌ من العهد العثماني والتصقت بالدولة العراقية منذ أن أصبح العراق دولةً وكياناً سياسياً بعد الحرب العالمية الأولى بموجب قرارات دولية. وهكذا ربما يكون مشروعاً جداً ومبرراً أن تقاوم الحكومة المركزية في العراق أي عدوان مسلح، أو بؤرة متمردة، وأن تقف في وجه أي دعوات انفصالية وأن تعتبر كردستان الجنوبية جزءاً من الوطن العراقي أي الدولة العراقية. لكنه ليس مشروعاً أبداً ولا صحيحاً الادعاء بأن كردستان هي جزء من الوطن العربي، ففي هذه الحالة تختلف الصورة تماماً؛ لأن الوطن العربي هو كيان قومي محدد وليس كياناً سياسياً أي دولة بذاتها. ومن وجهة نظر علمية تاريخية كان للكرد دائماً وطنهم القومي. ولكن ذلك الوطن تعرَّض في مراحل تاريخية معيَّنة للغزوات الخارجية فكان أخطرها وأشدّها تأثيراً الغزو الفارسي والعثماني؛ لأنه استهدف تجزئته وتقسيمه واقتسامه وضمّه وتكريس هذا الضم من طرف واحد.
٣ - بعد الاحتلال البريطاني لكردستان العراق أخذت الإدارة البريطانية تضع إلى جانب الحكَّام المحليين في الأغوات مستشارين بريطانيين متمرسين باللعبة الاستعمارية، واستطاعت عن طريق هؤلاء المستشارين أن تهذب بعيداً في إيهام الكرد أنها تقف إلى جانبهم، فأمدتهم بالمساعدات المالية والعسكرية ولكن هذه المساعدات لم تبلغ في أفضل الحالات المستوى الذي يضمن للكرد ولو الحد الأدنى من مطالبهم الوطنية أو اليومية، لاسيما بعد أن تعمقت بريطانيا في أوضاع المنطقة وتفهمت بشكل أوسع خلفياتها الإقليمية والدولية القديمة، وما استجد فيها بعد الحرب العالمية الأولى في ضوء تبدل خريطة العالم كله، فوجدت بريطانيا نتيجة حساباتها الجديدة أن مصلحتها تتطلب التخلي عن الكرد وتأسيس دولةٍ عراقيةٍ موحَّدة وحكومةٍ مركزيَّةٍ في بغداد للأسباب الآتية:
أ) - لأن دولة عراقية تضم المنطقتين العربية والكردية تضمن لها بسط سيطرتها عليهما من خلال معاهدة ثنائية واحدة.
ب) - لأن إيران وتركيا لا تقبلان بدويلةٍ كرديَّة مجاورة تكون منطلقاً لتحرك الكرد مستقبلاً ضد كلٍ منهما، ولم تكن بريطانيا ترى ضرورة لإثارتهما في سبيل قضيةٍ خاسرة بالنسبة لها.
ج) - لأن مجرد البحث في إنشاء دويلة كهذه إنما يعني فتح ملف الدولة الأرمينية المقترحة في معاهدات دولية سابقة، وهذا من شأنه إثارة رياح عاتية وتحريك قضايا قديمة في منطقةٍ نفطية حساسة تحرص بريطانيا على استقرارها وهدوئها وعدم إدخال أطراف دولية معينة فيها.
стр. 654
هـ) - كردستان ليست فقيرة، بل هي غنية بمواردها الزراعية والمعدنية وبمياهها ونفطها، فكردستان العراق، وهي جزء من كردستان الواسعة، هي سلة خبز العراق، البلد الأم، ولم يكن الكرد يوماً شوكةً في جنب الوطن العراقي، ولن يكونوا والتاريخ المشترك للشعبين الشقيقين على أرض الوطن يشهد بذلك، كل ما في الأمر أن بعض الحكَّام أحياناً فشلوا في التعامل موضوعياً مع مطالب الكرد وحقوقهم المشروعة، وهذه صورة تتكرر في مجتمعات أخرى أيضاً.
٤ - لقد تمتعت معاهدة سيفر بمكانةٍ خاصةٍ في التاريخ السياسي المعاصر للكرد لكونها المعاهدة الوحيدة التي وضعت المسألة الكردية في إطار القانون الدولي وبذلك تحوَّلت المسألة من شأن داخلي خاضع لأحكام القانون الداخلي للدولة العثمانية إلى شأن دولي خاضع لأحكام القانون الدولي. لقد هيَّأت سيفر النواة لتشكيل دولةٍ كردية ولكن على مرحلتين متعاقبتين، وهذه العملية تطبق حالياً بشأن المسألة الفلسطينية (اتفاقية أُسلو). وكما هو الحال بالنسبة للشأن الفلسطيني حاول أعداء الكرد العمل بكل الوسائل على إلغاء معاهدة سيفر أو تجميد نصوصها المتعلقة بمصير الكرد. ونتيجة لمصالح الدولة الاستعمارية ألغيت معاهدة سيفر وحل محلها معاهدة لوزان والتي أعادت المسألة الكردية إلى أحضان القوانين الداخلية للدول التي اقتسمت كردستان، وبعد أن كانت الأخيرة قبل معاهدة لوزان مجزأةً بين الدولتين الفارسية والعثمانية، اقتسمتها بعد إبرام تلك المعاهدة أربع دول وهي تركيا وإيران والعراق وسوريا.
٥ - كان لهذا التقسيم أثرٌ كبيرٌ على الكرد، حيث أن الدول التي تقاسمت كردستان كانت تنتهج سياسات مختلفةً تجاه القضية الكردية، وبالتالي تجاه الثقافة الكردية. ففي تركيا انعكست سياسة القمع في تحريم ارتداء الملابس المحلية والتحدث باللغة الكردية والمجاهرة بالانتماء القومي الكردي، وكان لكل ذلك الدور الأساسي في تراجع النشاطات الثقافية هناك إلى حد أن الأغلبية المدنية من الكرد أخذت في استخدام اللغة التركية. ولكن في العراق كانت الحالة مختلفة كلياً إذ تم الإقرار بالوجود الكرد مع بداية تأسيس الدولة العراقية المعاصرة التي أعطت عام ١٩٣٢م تعهداً مكتوباً لعصبة الأمم باحترام الاختلاف الكردي والسماح باستخدام اللغة الكردية في المجالات التعليمية والقضائية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كما أقرت الحكومة قانوناً متعلقاً باستخدام اللغات المحلية بما فيها الكردية، ونتيجةً لذلك أخذت الحركة الكردية في العراق تتطور بشكل مغاير عما كان جارياً في تركيا وإيران.
٦ - لقد تعرف الوطن القومي الكردي على اختلاف انتماءاته وأجزائه على الحياة السياسية، وأسس الكرد أحزاباً كان لها دورها ونشاطها وتأثيرها السياسي إلى جانب صخب السلاح، على أن الرصاص لا يكفي وحده ولا يعبر دائماً عن الأماني القومية وغيرها بشكل صحيح. ولقد تولت الأحزاب السياسية الكردية مسؤولية العمل الوطني بجدارة، على الرغم من أنها لم تستطع يوماً استقطاب الإجماع الشعبي من حولها، لكنها عبرت دائماً بشكل أو بآخر عن أهداف الشعب وتطلعاته القومية ومشاعره الوطنية، مع أنها ظلت تنشط وتتفاعل في وسط حدود نسبياً، كما أنها أصيبت بآفة الصراع والانقسام الذي كان دائماً ما يميز الشعب الكردي.
стр. 655
٧ - عندما تكونت الدولة العراقية لم يكن بمقدور هذه الدولة الوليدة أن تتحمل أعباء المحافظة على الأمن في مناطق الشمال الجبلية التي اشتهرت بالقلاقل والنزع إلى السلاح فضلاً عن الأعباء المالية اللازمة لتصريف شؤونها الإدارية والتعليمية والصحية وغيرها، فإن بريطانيا تعهدت لهذه الدولة بأن تمدها بما يلزم من مساعدات ومعونات عسكرية تحتاج إليها وحافظت في الوقت نفسه على التظاهر أمام الكرد بأنها تعطف على أمانيهم الوطنية. وهكذا فإن الأمور كانت تدور في حلقةٍ مفرغة –بريطانيا تتظاهر بالعطف على الكرد فيشعر هؤلاء بحاجة دائماً إلى مساندتها، بينما تستنجد الحكومة العراقية بها وتطلب مساعدتها كلما قام عصيانٌ كردي جديد وتحصل عليها. ولقد انطلقت تلك الوعود على القيادات الكردية العشائرية مما جعلها تحمل السلاح ضد حكومة بغداد، ومنذ ذلك الوقت أصبح الشغل الشاغل لحكومة بغداد وجيش العراق هو حركات العصيان في الشمال الكردي.
٨ - لقد جرى تأسيس الجيش العراقي رغم ممانعة الإدارة البريطانية في العراق ولذلك وضعت بريطانيا خططها أن تقبض على ناصية هذا الجيش وتسيره وفق رغباتها ومصالحها، وفرض قادة بريطانيين ومستشارين في قيادته، ولكن هذا الجيش كان وطنياً أصيلاً منذ ولادته ثم انضم إليه ضباط وجنود كرد من الطينة نفسها، فلم تجد بريطانيا إلا وسيلةً واحدةً لاحتوائه والحد من وطنيته وهي التقتير في تسليحه وزجه في قلاقل ومشاكل محليّة.
٩ - لقد بذل الإنجليز جهودهم لجعل هذا الجيش مستنفر الإمكانات والقدرات نحو المنطقة الكردية، حتى أن جميع خططه وتدريباته وطبيعة تسليحه كانت توضع لخدمة العمليات العسكرية في مناطق الشمال الجبلية، وبقي مخزونه من السلاح والعتاد فترات طويلةً في حالة نقصٍ دائمٍ، لا تمده بريطانيا منه إلا بما يكفل فقط مجابهة العصيان الكردي الذي كانت تخلقه وتقف خلفه سراً وأحياناً علناً. وهكذا فإنه كلما جهر العراقيون مطالبين بتزويد الجيش بالسلاح من بريطانيا تنفيذاً للمعاهدة الثنائية بين الطرفين، فإن بريطانيا كانت تقدم السلاح القليل ثم لا تلبث أن تخلق الأسباب لهدره في حوادث الكرد المسلحة. لقد كان من مخططات بريطانيا في العراق أن لا يلتقي العرب والكرد على حالٍ من الود أبداً.
١٠ - إذا كانت بريطانيا قد نجحت في هدم الثقة بين أبناء القومية الواحدة كما في الهند التي تضم عشرات القوميات واللغات ولم تكن يوماً قوميةً واحدةً، ومن خلال ظروفٍ كانت تتحكم فيها عوامل الجهل والتخلف، على الرغم من أنه لم يعرف التاريخ أيَّة خلافات حادة أو فوارق محددة أو كراهية متوارثة بين العرب والكرد، ولكن إحداث دولةٍ عراقيةٍ كهذه وبهذا الشمول الجغرافي جعل المؤامرات تنجح فيقع الكرد في براثنها ويوجهون نيران أسلحتهم إلى صدر الصديق دون العدو الحقيقي، فالعرب لم يشاركوا يوماً لا في اقتسام كردستان ولا في احتلالها، ولم يحاول العرب قهر الكرد أو سلبهم حقوقهم القومية، وهو أمرٌ لا خلاف عليه أبداً في سطور التاريخ الكردي نفسه، ولو بقي الكرد العراقيون مرتبطين بتركيا لما حصلوا على الحقوق القومية التي تمتعوا بها في العراق.
стр. 656
١١ - خلال الوطن العراقي المشترك وعلى الرغم من الحركات العسكرية الكردية في الشمال العراقي، فإن الحقوق القومية للكرد كانت مصونةً في حدود المشاركة في الحكم والتعليم والثقافة والسياسة، وإصدار الصحف والمجلات والنشرات السياسية وغير السياسية، وكان للكرد ممثلوهم في المجالس التشريعية، وانخرطوا في أحزاب عراقية مشتركة تضم أبناء البلاد من جميع الانتماءات القومية، ولهم دورهم المؤثر في الجيش العراقي، حيث تولى ضباط كرد منصب قيادة الجيش العراقي، قام أحدهم بانقلاب عسكري ناجح، وتسلم رئاسة الوزارة شخصيات سياسية كردية.
١٢ - وفي النهاية ترى الدراسة أن قضية الكرد في العراق تتمحور حول حقائق ثلاث وهي:
أ- وجود أمة كردية تتحسس شخصيتها القومية ولها أرضها القومية تعيش فوقها.
ب- عدم وجود كيان سياسي لهذه الأمة.
ج- إن هذه الأمة مجزأة بين ثلاث كيانات تبعاً لتجزئة وطنها القومي كردستان.
القضية الكردية تستهدف إذن تحقيق أهداف ثلاثة وهي حرية الوطن والسيادة في الوطن ووحدة هذا الوطن. ويبدو من الواضح أن الكرد حددوا أهداف قضيتهم القومية، ووضعوا لها عناوين بارزة وأدبيات مقروءة، لكن القيادات الكردية وقعت في جملة أخطاء أثَّرت على مسار الحركة فجعلتها تتعثر باستمرار وتجلى ذلك أكثر ما يكون في الحالات الآتية:
١ - عدم الدقة في تحديد خريطة الوطن القومي الكردي (كردستان) وعدم الجرأة في إعلانها وفق منظور تاريخي ومستندات علمية ثابتة.
٢ - بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت طبيعة النضال الكردي –عندما استلمت القيادات المثقفة والمتعلمة دفة النضال وعندما بدأت المدينة الكردية تجر وراءها الريف. وكان اندماج الفئة المثقفة بالحركة الوطنية الكردية أحد سمات المرحلة الجديدة.
٣ - عجز القيادات المتعاقبة عن توحيد صفوفها ومطالبها، حيث كانت تعاني كلها وباستمرار من تناقضات عميقة، هي صورة من التناقضات في المجتمع الكردي نفسه.
٤ - عدم تقدير الحركة الكردية الثاقب لهوية العدو والصديق والحليف، ودخولها في مساومات سيئة الدلالة وزج القضية الكردية في نشاطات العناصر المعارضة للدولة.
٥ - سوء تحديد القيادات الكردية لمواقيت تحركاتها المسلحة وفي تخيلها أنها قامت بثورات شعبية حقيقة، جعلوا لها تسميات تاريخية، ولكن هذه الحركات لم تكن ثورات في المفهوم العلمي المعاصر للثورة، بل إنها لم تكن أكثر من حركات مسلحة ضد عساكر الدولة.
стр. 657
كتب الرحلات في المغرب الأقصى مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين
المؤلف/ المشرف: عواطف بنت محمد يوسف نواب
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دارة الملك عبدالعزيز- الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: جزيرة العرب - الحجاز
الخاتمة:
حظي الحجاز بالعديد من الدراسات، وتحقيق كثير من المخطوطات التي ألفت في تاريخه، لما له من منزلة عظيمة في نفوس المسلمين، وقد استخدمت جميع المصادر للإلمام بتاريخ هذه البقعة المهمة. ولكن لم يؤخذ في الحسبان الاعتماد على كتب الرحالة المغاربة وإظهار أهميتها بوصفها مصدراً مهماً من مصادر تاريخ الحجاز لا يمكن الاستغناء عنها، إذ لم تحظ بالدراسة والبحث الكافيين بعد، وفي هذا العمل الذي أرجو الله تعالى أنني قد وفقت في إنجازه اعتمدت على كتب الرحلات في المغرب الأقصى خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين لأهمية تلك الكتب بكونها مصدراً لتاريخ الحجاز خلال ذلك الوقت. وقد وفقني الله إلى أن حققت هذه الدراسة كثيراً من النتائج في مختلف الجوانب العلمية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك السياسية والعمرانية وفق المعلومات الآتية:
الجانب العلمي:
بني الإسلام على خمسة أركان، وكان الركن الخامس هو الحج لبيت الله الحرام، فتطلب هذا القيام بالرحلة إليه لأداء هذا الركن.
ثبت في هذا الكتاب من خلال رحلات الحج الحجازية ظهور أسماء رحالة مغاربة أتقنوا فنون الرحلة وآدابها التي منها الاستخارة المتكررة قبل القيام بهذا، والخروج يوم الخميس، والالتزام بتقييد تاريخ الخروج والعودة والنزول والانتقال من كل منزل نزلوه، ولقاء العلماء والأخذ عنهم، والترجمة لهم. فأفرز ذلك كله رحلات أصبحت بمثابة موسوعات علمية مصغرة لما حوته من معلومات مهمة لجميع أحوال المسلمين في ذلك الوقت، إضافة إلى أنها ضمت قوائم لأسماء العلماء البارزين وأهم مؤلفاتهم والعلوم التي تخصصوا وبرعوا فيها. فالرحالة كانوا بمثابة العين اللاقطة، يستقطب اهتمامهم جميع الأمور وإن صغرت بحسب ميلهم.
وبرهن هذا الكتاب أنه وجد في الحجاز في ذلك الوقت جميع المذاهب الإسلامية بعلمائها الذين دفعوا بالحركة العلمية قدماً، وإن ظهر المذهب الحنفي بكونه مذهباً رسمياً لأتباع الدولة العثمانية له، ولكن لم يمنع ذلك من بروز جميع المذاهب بفقهها. وقد تبين أن ذلك العصر لم يكن ظلاماً دامساً كما كان يعتقد بل كانت مكة المكرمة والمدينة المنورة مبدأ الحركة العلمية ومنتهاها وحلقة الوصل بين المشرق والمغرب الإسلاميين.
وبرهن هذا الكتاب على أن المدينتين المقدستين قد لمع فيهما أسماء علماء كانوا ينتقلون للمجاورة مدة في مكة المكرمة، وأخرى في المدينة المنورة بدون مضايقات أو عقبات، كما ظهر علماء مخترعون في علم الميكانيكا وضعوا فيها المؤلفات. إضافة إلى وفرة الكتب التي وجد النساخون لها والمجلدون، كما وجدت وسائل نشرها وتبادلها، ووجدت المكتبات الخاصة والعامة الموقوفة على طلبة العلم، والتي حوت النفيس والغريب منها، فأكب الطلبة على العلم والنهل منه بعدما أمنت لهم الإقامة والرواتب التي كانت تصل خصيصاً لهم ولمدرسيهم.
خصت المدينة المنورة في ذلك الوقت بجميع أنواع الكتب العلمية، حيث كانت تهدى إليها نسخ من كل كتاب يؤلف.
بروز أثر المسجدين المكي والمدني اللذين كانا بمثابة جامعتين مفتوحتين يتوافد إليهما طلبة العلم من جميع أنحاء العالم الإسلامي بيسر وسهولة، علاوة على تصدر من نال درجة عالية منهم للتدريس، كما وجدت المدارس وإن لم يظهر أثرها كاملاً كظهور أثر المسجدين المكي والمدني.
стр. 658
وجد في المدينتين المقدستين أعداد هائلة من العلماء الذين لم يكونوا من أبناء الحجاز وحدها، وهؤلاء أدوا عملاً بارزاً في رواج الحركة العلمية فيهما. وهذا ظهر جلياً من خلال ما سجله الرحالة المغاربة من أسمائهم وتراجمهم التي زادت على ما ورد في كتب التراجم حول الشخصيات التي ذكرها حالة المغاربة نفسها.
كما لُحظ أن هؤلاء العلماء منهم من كان يفد سنوياً إلى الحجاز وخاصة علماء اليمن، ومنهم من كان يفد بعد سنوات.
وهكذا نجد أن المدينتين المقدستين قد تهيأ لهما ما لم يتهيأ لغيرهما من مدن العالم الإسلامي من توافد العلماء الذين ذاع صيتهم وشهرتهم العلمية عليهما، وكانوا يعقدون حلقات الدرس في المسجد المكي والمدني اللذين كان نظام التعليم فيهما يسير وفق نظم وقوانين محددة من حيث تخصيص أيام معينة للدراسة وأخرى للإجازات، كما حددت العلوم التي تدرس والأماكن التي تعقد فيها حلقات تلك الدروس، إذ كان لكل عالم وشيخ زاوية أو ركن خاص به وخزانة لكتبه العلمية الموقوفة على طلبته، فيدرسهم ويعطيهم الإجازات.
تولى بعض العلماء مقاليد بعض الوظائف إلى جانب قيامهم بالتدريس، فمن هذه الوظائف القضاء والخطابة والإمامة والفتوى في المدينتين المقدستين.
ظهور مكانة الطائف العلمية لإقامة بعض العلماء فيها في ذلك الوقت وعقدهم حلقات العلم بمسجد ابن عباس ﵄.
جلوس بعض الرحالة المغاربة للتدريس في المسجدين المكي والمدني والتفاف طلبة العلم حولهم لغزارة علمهم وسعة اطلاعهم، فعلماء المغرب لم يكونوا أقل مكانة علمية من نظائرهم في المشرق، فقد أشارت الرحلات إلى كثير من المواقف التي يبدي فيها الرحالة رأيه في قضايا مثارة فيلاقي الإعجاب والتقدير. وبهذا لم تكن رحلة هؤلاء الرحالة المغاربة دائماً للتلمذة والدرس والطلب، بل كانت لأهداف أخرى كزيارة المراكز الثقافية والحصول على الرواية والسند العالي والحصول على الكتب ولقاء العلماء ومجالستهم.
كانت قوافل الحجيج في ذلك الوقت بمثابة مدارس منتقلة من حيث انعقاد حلقات الدروس أو ترك الكتب في بعض المدن وأخذ غيرها.
لم تكن حلقات العلم تعقد باللغة العربية وحدها، بل كانت هناك لغات أخرى كالتركية والفارسية مثلاً.
الجانب الديني:
أظهر هذا الكتاب ضعف الحالة الدينية في الحجاز بسبب شيوع التصوف على المستوى الشعبي والرسمي، فأصبح مرتعاً خصباً لظهور كثير من البدع والخرافات التي منها ظهور أنوار الرسول ﷺ قبل الوصول للمدينة المنورة، وأخرى تتعلق بالصحابة رضوان الله عليهم، ومنها ما يتعلق بالأماكن المأثورة.
كما وضح هذا الكتاب تفشي عادة التبرك بقبور الأولياء والصالحين وبناء القباب والأضرحة عليها والاجتهاد لزيارتها وتقديم النذور للقائمين عليها.
وأوضح أيضاً استفحال البدع والخرافات بين طبقات المجتمع الحجازي دون استثناء، الأمر الذي أدى إلى أن صدق الرحالة المغاربة بعضها فكانوا مهيئين لقبولها فضمنوها كتاباتهم، وهناك بدع لم يصدقوها فنبهوا إليها وأشاروا إلى بطلانها. وهذا يعطينا تصوراً واضحاً عن ضعف الحالة الدينية في ذلك العصر.
وأثبت هذا الكتاب أيضاً أن أغلب ما وجد من أماكن نسبت للرسول ﷺ وصحابته الكرام، إنما ألحقت نسبتها إليهم بعد أزمنة طويلة وذلك يؤكد عدم صحة هذه النسبة.
ورأينا ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن وجد في بعض الأوقات من يقوم بذلك، ولكن ينتهي الأمر بمجرد وفاته أو انتهاء مدة عمله.
الجانب الاجتماعي:
стр. 659
برهن هذا الكتاب على تعدد الأجناس في المجتمع الحجازي، واختلفت تركيبته السكانية بسبب مركزه الديني في نفوس المسلمين، حيث شكل المجاورون بأجناسهم المختلفة نسبة كبيرة.
وبسبب اختلاف التركيبة السكانية في الحجاز ومكانته الدينية أظهر الكتاب عادات وتقاليد وافدة مع هؤلاء الأجناس انفرد بها عن سائر الأقطار الإسلامية.
انفرد بعض الرحالة المغاربة برصد الحياة الاجتماعية في الحجاز وخاصة لمن طالت مجاورته، وهذه الناحية هي التي أغفلها كثير من المؤرخين كما أوضح ذلك هذا الكتاب.
عاش أهل المدينة المنورة حياة مترفة في حين يتعود أهل مكة المكرمة على مثل ذلك.
تميزت الحياة الاجتماعية في المدينة المنورة بتفوق نفوذ المرأة على الرجل وتحكمها فيه مقارنة بالمناطق الأخرى في الحجاز.
الجانب السياسي:
ثبت أن الاضطراب السياسي قد عم الحجاز داخلياً في بعض الأزمنة التي يتناولها البحث بسبب تصارع الأمراء الأشراف فيما بينهم على الإمارة، كما تصارع الأمراء الأشراف مع أمراء الحج وباشوات جدة لإحكام السيطرة.
اكتفت الدولة العثمانية خلال تلك المدة بعزل الأمراء الأشراف عند تفاقم الاضطرابات وتعيين غيرهم من الأسرة نفسها.
كان لباشوات جدة ومصر اليد الطولى في تسيير أمور الحجاز وكذلك أمراء الحج حتى كان بإمكانهم عزل الأمراء الأشراف وتعيينهم؛ وهو ما سبب كثيراً من الفوضى والاضطرابات السياسية أحياناً.
ربطت الحجاز رسمياً بالدولة العثمانية وأصبحت إقليماً تابعاً لها يضم مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة وينبع والطائف، وإن كان إقليم الحجاز يتمتع بمميزات لا تتمتع بها سائر أقاليم الدولة العثمانية.
ارتبط الأمن والهدوء في الحجاز بقوة شخصية الشريف الحاكم ومدى سيطرته على الأوضاع وشؤون القبائل.
كان مبدأ الاشتراك في تولية شؤون الإمارة في الحجاز قائماً بدلاً عن ولاية العهد خلال تلك المدة، وكان الشريك مخولاً للبت في الأمور وأخذ حصة من واردات الإمارة الاقتصادية.
كان جنوب الحجاز هو المنفى الاختياري للأمراء الثائرين المطالبين بالإمرة بعد فشل توراثهم، يقصدونها إما لتجميع قوتهم ومن ثم العودة لمحاولة الاستيلاء على الإمارة، ويكون ذلك بقطع الطريق وفرض الحصار الاقتصادي الذي يتضرر منه أهل الحجاز ومجاوروه.
وأوضح هذا الكتاب أنه في وقت المواسم كانت القوانين والأحكام لا تطبق بدقة، وذلك يؤدي إلى انتشار حالات السرقة وضعف الأمن خلال الحج والعمرة، ولكن الأوضاع تعود إلى ما كانت عليه بعد رحيل الحجاج.
وأيضاً كان اهتمام الحراس بالشريف سبباً في إهمال المرافق العامة في المشاعر المقدسة والمباني التي يسكنها الحجاج وطرق القوافل، الأمر الذي يزيد في ضعف الأمن والأمان لضيوف الرحمن.
ورأينا أن الدولة العثمانية كانت تولي الحجاز عناية خاصة فحصنت الثغور المحيطة بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وكانت هناك عناية خاصة بمدينة جدة التي قد تتعرض لهجوم خارجي.
الجانب الاقتصادي:
برهن هذا الكتاب في هذا الجانب أن استمرارية وصول الأعطيات والصدقات وهطول الأمطار يعقبه رخاء اقتصادي عميم مع هبوط في الأسعار وتوافر السلع والحاجات والعكس صحيح.
وأيضاً إتقان أهل الحجاز مهناً عديدة منها الصياغة والزراعة والبناء.
وأيضاً وجود جالية مغربية أتقنت مزاولة الزراعة، بل وألفوا فيها الكتب، ما أدى إلى امتلاكهم للأراضي واستصلاحها، خاصة في المدينة المنورة التي عرفت بخصوبة تربتها وكثرة مياهها.
وجد من أمراء مكة المكرمة الأشراف من التفت إلى الإصلاح الذي يخدم عموم الحجاج كإنشاء الأسبلة وحفر الآبار وامتلاك المزارع التي تمد المدينتين بالمنتجات الزراعية، وكذلك بناء الحصون والقلاع للحراسة.
стр. 660
وأثبت هذا الكتاب الاهتمام الكبير من قبل الدولة العثمانية بجميع ما يخص الحرمين الشريفين من إصلاح وترميم، بل وإعادة البناء إذا اقتضى الأمر، وهبتها للمساندة والمساعدة بلا حدود عند نزول الكوارث بالحجاز وخاصة السيول المدمرة، وكذلك اهتمامها بتعبيد الطرق وإقامة العلاقات وحفر الآبار لتسهيل أمر المسافرين.
معرفة أهل الحجاز لجميع أساليب المعاملات التجارية من بيع وشراء ومقايضة ورهن وغيرها، وظهور عملات محلية حجازية مثل المحلق والمائدية والحرف.
الجانب العمراني:
برهن هذا الكتاب أن هذا الجانب حظي بعناية سلاطين آل عثمان، وخاصة فيما يتعلق بعمارة المسجدين المكي والمدني كلما اقتضى الأمر ذلك، وتمهيد طرق الحج وحفر الآبار لتسهيل أمور الحجاج.
كما عرفت أنماط معمارية تلائم بيئة كل مدينة كالتي عرفت في جدة مثلاً، كما استخدم البناء المتعدد الأدوار والملائم لتعاليم الإسلام من حيث عزل القسم الخاص بالضيوف عن باقي أرجاء المنزل.
ومما استنتج عن الرحالة المغاربة أنفسهم ما أثبته هذا الكتاب من:
- اهتمام الرحالة المغاربة بتقصي أحوال السكان وخاصة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وينبع وجدة والقرى التي مروا عليها بحسب استطاعتهم.
- كان معظم الرحالة المغاربة من أهل العلم الذين قوبلوا بالتبجيل والاحترام في المدينتين المقدستين، بل وتصدرهم للتدريس وإلقاء القصائد الشعرية في مدح خصالهم لذيوع شهرتهم العلمية وعلو مكانتهم الاجتماعية.
- كان معظم الرحالة المغاربة يحملون كتب رحالة سابقين لهم للمقارنة وإضفاء الجديد وتصحيح بعض الأخطاء التي وقع فيها من سبقهم، وأيضاً النقل عنهم في أحيان كثيرة، سواء للأمور التي لم يتسن لهم رؤيتها أو لبعد العهد والنسيان، أو لعدم تغير الأوضاع. وهذا الأمر كان من أهم خصائص الرحلات المغربية ومميزاتها. فحمل كتاب الرحلة عند الرحالة المغاربة كان بمثابة التزود بدليل يهديهم لما هم مقبلون عليه.
- ظهر في ذلك الوقت الرسم إلى جانب الوصف لتقريب ما أرادوا توضيحه ولاسيما للمسجدين المكي والمدني وبعض الأماكن المأثورة والمشهورة. فهذا الأمر لم يكن في الرحلات المغربية السابقة.
- كان خروج الرحالة المغاربة أساساً للحج والزيارة ومن ثم طلب العلم.
- اعتاد الرحالة المغاربة على الخروج في رحلاتهم الحجازية ومعهم رفيق أو قريب يكون مصاحباً لهم طوال الرحلة.
- لم يكن الرحالة المغاربة وقت رحلتهم صغار السن، بل كانوا رجالاً خبروا الحياة وعركوها.
- ظهر نوع من كتابات الرحلات، يكون السبب الرئيس في كتابتها مصاحبة شخصية بارزة في الرحلة، فتقيد لتسجيل أفعال هذا الشخص كرحلة القادري واليوسي.
- اعتناء بعض الرحالة المغاربة كالقيسي وأبي مدين بكتابة رحلتهم على هيئة أبواب وفصول يندرج تحتها عناوين للتسهيل على القارئ عند استخراجه أي معلومة يريدها.
стр. 661
من قتل الحسين ﵁
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن عبدالعزيز
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الأمل - القاهرة ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: دراسات تاريخية
الخاتمة: وفي ختام هذا البحث أحدد النتائج التي توصلت إليها وهي:
١ - أن أهل الكوفة هم الذين كتبوا إلى الحسين ﵁ وطلبوا منه المجيء وما لبثوا أن خذلوا رسوله مسلم بن عقل وغدروا به ثم جاء الدور على الحسين لينال منهم ما ناله مسلم ابن عقيل، وليس الحسين الوحيد الذي غدر به الشيعة بل غدروا قبله بأبيه وأخيه ثم من بعده أئمة أهل البيت ﵃.
٢ - أن من حب علي وأهل بيته للصحابة أن سموا أبناءهم بأسمائهم كأبي بكر وعمر وعثمان، والمرء يختار لأبنائه الأسماء المحببة إلى قلبه.
٣ - أن ما يسمى بالشعائر الحسينية طقوس لم تكن على عهد الأئمة وإنما أحدثت في عصور متأخرة، فالنوح واللطم ولبس السواد محرم إجماعاً كما سبق نقله عن علمائهم.
٤ - ينكر الشيعة صوم عاشوراء ويلصقونه بالأمويين، وقد تم إثبات صيام هذا اليوم من كتبهم.
٥ - يجيز الشيعة البناء على القبور رغم ثبوت نهي النبي ﷺ عن ذلك من رواياتهم وإجماع علمائهم. ولا يفوتنا في خاتمة هذا المبحث إلا أن نبين لكل شيعي أنه ليس ملزماً بدفع الخمس إلى من يسمون بالسادة ونواب الإمام لسببين:
الأول: أن الخمس لا يدفع إلا من غنائم الحرب خاصة بدليل ما رواه عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله ﵇ يقول: "ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة". وعن أبي عبدالله وأبي الحسن ﵉: "ليس الخمس إلا في الغنائم". الثاني: أن الأئمة أباحوا الخمس لشيعتهم، فعن ضريس الكناسي قال: قال أبو عبدالله ﵇: أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟ فقلت: لا أدري فقال: من قبل خمسنا أهل البيت إلا لشيعتنا الأطيبين فإنه محلل لهم ولميلادهم. وعن أبي جعفر ﵇ أنه قال: "إن أمير المؤمنين ﵇ حللهم من الخمس يعني الشيعة ليطيب مولدهم". وهناك روايات كثيرة تعفي الشيعة من دفع الخمس أعرضنا عنها خشية الإطالة، قال شيخ الطائفة الإمامية أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي: "فأما في حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالأخماس وغيرها فيما لا بد لهم منه من المناكح والمتاجر والمساكن". وبمثل هذا أفتى المحقق المحلي في شرائع الإسلام، ومحمد باقر السبزواري في ذخيرة المعاد والملا حسن الملقب بالفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع وغيرهم من العلماء المعتمدين، وعلى هذا لا يوجد ما يلزم الشيعي بدفع الخمس بل الأدلة على خلافة.
هذا ما يسر الله لي كتابته سائلا المولى أن ينفع به والحمد لله حمداً كثيراً، وصلى الله على محمد وآله وسلم. المؤلف السبت الثاني من رمضان ١٤٢٢هـ الموافق ١٧/ ١١/٢٠٠١م
стр. 662
منهج كتابة التاريخ الإسلامي
المؤلف/ المشرف: محمد بن صامل العلياني السلمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٦هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
نتائج البحث:
الحمد لله الذي هدانا وأعاننا على إخراج هذا البحث في الصورة التي يراها القارئ ولقد أوضحت هذه الدارسة: - ضرورة الربط بين العلم والعمل به حتى يؤتي العلم ثماره ولكي يصح العمل ويستقيم السلوك، وأن العلم إنما يتلقى لأجل العمل.
– بطلان المنهج القائم على طلب " العلم للعلم" و " الفن للفن" و" والأدب للأدب" لأن تلقي العلم في الإسلام محكوم بضوابط شرعية في منهجه وفي أهدافه وفي وسائله كما أنه مرتبط بالغاية الأساسية من خلق الإنسان ووظيفته في هذا الكون.
– أهمية علم التاريخ وفائدته في التعريف على السنن الربانية وملاحظتها من خلال الأحداث المتعاقبة، ومعرفة المعالم المهمة في تاريخ البشرية، والتأكيد على إثبات مجموعة من الحقائق الكبيرة في حياة الإنسان وأن دراسة التاريخ ليست قاصرة على سرد الحوادث ومعرفة سنين الوفيات، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي صار في التاريخ أحد الأسلحة التي تستخدم في مجال وصياغة الأفكار ونشر المذاهب وتأييدها، كما أنه قد أصبح يأخذ مكانته ودوره في الصراع العقائدي بين الأمم، فدراسة التاريخ وتفسيره مرتبطة بالعقائد والتصورات والأفكار التي يحملها الباحثون والكتاب. ولأجل هذا الأثر الخطير الذي تؤديه الدراسات التاريخية فقد كان من أول ما اعتنى به الاستشراق كما كان من أقوى الأسلحة التي استخدمها الغزو الفكري الأوروبي للبلاد الإسلامية وبث أفكاره وعقائده وأخلاقه وتثبيت دعائم استعماره من خلاله.
– وجوب الالتزام بالمنهج الإسلامي في الدراسة التاريخية، وأن هذا الالتزام ضرورة علمية ووظيفة شرعية وحاجة إنسانية، الإخلال بها إخلال بموازين العلم الصحيحة وبالأحكام الشرعية، ويسبب نقصا كبيرا في الدراسة وتشويها للوقائع التاريخية، بل يسبب انحرافا خطيرا في التفسير والفهم والسلوك تجاه الأحداث التاريخية.
– بيان المصادر التي يستقي منها المنهج الإسلامي لكتابة التاريخ وأنها تنقسم إلى قسمين:
١ - مصادر طريق إثبات الحقائق، وقد رسم العلماء المسلمون لذلك مناهج غاية في الدقة والإتقان خاصة مناهج علماء الحديث النبوي. ٢ - مصادر تفسير الحوادث والحكم عليها وهذه متعلقة بالتصورات والعقائد فلا بد من تلقيها من المصادر الشرعية، لكي يستقيم منهج التفسير وتصح الأحكام التاريخية وأنه لا يجوز في هذا الجانب الاستقاء من أي مصدر آخر.
– بيان خصائص المنهج الإسلامي في كتابة التاريخ، ومن أهم هذه الخصائص التميز في التصور والمفاهيم وأن هذا التميز يوجب الاستغناء والاستقلال عن كافة المناهج البشرية ومفاهيمها الوضعية، ومن أبرز المفاهيم في هذا المجال معرفة التصور الصحيح في الإسلام عن الإنسان، والكون، والحياة، وارتباطها بالخالق جل وعلا، لأن هذه العناصر هي إطار الحركة التاريخية ومجالها، كما أن التصور الصحيح عنها هو مفرق الطريق وأس الخلاف في النظرة إلى التاريخ بين المسلم وغير المسلم لأن التصور العقدي هو الذي يحكم مناهج البحث ويمدها بالمقاييس والموازين التي تضعها، فإذا كان التصور صحيحا كانت المقاييس صحيحة، ذلك أن المناهج إنما هي أثر من آثار التصور العقدي، وتابعة له ومتأثرة به، كما أنها وسيلة من وسائل تحقيقه في الواقع العملي. وهذا المنهج له وسائل وغايات ترتبط كلها وتنبثق من الغاية الأساسية من خلق الإنسان ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) سورة الذاريات،
стр. 663
- بيان جملة من القواعد المهمة التي يجب أن يراعيها المسلم في كتابة التاريخ الإسلامي وفي تدريسه، ومن أهم هذه القواعد:
١ - معرفة الحكم الشرعي في المخلفات والآثار الحضارية عن الأمم السابقة.
٢ - معرفة حق الصحابة ﵃ والمواقف من الفتن التي وقعت في عصرهم.
٣ - التفريق بين أخطاء البشر وأحكام الإسلام.
٤ - اعتماد المصادر الشرعية وتقديمها على كل مصدر.
٥ - معرفة حدود الأخذ من كتب أهل الأهواء والزندقة.
٦ - معرفة ضوابط الأخذ من كتب غير المسلمين.
٧ - الالتزام بالعقيدة الإسلامية وأحكامها والتركيز في الدراسة عل الأهداف والغايات.
٨ - إبراز دور الأنبياء ﵈ وأثر الوحي الذي جاؤوا به في تاريخ البشرية.
٩ - تحري استعمال المصطلحات الإسلامية. إلى غير ذلك من القواعد الموضحة في مواضعها.
– بيان كيفية التدوين والمراحل التي مر بها تدوين التاريخ الإسلامي مع الرد على المزاعم الباطلة بأن العلم الإسلامي قد جرى نقله رواية شفوية دون تدوين طوال القرن الأول الهجري وحتى منتصف القرن الثاني، وإيضاح أن التدوين غير التأليف.
– تعدد الموضوعات التي شملها التدوين التاريخي في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة النبوية وأن ذلك راجع إلى سعة المفهوم التاريخي عند العلماء المسلمين.
– أن السيرة النبوية قد لقيت عناية فائقة في التدوين والتأليف وفي النقد والتحقيق على يد علماء الحديث النبوي زيادة على اهتمام المؤرخين بها بشكل مستقل أو ضمن مؤلفاتهم في التاريخ العام، وأنها قد وصلتنا ولله الحمد، من طرق مأمونة ولم يتفرد الإخباريون والمتكلم في عدالتهم بنقلها.
– عرض مناهج مجموعة من المؤرخين المسلمين، وقد اتضح أن مناهجهم في التأليف متعددة الصور، فيها سلبيات وإيجابيات وهم ليسوا سواء في التدقيق والثقة وإيضاح المصادر، فإن منهم من التزم بالإسناد بصفة عامة مثل خليفة بن خياط وأبي عبيد وابن شيبة والبلاذري وأبي زرعة وابن عبدالحكم والطبري. ومنهم من ذكر الأسانيد لكنه يجمعها مرة ويفردها مرة مثل ابن إسحاق والواقدي وابن سعد ومنهم ترك الأسانيد بالكلية واكتفى بإيضاح بعض المصادر إما في المقدمة أو أثناء الكتاب، مثل الدينوري واليعقوبي.
– ولقد شارك في تدوين أخبار التاريخ الإسلامي وروايتها مجموعة من الرواة والإخباريين والمؤرخين، الضعفاء أو المتهمين والمطعون في عدالتهم من أتباع الفرق الضالة كالشيعة والخوارج والشعوبية والزنادقة، لذا فإنه لا بد من معرفة عقائد الرواة وأقوال علماء الجرح والتعديل فيهم مع التدقيق في الكتب والمرويات التي تأتي عن طريقهم.
стр. 664
مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبد الهادي الشيباني
المحقق/ المترجم: بدون دار البيارق - الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - وقائع منوعة وأحداث متفرقة
الخاتمة
لعل هذه الدراسة التي تناولت يزيد بن معاوية وبيعته وموقفه من المعارضة، تطمح إلى تقديم صورةٍ متكاملة الإطار التاريخي لتلك الفترة السياسية الحرجة.
فيزيد بن معاوية شخصيةٌ طال حولها الجدل، فقد حامت حول شخصيته شبهات كثيرة، واختلفت وجهات النظر فيه وفي خلافته، فانبرى البعض للدفاع عنه، وانبرى البعض الآخر لاتهامه بشتى الاتهامات، فمسخ شخصيته، وشوه العهد الذي تولى فيه خلافة المسلمين.
وعندما عايشت هذا البحث مدَّةً طويلة -حوالي الأربع سنوات- وجدت أن كثيراً من الاتهامات تتهافت أمام النقد والبحث العلمي، استناداً إلى الأسانيد الصحيحة التي وصلت إليها عن تلك الفترة.
ولعل أهم النتائج التي توصل إليها البحث:
أولاً: فيما يتعلق ببيعة يزيد بن معاوية:
لقد تبين من خلال دراسة الروايات التي وردت بشأن علاقة المغيرة بن شعبة ببيعة يزيد، أنه لم يكن هو المتسبب الرئيسي في حمل معاوية بن أبي سفيان ﵁ على التفكير الجدي ببيعة ولده يزيد.
ولقد جاءت الروايات التي تبرز دور المغيرة بن شعبة في حمل معاوية على مبايعة ولده يزيد، نتيجة لحرص المغيرة على الرجوع مرةً ثانيةً لولاية الكوفة. وقد حقق له معاوية هذه الأمنية في مقابل أن يهيئ الرأي العام في الكوفة لتقبل بيعة يزيد بولاية العهد -على حسب سياق الرواية-.
وتتبدد هذه الرواية التي لم يكتب لها إسنادٌ موثق، أمام إحدى الروايات الصحيحة التي أكَّدت على أن المغيرة بن شعبة ﵁ قد تم عزله بالفعل، وتلوى زياد بن أبي سفيان إمارة الكوفةِ بدلاً منه.
وأضحت كل الدراسات التي تناولت بيعة يزيد بن معاوية وألقت باللائمة في ذلك على الصحابي الجليل: المغيرة بن شعبة ﵁، في وضعٍ يحتاج فيه إلى تعديل يتفق مع النتائج الصحيحة التي توصل إليها البحث في هذا الموضع، وفي غيره من المواضع الأخرى.
ومن النتائج المهمة التي توصل إليها البحث: التحديد الدقيق لوفاة سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، والحسن بن علي ﵃، وبالتالي فإن البيعة ليزيد بولاية العهد إنما جاءت بعد رحيل هؤلاء الصحابة الأجلاء.
ومن النتائج المهمة أيضاً: التوصل إلى دحض تلك الافتراءات التي ربطت بين وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والحسن بن علي ﵃، وبين أخذ البيعة ليزيد بن معاوية. وذلك بعد إخضاع تلك الروايات -التي تزعم تورط معاوية ﵄ بدس السم لهما حتى تخلو الساحة من المعارضين لبيعة يزيد- إلى دراسةٍ نقديةٍ تحليلية، أظهرت كذب تلك الاتهامات، وبينت أنها ناتجة عن دوافع حزبية بغيضة.
كما أظهرت الدراسة: أن البنود الرئيسية لاتفاقية الصلح بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان، لم تتضمن النص على تعيين الحسن بن علي خليفةً للمسلمين بعد وفاة معاوية ﵁.
ومن النتائج المهمة: أن الكيفية التي بايع بها أهل الحجاز ليزيد بن معاوية كانت واضحةً لا لبس فيها، وأن الرواية التي ذكرت أن بيعة أهل الحجاز ليزيد بن معاوية أخذت منهم والسيوف مصلتةٌ على رؤوس الصحابة ﵃ رواية ضعيفة جداً لا يمكن أن تعارض الروايات الصحيحة التي أوضحت كيفية أخذ البيعة ليزيد بن معاوية.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة، وهو أن المعارضة ليزيد بن معاوية لم تكن بتلك الصورة التي صورتها بعض الروايات، ولقد بولغ في إظهار يزيد على أنه شخصية تجمع كل الأطراف على عدم رضاها عن توليه الخلافة من بعد أبيه.
стр. 665
بل إن هناك ما يصل إلى حد الإجماع بين الأطراف الفاعلة في كلٍ من بلاد الشام والعراق، وحتى في داخل الأسرة الأموية، على الرضا التام بترشيح يزيد لأن يكون ولياً للعهد.
ثانياً: معارضة الحسين ﵁:
لقد صورت بعض الروايات -وبالأخص ذات الميول الشيعية- معارضة الحسين ﵁ ليزيد بن معاوية ومن ثم خروجه إلى العراق، على أنها نتاج طبيعي للجور والظلم الذي تعرض له الحسين ﵁ على يد يزيد بن معاوية.
ولكن الدراسة أظهرت زيف تلك المزاعم، فالحسين ﵁، خرج من المدينة إلى مكة حينما وردت الأخبار من بلاد الشام بوفاة معاوية ﵁، ومكث في مكة قرابة الأربعة أشهر وهو معارضٌ ليزيد ورافضاً البيعة له بالخلافة، وذلك في الوقت الذي تتوافد عليه رسائل أهل الكوفة وتستحثه على الخروج إليهم، وطوال إقامته في مكة لم يتعرض له يزيد أو أحدٌ من أمراء مكة والمدينة بأي أذى.
وبالتالي كان خروجه إلى الكوفة نتيجةً لتلك العهود والأماني التي جاءته من الكوفة، والتي تظهر له الوضع هناك بأنه مهيئاً تماماً لقدومه.
وحينما خرج الحسين ﵁ إلى الكوفة، لم يوافقه أحدٌ من الصحابة أو أقاربه على خروجه، الأمر الذي يظهر معرفة أولئك الناصحين للحسين بخطورة الوضع الذي يقدم عليه، بل إن البعض من الصحابة الذين نصحوه ودَّعوه الوداع الأخير.
ومن الأمور التي توصَّل لها البحث: هو أن يزيد بن معاوية لا يتحمل شيئاً من مسؤولية قتل الحسين ﵁.
وقد أثبتت الدراسة حزن يزيد وبكائه حينما ورده الخبر بمقتل الحسين، وعندما قدم عليه في دمشق آل الحسين ﵁ من نساء وصبيان، بالغ في احترامهم وتقديرهم وذلك حتى يخفف عليهم ألم المصيبة، ثم بعد إكرامهم، أرسلهم إلى المدينة معززين مكرمين، وطلب من علي بن الحسين أن يكتب له في أي شيء يريده.
وقد أثبتت الدراسة في مقابل ذلك كذب تلك الروايات التي تظهر أن أبناء الحسين حملوه إلى دمشق على أنهم سبايا، وعُرض نساؤه وأبناؤه أمام أهل الشام، وأظهر بعض الناس الرغبة في أخذ بعض بنات الحسين، إلى ما سوى ذلك من الافتراء والبهتان.
كما توصلت الدراسة إلى أن رأس الحسين ﵁ أرسل به يزيد إلى والي المدينة وقبل عند أمه فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ .
وفي المقابل أثبتت الدراسة أن المشاهد المقامة في أماكن كثيرةٍ من البلدان، والتي كل منها يدعي أصحابه أن رأس الحسين مقبورٌ فيها، لا أساس لها من الصحة، إضافةً إلى ما يجري عند تلك المشاهد من أنواع الشرك والضلالات التي هي مخالفةٌ لأصل الإسلام وروحه.
ثالثاً: معارضة أهل المدينة ومعركة الحرة:
لقد توصلت الدراسة إلى أن العلاقة بين حركة أهل المدينة ومعارضة ابن الزبير علاقة كبيرة، بل إن التشابك بين المعارضتين يبلغ الحد الذي يجعل أحد شهود العيان في تلك الفترة يقول: أن أهل المدينة خرجوا على يزيد مع ابن الزبير (١).
ولعل اتهام يزيد بشرب الخمر وتناقل هذا الاتهام بشكلٍ كبيرٍ بين أفراد المدينيين، ومن ثم إظهار هذا الاتهام على أنه الدافع الرئيس لخروجهم على يزيد، ما هو إلا غطاء لرفض خلافة يزيد والتأييد الواضح لابن الزبير ﵁.
ولعل الرفض لا يشمل شخص يزيد فقط دون غيره من أفراد البيت الأموي، بل إن ذلك الرفض يتعدى يزيد ليشمل كل أفراد البيت الأموي، ويتضح هذا الأمر في موقف أهل المدينة من الأمويين الساكنين في المدينة، حينما أخرجوهم بالقوة وتحت تهديد السلاح.
كما لم يثبت من خلال استعراضنا للروايات، وإخضاعها للنقد والتحليل، أي دليلٍ صريحٍ وواضحٍ في أن يزيد يتعاطى شرب الخمر.
стр. 666
وقد أبرزت الدراسة من خلال مواقف بعض كبار شخصيات أهل المدينة من خلع يزيد، ورفضهم لذلك، من أمثال ابن عمر، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، على أن موجبات خلع يزيد لم تتحقق، وكان في رف أهل المدينة لمناقشة ابن عمر ومحمد بن الحنفية بشأن خلع يزيد بن معاوية ما يؤكد الدوافع المسبقة للمدينيين، والمتضامنة مع ابن الزبير في رفضهم لخلافة يزيد خصوصاً، وللبيت الأموي عموماً.
كما توصلت الدراسة إلى بيان تهافت الروايات التي زعمت بوقوع حالات اغتصاب كبيرة للنساء المدنيات، وذلك حينما أخضعت تلك الروايات للدراسة النقدية والتحليلية، والمنهج العلمي المتجرد من الميول على قدر الطاقة، والاستطاعة.
رابعاً: معارضة ابن الزبير ﵁ وحصاره بالحرم المكي:
نظراً لأن الصراع بين ابن الزبير ويزيد بن معاوية لم يأخذ الصفة العسكرية إلا في أواخر أيام يزيد بن معاوية، فإن الفترة التي عالجها البحث في ذلك الإطار تتميز بالاقتضاب إذا ما قورنت بالفترة التي استعرضت معارضة الحسين ﵁ أو حركة أهل المدينة، ولكن مع ذلك فقد توصلت الدراسة إلى بعض النتائج المهمة مثل:
رغبة يزيد بن معاوية في تجنب حرب ابن الزبير، ويبدو ذلك واضحاً من خلال الرسائل والوفود الذين وسَّطهم يزيد عند ابن الزبير ليتخلى عن معارضته.
ومن النتائج المهمة: هو أن حصار ابن الزبير ﵁ في داخل الحرم، ورمي أهل الشام له بالمنجنيق لا يقصد بذلك إهانة البيت، بقدر ما يقصد ابن الزبير ومن معه من المعارضين للخليفة.
وكذلك فإن احتراق الكعبة -سواءً كان هذا الاحتراق جاء بسبب الشاميين أو بسبب أتباع ابن الزبير، أو حتى ابن الزبير نفسه- لم يكن مقصوداً به الكعبة ذاتها، وذلك لأن لها المنزلة العظيمة في نفوس كلا الفريقين.
ولابد من كلمةٍ أخيرةٍ حول يزيد بن معاوية والمعارضين له.
فنقول أن يزيد لم تستقر له الأمور مدة خلافته حتى يمكن لنا من خلال تلك الفترة أن نحكم على مدى صلاحه لرئاسة الدولة وخلافة الأمة.
فقد جوبه يزيد بالمعارضة من أول يوم تسلَّم فيه منصب الخلافة، ثم إن الذين عارضوه يمثلون أفضل عصرهم -الحسين بن علي، وابن الزبير ﵃ فمهما كان يزيد على جانبٍ من الحق فإن الشعور بتخطئته سيكون هو المسيطر على غالبية الناس وذلك لمكانة المعارضين.
ثم إن الظروف السياسية التي كانت سائدةً في ذلك العصر، هي التي مهَّدت السبيل إلى افتعال الكثيرِ من الاتهامات الموجهةِ ضد يزيد.
ويبدو أن يزيد كان ميالاً إلى السلم، ويرغب في عدم تصعيد المواجهة مع معارضيه، ولما لم يجد بُداً من المواجهة لجأ إلا استخدام القوة التي صاحبها الكثير من العنف.
لقد كان يزيد بين ثلاثة خيارات:
١ - التنازل عن الخلافة نزولاً عند رغبة المعارضة.
٢ - السكوت عن انفصال بعض الأقاليم المهمة عن الدولة.
٣ - القضاء على المعارضين والحفاظ على هيبة الدولة ووحدتها.
إن لجوء المعارضة إلى السيف جعل يزيد في موقعِ المدافع الخائف على سلطانه ونفسه.
وقد لازم هذا الشعور كل الخلفاء فيما بعد، فإما أن يقضي الخليفة على عدوه الذي يمثل المعارضة، وإما أن يقضي عدوه عليه. أي المعارضة.
لقد فقدت المعارضة روح التفاهم مع السلطة الحاكمة، منذ فجر التاريخ الإسلامي، وكانت تلجأ إلى السيف كوسيلة للاحتكام، والسلطة تلجأ إلى السيف كردة فعل إزاء المعارضة، والغلبة -في الغالب- لصالح السلطة وذلك بسبب إمكانياتها الكبيرة.
ولقد أفضى انتصار السلطة وبطشها بالمعارضين إلى نزعة الاستبداد التي هيمنت على كثيرٍ من خلفاء المسلمين، وحكامهم على مدى فترات التاريخ الإسلامي، وإلى ابتعاد الشخصيات التي يمكن الاستفادة منها عن مواطن اتخاذ القرار، فهؤلاء المعارضون لا يرون أملاً في صلاح الحاكم، والحاكم لا يأبه بالمعارضين لتفوقه الساحق عليهم.
الأمر الذي أوجد خللاً في نظام حكم بعض الدول الإسلامية، وانعدمت روح الشورى، وروح التناصح، والرغبة في مصلحة الأمة، وذلك وفق الضوابط الشرعية المفضية إلى سعادة الدنيا والآخرة.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،
стр. 667
مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية (٦٠ - ٦٤ه ـ)
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالهادي الشيباني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة- الرياض ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: تاريخ - الدولة الأموية
الخاتمة:
لعل هذه الدراسة التي تناولت يزيد بن معاوية وبيعته وموقفه من المعارضة، تطمع إلى تقديم صورة متكاملة الإطار التأريخي لتلك الفترة السياسية الحرجة.
فيزيد بن معاوية شخصية طال حولها الجدل؛ فقد حامت حول شخصيته شبهات كثيرة، واختلفت وجهات النظر فيه وفي خلافته، فانبرى البعض للدفاع عنه، وانبرى البعض الآخر لاتهامه بشتى الاتهامات، فمسخ شخصيته، وشوه العقد الذي تولى فيه خلافة المسلمين.
وعندما عايشت هذا البحث مدة طويلة – حوالي أربع سنوات – وجدت أن كثيراً من الاتهامات تتهافت أمام النقد والبحث العلمي، استناداً إلى الأسانيد الصحيحة التي وصلت إلينا عن تلك الفترة.
ولعل أهم النتائج التي توصل إليها البحث:
أولاً: فيما يتعلق ببيعة يزيد بن معاوية:
• لقد تبين من خلال دراسة الروايات التي وردت بشأن علاقة المغيرة بن شعبة ببيعة يزيد، أنه لم يكن هو المتسبب الرئيسي في حمل معاوية بن أبي سفيان ﵁ على التفكير الجدي ببيعة ولده يزيد.
ولقد جاءت الروايات التي تبرز دور المغيرة بن شعبة في حمل معاوية على مبايعة ولده يزيد، نتيجة لحرص المغيرة على الرجوع مرة ثانية لولاية الكوفة.
وقد حقق له معاوية هذه الأمنية في مقابل أن يهيئ الرأي العام في الكوفة لتقبل بيعة يزيد بولاية العهد، على حسب سياق الرواية.
وتتبدد هذه الرواية التي لم يكتب لها إسناد موثق، أمام إحدى الروايات الصحيحة التي أكدت على أن المغيرة بن شعبة ﵁ قد تم عزله بالفعل، وتولى زياد بن أبي سفيان إمارة الكوفة بدلاً منه.
وأضحت كل الدراسات التي تناولت بيعة يزيد بن معاوية وألقت باللائمة في ذلك على الصحابي الجليل: المغيرة بن شعبة ﵁ في وضع يحتاج فيه إلى تعديل يتفق مع النتائج الصحيحة التي توصل إليها البحث في هذا الموضع، وفي غيره من المواضع الأخرى.
• ومن النتائج المهمة التي توصل إليها البحث: التحديد الدقيق لوفاة سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، والحسن بن علي ﵃، وبالتالي فإن البيعة ليزيد بولاية العهد إنما جاءت بعد رحيل هؤلاء الصحابة الأجلاء.
• ومن النتائج المهمة أيضاً: التوصل إلى دحض تلك الافتراءات التي ربطت بين وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والحسن بن علي ﵁، وبين أخذ البيعة ليزيد بن معاوية؛ وذلك بعد إخضاع تلك الروايات – التي تزعم تورط معاوية ﵁ بدس السم لهما حتى تخلو الساحة من المعارضين لبيعة يزيد – إلى دراسة نقدية تحليلية، أظهرت كذب تلك الاتهامات، وبينت أنها ناتجة عن دوافع حزبية بغيضة.
• كما أظهرت الدراسة: أن البنود الرئيسية لاتفاقية الصلح بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان، لم تتضمن النص على تعيين الحسن بن علي خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية ﵁.
• ومن النتائج المهمة: أن الكيفية التي بايع بها أهل الحجاز ليزيد بن معاوية كانت واضحة لا بأس فيها، وأن الرواية التي ذكرت أن بيعة أهل الحجاز ليزيد بن معاوية أخذت منهم والسيوف مصلته على رؤوس الصحابة ﵃ رواية ضعيفة جداً لا يمكن أن تعارض الروايات الصحيحة التي أوضحت كيفية أخذ البيعة ليزيد بن معاوية.
• ومن الأمور الجديرة بالملاحظة: هو أن المعارضة ليزيد بن معاوية لم تكن بتلك الصورة التي صورتها بعض الروايات، ولقد بولغ في إظهار يزيد على أنه شخصية تجمع كل الأطراف على عدم رضاها على توليه الخلافة من بعد أبيه.
стр. 668
بل إن هناك ما يصل إلى حد الإجماع بين الأطراف الفاعلة في كل من بلاد الشام والعراق، وحتى في داخل الأسرة الأموية، على الرضا التام بترشيح يزيد لأن يكون ولياً للعهد.
ثانياً: معارضة الحسين بن علي ﵁:
• لقد صورت بعض الروايات – وبالأخص ذات الميول الشيعية – معارضة الحسين ﵁ ليزيد بن معاوية، ومن ثم خروجه إلى العراق، على أنها نتاج طبيعي للجور والظلم الذي تعرض له الحسين ﵁ على يدي يزيد بن معاوية.
ولكن الدراسة أظهرت زيف تلك المزاعم؛ فالحسين ﵁ خرج من المدينة إلى مكة حينما وردت الأخبار من بلاد الشام بوفاة معاوية ﵁، ومكث في مكة قرابة الأربعة أشهر وهو معارض ليزيد ورافض البيعة له بالخلافة، وذلك في الوقت الذي تتوافد عليه رسائل أهل الكوفة وتستحثه على الخروج إليهم، وطوال إقامته في مكة لم يتعرض له يزيد أو أحد من أمراء مكة والمدينة بأي أذى.
وبالتالي كان خروجه إلى الكوفة نتيجة لتلك العهود والأماني التي جاءته من الكوفة، والتي تظهر له الوضع هناك بأنه مهيأ تماماً لقدومه.
وحينما خرج الحسين ﵁ إلى الكوفة، لم يوافقه أحد من الصحابة أو أقاربه على خروجه، الأمر الذي يظهر معرفة أولئك الناصحين للحسين بخطورة الوضع الذي يقدم عليه، بل إن البعض من الصحابة الذين نصحوه قد ودعوه الوداع الأخير.
• ومن الأمور التي توصل إليها البحث: هو أن يزيد بن معاوية لا يتحمل شيئاً من مسؤولية قتل الحسين ﵁.
• وقد أثبتت الدراسة حزن يزيد وبكائه حينما ورده الخبر بمقتل الحسين، وعندما قدم عليه في دمشق آل الحسين ﵁ من نساء وصبيان بالغ في احترامهم وتقديرهم؛ وذلك حتى يخفف عليهم ألم المصيبة، ثم بعد إكرامهم أرسلهم إلى المدينة معززين مكرمين، وطلب من علي بن الحسين أن يكتب له في أي شيء يريده.
• وقد أثبتت الدراسة في مقابل ذلك كذب تلك الروايات التي تظهر أن أبناء الحسين حملوا إلى دمشق على أنهم سبايا، وعرض نساؤه وأبناؤه أمام أهل الشام، وأظهر بعض الناس الرغبة في أخذ بعض بنات الحسين، إلى ما سوى ذلك من الافتراء والبهتان.
• كما توصلت الدراسة إلى أن رأس الحسين ﵁ أرسل به يزيد إلى والي المدينة، وقبر عند أمه فاطمة ﵂ – بنت رسول الله ﷺ .
• وفي المقابل أثبتت الدراسة أن المشاهد المقامة في أماكن كثيرة من البلدان، والتي كل منها يدعي أصحابه أن رأس الحسين مقبور فيها، لا أساس لها من الصحة، إضافة إلى ما يجري عند تلك المشاهد من أنواع الشرك والضلالات التي هي مخالفة لأصل الإسلام وروحه.
ثالثاً: معارضة أهل المدينة ومعركة الحركة:
• لقد توصلت الدراسة إلى أن العلاقة بين حركة أهل المدينة ومعارضة ابن الزبير علاقة كبيرة، بل إن التشابك بين المعارضتين يبلغ الحد الذي يجعل أحد شهود العيان في تلك الفترة يقول: إن أهل المدينة خرجوا على يزيد مع ابن الزبير.
ولعل اتهام يزيد بشرب الخمر وتناقل هذا الاتهام بشكل كبير بين أفراد المدينيين، ومن ثم إظهار هذا الاتهام على أنه الدافع الرئيسي لخروجهم على يزيد، ما هو إلا غطاء لرفض خلافة يزيد والتأييد الواضح لابن الزبير ﵄.
• ولعل الرفض لا يشمل شخص يزيد فقط دون غيره من أفراد البيت الأموي، بل إن ذلك الرفض يتعدى يزيد ليشمل كل أفراد البيت الأموي، ويتضح هذا الأمر في موقف أهل المدينة من الأمويين الساكنين في المدينة، حينما أخرجوهم بالقوة وتحت تهديد السلاح.
• كما لم يثبت من خلال استعراضنا للروايات، وإخضاعها للنقد والتحليل، أي دليل صريح وواضح في أن يزيد يتعاطى شرب الخمر.
стр. 669
• وقد أبرزت الدراسة من خلال مواقف بعض كبار شخصيات أهل المدينة من خلع يزيد، ورفضهم لذلك؛ من أمثال: ابن عمر، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، أن موجبات خلع يزيد لم تتحقق، وكان في رفض أهل المدينة لمناقشة ابن عمر ومحمد بن الحنفية بشأن خلع يزيد بن معاوية ما يؤكد الدوافع المسبقة للمدينيين، والمتضامنة مع ابن الزبير في رفضهم لخلافة يزيد خصوصاً، وللبيت الأموي عموماً.
• كما توصلت الدراسة إلى بيان تهافت الروايات التي زعمت بوقوع حالات اغتصاب كبيرة للنساء المدينيات؛ وذلك حينما أخضعت تلك الروايات للدراسة النقدية والتحليلية، والمنهج العلمي المتجرد من الميول على قدر الطاقة والاستطاعة.
رابعاً: معارضة ابن الزبير – ﵄ – وحصاره بالحرم المكي:
نظراً لأن الصراع بين ابن الزبير ويزيد بن معاوية لم يأخذ الصفة العسكرية إلا في أواخر أيام يزيد بن معاوية، فإن الفترة التي عالجها البحث في ذلك الإطار تتميز بالاقتضاب إذا ما قورنت بالفترة التي استعرضت معارضة الحسين ﵁، أو حركة أهل المدينة، ولكن مع ذلك فقط توصلت الدراسة إلى بعض النتائج المهمة مثل:
• رغبة يزيد بن معاوية في تجنب حرب مع ابن الزبير؛ ويبدو ذلك واضحاً من خلال الرسل والوفود الذين وسطهم يزيد عند ابن الزبير ليتخلى عن معارضته.
• ومن النتائج المهمة: هو أن حصار ابن الزبير ﵄ في داخل الحرم، ورمي أهل الشام له بالمنجنيق؛ لا يقصد بذلك إهانة البيت، بقدر ما يقصد ابن الزبير ومن معه من المعارضين للخليفة.
وكذلك فإن احتراق الكعبة – سواء كان هذا الاحتراق جاء بسبب الشاميين، أو بسبب أتباع ابن الزبير، أو حتى ابن الزبير نفسه – لم يكن مقصوداً به الكعبة ذاتها؛ وذلك لأن لها المنزلة العظيمة في نفوس كلا الفريقين.
ولابد من كلمة أخيرة حول يزيد بن معاوية والمعارضين له:
فنقول: إن يزيد لم تستقر له الأمور مدة خلافته حتى يمكن لنا من خلال تلك الفترة أن نحكم على مدى صلاحه لرئاسة الدولة وخلافة الأمة.
• فقد جوبه يزيد بالمعارضة من أول يوم تسلم فيه منصب الخلافة، ثم إن الذين عارضوه يمثلون أفضل عصرهم – الحسين بن علي، وابن الزبير ﵃ – فمهما كان يزيد على جانب من الحق فإن الشعور بتخطئته سيكون هو المسيطر على غالبية الناس؛ وذلك لمكانة المعارضين.
• ثم إن الظروف السياسية التي كانت سائدة في ذلك العصر، هي التي مهدت السبيل إلى افتعال الكثير من الاتهامات الموجهة ضد يزيد.
• ويبدو أن يزيد كان ميالاً إلى السلم، ويرغب في عدم تصعيد المواجهة مع معارضيه، ولما لم يجد بُدّاً من المواجهة لجأ إلى استخدام القوة التي صاحبها الكثير من العنف.
لقد كان يزيد بين ثلاثة خيارات:
١ - التنازل عن الخلافة نزولاً عند رغبة المعارضة.
٢ - السكوت عن انفصال بعض الأقاليم المهمة عن الدولة.
٣ - القضاء على المعارضين والحفاظ على هيبة الدولة ووحدتها.
• إن لجوء المعارضة إلى السيف جعل يزيد في موقع المدافع الخائف على سلطانه ونفسه.
• وقد لازم هذا الشعور كل الخلفاء فيما بعد؛ فإما أن يقضي الخليفة على عدوه الذي يمثل المعارضة، وإما أن يقضي عدوه عليه؛ أي المعارضة.
لقد فقدت المعارضة روح التفاهم مع السلطة الحاكمة منذ فجر التاريخ الإسلامي، وكانت تلجأ إلى السيف كوسيلة للاحتكام، والسلطة تلجأ إلى السيف كردة فعل إزاء المعارضة، والغلبة – في الغالب – لصالح السلطة؛ وذلك بسبب إمكانياتها الكبيرة.
• ولقد أفضى انتصار السلطة وبطشها بالمعارضين إلى نزعة الاستبداد التي هيمنت على كثير من خلفاء المسلمين وحكامهم على مدى فترات التاريخ الإسلامي، وإلى ابتعاد الشخصيات التي يمكن الاستفادة منها عن مواطن اتخاذ القرار؛ فهؤلاء المعارضون لا يرون أملاً في صلاح الحاكم، والحاكم لا يأبه بالمعارضين لتفوقه الساحق عليهم.
الأمر الذي أوجد خللاً في نظام حكم بعض الدول الإسلامية، وانعدمت روح الشورى، وروح التناصح، والرغبة في مصلحة الأمة، وذلك وفق الضوابط الشرعية المفضية إلى سعادة الدنيا والآخرة.
стр. 670
نهاية التاريخ دراسة شرعية تأصيلية جادة
المؤلف/ المشرف: تركي بن عيسى العبدلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: غراس - الكويت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٥هـ
تصنيف رئيس: تاريخ
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
نتائج البحث:
١ - يرجع المسجد الأقصى للمسلمين فيعمرونه ويزورونه ويبقى اليهود في بقايا فلسطين.
٢ - خروج أهل المدينة من المدينة لأمر سوء فتهجر ولا يعمرها إلا القليل وهو بخلاف الهجرة الكبرى آخر الزمان. ٣ - تكون حرب عظيمة نتحالف مع الروم فيها ضد عدو من ورائنا ويكون النصر حليفنا من غير خسارة في صفوفنا.
٤ - في خضم هذه الحرب يظهر المهدي ويبايع ويأتيه جيش لغزوه فيخسف به فيظهر المهدي على أعداء المسلمين.
٥ - تجتمع الروم بجيش قوامه قرابة ٩٦٠٠٠٠ ألف جندي لقتالنا وتسمى هذه المواجهة "الملحمة العظمى" تكون جيوشنا بالغوطة بجانب دمشق وجيوش الكفار (الروم) بحلب أو حولها على الحدود التركية.
٦ - يفتح الله للمسلمين بعد مقتلة عظيمة مع الروم فيسيرون حتى يفتحوا القسطنطينية ويفكوا أسرها من أيدي الكفار.
٧ - بعد رجوع الجيش يخرج الدجال ويسير مسيرته الطويلة في الأرض خلال ٤٣٩ يوما تقريبا، ويواكب خروجه تغير في ساعات الليل والنهار.
٨ - يقاتل الدجال جيوش المسلمين وأشدهم عليه بنو تميم، لكن لا يستطيعون أن ينتصروا (وكل هذه الأحداث والمهدي بين أظهر المسلمين).